وادي النسيان 4 شاهنده

نقلت شاهيناز عيونها بين خالد ومؤيد..لتطرق برأسها فى إنكسار تنهمر دموعها على وجهها وهي تبتعد بسرعة خارجة من الشقة تتابعها عيون كل من خالد ومؤيد النافرة الغاضبة المحتقرة..وما إن غادرت حتى إلتفت إلي خالد إلى مؤيد الجالس بإنكسار ليشعر خالد بالشفقة عليه..إقترب منه خالد قائلا:
إنت كويس يامؤيد؟

رفع إليه مؤيد عينان دامعتان وهو يقول:
وهكون كويس إزاي بعد اللى عرفته ده ياخالد؟بنتى كانت أدامى طول الوقت ده وأنا محروم منها ومحروم من كلمة بابا اللى حلمت بيها عمر بحاله..أنا مش قادر أستوعب المفاجأة.

قال خالد برفق:
أنا كمان كنت زيك..ضربة قوية خدناها بس الضربة اللى مبتموتش بتقوى يامؤيد..وأنا عايزك قوى عشان خاطر ريم.

قال مؤيد:
تفتكر هقدر أواجهها بالحقيقة دى؟

قال خالد بحزم:
لازم نواجهها مع بعض ونمهدلها الموضوع ولازم كل حاجة غلط تتصلح يامؤيد..ما بني على باطل فهو باطل..ريم هتفضل بنتى طول العمر..الأبوة مش بالدم..بالعشرة والتربية.. بس لازم كمان تعرف إنك باباها..صحيح مش هينفع نقولها الحقيقة مرة واحدة..وهنجيبهالها بالتدريج..بس أنا واثق ان ريم هتقدر تستوعبها وتستحملها..ريم بنت ذكية..وميتخافش عليها..صدقنى.

نظر مؤيد إلى عيون خالد الواثقة القوية ليستمد قوته منهما..يومئ برأسه بهدوء….وراحة.

********************

وقفت شاهيناز فى هذا الوقت المتأخر تتطلع بصمت إلى صفحة النيل العميقة أمامها..تتطلع إلى مياهه السوداء تماما كقلبها الآن..قد خلقه الله صافيا فلوثه البشر..كذلك كان قلبها فى صغرها قبل أن تلوثه أفعال أباها وأمها..فلم تخبر أحدا قط عن نشأتها المتواضعة فى منزل بحي فقير من أحياء القاهرة..لاقت من أبيها تعذيبا وقسوة ولاقت من أمها إهمالا ولا مبالاة بما يحدث لها..لتنشأ حاقدة كارهة لهما..تمتلئ نفسها بالحقد أيضا على أقرانها ممن يمتلكون حياة طبيعية تختلف عنها..لتكون الطامة الكبرى حين قت*ل أباها شريكه فى التجارة وسرق المال..هكذا سمعته يخبر أمها فى تلك الليلة المشئومة..ليصبح بعدها والدها هو توفيق حسان صاحب الشركة التى حولها بالرشاوى والفساد إلى شركة مشهورة..لتنغمس والدتها فى الحفلات تاركة إبنتها تضيع ..تشرب المخدرات وتنتقل من أحضان رجل لآخر غير آبهة بأي شئ ..ليتوفى والدها وتتزوج والدتها بعده عدة مرات..حتى حينها لم تبالى شاهيناز سوى بنفسها فقط..وليذهب الجميع إلى الجحيم..لتستيقظ يوما فى المستشفى يخبرونها أنها كادت أن تموت بجرعة زائدة من الهيروين..وكالعادة وفى أي مصيبة لها وجدت نفسها وحدها تماما..لتقرر الإقلاع عن المخدرات وقد وجدت نفسها فجأة تحب الحياة..وبالفعل أقلعت عن المخدرات بعزيمة وإرادة..وحينها تزوجت والدتها بوالدة مؤيد وأصبح لديها إدمان من نوع آخر.. إسمه مؤيد..أحبته كثيرا بكل كينونته..مميزاته وعيوبه..وسامته وإستهتاره..عقله وجنونه..ولكنه لم يراها..ولن يراها قط..لتدرك فجأة أنها لن تشفى تلك المرة من الإدمان ولن تستطع الإقلاع عن حبه أبدا..سوى بالموت..نعم الموت..ربما هو الحل الوحيد لكل عقدها ..فربما لو ماتت ما شعرت بهذا الألم الذى يعتصر قلبها الآن بقوة..ولإبتعدت عن حياة طفلتها فلا تنشأ مثلها..رغم أنها تدرك أن خالد ومؤيد سيحرمانها منها بالتأكيد..وحتى إن تركوها تراها فماذا ستقول لها عن سبب إنفصالها عن خالد وماذا ستقول لها عن مؤيد؟لقد خربت حياتها بالكامل وخسرت كل شئ..إذا فلتخسر حياتها بدورها..فلاشئ فيها قد يجعلها تتمسك بتلك الحياة الغريبة البائسة..صعدت على السور بسرعة ونظرت إلى المياه المتلاطمة بخوف ولكنها مالبثت أن أغمضت عينيها وهي تقفز فى المياه..أحست بالمياه تغمرها..تخنقها ..تسحب أنفاسها وتزهق روحها..حاولت التمسك بحياة تنساب من بين يديها.. ومقاومة تيار المياه ولكنها كانت أضعف من أن تقاومها لتضعف مقاومتها رويدا رويدا حتى خفتت تماما وغاصت إلى الأعماق.. وإختفت تماما من على سطح الماء..لترحل شاهيناز وقد خسرت دنياها وآخرتها.. نسيت فى غفلة منها أننا مهما عانينا فى تلك الدنيا الفانية فعلينا أن نتمسك بالأمل فى الله وأن نرجوا منه فرجا لهمومنا.. فالمنتحر قانط من رحمة الله.. مثواه جهنم ……وبئس المصير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *