قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

الفصل الثالث
نوفيلا قدرا لايشبه بقلم سيلا وليد
ابتعدت ليلى عنه خطوة، لكنه تقدم نحوها حتى حاصرها بينه وبين الحائط.
ارتجفت شفتاها، وخرج صوتها ضعيفًا مرتعشًا:
_ لو سمحت… ابعد.
قالتها وهي تغالب دموعها، لكنّه لم يتحرك.
_ لو سمحت ابعد عني.
رفعت يدها الصغيرة، ودفعته بها في صدره، إلا أنه قبض على معصمها وجذبها نحوه، فاصطدمت بصدره رغماً عنها.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب ودلف مدحت.
_ عمران بيه…
لم يلتفت إليه، وظلت عيناه معلقتين بليلى.
_ بتعملي إيه هنا؟
انسابت دموعها بصمت، ولم تجد ما تقوله.
كرر مدحت، بنبرة أكثر إلحاحًا:
_ عمران بيه…
استدار إليه أخيرًا، فاستغلت ليلى اللحظة، وأفلتت نفسها منه، ثم اندفعت خارج المكتب دون أن تلتفت خلفها.
تابع عمران خروجها بعينيه حتى اختفت، قبل أن يقترب منه مدحت قائلًا:
_ أنا آسف لحضرتك، البنت صغيرة ومكنتش تقصد أي حاجة.
جلس عمران على مقعده، وأسند ظهره إليه، ثم قال ببرود:
_ هاتلي ملف أخوها… ويجي هو وهي يعتذروا
تردد مدحت لحظة.
— عمران بيه…
رفع عمران عينيه إليه بحدة:
— قولت إيه يا مدحت؟ نفّذ.
أومأ مدحت سريعًا.
— تحت أمرك يا بيه.
خرج، بينما بقي عمران مكانه. مرر يده بعنف على وجهه، ثم توقف فجأة، ورفع كفه إلى أنفه.
كانت رائحتها لا تزال عالقة بيده…
رائحة غريبة لم يعتدها.
تذكر حين اصطدمت بصدره، فعبس دون أن يفهم سبب اهتمامه بتفصيل كهذا.
وقبل أن يسترسل في أفكاره، طرق أحدهم الباب، ثم فُتح ودخلت ملك، شقيقته، برفقة نيفين.
— ملك؟ إيه اللي جابك؟
اقتربت منه بابتسامة عفوية:
— كنت بعمل شوبينج مع نيفين، وقولنا نعدي عليك، بما إن ماما راحت لخالتو… نتغدى بره سوا.
بقلم سيلا وليد
وقبل أن يجيب، انفتح الباب من جديد.
دلف فريد، وبجواره ليلى.
توقفت ليلى للحظة ما إن وقعت عيناها على عمران، وكأن رؤيته أربكتها، ثم أشاحت بوجهها سريعًا، بينما تقدم فريد منه قائلًا:
— حضرتك طلبتني يا عمران بيه؟
رفع عمران عينيه إليه، ثم انتقلت نظرته، دون إرادة منه، إلى ليلى الواقفة خلف شقيقها، قبل أن يعيد بصره إلى فريد، وقد عادت ملامحه إلى جمودها المعتاد.
— أيوه.
ثم التفت إلى ملك ونيفين، وقال بلهجة مقتضبة:
— استنوني في الاستراحة.
أومأت ملك، واستدارت لتغادر، لكن عينيها وقعتا على ليلى التي كانت تقف بجوار فريد، متشبثة بكفه في توتر.
توقفت ملك، ثم اقتربت منها قليلًا، وسألتها بفضول:
— إنتِ شغالة هنا؟
رفعت ليلى عينيها إليها، وظلت صامتة للحظة، قبل أن تومئ بخجل.
لكن ملك لم تكتفِ، فأعادت سؤالها بدهشة:
— إنتِ شغالة هنا؟
وقبل أن تجيب ليلى، جاء صوت عمران من خلفها، حادًا ومقتضبًا:
— ملك… قلت إيه؟
التفتت ملك إلى شقيقها، ثم أشارت إلى ليلى قائلة بعفوية:
— هي شغالة هنا يا أبيه؟
— آه.
قالها عمران وهو ينظر إلى ليلى للحظة، قبل أن يشيح بعينيه عنها.
اتسعت عينا ملك بدهشة:
— معقول؟! شكلها صغير أوي!
قبض عمران على فكه، وتمتم من بين أسنانه محذرًا:
— ملك…
فهمت الأخيرة نبرة شقيقها، فتراجعت على الفور، بينما أمسكت نيفين بذراعها وسحبتها معها إلى الخارج.
وقبل أن تغادر، التفتت ملك مرة أخرى إلى ليلى، وكأن فضولها لم ينتهِ بعد، ثم خرجت بصحبة نيفين
أشار عمران إلى فريد، فتقدم الأخير نحوه، بينما ابتعدت ليلى قليلًا وجلست بالقرب من الأريكة، تتابع حديثهما بصمت.
قال عمران بلهجة جادة، وهو يحدق في فريد:
— أنا عايز أعرف… إنت شغال في شركة ولا في مدرسة؟
ابتلع فريد ريقه، وقال معتذرًا:
— آسف يا عمران بيه، ليلى في أولى جامعة، ومبقالهاش كتير هنا. إحنا كنا راجعين البلد، بس الملف أخّرني، علشان كده هي جت على الشركة.
رفع عمران نظره إليها، فتلاقت عيناه بعينيها للحظات، قبل أن تخفض ليلى بصرها سريعًا إلى الأرض.
عاد عمران بنظره إلى فريد:
— ليه الملف من امبارح مخلصش؟
حمحم فريد بحرج قبل أن يجيب:
— حضرتك، الملف كل نتائجه مختلفة عن اللي حضرتك حاطه في الميزانية، ومستر مدحت مكنش موجود. وأنا حاولت أوصل لحضرتك، بس السكرتيرة قالت إن حضرتك مشغول.
ضيق عمران عينيه قليلًا، ثم سأل:
— إنت اللي جيت قبل كده؟
أومأ فريد:
— أيوه.
ثم تابع موضحًا:
— أنا مش بقالى كتير في الشركة، ومش خبير زي خبراء حضرتك، بس فيه أرقام في الملفات مش متسجلة، ومستر مدحت لسه راجع النهارده.
أخذ عمران ينقر بأصابعه على سطح المكتب، يستمع إليه باهتمام، بينما تحركت ليلى وجلست على الأريكة الموضوعة بجوار المكتب.
رفع عمران عينيه إليها دون قصد.
وجدها تنظر إليه، فقالت بعفوية شديدة:
— بتبص لي ليه؟ رجلي وجعتني، وشكلكم مطولين في الكلام.
ساد الصمت لثوانٍ.
رمقها فريد بنظرة عتاب، ثم قال سريعًا:
— آسف يا عمران بيه… هي ليلى كده. أوعدك مش هتيجي الشركة تاني.
ظل عمران يحدق بها، ثم ضيق عينيه قليلًا وسأل:
— إنتِ في كلية إيه؟
رفعت ليلى حاجبًا بدهشة، ثم قالت :
— إيه؟ هتشغلني عندك؟
لم يشعر عمران بنفسه إلا وهو يطلق ضحكة عالية، صافية، على غير عادته، حتى أغمض عينيه للحظة من شدة الضحك.
توقفت ضحكته تدريجيًا، بينما ظلت ليلى تحدق به بدهشة.
ولسبب لم تفهمه، شعرت بشيء دافئ ولذيذ يتسلل إلى قلبها، فسرعان ما أشاحت بوجهها، تخفي ابتسامتها الصغيرة.
_ايه الراجل غريب الاطوار دا، هو طيب ولا بيستهبل
هز عمران رأسه، وقال وهو يستعيد هدوءه، ينظر لشفتيها التي تحركها بالحديث، ورغم ذلك وقال
— لا مش هنزعق لك، آه… إيه رأيك في شركتنا المتواضعة؟
ابتسمت ليلى وقالت بعفوية:
— مش بطالة… بس مديرها يكون حنين على موظفينه.. علشان يدخل الجنة، وكمان العصبية بتكبر الراجل، يعني اللي يشوفك يقول عندك خمسين سنة
_أنا عندي خمسين سنة
_ايه مستصغرهم
كور فريد قبضته من كلمات اخته المستاءة، بينما رفع عمران عينه لليلى
تعلقت عيناه بعينيها، وبقيت نظراتهما متشابكة لثوانٍ، حتى همس لنفس
_ماذا بها هذه الفتاة
شيء غريب حدث بينهما في تلك اللحظة… انجذاب أول، خاطف، لم يفهم أيٌّ منهما سببه، لكنه كان حاضرًا بقوة.
قطع عمران الصمت، وكأنه يحاول إخفاء ارتباكه فحمحم:
— إنتِ في قسم إيه؟
أجابت بحماس:
— برمجة.
— برمجة؟
أومأت برأسها، ثم تابعت وقد لمعت عيناها بحماس:
— آه… رغم إني مكنتش حابة القسم في الأول، بس الشغل على الأجهزة متعة بجد. كل ما أفهم حاجة جديدة بحس إني عايزة أعرف أكتر.
ظل عمران يراقب حركاتها وتلقائيتها، يستمع إلى حديثها دون أن يقاطعها، حتى تناسى للحظات وجود فريد داخل المكتب.
إلى أن حمحم فريد، فأفاق عمران من شروده:
— آسف لحضرتك.
ثم أشار إلى شقيقته، وقال بنبرة حازمة:
— معتذرتيش.
نظرت ليلى إليه باستغراب:
— على إيه؟
— ليلى…