جواد بلا فارس ٦

الحلقة ( 28) الجزء الاول

فى صباح اليوم التالى استيقظت كل فتاة منهن بمشاعر مختلفة عن الأخرى .. استيقظت “إيمان” ببسمة على ثغرها وخفقات قلبها التى تشى بسعادتها وهنائها .. ولمعة عينيها التى تراها لأول مرة وهى تنظر فى مرآتها .. نظرت الى تلك الدبلة التى تزين أصابعه وأخذت تتحسسها فى سعادة .. “أسماء” استيقظت مثقلة القلب بالهموم .. كسيرة الفؤاد .. حزينة العينين .. تحاول التغلب على ما بداخلها والتظاهر بأنها أفضل .. “سمر” استيقظت وهى ترى بشائر الصباح من الشرفة .. تتطلع الى البحر أمامها وهى تفتح لهوائه رئتيها لتعبئها برائحته الذكية المنعشة .. شعرت كالطائر الحر الذى يسبح فى الفضاء الشاسع .. لكن قلب هذا الطائر يتمنى بشدة أن يجد وليفه الذى يركن اليه .. ويسكن اليه .. ويطمئن لقربه .. “آيات” استيقظت على مشاعر .. غضب .. ألم .. جراح .. أحزان .. ذكريات مريرة .. لكن تتخلل كل تلك المشاعر القاسية .. لمسة من .. حنين !
ابتدأ اليوم بتلك المشاعر التباينه على الفتيات الأربعة .. فنبدأ معاً أحداث هذا اليــوم العجيــب !

دخلت “آيات ” المطبخ لتسمع ضحكات ومزاح “إيمان” و “سمر” اللاتان تعدان طعام الإفطار فحيتهما مبتسمة :
– صباح الخير
التفتت الفتاتان اليها :
– صباح النور
– صباح النور
خرجت “أسماء” من الحمام وحاولت رسم بسمة على شفتيها وهى تقبل “إيمان” قائلاً :
– ألف مبروك يا “إيمان”
قالت “إيمان” وهى تتظاهر بالغضب :
– لا أنا زعلانه منك بجد
– والله عارفه انك أكيد علانه .. بس فعلاً أنا كنت تعبانه .. معلش ملحوقه تتعوض فى فرحك ان شاء الله
التفت الأربع فتيات حول طاولة الطعام .. قالت “سمر” :
– طبعاً هتسيبونى وتروحوا شغلكوا
ابتسمت “آيات” قائله وهى تلوك الطعام فى فمها :
– أيوة طبعاً أمال عايزانا نعد جمبك ولا ايه
قالت “سمر” بحزن :
– طيب هعمل أنا ايه لوحدى .. هحس بملل فظيع
قالت “إيمان” ملتفته الى “آيات” :
– متخلى “سمر” يا “آيات” تروح العيادة بدل الدكتورة اللى واخدة أجازة النهاردة
هتفت “آيات” :
– والله فكرة
قالت “سمر” بإستغراب :
– عيادة ايه
قالت “آيات” شارحة :
– افتتحنا عيادة أطفال هنا فى القرية .. عيادة صغيرة بس ما شاء الله الإقبال عليها حلو أوى .. بس الدكتورة اعتذرت لمدة اسبوع .. ايه رأيك لو حسيتى انك هتملى تعالى اعدى فيها شوية
قالت “سمر” بحماس :
– أكيد طبعاً .. أنا أصلاً رغم ارهاقى فى الشغل إلا انى بعشقه ..بجد بعشق الأطفال أوى ونفسى أفضل حواليه على طول .. بحس فيهم بالبراءة وبحاجات كتير لسه موجودة جوايا ..
ثم شردت قائله وسحابة حزن فى عينها :
عارفين .. ساعات بحس انى طفلة .. ولما بشوف أب حنين على ابنه الصغير بقول فى نفسى يارتنى رجعت صغيرة تانى ولقيت حد يتعامل معايا بحنية كدة ويحسسنى انه بابا وانه مسؤل عنى .. عمركوا شوفتوا واحدة بتتمنى راجل يحسسها انه باباها .. أهو أنا بتمنى كده
ثم قالت :
– نفسى فى راجل أغمض عيني وأنا واثقه انه مش هيضيعني .. أرمى كل همومى وخوفى وحمولى عليه وأنا واثقه انه هيكون أد المسؤلية
نهضت “أسماء” فجأة قائله :
– أنا همشى
نظرت اليها “آيات” قائله :
– طيب استنى هخلص أهو ونمشى سوا
لم تترك لها “أسماء” فرصة للحديث بل قالت وهى تحمل حقيبتها وتغادر :
– لا هسبأكوا عشان ورايا حاجات كتير

*****************************************

جلس “آدم” و “زياد” بصحبة “على” و “كريم” فى مكتب هذا الأخير .. قال “كريم” :
– زى ما اتفقنا وقسمنا الشغل بينا يا شباب .. أهم حاجة عندى ان يكون فى تنسيق بينا .. وأنا مش ديكتاتور .. يعنى اللى يكون عنده مقترحات أفضل أو أساليب أفضل لسير العمل يبلغنى بيها
ابتسم “آدم” قائلاً :
– تمام يا “كريم” .. انت كدة سهلت علينا كتير .. وكمان ميزتك انك بتحسس اللى بيشتغلوا عندك انهم بيشتغلوا معاك مش عندك
قال “زياد” بحماس :
– أنا بجد اتحمست أوى للشغل هنا
نظر “كريم” الى ساعته وقال :
– معدش الا ساعة على صلاة الجمعة .. نتقابل فى مسجد القرية ان شاء الله
أثناء انصراف الرجال من مكتب “كريم” .. توجهت “آيات” الى المكتب .. وقف “آدم” أثناء خروجه ينظر اليها وحياها قائلاً :
– صباح الخير
تجاهلته تماماً ودخلت المكتب ! .. ربت “زياد” على كتف “آدم” وساقه بعيداً .. قالت “آيات” مبتسمة :
– “كريم” عايزه منك خدمه
– خير يا “آيات” أؤمرى
قالت وهى تجلس أمامه :
– هما خدمتين مش خدمة واحدة .. الخدمة الأولى . .صحبتى “سمر” اللى هيا صحبة “إيمان” اللى جت امبارح من القاهرة عشان تحضر كتب الكتاب
– آهاا مالها
– هى دكتورة أطفال .. وما شاء الله عليها ممتازة أوى وبتحب شغلها .. وبما ان الدكتورة اللى فى عيادة الأطفال فى أجازة ايه رأيك سمر تشتغل فى العيادة بدلها
– بس يا “آيات” .. البنت جاية عشان تحضر كتب كتاب صحبتها وتريحلها يومين فى القرية نقوم نقولها تعالى اشتغلى عندنا
قالت “آيات” بحماس :
– لا بالعكس دى مرحبة جداً .. أصلاً زى ما قولتلك هى بتحب شغلها أوى وكانت مضايقة اننا كلنا هنكون فى الشغل وهنسيبها لوحدها
– طيب خلاص طالما كدة مفيش مشكلة
– تسلم يا “كريم” .. الطلب التانى بأه .. عايزة أخرج النهاردة أشترى شوية لبس
نظر الى ملابسها قائلاً :
– ماشى مفيش مشكلة .. نفس الستايل كدة
ابتسمت قائله :
– لا ستايل تانى .. بصراحة عايزة ألبس لبس يرضى ربنا بأه .. مش عايزة أحس انى مقصرة فى موضوع اللبس ده .. يعني مش عايزة أحسن ان ربنا غضبان منى عسان لبسى
ثم نظرت الى ملابسها قائله :
– هو لبسى أحسن من الأول بكتير .. بس برده حسه ان لسه .. نفسى أكون زى “إيمان” و “سمر” كدة .. لبسهم محترم ومش ملفت
ابتسم “كريم” قائلاً :
– والله فرحتيني يا “آيات” .. طيب ايه رأيك باه ان أنا هاجى معاكى ونختار اللبس سوا .. وأى حاجة انتى عايزاها هتكون هدية منى ليكي
قاتل مبتسمة :
– لأ أنا اللى عايزة أشتريهم أنا معايا فلوس متقلقش
قال بحزم :
– خلاص اتنهت .. وبعدين سيبينى آخد الثواب ده .. كل ما تبقى لابسه حاجة واسعة أنا جايبهالى هاخد أنا الثواب عليها .. متحرمنيش بأه من الثواب ده لو سمحتى
ابتسمت بإستسلام قائله :
– بس أنا عايزة أروح النهاردة
قال لها بمرح :
– أمرك يا باشا .. أصلى الجمعة واخدك ونروح نجيب اللبس على طول .. بس كدة دى “آيات” هانم تؤمر والعبد لله ينفذ
ضحكت قائله :
– ماشى يا سيدى واضح ان مزاجك عالى النهاردة .. طبعاً مش كتب كتابك كان امبارح
لاحت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يقو :
– عارفة بمجرد ما كتبنا الكتاب و أنا حسيت ان قلبي ده عمال يرفرف بجنحاته .. رغم انى مش كدة خالص .. يعني بحس انى راكز ومش خفيف .. بس حسيت امبارح انى أخف من الريشة
أطلقت ضحكة عالية وقالت :
– فينك يا”إيمان” تسمعى الكلمتين دول عشان تعرفى تأثيرك فى أخويا
– هى على فكرة بنت حلال أوى .. وأكتر حاجة عجبانى فيها حيائها .. متتصوريش الصفة دى لما بتكون فى البنت بتخليها جميلة فى عين الراجل ازاى
ابتسمت “آيات” وهى تنظر اليه بسعادة قائله :
– ربنا يباركلكوا فى بعض .. انتوا الاتنين طيبين وتستاهلوا كل خير

****************************************
توجهت اليه بعدما أخذت نفساً عميقاً .. حاولت ألا تنظر اليه وهى تقول :
– لو سمحت يا أستاذ “على” عايزة امضة حضرتك على الطلب ده
التفت “على” اليها .. وتناول الملف من يدها .. قرأه بدقة ثم زيله بتوقيعه .. استعادت منه الملف وهمت بالإنصراف .. باغتها قائلاً :
– آنسة “أسماء”
توقفت دون أن تنظر اليه .. بدا عليه التوتر والإضطراب .. قال :
– أنا آسف .. انا مكنش قصدى انى أجرحك بكلامى
ظهر الحزن فى عينيها لكنها قالت بصعوبة :
– عادى محصلش حاجة
همت بالإنصراف لكنه أوقفها مرة أخرى وقال :
– انا كل اللى كان قصدى أقوله ان صحابك أكيد اتكلموا معاكى فى الموضوع اللى كنا بنتكلم فيه وقتها .. يعني مش محتاجة تسمعى أكتر من اللى سمعتيه عشان تنفذى وتختارى صح
أطرقت “أسماء” برأسها قليلاً ثم نظرت اليه قائله بألم :
– أنا للأسف غيرهم .. مكنش ليا أب وأم يقولولى الصح من الغلط .. كانوا مدينى حرية فى حاجات كتير منها لبسى .. صعب أوى ان حد عاش كدة تيجى فجأة وتقوله انت غلط وان الصح كذا .. غصب عنى مش عارفه أتقبل ده
تنهد “على” ثم قال وهو ينظر أمامه :
– مش صعب لو الانسان ده عرف ان ربنا هو اللى أمره بكده .. ربنا هو اللى قال ان ده صح .. وان ده غلط .. وعلى فكرة طالما الانسان ده مكنش يعرف الصح من الغلط ومحدش نبهه ده يعذر لجهله .. وربنا يغفرله ان شاء الله على اللى فات من حياته .. لكن طالما عرف .. يبأه كدة أقيمت عليه الحجة .. ويبتدى يتحاسب .. أيوة كان جاهل .. بس دلوقتى معدش جاهل .. وعرف الصح من الغلط .. مينفعش يفضل مستمر فى الغلط ويقول أصلى مكنتش أعرف .. لأ انت دلوقتى عرفت يبقى تلتزم بكلام ربنا وتنفذ
شعرت براحة غريبة وهى تتحدث اليه .. قالت وهى تنظر اليه :
– بس أنا أحسن من بنات كتير .. حتى لو لبسى ضيق .. بس أنا محترمة فى تعاملاتى ومش بسمح لحد انه يتجاوز معايا .. انت من ساعة ما انا اشتغلت هنا سمعت عنى كلمة وحشة أو شوفت منى حاجة وحشة ؟
قال “على” بهدوء :
– لأ مشفتش منك حاجة وحشة ولا سمعت عنك حاجة وحشة
قالت “أسماء” بحماس :
– ربنا رب قلوب .. يعني هو مطلع على تصرفاتى وعلى اللى فى قلبى .. وده أهم كتير من المظاهر.. أهم كتير من انى ألبس محترم بس أبقى بنت مش كويسة وأتعامل مع الشباب بطريقة وحشة .. فى بنات كتير أوى محترمة أوى فى لبسها بس مش محترمة فى تصرفاتها
صمت “على” للحظات ثم قال :
– وانتى ليه تبصى للى محترمة فى لبسها ومش محترمة فى تصرفاتها ! .. ما تبصى للى محترمة فى الاتنين .. لازم الواحد يبص للى أعلى منه مش اللى أقل منه .. اللى بيبص للى أقل منه ويقول أنا أحسن ده يبفضل طول عمره تحت ومبيطلعش أبداً ولا بيتقدم .. لكن اللى بيبص للى أعلى منه بيحب يقلده وبيحب يوصله وأكيد هيوصله .. وبعدين أيوة ربنا عارف الى فى قلبك ومطلع عليه مختلفناس فى دى .. بس برده ربا أمرك بحاجات لازم تنفذيها .. يعني يمنفعش متبقيش بتصلى وقتولى ربا رب قلوب ربنا عالم باللى فى قلبى وانى بنت كويسة .. طيب ما تصلى .. مش هو أمرك تصلى . .صلى .. ايه اللى منعك .. لو انتى فعلاً كويةس ومسلمة أمرك لله ومستسلمه لله ولأوامرة ولنواهيه .. هتصلى لأنه أمرك تصلى .. اهو ربا أمرك تتحجبى .. وبمواصفات معينة .. مينفعش تتحجبى على مزاجك أو بالطريقة اللى انتى شايفاها صح .. لازم تتحجبى بالطريقة اللى هو شايفها .. واللى هو عايزها .. واللى هو أمرك بيها
صمتت “أسماء” تحاول استيعاب كلماته وتمريرها على عقلها وقلبها .. سألته بخفوت :
– وايه هى الطريقة دى
قال “على” بحماس :
– أولا ميكنش ضيف يكون واسع .. ثانياً ميكنش شفاف ويبين الجسم .. ثالثاً .. ميكنش مبرفن ببرفان أو بخور أو أى حاجة يقدر اللى واقف جمبك يشمها .. رابعاً ميكنش ملفت .. خامساً ميكنش شبه لبس الكافرات .. سادساً ميكنش شبه لبس الرجال .. سابعاً ميكنش ثوب شهرة
نظرت اليه “أسماء” بإستغراب وقالت :
– معلش يعنى ايه ميكنش ثوب شهرة دى .. مش فاهمة
قال “على” بهدوء شارحاً :
– يعني متكنيش لبساه عشان الناس تشاور عليكي وانتى ماشية فى الشارع .. الرسول نهانا عن اللبس المزين أوى الفخم أوى اللى الواحد بيلبسه عشان الناس تشاور عليه وهو ماشى فى الشارع وده بيبأه خيلاء ماشى يعني يقول يا أرض اتهدى ما علييك أدى .. وبرده نهانا عن اللبس الرث أوى المبهدل أوى اللى الواحد يلبسه عشان الناس تشاور عليه وتقول ده الراجل ده زاهد وعابد .. يعني الرجال والنساء محرم عليهم لبس الشهرة .. يعني متلبسيش حاجة ملفته عشان الناس تشاور عليكي وتعرفك
تمتمت قائله :
– أيوة فهمت
قال وهو ينظر الى ساعته :
– بعد اذنك عشان ألحق الصلاة
قالت بخفوت :
– اتفضل
التفتت تنظر اليه لتتابعه بنظراتها أثناء مغادرته .. نعم تعلم بأنه لن يفكر فيها يوماً .. وأنها بالتأكيد ليست الفتاة التى سيختارها زوجة وحبيبة .. وأنها بالنسبة له فتاة متبرجة .. وأنه ليس كأى رجل قابلته فى حياتها .. وعلى الرغم من ذلك .. خفق قلبها بقوة ونعومة .. وحــب .. وهى تتتابعه بعينيها !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *