سطور عانقها القلب سهام صادق ١
هذه النسخة معدلة من رواية أحببت كاتبًا والتعديل شمل أجزاء عدة من الرواية.
نبدء فصول الحكاية.
الفصل الأول
********
العرق يتصبب على جبينه وأنفاسه تتعالا وكأنه في سباق ، إنها هنا أمامه يمدَ لها يديه ، يُطالبها ألا ترحل ولكن ، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه ..، فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة .. ثم اخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها
– مها
وهكذا كان يتكرر حلمه بها ، لم ينساها يوماً بل اصبحت أسيرة أحلامه ..، نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته ، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها ..، وذكري بعيدة تأخذه نحوها , نحو أحدي الليالي التي جمعتهما قبل تلك الحادثة التي انهت بحياتها وحياة جنينهما.
……………
في ظلام تلك الحجرة البسيطة كانت هناك عينين تفتح وتغلق بتنيهدة معبئة بأحلام وردية بعدما فاقت صاحبتهما من حلمها، فهي تعيش وسط ضجيج هالك من المشاعر التي تنتابها كل ليله بعد قراءة أحد كتبه بحالمية وكأنه يسطر كلماته من أجلها فقط ..، كانت تعلم حماقة ما تفعله ،بل وينعتها والديها بالجنون ورغم ذلك لم تتخلي عن أحلامها
تنهدت تلك الغافية جوارها هاتفة بنعاس :
– لسا منمتيش ياصفا ؟
فعادت تنهيدة صفا ، تصحبها زفرة طويلة وعينيها أزدات بريقًا ..، فقد استيقظت من غفوتها للتو علي حلم مازال مرتسم أمام عينيها وكأنه حقيقة
– حلمت بمراد زين يا جنه
صمتت “جنه” للحظات تستوعب ما تخبرها به أبنة خالها بكل حماقة ، غير مصدقة أنها ايقظتها من غفوتها بسبب تقلباتها فوق الفراش ثم تنهيداتها العالية لتخبرها بحلمها السخيف
– يعني قلقتي نومي ، والنوم طار خلاص .. وتقوليلي حلمت بمراد زين
ظلت “صفا” في غفوتها الحالمة ، ولم تنتبه علي نهوض “جنه” من جوارها ثم حملها لدورق الماء وسكبه فوقها ، تعالت شهقات “صفا” وقد انتفضت من فوق الفراش تمسح قطرات الماء من فوق وجهها حانقة
– منك لله فوقتيني من حلمي
– أنا اللي مني لله ، ولا أنتِ يا شهرزاد عصرك
لم تعقب “صفا” علي حديثها ، فالجميع يسخر من أحلامها الحمقاء التي تعلم حقيقتها ونهايتها ما هو إلا واقع ستعيشه ..، أتجهت نحو إضاءة غرفتها , لتشعلها ثم أتجهت صوب مكتبها الصغير ، الذي يضم بعض الروايات والكُتب لكبار الكتّاب وخاصة عاشقها المتيمة به من كلماته “مراد زين”
وكالعادة “صفا” تخلق لحالها عالم ملئ بالأحلام ، وتزداد أحلامها كل فتحت صفحة من كتبها التي أصدرها ، بحثت بين العديد من الكتب علي أخر كتاب قد أصدره منذ اشهرعديدة ، راقبتها “جنة” بعينيها وقد أزداد ضجراً بأفعالها تتوسط خصرها بذراعيها متمتمة بسخرية
– بكرة تتجوزي واحد ميعرفش حاجة عن الكتب ولا الاحلام ، واخرك تذاكري للعيال
رمقتها “صفا” بنظرة مستهزءة ، بعدما وجدت الصفحة التي تبحث عنها لتستشعر الكلمات والأحاسيس فيها ثانية
“الحب كاللعبه الجميله حين نمتلكه ننسي العالم بأكمله وكأنه ساحر يأسرنا اليه ولكن أسره لنا دوما لاذع”
فتعالت ضحكات “جنه” ثم صفقت بيديها ، فعلي ما يبدو أن أبنة خالها قد فقدت عقلها
جنه:
– هايل يافنان ، انا كرهت الرومانسية بسببك وبسبب الكاتب ده ميكونش القيصر
ربنا يعوض عليك ياخالي ، انا قررت ألم هدومي واخد شنطتي واروح بلدنا للحاجه صافية الغالية … اجازه سوده عليا
لتتجه اليها صفا ضاحكه عندما شعرت أن حماقتها قد أزدادت في الأمر: ليه كده بس ياجنه ، هو الحب حرام
فابتسمت جنه ساخره : لاء ياهابله الحب مش حرام بس اللي انتي عايشه فيه ده وهم .. في حد يحب حد من كلماته بس
فاسرعت “صفا” في احد الأدراج تلتقط صورتها التي خبأتها عن أعين والدتها ،فقد حازت عليها من إحدي المجلات ، فعاشقها مجهول للجميع ولا يحب الظهور ابداً
لتلتقطها منها جنه مازحة : هو ده بقي مراد زين .. لاء تصدقي اموور ياصفا ،عندك حق تحبيه .. ده في عمر خالي ياصفا
وتنهدت جنه بعمق واردفت : صفا بلاش جنانك ده انا كنت فاكره انه مجرد هيام بكاتب لوقت معين لحد ما تلاقي الحب بس أكتشفت انك قفلتي علي قلبك وسيبتي مفتاحه لأوهامك .. اصحي للواقع بقي وشوفي مستقبلك وحياتك
فابتسمت صفا بسعاده وهي تتذكر الجوابات التي ترسلها إليه بريديًا : ياريت يكون شاف رسالتي الاخيره
لتنصدم جنه مما تسمعه : فعلا مجنونه !!
………………………………………………………….
ابتسم بهدوء يدل علي وقاره وهيبته التي تطغي علي عمره التاسع والثلاثون
عامر : الحفله خلصت من زمان يا أستاذ ولا أقولك ياحضرت الكاتب العظيم
فابتسم أحمد وهو يرفع تلك النسخه التي حصل عليها من دار النشر منذ قليل : مش هتقولي مبروووك
فتهكم وجه عامر متأملا سعادة اخيه بذلك العالم الذي دخله رغم ان عالمهم الحقيقي هو الثراء والسلطة وليس الادب الذي ينظر اليه هو بالأخص انه عالم من السخافات وإهدار الوقت
فاقترب منه احمد بموده وحب : ياعامر أنا بحب الكتابة جدا وانت عارف اووي كده ، غير اني قادر ادمج بين عالم المال وعالم الادب
فامتقع وجه عامر أكثر ناهضا من فوق مقعده خلف مكتبه، بعدما أغلق حاسوبه بقوه ,وقد كان يتابع من خلاله البورصه ليهتف بجمود : طالع زي خالك هقول ايه غير مبرووك
فابتسم أحمد متذكراً خاله الذي لم يجد شيئاً ليثبت حبه له ويخلد أسمه سوي أنه يأخذ باسمه اسمًا مستعارا (بمراد زين(
ثم تنهد : ربنا يرحمه
وسار خلف شقيقه متمتماً : ماما نامت صح
فحرك عامر رأسه بالإيجاب وهو يصعد أول درجات الدرج
………………………………………………………….
اغمض عينيه بإرهاق بعد يوماً شاقاً ،وتنهد ببطئ ثم امسك هاتفه ليفتح صفحات التواصل الاجتماعي وهو يري كم تعليقات متابعينه علي كلماته وعباراته البارعه في وصف الاحساس في معظم كتابته ..
ليتأمل احد التعليقات الطريفة فيضحك بقوه وهو يقرء : انا بحبك اووي استاذ مراد ، ده انا من حبي فيك بنده جوزي باسمك وسميت ابني برضوه علي اسمك وقريب اووي هطلق بسببك !
ليقطع ضحكاته اتصالا من صديق عمره والوحيد الذي يعلم بحقيقة مراد زين هو وشقيقه عامر
احمد : خير !
فيضحك رامي بقوه : قولت اسألك للمره الالف نطبع برضوه بالاسم المستعار ولا ننزل بالحقيقه بقي ده هيبقي خبر الموسم يامراد .. ييييه اقصد يا احمد السيوفي يا ابن الحسب والنسب
ليمتقع وجه احمد ساخرا من حديث صديقه : اقفل يارامي وأوعدك ان الربح اللي بتكسبه من نشر رواياتي همنعه عنك واديه لدار نشر تانيه وابقي شوف دار النشر بتاعتك هتكسب ازاي
فيصرخ رامي أسفًا : لا وعلي ايه الطيب احسن يابشمهندس ، فعلا سيوفي سيوفي .. مافيش عندكم رحمه عيله جباره
وينتهي ذلك الحديث الممل بالنسبه له فقد اعتاد عليه من صديقه عندما يتم طباعه اي جديد له
ثم يجذب اخر ابداع له قد خطاه قلمه.. ناظر في صفحاته حتي وصل الي صفحته المنشوده وقرء بعض كلماته
حياة من نحب ليست لعبه بين اصابعنا او عقولنا ، فحين نحب يجب ان نلغي العقل قليلا ونسير بقلوبنا .. فالعقل احيانا كثيره يفكر بالظروف والمنطق والمُفترض والماضي والحاضر والمستقبل .. اما القلب فلا يهتم سوا بأحلامنا ولا يري مستحيلا
……………………………………………………..
فتح عيناه فجأه وهو يتذكر حبيبته التي هجرته منذ زمن بعد ان كرهت جموده وصلابته وحبه في التملك
ليتذكر احد كلماتها له قبل ان تترك البلد بأكملها محاولة نسيان ماضي وزواج فاشل
اميره : انا كرهت تملكك وجمودك ياعامر ، حبي الكبير ليك انت ضيعته بسبب جفاء مشاعرك .. اوعاك تقول انك بتحبني ، وان انا سطحيه ومش عايزه غير كلام الغزل
وصمتت لتترك له عباره ظل صداها يحاوطه : انا وفقت نتجوز في السر واتنزلت عن اكبر حق ليا بس عشان بحبك .. اهم حقوقي اتنزلت بيها عشان الحب وللاسف الحب خذلني .. ابقي افتكر اني اتمنيتك كتير تبقي زوج فعلا ليا زوج مش بنك فلوس بيمتعني بفلوسه وبيه
وتابعت حديثها :
الحب في وجهه نظرك تملك بالفلوس مش بالقلوب
ليفيق من شروده بعد ذلك العذاب الذي يعصف به كل ليله
ونهض من فراشه ليخرج الي شرفة حجرته الواسعه متنهدا بحراره مشتعله في اعماقه .. لم تطفأها الايام ولا حتي ذلك الهواء البارد
………………………………………………………
تأملت صفا الكتاب القابع بين يديها قليلاً لتقرء اسمه وتتخيل بأن كلماته حقا جميعها اليها فقط ..وأبتسمت وكأنها قد رأته هو وليس كتابه الذي يحمل أسمه
عم محمود :مالك يا صفا ، عجبك الكتاب
لتتأمل صفا ذلك الكتاب قليلا حتي خرج صوتها الحالم بدعابه : نعم وجدا جدا كمان، سعره بقي كام ياعم محمود واوعي تقولي ان حتي الكُتب بقيت اسعارها فوق فوق
فيبتسم “عم محمود” وقد كان رجلاً طيبً ، ثم أخذ يمسح فوق خصلات شعره التي أصابها الشيّب وسط تلك الاغلفه القديمه والحديثه من الكتب
عم محمود : تسعين جنيه!!
فتحدق به “صفا” مصدومة مما تفوه به ، كالطفله البلهاء التي حين يبدء والديها بأن يعلموها أحرف أسمائهم فتنظر إليهم بتعجب حتي تخرج من فمها الصغير بعد مشقه أسمائهم التي لا تنطق منها سوي حرفين وفقط
صفا: نعم قول تاني كده ياعم محمود ، الكتاب بسبعين جنيه ، لا خلاص خذ كتابك ياراجل ياطيب
فهتف العم محمود ضاحكا ، واخذ يرفع من صوته : بقولك بتسعين جنيه يا صفا مش سبعين
صفا : لا انا سمعته سبعين يا عم محمود ، وأنت عارف أنا سمعي عشرة علي عشرة
فعادت ضحكات العم محمود تعلو مجدداً من مشاغبتها ومازحها المحبب : خدي الكتاب من غير فلوس ياصفا هو انا عندي اغلي منك ، بس هما يومين والاقي الكتاب عندي سامعه !!
ارتسمت ابتسامة واسعة علي وجه صفا ، وطالعته بأمتنان هاتفة
– أنا لو عليا أشتريه ، بس أعمل إيه الحكومة عندنا في البيت حالفة لو أشتريت كتاب تاني هتولع في كل اللي عندي
لم يكف “العم محمود” عن الضحك الذي افتقده منذ زمن ، متفهما ما تعانيه من والدتها حملت الكتاب منه ، بعدما أصر علي إعطاءها له ، انصرفت من امامه سريعا ، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستختلي بها بهذا الكتاب وكاتبها المفضل ..، انتبهت علي رنين هاتفها ، فانحنت نحو حقيبتها تُخرج الهاتف منها .. لتبهت ملامحها وهي تري أسم والدتها مُفكرة بالحجة التي ستخبرها بها بسبب تأخيرها وعدم شرائها حتي الأن للخضار ومستلزمات البيت:
– يالهووي ديه بطه هتمـ,ـوتني لو عرفت إني لسا مروحتش السوق لا وكمان جيبت كتاب جديد وبقيت زي المتسولة بشحت الكُتب
توقف الهاتف عن الرنين واكملت خطواتها بخطي سريعه نحو السوق حتي تشتري ما دونته لها والدتها ، ولكن فجأة تراجعت للخاف وسقط هاتفها منها تستمع لصوت أحد المارة ينهرها بصوت غاضب
– مش تحسبي يا أنسه
وعندما وقعت عينين الرجل نحو الكتاب الذي تحمله ، تمتم بمقت
– وكمان واحده مثقفة بتاعت كتب
تجاوزها الرجل حانقاً ، وقد اتسعت عينيها ذهولاً من عبارته الاخيرة ..، فاسرعت بالركض خلفه تساله عن مقصده ، فتوقف الرجل مستاءً
– مالهم المثقفين يا استاذ ، أنا مسمحش ليك بالأهانة دية
رمقها الرجل بنظرة قاتلة
– لا ده أنتِ شكلك واحده فاضية موركيش حاجة
ثم هبط الرجل لمستواها… فاشعرها بقصر قامتها هاتفا بتهكم : ابعدي عن طريقي يا شاطرة
وانصرف من أمامها … ليتركها تتأمل أعين الناظرين لها بغرابه
صفا : لازم اجيب لنفسي التهزئ يعني وتقليل القيمة، استغفر الله العظيم
………………………
عادت “صفا” لمنزلها بملامح متعبة ، مسحت حبات العرق فوق جبهتها بعدما وضعت الأغراض جانباً تهتف باسم والدتها وقد خرجت للتو إليها ، تلتقط الأغراض وتتأكد من جلبها لكل شئ دونته لها
– أول مره تجيبي كل حاجة طلبتها منك ، من غير ما تنسي غرضين
رفعت “صفا” يدها كتحية تؤدي بها التمام لها، وتهتف بنبرة مازحة تشيط والدتها منها
– أوامر السيدة “فاطمة” لازم تنفذ بالحرف ، هو أحنا عندنا كام بطه
واسرعت في الاقتراب منها ، تلثم خدها بقبلة أزادت والدتها حنقاً ، فدفعتها عنها
– بت أنتِ بلاش الشغل بتاعك ده ، أنا واثفة إن ورا الكام كلمة الحلوين حاجة
تراجعت “صفا” للخلف قليلاً ، تحك خدها ، فتركتها السيدة “فاطمة” في وقفتها واتجهت نحو المطبخ لتُكمل طهي طبختها هاتفة
– حصليني علي المطبخ ، وطلبك مرفوض قبل ما تطلبيه يا صفا
…………
أبهرها ذكاءه و وسامته ..، أرادت أثبات حضورها أمامها حتي تلفت نظره ، ولكنه كان كلما ناقشته في شئ يخص العمل ..، يُجيبها ببضعة كلمات منهياً الحديث .. ليتعمق في حديثه أكثر مع والدها
أنتبه “عاصم” نحو تلك النظرات التي اطربت قلبه ، فعلي ما يبدو إنه سيجني صفقة أخري مع السيد “محسن” ، أنتهي الأجتماع أخيراً .. فزفر “احمد” أنفاسه بأرهاق ..، فالعمل علي هذا المشروع يتطلب جهداً كبيراً ، اراد المغادرة بعدما أنصرف الجالسين ولم يبقي إلا السيد “محسن” وابنته “فريدة”
– احمد
هتف بها “عامر” بعدما وجد شقيقه يُغادر الغرفة ..، التف “احمد” إليه بنظرات متسائله..، فابتسم “عامر” وهو يُقدم إليه “فريدة” بطريقة أخري
– بشمهندسه فريدة بنت محسن بيه
لم يكن يحتاج لتوضيح أكثر عن هوية الجالسة ، فاستطرد “عاصم” في توضيحه وإلقاء علي مسمعه مزايا الجالسة
– هتكون معاك في كل خطوة في المشروع ، اتمني تتفقوا علي كل حاجة
ثم اردف مازحاً ، ينظر نحو السيد “محسن”
– أنا ومحسن بيه هنكون مجرد مشرفين علي المشروع ده ، ولا أنت إيه رأيك يا محسن بيه
– طبعا ، طبعا يا عاصم بيه
– أنا متحمسة جداً للمشروع ده
هتفت “فريدة”عبارتها بحماس حقيقي ، فتنحنح “احمد” بعدما شعر بسعي شقيقه وراء شئ يجهله
– لكن أنسه “فريدة” متوقعش هتحب الأشراف علي الشغل في الصحرا
انتقلت عينين “محسن” نحو ابنته ، وقبل أن يهتف “عامر” بشئ .. نهضت هي تسير نحوه بخطوات واثقة
– جربني الأول واحكم يا بشمهندس ، وعلي فكرة أنا بنسي خالص في الشغل إني البنت غنية
لا ينكر إنه راقه حديثها بل أعجبه ، مدّت إليه كفها كي تصافحها ، فابتسم “احمد” والتقط كفها مصافحاً ونظرات كلا من “عاصم” و “محسن” تخترقهما في أمل
……….
مضغت طعامها ببطء ، تُفكر في كيفية إقناع والدتها لحضور حفل زفاف رفيقتها ، لم تكن السيدة “فاطمه” من الأمهات اللاتي يعطون بناتهن السماح بالخروج كثيراً والأختلاط بالناس خشية عليها ، فهي أبنتها الوحيدة ولم تنجب غيرها ..
طالع والدها شرودها ،فابتسم بعدما تناول قطعة الخبز وغمسها بطبقه
– مش عوايدك يا صفا ، تقعدي ساكته وإحنا بناكل
طالعت السيده “فاطمة” زوجها وأبنتها فهتفت مازحه
– سكوتها ده ورا حاجة
لم تمهلهم المزيد من الوقت في التفكير ، بما تفكر به فهتفت علي الفور
– معزومة علي فرح صاحبتي يا ماما ، وأنتِ زي العادة مش هتوافقي
القت عبارتها ، ونهضت عن جلستها ..، حيث يتناولون الطعام ملتفين حول طرابيزة قصيرة الأرجل ، طالع والدها الفراغ الذي خلفته خلفها صغيرة متنهداً
– كفاية حبسة للبنت يا فاطمة ، البنت بقي كل علامها الكتب ..، إحنا كده بنظلمها
– من خوفي عليها يا حاج
هتفت بها السيدة “فاطمة” ، فنهض هو الأخر وهاتفاً
– مسيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة ، مش هنعيش ليها طول العمر
……….
وعلي طاولة طعام أخري أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفئ الحديث ، كان يتناول “عاصم” وجبته مع شقيقه ..، تنهد “احمد” بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه
– هنفضل طول العشا ، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا
ابتسم “عامر” وهو يري حنق شقيقه ، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل
– البنت تستاهل المدح ولا أنت رأيك إيه
– هي فعلا هايلة يا عامر، لكن اوعي تحلم بشئ زيادة
القي “احمد” عبارته الأخيرة ، ناهضاً عن مقعده .. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث
………
اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة علي حالها من رفض والدتها الدائم لكل شئ ، مُعلله أن هذا نابع من خوفها عليها ..،تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها “العم محمود” اليوم ..فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها ، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته ، غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة ، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب ، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تُحادث نفسها
صفا: جنه طلع معاها حق ، انا شكلي أدمنتك ومش هخف من أدمانك
فاقت من حالتها علي صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دلوفها للغرفة ، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن أبنته هتفت حانقة
فاطمه : يابنتي ياحببتي ، الكتب الي بتشتريها ديه هي اللي لسعتلك دماغك ، اكتر ما أنتي لاسعه قومي معايا أتعلمي كام طبخه صدقيني هتفيدك ، مش عيب علطولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش ازاي تطبخ ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا
أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة ، حتي إنها اصبحت تحفظها:
خضتيني يابطه
فاطمه : بطه في عينك ، انا فعلا معرفتش أربيكي
واردفت السيدة “فاطمة” بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع :
اه يا أخرة صبرك يافاطمه ، بنتك الوحيده اللي مالكيش غيرها مطلعه عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفشه من خيالها الواسع او هو يطفش لواحده ، قال ايه نفسها في راجل زي ابطال الروايات ..، أجبلها العريس الورق ده منين انا
علقت عينين “صفا” وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظه ، ينبأ بوجود عريس أخر أتي عن طريق أحد المعارف ..، وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتي تُقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل
: تاني ياماما ، عريس تاني وده من طرف مين المرادي .. انا قولتلك مليون مره انا مش عايزه اتجوز بالطريقه ديه ، غير انك مستعجله ليه علي جوازي انا لسا عايزه أحقق مستقبلي
تجهمت ملامح “فاطمة” وهي تستمع لعبارتها ، فعن أي مستقبل تتحدث به أبنتها ..، ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة “قسم الاتصالات” جلست جوارها خائبة الرجا لا تفعل شئ سوا قراءة الكتب والغوص في الخيال
– مش موافقة اقابل العريس يا ماما ، وبقولها ليكي أه ، عشان متجبيش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد
ازداد حنق “فاطمه” ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر علي درج مكتبها
تهتف ساخره
– : ما اه باين المستقبل يابنت بطني ، عايشالي في الخيال ..، متخلنيش أحلف يا صفا إني احرقهوملك
تمتمت السيدة “فاطمة” عبارتها الأخيرة بوعيد ، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة ..، تراجعت وتنهدت بتعب ، فابنتها عنيده كحالها في شبابها :
انا وابوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك .. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي اخ ولا ليكي اخت
وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيها السيدة “فاطمة” قلب أبنتها وتعاطفها ، اسرعت “صفا ” في الأقتراب منها ، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها
: بعيد الشر عليكم ياماما ، متقوليش كده ، انا هعمل كل اللي يريحك ولو علي الروايات والقرايه خلاص مش عايزاهم ومن بكره صدقيني هنزل أدور علي شغل .. بس بلاش الجواز اللي بطريقه ديه ياماما
فابتعدت عنها السيدة “فاطمة” تنظراليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة ، ثم أحتضنها بقوة : انا مش عايزاكي تشتغلي ، انا عايزه يبقي ليكي بيت وزوج اطمن عليكي معاه
مالبثت أن انتهت من السيده “فاطمه” من عبارتها حتي تعالا رنين هاتف “صفا”
جنه : انتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا ، عمتك جيبالي عريس وبتقولي لازم اتجوزه ..
طالعت “صفا” نظرات والدتها المحدقه ، ثم تعالا الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات أبنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها.
………………………………………………………….
انتهي العرض ،وبكده اكون وضحت ليكم كل حاجه!
فتنفتح الانوار فجأه ، ونظر كل الجالسين ، وقد أخذوا يُطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فوريه في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء علي ارض الواقع، وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه
عامر :هايل يابشمهندس ، تطلع محنك ، ومخطط هندسي علي أعلي مستوي حتي جدولة الربح والتكلفه ممتازه
ليجلس أحمد بإسترخاء علي مقعده كفرد من أفراد مجلس الأداره ويمد يده بالاوراق التي تخص المشروع
أحمد : أنسه دينا هتوزع علي حضرتكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع
وينتهي أجتماعهم المغلق ،ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون ، ويبقي أحمد واقفًا يجمع اوراقه ليغادر ايضا
فقترب عامر منه بسعاده : انا النهارده فخور بيك يا احمد ،وتأمل عامر ساعة يده الفاخمه بهدوء
عامر : اوعاك تنسي عشا النهارده ، مع محسن باشا وفريدة ..، وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا احمد وتنسي الماضي
والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه ، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه ..، لقد خسر محبوبته وزوجته ، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه.
الفصل الثاني
*****
ذهبت “صفا” لعرس رفيقتها، وقد سمحت لها والدتها ، لعلها تشعر بالغيرة من رفيقاتها، وتقبل بالعريس الذي سيتقدم له بعد غد، بعدما أتفقت والدتها مع جارتها علي هذا الموعد.
التعمت عيناها بانبهار ، وهي تري سعادة صديقتها ..، وقد رفرف قلبها بمشاعر التوق لتصبح يوماً عروساً ، بل إنها تخيلت هذا اليوم ..، فادركت تلك اللحظة إنها بالفعل لا تنتظر رجلاً لن يمت بالواقع بصلة , ولا ذلك الكاتب الذي تعشقة دون سبب ، ولكن كل ما تتمناه أن تجد ما يُحرك قلبها ويدق من أجله ، وستنسي كل عالم الخيال وستعيش معه الواقع.
سافرت بخيالها نحو قصة حب صنعتها في عقلها ، وكالعادة الأحلام تأخذها لأعلي , لتأتي لحظة الإفاقة وتهبط علي سطح الأرض ولكن تلك المرة هبطت مفزوعة تشهق بذهول ، وهي تري أحد الصغار يسكب عليها كأس المياة الغازية بعدما تعثرت قدمه بأحد أسلاك الإضاءة و والدته تركض خلفه ، وتصرخ باسمه
– أنا اسفه جدا
هتفت المرأة عبارتها ، ثم التقطت ذراع صغيرها تسحبه معنفة له ، دون قول أخر لها بعد أتسعت البقعة فوق فستانها
– بدل ما أرجع لبطة بعريس زي ما بتتمني ، هرجع ليها بالبقعة ديه
تمتمت عبارتها مستاءة ، وهي تنهض عن مقعدها تنظر نحو البقعة التي لطخت ثوبها ، ثم ودعت رفيقاتها من أيام الجامعة .
……………… …………………
ووسط مجموعة ممن يُماثلوه عمراً ومكانة ، كان يجلس “عامر” ضجراً من تلك السهرة التي لا تروق له ولكن يأتيها أحياناً حتي يرفه عن نفسه ويخرج من زي رجل الأعمال.
كانت هذه السهرة تضم الأصدقاء للترفيه بعيداً عن زوجاتهم .., نساء تحاوطهم حتي يتمتعن بلمسات ومداعبات وضحكات ليس إلا ..، داعبت إحدي النساء عنقه ، وقد كان يجلس بهيبته المعتاده, يحتسي مشروبه الخالي من الكحول, و يرمق بعض الأصدقاء ساخراً ، من سيل لعابه وهو يُلامس بكفه ظهر تلك الفتاه العاري ، وينظر لما اسفل عنقها
– والباشا هيفضل بعيد عننا كتير
هتفت احداهن عبارتها ، فالتفت نحوها ، بعدما دفع يدها بعيداً عنه متمتماً
– الباشا مستغني عن خدماتك
أزدادت لوعة ورغبة وهي تري تمنعه ، فجلست جواره تفرض وجودها
– ليه كده بس يا باشا ؟
رمقها “عامر” حانقاً ، وحاول النهوض حتي يرحل بعدما ازداد ضجره منها ، ولكن وجدها تلتقط كفه ، وتسبل أهدابها راجيه
– خلاص يا باشا هبعد عنك ، مدام وجودي ضايقك
كانت تظن أنها بنبرتها المستكينة ، الناعمة ستستطيع جذبه ..، ولكنها لم تكن تعلم أنها أمام أشد الرجال صلابة خاصة إذا رأي نظرات الوداعة من النساء
أطال النظر إليها ، وقد ظنت إنها استطاعت جذبه وتحريك غريزته ، ولكن الصدمة اعتلت ملامحها وهي تراه يخرج حفنة نقود من جزدانه ويلقيهم نحوها.
………… …………….
هل اليوم سيأتي ذلك العريس التي جلبته احدي جارتها ، تنهدت “صفا” حانقة ، وقد أنهت كل ما أمرت به والدتها ، ثم تنهدت بخيبة امل من استسلامها لمقابلة ذلك العريس المرحب به من قبل والدتها ووالدها … وانفردت بغرفتها أخيراً ، ثم امسكت بأحد اقلامها لتلون احد كلماته وقد سطرها في كتابه
لو كانت النجوم قريبه منا , نمسكها بيدينا، ما احس أحداً بصعوبه نيل بعض الاشياء ،ولو كان القمر ظاهراً لأعينا بشكله المعتم ما وصف به المحب حبيبته ،فجمال الاشياء ببعدها وجهلها !
افاقت من شرودها علي صوت هتاف والدها بها، فاغلقت الكتاب وخرجت سريعاً من غرفتها تعانقه كعادتها حينما تضجر او تحزن من شئ
حسن : اوعي تزعلي مننا ياصفا ، انا عارف انك مش موافقه علي العريس ونفسك تتجوزي الانسان اللي رسماه في خيالك بس ياحببتي عمر الواقع مابقي خيال ولا خيال بقي واقع
فابتعدت “صفا” عن والدها تلتقط كفيه, تقبلهما
– حببتي أيدي فيها شحم
فتمسحت به “صفا” مازحه
– ده أحنا نبوس الأيادي والرجلين ..، والعفريته كمان يا أسطي حسن
كان “حسن” يعمل مصلح للسيارات ..، ابتسم الأسطي “حسن” وهو يجد صغيرته التي ستظل دوما هكذا أمام عينيه مهما كبرت
– قولي بقي صلحت كام عربية ، ولا أنزل أنا بدالك الورشة وأوريك مواهبي
ضحك والدها بملئ شدقيه ، يدفعها فوق رأسها برفق
– الأسطي حسن عايز يشوفك متهنية في بيتك مع راجل ابن حلال يصونك
حكت “صفا” رأسه ، فعلي ما يبدو أن لا مفر من مقابلتها لهذا العريس
– كده هتبعني ياعم حسن وتسمع كلام بطه وتعيش جو الدراما زيها ، بس اعمل حسابك لو معجبنيش زي اللي فات هنطفشه سوا
ليحتضنها والدها ضاحكاً : علم وينفذ
ثم اردف بحنان وقد لمعت الدموع بعينيه ، ثم اسرع في اخفائها
– افضلي اضحكي علطول يابنتي فاهمه !
فابتعدت عن حضن والدها ، تنظر إليه بشك
– أنا دمعتي قريبة يا حاج ، بلاش دراما ..، لا إحنا لازم نغير بطوط ونشوف ست غيرها
صفا
هتفت والدتها باسمها بعدما التقطت أذنيها حديثها الأخير ، فاركضت من أمام والدها الذي أنفرجت شفتيه في ضحكة قوية وهو يري طفولة أبنته ومشاغبتها مع والدتها ، التي لطمت كفيها ببعضهما متحسرة علي عقلها الضائع
فاطمه : يابنت المجنونه ، حظه منيل اللي هيتجوزك يا بنت بطني
فعادت ضحكات “حسن” تتعالا مجدداً ، لتشاركه “فاطمة” الضحك ..، متمنية من الله أن يطيل عمرها حتي تراها عروساً.
…………………………… …………………………….
كان من ينظر اليها لا يظن بأن تلك السيدة الحسناء ، ذو الملامح الجميلة.. في العقد السادس من عمرها ، فبرغم مرور الزمن ظل جمالها مرسوماً فوق تقسيمات وجهها ، وكأن الجمال رافض ان يتخلي عن صاحبته
تسير بعكازها الذي يساعدها علي الحركة نحو شرفتها، تسأل خادمتها للمره التي لا تعد عن شكل حديقة قصرهم الفخم
ناهد : اوصفيلي الجنينه يا حنان
فتبتسم تلك الخادمه المخلصه لسيدتها التي لا تُبصر
حنان : ماهو نفس وصف امبارح يا هانم ، اوصفهولك تاني
فتتشنج عضلات وجه سيدتها ، وقد غامت عيناها بالحزن ..، تتذكر سنوات عمرها الماضيه
ف “ناهد” الجميلة التي كانت يوماً أمرأه يتهاتف عليها الرجال ..، اصبحت منذ سنوات ضريرة وحيدة ومنعزلة بل منبوذه من أبنها البكر
ناهد بضيق : روحي شوفي شغلك ياحنان
أنصرفت “حنان” نحو عملها بعدما جاء السيد الصغير يرمقها بنظرة امره ، حتي تترك الغرفة ، تقدم “احمد” منها بخطوات هادئه ونظرات حزينة علي والدته المنعزلة عنهم دوما في غرفتها
شعرت به ، فالتفت ناحيته تمدّ يديها إليه هاتفه باسمه: أنت هنا يا احمد
احمد : مالك ياماما بقيتي عصبيه كده ليه
تحرك احمد إليه ، يلتقط كفها ..، يساعدها في خطواتها نحو فراشها بتمهل ورفق
ناهد : ذنبها ايه حنان اشخط فيها ، كفايه هي اللي متحملاني ومستحمله ست كفيفه
فجاورها احمد فوق الفراش ، يُعانق كفيها بين كفيه ، ثم يلثمهما , يهتف بحنان : ياست الكل يعني تزعلي عيونك الزُرق الحلوين دول عشان خاطر زعقتي في حنان وقولتيلها روحي شوفي شغلك
لا لا فين ناهد هانم بشدتها وصحتها
فابتسمت “ناهد” بحنين ، متذكره حياتها مُنذ خمسة اعوام وما عصف بها
ناهد : الزمن لازم يسيب اثره يابني ، ولا الصحه بتدوم ولا المال بيدوم .. بس مين يفهم
تأملها “احمد” طويلا، يبحث عن والدته القديمة وتلك الصورة التي عاشا هو وشقيقه علي كرهها بعدما هجرت والدهما ، فوالدهم لم يكف يوماً عن رسمها لهم بصورة بشعة ..، حتي تشرب منه “عامر” حقده علي والدته ، يعلم إنها اخطأت وركضت خلف المظاهر وتركت والده في محنته ولكنها في النهاية ستظل والدته.. وقد نال الزمن منها ، فكيف يكون قاسي عليها كما يفعل شقيقه دون رحمه ؟
ناهد : هيفضل لحد امتى اخوك زعلان مني يا احمد ؟
فتنهد احمد بأسي ، ينظر طويلا إليها دون جواب ..، فبماذا سيخبرها ، فعامر قد تشرب القسوة والحقد من والدهم ومن عثرات الزمن.
…………………. ……………………..
اعترضت وثارت ولكن والدتها لم تكن تري ما تفعله إلا دلعً وقد افسدتها دلالاً ، هكذا اخبرتها والدتها بصوت غاضب ..، بعدما غادر العريس ودلفت إلي غرفتها حانقة
– سيبي البنت براحتها يا فاطمة
تهاوت السيدة “فاطمه” بجسدها الممتلئ قليلاً فوق الأريكة ..، تلطم فخذيها كعادتها حانقة
– دلعك ليها يا حسن هو اللي عمل فيها كده
طالعها “حسن”،فارتسم الحزن فوق ملامحها ..، ترفع عيناها إليه
– عايزه اطمن عليها يا حسن
– تاني يافاطمه ، يا فاطمه الأعمار بيدي الله ..
واقترب منها يُجاورها ، ثم أمسك كفيها يضمهما بحنو
– أفرض أتجوزت واتطلقت ..، هننفعها ب إيه بعد كده ..، هنقولها كنا خايفين نسيبك لوحدك في الدنيا ..، ربك مبينساش عباده يا فاطمة
أنسابت الدموع فوق خدي “فاطمه” ، هي أمرأة مؤمنة ومقتنعة بحديث زوجها ولكنها تخاف علي أبنتها بقلب أم لا تُريد سوي رؤيتها مع زوج يحميها ويصونها
– خليها تدي العريس فرصه ، ولو مرتحتش بعد كده مش هتكلم تاني يا حسن
………………………
دلف “احمد” المطعم حانقاً من إصرار شقيقه علي تلبية الدعوة التي أعتذر منها هو ..، وهو من يجب عليه الذهاب من اجل صورته أمام السيد محسن ..، تمتم داخله وهو لا يتمني أن لا تكون حيلة من شقيقه ..، أرشده النادل نحو الطاولة التي تم حجزها ..، فاقترب من الطاوله بملامح جامدة بعدما لم يجد عليها سوي “فريده” ابنة السيد محسن جالسها فوق المقعد وظهرها إليه
اقترب بخطوات هادئه ، يزفر أنفاسه بضيق ..، فمتي سيبتعد “عامر” عنه ويكف عن اختيار العروس المناسبة له
– مساء الخير
ابتسمت “فريده” عند سماع صوته ، والتفت إليه ثم نهضت عن مقعدها تمدّ له كفها ،وبلباقة كان يُجيدها ..،تاركاً حنقه جانباً
– اسف علي التأخير
– متعتذرش يا بشمهندس ، أنا اللي جايه بدري عن ميعادي
جلس قبالتها مُتجاوزاً حديثها ..، متسائلاً
– نطلب الأكل
شعرت “فريده” بالحرج من معاملته الجافة ..، وحاولت أن تتخطي الأمر ..، فما تعلمه عنه يؤكد لها بأن شخصيته هكذا وليست وحدها من يخصها بتلك المعاملة
– اوك
شرعوا في تناول وجبتهم ، ومهما حاولت الحديث عن أي موضوع ..، كان يُجيبها ببضعة كلمات
– تعرف أني معجبة بشخصيتك جدا يا بشمهندس
رفع عيناه إليه ، بعدما مضغ الطعام وارتشف من كأس الماء بضعة قطرات
– أنا عارفه إنك ممكن تقرل عليا جريئة ، بس أنا أتعودت علي الصراحه
أبتسم مجاملة لها ، فابتسمت هي الاخري
– أتمني أتعلم من خبرتك في السوق يا بشمهندس ، وتنسي أنا بنت مين ..، زي ما أنت كمان بتنسي في الشغل اسم عيله السيوفي
ولثاني مرة كان يُعجب بحنكتها في الحديث ، أتسعت أبتسامته وقد ظنت إنها وصلت لبداية الطريق ولكنها كانت بعيده تماماً عن هذا
– وأنا سعيد بكلامك ده يا بشمهندسه ، لأني معنديش مجاملة في الشغل
مر الوقت وفريدة بذكاءها ولباقتها ..، استطاعت أن تجد حديثًا تتجاذب به معه ولم يكن الحديث إلا عن عمالقة الكتاب سواء شرقي او غربي
ضحكت وهي تري نفسها أصبحت جاهلة بمعلوماتها الضئيلة عن الأدب ..، رغم إنها اظهرت إليه في البداية مدي شغفها
– أنا مقدرش أوصل ليك يا بشمهندس ، أنت ماشاء الله موسوعه
ابتسم “احمد” علي اطراءها ، دون أن يُخبرها بهويته المستعارة
– معلوماتك مش ضئيلة ولا حاجة
– اعتبر أني فيا أمل
واسبلت أهدابها إليه في رقه ، فارتشف قهوته بعدما شعر أن الأمر سيأخذهم لبداية لا يُريدها
انتهي اللقاء وقد حاولت “فريدة” بشده استمالة قلب “احمد”.
…………… ………..
ابتسم “عامر” بعدما طالت سهرة شقيقه ، رمق ساعته قبل أن يصعد الدرج ولكن توقف مكانه وهو يستمع لصوت شقيقه الساخر
– مش معقول عامر باشا مستنيني بنفسه ..، ولا مستني تعرف نجاح خطتك
تجهمت ملامح “عامر” ، فاقترب منه “احمد”
– عيب يا باشا تلعب معايا كده ..
– العب معاك
تمتم بها “عامر” حانقاً ، فتنهد “احمد” ضجراً
– كفايه يا عامر ، ارجوك كفايه ..قولتلك اني هفضل عايش علي ذكري مها ، أنت ليه مش عايز تفهم
– انت بتعلي صوتك عليا احمد
تنهد “احمد” بأسف ، يرمق شقيقه
– أنت عارف مكانتك كويس عندي يا عامر
وقبل أن يتجه نحو غرفته ، وقف علي احدي درجات الدرج
– سيبني دافن نفسي في العالم بتاعي يا عامر ..، زي ما أنت دافن نفسك في الماضي ومازلت بتحمل أمك ذنب دفعت تمنه
تجمدت ملامح “عامر”، بعدما علقت عيناه بشقيقه .. وبعدما كان جسده يستجدي الراحه ..، عاد عقله للماضي الذي لم ينساه رغماً عنه.
…………………………… ………………………..
دلفت عمتها غرفتها بعدما علمت بعودتها من ذلك اللقاء ..، استمعت لاسمه وهي تري أبنة شقيقها تُحادث إحدي صديقاتها عنه ..، اسرعت “فريدة” في إنهاء محادثتها بعدما رأت عمتها تجلس جوارها وعلي شفتيها أبتسامة سعيدة
– مش معقول كريمة هانم في اوضتي
دفعتها عمتها برفق ، قبل أن تندفع لأحضانها
– حبيبت عمتها ،اللي بقت تخبي حاجات كتير عنها
ابتعدت عنها “فريدة” تطرق رأسها ، فابتسمت “كريمة” متسائله
– قوليلي عرفتيه أزاي ،وابن مين ، وأمتي هيجي يتقدم ل بابا
– يتقدم مرة واحدة يا كريمة هانم
هتفت بها “فريدة” وهي تضحك ..، فطريقها مع “احمد السيوفي” ، مازال طويلاً
– كل ديه اسئلة يا عمتو
– والأسئلة لازم يكون ليها إجابة
تمتمت السيدة “كريمة” بحب حقيقي لأبنه شقيقها التي ربتها، بعدما تركتها والدتها بعد أنفصالها عن شقيقه
– ده اخو عامر السيوفي شريك بابا لو تسمعي عنه
ضيقت “كريمة” عينيها تُحاول تذكر الاسم ..، فلمعت عيناها بصدمه وهي تتذكر نية شقيقه في تقريب أبنته من “عامر” وليس شقيقه
– أنتي عارفه إن بابا كان عايز يقربك من عامر مش من احمد
لم تنصدم ملامح “فريدة” ، فهي كانت تعلم بنية والدها ولكنه في النهاية رضخ لقرارها
– بس أنا اعجبت ب أحمد يا عتمو ، وبابا تفهم الموضوع
ارتاحت عمتها عندما استمعت لقرارها
– كنت خايفه ل محسن يعرف يقنعك ، إن عامر هو السلطة وتدفني نفسك مع راجل فرق السن بينك وبينه كبير وفي النهاية مش هتحصدي غير الخسارة زي ..، وكل ده عشان الفلوس
دمعت عينين “كريمة” عندما تذكرت الماضي وبزيجتها الفاشلة التي لم تثمر إلا بضياع سنوات من عمرها ، اسرعت فريدة في ضمها تشعر بالحزن علي حال عمتها
– أنسي يا عمتو
تمالكت “كريمة” دموعها ، تنظر لأبنة شقيقه بحب
– خليكي ديما قوية يا فريدة ، اوعي في يوم حد يتحكم فيكي
وفريدة كانت لا تحتاج لنصيحة عمتها ، هي أبنة محسن الصواف ، ورثت طباعه و وحيدته التي يتنازل من أجلها عن أي شئ
– احكيلي بقي عن احمد ده
تراجعت “فريدة” للخلف ، تستند بظهرها فوق وسادتها وتعبث بخصلاتها بحالمية متمتمه
– تقيل أوي ، ومثقف اوي .. وجميل أوي
التمعت عينين “كريمة” وهي تستمع لوصفها
– أنا عرفت دلوقتي ليه عجبك …
ثم هتفت بنبرة صوتها تُقلدها
– عشان تقيل أوي مش كده
اسرعت “فريدة” في الاعتدال من رقدتها ..، تُطالع عمتها بعدما تذكرت تلك القصة التي علمتها عنه وعن حبه القديم بفتاة ليست معروفة في وسطهم
– كان بيحب بنت زمان يا عمتو ، سمعت إنها ماتت ومن ساعتها قافل علي نفسها
طالعتها “كريمة” قليلاً ، تنظر إليه
– والمفروض أنتي دلوقتي تعرفي كل حاجة عن البنت ديه مش كده يا فريدة
– محتاج أعرف ليه حبها ومن ساعتها قافل علي نفسه
– بلاش يا فريدة تفتحي الدفاتر المتقفلة
……………………….
كانت زغاريط والدتها تعم المنزل ، والفرحه لا تسع عينيها
فتهتف فاطمه بسعاده : مبرووك ياحببتي ، يااا يا بنتي متعرفيش سعادتي أد إيه النهارده وإحنا نازلين نجيب الشبكة
صفا : مش مرتاحه يا ماما ، ارجوكي بلاش
زفرت “فاطمة” أنفاسها حانقة ، من حال أبنتها المتقلب
– عريس ، تتمناه أي بنت .. محاسب في مكان ليه وضعه وعنده شقيته وعربيته ..، تقوليلي مش مرتاحه
– هو الجواز شقة وعربية يا ماما
هتفت بها “صفا” وقد عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها ..،فمهما حاولت أن تشعر بالسعادة والتأقلم كباقي الفتيات كما أخبرتها والدتها ..، كانت تشعر بالسوء
احتضنتها “فاطمه” بحنان حتي لا تضغط عليها أكثر
– لا طبعا يابنتي ، اهم حاجه عندي راحتك وسعادتك
حاولت صفا أن تجد لها مخرجاً ، رغم أستحاله الأمر :
– طيب خلينا نتعرف الأول قبل ما نجيب الشبكه ..، مش يمكن ميطلعش في بينا توافق في الفكر
ابتعدت عنها السيده “فاطمه” وقد علمت أن ابنتها لن يجدي نفعاً معها الحديث برفق
– توافق في إيه ..، في الفكر يا بنت بطني ..، قومي ألبسي طرحتك خلينا ننزل نقابل أم العريس
وقد تم ما أرادته “فاطمه” بالفعل .. ، هبطه من البناية التي يقطنون بها ..، فوجدت والدها يمسح يديه من شحم السيارات واقترب منها هامساً
– هوديها المرادي عشان خاطري يا صفا
– والمره اللي جاية
تسألت بهمس كهمس والدها، وقد وقفت والدتها جانباً ، في ضجر تنظر إليهم بشك
– هتجيبلها أنتي العريس ونرتاح
ضحكت رغم عنها ، اً وقد تبدلت ملامحها من العبوس وهي تستمع لمزاح والدها
– هموـ,ـت واعرف بتتكلموا في إيه من ورايا
فابتعد “حسن” عن أبنته واقترب من زوجته الضجرة ، التي وقفت تنتظر جارتهم قبل أن يلتقوا بوالدة العريس لأنتقاء الشبكة
– بقولها أنك بتصغري وتحلوي يا بطه
………………………. ………………………………
دلف مكتبه بعدما أخبرته سكرتيرته بوجودها ، نهضت عندما انتبهت عليه وتركت الأوراق جانباً هاتفه
– عدلت المخططات المطلوبه مني
مدّت له الأوراق بعملية أعجبته ، فقد ظن وجودها اليوم في الشركة ما هو إلا تكملة خطوات قربها منه ..، أدهشته بارعتها فابتسم وهو يمدحها
– هايل يا فريدة
اتسعت أبتسامة “فريدة” وتستمع لمديحه ، غير مصدقه أنه جاء اليوم الذي اغرمت برجلاً ، واصبحت بضعة كلمات منه تُسعدها
– مافيش أي تعليق هتضيفه يا بشمهندس
أماء برأسه وهو يُطالع الأوراق دون النظر إليها ، مشيراً نحو جزءً بسيطً
– بس ممكن أعرف وجهت نظرك في الجزئية ديه من التخطيط
رفع عيناه نحوها ينتظر جوابها ، فتقدمت منه بسعاده ..، تنظر نحو ما يُشير إليه ..، ثم مالت قليلاً بعدما جمعت خصلاتها تنظر بتدقيق نحو ما يُريد سماع وجهة نظرها به .
اجابته عن أستفساره بدقة ومهارة ، فلم يجد ما يُضيفه ..، كانت هائمة في رائحته رغم إنها تمالكت حالها ووقفت ثابتة خلفه حتي تنال تقديره ..، ولكنها في النهاية لم تعد تحتمل تلك الرائحة التي عبأت رئتيها بعد زفرات متتالية ..،
وعلي حينا غرة ، دون أن تشعر به بعدما وضع الملف جانباً والتف نحوها حتي يعرف سبب صمتها ..، فوجدها مغمضة العينين .. فتجمدت ملامحه ونهض عن مقعده ، فانتفضت في ذعر
– أنسة فريدة
وقبل أن يُجرحها بكلمات رأتها في عينيه ، التقطت الأوراق واسرعت في لملمت شتاتها متمتمه بأعتذار
– أسفه يا بشمهندس ، سرحت شويه ..،بسبب الأرهاق
واردفت مُعللة
– فضلت طول الليل بعمل التعديلات ، فتقريباً محتاجة فنجان قهوة يعيدلي تركيزي
لم يعقب علي حديثها ، فاسرعت بخطواتها منصرفه , ولكنها توقفت في مكانها وهي تستمع لعرضه
– هطلب فنجانين قهوة لينا
التفت إليه ببطء ، فتساءل بملامح مسترخية
– قهوتك إيه
وبابتسامة واسعة ، كانت تخبره
– مظبوطه
……………… …………………
ضاقت أنفاس “صفا” ذرعاً وهي تري تصرفات والدة ذلك الذي وسمته والدتها بخطيبها .، زجرتها والدتها بعينيها ..، حتي تنظر لذلك الخاتم الذي انتاقته
– إيه رأيك يا صفا
ثم نظرة لخطيب أبنتها متسائله
– وانت يا طارق يا حبيبي ، إيه رأيك
تمتم الأخر وهو ينظر في هاتفه
– قوليلهم رأيك يا ماما
تجهمت ملامح السيدة “فاطمة” ، غير مصدقة أن الذي يقف أمامها الأن ..، نفس الشاب المؤدب الخجول الذي يفهم بالذوق كما نعتته
– وريني كده يا ست فاطمة
التقطت السيدة “إحسان” والدة العريس الخاتم ، تُقدره بكفها متمتمه بضجر
– ده تقيل أوي ، خلينا نختار حاجة أخف
ولم تنتظر سماع جوابهم ، واخذت تبحث عما تُريده ..أنتقت ما هو أخف ، والسيدة “فاطمه “وجارتها السيدة “جليلة” ينظرون لبعضهم في صمت ..، تنهدت “صفا” بضيق تجذب ذراع والدتها
– يلا يا ماما ، كفاية قلت قيمة لحد دلوقتي
– صحيح يا ست فاطمه ، هو الاسطي حسن هيهدي بنته إيه .. إحنا العيلة كلها عندنا لازم الأب يشتري لبنته طقم شبكة هدية
لم تتحمل “صفا” المزيد من صفاقة هذه السيدة وتقليلها من شأن أهلها ، فاقتربت منها ترمقها بنفس النظرة التي وقفت ترمق بها والدتها
– لا إحنا مبنجيبش هدايا دهب ،يا طنط
طالعتها السيدة “إحسان” ، تنظر نحو السيدة “جليلة” التي تمتمت بخجل لجارتها
– أنتي بتقولي إيه يا ست إحسان ، ديه صفا زينة بنات الحارة وبشمهندسه أد الدنيا ..، اخص عليكي
ونظرت نحو العريس الذي يقف بينهم وكأن وجوده لا شئ ، يمسك هاتفه بأهتمام وكأنه ينتظر خبر ما
– ما تقول حاجة يا عريس
– بتقولوا إيه ياجماعة