لمن القرار بقلم سهام صادق ج 11

الفصل الواحد والخمسون (1)
************

التقطت أنفاسها تمسح فوق خصلات شعرها المشعثة، تنظر لهيئتها في مرآة سيارتها، ترى صورة لم تعهدها من قبل..، صورة مشوشة منها باهته

سقطت دموعها، تُحاول ضبط أعصابها حتى تتحرك بسيارتها مبتعده هاربة عن هنا

وها هي تلمح عبر مرآة سيارتها تلك السيارة التي اصطفت للتو ثم خرج منها كاظم النعماني ترافقه أمرأة

والمشهد منذ دقائق

كانت غارقة بين ذراعيه، تُحاوط عنقه بذراعيها مستمعه..، يهمس لها بكلمات عاشقة تتخللها الوقـ،ـاحة في غزله بجسدها، وقاحة لم تعتاد عليها ولكنها كانت سعيدة منتشية

– أمير تليفونك

توقف هاتفه عن الرنين، ثم عاد الرنين مرة أخرى
زمجر رافضاً أي حديث يبعدهم عن متعتهم، وهي كانت مطيعة راغبه

وتآوه لذيذ كاد أن يخرج من بين شفتيها، ولكن رنين الهاتف كان يعود ثانية وتلك المرة هو من ابتعد عنها حانقاً متأففاً يلتقط هاتفه مقرراً إنه سيغلقه ولكن عيناه علقت برقم المتصل لا يستوعب إتصال أخيه بهذا الوقت،
ولكن شيئاً اجتذب اهتمامه وقد تجاهل تسألها بعدما اعتدلت فوق الفراش تنظر إليه بتوجس؛ فأخيه لا يُهاتفه من مصر

– مش معقول كاظم هنا في إيطاليا، إزاي مقاليش

والعبارة اختـ،ـ،ـرقت اذني المترقبة لمعرفة هوية المتصل، لم يحتل الخوف ملامح أمير بل كانت الصد..مه لمجئ أخيه دون إخباره
لكن الخوف والفزع احتلوا ملامحها في شحوب ، حاولت إفاقة حالها من الخوف والتقاط ملابسها المُلقى بعشوائية

توقف الرنين، فالجمه المشهد وهو يراها تلتقط ثيابها بتوتر وفزع تتمتم بكلمات خائفة وكأنها ضبطت في جرم

حاول إفاقة حاله من الذهول الذي أصابه، لا يُصدق أن الحال وصل به لهنا، زوجته تخشى الفضيحة، زوجته تُدني مكانتها وكأنها مجرد عاهرة قضت ساعات الليل في شقته وفوق فراشه

– أنتِ بتعملي إيه؟

تمتم بها وهو يراها تبحث عن حذائها في إنفعال، تُقاوم ذرف دموعها من شدة فزعها

أسرع في التقاط ذراعها حتى تتوقف عما تفعله بجنون

– أنتِ مراتي يا هانم، ليه مش قادرة تفهمي إنك مراتي..

– ابعد عني يا أمير خليني أمشي من هنا

– مش هتمشي يا خديجة، ويمكن الوقت جيه خلاص إن كاظم وكل الناس تعرف إنك مراتي

ازداد ذعرها وقد احاطها بذراعيه يُجبرها على التوقف مكانها، شفتيه عرفت طريقها نحو عنقها يلثمه ببطئ ثم خرج صوته بخفوت

– خديجة أنتِ مراتي، مكانك جانبي وفي حضني.. بلاش تضيعي الباقي من عمرك في خوف.. زي ما ضيعتي نفسك زمان على حاجه مالكيش ذنب فيها

شعر براحه وهو يرى سكونها بين ذراعيه، وفي لين وهدوء ادارها نحوه، يرفع كفيه يمسح دموعها التي هزته وهو يرى ضعفها الذي أصابه

– أنتِ مراتي يا خديجة

أراد أن يثبت لها، إنها ملكه وحده..، خانها جسدها للحظات ولكن عقلها كان يُحاربها حتى تفيق
وبين صراع الجسد والعقل.. دفعت نفسها عنه تضع كفها فوق شفتيها تنظر له بأسف ثم أسرعت في التقاط حقيبتها وغادرت مرتجفة لا تقوى على مقاومة رعشة جسدها

– خديجة
……..

توقف كاظم مكانه مشدوهاً بهيئة أخيه، فحصه بنظراته متوجساً

تراجع أمير خطوتين يمسح فوق خصلات شعره الرطبة، يشعر بالتوتر من نظرات كاظم الثاقبة

– مبلغتنيش ليه بميعاد طيارتك؟

واردف متهكماً ينظر لعينينه يرى فيهم الشك

– ولا قولت تعملها ليا مفاجأة

– هي ديه حمدلله على السلامه يا أمير

تمتم بها كاظم وهو ينظر نحو جنات التي استندت إلى الحائط، دون أن تهتم بحديثهم..، انتبه أمير عليها أخيراً يشعر بالحرج مبتعداً عن الباب

دلفت جنات وقد تأكدت أن قلة الذوق شئ مؤصل بتلك العائلة، فالأخ الصغير لم يرمقها إلا ببضعة نظرات دون حديث وكأنها ليست مرئية

– كان معاك واحده هنا، إرتباكك ده فيه حاجة

ثم عاد يفحصه بعينيه مجدداً

– ورايح فين في الوقت ده، أنا جايبك هنا تشتغل وتبعد عن السرمحه ولياليك الحمرا

ولكن أمير كالعاده تركه يتحدث دون أهتمام بتعليقاته، احتقنت ملامح كاظم وهو يراه يسحب المعطف متمتما بجمود

– حمدلله على السلامه يا كاظم

انغلق الباب، فوقفت جنات خلفه وكأنها قد فاقت للتو

– سبحان الله حتى كلامك مع أخوك سد نفسه، وسابلك المكان ومشي

– جنات
صدح صوته بصراخ حاد، يقبض على كفيه بقوة.. مُلتفاً إليها

– ياريت تشوفيلك أوضه وتروحي تكملي نوم

ظنها ستنسحب من أمامه بعدما انتفض جسدها فزعاً من صوته، ولكنها اخدت تجول بعينيها في الشقة غير مهتمه بحديثه

احتدت ملامح كاظم، فهي لم تعد تهتم بأي حديث يُلقيه عليها

– أنتِ يا مدام مش بكلمك

استمرت في تحديقها الذي ازاده حنقاً ، فيكفيه الشكوك التي اقتحمت عقله وتأكده من حقيقة أن أخيه يواعد أمرأة
، يبعده عن مصر حتى تتوقف الفضائح عن سمعتهم..، فيأتي لهنا يُكمل مسيراته الغرامية

وجدها تتحرك من أمامه، فاسرع في التقاط ذراعها

– لو فاكره إنك بالطريقه ديه عايزانى أجيب أخري معاكِ، فخليكي متأكده إن الدرجة ديه مش بوصل ليها غير لما بكون عايز ده .. يعني بلاش تعلبي لعب الأطفال الفاشلة

حديثه الفظ لم يعد يُغضبها، فقد أصابها التبلد من معاشرته.. وكلها أيام وستنتهي رحلتهم ويعود كل منهما لحياته ولولا مشروعها الصغير الذي أقنعها به أحمس، لكانت تركت له المدينه بأكملها وبحثت عن مدينة أخرى تعيش بها

– عارف أكتر حاجة اتعلمتها منك إيه، كره الذات.. نجحت اوي في درسك يا كاظم باشا

قالتها بمرارة وهي تتحرك من أمامه ، وبنفس المرارة التي القت بها عبارتها.. كان يتجرعها هو داخل جوفه

كاظم النعماني بات يتألم من سماع بضعة كلمات، شعور مخزي كان بالنسبه إليه..

– ما دام فوقتي ومزاجك لطيف أوي كده ، اعمليلي فنجان قهوة

توقفت مكانها، فهذا الرجل يبهرها يومياً..، وبداخلها توعدت أن تُجيبه بالرد الذي يستحقه.. فهل هو يأمرها؟

إنها حرب ولابد أن تنتصر فيها قبل أن تحصل على ورقة طلاقها

– ومن غير ردودك الجميله يا جنات، أنا فعلا محتاج فنجان قهوة وده مش أمر، حقيقي وإعتراف ممكن متسمعهوش مني تاني.. قهوتك ليها مذاق مختلف ووحشني طعمها

والغضب الذي احتلى عيناها منذ لحظات تحول إلى ذهول، لم ترى أي علامات من التهكم مرتسمة فوق ملامحه ، ولا تلك الغلاظة كما اعتادت.. بل كانت ملامحه مرهقة وعيناه عالقة بها بنظرة غريبة عليها منه

ابتلعت كلماتها الرافضه، وبتوتر تسألت

– فين المطبخ؟

وفي صمت تحركت خلفه نحو مطبخ عصري الطراز..، يلتقط ما يخص القهوة

لم تكن تشعر بحالها وهي تُطالعه بحيرة، ومازال صدى إعترافه بحبه لقهوتها يخترقها، إنها حقاً أصبحت حمقاء لتُسعدها كلمات مدح، وكأنه أخبرها بكلمات غزل المحبين

سرحت بخيالها، تتخيله يمنحها وردة حمراء.. يعترف لها بحبه وشوقه.. يضمها إليه بتلك الضمة التي تُمنح السلام وليست تلك الضمة القاسية التي يقبض بها فوق جسدها حتى يسيطر عليها

فاقت من شرودها مصعوقة من قربه منها ، تنظر إليه وهو يرفع ذراعه ليلتقط فنجانين ثم ابتعد عنها يضعهم فوق سطح رخامة المطبخ متمتماً

– يعني لو حبه تشربي قهوة

انتظر جوابها على أمل غريب عليه، فمند متى يأمل أن تشاركه امرأة قهوته الصباحيه بعدما كان يرى النساء حبات سكر لا مذاق لها تظنها ستمنحك مذاق حلو ولكن تجد قهوتك سادة بلا مذاق.., فالأفضل أن تشربها سادة وستمنحك مذاق مفضل بعد أن تعتادها ولن تفكر بعدها أن تشرب قهوتك بمذاق مختلف
والقاعدة التي وضعها، باتت تتضمحل، وشئ يصرخ به بأن يفيق من هذا الجنون

– أنا محتاجه أنام

اماء برأسه متفهماً، يمسح فوق وجهه ثم وقف يُتابعها بعينيه وهي تعد له قهوته في صمت

– أنا بعد ساعتين هخرج، رايح الشركة

والصدمة كانت تصعقه، فهو يُخبرها عن وجهته..، وكأنه يبحث عن حديث يخلقه معها

غادر المطبخ وقد احتلى الجمود ملامحه، يدور حول نفسه مصعوقاً، هو يريد منح زواجهم فرصة معللاً لنفسه إنه بات يحتاج امرأة في حياته بعدما ذاق قربهم

هو يحتاجها لحاجة جسديه، وتكوين أسرة بعد أن ظل ليالي يسأل حاله لمن يجني كل هذا المال والنجاح

– لا يا كاظم أنت لازم تفوق، مش معنى إنك عايز جوازكم ياخد فرصه.. تكون ضعيف كده .. أنت راجل مش معترف بالحب ولا عمرك هتعترف بي .. الجواز علاقة جسديه واطفال الست بتمنحهم للراجل وبس.. يعني شريكة فراش ووعاء

وبقناعة رجل يخدع نفسه، كان يعود لصلابته الواهية

جاءت إليه بفنجان القهوة، تضعه أمامه وقد تخلت عن حجابها وفكت بضعة أزرار من بلوزتها..، لم تكن تقصد أي مشهد ارتسم للتو في عقله..، فتحريرها لازرار بلوزتها كان بسبب تلك الحرارة التي شعرت بها عندما عاد قلبها لضعفه وتذكيرها بتلك الليالي التي كانت تذوب فيها بين ذراعيه راغبه منتشية

تأملها برغبة حارقة، ودون إدراك منه كان يقبض فوق كفها .. فانتفصت من لمسته بطريقة صعقته وربكته من خيانة جسده وذلك الذي أخذ يخفق بلوعة يُخبره عن توقه

فعلتها أثارت حفيظته ، فتمالك حاله يلثم كفها متمتماً بهدوء

– تسلم أيدك

وكامرأة لم تحظي بأهتمام الرجال يوماً، خدعتها فعلته.. هو كان متعطشاً لشئ أخر، للشئ الذي آثار فزعتها عندما قبض فوق كفها ولكنه كان بارع في إخفاء نيته الحقيقية بعدما رأى الفزع في عينيها من مشاعر أصبحت تنفرها، مشاعر باتت تُخبرها بالضعف وهي لن تكون ضعيفة مجدداً

ولكن ما فعله للتو اربكها، كاظم يفعل كل ما كانت تأمله معه في بداية زواجهم

وكم هم الرجال أغراب الأطوار ، فعندما تخلت عن التمسك به أصبح هو من يجتذبها إليه

ابتعدت عنه تُشيح عيناها عنه، نافضة عنها تلك المشاعر معلله لحالها إنه بسبب قلة النوم

– أنهي أوضة اقدر أنقل فيها حاجتي

رمقها لثواني، ثم التقط فنجان قهوته يرتشف منه متمتماً بجمود اثبت لها أن اضطراب النوم جعلها تتهيأ أشياء جديده وقد اتضحت لها الصورة

– اختاري الأوضه اللي تعجبك

– طيب واخوك، افرض رجع تاني

عاد يرتشف من فنجان قهوته، وقد انشغل في تصفح هاتفه

– أمير مش هيرجع ما دام عارف بوجودك

– المفروض كنا ننزل في الفندق، بدل ما هو اللي يبعد عن بيته بسببنا

تنهد بضجر زاد من تأكيدها.. أن لطافته كانت أضغاث أحلام

– متقلقيش هحجزله في فندق خمس نجوم

هتف بها مستهزءً، فامتقعت ملامحها تنفخ وجنتيها ثم أطلقت زفيراً يُعبر عن حنقها

– أنت حر مع أخوك

واردفت متمتمه بصوت خافت وهي تبتعد عن مكان جلوسه

– ده حتى اخوك طلع قليل الذوق زيك، عمل نفسه مش شايفيني وكأني هوا

التقط كاظم تمتمتها، يرفع حاجبيه مستنكراً مستمتعاً، وسرعان ما كان يتذكر هيئة شقيقه وهو يغادر بعجالة متمتماً

– يا ترى مين اللي مخلياك متمسك بوجودك هنا ؟

……..

فرت شهيرة هاربة من المشهد، بعد أن اجتذبت انظارهم

هوت فوق فراشها تكتم صوت شهقاتها العالية، فالحقيقة ضربتها بقوة هذه المرة، تتذكر كيف كان ملهوفاً مستمعاً وهو يقتنص شفتيها في قبلة خطفت أنفاسهم معاً

ظنته سيغضب منها حينا يراها بالمطبخ تقوم بالدور الذي مهما اتنشلها منه عادت إليه.. “خادمة”

ظلت طيلة الليل مستيقظة، مترقبة قدومه وثورته عليها بتمسكها بصورة الخادمة مهما ارتقى بها

وآه ملتاعة أخرجت من شفتيها، لقد خسرت ما كان ملك لها يوماً
وبفتور نهضت من فوق الفراش تقترب من مرآتها، ترى صورة باتت مشوهة باهته

…….

توقف بأنفاس لهاثة أمام باب منزلها يدق الجرس لمرات ولكن لا مُجيب رغم وجود سيارتها أمام البناية

– خديجة أنا عارف إنك جوه افتحي يا خديجة

استمر في دقه وندائه، حتى أستمع إلى صوت شهقاتها ورجائها بأن يرحل

– أمشي يا أمير، ارجوك امشي من هنا

– قولتيلي متسبنيش مهما عملت، وأنا بقولك اه مش همشي من هنا غير لما تفتحي..

– ارجوك يا أمير

– أمير إيه وزفت إيه.. أنتِ بتعملي فينا كده ليه؟

والصمت وحده كان طريقها، تشبثت به بقوة وبين العقل والقلب كانت هي الضائعة

…….

طالع وقفتها بعدما ابتعدت عنه صامته، عادت لانشغالها في صنع الكعكه، فاقترب منها يفرك رأسه لا يفهم سبب ذلك الصمت الذي اتخذته بعد رؤية شهيرة لهم

– أنا عارف إن الوضع ده غلط، وقريب كل حاجة هتتصلح

اغمضت عينيها متألمه، تتذكر نظرات شهيرة نحوهم.. نظرات كانت تعبر عن الحسرة والألم، ألم اخترق بالفعل فؤادها
إنها لن تتحمل أن تعيش هذا الألم وترى أخرى مكانها تتمتع بما كان لها، شعور قاسي لا تتمنى أن تناله يوماً

– أنت ظلمتها لما جبتها تعيش معانا، كرهتني أكتر.. شهيره لسا بتحبك يا سليم.. ، نظرتها ليا كره بس نظرتها ليك عتاب وحزن

اصابته كلماتها، هو لا يُريد أن يكون رجلاً ظالماً وخاصة معها هي أم أبنته، رابط لن ينتهي مهما حدث بينهم

– أنا عارف إنه كان قرار غلط، لكن..

التفت إليه ، تمنعه عن إكمال حديثه

– كان عندك حلول كتير يا سليم، كان ممكن تتفقوا سوا على أيام معينة البنت تكون بينكم أنتم الاتنين..، وجودها معاك لوحدك مش هيفرحها.. ومهما قدمت لخديجة من حب هتكون ظالمها..

– أنتِ مش فاهمه حاجة يا فتون، بنتِ مش هتتربي مع شهيره وده قراري..

– ليه ؟

طالعته في تسأل تنتظر جوابه، لكنه تحرك من أمامها

– عشان أتنزلت ليك عنها، هو أنتوا بتتنزلوا على حتت أرض ولا شركة من شركتكم يا سليم

توقف مشدوهاً من حديثها، ملتفاً إليها يُضيق عيناه ، يُنظر إليها متفحصاً خلجاتها

انسابت دموعها، ولم تكن دموعها تلك المرة إلا على غريمتها التي رأتها كيف فرت هاربة من الوجع بعدما شاهدتهم

– أنت لأول مرة متعرفش تاخد قرار صح يا سليم

تجمدت ملامحه وعاد يقترب منها متسائلاً

– اتوجعتي عشانها عشان شافتنا يا فتون، رغم إنك مراتي وهي طليقتي

– تخيلت نفسي مكانها، كرهها ليا نابع من الوجع أنا اخدت كل حاجة منها

والجواب كان يتبعه سؤالاً، وليس جوابً على ردها

– ولو قولت إن بنتِ هتفضل عايشه معايا

– ده قراركم أنتم الأتنين، حبِ لخديجة مش هيكون زي حبكم ليها

ارتجف جسدها، تنظر إليه بعدما رفع كفيه ومدّهم نحو خديها يمسح فوقهما

– أنا معترف بغلطي

– مافيش ست قوية يا سليم

ورغماً عنه كان يبتسم، غامزاً لها

– شكل جو المطبخ ليه تأثير عليكي يا حبيبتي

– شوف لو فتون اللي كانت من كام ساعه، كنت اخدت كلامك إهانه..

ارتفع حاجبيه في دهشة، فعن أي إهانة تتحدث زوجته، وسرعان ما كان يفهم مقصدها.. فارتسم الحنق فوق ملامحه يلطم جبهتها بخفه

– يعني بعد الدور المذهل اللي قدمتي، تقوليلي أفهم كلامك إهانة.. كل يوم بتأكد إنك هتشرفيني في مجال المحاماه يا حببتي

– بتتريق يا سليم

اماء برأسه، يشعر ببعض الإرهاق وتأنيب الضمير

– خد بالك وده قرار أخدته خلاص، شهادة المحاماه هاخدها وهعلقها جانب شهادتك في المكتب.. لكن أنا هشتغل الشغلانه اللي بحبها..

وببطئ لفظت عبارتها

– هرجع افتح المطعم من تاني

………..

اقتربت بنعاس منه بدء يُغادر جفنيها، تضع اطباق الفطور أمامه فوق طاوله المطبخ

– مش كنا استنينا الكل يصحى، ونفطر كلنا سوا يا رسلان

امتقعت ملامحه، ينظر إليها حانقاً

– عايز افطر معاكي لوحدنا ، اكلك وتأكليني.. غمزه كده، كلمه كده..

ثم اردف مستاءً

– بدل الحصار اللي بكون فيه

ارتفع حاجبيها في ذهول، ثم انفجرت ضاحكة من عبارته

– بتضحكي، انا عايز أحس إني اتجوزت

تمالكت ضحكاتها ، تغمس لقمه من الطعام في الطبق ثم اقتربت منه تدسها داخل فمه

– ديه تاني جوازه ليك يا دكتور

عبست ملامحه، يمضغ اللقمه بضيق بعدما ذكرته بزيجته الأولى

– أنتِ جوازتي الأولى يا ملك، وبلاش تفكريني بأكبر غلط عملتها في حياتي

نهض عن طاولة الطعام، وقد ضاعت جميع أحلامه عن فطار هادئ تُزينه الدعابات وربما القبلات

– رسلان أنت مش هتكمل فطارك

– نفسي أتسدت خلاص، ورايح أنام

أسرعت في التقاط ذراعه، تهتف نادمه

– رسلان رغم إن جوازك من مها امر واقع وحقيقه، واكبر دليل ولادك.. لكن أنا اسفه

ولزمتها إيه الأسف، بعد الحقيقه المره اللي فكرتيني بيها

قالها مازحاً ينفض عنه ذلك الشعور الذي اقتحمه، فرفعت حاجبها الأيسر متسائله، رغم علمها الإجابة

– بتهزر يا دكتور

– طبعا بهزر يا عيون الدكتور

تمتم بها وهو يُطاوق خصرها بذراعيه يُقربها منه

– تصدقي النوم طار، وجوه عقلي حاجات مش ولا بد

لم تتمكن من السيطرة على صوت ضحكاتها، فرسلان يبهرها كل يوم بشخصيته الجديده المتطوره

– اتغيرت يا رسلان

قربها إليه بشدة، يُداعب أنفها بأنامله

– والتغير حلو ولا وحش

– كل حاجه في حياتي بقت حلوه يا رسلان..، حاسه إني اتولدت من جديد ورجعت أحبك كمان من جديد

ارتسمت الصدمه فوق ملامحه، سرعان ما أدركت إنه يُشاكسها بتعبيرات وجهه

– رجعتي تحبيني من جديد، لا لا الموضوع محتاج كلام كتير وشكلي

ابتعد عنها بأنفاس لاهثه كحالها، ينظر إليها مستمتعاً بدفن رأسها في صدره

– وأنا قلبي محبش غيرك يا ملك، ولا عمره وقف عن حبك

وقفت ناهد مستمعه لحديثهم تقبض فوق الخاتم الذي سيكون ثمن لجريمتها الجديدة
ضاعت ذكرى أبنتها، وقد وضعوها خلف ظهورهم ومضوا.. ينعمون بحياتهم, مكملين طريقهم وابنتها وحدها من أخذها الموت وحرمت من أن تعيش شبابها

……..

وضع جسار هاتفه فوق أذنه، يسمح للمتصل هذه المرة بالحديث وإلقاء الأوامر

– النهاردة يا باشا، هجيب المأذون .. واخوها بنفسه هيجوزهاني عشان ميبقاش عندك حجه

– خلصت كلامك

أراد عنتر أن يستفره بحديثه

– عايز اكلم العروسه، أشوفها لو محتاجه حاجة

واردف مستمعاً بعدما وجده عاد لصمته لا يستمع إلا لصوت أنفاسه

– ولا اقولك الايام جايه كتير، مش هتبقى مراتي يا باشا

الفصل الواحد والخمسون (2)
*********

وقفت تنظر لما صنعته بيديها راضيه، تملئها السعادة بعمل قامت به وهي محبة له، ورغم الإرهاق الذي حصدته بعد ليلة قضتها دون نوم إلا أن رؤية الأنبهار في أعين الخدم وهم ينظرون لصنع سيدة المنزل الصغيرة ومدحهم لها ازادها فخراً

– تسلم ايدك يا هانم، ده أنتِ طلعتي أشطر مننا

هتفت بها “وردة” الخادمة بعدما التقطت من الفطائر المحلاة تمضغها داخل فمها مستمتعه بمذاقها الحلو، وقد أكتشفت اليوم إنها ذو روح مرحة

وكظتها هدى بعدما زجرتها بعينيها بعد حديثها، فسيدة المنزل كانت مثلهن من قبل مجرد خادمة، فلا داعي لحديثها الأحمق

ابتلعت وردة ما مضغته، تضع بكفها فوق شفتيها لا تستوعب أن حديثها الذي قالته بحسن نية ستأخذه سيدتها الصغيره إهانة

ترقبت السيدة ألفت ملامح فتون، وانتظرت أن ترى ردة فعلها

– كان عندي جارة جميله أسمها الست إحسان، علمتني حاجات كتير في صنع الحلويات، غير إن كان عندي مطعم صغير يعني زي ما تقولوا كده عندي خبرة

تعلقت عينين السيدة ألفت بها سعيدة بحديثها الذي اذهلها، ابتسمت الخادمتين براحة بعدما وجدوا سيدتهم الصغيره تتجاذب معهم ببعض الأحاديث عن حياتها القديمة، وقد زاد إنبهارهم وتعجبهم من الواقع، فالسيدة الصغيرة انتقلت من حال إلى حال أخر أكثر ثراء, ورجل تتمناه الكثيرات وقد اختارها هي

غادرت فتون المطبخ، متذكره إنها تحتاج لقسط من الراحة

– يا سلام لو الواحد يكون محظوظ كده يا بت يا هدى

– ياختي انا شوفت نصيبي خلاص، والشقا طلع ورايا ورايا

امتقعت ملامح وردة تزم شفتيها مستاءة من حال رفيقتها بالعمل

– هو أنا ليه كل ما اقولك عن أحلامي، ديما كده منزلاني على أرض الواقع وبتسدي نفسي

التوت شفتي هدى، فوردة فتاة حالمه ولكن هي لا تحب إلا العيش في الواقع

– يا.. يا هدى لو لقيت راجل كده زي

– وردة

صرخت السيدة ألفت، بعدما لم يعد يعجبها الحديث الدائر بينهم

– مش قولت مليون مرة نخلينا في شغلنا

انتفض جسد وردة، وقد انتبهت للتو على نظرات السيدة ألفت الغاضبة

– غصب عني يا مدام ألفت، اصل حكاية الهانم ولا في الأحلام..

وعادت لأحلامها بعدما أقتحم رأسها المشهد الذي وجدت فيه رب عملها وهو واقف جوار سيدتها الصغيرة يُعاونها في تزين بعض الحلوى، سيدها الوقور الثري يقف في المطبخ, شئ إلى الأن لا تُصدقه ولم تخبر به رفيقتها هدى حتى هذه اللحظة بسبب وجود السيدة ألفت

– وردة، قولت إيه شوفي شغلك

أجفلها صراخ السيدة ألفت كالعادة، تسأل حالها لما لا تمنحها السيدة ألفت فرصة مع أحلامها

– حاضر يا مدام ألفت، ده حتى النهاردة يوم طويل

………

صعدت درجات الدرج تأمل أن تكون أدت مهمتها بجناح وتتمكن من إسعاد قلب الصغيرة، وسرعان ما تحقق ما كانت تأمل له ، فالصغيرة أخذت تهبط الدرج بخفة تحمل دميتها الصغيرة بيد وباليد الأخرى حملت مشطها الوردي الصغير

اتسعت ابتسامتها بغبطة وهي ترى هيئتها الجميلة ، إنها بالفعل أميرة صغيرة
خطفتها طلتها الطفولية بفستانها الوردي كعالمها واشيائها..

– فستانك جميل أوي يا ديدا

هتفت بها فتون وهي تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، انكمشت الصغيرة على حالها تُشيح عيناها عنها

أوجعتها ردة فعل الصغيرة، ولكنها باتت تعتاد معاملتها النافرة، تعذرها لصغر سنها وتعلقها الشديد بوالدها

– أنا واثقة إنك هتطلعي النهاردة شبه الأميرات

التف إليها الصغيرة وقد اعطتها حركتها أملاً بأن مدحها أعجبها وستتحدث معها كما كانت تفعل ولكن نظرات الصغيرة صعقتها كما صعقها حديثها

– أنتِ وحشه وأنا مش بحبك

واسرعت الصغيرة راكضة نحو غرفتها، تصعد فراشها وتجذب الغطاء نحو جسدها منكمشة باكية ومشهد والدتها المنهار صباحاً مازال يقتحم عقلها الصغير

– أنا مش بحبك أنت كمان يا بابي

اختفت سعادة فتون وقد أضاعت نظرة الصغيرة أي سعادة كانت تحتل فؤادها
دلفت غرفتها حزينة تبتلع غصتها.. ، إنها تحبها حقاً لا تتمنى لها طفولة بائسة كحالها.. تتمنى لها أن تحصد الكثير من السعادة في طفولتها حتى تكبر وتكون شابة قوية مشبعة بالحنان والحب

استمعت لصوت الطرقات، فاسرعت في مسح دمعتها تلتف نحو السيدة ألفت التي دلفت للتو تُطالعها بنظرات حانية

– متزعليش من كلام خديجة، البنت صغيرة وبتتأثر من كل حاجة حواليها

ابتلعت فتون تلك المرارة، وقد بدء الصداع يطرق رأسها

منحتها السيدة ألفت عذراً للصغيرة، اصابتها الكلمات تتذكر مشهد شهيرة بعدما رأته يُقبلها ويُحاوطها بذراعيه

– الأطفال في السن ده بيتأثروا بأي حاجه يا بنتِ

وهي كانت خير من يعلم عن هذا، هي لم تعش تلك الطفولة التي تسمع عنها، طفوله حاوطها الحرمان من كل شئ

– انفصال الأهل.. الطفل مش بيقدر يتجاوزه بسرعه والبنت صغيره متعرفش يعني إيه إن الأب يكون مع ست تانيه

– سليم ناوي يصلح الموضوع ده يا مدام ألفت، خديجة كرهتني اوي وهي شيفاني موجودة مع وجود مامتها

وادرفت متفهمة لمشاعر الصغيرة

– أنا عامله زي اللي جيه غلط في الصورة لما اتلقطت

اقتربت منها السيدة ألفت مبتسمه، تمدّ كفها تمسح فوق خدها

– بالعكس يا فتون أنتِ وجودك كان صح في حياة سليم بيه

والتمعت عيناها متذكره مشهده وهو يغادر المطبخ مُلطخ الملابس

– أنا متأكده إن بعد حفلة عيد ميلاد خديجة، سليم بيه هياخد القرار الصح هو وشهيرة هانم

صدح رنين الهاتف، فتوقفت السيدة ألفت عن الحديث
أسرعت في التقاط هاتفها، فتوهجت نظراتها لرؤية اسمه يُضئ فوق شاشة الهاتف، أتاها صوته فور أن أجابت

– تعرفي طول ما أنا قاعد في الاجتماع عمال اوزع ابتسامات، فكريني قصدهم ميعرفوش إن في حد تاني خالص في بالي

ضحكت رغماً عنها وهي تسمعه مستمتعه بما يُخبرها به،
اشار لمديرة مكتبه بأن تعود لمكتبها إلى أن ينتهي من مكالمته، ثم اخذ يدور بمقعده مسترخياً رغم الإرهاق

– تعرفي إنها كانت مغامرة حلوه

توردت وجنتيها، تتحاشا النظر للسيدة ألفت التي اصرفت سمعها عن حديثهم واطرقت رأسها

– الفطاير كانت لذيذة بشكل

– الفطاير! هحاول أصدق إنك تقصد الفطاير

خرج صوتها متحشرجاً، فانفرجت شفتيه في ضحكة قوية اذابت مشاعرها

– أحبك وأنتِ ذكية يا حببتي وبتفهمي

واردف مازحاً بوقاحة هي في الأساس من طباعه

– حقيقي التحلية كانت جميله بشكل

– سليم باشا، هو أنت فجأة بقيت فاضي

توقف بمقعده عن الحركة، يحك فروة رأسه مبتسماً

– مش عارف ليه أنا مبسوط النهاردة، مش بقولك الفطاير كان ليها سحر

أسبلت اهدابها في خجل تسمح لأذنيها بسماع حديثه الذي يُداعب أنوثتها, يصف لها كيف كان مذاق الفطائر هذا الصباح، بالطبع لم يكن مذاق الفطائر لكن سليم كان متلاعبً بحديثه يقسم داخله إنه بالتأكيد تسمعه وهي تعض باطن خدها من شدة خجلها

– روحتي فين يا حببتي؟

وبهمس اجابته وقد تناست أمر وجود السيدة ألفت التي اتخذت الصمت وتركت لسيدتها الصغيرة فرصة الحديث مع رب عملها الذي عاشرته لسنوات طويلة

– معاك، بسمعك

اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ ولكنه فاق على طرقات مديرة مكتبه، فرمق ساعة يده ممتعض الوجه..، فقد حان وقت مقابلته لأحد العملاء

– أنا مضطر اقفل يا حببتي، وهسيب ليكِ اختيار البدلة.. أختاريلي على ذوقك بقى

هامت للحظات في مكالمته متنسية بؤسها حتى إنها تناست وجود السيدة ألفت

– فتون يا بنتِ

أجفلها صوت السيدة ألفت، فاتسعت حدقتيها غير مصدقة أنها تناست وجودها

– مدام ألفت

تعالت ضحكات السيدة ألفت سعيدة بما تراه

– شكلي اتناسيت، معلشي يا بنتِ مكنتش أعرف المكالمه هتطول كده.. كنت نزلت المطبخ

ارتبكت فتون، لا تعرف بما تجيبها به

عادت السيدة ألفت تقترب منها، ومن نظرتها علمت فتون أن هناك خطب ما تُريد إخبارها به

– فتون يا بنتِ أنا عارفه إنك عاقلة وهتكوني متفهمه اللي هقوله ليكِ، وبلاش تسأليني عن السبب

……..

توقف فتحي أمام بوابة المنزل الراقي مُلتفاً حوله غير مصدقاً تلك الحياة التي تعيشها شقيقته

– يا حلاوة يا ولاد، بيت زي بيوت البهوات وشارع أنضف من حياتي.. طلعتي محظوظة يا بت يا بسمه

عادت عيناه تفحص المكان ثانية، ثم رفع كفه نحو ذقنه يُحكه به مستطرداً

– قال إيه أبوكِ كان خايف يموت ويسيبك أمرمطك.. ،ميعرفش إن بنته ناصحة ومدوراها

– أنت واقف عندك بتعمل إيه يا أخينا

انتفض فتحي فزعاً بعد سماعه لصوت الواقف خلفه

– بسم الله الرحمن الرحيم

– بقولك بتعمل إيه يا أخينا

التوت شفتي فتحي إستنكاراً، ينظر لقصر قامه الواقف ويده التي وضعها فوق كتفه العريض

– هو ده ترحيب أهل البلد برضوه

– ما تخلص يا أفندي قول عايز مين ولا عايز إيه.. أو خد بعضك وامشي من هنا..

نفض فتحي يده عن كتفه،ثم رفع كفيه يعدل من هندام قميصه الذي أخذه من عنتر بعد أن أعجبه عليه.. ،فلا بأس إنه سيكون زوج شقيقته

– ايدك يا عم، أنا فتحي أخو بسمه

ابتعد عنه الرجل يرمقه بنظرات قويه فاحصة، يتذكر أوامر سيده هذا الصباح متمتماً بصوت خافت

– سبحان الله زي ما وصفك جسار بيه بالظبط، اول ما هشوفك مش هطيقك لله في لله

– بتقول حاجة يا أخ

– البيه مستنيك

استاءت ملامح فتحي، ولكن سرعان ما عادت عيناه تنشغل بالتحديق بالمكان

– هي أختي بسمه بتشتغل إيه هنا؟

اتخذ العم صالح الصمت، حتى توقف أمام الباب الداخلي للمنزل متلفاً إليه يرمقه بنظرات ماقتة

– هو أنت جاي دلوقتي تسأل أختك شغاله إيه وتدور عليها

– هي البت بسمة ديما مسوءه سمعتي قدام الناس

انفتح الباب، وبنفس النظرة التي شيعه بها العم صالح وهو يشير نحوه يُخبر الواقفة بهويته ، كانت السيدة سعاد ترمقه بها

– فتحي أخو بسمه يا ست سعاد

التوت شفتي السيدة سعاد تنظر إليه بنظرة مستنكرة

– يا خسارة على الرجاله

ضاقت عينين فتحي، يرمقهما بتأفف

– تحبوا تاخدوا صورة معايا

احتقنت ملامح السيدة سعاد، تبتعد عن الباب حتى يدلف بعدما ضاقت أنفاسها من رؤيته

– أدخل يا اخويا ادخل

– يا ساتر عليكم ناس متعرفش كرم الضيف

………… ..

انتقت له البذلة التي سيرتديها اليوم كما أخبرها ، و وضعت له كل ما سيحتاجه حينا يأتي من عمله ولن يتبقى معه إلا القليل من الوقت ليستعد لاستقبال ضيوفه
تعلم إنها ليست حفل عيد ميلاد فقط بل حفلة لإظهار شهيرة مكانتها حتى اليوم في منزل سليم وحياته وإنها ربما عادت لعصمته دون أن يصرح بالأمر

اشياء كثيرة دارت بخلدها بعدما غادرت السيدة ألفت غرفتها

” خليكِ النهاردة الجندي المجهول يا بنتِ، أنا عارفه إن من حقك تظهري وسط الناس معاه لكن خليكِ المرادي بعيده وسيبي شهيرة هانم على الساحه وسط ضيوفها”

كانت تتمنى أن تمنحها السيدة ألفت السبب، ولكن السيدة ألفت أحتفظت به لنفسها

عادت عيناها تتعلق بأشيائه الخاصة، تتسأل متى سيأتي اليوم
الذي سترافقه به بأحقية

– أنتِ أتنزلتي كتير عن حقك فيه يا فتون، مجتش من النهاردة

واردفت متحسرة تتذكر حماسها في حضور الحفل وارتداء الثوب الذي انتقته معه

– فعلا ده الأفضل ليكي يا فتون، عشان خاطر خديجة البنت بقت شيفاني الساحره الشريره

وبمرارة أسرعت في نفض أفكارها البائسة، واتجهت لتلتقط ورقة وقلم تكتب له أين هي، وحينا تنقضي الحفل ستعود

والقرار الذي كانت ستتراجع عنه بعدما غادرت غرفتها، زادها الأمر يقيناً أن بعدها اليوم هو الأفضل خاصة عندما رأتها شهيرة ورمقتها بنظرة خاوية ثم اتجهت نحو غرفة أبنتها

خرجت زفراتها بثقل وهي تُعلق حقيبتها الصغيرة فوق كتفها متمتمه

– هو مين الضيف ومين صاحب البيت

………

بتوتر جلس فتحي أمام جسار، ينظر كل منهما للآخر في صمت
حاول فتحي صرف نظره عنه، فنظراته تزيد من توتره وبهمس أخذ يتسأل

– هو عنتر اتأخر بالمأذون ليه؟

اعتدل جسار في جلسته، ومال للأمام قليلاً.. فازدرد فتحي لعابه بخوف, فهيئة جسار ونظراته تذكره بأشخاص لا يحب تذكرهم وهم رجال الشرطة

اسرع فتحي في تحسس عنقه، لتتعلق عينين جسار به سعيداً بتوتره

– مالك يا فتحي، شايفك متوتر

– أنا يا باشا ، بالعكس ده أنا مبسوط خالص ده حتى النهاردة فرح بسمه اختي

وسرعان ما كان القلق يتلاشي من فوق ملامح فتحي بمجرد أن خرج جسار عن صمته
– هنتمم الجواز وناخد العروسه نعملها احلى زفه

ثم اردف مستفسراً

– هي بسمه عجبها الفستان، لأحسن عنتر كان قلقان لاحسن ميجيش مقاسها ..، طلعت البت بسمه اختي شاطرة وبتعرف تجذب الرجاله

تجهمت ملامح جسار ولم تُخفي عن نظرات فتحي الذي تراجع عن حديثه متمتماً

– أنت هتكون شاهد على الجواز مش كده يا باشا

– ولو قولتلك إني هكون العريس مش شاهد يا فتحي

– ها
خرج صوت فتحي مدهوشاً مما سمع، وقد اتبعه فتح فمه على وسعه

نهض جسار عن مقعده، يعرض عليه الأمر بوضوح وثبات دون مقدمات

– عايز اتجوز أختك يا فتحي

الجمت الصدمه فتحي مجدداً، فاتسعت حدقتيه ثم رفع كفيه ينفض بهم أذنيه

– تتجوز مين يا بيه؟

تمتم بها فتحي بعدما نهض عن مقعده هو الأخر ومازال الذهول يحتل قسمات وجهه ، وقد وقف ينفض رأسه كحال أذنيه لعلا ما سمعه كان خطأ

– بسمه أختك يا فتحي

هز فتحي رأسه لا يستوعب ما يطلبه منه

– يا بيه هو أنت متأكد بتقول إيه، بسمة أختي هتتجوز عنتر.. الراجل جاي بالمأذون في الطريق

واردف حانقاً، فهو قد أتي لهنا بعدما جاء إليه عنتر منطقته باحثًا عنه يطلب منه يد شقيقته..، التي لم يظن يوماً أن يقبل بها أحداً..، وعلى ما يبدو أن شقيقته لم تكن سهله.. فقد جعلت رجلاً مثل جسار يُريدها أيضاً ، رجلاً يشعر بضئلته أمامه ويرتعب من ذكر اسمه واحبابه بالداخلية

– لا محدش يلغبطني، أنت مش يا باشا بعت عنتر ليا يطلب ايدها مني عشان ميبقاش عندك حجة وتجوزهاله

واستطرد في الحديث وهو ينظر نحو جسار الذي أخذ يزفر أنفاسه ضجراً

– يا باشا انا بصراحه حاسس إنكم بتلعبوا بيا، ما هي بسمة أختي ما يدفعش فيها فلوس..

التمعت عينين جسار بحدة، فور أن أستمع لعبارته.. وسرعان ما كان يلتقطه من ملابسه

– دفعلك كام؟

ارتعب فتحي وهو يري نظرات جسار القوية إليه

– عشر آلاف يا باشا

– هتفضل كلب فلوس طول عمرك

حاول فتحي تخليص حاله منه، حتى نجح وأبتعد عنه يلتقط أنفاسه..

– لو عايزاها أنت كمان يا باشا ومن غير جواز خدها، لكن راضيني بقرشين.. اه ادفع للراجل فلوسه

طاح فتحي أرضاً يدلك فكه من أثر اللكمة ، ينظر نحو جسار الذي اقترب منه بملامح لا تنبأ إلا بالشر

– مش عايز فلوس يا باشا، هات المأذون أجوزهالك

……..

امتدت يدي جنات في ذهول نحو القطعة النسائية التي وجدتها للتو أسفل الفراش بعدما قررت ترتيب المنزل بعد أن أخذت قسط من الراحه واستعادة نشطها

قلبت القطعه بين يديها لا تُصدق الحياة التي يعيشها الأخ الصغير

أخذت تفاصيل اليوم تسير أمامها, تتذكر نظرات كاظم لأخيه وتوتر الأخر ومغادرته في عجالة

علقت عيناها بالفراش ثم عادت عيناها تتعلق بالقطعة النسائية

– ابن جودة النعماني ومنال هانم مستنيه يكون إيه

– جنات

اتسعت عيناها تنظر نحو القطعة القابعة في يدها وقد انتبهت على صوته بعدما أغلق الهاتف الذي تصدح منه النغمات

صوت خطواته كانت قريبة منها يسألها مستفهماً

– واقفة عندك بتعملي إيه؟

ظلت قابعة مكانها دون حركة، فهذه عادتها حينا تتوتر وببطئ كانت تلتف إليه تُداري ما تمسكه خلف ظهرها تُجيبه بتعلثم

– بنضف الأوضة، أصل الشقة مكنتش نضيفه فقررت أنضفها

تجاهل كاظم حديثها، وقد ضاقت عيناه بتوجس بما تخفيه خلفها

– إيه اللي مخبياه ورا ضهرك يا جنات

– ولا حاجة

قطب ما بين حاجبيه وقد أثاره الأمر، وسرعان ما كانت تدرك خطأها

– قصدي ديه الفوطه اللي بلمع بيها

والقماشة التي كانت تتحدث عنها، لا تعرف متى ولا كيف أصبحت عالقه في أصبعه ينظر إليها وإلى ما يحمله

الفصل الثاني والخمسون (1)
********
توقف امام غرفة صغيرته بعد أن قرر الذهاب إليها أولاً قبل دلوفه لغرفته واخذ حمام منعش يزيل عنه إرهاق اليوم

توهجت عيناه بنظرة دافئة وهو يرى صغيرته في فستانها وتسريحة شعرها وذلك التاج الذي وضعته والدتها فوق رأسها ثم احتضان الصغيرة لها بقوة

– حبيبت مامي طالعه زي القمر

وصغيرته سعيدة متوهجة الملامح بسبب إهتمام والدتها بها

– طالعه برنسيس يا مامي

قاومت شهيرة رغبتها في البكاء، فهي منذ الصباح انعزلت بحالها باكية متحسرة تكتشف حقيقة واحده وتُقرها

حقيقة أن لا أحد ينال كل شئ بالحياة، هي كان نصيبها أن تكون سيدة أعمال ناجحه، ينهض لها الرجال مادحين في ذكائها وحسنها

– وأنتِ كمان هتكوني برنسيس يا مامي

والدموع التي قاومتها، انسابت رغماً عنها فوق خديها..

المشهد ألمه، وقد صدقت فتون عندما أخبرته هذا الصباح أن شهيرة ليست قوية كما يظن.. ولا يوجد أمرأة قوية مهما تيقن.. ،
إنها قشرة واهية تزول عندما تجد المرأة رجلاً يمنحها ذلك الشعور المفقود، يُعلمها فنون الحب في ليلة أكتمل فيها القمر
وهو رجلاً إذا دخل حياة أمرأة كان لعنة عليها، لديه قدرة قوية في سلب أنفاس النساء بين ذراعيه.. ،يعرف كيف يفك شفراتهم
لم يعد يفخر بالأمر، بل كلما نظر نحو أبنته ندم أشد الندم إنه كان يوماً رجلاً فاسقاً يبحث عن متعته ولكن في الحقيقة بعضهن كان يبحث عن نفس الشئ أو المال وهو كان سخياً في كلاهما

انتبهت شهيرة على وجوده، فعلقت عيناها به وهو ينظر نحوهما

– ديدا
هتفت شهيره باسم صغيرتها حتى تجعلها تنتبه على والدها، الذي وقف ساكناً بملامح جامده مرهقة

ابتسم سليم وهو ينظر نحو صغيرته، ولكن سرعان ما كانت تختفي بسمته وهو يراها تشيح عيناها عنه

الجمته فعلت صغيرته، بل طعنته لا يُصدق رؤيته لتلك النظرة الحزينة التي احتلت عينيها

اندهشت شهيرة من فعلت أبنتها، فصغيرتها شديدة التعلق بوالدها حتى إنها عندما يأخذها عقلها للمستقبل تقسم أن من سيتزوجها سيُعاني من تعلق كلاهما بالأخر

ازدرد سليم لعابه، وقد غادره أي شعوراً جميلاً كان يحتل قلبه

– أميرتي زعلانه من بابي عشان مشغول عنها مش كده

اطالت الصغيرة نظراتها نحو والدتها بعدما تشبثت بها، ترفض أي تواصل بينها وبينه

حدق سليم بشهيرة مصعوقاً، و احتدت عيناه لتُصعق من نظراته نحوها نافية برأسها ما يظنه

أسرعت شهيرة في احتواء صغيرتها لا تستوعب فعلتها حتى اللحظة، و ارتجف جسدها من رؤية نظراته الغاضبه فأبنته باتت تكرهه والأمر لا يُفسر إلا بطريقة واحدة

– ديدا بصي ناحية بابي، بابي واقف زعلان عشان ديدا مش بترد عليه

– أميرتي الجميلة

خرج صوته خافت مترقب لردة فعل صغيرته مجدداً، التفت الصغيرة إليه تنظر نحو ذراعيه وانحنائه يدعوها لحضنه

أسرعت الصغيرة نحوه تُلقي بجسدها الصغير بين ذراعيه، تُعانق عنقه بذراعيها هاتفه

– أنا زعلانه منك يا بابي عشان بقيت تزعل مامي كتير

وابتعدت عنه تصب نظراتها نحو والدتها التي وقفت مبهوته مما تسمعه

– خلي فتون تمشي من هنا، هي بتزعل مامي.. مامي بتزعل لما تشوفها

صعق الحديث كلاهما، فالصغيرة باتت تترك لعينيها المتابعة في صمت حتى بدأت تجمع من ملاحظاتها أن حق والدتها ضائع وأن الأخرى تُحزن والدتها واستولت على حقها في والدها

تلاقت عيناهم ، فلم يضعهم في هذا الأمر إلا هي، ارادت الإقامة في المنزل رغم إنها طليقته، تخلت عن أبنتها بسبب طموحاتها
ولكنه لن يُنكر حقيقة واحده إنه أحب فتون أحبها وهي خادمته وزوجة سائقه
ورغم إنه قديماً الأمر كان يصعقه من فكرة أن يُغرم بزوجة سائقه وخادمته إلا أن ظهور شهيرة في حياته مجدداً بعد ذلك الحادث الذي أصابه قبل سنوات مع مغادرة فتون حياته هاربه منه بأنفاس لاهثة من مزرعته
أكد له حقيقة حاربها من قبل، إنه فقد زمام الأمور على قلبه ولم يعد يفكر لا بالمنطق ولا بأهوائه, فسليم النجار لا يختار إلا المميز

– خلي فتون تعيش في بيت لوحدها يا بابي، هي واخوها..
انا فرحت لما راح المستشفى وبطل يشدني من فستاني وشعري

والصغيرة تحكي مشاعرها وتُطالب بأحقيتها في والديها ومكانتها

ازدردت شهيرة لعابها بعدما ازدادت نظرات سليم جموداً صوبها، فقد أصابت هدفها وجعلت أبنته نسخة مصغرة من صوره لا يُريد أن تكون عليها

امتدّت يداه نحو خديها يمسح فوقهما برفق

– فتون يا حببتي بتحبك، أنتِ مش كنتِ بتحبيها..

لم تنفي الصغيرة حبها المسبق لها، فاماءت برأسها متذكره ما مرت به معها

– كانت بتاخدني المطعم بتاعها، وتسبني أحط الشيكولاته على الكعكة

ثم عادت تنظر لوالدتها، وقد اتاخذت شهيرة دور المستمعه المترقبة

– لكن هي بتزعل مامي، هي أخدتك مني ومن مامي يا بابي

حرقت الدموع مقلتي الصغيرة ثم نظرت لوالدها ولأهتمامه المنصب عليها وعلى حديثها كعادته

ضمها إليه يُخبرها بطريقته وحنانه الخاص بها وحدها، إنها أميرته الجميلة

– فتون بتحبك يا ديدا، هي أكيد مش هتحبك زي مامي لأن مامي واحده بس ومحدش يقدر ياخد مكانها عندك

تعلقت عينين شهيرة به، هو يمنحها أحقيتها في أبنتها، لكن حياته لم تعد إلا لأمرأة أخرى يصورها لابنته إنها تُحبها لكن حبها لن يكون مثل حب والدتها

– تعرفي يا ديدا إن فتون هي اللي عملتلك تورتة عيد ميلادك وكل الحاجات الحلوة اللي أنتِ بتحبيها

ابتعدت عنه الصغيرة، تومئ برأسها بعلمها لما فعلته لها

– طيب ومن أمتى بنفرح في حد تعبان، أو متعور مش المفروض نطبطب عليه ونديله من حاجتنا الحلوه ونشجعه ونقوله هتبقى كويس

عادت الصغيرة تومئ له برأسها، تفهم مقصد والدها وحديثه

– بس أخوها وحش وبيشدني من شعري كتير، ويقولي أنتِ شبه الكرتون

لانت ملامح سليم وهو يسمعها تُعبر عن حنقها هذه المرة بتذمر طفولي

– ما أنتِ يا أميرتي شبه فعلا أميرات الأساطير

وامسك ذراعها يديرها حول نفسها عدة مرات، فتعالت ضحكاتها وهي ترى فستانها يدور حولها كما تحب

– أميرتي الحلوة النهاردة كبرت سنه، وبابي كل يوم حبه ليها بيكبر ويكبر

وانحني ليحملها بين ذراعيه، فاسرعت في دفن رأسها في تجويف عنقه تلهث أنفاسها

– أنا بحبك أوي يا بابي، أنت كمان أمير..

تعالت ضحكات سليم، فاتسعت ابتسامة شهيرة وهي ترى الدلال الذي تحصل عليه أبنتها من والدها، إنه دلال يُرضيها كأم وامرأة متعطشة له وأبنة حرمت منه في وسط عائله لا تبحث إلا عن كسب الصفقات والمزيد من الأموال والعراقة

– لا أنت ملك يا بابي

قهقه سليم عالياً، من نظرة صغيرته إليه وهي تُفكر في لقب أخر له

عاد لضمها إليه يتنفس رائحتها بعمق، فالتمعت عينين شهيرة بسعادة وهي تراهم بتلك الصورة التي دوماً ما سلبت قلبها وجعلتها تزداد إطمئناناً, أن أبنتها ستظل دائماً تنال أهتمام والدها ولن تُحرم مما تمنته هي يوماً

وليت باتت تنطقها كثيراً في حياتها مؤخراً، ليت ما أنجبت من هذا الرجل المزيد من الأطفال، ليتها كانت مثل الخادمة التي نالت قلبه رغم افتقارها لكل شئ

اطبقت فوق جفنيها بقوة ، تطرد دموعها العالقة بين أهدابها تنفض رأسها من مشاعر الضعف والحسرة

– تعالوا ناخد صوره حلوه سوا، رغم إن بابي لسا مش جاهز وهيطلع وحش في الصورة وهو مبهدل كده

ضحكت الصغيرة وصفقت بيديها متحمسة، تنظر إلى ملامح والدها

– ومامي وديدا هيطلعوا حلوين في الصورة وبابي لاء

عبس سليم بملامحه ثم أنهال عليها بالقبلات، يُدغدغها بذقنه

– بقى كده يا ست ديدا، بتنضمي لحلف مامي

– ايوة لان مامي أحلى منك يا بابي دلوقتي

اتسعت عينين شهيرة، تصوب نظراتها نحو الذي صدحت ضحكاته

– البنت ديه بتبيع كل واحد فينا في ثانيه يا سليم

– بنت شهيرة الاسيوطي عايزاها تكون إزاي يا شهيرة

ارتفع حاجبي شهيرة ترمقهما بأستياء مصطنع

– نعم يا سليم باشا تقصد إيه، وليه متقولش إنها طالعه ليك

تعالت ضحكاته مجدداً، يمدَّ لها يده لأخذ الهاتف منها حتى يلتقط هو الصورة

– تعالي يا شهيرة خلينا ناخد الصورة، عشان ألحق أجهز

التُقطت الصورة، والتُقطت معها مشاعر أخرى

غادر سليم الغرفة بعدما بعث لابنته قبلة، فطالعت ابنتها وانحنت صوبها تأخذها بين ذراعيها تهمس لها بكلمات كثيره نادمة..،
تُخبرها إنها لم تكن تقصد أن تهملها إنها هدية من الله لها، وهدية من الرجل الذي لو ظلت قربه كثيراً ستموت من شدة قهرها, وما عليها إلا الرحيل لبعض الوقت حتى تُرمم حالها وتعود شهيرة القوية

ولا بأس أن نخسر فصل من فصول حياتنا، لنغلق الفصل ونبدء في فصل أخر

………..

جالت عيناه في أرجاء الغرفة يبحث عن طيفها، فهو متأكد بأنها ليست بالأسفل ولم تذهب اليوم للجامعه ولا تدريبها بالمؤسسة بعدما توقفت عن الذهاب إليه رغم إستمرار زميلها أحمس ذلك الشقيق الروحي

وعندما تأتي ذكرى على أحمس على ذاكرته؛ ترتسم ابتسامة ساخرة مستنكرة فوق شفتيه، هو لا يستهوي هذا الشاب رغم يقينه إنه شاب مكافح طموح ومجتهد ويعيل والدته تلك السيدة التي جعلت حياتها له بعد وفاة والده

لن ينكر أن مثال أحمس يُعجبه ومن أكبر أسباب قبول تدريبه لديه هو إجتهاده وحصوله على تقديرات عالية بجامعته

ولكن زوجته الحمقاء المحبه لمهنتها، تركت الفرصة وفضلت أن تقضي سنوات الدراسة كأي سنوات من العمر تُقضى

وكحال الكثير من الناس يدرسون أشياء لا يجيدون عقولهم وشغفهم يهواها

اخذت عيناه تدور بالغرفة، فتأكد من عدم وجودها بها.. فعلقت عيناه بساعة يده وخرج من الغرفة يبحث عنها، والجواب كان يأخذه من الخادمة التي كانت تصعد للتو ومتجة نحو غرفة شهيرة

– الهانم فين؟

توترت وردة قليلاً كعادتها حينا يسألها رجلاً سؤالاً

– خرجت يا بيه من ساعتين، لا من تلت ساعات كده والله ما أنا فاكرة يا بيه

ضاقت عينين سليم، ينفخ أنفاسه حنقاً

– روحي ناديلي مدام ألفت

أسرعت وردة في تنفيذ أوامره ، ناسية الغرض الذي كانت متجها به نحو السيدة الأخرى ” شهيرة ” ولكنها توقفت مكانها

– هي البنت اللي بعتها تساعد الهانم موصلتش

أسرعت وردة بالجواب متذكرة الفتاة التي أتت قبل ساعات وعلى يبدو من اختصاصها وما تحمله إنها خبيرة تجميل

– جات يا بيه، ولما ملقتش مدام فتون.. شهيرة هانم استعانت بيها تجهز خديجة هانم وتساعدها في تسريحة شعرها والحاجات اللي أنت عارفها يا بيه

وسرعان ما كانت تتسع حدقتي وردة وهي ترى امتقاع ملامحه بسبب ما اردفت به غير واعية من تجاوزها في الحديث

– أنا بقول أروح انادي مدام ألفت لحضرتك

وفرت هاربة راكضة من أمامه يتبعها سليم بنظراته الغاضبه عائداً لغرفته، يضع الهاتف فوق أذنه

……..

– وعلى رأي المثل بعد ما شاب ودوه الكتّاب

هتفت بها السيدة عبلة، وهي تنظر لأبنتها مستنكرة وجودها بالمشفى اليوم

رفعت فتون عينيها نحوها وأغلقت الكتاب تنتظر سماع المزيد من عبارات التهكم من والدتها

– مش عجبك كلامي يا بنت بطني

– ما أنا قفلت الكتاب اللي مش عجبك

– ايوة مش عجبني، هو أنتِ هتعملي إيه بالتعليم

التمعت عينين فتون بالحسرة تتذكر نفس عبارات والدتها منذ سنوات حينا عادت من مدرستها بشهادتها تأمل أن تُكمل تعليمها

– نفس الجملة قولتهالي زمان، وجوزتيني حسن وأنا معرفش يعني إيه جواز.. قولتيلي هتفرحي بالجواز والجواز حاجة حلوه وفي الأخر إيه اللي حصل

امتقعت ملامح السيدة عبلة من نفس الحديث الذي تُكرره عليها لتُشعرها بالذنب

– ما أغلب بنات القرية بيتجوزوا في سنك ومحدش طلع خايب زيك وكلهم معاهم بدل العيل عيلين وفاتحين بيوت

ابتلعت فتون غصتها المريرة تتذكر قسوة حسن معها

– ليه خلفتينا كتير وظلمتينا

ازدادت ملامح السيدة عبلة إمتقاعاً

– ظلمتك يا بنت بطني، عشان سترتك بدري

وأخذت السيدة عبلة ترثي حالها، تطرق فوق فخذيها تخبرها عن التضحية التي قدمتها لها ولأشقائها

بدء الصغير الراقد فوق فراش المشفى يستيقظ ينظر إليهم مدهوشاً مما يحدث أمامه متمتماً بحلق جاف

– فتون أنتِ لسا هنا

واردف متسائلاً عن الدراجة التي وعده بها سليم وبات يتسأل عنها كل يوم

– هو سليم هيجبلي العجلة أمتى يا فتون

توقفت السيدة عبلة عن الندب، وسرعان ما انشرحت ملامحها تنظر لأبنتها لتؤكد عليها أن خسارتها لزوجها خيبة لها ولهم جميعاً

– جوز أختك يا حبيبي هيجبهالك متخافش، ومش أي عجلة.. عجلة كبيره كمان عشان باقية اخواتك يركبوها معاك وكمان هيوديك البحر تتبسط ولا إيه يا فتون

طالعتها فتون صامته، والدتها علقت أمال أشقائها على سليم وعليها ، وإذا رحل سليم رحل كل شئ عن حياتهم

اقتربت منه تمسح فوق شعره

– قوم أنت يا حبيبي بالسلامه وهتلاقي العجلة عندك، ها هتسيبني أركب معاك عليها

– شوف البت الخيبة عايزه تركب عجلة، قولي يكون عندك عربية أنتِ اللي تسوقيها

هتفت بها السيده عبلة تستنكر حال أبنتها، فلما لا يكون لديها سيارة ملك لها مثل طليقته تلك المرأة الحسناء

– شايفه طليقته ذكية إزاي مطلعتش من الجوازة خسرانه

والدتها تظن أن شهيرة تحتاج لأموال سليم، هي لا تُقارن بشهيرة

وضحكة طويلة دمعت معها عينيها، فامتعضت ملامح السيدة عبلة

– خليكِ خيبة كده، وضيعي جوازة وعيشة غيرك بيحلم بيها، بس اقول إيه طالعه لأبوكي فكل حاجة

……….

اقتربت السيدة ألفت بتوتر منه، فقد مر أكثر من ساعتين على طلبه لها ولكنها للأسف أنشغلت ببعض الأشياء بالمطبخ وقد تناست أمر استدعائه لها

– أنتِ لسا فاكرة يا مدام ألفت

اطرقت السيدة ألفت رأسها، فعلقت عيناه بالضيف القادم صوبه في حفل بدء يستنكرها.. فحفل صغيرته أنقلبت لحفل عمل، وقد وجدها حامد الأسيوطي فرصه للخروج من فشل صفقاته الأخيرة

– المدام فين، إيه اللي حصل في غيابي

– هي مبلغتكش يا بيه إنها رايحة لأخوها المستشفى تزوره وتبعد عن الحفله عشان يعني…

احتدت عينين سليم ينظر لها فاسرعت تفسر له

– في حاجة حصلت أنا معرفتش ابلغك بيها، واتصرفت من دماغي وطلبت من الهانم متظهرش النهاردة

توقفت السيدة ألفت عن الحديث، وهي ترى الضيف على مقربة منهم ثم اتبعته شهيرة

انسحبت السيدة ألفت تستعجب عدم علمه بأمر تركها المنزل اليوم وعدم الظهور بالحفل لتمنح شهيرة الصورة التي تُريدها أمام الناس

– معقول ميعرفش سبب تجنبها لحفلة النهاردة، أنا لازم أوضح ليه السبب

وعادت عيناها تتعلق بشهيرة التي أشرقت ملامحها خاصة اليوم وأصبحت سيدة الحفل, والزوجة الحالية التي بحث عنها الجميع اختفت من الصورة

ومن جهة أخرى وقفت دينا حانقة، تكاد تموت من شدة غيظها
لا تستوعب كيف ستنسحب شهيرة من حياة سليم وستغادر منزله
فقد بدء الجميع يتحدث عن اختفاء الزوجة التي اختارها سليم النجار بعد انفصاله عن شهيرة الأسيوطي والكل أخد يتسأل

هل طلقها بعدما أدرك فداحة خطأه ؟

– مش هتعرفيني على سليم النجار يا دينا

ارتفعت أنفاس دينا حنقاً والتفت نحوه ممتقعة الوجه

– في إيه مالك كل شويه مش هتعرفيني على سليم النجار، سليم النجار عندك اه

– مالك بس يا حببتي، لا لا أنتِ مش عجباني من ساعة ما جينا الحفله

حاوطها الواقف بذراعيه مبتسماً بلزوجة تمقتها، ولولا ماله وركضه خلفها ليتقرب منها ما سمحت لنفسها بالسير جواره،
إنه لا يملك الشكل ولا المظهر الأجتماعي، ولا تعرف من أين له بهذا المال الذي لديه؟

وقعت عيناها على شهيرة جوار سليم وقربها الشديد منه تُقسم داخلها إنها بدأت تلعب من خلف ظهرها لشعورها بأقتراب الفرصة لتعود زوجته مرة أخرى

– طلعتي ذكية يا شهيرة، عايزه تفهميني إنك خلاص هتنسحبي من حياة سليم ويفضل بينكم إحترام متبادل.. لا ذكية ومحتاجة مني صقفة يا بنت الأكابر

– اجيبلك حاجة تشربيها يا حببتي

انتبهت على ذلك الملتصق بها، تنظر إليه شزراً تُحاول التحكم في سخطها حتى لا تخسر ماله

– مسعد حبيبي

رفرف قلب الواقف، ينظر لحسنها الذي سلب فؤاده

– مش كنت عايز تتعرف على سليم النجار، شكل الفرصه جاتلنا يا حبيبي

التمعت عينين مسعد، يلتف برأسه ينظر نحو الواقف وعاد يركز نظراته عليها متسائلاً بمراوغة

– هي ديه مراته

وبسخرية شديدة اجابته

– لا يا حبيبي ديه طليقته، مراته هابله انسحبت من الحفله عشان الناس ميقولوش عليها خدامة.. أصلها كانت خدامة عنده ومرات السواق

ومسعد يسمع حديثها مبتهجاً، فهو خير من يعلم تلك الخادمة زوجة حسن الصديق الذي غدر به كما غدر به هو الأخر

– فتون

الفصل الثاني والخمسون (2)
********

تلهف قلبها كحال أذنيها وقد أعطاها صمته ونظراته إليها أملًا
،ارتفعت دقات قلبها في ترقب تنتظر سماع جوابه، ف فتحي سوف يثبت لها اليوم أنه مازال يحمل في قلبه ذرة حبً لها كونها شقيقته من دمائه وستستيقظ النخوة داخله

انتظرت ما سيطرب قلبها، ما سيخبرها إن لديها عَضَدَ ، فشقيقها لن يخذلها اليوم وسيأخذها معه عائدًا بها لمنزلهم وحارتهم
ورغم استحالة ما تقنع به حالها، إلا إنها تشعر من نظراته وصمته ببصيص من الأمل

– أنت عارفني يا فتحي.. إني شاطرة وبسد في أي شغلانه… هرجع اشتغل في المصنع من تاني وهجيب ماكنة خياطة أشتغل عليها او ممكن أقف في محل ملابس بعدما أخلص في المصنع، أو اشوف شغلانه في أي مطعم.. وليك عليا يا سيدي كل شهر اديك الف جنيه ومش هتحس بيا.. بس خليني أرجع معاك بيتنا

وانسابت دموعها تتذكر جدران منزلها الحبيب، تتلهف على سماع جوابه ومنحها الموافقه

طال تفكير فتحي، وابتعد بأنظاره عنها.. ينظر للغرفة التي خلت بهم بعدما تركهم جسار لبعض الوقت سوياً

– أنت بتفكر في إيه يا فتحي، المفروض تكون راجلي و سندي يا ابن امي وابويا

تجهمت ملامح فتحي وهو يستمع لسخريتها وتشكيكها في نخوته

– ما أنا سندك أه يا ختي، ده أنا متشحطط وسايب مصالحي عشان أجوزك للراجل اللي يستهلك

انطفأ الأمل داخلها، تنظر إليه تستجدي عاطفته

– مترمنيش يا فتحي، محدش فيهم عايزني غير لغرض معين في حياته وبعدين هيرميني

– مش أنتِ اللي هربتي مني عشان متشتغليش مع المعلم وجدي

اعتلت الحسرة روحها، فلا أمل بشقيقها
فهل سيكون الأمل بمن ليسوا من دمائها ؟

– كنت عايزني اشتغل في الكباريه يا فتحي

امتعضت ملامح فتحي ينفخ خديه، يحسب حسبته داخل عقله، فاسرعت في التقاط ذراعه تستجديه مرة أخرى ولكن سرعان ما تركت ذراعه وقد صعقها ما هتف به

– جسار باشا لازم يشخلل أيده حبتين، مش كفايه هطلع عيل مع عنتر باشا، ده أنا واخد من الراجل عشر الآف جنيه

………

استمر في تحريك القطعة النسائية حول أصبعه، ينظر إليها بنظرات متلاعبة، نظرات كانت جديدة عليها من رجل ك كاظم النعماني

ازدردت لعابها في توتر وحرج، فما الذي يفعله وينتظره منها، استمرت في تحديقها بفعلته وقد ازدادت نظراته عبثًا

– هي ديه برضوة فوطة بيتلمع بيها يا جنات

وارتسم الامتعاض فوق ملامحه، من عدم إختيارها لكذبة مقنعة

– كدبه مش في محلها خالص

اتسعت عيناها وهي تراه يميل نحوها، يهمس بعبارته الأخيرة قربها
التقطت أنفاسها ثم حبستها لثواني قبل أن تزفرها بقوة

أسرعت في التقاط القطعه منه متمتمه بحنق

– أنت اللي عايز تشوفها حاجة تانية فماليش علاقه بنظرتك للأمور

هل اذهلته عبارتها، بالفعل أذهلته زوجته بارعة في تخليص حالها من الأمر بأي حجة سواء كانت مقنعة او لا تمت للأمر بصله

– بشوف الأمور بنظرة تانيه.. هحاول ماخدش كلامك بطريقة جارحة وهعمل نفسي مسمعتش تبريرك المضحك

امتعضت ملامحها من قدرته في إثارة حنقها، وقبضت فوق القطعه بقوة حتى تخفيها عن عينيه

– شكراً لكرم أخلاقك يا كاظم باشا

صدحت ضحكاته عاليًا عقب حديثها، لا يُصدق حاله إنه بات يستمتع بحديثها بل ويضحكه

– ماشاء الله شيفاك بقيت محب للضحك أوي، مش خايف لتتعود يا كاظم باشا

إنها بالفعل تستفزه، ولكنه بات يعتاد على مناوشتهم الممتعه
اقترب منها يُحاصرها بين ذراعيه بطريقة أجفلتها وأثارة حفيظتها من قربه

– مهما حاولتي تستفزيني يا جنات مش هتقدري، عارفه ليه؟ لأني مقرر أستمتع بالهدنه اللي بينا

– قصدك الرحلة اللي اجبرتني عليها أكون فيها معاك عشان تطلقني بعدها

حاولت أشاحت عيناها عنه بعدما نطقت عبارتها، تنظر إلى ذراعه اليسرى وقد باتت قريبة من ملامسة جسدها كحال الذراع الأخرى التي تمكن من وضعها بالمكان الصحيح

آثارها بحركته البطيئة المتقنة، ولعارها أن جسدها الأحمق يتفاعل مع لمساته

– تعرفي إن جنات القديمة كانت أفضل، جنات اللي كانت بتدوب بين أيديا

واستمر في بث كلماته، يرى نجاحه وهي تسمعه بإنصات؛
فارتسم الزهو فوق ملامحه وهو يراها تخضع لرغباتهم
تركته يعيش الأنتصار للحظات، سمحت لعينيها أن ترى مدى تأثيرها عليه

اقترب من شفتيها حتى يلتقطهما بين شفتيه ويستمتع بمذاقهما، ولكن كل شئ توقف أمامه وهو يرى يدها تُضع كحائل بينهم متمته

– تفتكر مين اللي هيفوز بالجوله الحالية، مش قادر تقول إنك عايزني زي أي راجل بيطلب حقه من مراته فبتلبي طلبه بحب، لكن كاظم النعماني ميعملش كده بالعكس يمارس طرقه اللي درسها كويس الأول وبعدين يلاقي النتيجة في الأخضاع

صعقه حديثها بل الجمه، فانتفضت من حصاره

– أنا مش حزينه وأنت بتوصفني بصورة الست الضعيفه، لأن ضعفي مكنش مخزي بالنسبه ليا..، راجل عجبني حبيت أتجوزه بتحصل كتير, واه أخدت اللقب اللي ستات كتير سعت عشان تاخده وقريب هتشرف برضوه باللقب الجديد ” طليقة كاظم النعماني”

بعزة نفس نطقتها، رغم المرارة التي ابتلعتها.. إنها أحبت هذا الرجل ولن تلوم قلبها على حبه

تركت له الغرفة وقد وقف مبهوتً من كل كلمة نطقتها، لم تعد جنات تتألم من شئ بل باتت تخبره إنها خرجت من حياته منتصرة ونالت ما ارداته، ارداته حبً فيه أو طامعه به فبكلتا الحالتين نالت اسمه وأصبحت زوجته

” زوجته” إنه بات يستسيغ تلك الكلمه، وفي خضم أفكاره المزدحمة ومشاعره المضطربة كبحر هائج بأمواجه داعبت رائحة الطعام أنفه، إنها رائحة دجاج وضعت للتو فوق سطح مقلاة ساخنة

اتبع أنفه نحو المطبخ، فوجدها تقف تقلب الدجاج وكأن الحديث الذي دار بينهم منذ دقائق قد تناثر

– أنا شايف إني ألغي عزومة العشاء، ما دام ريحة الأكل تجنن

ضاقت عيناها فما الذي يسعى له هذا الرجل، وببطئ التفت إليه نافرة طريقته في التقرب..

فهل يظنه إنها ستخضع ثانية له وتُهدر المزيد من كرامتها معه؟

– تقدر تروح عزومتك وتقابل ضيوفك

– ولو سألوني عن مراتي

هتف بها كاظم ينتظر ردة فعلها، واقترب منها بخطوات بطيئة

– مراتك؟ ولا الست الطماعه اللي لعبت عليك عشان تعيش في العز وأجبرت كاظم النعماني يتجوزها

تركها تعيد نفس الحديث الذي بات يسمعه منها يومياً، حديثها لم يعد يستاء منه بل يزيده متعة وهو يرى صورة أخرى من زوجته

– لكن العزومة ديه لينا لوحدنا يا جنات، مش معقول مش عايزه تستمتعي بمذاق الأكلات الإيطالية

أصابها الحماس بعض الشئ، ولكن سرعان ما احتفظت به وعادت ملتفه تُكمل إعداد وجبتها

صوب نظراته صوبها ينتظر أن يستمع لجوابها، يعلم إنها باتت مشوشة من أفعاله التي لا تليق على شخصيته الفظة

– أنت راجل دوغري يا كاظم، فقول عايز مني إيه لأن دور الزوج مش لايق على علاقتنا

زفر أنفاسه يُحاول طرد أي شعور احتله بعد حقيقة ما نطقته، فعلاقتهما منذ البداية لم تكن علاقة سوية

شعرت بقربه الشديد ثم قرب أنفاسه منها متسائلاً

– وعشان أنا راجل دوغري، فأنا حالياً عايز أستمتع بأدق التفاصيل في رحلتنا مش ديه برضوه أخر رحله هتجمعنا

………

خرجت من المشفى وقد أنتهت مدة زيارتها ولم يعد يُسمح لها بالبقاء
التفت بجسدها تنظر لمبنى المشفى تتسأل داخلها لو كانت استغلت اسم سليم واخبرتهم إنها زوجة أحد ملاك المشفى وعلى معرفة بالطيب رسلان صديق زوجها

استغلال المناصب والاسم بات شئ مهم في هذا الزمن، وهي خير من يعلم هذا..، فقد عاشت من قبل حياة أدركت فيها أن الفقير يجب عليه السير جوار الحائط

نفخت أنفاسها ببطئ فهي ستعيش كما كانت تعيش، فتاة بسيطة بأحلام أبسط من عالمها الجديد ولكن مهلاً ما الذي يحدث لهاتفها الذي بدء ضجيجه برسائل عدة

انتابها الذعر تنظر للهاتف وقد بات الأمر واضحاً لها بعدما ظنت أن سليم لم يُهاتفها طيلة الساعات الماضيه بعدما أدرك أن عدم وجودها في حفل صغيرته فكرة صحيحه،
ولكن ما يظهر لها عبر الرسائل الكثيرة أن هاتفها لم يكن متاح بسبب التغطية السيئة بالمشفى او ربما مشكلة بالشبكة المحلية
أسرعت في دق رقمه، وقد ازداد ذعرها بسبب محتوى الرسائل الذي إذا دل لن يدل إلا على شيئًا واحدًا..
سليم لم يرى الورقة التي وضعتها بجوار أشيائه

– رد يا سليم، أرجوك رد

توقف الرنين، فعادت تضغط على إعادة الأتصال مرة أخرى
أسرعت في إيقاف سيارة أجرة، تلوم حالها لأنها أتت اليوم دون السائق

…….

الجميع يُغني للصغيرة الأميرة، أميرة عائلة النجار تلك العائله التي تملك الكثير من المشاريع، والأميرة الصغيرة ليست فقط حفيدة عائلة النجار بل حفيدة أيضاً عائله الأسيوطي

– كل سنة وأنتِ طيبه يا حبيبت مامي

قبلت شهيرة صغيرتها بحب بعدما أطفأت معها شموع ميلادها الأربعة
ضم سليم صغيرته منحنياً نحوها يلثم خدها

التقطت الصورة التي تُجمع العائلة، والجميع كان ينظر لشهيرة بتفحص يحسدونها على ذكائها بعدما ظلوا لأشهر يتحدثون عن غبائها في ترك رجلاً كسليم النجار

– حبيبت خالها الحلوه

لثم حامد خدها يمنحها هديته ينظر نحو شقيقته

– البنت كل ما بتكبر بتبقى نسخة من عمتك يا ابن صفوان

امتقعت ملامح سليم من لزوجة شقيق طليقته، تجاهل حديثه وهو ينظر نحو ملك ورسلان مبتسماً لقدومهم وعلى ما يبدو إنهم أتوا أثناء إطفاء الشموع

– ديما متأخر يا دكتور

اقترب منه رسلان مصافحاً، ثم مال عليه ساخراً من أجواء الحفل

– هي ديه حفلة عيد ميلاد طفله ولا بيزنس يا ابن النجار

– طول عمرك ظريف يا دكتور، وابعد خليني أرحب بملك اللي وجودها نور الحفله

اتسعت ابتسامة ملك، فدوماً كان سليم يتميز بلباقته في الحديث

– نورتي يا ملك حقيقي ، ومش عارف إزاي قادرة تستحملي واحد زي ده لزج

– بقى كده يا ابن النجار، ردي وقوليله إنك اسعد ست في الدنيا يا حببتي

تعالت ضحكات ملك رغماً عنها من الحديث الذي أخذ يدور بينهم
اقتربت شهيرة من ملك مرحبة، بعدما انتبهت على وجود رسلان واندماجهم في الحديث والضحك سوياً

– ديه المدام يا دكتور، لا بجد عرفت تختار

ارتسم الخجل فوق ملامح ملك من مديح شهيرة لها

– اصلي محضرتش فرحكم

اقترب رسلان من ملك يُحاوط خصرها بذراعه، يُطالعها بحنان مجيبًا على شهيرة

– المدام مبتحبش تظهر كتير، وأه الفرصه جات واتعرفتي عليها يا مدام شهيرة

رحبت بها بحفاوة مرة أخرى ثم تقدمت الصغيرة منهما ترفع عيناها نحو رسلان

– عمو رسلان اوعي تكون جبت الحقنة معاك

انفجروا الجميع ضاحكين أمام الصغيرة، فيرمق رسلان صديقه الذي ابتعد عنهم بعض الشئ ولم ينتبه على قول صغيرته

…….

ابتلعت فتون لعابها وهي تنظر لشاشة هاتفها وقد أضاء باسمه، توترت قليلاً قبل أن تفتح الخط وتضع الهاتف فوق أذنها

– أنتِ فين يا هانم؟

أجفلها صوته، فازدردت لعابها

– سليم أنا سيبتلك رساله

– قصدك حتت ورقة

ليتذكر هو تلك القصاصة التي وجدها جوار الفراش ساقطة، ولولا انتباه عليها بعدما عاد للغرفة حتى يبدل قميصه الذي أنسكب فوقه العصير

– حسابنا مش في التليفون يا فتون، وجاوبي على سؤالي أنتِ فين دلوقتي

افزعتها حدته، تنظر أمامها نحو الطريق الذي يشقه سائق السيارة الأجرة

– في التاكسي

– كمان تاكسي، والسواق اللي مشغله ليكِ مأخدتهوش ليه

واردف دون أن يعطيها فرصة للحديث

– طبعا الهانم مأخدتهوش لأنها بتحب تعيش كل حاجة زي ما كانت عايشه فيها، تشتغل وتتمرمط وتدخل الجحر زي الجبانه

اتسعت حدقتيها في ذهول تهتف اسمه حتى يكف

– سليم

– بلا سليم بلا زفت، لما توصلي تطلعي على أوضتك ومش عايز ألمحك خليكي غبية وجبانه وافضلي في الجحر طول عمرك، لا فالحتي في تدريبك في المؤسسة وأنك تبني ليكي اسم وكيان.. مصممه تفضلي طول عمرك الناس تشاور عليكي وتقول

– سليم أنت بتقول إيه، أوعى تقولها أنت بالذات

سقطت دموعها وهي تستمع لقسوة كلماته ولكنه ظل مستمراً في نعتها بالجبن والغباء

– جبانة وغبيه، محتاجة تسمعي مني إيه تاني

أتسعت ابتسامة مسعد بعدما أستمع للحديث لا يُصدق ما سمعه،
فقد اقترب منه بعدما وجده ابتعد عن الجميع

ابتعد مسعد في صمت كما اقترب متلذذًا من سماع حديثه، ابن الذوات يبدو إنه ضجر واستوعب أن زوجة سائقه لم تعد تليق به
وابتسامة راغبة ارتسمت فوق شفتيه، إنه لم ينسى تلك الصغيره لم ينسى التفاصيل التي كان يُخبره به حسن عن المتعه القوية التى كان يحصل عليها معها وكيف كان يُخصعها لتفعل له ما يُريد بكل الطرق
احتلى العرق جبينه، فاسرع في مسحه يُحاول ضبط أنفاسه المتسارعة من شدة الأثارة وقد اقتحم حديث حسن خياله
إنه طبق كل هذا مع الفتيات الصغيرات أمثال فتون، أراد التجربه ليفهم ما كان يُخبره به حسن

لم يجد هذه المتعه مع زوجته التي طلقها، ولا مع شبيهاتها ولا مع أي أمرأة أخرى حتى دينا التي اتخذها في طريق الوصول
كان متأكدًا أن سليم النجار سيضجر يوماً منها، فهذا حال الأغنياء وهو سيظل منتظرًا حتى يُلقيها سليم خارج حياته

– ولاد الذوات بيزهقوا بسرعه يا مسعد، وشكل مش فاضل كتير وتقع تحت ايديك ، صحيح مستهلكه واخدها راجلين بس مش مهم لازم أنا كمان ادوق وأجرب

التف سليم بجسده يُطالع الحفل التي سأم منها زافراً أنفاسه بقوة، لتقع عيناه على مسعد الذي رفع له كأس عصيره، رمقه سليم ماقتًا وجوده منذ أن رأه بصحبة دينا التي ضجر منها وقد اضاعت جميع فرصها معه

– ظهورك مش مريحني يا مسعد، لكن اختارتوا الشخص الغلط أنت و دينا هانم..

– سليم
اقترب منه رسلان، فاشاح عيناه عن مسعد متجاوزًا رسلان بخطى سريعة

– أنت رايح فين يا سليم ؟

وداخله كان يتمتم بالحنق من حماقة شهيرة في دعوة أمرأة ك دينا منزله، وحماقة الأخرى التي بعد أن صبّ غضبه عليها وسيصب المزيد فوق رأسها حينا تعود.. ولكن ما اقتحم عقله منذ لحظات وأصابه بالشك تلك النظرات التي كان يرمقه بها مسعد

في اللحظة التي خرج بها من بوابة الفيلا، خرجت هي من سيارة الأجرة تغشى الدموع عينيها وصدي كلماته تقتحم عقلها
علقت عيناه بها، فاندفع صوبها يجذبها داخل أحضانه

– هاخدك في حضني دلوقتي عشان عارف إنك محتاجة ده، لكن عقابك المرادي هيكون قاسي يا فتون

……..

“قبلت زوجها”

نطقها جسار، نطقها بعد أن طالت نظراته نحو يد شقيقها ويده المتشابكين أسفل منديل عقد القران

إنها الزيجة الرابعة له ولكنها أثقل زيجة أتم مراسمها، زيجة يُدرك أنه الخاسر الوحيد فيها ولكنه سيُعاقب جيهان بها، سيريها كيف لا يبكي على النساء الخائنات مثلها وأن حياته استمرت بعدها

الثمن بالنسبه له غالي، ولكنها تستحق أن تُحرق روحها ويضيع أملها في العودة إليه، وما دام بدأتها واثارت الحديث كعادتها أمام الناس عنه، وها هو تزوج بالفعل والصورة ستظهر للجميع إنه زواج عن حب بل وسيقيم عرساً أيضاً وسيرى الجميع افتخاره وسعادتها بزيجة لا يُصدق إلى الأن أنه أتمها

علقت عيناه بها وهي توقع على العقد بملامح جامدة خالية من الفرحة، لم يهزه هذا الأمر لأنه مثلها لا يشعر إلا بالمقت والغضب

– مبروك يا باشا، الف مبروك.. والله البت بسمه اختي محظوظه

تمتم بها فتحي واقترب منه يُعانقه وبهمس خافت تسأل
– الفلوس يا باشا، ده أنا طلعت عشان خاطرك عيل

وابتعد عنه متسائلًا يحك فروة رأسه

– هو أنت عملت إيه صحيح في عنتر يا باشا

احتدت عينين جسار ينظر إليه بقوة، فتراجع فتحي خطوتين يرفع هذه المرة كفه نحو عنقه يُدلكه

– عايز تعرف يا فتحي؟

– لا بلاش يا باشا، ده أنت ايدك طايلة

ابتسم له جسار بسماجة، وانشغل مع ضيوفه ولم يكن إلا الشهود والمأذون

أصبح المكان فارغ إلا منهم ثلاثتهم، وقد زينة السعادة ملامح فتحي وهو يرى جسار يناوله المال الذي أتفقوا عليه

– بتعرف تقدر يا باشا، مش زي بتاع العشر آلاف..

– طول ما أنا متجوز أختك مش عايز أشوف وشك قدامي، لأحسن مصيرك أنت عارفه

امتعضت ملامح فتحي، ينظر نحو شقيقته التي ظلت واقفه مكانها بملامح جامده وكأنها ليست معهم

– طب حتى احضن أختي

اقترب منها فتحي يحضنها دون مشاعر ، فاطبقت فوق جفنيها بقوة
ابتعد عنها فتحي ينظر لملامح جسار الباردة

– ياريت تتفضل، وزي ما قولتلك طول ما أنا متجوز أختك مش عايز أشوفك قدامي ولا ألمحك

– عنيا يا باشا

اسرع فتحي في جر خطواته سعيدًا بما ناله

– رايحة فين؟

توقفت على صوته، والتفت إليه تُجيبه بمرارة

– رايحة أوضتي

– اوضتك فوق جانب أوضتي، متنسيش إن الوضع أتغير خلاص وبقيتي..

لم يتحمل أن ينطقها، فالرساله واضحه ولكنها أقسمت ألا تتألم ثانية

– مش قادر تنطقها يا باشا، عموما مكاني القديم عجبني

تحركت من أمامه، فالتقط ذراعها

– كلامي يتسمع، واعملي حسابك حاجات كتير هتتغير عشان تليقِ بمستواكِ الجديد

استنكرت حديثه متسائله بنبرة أثارت غضبه

– مستوايا الجديد؟ ديه جوازه على الورق يا باشا

– جوازه على ورق ده بينا هنا، لكن قدام الناس أنتِ مراتي، ومكانتي تُحتم إنك تكوني صورة مُشرفة

الفصل الثالث والخمسون (1)
*********

هل كان قاسي في قراره، أم استحقت منه هذا العقاب؟

سؤالًا أخذ يدور بعقلها وهي ساكنة الحركة خلف نافذة غرفة مكتبه
أختار المكان الصحيح ليجعلها تُشاهد الوقت المتبقي من الحفل، وكأنه يُريد إعطائها صورة كاملة متكاملة ولكن خلف الستار, لترى الحقيقة بعينيها
إنها من تختار مكانتها بحياته بنفسها

ضحكاته كانت تتعالا بقصد وهو مندمج مع ضيوفه وجواره “شهيرة” السعيدة بيومها الأخير الذي ستخرج فيه منتصرة مرفوعة الرأس
ونحو أي مكان كان يتحرك إليه، كانت شهيرة تتبعه وأنظار الضيوف عليهما والصور السعيدة تُلتقط لهما

أما هي خارج الصورة، تنظر نحوهما من بعيد تشعر بالمرارة

بدء الضيوف يُغادرون الحفل، الواضح لها وضوح العنان إنه لم يكن مجرد إحتفال بعيد ميلاد الصغيرة فقط، حتى ما صنعته من حلوى لا تظن إنهم أكتفوا به في حفلهم الضخم
والحقائق باتت تضربها بقوة مؤخراً، إنها حمقاء ومغفله وستظل دوماً بهذه المكانه

فاقت من شرودها وقد تعالا التصفيق من خلفها، ظنته هو من يصفق مُنهياً الأمر والعقاب

دارت بجسدها تُريد إخباره أن رسالته قد وصلت إليها، ولكن الصدمة ارتسمت فوق ملامحها وهي ترى وجه ذلك الرجل الكريهه شقيق شهيرة، ذلك الذي عرض عليها من قبل مغادرة حياة سليم النجار وأخذ المال

– بيعرف كويس ابن صفوان يحسركم على حالكم

واقترب منها يُحدق بأركان الغرفة المظلمة

– ويا ترى وقوفك بالشكل ده وكأنك منبوذة قراره ولا قرارك

وسرعان ما كان يُحرك يده فوق لحيته مُفكراً، يُقلب الأمور برأسه ويلوي شفتيه ساخراً

– بصراحه الحفلة كانت عرض مسرحي هزلي هايل

وعادت ضحكاته تتعالا ينظر لها مترقبًا ردة فعلها، أعجبه صمتها فاقترب منها بخطواته

– كنتِ فاكرة نفسك هتقدرى تاخدي حاجة ملك بنت الأسيوطي

– حامد

سكن حامد مكانه مستمتعاً من سماع حديثه مع زوجته ، إنه يتلذذ في رؤية غضب من يمقتهم

– قولتلك مليون مرة وجودك في بيتي ليه حدوده

ارتسمت المتعة فوق ملامح حامد مُلتفاً إليه ببطئ

– مش عيب يا ابن صفوان تعلي صوتك على جوز أختك

هتف حامد عبارته بقصد واستدار بجسده نصف استداره نحو الواقفة بالقرب منصته لحديثهم

اتسعت ابتسامته وهو يرى الصدمة مرتسمة فوق ملامح الواقفة

– قصدك اخو طليقتي

– طليقتك برضوه، هحاول أصدق يا ابن النجار واعمل نفسي مغفل زي زمان لما فضلت تجري وراها واتجوزتوا ف السر

تجهمت ملامح سليم يقبض فوق كفيه بقوه، فلولا احترامه لسنوات عمره لكان أراه كيف يفكر قبل أن يلفظ حديثه

– أظن الحفلة أنتهت، واظن برضوة ملكش حق تدخل غرفة مكتبي ولا التربية الاستقراطيه معلمتكش حاجة يا حامد باشا

وكالعادة حامد يعرف تماماً كيف يتجاوز الحديث المهين، غير عابئ بشئ إلا رؤية حنق الأخرين، عاد يُسلط عيناه نحو الزوجة الصغيرة، يُحاول بخبرته تفسير تعلق ذلك المتعجرف حتى اليوم بها

– جوزك دنجوان، عنده مهارات قوية.. ده حتى دينا طليقتي هتموت عليه

– حامد، ياريت تتفضل بره بيتِ

صدحت ضحكات حامد عالياً يجول بعينيه بينهم مستمتعاً بنتيجته

– فرصة سعيده يا فتون هانم ولا نقول الزوجة المُتخفيه

انصرف حامد بعد إلقاء عبارته سعيداً بانتصاره، يتمنى داخله اليوم الذي يرى فيه ابن النجار رجلاً بائساً ووحيدًا

اخترقت اللعنات البذيئة أذنيها، تنظر إليه مدهوشة مما سمعته

– قذر، نهايتك على أيدي يا حامد هخليك تتحسر وأنت شايف كل حاجة بتضيع منك

سيطر على غضبه فهو لا يمقت بهذه الحياة أحداً كما يمقت هذا الرجل، وما يجعله صامت عن قذارته أبنته وحدها

علقت عيناه بها، فرمقها مستخفاً مُقتربًا منها عائداً لجموده

– عجبتك الحفله من ورا الستار، سمعتي لقبك الممتع

لم تنتظر أن يخبرها بلقبها الحالي، بل أخبرته به بثبات

– الزوجة الخفية، اقدر أطلع اوضتي ولا لسا في عقاب تاني

اتسعت ابتسامته، ينظر إليها متفحصاً تقسيمات خلجاتها

– مش هتخليني احكيلك تفاصيل الحفله

– هتقولي إيه يا سليم، هتقولي إنهم قالوا اكيد فاق لنفسه ورجع لطليقته شهيرة هانم

زفرت أنفاسها عالياً، لا تستوعب ما تعيشه معه.. إنها حياة لا تُناسبها يُطالبونها أن تكون إمرأة ناضجة وسيدة محنكة تستطيع نيل حقها دون خوف، يُقيسونها على نموذج من
النساء ونسوا إنها من النموذج الأخر.. نموذج يعيش صامتًا يرغب بالعيش لا غير

– صوتك العالي قدامي ده، نفسي يكون عالي قدام حقك لكن ما شاء الله شايف قدراتك مش بتظهر غير قدامي

اتضحك أم تحزن من عبارته، هل بالفعل قدراتها لا تظهر إلا أمامه؟

– عايزه ليه تفضلي في الظل يا فتون، عايز اعمل منك هانم، عايزك تعرفي تكوني قوية وناجحه

اخترقتها الكلمات، بالأصح اخترقتها الحقيقة هو يُريد أن يجعلها بالنموذج الذي يرغبه وهي تُريد العيش بشخصيتها، تُعلمها الحياة وتتعلم منها

– أنا ناحجة يا سليم، لكن ناجحة بمقايسي أنا ، مش بمقايسك

وهذه المرة كانت تنفرج شفتيه في ضحكة قوية دمعت معها عيناه من شدتها

– جاوب مبهر، مش بقولك قدراتك مش بتظهر غير قدامي يا فتون.. لكن قدام الناس فأر بيجري على جحره

تجهمت ملامحها من إهانته ووصفها بالفأرة

– زعلتي من تشبيهي ليكِ

– أنا مش جبانه

– لا جبانه يا فتون، وعايزة تعيشي ديما خلف الستار.. عايزة تاخدي ديما دور الكومبارس

أندفعت صوبه تدفعه بكلتا قبضتيها، فحديثه بدء يضربها بالحقيقة، حقيقة تؤكد عليها لكنها لا تُريد العيش هكذا تُريد أن تعيش بشخصية سوية ولكن كما يقولون الطبع يغلب التطبع, وهي طبعها الضعف والرضوخ للأخرين دون مقدرة على إتخاذ القرار

– عارفه إني جبانه وضعيفه، ما كل الناس مش زيك ولا زي شهيرة هانم ولا كل الستات اللي مروا بحياتك.. أنا مش شبه الصورة اللي أنت عايزاها يا سليم

أسرها بين ذراعيه وتركها تهذي بما تريده كالعاده

– كنت هتراجع، لكن نظرة خديجة وجعتني.. بنتك كرهتني أوي بعدما ما كانت بتحبني شافتني باخد حق والدتها فيك

– خديجة طفله يا فتون، شعورها طبيعي ناحيتك ومع الوقت هتفهم وجودك في حياتي

– شهيرة هتخرج من حياتنا يا فتون، لأنها قررت تنسحب خلاص.. بس قدرت تنسحب وهي رافعه راسها وسط الناس واثبتت ليهم إن لسا مكانتها محفوظة.. لكن أنتِ حبيتي تاخذي دور الزوجة المحطوطة على الرف، الزوجة اللي زوجها مبيتشرفش بيها قصاد الناس والزوج خلاص بدء يعزلها عن حياته عشان دورها أنتهى ..

وابتعد عنها يُنهي نقاشهم، فيكفيها ما سمعته منه

– لو كنت عايزك مجرد ست تشبع رغباتي مكنتش ردود أفعالك فرقت معايا يا فتون، ولا كنت هعوز تظهري جانبي واقول للناس ديه مراتي اللي اختارتها وانا متأكد من اختياري

انسحب من الغرفة وتركها في دوامة أفكارها،
فتوقفت السيدة ألفت أمامه تطرق رأسها قي خزي وندم عما فعلته دون قصد منها, ولكنها استمعت لمكالمة شهيرة ورفيقتها وتلك الخطه التي قرروا فعلها معها ليست إهانتها فقط بل وإظهارها في صورة ليست جيده أمام الناس بل تدبر لها مكيدة وقد تركت شهيرة الأمر لرفيقتها الحاقدة دينا ولكن كل شئ قد تغير، فتغير شهيرة وهدوئها اليوم وتصرفاتها الحسنه اذهلتها

شهيرة اليوم أخبرت الجميع أن عدم وجود زوجة سليم بالمنزل بسبب مرض أخيها الصغير وبقائها معه بالمشفى، أخبرتهم إنها من اهتمت بصنع أغلب الحلوى والفطائر ذو المذاق الحلو التي أدهشتهم لطيب صنعها

شهيرة كانت في صورة جديده ومختلفه ولا تعلم أهي مكيدة أم بالفعل شهيرة قررت الأنسحاب أخيراً ورحبت بالخسارة

– سليم بيه صدقني هو ده اللي سمعته من مكالمة الهانم مع صديقتها

حدقها سليم بنظرات قوية، فلم يتم أي شئ من مكائد كما عللت له أسباب فعلتها، الحفل مر بسلام إلا وجود ذلك الرجل الذي يُدعي مسعد وهو يعلم تماماً أن دينا لا تعرف شئ عن حياة هذا الرجل

– مش عايز أسمع مبررات تانية يا مدام ألفت، وهحاول أنسى سوء تصرفك

اطرقت السيدة ألفت رأسها مجدداً، فالأول مرة تُخطأ في تقدير الأمور

عادت بأدراجها للمطبخ، والندم يعتصرها

هبطت شهيرة الدرج تنظر نحو سليم ثم للسيدة ألفت وهي تُغادر من أمامه، المرأة المخلصة لسليم النجار.. المرأة التي لم يكن بينهم يوما ودّ حتى عندما كانت سيدة هذا المنزل

– هي فين فتون يا سليم، محتاجة أشكرها

وشهيرة اليوم تحصد كل شئ بجدارة، تعيد له الصورة التي كان دائما يراها فيها، شهيرة المرأة القوية الحكيمة في قرارتها العاقلة

– أنا هنا يا مدام شهيرة، ومش محتاجة تشكريني.. اصل سليم شكرني كويس أوي

واسرعت في الصعود نحو غرفتها، غير عابئة بشئ يدور خلفها

طالعتها شهيرة مصدومة من ردة فعلها متسائله

– هي فتون مالها يا سليم، هي مضايقه من حاجة

وداخله كان يضحك بشدة، إنه بات عالق بين أمرأتين احداهن ذكية والأخرى مازال يخطو معها بداية خطواتها نحو النضج

تجاوز الحديث عن أسباب مغادرتها بتلك الطريقة الطفولية، فقد ضغط عليها بشدة وسيظل يضغط حتى تفيق من الدور الذي حاصرت حالها داخله

– ياريت بكرة يا شهيرة تمهدي للبنت بعدك عن البيت من تاني

ازدردت شهيرة غصتها، هي بالفعل قررت الانسحاب ولكنها تعلم إنها ستظل فترة تتعافى من شدة تعلقها به

تمالكت شعورها واماءت برأسها ثم فركت كفيها ببعضهما بتوتر واقتربت منه

– أنا قولت لخديجة إن فتون هي اللي عملت ليها تورتة عيد ميلادها، بكرة هتلاقيها بتشكرها

– البنت ملهاش دخل في صراعاتنا يا شهيرة، أنا وأنتِ اكتر ناس عارفين يعني إيه تكون ضحية أهلك، فبلاش بنتنا تواجه نفس مصيرنا

انسابت دموعها تأثراً بمشاعر باتت تقتحم كيانها، ولكن سرعان ما رفعت كفيها تمسحهما مبتسمة

– أنا بقيت بتأثر بسهولة كده ليه..، شكلي كبرت فعلاً

– أنتِ لسا شباب يا شهيرة

بمرارة تمتمت تبسط كفيها أمامها

– لولا جلسات العناية بالبشرة واهتمامي بالرياضة كانت التجاعيد ظهرت بسهولة

– السن مش مقياس يا شهيرة، أنتِ لسا ست جميلة وهتفضلي جميلة

تعلم إنه يبالغ في مدحها، ولكنها كانت سعيدة بكلماته

– غير إنك ست ذكية، لولا وجودك كانت شركة الأسيوطي وقعت من زمان

– طيب وأم يا سليم بقيت شايفني إزاي

طال صمته هذه المرة، فظنته إنه مازال لا يُصدق مشاعرها نحو أبنتهما

– و أم رائعة يا شهيرة، خديجة محظوظة إنك أمها

انسحب بعدها من أمامها عائداً لغرفة مكتبه مجدداً يختلي بها بعض الوقت ، فوقفت مكانها تُحدق به وقد ازدادت يقيناً أن مغادرتها لمنزله هي الأفضل

………

” تكوني صورة مشرفة”

عبارة لو سمحت لعقلها لتتطرق بها ومعها لأدمت قلبها ،
هل قالها من قبل لنسائه اللاتي حظوا بالزواج منه أم هي الوحيدة بينهن عار عليه؟

نفضت الأفكار من رأسها تنظر نحو هيئتها في الثوب البسيط الأنيق الذي أرتدته الليله، ولأول مرة في حياتها تنظر لنفسها برضى دون نقص

– أنتِ جميله يا بسمه

رددتها لصورتها المنعكسة عبر المرآة لمرات عدة، حتى جف حلقها وضحكت بجنون عما تفعله

ابتعدت عن المرآة تُلقي هذه المرة بنظرة مدققة للغرفة التي دلفتها من قبل لتُنظفها فكانت تؤدي مهمتها وتنصرف ولكن هذه الغرفة اليوم ملكاً لها، وستتمتع بالفعل لما هو ملك لها

اقتربت من فراشها الجديد تمسح فوقة تطبق فوق جفنيها بقوة وتزفر أنفاسها هامسة

– خليكِ قوية يا بسمة، وخذي حقك من الدنيا

افاقت على الطرقات الخافتة ، ثم دلوف السيدة سعاد بابتسامتها الحنونه متسائله

– تحبي أجيب العشا ليكِ هنا ولا هتاكلي مع البيه يا هانم

اصابتها الكلمه فمن هي التي ب “هانم” هنا
أقتربت منها بسمه بعدما اختفى الذهول من فوق محياها

– هانم؟ أنتِ بتقولي إيه يا داده سعاد

اتسعت ابتسامة السيدة سعاد تؤكد لها مكانتها الحقيقية منذ اليوم

– أنتِ ست البيت دلوقتي، زوجة البيه

– داده سعاد ولا اقولك يا خالتي..أنا بسمه ولا لحقتي تنسي أنا مين

– برضوة أنتِ دلوقتي الهانم الجديده، ها قوليلي تحبي اجبلك العشا فين يا هانم

– تاني هانم، داده سعاد مالك فيكِ إيه، إيه اللي غيرك فجأة

جذبتها السيدة سعاد من مرفقها ولكن توقفت عن دفعها للأمام تنظر إلى هيئتها

– غيري هدومك بسرعه وتعالي أتعشي مع البيه

– لا، لا أنا مش جعانه وهنام عشان اقدر اصحى بدري ننضف البيت

– تنضفي بيت إيه، ده أنتِ عروسه يا بنتِ وبعد يومين فرحك

– فرح!
اتسعت ابتسامة السيدة سعاد شيئاً فشئ تنظر إليها تومئ لها برأسها

– جسار بيه ناوي يعمل فرح، هو أنتِ متعرفيش

وسرعان ما كانت تتحرك من أمام السيدة سعاد ، فهي ظنته يُلقي بهذا الحديث عبثً ولكن ما دام الأمر وصل للسيدة سعاد فالأمر أتخذ بجدية

أسرعت السيدة سعاد خلفها تلتقط ذراعها تُعيدها لداخل الغرفة

– يا بنتِ استمتعي بكل مميزات الجوازة، وبلاش تكوني عبيطه

– أنتِ اللي بتقولي كده يا داده سعاد

– أيوة يا بنتِ عايزاكِ تعيشي وتفرحي زي البنات حتى لو بتضحكي على نفسك

اصابتها الكلمات، فاطرقت رأسها نحو كفيها تفركهما وتُخبر حالها بالحقيقة

– شوفتي أنتِ بتقولي إيه إني هضحك على نفسي لو عيشت
حياه مش بتاعتي، حياة مؤقته مسيرها في يوم مش هتكون ليا

– عشان كده أنا عايزاكِ يا بنتِ تاخدي حقك من الدنيا، اتعلمي واعملي مشروع الصغير والبسي زي البنات واتعلمي تعيشي عيشة الهوانم، مش يمكن حكايتك مع جسار بيه بداية لحياة تانية

سقطت دموعها فاسرعت في مسحها

– لو عيشت عيشة الهوانم، لازم اهرب من اصلي ومحدش بيهرب من أصله يا داده

– محدش بيختار اهله يا بنتِ، نصيبك من الحياة تشقي وتتعبي لكن الفرصه أهي جات.. المهم متضيعيش عمرك في سراب

علقت عينين بسمه بالفراغ ، فرمقتها السيدة سعاد بنظرة عطوفه

– هنزل أحط طبقك مع البيه

غادرت السيدة سعاد الغرفه مبتسمه تتمنى من داخل قلبها أن تنال بسمة ما لم تستطع نيله يوماً

بعد دقائق ، هبطت بسمة الدرج بملامح مسترخيه تقسم داخلها إنها ستكون قوية وستحكي يوماً قصة نجاحها كما حكت قصتها كفاحها

توقف جسار مكانه ولم يكن إلا متجهاً لغرفة الطعام، طالعها بنظرة طويلة ثم أكمل خطواته نحو غرفة الطعام

تلاشت أي شعور أصابها واتبعته ثم وقفت خلف المقعد وحركته ببطئ

– بحركه زي الهوانم يا باشا، مافيش اي فرق

قصدت عبارتها عن عمد، فطالعها ماقتًا أسلوبها

– وتفتكري ديه طريقه بتتكلم بيها الهوانم

هل تحزن ام تتبع نظام التمرير

– اعرف كويس أكون هانم واختار أسلوبي
متقلقش…ومظنش سيدات المجتمع الراقي بيتعملوا في بيوتهم بأستقراطيه

حدقها بنظرة حانقة، فيكفيه ما يشعر به وذلك الندم الذي يعتليه كلما تذكر أن يديه وضعت في يد رجلاً تاريخه حافل بسجلات السوابق

بدء بتناول شُربته ببطئ، وقد اتخذ الصمت للحظات
بدأت في تناول طعامها تنتظر منه أي تعليق سخيف ولكنه كان يعيش مع دوامة أفكاره، يتسأل داخله لما هو فظ هكذا معها

هل يعاقبها على ظروف حياة لم تختارها، فهو دائما متجرف فظً لا يحب إلا إمتلاك النفيس.. حتى الدرس الذي تعلمه قديماً حينا فقد زوجته وبصره ووظيفته بالشرطه وجبروته ظل كما هو

عاد يُحدق بها، فوجدها تأكل ببطئ شديد حتى تظهر أمامه بصوره متحضرة ومقبولة

– من حقك تتعملي بالطريقة التي عايزه تعيشيها، المهم تحترمي صورتي قدام الناس وتحفظي على اسمي لحد ما الطريق بينا ينتهي

واردف مستنكراً ذكر اسم شقيقها

– اتمنى ميكونش في أي تواصل بينك وبين أخوكي واللي اسمه عنتر ده تنسيه تماماً

تجمدت ملامحها على ذكر اسم شقيقها تُجيبه بمرارة

– فتحي عمره ما هيفكر يسأل عني، لكن مش هيبطل يطلب منك فلوس.. أنا حبيت اقولها ليك من دلوقتي فلو ندمان تقدر بسهوله تنهي كل حاجة يا باشا وكده كده في يوم هنال لقب مطلقه فمش هتفرق دلوقتي, من شهور أو زي ما أنت محدد تنهي العقد

وضعت معلقتها والتقطت المحرمة تمسح بها شفتيها ونهضت عن مقعدها

– تصبح على خير

تحركت بضعة خطوات بعدما القت حديثها ولكن سكنت مكانها

– وحفل الزفاف يا بسمه

بابتسامة باردة أجادة رسمها فوق شفتيها

– اختار الفستان اللي يعجبك يا بيه واشوف عايزني أظهر إزاي وأنا هنفذ الدور كويس أوي

……..

توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة المزرعة الخاصة بعائلة النجار
طالعته ملك حانقة من قراره العجيب بعد مغادرة الاحتفال

– برضوه نفذت اللي أنت عايزه

تعالت ضحكته ينظر إليها مستمتعاً بتذمرها

– حببتي إحنا وصلنا خلاص، وياريت منضيعش وقت

– رسلان

دفعته حانقه من وقاحته، فعادت ضحكاته تتعالا يرمقها بنظراتً عابسه

– عندي عملية الضهر، فننجز يا روحي ونستمتع بالوقت
واقترب منها يحاصرها بين ذراعيه

– الولاد واطمن عليهم من ميادة، المفروض حالياً متفكريش غير فيا

– هو أنت سامحلي أفكر غير فيك يا رسلان

– وهل يا ترى بتفكري فيا زي ما بفكر فيكي؟

تجهمت ملامحها من مغزى كلماته، ترى العبث مرتسم فوق ملامحه

صدحت قهقته هذه المرة بقوة أكبر مبتعداً عنها، فتمكنت من التقاط أنفاسها تنظر إليه حانقة

– لا إحنا فعلا بنضيع وقت

توقف عن الضحك وأسرع في الترجل من سيارته متجهاً إليها، يفتح باب السيارة الأخر ويلتقط ذراعها

– أول ليلة في جوازنا كانت هنا، وأنتِ ما شاء الله كنتِ سايرة على قاعده يتمنعن وهن الرغبات

تشبثت مكانها حانقة من حديثه، تنفض يده عنها

– رغبات مين يا دكتور، شكلك نسيت إني كنت رافضه جوازنا

– لا ده احنا كده هنطول في العتاب، ومين قال ومين مقالش

وانحني يحملها بين ذراعيه

– شايفه أنتِ قلبك أسود إزاي، لكن أنا مش فاكر أي حاجة ولا بفكر في اللي فات

وبقدرة رهيبة بات يُجيدها بل بات يفهم طباعها همس بأنفاس ساخنة

– مش عارف هفضل لحد أمتى زي الظمآن مش عارف يرتوي، سبيني أحبك يا ملك

اغمضت عيناها مسترخية مع أحاسيسها، وببطئ وتمهل بدء يُخبرها كيف هو رجل عاشق ومتيم

………

طالع هيئتها وهي تتظاهر بالنوم وقد اتخذت طرف الفراش
ابتسم مرغماً من فعلتها، و تسطح على الطرف الآخر ينظر لتشبثها الشديد بالغطاء

– عارف إنك صاحيه يا فتون

اطبقت فوق جفنيها بقوة حتى يُدرك إنه بالفعل يتهيأ له إنها مستيقظه

– المرادي شهيرة خلفت توقعاتي بصراحه، كنت متأكد إن شهيرة هترجع لعقلها من تاني، شهيرة ست ناضجه وعاقله

ارتفعت وتيرة أنفاسها عن مدحه لشهيرة هذه الليله، ألا يكفيها ما اسمعه لها منذ ساعات وما شعرت به من تخاذل مرة أخرى مع حالها

– ديما كان يعجبني عقلها وحنكتها في إدارة الأمور

هذه المرة كانت شفتيها تنال نصيبها من شدة ضغطها عليهم، ازاد الجرعة التي أراد أن يجعلها تعيشها الليله، فربما الغيرة تجعلها تنضج وتتعقل

انتفضت من رقدتها وقد أزاحت الغطاء عنها تُصيح به غير عابئة بعلو صوتها

– ما دام عجباك أوي طليقتك ردها ليك

– صوتك يا فتون

تعلم أكثر ما يضايقه هو علو الصوت، ولكنه الليله أجاد اثار مشاعرها بجدارة وأثبت لها إنها بالفعل بائسة وستظل دوماً تحت الأقدام

– أنا جبانه وبستخبى في الجحر، لكن شهيرة هانم ست عظيمة ونسيت إنها حاولت كتير تخرجني من حياتك عشان ترجع لمكانها

– أي ست في الدنيا بتحب راجل هتعمل كده

قالها متعمداً كل حرف ينطقه، الجمها دفاعه تنظر إليه في صدمة تبلل شفتيها بطرف لسانها

– إظاهر إن حفلة النهاردة رجعت مشاعرك لطليقتك

– أكيد

تمتم بها رداً على سؤالها، ينظر متفرساً ملامحها

– تقصد إيه؟

– لو قولتلك إن بفكر أرجع شهيرة لعصمتي يا فتون، هيكون إيه جوابك…

الفصل الثالث والخمسون (2)
******

أيفكر في العودة لطليقته؟
أينتظر أن يسمع جوابها، أم يتلاعب بها بدهاء حتى يُعاقبها ؟

طال صمتها، فمنحها الوقت مُسترخياً في رقدته مستمتعاً من هذا الصمت المحبب إليه

الصمت طال وإنتظاره قد طال، يرى في عينيها وجعاً وضياعاً يمزقه، إنه لا يُريدها بهذا الضعف ولا يُريد أن تكون في صورة الزوجة التي لا وجود لها إلا كنزوة عابرة

اختفت نظرة الخوف من عينيها، لتحتد قسمات وجهها شيئًا فشئ

– فتون

خرج صوته مترقبًا ردة فعلها بعدما فهمت تلاعبه بها، أشتدت عيناها حدة تبحث عن وسادتها القريبة منها تلتقطها وتحتضنها بقوة لعلها تُخرج مقتها فيها

– لما تتجوزها أكيد هتعرف جوابي

هل أبهره جوابها، أم رؤية حنقها وغيرتها؟

تركته في ذهوله، وعادت لتسطحها في الناحية التي اتخذتها بعيدة عنه

– ضغطك عليا عشان تخرج فتون جديدة أنت عايزها مش هيتحقق بطريقتك الجديدة ، لأني مش هتغير يا سليم طول ما أنت عايزني أتغير

تجمدت ملامحه ولأول مره يكون حديثها مشفراً بالنسبة له، فما الذي تقصده

انسابت دموعها تشعر بالعجز أن تكون قوية مثل قريناتها، شهيرة و جنات نموذج يبهرها تتمنى لو كانت مثلهن ولكن هي ليست مثلهن

– للأسف أنا مش هكون الست اللي أنت عايزاها، أنا عايزه أكون نفسي عايزه أعيش حياة بسيطة من غير خوف من المجهول، أنت تقدر تكون بطل الحكاية لكن أنا لا

تعالت شهقتها رغماً عنها، ترفع كفها تمسح دموعها السخية

– أنا منفعش أكون بطله، أنا النموذج الضعيف من النساء نموذج أنت عمرك ما التفت له ولا حبيته

– فتون

– مين قالك إني مكنتش عايزه احضر حفلة عيد ميلاد بنتك، مين قالك إني مكنش نفسي أقف جانبك بفستاني الجديد اللي أنت بنفسك اختارته ليا

لم يتحمل سماع المزيد، هو أكثر الناس دراية بالحياة التي عاشتها وشخصيتها الضعيفة المهشمة،
أخبرته عمته أنه أخطأ في تسرعه بالزواج منها، فتون قبل ظهوره مجدداً في محيطها قد بدأت تتعافي وتبني شخصيتها، كان عليه الصبر والتمهل قبل وضع خطته وإخضاعها لأمر الزواج بعدما لم تجد مفر من عودتها لحياته

اسرع في التقاط ذراعها، يُديرها إليه

– ليه لازم اضغط عليكي عشان تتكلمي وتعبري عن مشاعرك، ليه لازم حاجة تحركك

– شخصيتى كده، هي كل الناس شخصيتها زي بعضها

ابتسم مستمتعاً بمذاق عبارتها بين شفتيه

– لا طبعا، محدش شبه التاني يا فتون

دفعته عنها بعدما أقرَّ حقيقة ما نطقته

– تصرفك كان غلط لما مشيتي من البيت وسيبتلي مجرد ورقة، اتباعك لكلام السيدة ألفت بثقة عمياء رغم إني بثق فيها وعارف إن خانها التصرف لكن ليه تتبعي كلام حد، ليه مستنتيش لما ارجع، ليه مفكرتيش تتصلي بيا كنا هنتناقش ونتكلم ومكنتش هجبرك على حاجة، وأنتِ عارف ده كويس

ارادت أن تتحدث، ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي ترى حالها مُحاصره بين ذراعيه وقد اختلطت أنفاسهم معًا من شدة تقاربهما

– أوعي تكوني فاكرة إني مش عارف سبب كرهك للمؤسسة، عارف كل حاجة يا فتون لكن فضلت أخد دور الصامت.. استنيتك تيجي تحكيلي او تواجهي خوفك لكن أنتِ فضلتي الإنسحاب والهروب, عمرك ما هتحققي حاجة لأنك بتبصي ديما على الناس شايفينك إزاي

لم يمهلها ليسمع منها أي حديث، فعناقه لها كان حديثه هذه المره

– شهيرة ست مميزة وحلم أي راجل وكانت في يوم من الأيام حلمي

تخشب جسدها بعدما بدء يلين بين ذراعيه، إنه يمتدح طليقته مجدداً، بمتدح المرأة التي يُقارنها بها الجميع

– أنتِ غير أي ست يا فتون، أنا حبيتك حتى وأنتِ مرات السواق بتاعي..، أنتِ الست اللي سألت نفسي معاها فين سليم النجار القديم، الست اللي ندمت في يوم إن أذتها، الست اللي يوم ما فكرت أذيها ونلت عقابي من ربنا قولت لنفسي ده ذنبها

والليلة التي كانت الفيصل في حياته، عادت تطرق حصونه مرة أخرى

صراخها، وسوسة الشيطان إليه أن ينالها دون رحمه، ينال وزر الخطيئة وما يشتهيه في جسد امرأة ليست إلا مراهقة والأبشع إنها زوجة

وببطئ أخذ يبتعد عنها، يرفع طرف بنطال منامته عن ساقه اليسرى يريها أثر الحادث ، الأثر الذي لم ترغب في السؤال عنه رغم فضولها

– الأثر ده بيفكرني بسوء نفسي، بخطيئتي مع كل ست خليتها تخضع ليا..، خرجت من الحادثة بأعجوبه ويمكن كنت فقدت رجلي فيها

وفي صمت وجدها ترفع كفها تمسح فوق ساقه متسائله

– بتوجعك

لم يشعر بحاله إلا وهو ينفجر ضاحكاً يجذبها لحضنه، يُخلص حاله من أنقضاضها عليه بعدما أثار حنقها

– هتصدقيني لو قولتلك إني بضحك على حالنا إحنا الاتنين

– سليم أبعد عني

– أبعد إيه عنك بس، مش لازم اصالحك الأول زي ما بصالح خديجة بنتي

حاولت التملص من قبضته، ولكنه عاد يحتجزها بذراعيه

– هو أنت مش كنت عايز تعاقبني وادتني دروس في الثقة بالنفس، وصرحتني بحقيقة شخصيتى الضعيفه المهزورة وإن مافيش أي ميزة من مميزات الستات اللي كانوا في حياتك

– أنتِ قولتي كانوا في حياتي ، غير إن خلاص عقابي خلص يا فتون.. أنا عارف مراتي ذكية وبتتعلم من اخطائها وهتبطل تمشي ورا كلام الناس

تمتم عبارته وهو يعطي لكفيه حريت التجول فوق خديها، ينظر إلى عينيها مستمتعاً بنظرتها المستكينة، أسرته ارتجافت شفتيها تنظر إليه وهي كارهة لضعفها وتخبطها

– أنا كنت عايزه اكون محاميه عشان أدافع عن الناس، لكن في النهاية طلعت أنا اللي محتاجة حد يدافع عني ويقف في ضهري

تمتمتها بمرارة حقيقية وقد صدقت عمته خديجة في مكالمتهم الأخيرة، إنه عليه أن يدمج فتون في مجتمعها البسيط وليس مجتمعه هو وأول شئ عليه فعله أن يجعل فتون عضوة في الجمعية النسائية التي كانت من قبل فرداً فيها يتلقى الدعم ولكن هذه المرة ستكون هي من يُقدم الدعم للنساء بدور جديد عليها.

……..

بخفة أخذت يده تسير فوق ملامحها، تلملمت حانقة في البداية متذمرة بنعاس
استمر في فعلته مستمتعاً بهيئتها الشهية التي تدعوه بالتهامها مجدداً ولكنه بات يشفق عليها من جنونه وجموحه

التمعت عيناه بعبث بعدما توقفت يده عن السير فوق تقسيمات وجهها
اقترب منها يضرب صفحات وجهها بأنفاسه

– ما أنتِ لو متحركتيش من على السرير، هعتبرها دعوه صريحة أني اضيع الساعتين المتبقين لينا وأنتِ جوه حضني ومش مهم الفطار الملوكي اللي عملته لينا في الجنينة

وحديثه لم يكن مجرد حديث، وبخفة أجفلتها ازاح الغطاء عنها ؛ فانتفضت مفزوعة صارخة به

– لا لا خلاص أنا صحيت

وأكملت متذمرة تلومه على عدم منحها وقتً للاستمتاع بغفوتها القصيرة

– حرام عليك يا رسلان، أنا محتاجة أنام ساعه بس واحده من غير ما تصحيني

تعالت ضحكاته متلذذاً بالنظر إليها ومن استنكارها لجولات عشقهم

– أول مره أعرف إن الستات بتتذمر من حب أزواجهم ليهم وخصوصا لما تكون بالجمال ده

وعاد يحتجزها بين ذراعيه، يُخبرها كم هي شهية ولذيذة هذا الصباح

– قوليلي أقاوم الجمال والفتنة ديه إزاي

– جمال وفتنة يا دكتور، طيب إزاي وأنا صاحية بشعر منكوش

وبذعر كانت تنتفض عنه، تضع بيدها فوق شفتيها تخشى أن تكون رائحة فمها كريها

– رسلان شكلي بيكون بشع وأنا صاحية من النوم، ده غير إني منظفتش سناني أمبارح، ممكن تخليني أقوم ونستمتع بالساعتين المتبقين

حاولت النهوض ولكنه كان أسرع منها في إجتذابها

– كان عرض وخلص، وأنا شايف إن الساعتين المتبقين ..

وقبل أن يُتمم عبارته التي تحوي على نية ماكره
دفعته عنها ونهضت متعثرة راكضة نحو المرحاض صائحة

– خليك أنت في السرير يا دكتور، وأنا استمتع بأجواء المزرعة لوحدي

………

انحنت قليلاً تُقاوم ذلك الضجيج الذي تشعر به داخل رأسها، بحركات بطيئة دائرية اخذت تُدلك موضع الألم ولكن الألم كان أعمق

اهتز هاتفها برسالة كانت تعلم صاحبها، اخذتها يدها لتفتحها ولكن سرعان ما كانت تزيلها فقد قررت وأنتهى الأمر،
لن تخضع لحاجة جسدها مجدداً وعليه أن يحترم قرارها وينفصلون في هدوء كما تزوجوا

زواجهم كان نزوة والنزوة قد أنتهت، رددتها داخل عقلها لمرات تُصارع أي شعور داخلها

والصدمة كانت تُجمدها وهي تراه يقف أمامها بعدما دفع الباب ودلف غرفتها وخلفه سكرتيرتها صائحاً بها دون أن يهتم بأحد

– كام مكالمة وكام رساله وحضرتك مافيش رد

توترت وارتبكت تنظر نحو سكرتيرتها تُشير إليها بأن تنصرف وتغلق الباب خلفها

نفذت سكرتيرتها الأمر، وهو كان هائج يُصيح بعضب لا يُراعي وجوده بشركتها

– كنتِ في حضني امبارح، اصحى الصبح الاقيكي سيبالي رساله عايزانا ننفصل بهدوء.. أنتِ بتلعبي بيا يا خديجة هانم

اقتربت منه راجية، أن يسمعها ويتفهم موقفها

– أمير أرجوك خلينا نتكلم زي الناس الناضجين وننهي موضوعنا بهدوء، واظن من الأول وإحنا عارفين إن جوازنا مجرد وقت وهينتهي

– ده بالنسبالك يا هانم، لكن مش بالنسبه ليا

اقترب منها مترقبًا ردة فعلها

– لو عايزه ننفصل يبقى خلي بينا المحاكم بقى، واه جوازنا يتعرف ويخرج للنور

– أنت بتقول إيه؟

– بقول اللي هيتعمل يا خديجة

هددها مرغماً، فلم تترك له أي طريق أخر.. علاقتهما باتت تدفعه للجنون وهو حتى اليوم يتمالك خصاله الدنيئة حتى لا يريها أصالة دمائه

– لو كنت متحضر وقابل الوضع اللي بينا عشان بحبك .. لكن تلعبي معايا يا خديجة هتشوفي راجل تاني غير اللي اتعودتي على صبره وتقبله لتقلباتك

تجمدت جميع حواسها الفاتنة، تنظر إليه جاحظت العينين

– أنت بتهددني يا أمير

– شهر واحد يا خديجة ، شهر واحد وبعدها هعلن جوازنا والصور اللي بتجمعنا كتير

هزت رأسها لا تستوعب ما يُخبرها به وقد جف حلقها

– صور

تراجعت في ذهول وصدمة، فعن أي صور جمعتهما يقصد.. الفراش وحده مكان يجمعهم بكثرة

– أنا مش ندل ولا راجل ميعرفش الشرف..

والصور التي يقصدها تتذكرها تماماً، صور التقطوها أثناء رحلة تزلجهم سوياً،
رحلة حسبت عدد ساعاتها من جدول أعمالها، وحينا انقضت ساعاتها القليلة تأكدت بعدها من شيئاً واحداً، إنها لم تعيش من قبل رغم المال الذي لديها إلاإنها كانت تفقد الشعور بكونها أنثى

انسابت دموعها بسخاء فوق خديها تُعبر عن يأسها وتخبطها، ورغم الضيق الذي يعتلي صدره منها ومن إهانتها لرجولته إلا أن قلبه كالعاده يخونه وهو يرى ضعفها
جذبها إليه يمنحها السلام بين ذراعيه، يرفع كفه يمسح عنها دموعها

– ضيعتي زمان سنين من عمرك في خوفك رغم إنك كنتِ الضحية يا خديجة وبسبب خوفك ضيعتي حقك من راجل عديم الشرف إستباح جسمك واغتصبك وسيباه يعيش بجريمته لحد دلوقتي

– أمير، أرجوك

– ورغم كل اللي وصلتي ليه برضوه لسا خايفه، خايفه من الناس تشاور عليكي وتقول أتجوزت راجل أصغر منها، خايفه على صورتك من نظرات الناس

– أمير

هتفت بها وقد عادت دموعها تشق خديها مجدداً، ولكنه لم يتوقف عن إزالتهم لها

– مستختره على نفسك تعيشي يا خديجة، لو مكنتش راجل بيفهم كنت افتكرت إنك شيفاني بالنسبالك قليل او فقدتي شعورك ناحيتي لكن الست اللي كانت بين أيديا أمبارح.. ست عاشقة، ست جسمها بيرتجف من لمسه وبتذوب من مجرد كلمه بيتوصف فيها جسمها، ست سمحت لنفسها إنها تتعرى من قشرتها الصلبه

وما كان ينطقه أخذ يطبقه فوق جسدها، ارتجفت شفتيها وانهمرت دموعها تهمس بضعف ورجاء

– أرجوك يا أمير، أرجوك ابعد عني وأخرج من حياتي.. أرجع مصر وكمل حياتك بعيد عني

وهو كان يسمع رجائها في صمت، ولكن شفتيه كانت هي المُجيب عليها ليثبت لها إنها لن تتحمل هجره لها

– لو بتحبني سيبني ارجع لنفسي من تاني يا أمير ، أنا عايزه خديجة النجار عايزه نفسي

رجائها أصاب رجولته، أكد له حقيقة أن أصعب شعور يجتاح الرجل حينا ترفض وجوده المرأة التي هو عاشق لها
يعلم إنها تُبادله الحب ولكنها ليست مقاتله مثله في حرب مسلوب منها الراء

– هتستحملي تشوفيني مع ست غيرك

بقهر ضغطت فوق شفتيها تومئ له مؤكده

– طول عمري قوية

ومع نطقها لكلمة قوة، كانت ترى مدى هزيمتها وهي بين ذراعيه
أتخبره إنها قادرة وهي بهذا القرب منه
أنتضفت مبتعده عنه، تمسح دموعها المخزية

– حياتك اللي جاية أنت حر فيها، وياريت بعد المشروع المدمج فيه شركتنا وشركتكم ما ينتهي تبعد تماما عن محيطي

اذهلها عدم جوابه على حديثها بل وارتسمت أبتسامة متسعة فوق شفتيه

– أنا موافق أبعد عنك يا خديجة لكن بشرط؟

…….

هل يُقظها من غفوتها الهنيئة ليُخبرها أن تعد له إفطاراً؟
هل نسى إنها تعد ضيفة في حياته حتى تنتهي رحلتهم وتُغادر حياته دون النظر للوراء؟

– مش معقول يعني أروح أفطر في مطعم، مش كفايه وجباتك الزوجية التانية نسياها يا هانم

هل استمعت لتذمره للتو، فعن أي حقوق زوجية يتحدث وهم على وشك الطلاق، وقد أتى بها معه لهنا حتى يُطلقها في طريق العودة

انتفضت من رقدتها صارخة بعدما بدأت تستوعب إنها مازالت مغمضة عينيها تستمع إليه في صمت

– أنت بتقول إيه؟

توقفت يده عن التحرك نحو الغطاء وقد أوشك على سحبه من فوقها

– بقول عايز أفطر يا مدام

هتف بها متلذذاً مستمتعاً بنظراتها الحانقة

– لا مش عايزه اسمع بداية الشريط، عايزه اسمع نهايته

خرجت قهقهته صاخبة ينظر نحو أصبعها الذي تُحركه حتى يُعيد عليها ما نطقه مرة أخرى

– لكن أنا عايز حالياً أول الشريط، وبعدين نبقى نتفاهم في نهايته

– كاظم يا ابن جودة النعماني أنت بتهزر

مال نحوها لا يحيد بنظراته عنها غير مهتماً بحديثها ، فلو أهتم سيفقد متعة مناوشتهم

– هتقومي تعملي الفطار والقهوة، ولا افطر بطريقتي

– مش بقول أنت بتهزر

دفعته عنها وعادت تسحب الغطاء نحو جسدها

– ياريت تطفي النور وتقفل الباب وراك، أنا مصدقت عرفت أنام

لم يكن مذهولاً من تصرفها، بل كان الذهول من نصيبها وهي تشعر بثقله فوقها
اتسعت حدقتيها ذعراً، وقد باتت أنفاسه قريبة منها بل ولم تعد تعرف متى وكيف أنقلب الوضع وأصبحت هي في الأعلى
خرج اسمها من شفتيه بهمس ذبذب حصونها ودفعاتها

– جنات

……….

تعلقت عيناها بالعلب الثلاثة فور أن خرجت من المرحاض توقفت يدها عن عملها بعدما كانت مشغولة في تجفيف خصلاتها بالمنشفة

صرخت مذعورة تضع بيدها فوق صدرها وقد أنتبهت للتو لوجوده بغرفتها

– جسار بيه، أنت بتعمل إيه في أوضتي؟

اقترب منها جسار ببطئ، متفحصاً هيئتها بعينيه
ارجفتها نظراته الفاحصة لجسدها، فشعرت بتوتر واسرعت في لف منشفتها الصغيرة فوق بشرة ذراعيها العاريين

اطرق رأسه بعدما أدرك أن عيناه تركزت على تفاصيل جسدها

بنطال قصير بعض الشئ وفوقه قميص قطني بسيط أشبه بالقمصان الشبابية، إنه لأول مرة يراها بهذه الهيئة
هيئة مختلفة وجميلة لن ينكر هذا رغم حشمة ما ترتديه

ازدردت لعابها تنظر إليه منتظرة سماع جوابه عن سبب وجوده في غرفتها

تنحنح بخشونة يسلط عيناه نحو ما أحضره، اقترب من الفراش يزيل غطاء كل علبة متجاهلا الجواب عليها

– اتمنى الفستان يجي على مقاسك

هتف عبارته ثم أخرج فستان الزفاف من علبته يريه لها، والعبلة الضخمه لم تكن تحتوي عليه هو فقط بل جميع المتعلقات الخاصه موضوعه معه

ارتعشت أهدابها رغماً عنها، تتذكر أحلامها بهذا الثوب وبتلك اللحظة

اتجه بعدها للعلبة الأخرى، وقد عرفت هويتها تماماً لأنها حملتها من قبل

– وده التليفون اللي رفضتي تقبلي مني يا بسمه وأخدتي الموضوع بحساسية

وقفت ساكنه تنظر لما يعرضه لها في صمت وألم، والعلبة الأخيرة كانت أكثر ما أصابها ذهولاً و قهراً

– ديه شبكتك يا بسمه

هذه المرة سقطت دموعها لا تقوى على تحمل ما تراه مزيفًا ، تنظر نحو يديه وعيناها لم تتعلق إلا بشيئا واحداً وهي دبلة الزواج

الفصل الرابع والخمسون (1)
******
ثوب زفاف، دبلة زواج، بيت جميل ودافئ تضع فيه لمستك، و رجلاً حقيقياً يفي بوعوده ويصونك
أحلام صغيرة وجميلة ولكن الأحلام تكون أحياناً كبيرة أكبر مما نتصور

ولو ظنها إنها ستكون أكثر الفتيات سعادة اليوم لما يُقدمه لها، فقد أخطأ في تقديره
اصابته الصدمه وهو يرى دموعها وارتجاف شفتيها قهراً وألماً، يتسأل داخله كيف تبكي وهو يمنحها ما تتمناه أي عروس؟

– طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ ممكن أفهم

خرج صوته مهزوزاً بعض الشئ رغم غلاظته، فما كان عليها إلا لتخفي وجهها بين راحتي كفيها مُلتفه بجسدها مبتعده عن نظراته

استمرت في بكائها، فلم يجد إلا منحها بعض الوقت زافراً أنفاسه بقوة مشيحًا بعينيه بعيداً يمنحها بعض الخصوصية لرثاء حالها عن شئ لا يفهمه ولا يعرف له معنى

صوتها أخذ يتعالا، ومهما حاولت تمالك حالها إلا إنها لم تتمكن
فقد تعاون كل شئ عليها اليوم

رؤيتها لأحلامها البعيدة، لفقرها، اشتياقها لحضن والدتها وقد فارقتها قبل أن تنعم بحنانها ، حنان والدها رغم عجزه وقلة حيلته، صفعات فتحي وقسوة قلبه، هروبها نحو المجهول حتى تجد حياة كريمة، عنتر وتلك الليلة قاسية البرودة وأخيراً ذلك الواقف أمامها، من كان سببً في زيادة بؤسها من يسألها لما البكاء

فهل هناك شئ يستحق البكاء؟

– شكلك محتاجة دادة سعاد، ما عياطك الزايد أكيد ليه سبب؟

تحرك بضعة خطوات ولكن سرعان ما توقف مكانه وقد خرج صوتها متحشرجًا من أثر البكاء أخيراً

– فعلا عياطي ملهوش مبرر

تمتمتها بمرارة واسرعت في مسح دموعها تُحاول إستعادة رابطة جأشها

– مش معقول ميكونش في سبب لعياطك ده كله يا بسمه

تحاشت النظر إليه، تُعلق عينيها بأي شئ بعيداً عنه

– متاخدش في بالك يا جسار بيه

لم يقتنع بجوابها، يتفرس ملامحها بدقة
اقترب منها بعدما شعر بقوة السبب الذي جعلها تنهار هكذا، حتى إنها أخذت تُقاوم رجفة شفتيها

– أنتِ أكيد حاسه برهبه من كل اللي بيحصل يا بسمه

ثم استطرد بآلية غير عابئ بكل كلمة ينطقها

– ترتيبات الجواز بتاخد وقت وليها رهبه لأي بنت، لكن اللي بنعمله ده مجرد إكتمال للصورة مش أكتر

“إكتمال للصورة” ترددت صدى العبارة داخل أذنيها وبخفوت وصل لمسمعه

– إكتمال للصوره المزيفة

– بسمه

هتف اسمها حتى يجذب انتباهها إليه، فتعلقت عيناها به بنظرة أصابة عاطفته

أنبه ضميره من نظرتها الكسيرة ، ولم يفسر الأمر إلا إنه بسبب ما أصبحت تعيشه
فقر، دون عائلة، مشرده و وحيدة فما الذي يظنه سيُسعدها
فهل بدأت الغشاوة تنزاح قليلاً عن عينيه، هل بدء قلبه كأنسان يعرف الرحمه يعطف ويرحم؟

ومع دوامة تخبطه كان يقترب منها بخطوات هادئه، يراها تشيح عينيها عنه، تسمح بقايا الدموع العالقة بأهدابها

توقف قربها بل لم يعد يفصلهما إلا أنفاسهم التي أمتزجت معاً، وبطريقة أجفلتها أحاط كتفها بذراعيه يربت فوقهم بدعم، متمتماً دون أن يشعر بتلك الذبذبة التي سارت بجسدها

– أي إنسان يستحق فرصة تانية يختار فيها عايز يعيش إزاي، أنا عارف صعوبة الحياة اللي عشتيها ولو كان عندي بعض الشك في نواياكي فحاليا أنا بقيت عارف كويس إنك نضيفه من جوه يا بسمه، طبعا أعذريني على الكلام

صمت لثواني يستجمع بقية حديثه

– البيئة اللي كنتِ عايشه فيها صعب إن يخرج منها حد نضيف بيحارب في الحياة عشان يعيش بشرف، أنا مقصدش الظروف المادية يا بسمه صدقيني..

وبمرارة تمتمت وهي تفهم مقصده الصريح

– محدش بيختار أهله يا جسار بيه، ولو قصدك على فتحي للأسف أنا أخته طبعا ده ميشرفكش

زفر أنفاسه حانقاً من عدم قدرته على توصيل الصورة إليها بلطافه

– بسمه أنا مقصدش التقليل منك، لكن فتحي ميشرفش فعلا أي حد ومع الأسف هيكون ديماً عقبه في حياتك

الحقيقة مريرة حتى لو حاول تجميلها بحديث منمق ومرتب

– نصيبي إنه يكون أخويا يا بيه

عادت دموعها تخونها، فكم تمنت أن يكون فتحي شقيقًا حقيقيًا يحميها ويكون سندً لها ولكن الأمنية كانت بعيدة

انتبهت على يديه وقد أخذت تسير فوق خديها ببطئ، يمسح دموعها مشفقًا عليها

ارتعشت شفتيها من أثر لمساته رغم براءة نيته ، فهو اليوم أراد أن يكون إنسانًا معها ولا يُحملها ما اتخذه هو من قرار و أجبرها عليه مقابل حياة كريمة

– أوعدك يا بسمه إن هحاول مأخدكيش بذنب أخوكي وظروفك، لأنك بنت مناضله وشريفة

جسار يوعدها بما لا تظنه سيفي به، بل و يمدحها بصدق
هل هي تعيش داخل أحلامها القديمة، تحلم بالبطل الذي سينقذها من واقع لم تكن تُريده؟

– أنا مش عارف إزاي هونتي على أخوكي، أنا لو كان عندي اخت كنت حميتها بروحي

…..

هل خانها جسدها للتو، أم قوة ما شعرت به تحت وطء لمساته جعلها ضعيفة القدرة؟

أم هو بارع في السيطرة عليها والتعامل مع جسدها ببراعة؟

والسؤال الأخر الذي طرق رأسها بقوة ورغبة ملحة في معرفة الإجابة حتى تجد عذراً لإستجابة جسدها له، هل هو بالفعل صادق فيما أخبرها به؟ ،
إنها المرأة الوحيدة التي لمسها وما قيل عنه تركه يُقال غير عابئ بنعته إنه زير للنساء ولذلك لم يتزوج رغم اقترابه من إتمام سن الأربعين وثرائه

سيطرت عليها الأفكار وقد ازدادت حركة يديه عبثًا وجرائة، بل همس بكلمات الشوق إليها يُخبرها أن تترك نفسها لمشاعرهم

– متقاومنيش يا جنات، أنتِ زي محتاجة ده، سيبي احاسيسنا تقودنا
وهل تترك نفسها للأحاسيس التي أذلتها من قبل ؟
اذهلته قوتها وهي تدفعه عنها، ناهضة من فوق الفراش ترتب ملابسها

– قولتلك وهقولهالك تاني يا ابن النعماني، لو كنت زمان ضعفت وسعيت وراك عشان نتجوز لأني كنت عايزاك ومش مكسوفه وأنا بقولها ليك ، لأني زي ما أنا شايفه دلوقتي أنت كمان عايزني لكن كبريائك بيمنعك إنك تقولها بصراحة بل بالعكس بتراوغ وتستخدم أساليبك المكارة عشان تعرف تسيطر عليا من جديد

حدقها بدهشة، وقد الجمه حديثها ولكنه ظل مستمعاً

– صحيح ينطبق عليك لقب الثعلب المكار

” ثلعب”!
رددها بعقله قبل أن يُرددها على لسانه مستنكراً تشبيهها

– ثعلب، هو الراجل لما يغري مراته ويكون عايزها يبقى ثعلب وكمان مكار

– تاني بتقول مراتي

اعتدل من تسطحه، يغلق ازرار قميصه ويرتبه متجهم الوجه ماقتًا تغيرها اللعين وعدم قدرته على عودتها كما كانت، أمرأة ذائبة بين ذراعيه، تمنحه السلام حينا تتعانق أجسادهم و أرواحهم سوياً

– اومال أنتِ إيه يا جنات جاوبيني

– ضيفة شرف في الحكاية

لم يكذب حينما أخبرها إنها تمتلك حس الدعابة، صدحت ضحكته الرجولية حتى مال قليلاً يضع بيده فوق معدته من شدة الضحك

– يعجبني فيكي ردك السريع، لا وكمان ممتع

احتقنت ملامحها وهي تراه يسخر منها، اقتربت منه وقد غادر النعاس عينيها تنوي صفعه بحديث يمس رجولته

– أنا حقيقي مشفقة عليك، مش قادر تعبر عن مشاعرك زي بقية الناس فبتستعمل أسلوب رخيص

تجمدت ملامح كاظم يرى المتعة مرتسمة فوق ملامحها، لقد صفعته في مقتل..، صفعته بأكثر ما يكرهه
أن يشفق عليه أحد

– محدش يعرف يشفق عليا يا جنات

غادر غرفتها بخطوات سريعه بل وغادر الشقة بأكملها، إنه بات ضعيف والضعف في قانون حياته يعني الهزيمة

تلاشت زهوة الأنتصار من فوق ملامحها، تتذكر ارتعاش أهدابه وتلك النظرة التعيسة التي رمقها بها

وبتعاسة هوت فوق فراشها تسأل حالها

– أنتِ ليه زعلانه دلوقتي، ليه رغم إنك تعمدتي توجعيه

والجواب كان واضح، هي لم تشفى بعد من حب هذا الرجل
وهل حينا نحب يكون لدينا أحقية الأختيار في إنتقاء ما يُناسبنا ؟

……

وقفت على مقربة منها تحمل فنجاني القهوة تنظر إليها متحسرة على ما أصبحت تعيشه صديقتها

ميادة صديقتها المفعمة بالحيوية والأحلام الكثيرة، من كانت تُخبرها دوماً أن من لا يُدير ظهره للحياة و يضحك لها حينا تصفعه بمرارتها فلن ينجو من البؤس أمد الدهر،

ولكن أين هذه الأشعارات الكثيرة التي أخبرتها بها؟

لماذا تركت صديقتها نفسها لتنخرط مع أحزانها؟

لقد جربت من قبلها مرارة الفراق وخذلان عائلة كانت بالاسم، وها هي صديقتها تعيش مآساة مشابة لها

انتبهت ميادة على وقفتها تلتف بجسدها إليها مبتسمة بملامح باهتة

– فاكرة لما كنت بضحك عليكي كل ما أسألك إيه اللي بتحسي وانتي بتشوفي السما ضلمة ، وأنتِ كنتي تقوليلي إنك بتلاقي فيها راحتك، النهاردة أقدر اقولك إن فعلا سكون الليل في راحه

صارحتها بحقيقة تقطر مرارة وألماً، ثم عادت تصب عينيها نحو ظلمة السماء المعبئة بالغيوم

– لا ده أنتِ بقيتي شاعره كمان، أنتِ واخوكي عليا كده كتير

واقتربت منها تضع فنجاني القهوة فوق سور الشرفة، تُكمل مزاحها لعلها تُدمج صديقتها بحديثً أخر

– خدي فنجان القهوة، ده أنا عملاه بمزاج

التقطته ميادة منها، تشم رائحة القهوة كعادتها

– أمتى هتبطلي العادة ديه؟

والجواب كانت تمنحه لها ميادة بمزاح مماثل لكن بنبرة مريرة

– أنتِ قولتي عادة والإنسان بطبعه ضعيف قدام الحاجات اللي متعود عليها وبيحبها

– اقنعتيني بجوابك سيدة ميادة

ضحكت ميادة بخفوت بعدما وكظتها ملك برفق
جاورتها في وقفتها مستمتعين بمذاق القهوة

– أنا مبسوطه عشانك وعشان رسلان يا ملك، اوعي تضيعوا حبكم تاني مهما كانت الظروف، صعب الإنسان يلاقي الحب الحقيقي

نطقتها ميادة، وقد عادت الذكريات تغزوها مع الرجل الوحيد الذي احبته ورحل

– تعرفي يا ميادة أنا كنت فاكرة حبي لرسلان انتهى وإن عمر ما علاقتنا ما هتتصلح, لأننا رجعنا تاني نحارب قدرنا لكن اللي اكتشفته غير كده
وبخفة دفعتها ميادة فوق كتفها تُلحن بشفتيها

– أخويا العاشق الولهان قدر يزيل الغشاوة ، وطبعا الشكر ليا، مش عارفه أنتوا كنتوا بتعملوا فنفسكم كده ليه

تضرجت وجنتي ملك خجلًا وقد عادت ذكرى تلك الليلة تقتحم عقلها

رمقتها ميادة بعدما طال صمتها، وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها وهي تتذكر إلى أين سرحت صديقتها الحبيبه

– سرحتي في الليله أياها

انتبهت ملك على حديثها ، وقد ازدادت ملامحها تورداً

– بقي وشنا بيقلب بالألوان يا ست ملك

رمقتها ملك بحدة مصطنعة ثم التقطت منها فنجان القهوة

– شوفي مين هيعملك قهوة تاني

اتسعت عينين ميادة ذعراً تنظر لفنجان قهوتها الغالي وهو يُسحب منها

– إلا فنجان القهوة بتاعي

ولم تمر إلا ثواني وكانوا يضحكون بقوة مما جذب أنظار ناهد عليهم وداخلها تتحسر على أبنتها التي فقدتها وبقوا هم يستمتعون بحياتهم

توقفوا عن المزاح وعادوا لوقفتهم الهادئه في صمت لم يطول

– ملك عايزه اخد رأيك في حاجة؟

طالعتها ملك بترقب منتظرة ما ستُخبرها به

– أنا قررت أعيش في إسكندرية، صديق ليا من أيام الجامعه عرض عليا شغل في شركته بمجال الحاسوب وده تخصصي اللي بحبه

– بجد يا ميادة، ده خبر جميل على الأقل هتخرحي وتشوفي الناس من تاني وتنسي اللي حصل

– النسيان صعب يا ملك، وأنتِ عارفه ده كويس بس هحاول اتأقلم غير إني محتاجة أبعد عن هنا.. وأنتِ شايفه كاميليا هانم كل يوم جيبالي عريس شكل

وبرجاء تابعت تأمل أن تُساعدها صديقتها

– إحنا محتاجين نقنع رسلان يا ملك، رسلان هيقدر يقنع ماما وبابا أنتِ شايفه إزاي مبقوش عندهم ثقه فيا وديماً كلامهم جارح

انسابت دموعها بعدما فقدت القدرة على تمالك حالها ، لتُسرع ملك في ضمها إليها تطمئنها

– فتره وهتعدي يا ميادة صدقيني

– ياريت يا ملك

اقترب احد الصغار منهم متعثراً بعض الشيء بخطواته، يضع الهاتف فوق أذنه يستمع للطرف الأخر بإنصات

أسرعت ميادة في مسح دموعها، تنظر نحو الصغير وتلهف ملك عليه

– عبدالله نام ومعاه الأسد

ابتسمت ملك على حديثه المتقطع، وقد أدركت هوية من يتحدث معه صغيرها

حاولت أن تلتقط من الصغير الهاتف ولكنه تذمر متشبثًا به

– طيب خلينا نكلم بابا سوا، على فكره ده تليفوني

والصغير يُعاندها كما تُعانده هي بطفوله

– تليفوني أنا، رسلان ملك وحشه

نطق الصغير اسمهم مجرداً لينفجر رسلان ضاحكاً وهو يستمع لضحكات زوجته وشقيقته

– خليني أكلم ماما عشان أجبلك حاجة حلوه

والصغير يتسأل دون التخلي عن الهاتف

– شيكولاته

نطقها الصغير بحروف متقطعه ليست مفهومه ولكنه فهم ما يقصده صغيره

– مع إنها غلط عليك إنك تاكلها كتير وماما هتضربنا سوا لكن حاضر يا حبيبي..

اماء الصغير برأسه وكأن والده يراه
تناولت ملك منه الهاتف بعدما عقد صفقته مع والده ثم تشبث بساقيها حتى تحمله

– مش من شويه أنا وحشه

والصغير يمنحها قبلة حنونه ثم يمسح فوق خدها يُلاطفها

– ملك حلوه
يُردد عبارته لمرات

– وأنت كمان حلو وجميل يا قلب ماما

– تقريبا أنتِ نستيني على الخط يا ملك

نطقها رسلان حانقاً، رغم أن السعادة كانت تحتل عينيه من حب أولاده للمرأة الوحيده التي أحبها

التقطت مياده الصغير منها ثم انسحبت من الشرفة تاركة لهم مجال للحديث
اسرعت ملك في غلق مكبر الصوت، وهي تعلم تماما أن حديث رسلان سيتخلله بعض العبارات الوقحة

– عزالدين باسك كام بوسه

ارتفع كلا حاجبيها في دهشه، ولكنه ردد سؤاله بجديه

– هو أنا هعد الولاد بيبوسوني كام مره، سؤالك عجيب يا دكتور

– برضوه مردتيش على سؤالي

– في إيه يا رسلان هو تقولي إنك بتغير من عيالك

وجوابه كان سريع، أسرع مما تخيلت

– اه بغير، والواد عزالدين ده هعلقه لما ارجع ومش قايلك كنت عايزك في إيه سلام

اتسعت عيناها في ذهول، تنظر للهاتف وقد أغلق الخط بوجهها بالفعل

– ده قفل في وشي المكالمة فعلا

ولكن بمجرد أن تمتمت حديثها ، كان يُعاود الأتصال

– جسار عازمنا على فرحه، ولعلمك مش هنحضر لأني مش فاضي

وعاد يُغلق الخط، لتتسع عينيها هذه المرة ذهولاً بما سمعته

جسار سيتزوج بهذه السرعه بعد تجربه زواج فاشلة؟
فمن ستكون هذه العروس؟
……

لقد باتت معتادة على حديث شقيقها المسموم، حامد لن يتغير مهما مر الزمن

– طردك ابن صفوان النجار من بيته، شهيرة الأسيوطي حتت بنت خدامة أنتصرت عليها

– سليم مطردنيش يا حامد، أنا اللي خلاص قررت أنسحب من حياته

اقترب منها حامد مُدقق النظر في ملامحها، يرى الهزيمة في عينيها وأكثر ما يُسعده أن يرى هزيمة الأخرين مهما كانت مكانتهم لديه

– طيب وبنتك سيبتهاله

لم تُريحه شهيرة في منح الجواب، فاحتدت عيناه يرمقها ساخطاً

– لو جبتي البنت تعيش معاكي تبقي فعلا بقيتي غبيه يا شهيرة، بكره فلوسه كلها تكون لولاد الخدامه وبنتك تاخد الفتافيت

– أنت إيه يا أخي، كل حياتك فلوس في فلوس

صدحت ضحكات حامد عالياً متلذذاً من رؤية ضيقها

– بكره لما نفلس بسبب غبائك، ابقى اجري على ابن النجار اترجيه يمولك بالفلوس

توقفت شهيرة مكانها بعدما كادت أن تُغادر المكان وتبتعد عنه

– أنت بتقول إيه؟

– بقول إننا على وشك الإفلاس يا هانم، وأنتِ كنتي بتسعي ورا راجل مهما قدمتي ليه من تنازلات برضوه مش شايفك

طعنتها كلماته ولكنها لم تعد تبالي بخزيها

– الشركة بتقع يا شهيرة وحتى مشروعنا مع ماهر اللي كنت حاطط أمل فيه انسحب منه الاستاذ تخيلي ابن السواق يرفض شراكتنا, لا ويسعى إنه يشارك ابن صفوان النجار مش بقولك طول عمره ذكي ابن صفوان مبيطلعش خسران

– الشركة بتقع إزاي، ده هما شهرين اللي اهملت فيهم الشركة

وببساطة كان يُجيبها رغم فداحة أخطائه وغبائه ولكنه لن يعترف بهذا

– آخر صفقة اضحك علينا فيها

اتسعت عينين شهيرة في صدمة لا تُصدق ما تسمعه

– مجرد صفقة توصل الشركة للأفلاس

– الصفقة كانت تقيله، وعلى قد تقلها كانت الخسارة

لم تتحمل شهيرة سماع المزيد منه، تكاد تُجن مما تسمعه

– ضيعتنا بغبائك، اكيد دخلت صفقة مشبوها من صفقاتك

تبدلت ملامح حامد، فادركت السبب وراء خسارتهم

– اكيد صفقة فاسدة حاولت تدخلها، ولا يمكن تكون رجعت تاني للممنوعات

– أنتِ بتعلي صوتك عليا يا شهيرة

اشاحت شهيرة عيناها عنه، تُحاول لملمت حالها حتى تجد حلاً دون خسارة

– المركب لما هتغرق هتغرق بينا إحنا الاتنين، وعلى فكرة أنا عندي ليكي عرض هينقذنا بسهوله من الخسارة

………

انتظرت طويلاً أن تسمع منه عن هوية العروس، ولكن وجدته يتطرق بالحديث نحو أشياء عديدة

– يعني مش هتقول مين العروسه يا جسار؟

– هتتعرفي عليها بكرة يا ملك، يعني لو قررتي تيجي

احتقنت ملامح ملك من برودة جوابه، فقد أخذ الفضول يقتلها لتعرف هوية العروس

– ما دام عايز هوية العروسه تكون مجهوله لحد ما اجي إسكندرية بكرة، خليني اكلم بسمه.. عايزه اطمن عليها ومتقوليش إنك مش في البيت أو على الأقل عرفني رقمها اكلمها

وبنفس الهدوء الذي ازاد حنقها، فهي اكثر دراية بطباع جسار اجابها

– فعلا أنا مش في البيت يا ملك، أنا في الشركه بحاول اخلص الشغل اللي ورايا عريس بقى

– جسار أنت بارد

تعالت صوت قهقهته يسترخي فوق مقعده

– بكره تشوفيها يا ملك وتتكلمي معاها براحتك

– لعلمك يا جسار دورك في حياة بسمه انتهى خلاص، جيه الوقت اللي أفي بوعدي لأبوها الله يرحمه واساعدها

تجمدت ملامح جسار ينظر نحو القلم الذي يُقلبه بين اصابعه

– هتساعديها إزاي يا ملك ؟

– ميادة جالها عرض شغل كويس في اسكندرية، فالأفضل إنها تعيش معاها واحتمال كمان تشغلها معاها في الشركة، بسمه محتاجة حد يؤمن بيها ويديها فرصه حقيقية

– ولو قولتلك إن بسمة مكانها في بيتي يا ملك

الجمها تصريحه الواضح، تُحاول طرد شعور الشك داخلها من حديثه

– جسار اوعى تقولي إن بسمه هي العروسة!

الفصل الرابع والخمسون (2)
********

أوجعه بكاء صغيرته وتجنبها النظر إليه، أبنته تُعاقبه على مغادرة والدتها المنزل رغم إن لحظة مغادرتها كانت صامته متقبله رحيلها وقد وعدتها ستأخذها معها حينا تجد منزلاً بعيداً عن القصر الذي لا تحبه بسبب خوفها من الوحش, والوحش لم يكن إلا خالها ” حامد” الذي يُرعبها بنظراته

– خديجة حببتي، كده مش عايزه تكلمي بابي، مش أنا ومامي اتفقنا إن كل ما يوحشك حد فينا تيجي تقوليلنا علطول وإحنا هنعمل كل اللي أنتِ عايزاها

– أنا عايزاكم أنتوا الأتنين يا بابي

والصغيرة تضعه في موقف صعب، تُطالبه بأحقيتها بالعيش بين والديها

– ما أنتِ هتعيشي معانا إحنا الاتنين، شويه مع بابي وشويه مع مامي وكل واحد فينا هيكون حبه لبرنسيس خديجة مضاعف
تعالت شهقات الصغيرة تنفي برأسها رفضها لحديثه ، فارتجف قلبه حزنًا عليها

– وليه مش نعيش كلنا سوا

– عشان مينفعش يا حببتي، أنا وماما إنفصالنا عن بعض وبقينا أصدقاء والأصدقاء مش بيعيشوا في بيت واحد

ازاحت الصغيرة كفيها عن عينيها واستدارت بجسدها إليه

– وأشمعنا فتون عايشه معانا

ترقبت الصغيرة جوابه، فارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه ينظر إليها يُحاول إنتقاء الكلمات حتى تفهمه

– عشان فتون مراتي ومكانها معايا في بيتي

– خلي مامي كمان مراتك وتعيش معانا

حاصرته صغيرته بنفس الدائرة، تنظر إليه بأمل أن يمنحها القرار الذي تُريده، أن تعود والدتها ثانية لحياتها

– مامي حلوه يا بابي، وديما بتخدني في حضنها وتحكيلي حكايات حلوه

وخزه قلبه من عباراتها، أبنته تُخبره عن التغير الذي حدث لوالدتها،
شهيرة أخيراً منحتها رعايتها وحنانها وحينا وجدت صغيرته ما أرادت الشعور به مع والدتها غادرت حياتها وعليها التفهم إنها ستعيش بينهم متنقلة

إحتواها بين ذراعيه يمسح برفق فوق خصلاتها

– أنا عارف إن مامي حلوه يا حببتي، ومش معنى إني أنفصلت عن مامي إنها وحشه لكن ساعات الحياة بين الناس بتقف عند نقطه معينه عشان يقدروا يسيبوا في بعض بصمة حلوه ويفضلوا أصدقاء

وبرفق أبعدها عنه يتأمل ملامحها، يمسح الدموع التي علقت بأهدابها

– مش مامي قالتلك إننا هنكون أصدقاء

– الأصدقاء ممكن يعيشوا مع بعض يا بابي

صغيرته مستمرة في حصاره وما عليه إلا الجواب بما يُقنعها
أعادها لحضنه، فحضنته بقوة متشبثة به تخشى فراقه هو الأخر

– بكره يا حببتي لما تكبري هتفهمي كل حاجة، لكن اللي عايزك تتأكدي منه إن انا ومامي هنفضل ديما معاكي وحواليكي ومافيش حد فينا هيتخلى عنك، لأننا بنحبك أوي أوي

والحروف يضغط عليها حتى يؤكد لها حبه. صمتت الصغيرة وكأنها تقبلت جوابه الأخير بعدما أخبرها بحبهم

– بابي أنا عايزه أنام في حضنك، نام معايا يا بابي في سريري

وسرعان ما كانت تبتعد عنه، تنظر لفراشها الصغير الذي سيسعهم بالكاد

– متخافش يا بابي هيكفينا زي زمان، أنا مكبرتش غير شويه صغيرين وأنت كمان كبرت شويه صغيرين

أنفجر ضاحكاً يضمها إليه مجدداً، فصغيرته تُخبره أن وزنه زاد قليلًا

– هعتبر نفسي إني بكبر فعلًا زيك، مش وزني زاد

– هتنام جانبي يا بابي

أصابها الحزن وهي ترى صمته قد طال، تشعر بلمسات يديه فوق شعرها وظهرها

– إيه رأيك ننام في السرير بتاعي أنا

– لا، فتون بتنام جانبك فيه

ابتعدت عنه متذمرة، فاتسعت ابتسامته على فعلتها يُحاول إقناعها

– فتون بتخاف تنام لوحدها يا ديدا، مش حرام نسيبها لوحدها

زمت صغيرته شفتيها متذمرة، تعقد ساعديها أمامها تُخبره بطريقتها إنها رافضة لإقتراحه

– فتون يا ديدا عملتلك تورتة عيد ميلادك وعملت الحاجات الحلوه اللي كل ناس أكلتها وعجبتهم

وصغيرته سريعة الرد، تشبهه تماماً

– ما أنا قولتلها شكراً مع مامي وبوستها من خدها

– شوفي إحنا بنضيع وقت في الكلام وبابي عايز ينام

حاول إقصار الحديث، فهو أكثر الناس دراية بطبيعة صغيرته، فكلما أقنعها كلما زاد تشبثها بقرارها

وحتى يُثبت لها أن النعاس بالفعل داعب جفنيه، أسرع في وضع كفه فوق فمه يمنع تثاؤبه
تثاءبت صغيرته مثله تنظر إليها تنتظر منه أن يغفو جانبها

– وأنا كمان عايزه أنام، وكل ما هنام بدري كل ما هنكبر بسرعة

جاهد في تمالك ضحكاته بصعوبة حتى لا يُشعرها بإستهزاءه بحديثها، وبخفه أخذ يُداعب خديها مستمعتاً بقوة تلك المشاعر التي يعيشها مع أميرته الصغيرة

– يلا يا أميرتي على سريرنا الكبير

وصغيرته هذه المرة لم تُجادل بل القت جسدها الصغير بين ذراعيه حتى يحملها

– بابي هيفسحك فسحة حلوة، ويجبلك حاجات حلوة كتير

ولولا النعاس الذي أثقل جفنيها، لكانت ارهقته أستفساراً عن نزهتهم ولكتها اكتفت بسؤاله

– هيكون فيها فيل يا بابي

– مش عارف إيه حبك في الفيلة يا خديجة، لكن هيكون فيها سفينة كبيرة

ومع حديثه عن كبر وصغر الأشياء كانت يديها الصغيرتين تُحدد بهما الحجم

وضعها فوق الفراش برفق، ينظر نحو فتون التي غفت وعلى ما يبدو إنها كانت تنتظره

– خلينا منعملش صوت عشان فتون نايمه

ولكن على أثر همسه كانت تفتح عينيها تنظر نحوهم مبتسمه للصغيرة

لم تبادلها الصغيرة الابتسامة بل انكمشت متشبثه بوالدها. أصابها اليأس من صعوبة تقبل الصغيرة لها مرة أخرى

– بصوا بقى عشان متتخانقوش مين هينام جانبي، أنا هنام في الوسط وكل واحده فيكم تاخد الطرف اللي يعجبها

نفذ ما قاله وتسطح في الوسط بالفعل، ولكن ما جعله ينفجر ضاحكاً وهو يرى سرعتهما في أخذ أماكنهم جواره

– بقيت محاصر انا كده، لكن تصدقوا حصار ممتع نايم وسط اتنين بيتنافسوا على الجمال

اتسعت ابتسامة الصغيرة كما اتسعت ابتسامة فتون مجيبة على مديحه وهي تنظر نحو عينين الصغيرة

– لكن ديدا أحلى مني، ولو عملوا مسابقة ملكات جمال هي اللي هتكسب وتاخد التاج

– ديدا هتلبس تاج الملكات، صح يا بابي

وصوتهم كان يخرج معاً يُخبروها بأنها بالفعل جميلة كالأميرات

غفت الصغيرة أخيراً بعدما نعمت بنظرات والدها صوبها،
بخفة أدار رأسه نحو صغيرته الأخرى وقد ازداد تشبثها به تدفن رأسها في عنقه مستمعه

– سليم أنت بتحبني زي ما بتحب خديجة

أدهشه سؤالها وقد سألته بجدية بل وانتظرت سماع جوابه.
داعب خدها بأنامله يُحدق في عينيها المكحلتين مستفهماً بمزاح

-افهم من سؤالك إنك غيرانه ومحتاجة أحبك شوية

وكظته بخفة في ذراعه، فاهتز جسده قليلاً ليشعر بحركة صغيرته فاسرع في مداعبة شعرها حتى تعود لغفوتها

– وتفتكري هعرف احبك وأنا في الحصار ده، وكل واحده فيكم نايمه على دراع

– أنا عايزه حقي زي خديجة، اتكلم معايا زي ما بتتكلم معاها

انفلتت ضحكته رغماً عنه ، فعن أي حديث تُريده هذه الليلة
لم تُمهله لحظة ليتسأل، فاسرعت تُخبره عن محوى الحديث

– العب في شعري زي ما بتعلب في شعر خديجة واسألني عن أحلامي

داعبت شفتيه ابتسامة خفيفة، يُركز عيناه نحو تفاصيل ملامحها الشهية

– طلباتك بسيطة خالص يا فتون هانم

ظنته يسخر منها ولكن وجدته بالفعل ينصت إليها منتظر سماعها

– قوليلي يا حببتي نفسك في إيه

تسأل وأنتظر أن يسمع عن أحلامها التي بات يعرفها.
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيها قبل أن تسبح مع أحلامها

– نفسي في حاجات كتير أوي يا سليم، نفسي اتعلم العوم، نفسي ألبس فستان قصير مجرد ما الف بي يدور معايا، فستان قصير منفوش

واحلامها الصغيرة اخذتها نحو طفولتها، وصفت له تفاصيل الثوب وهو يستمع لها مبتسماً لوصفها، زوجته تُريد فساتين وتنانير جميعهم ذو قصة دائرية ب ورود منقوشة تُزينها وحذاء مسطح وردي اللون كاحذية خديجة أبنته

– وعايزه اركب عجلة كمان يا سليم

حديثها طال كما طال سكونه، فطالعته منتظرة سماع جوابه

– سليم هو أنا اتكلمت كتير

مستمتعاً هو بالنظر إليها، الصقها به يشم رائحتها متلذذاً بقربها ونعومتها

– هو من حيث إنك أتكلمتي كتير يا فتون، ف الإجابه اه

تصلب جسدها بين ذراعيه فازدادت ابتسامته إتساعًا

– إحلمي يا فتون وطول ما أنا قادر أحققهالك هحققها

اخترقت الكلمات قلبها، فانسابت دموعها رغماً عنها حتى أحلامها البسيطة سمعها ولم يسخر منها

هذه المرة كانت هي من تضم جسدها إليه، تتمنى أن تكون له المرأة التي يُريدها

– لو نطقتي بكلمة غبية هلغي كل كلمة قولتها

ابتعدت عنه وقد أذهلها حديثه، لا تُصدق إنه بالفعل قرء أفكارها وإنها كانت ستخبره إنه يستحق أمرأة افضل منها وليست طفله تُريد تحقيق أحلامها

– شكل كلامي صح، عشان كده نكتفي بالكلام وتنامي يا حببتي

– لو قولتلك إني بحبك اوي اوي يا سليم

اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ، ينظر إليها بعينين ناعستين يمسح فوق خدها

– ما أنا عارف إنك بتحبيني يا حببتي

عانقها بقوة كما عانقته حتى غفا من شدة إرهاقه وفوق صدره وضعت الصغيرة رأسها
صورتهما حركت غريزتها الفطرية، ولأول مرة كانت تنطقها من قلبها تتمنى تحققها ، أن يهبها الله طفلًا منه.
…..

دلف رسلان غرفته بالمشفى يمسح فوق جبينه من شدة الأرهاق، لقد قضى ليلة ادرك فيها تماماً معنى إلحاح النساء حينا يُريدون شيئًا

زفر أنفاسه مستنكراً موافقته على ذهابها لمدينة الأسكندرية مع شقيقته لحضور حفل زفاف طليقها
أصرت رغم أعتراضه وفي النهاية كان يرضخ حتى لا يُحزنها.

التقط هاتفه فوجدها قد هاتفته لمرات عدة.
أخرجته الطرقات من تحديقه في شاشة هاتفه
ولم يكن الوافد إلا سليم، أتى إليه بعدما اطمئن على دلوف الصغير “شقيق فتون” غرفة الرعاية بعد أن تمت عمليته اليوم بنجاح

– أوعى تقولي إنك جاي تشكرني يا سليم، كده هبدء أصدق إنك فعلا اتغيرت

– شوف أنا الجواز غيرني لراجل مؤدب بيفهم في الذوق، لكن أنت بقيت ظريف يا دكتور

– مش عايز ابهرك واقولك إن بقى يضحك عليا بكلمتين

ارتفع حاجبي سليم في تساؤل ولكن سرعان ما كان يختفي تساؤله ينظر إليه بعبث بعدما جلس قبالته
– ما أنت طول عمرك قلبك حنين يا رسلان، إيه الجديد

– قلبي حنين أه، بس مش أوافق إن الهانم تحضر فرح طليقها

هتف بها رسلان حانقاً، ينظر نحو الرساله التي بُعثت لهاتفه للتو تُخبره فيها إن وصلت منزل جسار حتى تطمئن على بسمه أولاً، وتتأكد من شكوكها ثم ستعود للفندق لتتجهز هي وميادة ويقضون ليلتهم فيه

ضاقت عيناه في عبوس بعدما قرء الرساله

– ما دام مضايق كده مروحتش معاها ليها

وبمقت ارتسم فوق ملامحه
– عندي عمليات ملتزم بيها ومنهم كانت عملية اخو المدام ولا أنت نسيت

أخفى سليم ابتسامته بعدما رأى ضيقه ، يعطيه الحق فيما يشعر به نحو الأمر بأكمله.
………

الساعة كانت تُشير نحو الثالثة عصرًا عندما وقفت ميادة بسيارتها أمام المنزل الذي يقطن به جسار

طالعت ميادة المكان وبعض العاملين يخرجون منه وعلى ما يبدو إنهم من فريق تنظيم الحفلات

– بيتهيألي إن العنوان صح يا ملك

حدقت ملك بتفاصيل المكان تومئ لها برأسها مؤكده

– مش هتنزلي معايا

– لا أنا هروح الفندق، أتمم الحجز وبعدين لسا فاضل خمس ساعات

اقتنعت ملك بإقتراحها، ف المنزل يعج بالعاملين، و هي ستذهب لرؤية بسمه ثم ستلحقها حتى يستعدوا للحفل

– عموما أنا ساعة واحده وهتلاقيني عندك

ترجلت ملك من السيارة تُحدق بوابة المنزل قبل أن تستكمل خطواتها نحو الداخل

دقائق مرت وهي واقفة مكانها بعدما استأذنتها إحدى العاملات إنها ستُعلم السيدة سعاد بوجودها

– ملك هانم

هتفت بها السيدة السعادة غير مصدقة إنها بالفعل أتت بعدما أعتذر زوجها بلباقة عن عدم قدرتهم على المجئ

عانقتها ملك بود، فقد قضت مع السيدة سعاد فترة في المنزل الريفي الذي تمتلكه عائلة جسار

– ده أنا مصدقتش نفسي لما قالولي في المطبخ إنك هنا

وسرعان ما كانت السيدة سعاد تنظر حولها تبحث عن أمتعتها متسائله

– فين جوزك يا بنتي وفين شنطكم

اخذت السيدة سعاد تتسأل ولكن هي كانت منشغله بعينيها في البحث عن بسمه

– رسلان ظروف شغله منعته ، لكن وأخت جوزي جينا ونازلين في فندق، هي فين بسمة يا دادة سعاد؟ أنا مش شيفاها يعني في المكان

صمتت السيدة سعاد تنظر إليها تستعجب جهلها بأن بسمة هي العروس

– بسمه في أوضتها فوق يا بنتي بتجهز عشان الحفله ما هي..

توقفت السيدة سعاد عن الحديث، وتلك مرة كانت عيناها تتعلق بالواقف

انصرفت السيدة سعاد بعدما فهمت من نظراته بأن تتركهما

– أنا كده اتأكدت إن بسمه هي العروسه يا جسار

– حمدلله على السلامة يا ملك، أومال فين الدكتور

مراوغ هو، تعلم هذا ولكنها أصبحت متأكده بأن بسمة هي العروس

اتجه نحو غرفة مكتبه فاتبعته حانقه من عدم جوابه

– ليه بسمه يا جسار، واوعى تقولي إنك بتحبها لأنك لو ضحكت على كل الناس مش هتضحك عليا

– ولو قولتلك إني بحبها يا ملك

الجمها إعترافه، فاقتربت منه بنظرة يعلمها تماماً

– عايزه إيه يا ملك

لاحت ابتسامة خفيفة فوق شفتيها سرعان ما تمكنت من إخفائها

– ليه بسمه يا جسار، وإيه اللي حصل خلاك تاخد قرار زي ده

زفر أنفاسه يشعر بثقل اليوم على روحه مُشيراً إليها بأن تجلس وتسمعه

– بنتقم من جيهان يا ملك، الهانم فاكره إنها سابت أثر فيا وممكن أرجعها لعصمتي من تاني

– ديه غلطتك أنت من الأول يا جسار، أنت اللي اتسرعت في جوازك منها

أحتقنت ملامحه يتذكر من كان سببً في دلوف جيهان حياته، ولكنه لن ينكر أن رسلان حاول إصلاح الأمر وكشفه له ولو علق فداحة خطأه على الأخرين لن يكون رجلًا

سرد لها تفاصيل ما حدث، بداية من إقتحام عنتر حياته وعودة جيهان بعدما بدء يُشاع في شركته عن وجود نفس الفتاة التي استخدمها في حملته الدعائية في بيته

– طليقتك تيجي تفضحك في شركتك تقوم بمنتهى البساطه تعلن جوازك منها، تدخلها لعبه هتكون هي الخسرانه فيها

تجهمت ملامحه من عبارتها الأخيرة، فما الذي ستخسره بسمه فهو وحده الخاسر

– هتخسر، عايزه تقوليلي فرصة مكنتش تحلم بيها تسميها خسارة

– إنها تتجوز واحد زيك فهي فعلا خسرانه

– ملك

ضغط فوق شفتيه ماقتًا إهانتها، يشيح عيناه عنها

– جسار أنا أكتر واحده عارفاك، عيشنا مع بعض تلت سنين.. طبعك صعب يا جسار وبسمة أضعف من إنها تتحمل طباعك

نهشها الندم لتركها لها تحت رعايته، ولولا حياتها المضطربه وما كانت تعيشه في الفترة الماضيه قبل إستقرار علاقتها هي ورسلان لكانت أخذتها للعيش معها أو إيجاد لها مأوى بعيداً عن فتحي شقيقها

– بسمه أحلامها بسيطه، طول عمرها نفسها تتجوز راجل يحبها، راجل بسيط مش معقد مش صعب الفهم.. راجل يفهم ظروفها راجل ميعايرهاش بظروفها، رجل تلاقي معاه الحنان والحب، فستان فرح بسيط وبيت دافي حتى لو أوضة واحده تجمعهم

اسبل أهدابه يخترقه الندم يقبض فوق كفيه بقوة وقد أصاب الحديث قلبه

– ليه تضيع منها أحلامها البسيطه، ليه تهدم الحلم الوحيد اللي كان فاضل ليها، استخترته عليها ليه يا جسار

صمت لأنه بات يُدرك جرمه، كي ينقذ سمعته ويُعاقب طليقته استغلها حتى إنه استغل نفوذه وابعد عنتر عنها
, هو ليس نادم لأمر عنتر لأنه رجلاً ويفهم أمثال عنتر تماماً كما يفهم حاله

– ندمت دلوقتي، ويا ترى الجوازه هتفضل لأمتى؟ لحد ما تشوف عروسه من مستواك تليق بيك

– بسمه فوق يا ملك تقدري تطلعيلها وتكوني جانبها

استدار بجسده يُنهي نقاشهم، فغادرت الغرفة بعدما وجدت أن الحديث لن يُجني شئ فالزواج قد تم

صعدت الدرجات نحو الغرفة التي ارشدتها إليها الخادمة، فوقفت لثواني تستجمع أنفاسها قبل أن تطرق باب الغرفه التي توجد داخلها وتستعد بها كعروس

استمعت لصوت احداهن تُنهي الواقف عن الدلوف إلى أن تفتح إليه هي الباب

كانت عيناها عالقة بصورتها المنعكسة بالمرآة كم تمنت هذا اليوم كلما رأت إحدى فتيات حارتها، الأمنية قد تحققت بل وتحقق معها الرجل الذي حينا رأته ببذلته المنمقة في بنايتهم المتهالكة قاصداً أحدى الشقق
تسألت هل مثيلاتها يحظون برجال كهذا ؟
تمنت رجلاً كان بالنسبة لها حلماً مستحيلاً ولكن المستحيل بات حقيقة

دوامة من الأفكار اخذتها ولكن صوتً مألوفًا أجتذب أذنيها ، صوت اشتاقت لصاحبته

– بسمة

نفضت حالها من فوق المقعد غير عابئة بتذمر خبيرة التجميل
،تنظر نحو ملك التي وقفت قرب الباب تُطالعها بابتسامة واسعه

– طالعه عروسة زي القمر يا بسمة

هرولت إليها بسمة تُلقي حالها بين ذراعيها باكية

– وحشتيني أوي يا ملك، لما قالولي إنك مش هتيجي زعلت أوي قولت خلاص هي نسيتني

دمعت عينين ملك وهي تضمها إليها سعيدة بهذه اللحظة رغم كل شئ

– أنا عارفه إن زيارتي جات متأخره يا بسمة، لكن المرادي مش هسيبك

ابتعدت عنها بسمة تمسح دموعها، تتذكر كم من المرات حذرها جسار من مهاتفتها حتى لا تتسبب لها بمشاكل عائلية، فشقيقها فتحي لا يدخل مكان إلا وأستغل أصحابه

– بتعيطي يا عروسة
تمتمت بها ملك، تضع بكفيها فوق خديها تمسح بقايا دموعها وصوت خبيرة التجميل يتعالا فوق رأسهما بسبب فساد زينة العروس

– يا مدام خليني أشوف شغلي
………

مجامل هو بطبعه بل بارع في مجاملته خاصة مع النساء، يمتدح جمال وأناقة سكرتيرتها أمامها وكلما شعر بعدم قدرتها على سماع غزله لأمرأة أخرى غيرها كان يزيد من الجرعة

– اظن عرفنا التعطيل جاي منين يا خديجة هانم

هتف بها كاظم بجدية بعدما ترك التقارير التي كان يفحصها بنظرة سريعة

حاولت خديجة رفع عيناها عن التقرير الذي أمامها تُحاول السيطرة على مشاعرها من شدة ما تشعر به

– مافيش تعطيل هيحصل تاني يا كاظم بيه، وزي ما اتفاقنا المشروع هيخلص في الميعاد لكن كل واحد لازم يقوم بدوره

وعند كلمتها الأخيرة كانت عينين أمير تتركز عليها غافلاً عن نظرات كاظم نحوه طيلة الأجتماع وذلك العرض الأخرق الذي يقوم به شقيقه في مغازله سكرتيرة خديجة النجار

اماء كاظم برأسه واثقاً في ما تعطيه له من كلمه

– ياريت تقبلي عزومة العشا بكرة، هنستناكي أنا والمدام

قالها كاظم بعد نهوضه عن مقعده، يرمق شقيقه بنظرات ضيقه

– هحاول لكن اعذرني لو مقدرتش

– لا مافيش أعذار يا خديجة هانم حتى تتعرفي على المدام

عيناه كانت مسلطة عليها بإستهزاء، فاليوم كانت البداية في لعبتهم
انتظر مغادرة شقيقه مُتعللاً برغبته في أخذ نسخة من اجتماع اليوم

– يمكن النهاردة عرفتي تسيطري على مشاعرك يا خديجة، لكن مظنش هتقدرى علطول

القى عبارته وانصرف بعدها، فعلقت عيناها به بقهر تتذكر كل كلمة مدح بها سكرتيرته

حاولت إستعادة ثباتها مجدداً، فهي من أرادته أن يبحث عن امرأة أخرى بديلة عنها، وطلاقهم سيتم في نفس اليوم الذي سينتهي فيه المشروع الذي يجمعهما

انتبهت على إضاءة شاشة هاتفها ثم اسمه ، لتضغط على اسمه بلهفه تتمنى أن تكون رسالته فيها إعتذار وندم وكلمات حبه التي كان يمطرها بها

ومع كل حرف كانت تقرأه في رسالته، كان قلبها ينزف ألماً،
يُخبرها إنه سيبدء بمواعدة إحدى النساء الجميلات، بل ويصفها لها متسائلاً عن رأيها في أختياره.
………

العرس أنتهى بكل سخافته وبحملقة الضيوف بها والكل يتسأل أين عائلة العروس؟ ، ومن كان يعرف ظروفها وحكايتها كان يُخبر الأخر عنها

القليل نظر للأمر بأنه حظ، والبعض الأخر رأى أن ربما حدث بينهم علاقة غير شرعية وأصبحت حامل منه فاضطر للزواج منها

عرس كان كارثي على كلاهما، لكنه هو الوحيد الملام عليه.

حاول تمالك مشاعره وهو يسحبها معه بخفة ، كانت أطراف أناملها باردة، تسير جواره بجمود حتى أصبحوا أخيراً داخل المنزل تستقبلهم السيدة سعاد بالطقوس المتعارف عليها
مهما كانت الغاية من هذا الزواج

– المسرحية خلصت يا جسار، خلينا بقى نخير صاحبة القرار

حاولت ميادة جذب ذراع ملك, لينصرفوا ويؤجلوا حديثهم للغد، بعدما فهمت منها تفاصيل هذه الزيجة

ارتعبت السيدة سعاد من نظرات رب عملها إليها نحو ما تحمله، ففضلت الانسحاب تنظر نحو بسمة بملامح قلقه

– قولتلك عرضك مرفوض يا ملك

– وأنا قولتلك نسأل صاحبة الشأن يا جسار

احتدت عينين جسار ينظر نحو بسمة ، وقد فضلت اليوم أن تكون مجرد مستمعة لا أكثر

– بسمه وجودها جانبي يا ملك، متنسيش إنها مراتي مهما كان سبب جوازنا

– لكن أنا عايزه اعيش مع ملك

سقط حديثها كالصاعقة فوق رأسه، ينظر إليها مذهولاً من تخليها عن صمتها بل وجرت فستانها واتجهت نحو ملك متشبثه بذراعها

…….

تجمدت عيناها نحو تقويم هاتفها بارتعاب، تعيد حسبتها في رأسها لعلا الهاتف يُخطأ أو قد تغافلت عن الأمر

– لا، لا مش معقول أكون حامل

– جنات

صوته أخرجها من شرودها وقد اقترب منها ينظر إليها متُعجبًا من تعلق عيناها بالهاتف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *