قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

ببطء شديد، بدأت ليلى تنهض مستندة إلى طرف الكرسي.
كانت ساقاها ترتجفان.. نظرت إلى أمها…
ثم إلى أبيها…ثم إلى هشام.
وقالت بصوت خافت، لكنه كان أكثر إيلامًا من أي صرخة:
_ماما…اقتربت منها وفاء.
_نعم يا حبيبتي؟
ابتلعت ليلى غصتها.
_أنا موافقة أتجوز هشام.
شهقت وفاء.
_إيه؟!
ابتسمت ليلى ابتسامة ميتة.
_هشام زي غيره.
ثم رفعت عينيها إلى أبيها.
لم تكن فيهما إلا خيبة وقهر.
_هو قتلني… وإنت دفنتني وأخدت عزاي يا بابا.
توقف محمود لحظة، لكن قسوته غلبت أي شيء آخر.
اقترب منها وقال:
_أوعي تفتكري إن شوية دموع التماسيح دول هيشفعوا لكِ الفضيحة اللي عملتيها.
ارتجفت شفتاها.
_إنتِ وطيتي راس أبوكي يا بنت وفاء.
ثم أشار نحو الغرفة:
_امشي انجري على جوا جهزي نفسك، واحمدي ربنا إنك لقيتي حد يلم فضيحتك وينقذ شرف أبوكي.
خطت ليلى خطوة.. ثم أخرى.
وكل خطوة كانت تشعر معها أنها تبتعد عن نفسها أكثر.
صرخت وفاء:
_مش هيحصل!
استدار محمود إليها، وقبض على خصلة من شعرها.
_متخلينيش أرمي عليكي يمين الطلاق دلوقتي! مش كفاية إنك معرفتيش تربي؟ اطلعي برة واسمعي البلد بتقول إيه علينا!
دفعها بقوة، ثم اتجه إلى الداخل.
وقفت منال خلفه، تبتسم بانتصار.
_قومي زغردي لبنتك يا وفاء… واحمدي ربنا إن ابني رضي بيها.
ثم اقتربت منها، وانحنت أمامها.
_كنتي بتقولي على ابني صايع؟
اقتربت أكثر، وهمست:
_أهي بنتك اللي…
توقفت لحظة، ثم ابتسمت بخبث.
_بلاش نخوض في الأعراض… وفي الآخر ابني هو اللي هيشربها.
رفعت ليلى عينيها إليها.
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إليها نظرة خالية من الحياة.
عند عمران…
حل المساء، لكنه لم يشعر بمروره.
ظل جالسًا في مكانه منذ ساعات، عيناه شاردتان، وعقله يعيد صوت ليلى مرة بعد مرة.
كذب عيوني يا عمران، هصدقك، قولي انك متعملش كدا… واخرى تصرخ بداخله وهي تتسائل بقهر.
_ليه عملت فيا كدا
أغمض عينيه بألم… وصورتها لم تخف من ذاكرته
لم يكن يعرف لماذا يشعر بأن شيئًا رهيبًا حدث لها.
رن هاتفه.رفع الهاتف دون اهتمام.
_عمران، لازم تيجي الفيلا ضروري.
تمتمت بهت والدته
_ماما… ماليش مزاج.
_مستنياك يا عمران.
أغلق المكالمة، وبعد دقائق نهض واتجه إلى سيارته.
وفي الطريق، رن هاتفه مرة أخرى.
_عمران بيه، مسكنا المشتبه به اللي حاول يخطف ملك.
انتبه عمران فورًا.
_فين؟
_في القسم. لازم تيجي تشوفه. واتصلنا بالبنت اللي شافته، بس مش بترد. لو تعرف توصلها…
صمت عمران لحظة.
ثم قال:
_لا… معرفهاش.
قالها وأغلق الهاتف.
لم تمضِ دقائق حتى رن هاتفه من جديد.
كان صديقه.
_عرفت إن الشرطة مسكت واحد منهم؟
_آه… لسه عارف.
_طيب قولي إيه آخر أخبار الق\ضية؟ عايز أعرف مين ورا الموضوع.
_لسه هنعرف… بس فيه حاجة لازم تعرفها.
_إيه؟
جاءه صوت صديقه أكثر جدية:
_الراجل ده كان معاه أمر بقتل البنت اللي شافتهم.
تجمدت يد عمران فوق المقود.
_قصدك مين؟
_معرفش اسمها… البنت اللي أنقذت ملك.
انقبض قلبه فجأة.
_ليلى…
خرج اسمها من بين شفتيه كهمسة مرتجفة.
_أيوه.
توقف نفس عمران للحظة.. تابع علي
_جاله أمر بقتلها… معرفش إنت تعرفها ولا لأ، بس خلي بالك. اللعب ده من ناس قريبين.
لم يسمع عمران بقية الجملة.
كل ما رأه أمامه كان وجه ليلى.
دموعها.. خوفها… وصوتها وهي تناديه.
ضغط على المكابح فجأة.
_علي… قابلني على قسم الشرطة.
_حاضر.
ــــــــــــــــــــــــــ
في البلدة…
خرجت ليلى من الغرفة بصحبة ابنة عمها.
كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، ووجهها شاحب كأنها فقدت شيئًا لا يمكن استعادته.
خلفها، كانت وفاء تجلس منهارة، تبكي بصمت.
لم تكن تبكي زواج ابنتها…
كانت تبكي لأنها تعرف أن ابنتها لم تعد تملك حق اختيار حياتها.
وصلت ليلى إلى المجلس.
كان المأذون جالسًا في مكانه.
هشام إلى جواره.
ومحمود واقف خلفه، بوجه جامد.
جلست ليلى.
ارتعشت أصابعها فوق بعضها.
رفع المأذون عينيه إليها، وسألها بهدوء:
_ليلى… موافقة تتجوزي هشام؟
ساد الصمت.
نظرت ليلى إلى والدها.
ثم إلى أمها التي كانت تبكي من بعيد.
وفي تلك اللحظة…
تخيلت عمران.. تخيلت صوته.
تخيلت يده حين كان يمسك بيدها ويقول لها إنها بأمان.
انكسرت دمعة وحيدة على خدها.
ثم أغمضت عينيها…
بينما كان الجميع ينتظر كلمة واحدة قد تغيّر حياتها إلى الأبد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *