قدرا لا يشبهه بقلم سيلا وليد حصري

كل شيء بدأ يتشابك في رأسه.
لكن كبرياءه كان أسرع من قلبه.
رفع يده مشيرًا إلى الباب.
— بــــرة يا بت… قبل ما أجيب الأمن.
ظلت تنظر إليه فقط، مر أمامها شريط ذكرياتها معه، منذ أن تقابلا، حتى أن وضع الخاتم بااصبعها… رمشت عدة مرات، فقال بحدة صارخة
— قولت بــــرة!
ارتجف جسدها.
شعرت بدوار شديد يحيط بها، وكأن المكتب كله يدور حولها.
خفضت عينيها إلى يديها المرتعشتين.
ثم إلى الخاتم.
نزَعته ببطء من إصبعها، وظلت تحدق فيه للحظات، وكأنها ترى فيه كل الألم الذي عاشته.. ثم رفعت عينيها إليه.
كانت الدموع تغرق وجهها.
وبحركة مفاجئة، ألقت الخاتم بكل قوتها في وجهه.
ارتطم الخاتم بوجنته وسقط على الأرض.
توقف عمران عن التنفس للحظة.
نظر إلى الخاتم عند قدميه…
ثم رفع عينيه إليها.
كانت واقفة أمامه منهارة، عاجزة حتى عن الكلام
أما هو، فظل ثابتًا.. لا دمعة.
لا صرخة.. لا ارتجاف.
فقط عينان باردتان بشكل مخيف.
لكن خلف ذلك الجمود، كان قلبه يتحطم قطعةً قطعة.. وكان أكثر ما يقتله…
أنه لم يعد يعرف أيهما يصدق:
عينيه التي رأتاها مع رجل آخر…
أم قلبه الذي كان، رغم كل شيء، يصرخ بأنها لم تخدعه.

نظرة أخيرة تقابلت بها الأعين مع انسياب دموعها في صمت، قبل أن تستدير ببطء نحو الباب، تجر خلفها قلبًا محطمًا…
بينما ظل عمران واقفًا مكانه، يضغط على فكه بعنف، غير مدرك أن كليهما كان يقف أمام الحقيقة نفسها…
لكن كل واحد منهما كان يراها من الجهة الخطأ.
ـــــــــــــــــــــــــ
بعد قليل، وصلت ليلى إلى منزلها، بخطوات متعثرة، كأنها لا تعرف كيف قادتها قدماها إلى هنا.
ما إن انفتح الباب حتى اندفع فريد من الداخل، بعدما التقط صوت المفتاح.
لكنه تجمد مكانه.
حدق فيها طويلًا.
وجهها شاحب، عيناها متورمتان من كثرة البكاء، وملامحها تحمل انكسارًا أفزعه قبل أن يفهم سببه.
اقترب منها سريعًا، وقبض على ذراعيها بعنف.
— كنتي فين؟! ومبترديش عليا ليه؟!
رفعت عينيها المتورمتين إليه، حاولت الكلام، لكن صوتها خانها.
— كنت… كنت…
هزها بعنف، وقد بدأ القلق يتحول داخل رأسه إلى جنون.
— انطقي يا بت! كنتي فين؟ ومين اللي كنتي بتقابليه؟!
كانت كلمات والدته تتردد في رأسه، وذهاب احدهم إلى منزل والده،… كل شيء بدأ يتشابك في عقله بطريقة مخيفة.
صرخ:
— بقى بتضحكي عليا يا كلبة؟! تخرجي مع راجل وكمان وإنتِ مخطوبة؟!
اشتدت قبضته حول ذراعيها.
— انطقي! مين اللي كنتي بتقابليه من ورايا؟!
تألمت من قبضته، لكن الألم الجسدي لم يصل إليها.
كان هناك شيء آخر يمزقها من الداخل… شيء أقسى من أن تشعر بيد تضغط على ذراعها.
همست بصعوبة:
— عمران…
توقف فريد.
كأن الاسم سقط عليه كالصاعقة.
— عمران مين؟
رفعت عينيها إليه، وانسابت دمعة جديدة.
— عمران الزيني… صاحب الشركة اللي بشتغل فيها.
تراجع فريد نصف خطوة، واتسعت عيناه.
— عمران… اللي هو عمران الزيني؟!
أومأت وهي تبكي.
— آه…
مرر فريد يده على شعره، ثم دار حول نفسه في اضطراب، كأنه يحاول استيعاب ما سمعه.
— يا نهار أسود…
ثم عاد إليها فجأة.
— من إمتى وإنتِ بتقابليه يا قليلة الأدب؟!
جالت عيناه على وجهها وملابسها، فتوقف عند حالتها المزرية.
— وعاملة في نفسك كده ليه؟
لم تحتمل.
انفجرت شهقاتها، ووضعت يدها على فمها، ثم انهارت في بكاء مرتفع.
تجمد فريد.. ذلك البكاء لم يكن بكاء فتاة مذنبة تخشى انكشافها…
كان بكاء شخص محطم.
اختنق صدره، وبدأ أسوأ احتمال يفرض نفسه على عقله.
اقترب منها وقبض على كتفيها.
— عمل فيكي حاجة يا بت؟
لم تجبه.
هزها بعنف، وصوته خرج مرتجفًا من الخوف قبل الغضب:
— لمسك؟!
ثم صرخ:
— عمل فيكي حاجة؟! ردي عليا!
أغمضت عينيها بقهر.
كانت كل كلمة منه تطعنها في موضع موجع.
خرج صوتها من بين شهقاتها:
— آه…
تجمد فريد.. اتسعت عيناه، وشعر للحظة أن الهواء انقطع من حوله.
ومن شدة الصدمة، فقد السيطرة على نفسه، فرفع يده وصفعها بقوة.
مال وجهها إلى الجانب.
ثم انهال عليها بالصراخ، والغضب، والضرب والصدمة التي لم يعرف كيف يواجهها:
— سلمتي نفسك يا حقيرة؟!
— خنتي أمانتي ليكي؟!
— أنا وثقت فيكي!
انكمشت ليلى على نفسها، تحاول حماية جسدها بذراعيها، بينما دموعها تنهمر بلا توقف.
— لا يا فريد… لا…
لكن صوته غطى على صوتها.
— كنتي مخطوبة وتخرجي مع راجل تاني؟!
صرخت من بين بكائها:
— لا يا فريد!
ثم رفعت وجهها إليه، محطمًا تمامًا:
— أنا حبيته!
توقف للحظة.
كانت تبكي وكأن قلبها يُنتزع من صدرها.
— عمران خطف قلب أختك يا فريد…
شهقت، وضمت ذراعيها حول جسدها.
— حبيته بجد… وبعدين حطم قلبي.
تراجع فريد خطوة.
لم يعد يرى أمامه فتاة تخونه…
بل أخته التي يعرفها منذ طفولتها، جاثية أمامه، تبكي كأنها فقدت حياتها.
بدأت تحكي له كل شيء.
عن الفيديو الذي وصل إليها.
عن الفتاة التي ظهرت مع عمران.
عن كلماته القاسية.. عن اتهامه لها بأنها كانت مخطوبة وتلعب به.
عن الخاتم الذي خلعته وألقته في وجهه.
ومع كل كلمة، كانت ملامح فريد تتغير.
الغضب يتراجع…والذهول يحل مكانه.
ثم تذكّر.. ابنة عمه.. وذهابها إلى منزل والده.
رفع عينيه ببطء، وكأن قطع الصورة بدأت تتجمع أمامه
فجأة، بدأ يشك في كل شيء.
ماذا لو كانت أخته فعلًا ضحية لعمران وأنه تلاعب بها واتفق مع نيفين؟
بل ماذا لو كان الفيديو مفبركًا له وأنه لم يفعل شيئًا مع ابنة عمه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *