قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

بعد فترة، كانت تجلس إلى جواره في السيارة، والسعادة ترفرف داخل قلبها كفراشة صغيرة لم تعرف طريقها إلى الفرح من قبل.
قاد عمران بها إلى أشهر معالم القاهرة، يتنقلان بين الشوارع القديمة، حتى وصلا إلى الأهرامات.
ترجّلت ليلى من السيارة،  لتتحول إلى طفلة صغيرة؛ تركض أمامه ببراءة، تضحك كلما التفتت إليه، بينما كان هو يرفع هاتفه ليلتقط لها الصور واحدة تلو الأخرى.:
— كفاية صور بقى يا عمران!
أنهيا جولتهما، وعادا باتجاه السيارة، رن هاتف عمران.
أجاب وهو ينظر إلى الشاشة:
— أيوه.
جاءه صوت رجاله:
— عمران بيه، الاجتماع.
رفع عمران عينيه عن الهاتف، فوقعت على ليلى التي كانت تقف أمامه بابتسامة مشرقة. اقتربت منه، ثم احتضنت ذراعه بعفوية.
— يلا… علشان شغلك. وأنا كمان هعدي على فريد.
أنهى المكالمة حين قال:
— نص ساعة وأكون في الشركة.
ثم أمسك كفها، وعادا باتجاه السيارة.
وقبل أن يستقلاها، وقعت عيناه على بعض المحال الصغيرة التي تفترش أمامها قطعًا من التحف والهدايا المستوحاة من الحضارة الفرعونية.. توقف فجأة.
— خليكي هنا… راجع.
— رايح فين؟
— دقيقة واحدة.
اتجه إلى أحد الباعة، وظل يتفحص الأشياء المعروضة، حتى وقع اختياره على قطعة صغيرة أنيقة، دفع ثمنها وعاد إليها.
مد يده بها نحوها.
— خدي.
نظرت إليها باستغراب.
— دي إيه؟
ابتسم وهو يجيب ببساطة:
— ذكرى… علشان لما تكبري توريها لأولادنا وتقولي لهم إن أبوكم جابهالك هدية.
توقفت الكلمة في أذنيها.
أولادنا… أبوكم.. لم تسمع سواهما.
رفعت عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه بصمت، ثم احتضنت ذراعه أكثر.
تساءلت في داخلها، بدهشة فتاة لم تعرف من الدنيا سوى الخوف:
ماذا فعلت في حياتي حتى يرزقني الله رجلًا مثله؟
انتبه عمران إلى نظراتها.
— بتبصيلي كده ليه؟
ابتسمت، وقالتها للمرة الأولى دون خوف:
— بحبك أوي.
توقف قلبه للحظة.
رغم انه كان يعرف مشاعرها، يشعر بها في نظراتها وارتباكها، لكنه حين سمعها تنطقها بهذه البساطة، شعر أن شيئًا داخله قد اهتز.
رفع يده، ومرر أنامله برفق على وجنتها، ثم توقف عند شفتيها المطليتين بالأحمر، ومسح أثر اللون بطرف إصبعه، وقال بنبرة امتزج فيها الحب بغيرة صادقة:
— بقيت بغير عليكي أوي… متحطيش حاجة تاني على وشك.
ابتسمت بخجل، لكنه أكمل وهو يبتسم:
— ده يتحط لي لما نتجوز.
لم تستطع منع دموعها.
انزلقت دمعة وحيدة على وجنتها.
اعتدل واقفًا أمامها، ثم احتوى وجهها بين كفيه.
— ليه الدموع دي؟
وهنا لم تعد قادرة على الصمود.
اندفعت نحوه، وألقت نفسها بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء.
لم تكن تريد شيئًا سوى ذلك الحضن.
ذلك الأمان الذي افتقدته، والدفء الذي جعلها للمرة الأولى تشعر أن هناك مكانًا في هذا العالم يمكنها أن تختبئ داخله دون خوف.
ضمها عمران بقوة، وأغمض عينيه، وكأنه يتمنى لو يستطيع أن يحميها من كل شيء يؤلمها.
همس فوق رأسها:
— الدموع دي خاصة بيا يا ليلى… قولي الدموع دي خاصة بيا، غير كده مش هسمح.
لم تجبه.. همست همسًا مكسورًا:
— متسبنيش… أنا بحبك أوي.
طبع قبلة طويلة فوق رأسها، ثم أبعدها برفق، وفتح لها باب السيارة.
جلست، استقل مقعد القيادة، وظل ينظر إليها لحظات.. هربت من عينيه بخجل.
قاد السيارة، وبعد دقائق مد ذراعه نحوها، فاستقرت بين ذراعيه دون اعتراض.
لم تكن تريد الحديث.. كانت فقط تريد أن تبقى هكذا…قريبة منه.. آمنة.
بعد فترة، لمح محلًا للمجوهرات، فتوقف.
التفت إليها مبتسمًا:
— حبيبتي، هنزل أجيب حاجة وراجع.
أومأت له.
دخل المحل، وظل يتفحص الخواتم والدبل، يشعر بأن كل قطعة يراها كانت تحمل صورتها
رفع هاتفه واتصل بها:
— ليلى، انزلي وتعالي حبيبتي.
— انت فين؟
خرج من المحل، وأشار إليها.
— شايفاني؟
تحركت نحوه، فاحتضن كفها ودخل بها.
— عمران… جايبنا هنا ليه؟
وضع إصبعه على شفتيها مبتسمًا:
— ششش.
ثم التفت إلى البائع:
— عايز أجمل الخواتم والدبل اللي عندك.
سحبت ليلى يدها بسرعة.
— عمران…
التفت إليها.
— مهما تقولي، مش هسمع كلامك. سمعت منك كتير ووافقت… المرة دي بقى رجاءً تسمعي كلامي.
أخرج البائع مجموعة من الخواتم.
ظل عمران يتنقل بينها حتى وقعت عيناه على خاتم رقيق تتوسطه نجمة صغيرة من اللؤلؤ الأزرق.
أشار إليه
— عايز ده.
نظرت ليلى إليه بذهول.
— عمران… ده شكله غالي أوي.
رفع حاجبه ساخرًا
— هيغلى على مرات عمران الزيني يا لولو؟
لم تعرف بماذا تجيبه.
خرجت من المحل ودموعها تنساب بصمت.
لم تكن دموع فرح، بل  صورة أبيها تمر أمام عينيها، وصوته حين هددها بألا تكمل تعليمها، وخوفها من اليوم الذي قد يُنتزع فيه هذا الحلم من يدها.. ورضخها للعبة ابن عمها
كل هذا يحدث تحت انظار  شهاب الذي  كان يراقبهما منذ خروجهما من المنزل.
استقل عمران السيارة إلى جوارها، ولاحظ دموعها.. أسرعت بمسحها.
فتح العلبة وأخرج الخاتم.
— دي هدية… علشان متزعليش، مجبتش دبل.
أمسك كفها برفق، وألبسها الخاتم.
ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها.
— عقبال ما ألبسك الدبلة في إيدك الشمال يا حبيبتي.
نظرت ليلى إلى الخاتم طويلًا، ثم رفعت عينيها إليه.
ثم وضعت  رأسها على كتفه، واحتضنت ذراعه.
— تعرف نفسي في إيه؟
لف ذراعه حولها، وقال مبتسمًا:
— انتي تأمري… متفكريش حتى.
رفعت رأسها، وتأملت وجهه القريب.
رفعت أناملها إلى وجهه، تمررها برفق، وكأنها تحفظ ملامحه في ذاكرتها.. أو كأنها تودعه، ثم قالت بصوت خافت:
— نفسي أموت وأنا في حضنك.
توقفت السيارة فجأة، والتفت إليها عمران بفزع.
— إيه اللي بتقوليه ده يا ليلى؟ ليه بتوجعي قلبي كده؟
ابتسمت رغم دموعها:
— علشان بحبك أوي يا عمران… أوي.
ثم أعادت رأسها إلى كتفه.
نظر إليها طويلًا دون كلام.
كان قلبه يرتجف من تلك الجملة، فقاد السيارة من جديد، لكنه هذه المرة ظل ممسكًا بيدها.
بعد  ساعات، كان عمران  داخل الاجتماع، بينما ذهبت ليلى إلى أخيها فريد.
جلست تحكي له عن جولتها، عن الأهرامات، وعن كل مكان رأته، وكأنها عادت طفلة من رحلة مدرسية.
ابتسم فريد وهو يضع فنجان قهوته:
— المهم اتبسطتي؟
أضاء وجهها:
— أوي أوي يا فريد… أحسن يوم في حياتي كلها.
_طيب ليه غيرتوا رأيكم ومرحتوش اشتريتوا حاجة
_معجبناش حاجة
وقعت عيناه على الخاتم في يدها.
— ليلى… إيه الخاتم ده؟
ارتبكت للحظة، وتذكرت تحذير عمران:
أوعي تخلعيه مهما يحصل… دي أول هدية مني.
ابتسمت وقالت:
— عجبني واشتريته.
أمسك فريد كفها يتفحص الخاتم.
— شكله غالي.
— تقليد يا حبيبي… جبته بخمسمية جنيه.. حلو!!
نظر إليها بشك، ثم ابتسم.
— إيدك اللي مخلياه حلو يا حبيبتي.
ابتسمت بخجل.
عاد إلى مكتبه وقال:
— عندي شوية شغل. لو جعانة أو زهقانة روحي.
— لا، هلف شوية في الشركة.
نظر إليها بتحذير أخوي:
— بلاش يا ليلى، علشان عمران بيه ميزعلش.
ضحكت:
— متقلقش… هشوف أماكن معينة بعيدة عنه.
خرجت.. ظل فريد يتابعها بعينيه حتى اختفت، تنهدت قائلة
— يا ريت ينفع أبعد يا فريد… أختك وقعت وخلاص.
صعدت ليلى إلى مكتب عمران.
وجدت السكرتيرة أمامها.
— هقابله ولا هتقولي زي كل مرة؟
ابتسمت السكرتيرة:
— لا، اتفضلي. هو قالي لو جيتي في أي وقت أدخلك.
— هو عنده حد جوا؟
— لا، لسه خارج من الاجتماع من نص ساعة، بس قال ما يدخلش حد… شوفي كده يمكن يقابلك.
— شكرًا.
دلفت إلى الداخل.
تجولت عيناها في المكتب الكبير، حتى وجدته ممددًا على الأريكة، واضعًا يده فوق وجهه.
ابتسمت.. اقتربت منه بخطوات هادئة، وجلست على ركبتيها بجوار الأريكة.
ظلت تتأمله لدقائق.
الرجل الذي تخشاه الشركة كلها…
كان أمامها الآن هادئًا، مرهقًا، وبسيطًا إلى حد جعل قلبها يبتسم.
مدت يدها نحو شعره بتردد، لكنها سحبتها قبل أن تلمسه.. وظلت تراقبه.
حتى شعر بأنفاسها.
أبعد يده عن وجهه وفتح عينيه.
— ليلى؟
اعتدل جالسًا، ثم أمسك كفيها وساعدها على الجلوس بجواره.
— انتي هنا من زمان؟
هزت رأسها.
— خمس دقايق… حبيت أشوفك وإنت نايم.
ابتسم.
— وليه؟
ضحكت بخجل:
— شكلك حلو أوي وإنت نايم.
سحبها تحت ذراعه، فاستقرت بجواره.
أغمضت عينيها لحظة، ثم قالت:
— كنت نايم؟ شكلك منمتش إمبارح.
تغيرت ملامحه للحظة حين تذكر ما حدث بالأمس.
ابتعد قليلًا، ثم قال محاولًا تغيير الموضوع:
— المهم… طلعتي إزاي؟
— قولت أشوفك قبل ما أمشي. فريد لسه قدامه شوية شغل.
— خلاص، هخليه يروح. كفاية شغل كده… وإنتِ روحي ارتاحي.
نهضت تتجول في المكتب، حتى توقفت أمام مجموعة من اللوحات.
— حلوين أوي اللوحات دي.
قال من خلفها:
— رسوماتي.
استدارت إليه بدهشة:
— دي رسمك إنت؟!
ابتسم:
— آه… أنا بحب الرسم جدًا.
اقتربت منه، وفي عينيها إعجاب صادق:
— انت فنان يا عمران.
اتجه إلى ماكينة القهوة وأعد فنجانه.
مدت يدها وأخذته منه، ارتشفت رشفة صغيرة.
— ريحتها جميلة أوي.
نظر إليها بدهشة:
— إنتِ مبتحبيش القهوة.
ابتسمت:
— لازم أحبها… مادام إنت بتحبها.
ضحك دون أن يستطيع إخفاء سعادته.
عادت إلى اللوحات، ثم قالت:
— تعرف؟ كان نفسي أدخل هندسة، بس مجموعي ناقص درجة.
اقترب منها.
— وإيه المشكلة؟
— يعني إيه؟
— تدخلي الكلية اللي نفسك فيها.
— إزاي؟
أخذ فنجان القهوة من يدها وارتشف منه، ثم غمز لها:
— علشان نجري ورا بعض في الجامعة.
ضحكت:
— بابا مستحيل يوافق على كلية خاصة.
تغيرت ملامحه قليلًا.
— وإنتِ ليه شايلة هم موافقته؟ شوفي اللي نفسك فيه، وأنا موجود.. انتي ناسية هتكوني مراتي
نظرت إليه طويلًا.
— وقتها أبقى أفكر.
ثم ابتسمت:
— حبيت أشكرك على اليوم الجميل ده… بجد أحسن يوم في حياتي كلها.
وضع فنجانه، ثم احتواها بذراعيه.
— أيامنا كلها هتبقى أحلى من النهارده.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
— فريد قلق… لازم أمشي.
تحركت نحو الباب، ثم توقفت والتفتت إليه.
ابتسمت:
— خلي بالك من نفسك.
بادلها ابتسامتها:
— وإنتِ كمان يا ليلى.
عند نيفين
وصلت الى تلك القرية التي يسكنها أهل ليلى، نزلت من سيارتها، ورفعت نظارتها فوق شعرها، ثم هاتفت شهاب
_وصلت العنوان حسب جي بي سي
_كويس اوي، عايزك بقى تفضحي، وفي نفس الوقت صورك انتي وعمران توصل للرقم البت، لازم نضرب الحديد وهو سخن
هبعت لك صورهم بتاعة النهاردة، ودي في الفلاحين فيها قتل يانوفة
_تمام ابعتها
توقفت للحظات تنتظر وصول الصور، فتحت الهاتف بعد اشعارها بالوصول
قلبت بينهم وشعرت بنيران الغيرة تلتهم جسدها بالكامل
_بقى هي دي اللي تخليتها في ياعمران، والله لاندمك انت وهي
دلفت إلى داخل الفناء الواسع الذي يوجد به عدة منازل، يدون على اللافتة، منازل عائلة المختار
رأتها منال من النافذة، فتحت الباب سريعًا تنظر إلى هيئتها المنمقة
_بتسألي على حد ياهانم
خلعت نيفين نظارتها الشمسية وقالت
_بسأل عن منزل ليلى المختار، هي ساكنة هنا
ركضت اليها منال
_مالها مقصوفة الرقبة، اه دي بنت سلفي وخطيبة ابني
تجمدت نيفين تنظر اليها بغموض
_والله… هي مخطوبة كمان
خرجت وفاء والدة ليلى، تنظر اليهما
_تعالي ياوفاء، شوفي الهانم الكُبرة دي بتسأل عن ليلى
ثم اشارت الى وفاء، دي ام ليلى
طالعتها نفين تقيم هيئتها، ثم اقتربت منها
_انت بقى بنت خطافة الرجالة
قطبت وفاء جبينها
_انت قصدك ايه يابت انت
_بت… قالتها نيفين بسخرية، ثم اقتربت تشير اليها باشمئزاز
_خلي بنتك تبعد عن خطيبي
قالتها بنزول محمود والد ليلى، توقف على كلمات نيفين، ثم صاح بغضب
_انت تقصدي ايه ياست انتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *