قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

في مكتب عمران…
كان غارقًا في عمله، عينيه تنتقلان بين الملفات وشاشة الحاسوب، فُتح الباب دون استئذان، رفع رأسه.
تحركت نيفين وهي تقول
— فاضي يا ابن عمي؟
عاد إلى شاشته دون اهتمام.
— لا… مش فاضي.
ابتسمت نيفين ابتسامة خبيثة، ثم تقدمت حتى وقفت أمام مكتبه.
— بس أنا عندي حاجة هتخليك تفضى غصب عنك.
رفع عينيه إليها بضيق.
— نيفين، لو الموضوع اياه، فأنا اعتذرت
قاطعته وهي تُخرج مجموعة من الصور من حقيبتها، ثم ألقتها أمامه.
— علشان تصدقني.
توقفت عينا عمران على الصور.
— إيه ده؟… بقلم سيلا وليد
مال قليلًا نحوها.
قالت بنبرة متعمدة:
— البنت دي بتضحك عليك يا عمران… وطمعانة في فلوسك، وفي الآخر هتسيبك.
تجمدت ملامحه.
رفع إحدى الصور.
ليلى ترتدي فستان الخطوبة، وإلى جوارها شاب يضع خاتمًا في إصبعها.
صورة أخرى، وأخرى.
ثم صورة تجمعها بعائلتها
همست نيفين:
— طلعت مخطوبة لابن عمها.
لم يسمع ما قالته بعدها.. توقفت الكلمات في رأسه.. صار كل ما يراه هو وجه ليلى.
ابتسامتها.. الخاتم الذي ألبسها إياه.
صوتها وهي تقول:
بحبك أوي.
ثم صورتها أمامه الآن…
بخاتم خطوبة من رجل آخر.
انقبضت أصابعه حول الصورة حتى كادت تتمزق.
لكن الألم الحقيقي لم يكن في يده.
كان في صدره.
قبضة قاسية اعتصرت قلبه، وسلبته القدرة حتى على التنفس.
“اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك ”
نظر عمران إلى الصور طويلًا، يتفحص تفاصيلها بعينين متسعتين، وكأنه يبحث بين كل صورة وأخرى عن كذبة تنقذه من الحقيقة التي ترفض عيناه تصديقها.
ربما كانت مُركبة… ربما خدعة… أي شيء، إلا أن تكون حقيقية.
لكن الصور كانت أمامه، واضحة وقاسية، لا تمنحه حتى فرصة واحدة للإنكار.
قبض على الصور بين أصابعه، ثم دفعها بعنف، فتطايرت من فوق المكتب وسقطت على الأرض.
راقبته نيفين بشماتة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، قبل أن تقول بنبرة مشبعة بالحقد:
_فضلت تأنبني وتطردني من بيتك علشان حتة عيلة… حبيتك سنين يا عمران، واستنيت اليوم اللي تيجي فيه وتقولي إنك بتحبني، خصوصًا بعد ما دينا سابتك… وأهو في الآخر، حتة عيلة ضحكت على عمران الزيني… كالعادة.
رفع عينيه إليها، نظرات كافية لتمحو ابتسامتها
ثم قال بصوت خافت، لكنه حمل تهديدًا مرعبًا:
_اطلعي برة.
ضحكت بسخرية، وكأنها تتعمد إشعال النار داخله أكثر.
_إيه؟ مضايق من الحقيقة؟ مش عايز تواجه نفسك يا عمران؟
لم يجبها..بل نهض من مكانه، واتجه نحوها بخطوات سريعة وغاضبة. تراجعت نيفين إلى الخلف
وصل إليها بخطوة واحدة، وقبض على عنقها، فتوقفت أنفاسها للحظة، وارتعبت عيناها وهي تحاول الإفلات من قبضته.
انحنى نحوها، وهمس من بين أسنانه بصوت خفيض أشد رعبًا من الصراخ:
_بلاش أقولك إنك أقذر واحدة شوفتها في حياتي… وأنا معاقبتكيش لحد دلوقتي علشان اسم العيلة. يا زانية… يا زبالة، أوعي تفكري إن لياليكي الحمرا مع شهاب مش بتوصلني.
اتسعت عيناها في صدمة.
_إنت… إنت عرفت؟
دفعها بعيدًا عنه بعنف، فسقطت على الأرض، وظلت تسعل محاولة التقاط أنفاسها.
ثم دوّى صوته في أرجاء المكتب:
_برررررررررة!
كانت صرخته كافية ل ترتجف السكرتيرة خلف الباب، بينما بدأ بعض الموظفين يخرجون من مكاتبهم على استحياء، يتبادلون النظرات القلقة.
أما نيفين، فزحفت على كفيها حتى وصلت إلى الباب، ثم وقفت بصعوبة، واضعة يدها على عنقها، قبل أن تفر هاربة دون أن تجرؤ على النظر خلفها.
أغلق الباب.. وبقي عمران وحده.
استدار في منتصف الغرفة، وعيناه تائهتان، ثم انفجر غضبه دفعة واحدة.
كالأسد الحبيس، أخذ يتحرك في المكان، يدفع ما أمامه ويحطم كل ما تطاله يدخ
_ليه؟!
خرجت منه صرخة ممزقة، كأنها انتزعت من أعماقه.
_ليه؟!
ضرب سطح المكتب بقبضته مرة أخرى، ثم توقف فجأة.
ساد الصمت.. سوى من انفاسه
ظل واقفًا في منتصف الغرفة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه متقطعة، وببطء، تجمعت الدموع في عينيه.
حاول أن يمنعها… قاومها بكل ما يملك.
لكن صورًا أخرى بدأت تقتحم رأسه.
ضحكتها…نظراتها…لحظاتهم معًا.
الكلمات التي صدقها…
والحب الذي ظن، للحظة، أنه نجا به من كل شيء.
أغمض عينيه بقوة، وانسابت دمعة وحيدة على خده
نظر إلى يده، فوجد الدماء تنساب من بين أصابعه بسبب الزجاج الذي اخترق كفه.
حدق فيها لثوانٍ دون اهتمام، ثم مسح الدماء بعنف، وكأنه يحاول أن يمحو معها كل ما حدث.
اتجه إلى الحمام.
وبعد دقائق، خرج وقد غسل وجهه ويديه، وجفف خصلاته بمنشفة صغيرة.
لكن شيئًا في ملامحه كان قد تغير.
عيناه حمراوان، جامدتان، خاليتان من أي حياة.
من يراهما الآن، لا يملك إلا أن يخشى الاقتراب منه.
جالت عيناه في المكتب المحطم، ثم التقط هاتفه واتصل بالسكرتيرة.
_ابعتي حد ينضف المكان.
قالها ببرود غريب، بصوت خالٍ تمامًا من الحياة، وكأن الرجل الذي حطم المكتب منذ دقائق لم يكن هو نفسه الذي يقف الآن أمامها.
ثم أغلق الهاتف، واتجه إلى مقعده.
جلس.
أسند ظهره إلى المقعد، وظل يحدق في نقطة مجهولة أمامه، بلا حركة.
بعد دقائق، دخل عامل النظافة، وبدأ يجمع الزجاج والملفات الملقاة على الأرض، ويعيد للمكان شيئًا من نظامه.
أما عمران، اتجه إلى النافذة، أشعل سيجارته، ووقف يحدق في الشارع أسفل المبنى.
الدخان يتصاعد أمام عينيه، بينما كان عقله يغرق في شيء واحد فقط…
كيف استطاعت أن تخدعه إلى هذا الحد؟
ــــــــــــــــــــــ
عند ليلى…
اعتدلت بصعوبة، تشعر بأن جسدها لم يعد يطاوعها على الوقوف، تحركت تجر قدميها جَرًّا. لم تهتم بما ترتديه، ولا بخصلات شعرها التي تناثرت حول وجهها، ولا حتى بدموعها التي لم تتوقف منذ أن رأت الصور.
خرجت من المنزل بحالتها تلك؛ ملابس بيتية ضيقة، شعر مشعث، ووجه شاحب غارق في الدموع، وعينان متورمتان من كثرة البكاء حتى كادت لا ترى الطريق أمامها.
خطت عدة خطوات مترنحة، وكادت تسقط، فمدت يدها سريعًا تستند إلى الجدار، وظلت للحظات تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم واصلت طريقها.
أوقفت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي دون أن تنطق بكلمة.
ظل السائق ينظر إليها من المرآة بين الحين والآخر، وقد أثار حالها شفقته.
وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام الشركة.
نزلت ليلى، ثم فتشت على حقيبتها بيدين مرتجفتين، قبل أن تتجمد فجأة.. لم تحد الحقيبة ولم تجد نقودًا.
ابتلعت غصتها، ورفعت عينيها المبللتين إلى السائق.
— أحوّلك الفلوس… والله هحوّلهالك.
نظر الرجل إلى وجهها المنهار، ثم هز رأسه بحزن.
— خلاص يا آنسة، ولا يهمك.
لم تستطع حتى شكره كما ينبغي.
— شكرًا…
خرجت الكلمة مبحوحة، ثم أسرعت إلى الداخل، تستند إلى الجدار كلما خانتها قدماها.
صعدت إلى الطابق المنشود، حتى وصلت أمام مكتب عمران.
كانت السكرتيرة منهمكة في عملها، وما إن رأت ليلى تتجه إلى الباب حتى نهضت مسرعة.
— استني يا آنسة! ممنوع تدخلي… عمران بيه مشغول.
لكن ليلى لم تسمعها.
أو ربما لم تعد تملك القدرة على سماع أي شيء.
دفعت الباب ودخلت.
— أنا آسفة يا عمران بيه، حاولت أمنعها، متعرفش إن حضرتك منعتها من الدخول…
رفع عمران عينيه عن الأوراق، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد تمامًا.
أما ليلى…فلم ترَ أحدًا سواه.
كانت عيناه أول شيء تبحث عنه، وكأنها جاءت إلى هنا لتجد إجابة واحدة فقط: لماذا؟
تعلقت نظراتها بوجهه، وصورته مع نيفين تمر أمام عينيها من جديد؛ عمران الذي أحبته، وهو يحتضن امرأة أخرى، يقبلها كما لو كانت أغلى ما يملك.
شعرت بوخزة حادة في صدرها، حتى كادت تختنق.. تلاقت عيناهما.
وللحظة…سقط كل ما حاول عمران بناءه من برود.
رأى أمامه فتاة لم يعرفها بهذا الانهيار من قبل.
وجهها شاحب، عيناها متورمتان، شفتيها ترتجفان، وملابسها تخبره أنها خرجت من منزلها دون أن تفكر في شيء سوى الوصول إليه.
تراجع بجسده إلى الخلف، ثم قال للعملاء أمامه بصوت خافت:
— نكمل كلامنا بعدين.
خرج العملاء، وأُغلق الباب خلفهم.
ساد الصمت بالغرفة والنظرات فقط هي التي تصرخ
نهض عمران ببطء، واتجه إلى ماكينة القهوة، يحاول أن يشغل يديه بأي شيء حتى لا يضعف.
فتحها، أغلقها، تناول كوبًا، ثم وضعه.
كان يهرب من عينيها.
لكن ليلى لم تكن تملك رفاهية الهروب.
ظلت تحدق فيه، والدموع تنساب بصمت، حتى لم تعد قادرة على احتمال صمته.
مسحت دموعها بعنف، فتلطخ وجهها بآثارها، ثم تقدمت نحوه بخطوات مرتعشة.
— ليه؟!
توقف عمران.
التفت إليها بملامح باردة، وقال:
— ليه إيه؟!
ضحكت ضحكة مختنقة، لا تشبه الضحك في شيء، ثم هزت رأسها والنحيب يخنق صوتها.
— ليه تعمل فيا كدا؟!
اقتربت أكثر.
— ليه تخدعني ؟ ليه تضحك عليا؟ أنا عملت فيك إيه؟!
شهقت، وانهمرت دموعها من جديد.
— أنا… أنا حبيتك.
اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة، ورفعت عينيها إليه.
— أنا حبيتك بجد يا عمران..
ارتجف صوتها.
— هونت عليك؟!
لم يجب، نظراته إليها كانت باردة جامدة، كأنها تصدق مارأته عيناه