قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

لكن قبل أن تجد فرصة للسؤال، أكمل بمرارة:
— ماهو أنا قضيت وقت حلو… مش كده؟
اتسعت عيناها أكثر.
— إنت… بتقول إيه؟
تقدم نحوها بخطوات بطيئة، حتى وقف أمامها.
— عايزة كام؟
لم تجب.
— مليون؟ اتنين؟ عشرة؟
ضحك بسخرية موجعة.
— قولي بس الرقم اللي يرضيكي.
كانت تنظر إليه وكأنها أمام شخص آخر لا تعرفه.
— عمران، أنا مش فاهمة…
قاطعها:
— الفلوس دي آخر حاجة بفكر فيها.
اقترب أكثر، وصوته يزداد قسوة:
— أصل الفلوس رخيصة على الناس الرخيصة
توقفت أنفاسها.
كأن الكلمة الأخيرة هوت فوقها كصخرة.
— أنا… بعت مشاعري؟
خرجت منها الكلمة هامسة، غير مصدقة.
انحنى قليلًا إلى مستواها، وعيناه تحملان غضبًا أعمى.
— أنا قرفان منك.
تراجعت حتى اصطدم ظهرها بحافة المكتب.
أكمل، وكأنه يتعمد أن يجعل كل كلمة خنجرًا:
— ومشمئز من نفسي إني قربت منك
ارتعشت شفتاها.
— انت بتقول إيه؟

دنا منها أكثر، ثم همس بجوار أذنها بصوت بارد:
— حتة عيلة فلاحة… تضحك عليّا أنا؟
أغمضت عينيها بقهر
لم تعد دموعها تنزل فحسب…كانت تنهار.
تراجعت عنه، تحدق فيه بتيه، تحاول أن تربط كلماته بما حدث، لكن عقلها كان عاجزًا عن استيعاب شيء.
هي جاءت إليه لتطلب منه أن يكذب الفيديو.
لتسمعه يقول إنها حبيبته وحدها.
فإذا به يتهمها بالخداع والابتزاز!
رفعت عينيها إليه، وفيهما آخر محاولة للتشبث به.
— عمران… أنت بتقول ايه
خرجت الكلمة مكسورة.
استدار عنها مبتعدًا.
عاد إلى مكتبه، وكأن وجودها أصبح شيئًا لا يحتمل رؤيته.
ثم قال دون أن ينظر إليها:
— اطلعي برة.
توقفت في مكانها.
— ومش عايز أشوفك مرة تانية.
ساد الصمت في المكتب، لا يُسمع فيه سوى شهقاتها المتقطعة.
حدقت في ظهره طويلًا، وكأنها تنتظر أن يستدير… أن ينظر إليها… أن يرى في عينيها الحقيقة التي عجز لسانها عن شرحها.
لكنه ظل واقفًا مكانه، جامدًا كأنها لم تعد تعنيه.
وضعت يدها على فمها، تحاول خنق شهقة خانتها، ثم خرج صوتها مرتجفًا، بالكاد يُسمع:
— أنت مين؟!
ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها.
— معقول… فيه ناس واطية كده؟
استدار عمران فجأة، وعيناه تحملان غضبًا قاسيًا يخفي خلفه شيئًا أشد فتكًا.
اقترب منها بخطوة واحدة، وقال ببرود جارح:
— ما قولتلك بطلي تمثيل؟ عرفت إنك شاطرة جدًا.
اقترب أكثر، حتى وقف أمامها مباشرة.
— يلا… روحي شوفي خطيبك.
شهقت، واتسعت عيناها.
— خطيبي… قالتها تنظر لعيناه تهز رأسها
لم يمنحها فرصة.
انحنى قليلًا، وحاصر جسدها بينه وبين الجدار، وقبض على ذراعيها بقسوة، وصوته يقطر احتقارًا:
— مش الحلوة مخطوبة برضه؟
هزت رأسها بسرعة، والدموع تملأ عينيها.
— لا… اسمعني بس…
اشتدت قبضته.
— بقى إنتِ يا عيلة تلعبي على عمران الزيني؟
خرجت منه ضحكة قصيرة بلا فرح.
— أنا حتة عيلة تمثل عليا؟
كانت الكلمات تذبحه هو قبل أن تذبحها، لكنه لم يسمح لملامح وجهه أن تفضحه.
منذ اللحظة التي رأى فيها صورتها وذلك الخاتم، شعر بشيء ينهار داخله.
هو الذي ظن أنه أخيرًا وجد امرأة أحبته كما أحبها… اكتشف أنها كانت تحمل خاتم رجل آخر، ثم جاءت إليه، وتركته يفتح لها قلبه، ويمنحها ما لم يمنحه لامرأة أخرى
كيف استطاعت؟
كيف كانت تنظر في عينيه طوال الوقت دون أن تخبره؟
ضغط على أسنانه، وكأنه يحاول سحق الوجع في فمه قبل أن يخرج.
ثم دفعها بعيدًا عنه فجأة.
— بــــرة!
تراجعت وهي تكاد تسقط.
أشار إلى الباب بعنف.
— اطلعي برة… مش عايز أشوفك.
استدارت إليه، ودموعها تنهمر بلا توقف.
اقترب منها خطوة، وعيناه مثبتتان في عينيها، كأنه يريد أن يحفر كلماته داخلها:
— تعرفي أنا شايفك إيه دلوقتي؟
صمت لحظة، وابتلع غصة كادت تفضحه.
— أقذر إنسانة قابلتها في حياتي.
ارتعشت ملامحها.
لكنه تابع، وقد تحول ألمه إلى قسوة:
— كنت مفكرك عيلة،. لأ، برافو عليكي. وقعتي عمران الزيني على رقبته.
ضحك بسخرية مريرة، ثم ابتعد خطوة.
— بس مش مهم… أهو ادينا اتسلينا شوية مع بعض يا حلوة.
“اتسلينا”…رددت الكلمة، التي اصبحت أشد قسوة عليها من أي شيء قاله.
هو لم يكن يتسلى.. كان يحبها.
لكن الاعتراف بذلك الآن كان أشبه بانتحار.
أشار إليها بيده، وصوته يزداد سخرية:
— بس قوليلي… إزاي قدرتي تمثلي بالبراعة دي؟ تكوني مخطوبة لواحد، وفي نفس الوقت تنجحي بكل الإتقان ده في اللعب على واحد تاني؟
ابتسم ابتسامة موجوعة أخفاها تحت قناع الاستهزاء.
— ده أنا عايز أتعلم منك يا أستاذة.
هزت رأسها بعنف، ثم أخرجت هاتفها بيد مرتعشة، وفتحته أمامه.
ظهر الفيديو على الشاشة.
رفع عمران عينيه إليه.
تجمد للحظة.. ثم عاد ببصره إليها.
قالت بصوت مختنق:
__انت دا…
حدقت بعينيه، نظراته للفيديو اثبتت لها أنه هو،  اغمضت عيناها، تريد أن تمحي كل شيئًا عاشته، ثم تراجعت وقالت بتقطع
— شوف نفسك الأول يا عمران بيه.
تاهت في عيناه التي شعرت بأنها ابرد من الجليد وتابعت حديثها
— أنا ما لعبتش بيك… أنا حبيتك.
انكسرت نبرتها.
تراجعت بجسدها للخلف، تهز رأسها
— وأنا مش مخطوبة… أنا اللي اتضحك عليا.
رفع رأسه إليها، يرى انهيارها التام، وكلماتها المتقطعة
توقف كل شيء داخله.. لثانية واحدة فقط، شعر أن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
من ارسل لها هذا الفيديو

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *