سطور عانقها القلب سهام صادق ١
لم تشعر “صفا” بحالها إلا وهي تتعارك معهم ..، والسيدة “فاطمه” تصيح بأبنتها أن تتوقف ، وصاحب محل الصاغة أخذ ينظر الي أشياءه الثمينه بخوف ويهددهم بجلب الشرطة إذا لم يتوقفوا والسيدة “جليلة” تُحاول فك العراك بينهم ثم سقوطها أرضاً بعد دفعتها السيدة “إحسان” ..،
وفجأة عمّ السكون المكان ..، وصوت سرينة الشرطة تصدح بالأرجاء
الفصل الثالث
*******
طالعت السيدة “فاطمة” زوجها مُطرقة الرأس غير مصدقه كل ما حدث ، نظرت إلي أبنتها التي وقفت حانقه تُهندم من حجابها وتتأفف بضيق وكأنها ليست هي السبب في إندلاع المشكله
– متزعلش يا حسن مني ، مكنتش أعرف والله يا أخويا إن مجايب جليلة كده
– ياريت نتعلم من اللي حصل يا فاطمة ، شوفتي اخرتها أجيبكم من القسم
تنهدت بضيق وعادت عيناها نحو أبنتها التي لا تعبأ بالأمر وكأنها قد ذهبت في نزهة ، التف “حسن” نحو أبنتها يحثها علي التحرك متمتماً
– يلا يا صفا يا بنتي ، خلينا نبعد عن هنا
فتحركت “صفا” أمامهم بعدما رمقتها والدتها بتوعد ، فابتسمت وهي ترفع كتفيها عالياً ، وسارت بخيلاء تتباهي في خطواتها غير عابئة بنظرات والدتها المتوعدة
– عندك حق يا بابا
عادوا للمنزل بعد يوم لا يُصدق ..، فجلست “فاطمه” علي اقرب مقعد .. تُدلك ساقيها بعدما ازالت حجابها
– عايزه حاجة يا ماما ، انا داخله اوضتي
– هعوز منك إيه يا جلابة المصايب ، يا حرقة دمي
أرتفع حاجبي “صفا” في تعجب وهي تستمع لكلمات والدتها ، فقد بدء اليوم بمغامرة وسينتهي بعويل والدتها عن حظها ، فهمست بكلمات ..زادت والدتها حنقاً
– سيبتني معاها لوحدي ليه بس يا حسن
– فاكراني مش هسمعك ، ماشي يا بنت حسن .. ، عقابك النهاردة تنضفي المطبخ وانتي أكتر حاجة في حياتك بتكرهيها هو التنضيف
اتسعت عينين “صفا” ذهولاً ، وسرعان ما تحول ذهولها لضحكات جعلت والدتها تخلع حذائها وتقذفه نحوها
– بتعاقبيني يا بطه ، بدل ما تكوني فخورة بيا
تجهم وجه “فاطمه” وهي تستمع لضحكاتها التي لا تتوقف ، وكأنها لم تفعل شئ منذ ساعات قليلة
– فخوره بيكي يا بنت بطني!، ده أنتي دخلتي أمك القسم علي أخر الزمن
وبزهو رفعت “صفا” حاجبيها ، تشير نحو حالها في فخر
– وماله لما ندخل القسم شويه بعد ما نجيب حقنا ، ده حتي الضابط أعجب بلي عملته ..، لما فهم مني الحكاية
– وأنتي الصادقه يا بنت بطني ، الراجل كان مذهول من اللي بيسمعه
أشتاطت “فاطمه” غضباً من حديث أبنتها وقد كان نصيب فردة حذائها الأخر كحال ما سبقه ، القته عليها ..ولكن تلك المرة أستطاعت أن تتفاده بمهارة وقفزه عاليه
– معرفتيش تنشلي المرادي يا بطوط يا عسل أنت
واسرعت في الاقتراب منها ، تمسك كفيها تقبلهما بحب
– مستحملتش أشوفهم بيقلوا منك ومن بابا ..، أنا قولتلك من الأول مش مرتاحة وإنه قليل الذوق لكن أنتي مصدقتيش
هدأت “فاطمه” وفي داخلها حمدت الله ، ولكنها كانت حزينه ..، فلا شئ تتمناه بحياتها سوي أن تري أبنتها عروساً
انهالت “صفا” علي والدتها بالقبلات ،التي تضحك بها عليها ، في كل مرة تُغضبها
– شوفتي عرفت اصالحك أزاي
واردفت بعدما نهضت من جوارها
– هروح اتصل ب جنه واحكلها عن اللقاء التاريخي
– أحكيلها عن خيبتك
وصفا لا تتوقف عن إلقاء عباراتها ، التي تزيد حنق والدتها
– خيبتي كبيرة أوي يا ماما
وركضت مهرولة نحو غرفتها ، بعدما وجدت والدتها تبحث عن شيئاً أخر تقذها به
– برضوه هتنضفي المطبخ يا صفا
…………………..
توقف بسيارته أمام الموقع ينظر إليها بعدم إستحسان نحو هيئتها تلك ، توترت من نظراتها وشدت من تنورتها قليلاً حتي تُداري ساقيها
– احمد هو في حاجة مضيقاك من لبسي
اشاح عيناه بعيداً عنها ، ورغم إنه لا يُحب أن يقحم نفسه في أمور لا تخصه إلا إن الضراروة كانت تحتم عليه لفت نظرها
– لبسك ده مينفعش في الشغل يا فريدة ، اظن أنتي فاهمه قصدي
خفق قلبها وهي لا تُصدق إنه يهتم لأمرها ، ورغم إنها لم تكون يوماً ضعيفة لمشاعر الهوي التي تجعلها معه تطير هائمه بكلماته حتي لو كانت من باب النصح ليس أكثر
صمتت وقد ظنها لم تتقبل حديثه ، فتمتم وهو يفتح باب سيارته ليترجل منها
– متوعدتش أدخل في حياة حد ، لكن مدام هنشتغل علي المشروع ده سوا ، فلازم الفت نظرك يا فريدة
بهتت ملامحها ، وسقطت أحلامها معها أرض الواقع تنظر إليه وهو يضع بقدميه خارج السيارة ، اسرعت في التقاط ذراعه
– احمد أنا مزعلتش
التف نحوها ببطء وقد ضاقت عينيه وهو يرمق فعلته ، فاسرعت في ترك ذراعها
– قصدي يا بشمهندس
واردفت مفسرة ، ولاول مره تصبح هكذا بحياتها ..، تفسر أفعالها لأحد
– أنا مكنتش فاكره إننا رايحين الموقع النهارده ، لو كنت اعرف كنت حقيقي أختارت اللبس المناسب للمكان
وبوداعه كانت تسبل أهدابها ، تنتظر سماعه ، بعدما أوضحت له الأمر
– مافيش مشكله يا فريدة
ترجل بعدها بكامل جسده من السيارة ، فتجمدت عيناها نحو زافرة أنفاسها ، فقد جفاها بحديثه بعبارته التي لا تراها إلا كالسعيق.
اتبعته مسرعة بعدما استطاعت تمالك حالها ، ورغم صعوبة السير في الرمال ، إلا إنها كانت تُحاول الثبات والوقوف أمام العمال بجدية ..، رغم نظراتهم نحوهم
رمقها وهي تُلقي بعض الاوامر وسط العمال ، والبعض يتهامس عليها ..، حاول تطرد الأمر من عقله ..، فقد أخبرها ألا تذهب معه اليوم ولكنها أصرت ، ولكن كلما كانت تقع عيناه عليها ويراها كيف تتحرك بصعوبة ونظرات العمال تخترقها ..، حركته رجولته , فاقترب منها منهياً وجودهم اليوم بالموقع
– كفايه كده النهارده
تنهدت براحه ، فالشمس اليوم ساطعة بشده ، كما ان ملابسها وحذائها يُعيقاها عن الحركة ، رحبت باقتراحه وتحركت جواره بعدما أزالت خوذتها واعطتها لاحد العمال ،
ولكن فجأة كانت تخرج شهقتها وكاحلها يلتوي اسفلها ..، اسرع نحوها يلتقطها قبل سقوطه متسائلا بقلق
– أنتي كويسه
اماءت برأسها تنظر لعينيه التي تغرقها به أكثر ، ثم اعتدلت سريعاً رغم الألم الذي نغز قدمها وهي تراه يتحاشي النظر إليها
– للأسف ديه ضربية لبس الكعب العالي في مكان زي ده يا بشمهندس
وتمتمت مازحه تخفي ربكتها، وهي تري المسافه التي يضعها بينهم بعدما ساعدها
– الدرس النهارده أتعلمته كويسه
ابتسم وهو يمدّ لها يده ، فاسرعت في تقبل دعوته ومدّت يدها ..، تشعر لحظتها السيئة التي كادت أن تطرحها أرضاً وليس مجرد إلتواءً بسيط.
………………..
اصرت أن تذهب معه مكتبه ، رغم إنه عرض عليها توصيلته لمنزلها لترتاح ولكن جوابها كان
– مجرد ألم خفيف ، متقلقش يا بشمهندس ولا أنت مش عايزني أتابع معاك أي شغل
طالعها مستاءً من عنادها متمتماً بنبرة ، جعلت أبتسامتها تتسع
– عنيده
مدّت يدها له تلك المرة حتي يساعدها علي السير وقبل أن يرمقها بتلك النظرة التي يرمقها بها دائماً كانت تهتف
– كمل خدمتك يا بشمهندس ، وخليك جينتل مان
ابتسم وهو يُقدم ذراعه لها حتي تتباطأه ..، وهو لا يعرف إلا أين سيأخذه الطريق مع تلك الفتاة التي زجها شقيقه في حياته.
دلف مكتبه زافراً انفاسه ، لقد طالعه مواظفينه بنظرات ثافبه وهم يروها ملتصقة به ، كان حانقاً منه ولكن رغم ذلك كانت بارعة في جعله يتخطي حانقه منها ..، وعلي ما يبدو إنها قد فهمت طريقه
خلينا نشوف شغلنا ، بدل ما نص اليوم ضاع مننا من غير فايده ..، وطبعا أن اللي ضيعته
أكملت عباراتها بمزاح ، مما جعله يبتسم وهو يضع رسومات الموقع أمامها
– الرسومات اهي قدامك وريني ..، تطلعاتك
طالعت الرسومات ، ثم طالعته بغرور مصطنع ..، فعادت ابتسامته تشرق ملامحه
– نبدء بقي الشغل
ولم تكن إلا بالفعل بارعة و ذكية ولن يكون كاذب في حقها ..، ابتسم وهو يراها كيف تتحدث بحماس يظهر شغفها وحبها لعملها ..
توقفت عن الحديث وهي تستمع لصوت سكرتيرته تُخبره
– عامر بيه عايز حضرتك في مكتبه يا بشمهندس
اماء لها برأسه ، وهو نهض احمد عن مقعده ، ينظر إليها مُعتذرا
– دقايق وراجعلك يا فريدة
انصرف بعدما التقط احد الملفات ، وهو علي علم بأن شقيقه يُريده من أجل هذا الملف .. ، استرخت في جلستها ثم حاولت النهوض عن مقعدها حتي تسير قليلاً ..ولكن سرعان ما جلست وهي تتأوه من ألم كاحلها وقد بدء الألم يشتد
دلفت السكرتيرة ثانية تسألها عن أي شئ ترغب في إحتساءه كما أخبرها مديرها ، ولكنها اسرعت في الأقتراب منها تسألها
– في حاجه وجعاكي يا بشمهندسه
– رجلي
هتفت “فريدة” بألم وهي تدلك كحالها بعدما أزالت حذائها عن قدمها
– ثواني يا فندم ، هجيبلك تلج يمكن يخفف الألم شويه
وبالفعل اسرعت في جلب لها الثلج ، وعادت إليها تعطيها قطعة ثلج ، داخل غطاء بلاستيكي ..، التقطته “فريده” شاكرة ..، فدلف “احمد” ينظر إليهم بترقب ، غادرت السكرتيرة الغرفة عندما دلف مديرها ورمقها بنظرات مستفهمه ولكن الإجابة كانت واضحة إليه وهو يتخطاها مُقتربً من فريدة المنحنية قليلا وتدلك كاحلها بقطعة التلج
– كان عندك حق لما قولتلي بلاش اعاند واقبل توصيلتك
– أنا بقول نروح لدكتور افضل
رفعت “فريده” عينيها إليه ، ثم عادت تدلك كاحلها
– مافيش داعي ، أنا هكلم صديقه ليا تعادي عليا تاخدني
ثم عادت ترفع عيناها إليه ، ولكنها شعرت بالصدمه وهي تراه يجثو أمام مقعدها ويرفع ساقها برفق حتي يري اصابتها
سلبت فعلته أنفاسها ، وخفق قلبها وهي تراه هكذا ، اغمضت عينيها قليلاً متأوه وهي تشعر بحركه أنامله فوق قدمها
– كدمة بسيطة يا فريده متقلقيش
دلكها لها لدقيقة ..، جعلتها كالضائعه ..، لا تستوعب أن لمسه منه هكذا ستاخذها لعالم أخر
وقف “عامر” مكانه وهو يمسك الملف بين يديه غير مصدقاً تطور علاقتهما بتلك السرعة ، لمعت عيناه بالأرتياح ..، غادر الغرفة في صمت كما دلف وابتسامته تشق شفتيه ..، فاخيراً مال قلب شقيقه.
……………….
– مش عارفه أعمل إيه مع ماما يا جنه ، طيب ما أنتي أه البنت الوحيده لعمتي ومخلفوش غيرك ، رغم ذلك عمتي مش بتتكلم معاكي في موضوع الجواز وديما مخوفاكي من بكره
وتنهدت بانفاس مثقله من الخوف، تُخبر رفيقتها الوحدية وابنه عمتها بما يعتلي فؤادها
– أنا بقيت أخاف من بكره يا جنه
زفرت “جنه” أنفاسها وهي لا تعرف بما تُجيبها
– جنه أنتي نمتي وانا بكلمك
ابتسمت “جنه” علي مشاكسة “صفا” ، فحتي في احلك الأوقات صعوبه ..، تتمازح
– لا منمتش ، بس سرحة في طبق البيض اللي قدامي
اعتدلت “صفا” فوق فراشها ، تحك فروة رأسها حانقة
– بكلمك عن أوجاعي ، تقوليلي طبق البيض
واردفت بمقت قبل تنهي تلك المكالمة ، التي في العادة لا تجدي بنفع
– أنا مش عارفه ليه مستحملاكي في حياتي يا جنه
اخرجت “جنه” لسانها وكأن “صفا” بالفعل تري ردة فعلها متمتمه
– عشان بتحبيني
تعالت ضحكات “صفا” ، والتقطت الوساده تضعها فوق حجرها
– بنت عمتي الصيدلانية العظيمه ، بتهزر
انفرجت شفتي “جنه” في ضحكة صاخبة ، اعقبتها صراخ والدتها بها ..، اسرعت “جنه” في كتم ضحكتها هامسه
– عمتك بتحبيني أوي
– جنه ، أنا محتاجة حل
والحل لم يكن إلا أن تبحث عن وظيفها
– لازم تدوري علي شغل يا صفا ، مافيش حل غير كده صدقيني ..، لازم تخليهم يحسوا انك قوية ومستقله ومش لازم تتجوزي عشان تحمي نفسك من الدنيا ..
واعقبت حديثها بمزاح لا تجيده إلا معها
– الفلوس جميلة يا صفا ، بتجيب عربيه وحاجات كتير ..
همهمت “صفا” حالمة بالمستقبل والمال يُغرقها
– وفيلا بحمام سباحه ، وشاليه في الساحل
لم يشعروا بصفاقة أحلامهم ، عن مجرد وظيفة لم تأتي بعد ..، إلا عندما صدح صوت صراخ السيدة “فاطمه” تلك المرة.
………………
وقف “عامر” في بهو الشركة ، يُطالع بضعة أوراق قد أعطاه لها أحد الموظفين قبل خروجه من الشركة …، كانت عينين الموظف الواقف جواره ..، تدور هنا وهناك ..، وكل صدرت حركة ما ، كان الواقف يلتف بذعر ، رمقه “عامر” خلسة وهو لا يفهم سبب ذعره وتوتره ولكن فجأه خرج صوته رغما عنه
– مازن
التف “عامر” نحو الجهة التي تحرك إليها موظفه ، فوجدها ينحني نحو طفلاً صغيراً وجواره إحدي موظفات الاستقبال وعلي ما يبدو أن الطفل كان معها ، تعلقت عينين “عامر” بالمشهد وهو يري الصغير يطرق رأسه أمام والده ..، رغماً عنه كان يبتسم بل ومشاعر أخري اقتحمت فؤاده ..، مشاعر لم يسعي لتجربتها والسبب كانت والدته ..
تقدم منه الموظف بخطوات سريعة ، معتذراً
– أنا أسف يا فندم ، حقيقي أسف
واردف معللاً سبب وجود صغيره
– والدته تعبانه ، واهلنا بعيد عننا ..، فاضطريت اجيبه معايا النهارده
اخذ يعتذر بشده والعرق يتصبب فوق جبينه من شدة توتره ، ف “عامر السيوفي” معروف بشخصيته الصلبه ، الجامده
– مافيش مشكله يا أستاذ حسام
تمتم بها “عامر” ، ثم اغلق الملف واتجه نحو الصغير الذي ظل واقفاً منكس الرأس ،اقترب منه تحت نظرات السيد “حسام” المتعجبة ، وانحني صوبه قليلاً يمسح فوق خصلات شعره الناعمه..، اسرع “حسام” نحو رئيسه مجدداً وقد تفاجأ للمرة الثانية ..، أن هذا الرجل يحمل مشاعر وليس كما يظنوه
– ربنا يخليهولك
وانصرف بعدما قرص أحدي وجنتي الصغير بخفه .
……………..
تناولت بضعة لقيمات سريعه وهي واقفه وهتفت بعدما أرتشفت بضعة رشفات من كأس الشاي حتي تبتلع اللقمة التي حُشرت بحلقها
– ادعيلي يا ماما أتقبل في الشغل
وقفت “فاطمه” علي أعتاب الباب تدعو لأبنتها ، تتمني من الله أن يسعدها ويوفقها ..، هبطت لأسفل تصطبح بوجه والدها البشوش بعدما خرج من اسفل السيارة التي كان يُصلحها
– ربنا يفتحلك أبواب الرزق يا بنتي
اسرعت في الاقتراب منه ، تلثم خده ، فصرخ بها وهو يبعدها عنه ، خائفاً علي ثيابها من الشحم العالق به
– كده هتبهدلي لبسك النضيف يا بنتي
– فداك كل اللبس اللي بتدفع تمنه يا احلي واجمل اسطي حسن في الدنيا
ابتسم “حسن” وودّ لو عانق أبنته بقوه تلك اللحظه ، إنها نعمة وهبها الله لهم بعدما ظلوا بضعة سنوات ينتظرونها ، اخرج النقود من جيبه يعطيه لها متسائلا
– عايزه فلوس تاني يا بنتي
– اكتر من كده يا اسطي حسن ، ده أنا حتي ناوية ادلع نفسي واروح المقابلة بتاكسي
واسرعت في أقتناص قبلة أخري من خده الاخر هاتفه قبل أن تنصرف بمشاغبتها
– عشان الخد التاني ميزعلش
……………
شعرت بالرهبة وهي تتقدم لداخل الغرفة الواسعة ، لم تكن تظن إنها بحاجة للباقة عملية قوية ، أو تكون ذا صلة بمن يعملون بالمكان حتي يسهلوا لها الطريق ..، كما رأت من سبقتها تُعامل بأهتمام ..، مرة المقابلة ببضعة اسئلة وكان اهم سؤال طُرح عليها ..، لما لم تعمل منذ أن تخرجت ورغم إنها كان لديها مهارة بتعلم اللغات بجوار شهادتها ..إلا أن العبارة التي كانت تتوقعها اخبرتها بها الموظفة ، التي اعطت لهم ملئ استمارة
– أن من سيقبلون بهم ، سيحادثوهم
عادت لمنزلها بوجه حزين ، فطالعتها والدتها متسائله
– مالك يا صفا ، متقبلتيش في الشغل يا بنتي
القت حقيبتها جانباً وهوت فوق الأريكه تضع رأسها فوق فخذ والدتها
– قالولي هيكلموني ، بس متوقعش أني هتقبل
– متقوليش كده يا بنتي ، بكره يكلموكي وتقولي بطه قالت
وقد أتي الغد ، ولم يُحادثها أحداً ..، فنظرت نحو والدتها مازحه ، وهي تلتهم قطعة الدجاج
– مكلمونيش يعني يا ماما ، خسرتي يا بطه
طالعتها “فاطمه” حانقه ، والتقطت طبق طعامها من أمامها متمتمه
– ما انا قولتلك اتجوزي ، قال يعني الشباب لاقيه شغل عشان تلاقي يا بنت بطني
– ديما مزعلاني منك يا بطه
ومدّت يدها تلتقط الطبق الذي أخذته منها للتو مُعاقبة لها وهي تحرك حاجبيها تُشاكسها، ولكن كف والدتها كانت أسبق منها ..،حيث صفعتها فوق كفها بقوه ، فهتفت “صفا” متذمرة كالأطفال
– هاتي الطبق يا بطه
لم يتمالك “حسن” ضحكاته كالعاده من مناقرتهم التي لا تنتهي
– شوف دلعك فيها هو اللي مقوي البت ديه عليا ..
– بتهزر معاكي يا بطه
فاندفعت “صفا” نحو احضانها تقبلها وتشاكسها كعادتها
– بتزعلي مني يابطوط ، ده أنا حتي ناوية أجبلك الخضار بكره من السوق
…………..
شعرت بالصدمه وهي تقرء كل ما هو مدون أمامها ..، لا تُصدق أن “احمد السيوفي” كان متزوجاً بفتاه بالسر مثل تلك ، فتاة كانت بلا عائلة مشرفة ..، أب يحتسي الخمر ويتاجر في المخدرات ويتعاطاها ، وشقيق قد مات والشرطة تطارده
تركت الورق جانباً تمسح فوق خصلاتها المنسدلة فوق كتفيها تردد في صدمه مازالت تمتلكها
– مش معقول تكون كنت متجوز واحده زي ديه يا أحمد
…………..
طالعت الروايات المرتصه فوق سطح مكتبها بشوق ، ثم قضمت قطعة الخيار تلوكها داخل فمها متمتمه
– ركزي يا صفا ، أنتي دلوقتي بتدوري علي شغل عشان مستقبلك ..، نلاقي شغل الأول بعدين نرجع لعالم بتاعنا
اخذت تحث نفسها علي الصمود ، لانها أكثر دارية بحالها ..، فإذا عادت وانغمست في عالمها مع كلمات كاتبها المتيمه بها ..، ستظل هكذا حبيسة غرفتها وتنتظر ذلك الفارس الذي سيخرج لها من بين السطور..
عادت تُركز في شاشة الحاسوب ، تُحاول قراءة إعلانات الوظائف المعروضة ..، نظرت للورقة التي جمعت فيها الإعلانات ..، عازمه علي عدم اليأس حتي تجد وظيفها تعول بها حالها وتخفف عباءها ولعلها تجد فارس الأحلام كما أخبرتها والدتها و جنة ، حينا تجد تخرج من غرفتها
………….
نظرت لأاوراقها بعدما أخذها الموظف منها ومزقها لنصفين ، بعدما أصرت علي مقابلة موظف التوظيف ..، لقد رأت الأعلان منشور أمس ..، فكيف وجدوا الشخص المناسب بتلك السرعة ليتم تعينه ..، توقف الحديث علي طرفي شفتيها وهي تري الموظف يُغادر من أمامها ..، فاقت اخيراً من صدمتها ولكن الموظف أختفي من أمامها
سارت بخذلان خارج الشركة ، ولم يهتم احداً لأمرها ، فالكل يتحرك لأنهاء عمله او الثرثرة مع رفيقه او رفيقته بالعمل
طالعت الشركة قبل أن تهبط الدرجات القليلة ، ثم بصقت عليها غاضبه..، لم تنتبه علي خطواتها , فنزلقت قدمها وكادت أن تهبط تلك الدرجات علي وجهها ولكن لولا ارتطامها بذلك الشئ الصلب ما كانت نجت من السقوط
– أنتي كويسه يا انسه
ارتبكت “صفا” من وضعها بين ذراعيها ، فدفعته عنها بقوة واسرعت بخطواتها مبتعده بعدما تمالكت حالها ..، التف الواقف ببطء وقد اعتلت ملامحه الدهشة من تصرفها
اكمل “احمد “خطواته بعدما هندم بذلته المنمقة ..، فلم يأتي لشركة “محسن الصواف” إلا من أجل أجتماع جعله شقيقه ينوب عنه
…………
نظر اليها “عم محمود طويلا” بعدما طال شرودها وهي تتأمل بعض الكتب والمجلات حديثة الاصدار
عم محمود : مالك ياصفا يابنتي ، مش مبسوط ليه، شكلك كنتي في مكان وراجعه منه متضايقه
فتنهدت “صفا” عدة زفرات متتالية ، تحمل يأسها :
– مافيش شغل، مافيش شغل كله بالوسطه
عم محمود : كلها أرزاق يابنتي، اسعي تاني واكيد ربنا مش هيسيبك
وانحني صوبها قليلا يربت فوق ظهرها بحنان أبوي ، ثم التقط احدي المجلات القابعة علي تلك المنضده الخشبيه المتهالكه
عم محمود ، وهو يشير نحو المجلة ويعلم كم سيسعدها الأمر :
– فيها اخبار عن كاتبك المفضل (مراد زين )
فيتلاشي عبوس “صفا”، وتتهلل اساريرها بغبطة ، وهي تلتقط منه المجله التي تتحدث عن كاتبها المتيمه باعماله ..
طالعت بعض عباراته المصُرح بها عن اخر إصدار ورقي تم نشره وصور لبعض من الاشخاص الذين حصلوا علي توقيع منه بواسطة دار النشر التي لا يطبع إلا لها.
رمقها “العم محمود ” وهو يري سعادتها العجيبة علي من يراها، ولكن هو كان يعلم مدي عشقها لهذا الكاتب ثم تمتم ضاحكاً:
– الكاتب المجهول (مراد زين)
فاماءت “صفا” برأسها وتنهدت بحالمية وعادت تشرد في عالمها مع سطوره وتصريحاته – رجعتني للخيال ليه تاني ياعم محمود
هتفت بها وهي تسبل أهدابها ، فنفرجت شفتي العجوز بأبتسامة واسعة علي هيئتها :
– لو عايزه المجلة خليها معاكي ، عارفك بتحبيه قد ايه وبتحبي كل كلمه بيكتبها
فرفعت عيناها نحوه ، وقد نهضت عن المقعد الجالسة عليه متمتمه بحماس
– والله أنت راجل طيب يا عم محمود
والتقطت منه المجلة بطفولة تليق بها
– محدش هيونسني غيره ، بعد رحلة البحث عن عمل .. اه بدل ما اكتئب , اعيش مع الخيال شوية
ثم ودعته هاتفة : سلام ياراجل ياطيب
………………………………………………………
هناك شعور غامض كان يجثم فوق صدرها ، لا تعرف مهيتها ولا لما بدأت دقات قلبها تتسارع هكذا وأنفاسها تُسلب منها ..، ثقلت خطواتها ومهما قاومت ذلك الشعور ..، كان يعود ويقتحم قلبها ..، يُنبئها أن هناك ما ينتظرها.
سكنت مكانها وهي تري سيارات اسعاف وعربات شرطه تقف .. وغبار يحاوط مدخل حارتها والناس يركضون ويلطمون كفوفهم ببعضهم
اغمضت عينيها حتي تتضح لها الصورة ولكن الصورة كان واضحة وهي تستمع لحديث الناس ، ركضت صارخة غير مصدقة ما سمعته ..، ولكن ما رأته كان هو الحقيقة ..، اشتدَّ الصراخ حولها ولكنها لم تكن تعلم اهو صراخها أم صراخ من حولها ..
– لااا
وضاعت بعدها في عالمها المظلم ، عالم قد خلي من أغلي ما ملكته وها هي الحياة تعلمها أقسي الدروس
الفصل الرابع
**********
عندما يخبروك أن هناك شطراً أخر من حياتك ستعيشه ، صدقهم ..، لا يختار أحداً فصله الجديد من رحلة الحياة ..، ولكن هناك ما تخبأه لنا الحياة في دفاترها.
وقفت “صفا ” تمسح دموعها بعدما توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتبتلع تلك الغصة المريرة ، وبحرقة كانت تعلو شهقاتها بعد أن عادت دموعها مرة أخري تنساب فوق خديها بغزارة..
الألم ينهش روحها ، ونيران الفراق تحرق فؤداها
– ليه سبتوني ومشيتوا ، أنا مبقتش عايشة خلاص
خاطبتهم وكأنها تراهم أمامها ، ودموع أخري أخذت تُحرق خديها كم حرقت قلبها
– أنتوا حتي مودعتونيش
لم تتحمل الصمود في وقفتها ، فلم تشعر بساقيها وهم يرتخوا ، ثم هوت فوق الأرضية تستند بظهرها خلف الجدار ، وتضم جسدها بذراعيها وقد عادت تلك الرجفة تُصيبها ..
مر الوقت ، ولا تعلم كم مر منه وهي تجلس هكذا ..، وتتذكر والديها في بؤس لا تُصدق أنهم رحلوا وتركوها في منتصف الرحلة
تمالكت حالها أخيراً ، وهي تنظر أمامها..، فعليها النهوض لتنظف منزل عمتها وتطهو الطعام ..، رغم أن عمتها تغضب كثيراً منها لقيامها بأعمال المنزل .., عمتها الحنون التي لولا وجودها هي وعائلتها الصغيرة لكانت ودعت حياتها وراء والديها.
نهضت بصعوبة متجهة نحو دورة المياة الصغيرة ، تغرق وجهها قليلا بالمياة وتلتقط أنفاسها و تُحادث حالها
– مش هتقعدي عالة عليهم في البيت ، وكمان يخدموكي يا صفا
بدأت بطيّ أكمام جلبابها المنزلي ثم ربطته في عقدة بعدما رفعته نحو خصرها حتي تتمكن من مهمة التنظيف، و باحدي المقشات التي تصنع من قش الأرز ..، اخذت تزيل الاتربة من فوق الأرضيات ، فمنزل عمتها بسيط لا يشبه منازل المدينة
، انحنت بجسدها تحمل الأغطية الصوفية البسيطة كي تُنفضها ، ولكن اعادتهم مكانهم وهي تتذكر أن عليها البدء في الغداء فلم يعد يتبقي الكثير من الوقت ، من عودة زوج عمتها “العم صابر” وعمتها من المزرعة التي يعملون بها.
اسرعت بخطوات سريعة نحو المطبخ ، والذي اصبح جزءً من يومها بإرادتها ، بعد ـن كانت لا تهوي الدلوف إليه وترغمها والدتها علي ذلك ..، حاربت بشدة تلك الغصة التي عادت تسحق فؤادها , وسرعان ما اطبقت جفنيها بقوة ،تتغلب علي دموعها العالقة ، شرعت في الطهو ولم تكن أعباء المنزل إلا راحة لها ،
ورغم أن عمتها ستُعاتبها علي قيامها بكل شئ في المنزل إلا إنها تفعل كل ذلك برضي .
تذوقت طعم الحساء وابتسمت بسعاده ، ولكن سرعان ما تذكرت والدتها ، ولم يكن الحنين ليتركها للحظات , لعلا نيران الوجع ترحمها قليلاً
” يابنتي ياحببتي اتعلميلك اي طابخه تنفعك ”
وعادت الذكريات تتدافق على قلبها بمرارة ، فمهما حاولت إلهاء نفسها لا تستطيع وكل شئ يذكرها بهم ، مسحت دموعها التي أنسابت فوق خديها مجدداً الي ان تنهدت بانفاس مثقلة تجثم فوق روحها :
– شوفتي ياماما اه انا بقيت ست بيت شاطره ، وبقيت اتحمل المسئولية ومبقتش مدلعه …
وعادت للبكاء بحرقة وشهقات عالية
صفا : اصل هتدلع على مين غيركم من بعدكم
وعلقت عيناها بالسلسال الذي يلتف حول عنقها ، فمضته داخل كفها بشوق ثم فتحته ، تتأمل قلبه ومايحتويه على صورة والديها
فلم يتبقي لها من وجودهم سوى الذكريات وسلسال يحمل صورتهما
اقتربت منها جنة ببطء بعدما دلفت للمنزل وعادت من جامعتها، وفي لحظة خاطفة
باغتتها بدغدغة تُمازحها ، شهقت صفا بذعر ثم وضعت بيدها فوق قلبها تلتقط أنفاسها من أثر الخضة
صفا: خضتيني ياجنه.. حرام عليكي
جنه ضاحكه : الجميل سرحان في ايه ؟
فابتسمت صفا ببهوت وبنبرة مريرة هتفت، بعد أن اشاحت عينيها بعيداً :
– سرحانه في حياتي ياجنه
تلاشت ضحكة “جنه” بعدما شعرت بمرارة عبارتها ، واقتربت منها تضمها بحب لعلها تُخفف قليلاً عنها :
عارفه جبتلك معايا ايه وانا راجعه من الجامعه
طالعتها “صفا” في شرود ، فاسرعت جنه نحو حقيبتها التي اسقطتها أرضاً عند دلوفها للمنزل ، والتقطت الكتاب من داخل حقيبتها هاتفة بحماس :
– هو صحيح الكتاب ده مش لمراد زين ، بس انتي برضوه بتحبي تقري للكاتب ده ، بس عرفتلك خبر هيفرحك كاتبك الغالي هينشر كتاب جديد ليه قريب
فاهتز جسد صفا متذكره اخر ماكانت تحمله له ، وهي هائمة في عالمها .. وعالم الروايات
فتهتف بوجع : انا خلاص قررت مقراش تاني ياجنه
أقتربت منها “جنه” وقد علقت عيناها بها في أسي ، فقد أمات الحزن قلب ابنة خالها ، و ليتها تستطيع أن تُخفف عنها
– كنت الاول بعيش الخيال وانا مطمنة , إن الواقع محاوطني بالحياة السعيدة ، أب و أم أنا أغلي عندهم من روحهم ، وحضنهم الدافي بيطمني إني في أمان ، لكن دلوقتي مبقتش عايشة يا جنه ، روحي راحت معاهم خلاص ، قوليلي سبوني ليه لوحدي
واندفعت لاحضان أبنه خالها ، فضمتها جنه بقوة تبكي معها في مرارة
– ماتوا تحت التراب يا جنه ، كانوا نفسهم يفرحوا بيا عشان يتطمنوا عليا ، كأنهم كانوا حاسين
تعالت شهقاتهم ، ولم تتمالك جنه هي الأخري حالها ..، فلا حديث يستطيع أن يخرج من شفتيها
– مرت ست شهور ولسا الوجع جواكي يابنت خالي وبتظهري إنك كويسه ..،طيب اصرخي فينا ، اعمل أي حاجة يا صفا ..، ياريت الحزن كان بيتقاسم كنت أخدت منك جزء.
احتضنتها “صفا” بقوة ، فضمتها جنه بكل قوتها ..، تمسد فوق ظهرها وقد صمتت كلتاهما عن الحديث ، اتسعت عيناهم فجأة ، يُحاولوا أن يستوعبوا من أين تأتي تلك الرائحة ؟
: في حاجة بتتحرق
تسألت “جنه “وهي تعلم الجواب الواضح أمام عينيها
فهزت “صفا” لها رأسها بعدما التفت بجسدها نحو إناء الطعام الذي أحترق
جمدتهم الصدمة قليله ، وسرعان ما كانوا يتخلوا عن صدمتهم صارخين
– الحلة أتحرقت !
…………………………………………………………
تأملته وهو منكب علي حاسوبه الشخصي يُطلعها علي كل شئ يخص المشروع , المشترك بين شركتهم وشركة والدها وما قام بالتعديل عليه ، كانت شاردة فيما عرفته عن حياته وزيجته التي سعي “عامر” بشده لأخفاءها عن الجميع ، تسألت داخلها وهي تنظر إليه , ما كان يُميز تلك الفتاة ليُحبها رجلاً يتحكم به العقل ..، والحقيقة التي تغافل عنها عقلها ..، أن “احمد السيوفي” الذي يجلس امامها الأن ..، ليس ذلك الشخص الذي كان عليه قديماً
تنهدت بأنفاس مسموعه ، مما جعله يرفع عينيه عن حاسوبه وينظر إليها مستفهماً
– بيتهيألي أنك محتاجة فنجان قهوة يا فريدة
تحركت من وقفتها خلف مقعده ، وهي تومئ له برأسها
– فعلا محتاجاه جداً
وتمتمت معتذره حتي لا تفقد أحترامه لها الذي نالته بسبب أجتهادها
– أتمني متتغيرش نظرتك ليا وترجع تشوفني بنت متدلعه ، مبتفهمش حاجة في الشغل
تعالت ضحكته رغماً عنه ، فهو لا يُنكر أن “فريدة” فتاة لطيفة ..، وقد تمكنت من نيل تقديره ، فنقطتهم المشتركة هو العمل ولن يراها إلا في تلك الصورة ..، ابنة شريكهم ليس أكثر
– لو مكنتيش حصلتي علي تقديري ، مكناش كملنا شغل سوا يا فريده ..، لاني للأسف وارث نفس طباع العيله ..،مافيش تهاون في الشغل
أبتسمت ببهوت وهي تُطالعه ، فهي اصبحت علي دراية كبيرة ببعض صفاته
– عارفة يا بشمهندس ، فين القهوة بقي عشان أعرف أركز من تاني
ابتسم وهو ينهض عن مقعده ، واتجه نحو باب غرفته ينظر لسكرتيرته التي نهضت علي الفور من فوق مقعدها
– أتنين قهوة مظبوط يا داليا
عاد للغرفة ، فنظر لها وهي تتخلي عن سترتها وقد ظهر قميصها الملتصق بجسدها ,وأظهر تفاصيلها بسخاء ، تنحنح مطرقاً رأسه يعود لجديته متمتماً
– مقولتليش وجهت نظرك في التعديلات اللي تمت في الطريق الداخلي للكمبوند السكني
ابتسمت وهي تهوي بجسدها فوق المقعد ، بعدما رتبت خصلاتها
– أنا بستفاد من خبراتك وارائك يا بشمهندس ، ومدام أنت شايف إن التعديل هيخدم الكمبوند أكتر ، تمام
اعجبه ردها ، فتقدم نحوها يسألها مترقباً جوابها
– يعني مزعلتيش لما عدلت علي ارائك
اعطته الإجابة التي أرادها بحركة رأسها ، فوقف يرمقها للحظات ..، متعجبً منها ..، ثم اخذ يُقيمها بنظرات تفهمها ولكن رنين هاتفه جعله يُدرك حماقة نظراته ، اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه ، فارتبكت بشدة بعدما أعطاها ظهره ..، فيجب عليها الا تكون بلهاء لتلك الدرجة ..، فرجلاً مثله لا ينبغي أن تفرض نفسها عليه ..، وبحكمة كانت تُخاطب حالها
” كل حاجة بنوصل ليها بالعقل يا فريدة ”
فاقت من شرودها وقد انتبهت علي حديثه ، وعلي ما يبدو إنه يعتذر لأحداً وقد نسي موعده معه
– اسف يارامي بجد نسيت ميعادنا ، لو قريب من الشركة عدي عليا
ثم أردف بعدما أستمع للطرف الأخر
– تمام مستنيك
أنهي حديثه ونظر نحوها ، فنهضت عن مقعدها والتقطت سترتها متمتمه
– بيتهيألي إنك مبقتش محتاجني حالياً
وقبل أن يهتف بشئ كانت سكرتيرته تدلف بفنجاني القهوة
– أشربي قهوتك الأول ، رامي لسا قدامه نص ساعه علي ما يكون هنا ..
– ديما بتفهم في أصول الضيافة وخصوصاً معاملة الليدز الحلوين ..، يا بشمهندس
انتبهوا علي صوت “عامر”، الذي دلف الغرفة للتو..، فطالع “احمد” شقيقه متنهداً بضيق من عبارته الأخيرة ، تجاهله “عامر” مبتسماً وهو يقترب من “فريدة” يُصافحها ، متسائلاً علي حال والدها
– أخبار محسن بيه إيه
– تمام يا عامر بيه
وادرفت مازحه ، تُلطف من وجودها قليلا بينهم ..، تحت نظرات “احمد” الجامدة
– بيتهيألي كنتوا مع بعض أمبارح في النادي الرياضي
فابتسم “عامر” وهو يمسح فوق جسده
– فعلا، أنا ومحسن بيه محتاجين نرجع لشبابنا من تاني
بدالته “فريده” الضحك علي حديثه ، ولكن “احمد” لم يُعقب علي شئ من سخافة حديث شقيقه ..، فهو يعلم ما يسعي إليه عامر
– خلوني أنا كمان أطلب من داليا قهوتي ، واشربها معاكم ..، ونتناقش شوية في المشروع ولا وجودي مش مناسب حاليا
لم يتحمل “احمد” مراوغة شقيقه ..، ولكنه تمالك حاله متمتماً بحنق تحت نظرات”فريدة” العالقة بتلك الحرب الدائرة بينهم
– هطلب من داليا قهوتك ، بس معنديش وقت أكتر من نص ساعه وبعدها مضطر استأذن منكم
فابتسم “عامر” وهو يستمع لحديثه ، وسرعان ما قطب جبينه متذكراً وكأنه قد نسي الأمر
– اوه ، لا أنا اللي مضطر اسيبكم واشرب قهوتي في مكتبي ..، لأن عندي اجتماع مهم
وانصرف “عامر” والابتسامة تحتل ملامحه ، فعلي ما يبدو أن “فريده” لن تترك شقيقه إلا بعدما تسقطه في غرامها ..، وسيكون أكثر من مرحب بالأمر ..، فلم تخفي عنه تلك النظرات التي ترمق بها شقيقه الأصغر.
……………………………………………………..
جلست بينهم تتناول طعامها بمرارة أصبحت مذاق لكل شئ بحياتها ، فرمقتها عمتها “السيدة صافية ” بحزن علي حالها, وبنبرة حنونه تمتمت:
– تسلم ايدك ياصفا ياحببتي
فهتف زوج عمتها هو الأخر بصوت حنون
صابر : ربنا يبارك فيكي يابنتي
ابتسمت “صفا” اليهم وقد علقت الدموع بعينيها ولكنها تمالكت حالها أمامهم
– بقيتي شايله مسئولية البيت عننا ، وضمت نح صدرها وبحنان تتابع حديثها :
– متجيش علي نفسك عشانا ولا عشان تشيلي عن الزفته اللي عماله تاكل من الصبح ، ومعندهاش دم
اتسعت عينين “جنه” ذهولاً بعد عبارة والدتها ..،فرفعت وجهها عن طبقها تحدق بوالدتها ، تُشير نحو حالها :
– ليه كده يا صافية ياغاليه ، ده انا غلبانه وجعانه
فاجابتها صافية حانقة ، بعدما نظرت نحو “صفا” التي أخفضت عيناها عنهم ..، حتي لا ينتبهوا علي دموعها الحبيسة :
– ساعدي بنت خالك ، وحجتك كلها كام شهر وهنخلص منها ، لا في جامعه ولا في مذاكره ..
واردفت متوعده
– وهطلعه عليكي في شغل البيت
جنه : ايد علي ايد بتساعد يا ست الكل ، ولا أنتي إيه رأيك
ارادت أن تتمازح قليلاً ، حتي تُشاركهم “صفا” في حديثهم ..، ولكن “صفا” كانت منعزلة عنهم بلحظات كانت تعيشها من قبل
– انا وابوكي تعبنين في شغل المزرعه ، وكل ده عشان منخلكيش محتاجة لحاجه يابنت بطني
وفردت “صافية” كفيها ، حتي تريها كم اصبحت كفوفها خشنة من شدة التشقق ، فنظرت جنه إليها ، بعدما تمالكت غصتها ..، فاعمال المزرعة والفلاحة لم تعد تناسب والديها في عمرهم هذا ..، ولكنهم يتحملوا كل شئ من أجلها ..، فاسرعت في التقاط كفوفها تقبلهما هاتفه :
– ربنا يديكي الصحه يا ماما ، واتخرج واشتغل ومخلكيش انتي وبابا تحتاجوا لحد
كان “صابر” صامت لا يُشاركهم الحديث ، فعيناه كانت عالقة نحو تلك اليتيمة التي اخذت تقضم شفتيها وتقطب جفنيها بقوة حتي لا تنساب دموعها أمامهم ..، وتُفقدهم لحظات سعادتهم باحزانها ، وعندما رأي “صابر” تلك الدمعة التي فرت من جفنيها ..أسرع متمتماً , يُغير الحديث الذي طال بين زوجته وأبنته
صابر: انا عارف انك بتحبي القصب ياصفا يابنتي ، يلا تعالي نقعد قدام باب البيت .. نتسلي لحد اما جنه وعمتك يخلصوا خناق ويعملونا الشاي
انتبهت “صفا” علي حديثه ، فاسرعت في مسح دمعتها ، وقد فرت منها دون قصد ، ومن نظرته إليها علمت إنه قد رأي دموعها ..، نهضت عن الطاولة تتجاوز غصتها متمتمه: – قصب !
فابتسم “صابر” بشفقة ، وهو يراها كيف تُحاول أن تظهر سعادتهم إليهم ، أتجه نحو البساط القديم يلتقطه من مكانه، ثم تجه نحو باب الدار يبسطه أمامه ..، يُذكرها بطفولتها:
– من وانتي طفله صغيره بتحبي
فتعالا صوت جنه من خلفهم بعدما نهضت هي الأخري بحماس من جوار والدتها التي ذهبت لتصنع لهم الشاي
– انا جيت عشان اقشره ليها زي زمان ، ما اصل انا بحب ادلع صفا هانم
وبكلمات بسيطه كانت السعاده ترتسم فوق شفتي “صفا ، ورغم الألم الذي أصبح رفيقها إلا أنها تذكرت تلك الأيام من طفولتها ، وقد كانت تأتي لهنا مع والديها حتي يقضوا بضعة أيام من العطلة الصيفية.
…………………………………………………….
وقفت “السيدة حنان” ، تلك الخادمه التي عملت في هذا المنزل لسنوات ، تفرك كلتا يديها وتطرق رأسها خجلاً مما جاءت من أجله لتُخبر سيدها ، أنتظر “عامر” سماعها بعدما ترك العقود التي كان يُطالعها
حنان : عامر بيه ! ، انا مش عارفه اقول ايه لحضرتك
فتأكد “عامر” من وجود شئ ، فاشار إليها بمواصلة حديثها ..، وهو يخشي أن تكون والدته بها شئ ما
– أنا مضطرية اسيب الشغل ، عشان، عشان
تمتمت عبارتها بتعلثم ، ثم ابتلعت باقية حديثها في إستحياء
فرمقها “عامر” وقد ضجر من إنتظار سماع ما ترغبه ، فزفر أنفاسه متمتماً بجمود :
– عشان ايه ياحنان ؟
حنان : أنا هتجوز يا بيه ،وجوزي رافض اني اشتغل في البيوت حتي لو هكون مرافقة للهانم الكبيرة
واردفت بتوتر ، تُخبره إنها ستظل في عملها لمدة ما ..، حتي يتمكن إيجاد مرافقة غيرها
– فاضل لسا وقت علي جوازي يا بيه ، لكن حبيت أبلغك من دلوقتي
طالعها ينتظر معرفة تلك المدة التي ستظل بها معهم ، فاسرعت في إخباره
– قدامي شهرين يا بيه !
فتنهد “عامر” بعدما هتفت عبارتها أخيراً ، ونهض عن مقعده .. خلف مكتبه بوقار وهالة من الهيبة ..، جعلت الواقفة تتراجع للخلف.
لم يتقدم منها بل أتجه نحو شرفة مكتبه الضخمة ، يُطالع المساحة الواسعة الواضحة للأعين ، دس سيجارته بين شفتيه ثم نفث دخانها ببطء ، فعادت الواقفة تطرق رأسها ..، تنتظر أوامره ، وبعد لحظات من السكون خرج صوته وهو مازال علي وقفته دون أن يلتف إليها
عامر : تكلفة جوازك هتكون هديه مني لخدمتك الطيبة لأمي ، وده بعيد عن مكفأتك لنهاية الخدمه ياحنان
تهللت اسارير حنان غير مصدقة ما تسمعه من كرم سيدها ، ثم اسرعت في الهتاف بخجل
حنان : والله ياعامر بيه ، انا بحب الهانم الكبيره أوي ، ويعز عليا فراقها ، لكن على عيني والله اسيبها
وعادت تطرق برأسها مجدداً ، تتابع حديثها وقد التف عامر نحوها ..فرأي نظراتها الخجله المرتبكة
فاكملت حنان والسعاده تملئ ملامحها ، وهي تتذكر الرجل الذي ستترك عملها من اجله وتشاركه حياته :
– بس سعد راجل طيب ومناسب عمره ليا ، الامان بوجود راجل يخاف علي الواحده مننا ويحبها بالدنيا يابيه !
وبرغم إنه لا يستلطف تلك الكلمات ، إلا إنه ابتسم على حديثها بعدما رأي صدق المشاعر التي تتحدث بها خادمته البسيطه ، تغللت الكلمات داخل قلبه , الذي لا يؤمن بالحب وتضحيات النساء من أجله ، ولكن سرعان ما تلاشي كل شئ داخله ..متمتماً بعدما عاد لمقعده :
– مبرووك ياحنان !!
…………………………………………………………
أشتدّ هطول الامطار، وسقطت قطراتها بغزاره وصوت الرياح أخذ يتعالا حولها ، فاصابت قلبها تلك الرجفة ، فشدت من ضمها لجسدها أكثر ..، وقد جلست علي إحدى الحجارة الضخمه امام منزل عمتها
ارتجف جسدها بشده بعدما اصبح مبتلاً والمياه تتقطر من ثيابها ..، احاطت جسدها بذراعيها , لعلها تمنحه الأمن قبل الدفئ الذي غادره من شدة البرودة ..، انسابت دموعها بغزارة كحال هطول الأمطار التي تتدافق فوقها ..، ارادت الصراخ ولكنها لم تستطيع ، فكورت كفيها وقد أرتعشت شفتيها كحال جسدها
اتسعت عينين “جنه” فزعاً وقد وقفت علي أعتاب باب المنزل تنظر إليها في صدمه ..، ثم اسرعت إليها تسألها بذعر
– صفا ، صفا ايه اللي بتعمليه في نفسك ده بس
وجثت علي ركبتيها امامها وقد تشبع جسدها ايضا بماء المطر المتدفقة بقوة هذه الليله
– ليه سابوني ياجنه لوحدي ، ليه مامتش معاهم قوليلي ليه
هتفت بها وقد أخذ جسدها يرتعش ، طالعتها “جنه” تُشاركها ألمها , ثم ضمتها إليها بقوة لعلها تمنحها الدفئ
– اصرخي ياصفا طلعي اللي جواكي كله ، متمـ,ـوتيش نفسك بالبطئ
صفا : انا انكسرت ياجنه ، انا دوقت فعلا مرارة الدنيا وشوفت قلبتها في غمضت عين
ونهضت من فوق الحجر بعدما ازاحت ذراعين جنه عنها .. وسارت بضعة خطوات ثم رفعت ذراعيها عالياً ، وهي تُحدق في هطول الامطار التي ازداد انسيابها بغزارة ، وقد شاركها صوت الرعد بنوره القوي في صراخها
– ليه ، ليه مروحتش معاهم وسبوني لوحدي أموـ,ـت كل يوم
ارتخت ساقيها بعدما لم تعد تشعر بهما ، فسقطت علي ركبتيها وهي واضعه بيدها فوق صدرها من شدة حرقتها، متمتمه بأيمان قد قذف في قلبها
– اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به
وظلت تردد الدعاء حتي وجدت جنه تضمها اليها مجدداً ، ثم ساعدتها علي الوقوف والدلوف نحو المنزل.
………………………………………………………..
أرخي جسده بعدما جلس فوق المقعد ، في ذلك المطعم الذي يُفضله هو وصديقه ..، وضع مفاتيحه الخاصة علي الطاوله ، وبدء يفرك يديه الباردتين, لعله يمنح جسده الدفئ لو قليلاً
احمد: الجو النهارده صعب اوي
واسرع في التقاط مشروبه الساخن بعدما وضعه النادل مُجيبًا طلبه في سرعة ، ارتشف بضعة رشفات من مشروبه متمتماً:
– امممم ، كنت محتاجه فعلا
فابتسم رامي علي حال صديقه ، وقد اخذ يرتشف هو الاخر مشروبه :
– كان لازم ننزل في الجو ده عشان نتقابل
– كنت محتاج اقابلك يا رامي
فمال “رامي” بجسده فوق الطاولة ، بعدما شعر بخطب ما بصديقه
– عامر نيته واضحه اوي ، في موضوع فريدة
وصمت عن حديثه ، واخذ يُدلك عنقه في إرهاق
– المشكلة إني بقيت اشوف فريدة بنت مناسبه ليا ..، أنا بدأت أخون مها في افكاري يا رامي
وبحزن لم يخمد في قلبه هتف عبارته
– وفيها إيه يا احمد لما تحب وتفكر تلاقي شريكة حياتك
وبجنون كان يصرخ ، بعدما فقد سيطرته علي حاله
– احب واتجوز ، وأنا كنت السبب في مـ,ـوت مها
الفصل الخامس
******
تنهد بأرهاق بعدما فرك عينيه ثم أخذ يُدلك عنقه ، أرتخي بجسده قليلاً حتي يمنحه الأسترخاء ويعود لعالمه بين السطور ..، التقط قلمه مجدداً وعاد يُكمل كتابة سطوره التي تحكي عن الاحلام الضائعة ، وحكايات الحب التي تنتهي بعدما نذوق من كاسته جرعات العشق , ومن ثم تصيبنا الخيبة ..، ولكن اليوم الكلمات تخونه وكأنها تحالفت مع قلبه ..، فلم يستطيع تكملة سطوره ..، اخذ يزفر أنفاسه بزفرات متتالية ..، طالباً الراحه من عقله ، وها هي الذكريات تخترق حصونه والسنين تعود به لأيام مضت وانتهي هو معها
فلاش بك
وقفت السيارة امام البوابة الضخمه لمزرعة عائلة السيوفي ، ركض الحارس يفتح الباب مرحباً بسيده، ثم رمق تلك التي تُجاوره وقد أصبح يعلم بهويتها وملازمتها لسيده الصغير كلما أتي لهنا ، وقد أعتاد علي وجودها مع سيده الصغيرمنذ عام
– نورت يا احمد بيه
دلف “احمد” بسيارته نحو الداخل ، والجالسة جواره تفرك يديها في توتر ..، كحال كل مرة تأتي فيها إلي هنا ..، توقف بالسيارة أمام المنزل يُطالعها بابتسامه سعيدة
– مالك يا حببتي
طالعته “مها” بقلق ، تنظر حولها في المكان
– بحس أننا بنسرق يا احمد ، هنفضل كده لحد أمتي ؟
تنهد أسفاً علي ما يجعلها تعيشه ، ولكن والده وشقيقه يرفضون تلك الزيجة ، وهو لم يريد إلا وضعهم أمام الأمر الواقع
– أنتي عارفه يا حببتي لولا الأزمة القلبية ..، كان زماني بلغته بجوازنا
اطرقت عينيها في حزن ، فهي تُدرك تماماً إنها ليست من عائلة مشرفة ..، اسرع في التقاط كفها بعدما شعر بحزنها الذي ارتسم فوق ملامحها ..، ثم رفعه نحو شفتيه يلثمه في عشق
– اوعدك أول ما حالته تتحسن ، مش هستني لحظه واحده يا حببتي
واجتذبها إليه ، يضمه نحو صدره في عشق أخترق حصونه منذ أن رائها , مثل الفراشة حرة طليقة في نادي الفروسية عندما كانت تشجع شقيق صديقتها وقد داعتها لحضور أحد السباقات
تنحنح الحارس عندما اقترب من السياره ، حتي يسأل سيده عما يُريده منه قبل أن يعود لغفوته ..، ابتعدت عن أحضانه وقد اشاحت عينيها بعيداً عن نظرات الحارس
ترجلوا من السيارة وسبقته نحو الداخل وقد عاد الخوف يدب في أوصالها ..، هي تعلم إنها زوجته بعقد رسمي وقد زوجها له والدها بعد أخذ المال الذي يُريده منه ، حتي يوافق علي تلك الزيجة وبالشروط التي يضعها “احمد” ولم يكن الشرط إلا أن يكون الزواج في السر حتي يُصرح هو بالأمر لعائلته
– كل حاجة زي ما طلبت مني يا أحمد بيه ، خليت أم حسن تنضف البيت
هتف الحارس بما فعله لأجل سيده ، فدّس “احمد” يده داخل جزدانه يخرج له المال ..، تهللت أسارير الرجل وهو يري الورقيات التي تدل علي مبلغ ضخم ..، شكره منصرفًا وهو يشير بيده نحو عينيه ..، يخبره بأن كل شئ سيكون تحت حراسته ..، وإذا حدث أمر طارئ وجاء السيد “عامر” للمزرعة سيخبره علي الفور
اسرع ” احمد” في الدلوف للمنزل بتوق شديد ، واقترب منها يطوق خصرها بذراعيه ويجتذبها نحو صدره مُقبلاً عنقها بقبلات مترفقة
– وحشتيني أوي يا مها ، مبقتش قادر ابعد عنك ولا انام من غيرك
أستمع لصوت تنهيداتها ، فلفها إليه ينظر لعينيها
– صدقيني الوضع ده مش هيستمر كتير
– بزعل علي نفسي اوي يا احمد ، وأنا بشوفك وسط الكل والنظرات بتحاوطك وأنا مش قادرة أقرب منك ..، كل حاجة لازم نعملها بحساب
واردفت متحسرة علي حالها وابتعدت عنه
– عشان محدش يوصل أخبارنا لوالدك
– ده وضع مؤقت يا مها صدقيني
هتف عبارته بضيق من ضعفه أمام والده وشقيقه ..، ولكنه لا يُريد خسارة والده ويعيش عمره كله متحسراً عليه لو كان سببً في فقده
وعندما رأت قلة الحيلة التي احتلت عينيه ، وابتعاده عنه ..، تقدمت منه تسأله
– تحب أحضرلك العشا
عاد يلتف إليها ، وقد عادت السعاده لعينيه وهو يومئ لها برأسه متحمساً
– ياريت أنا جعان جدا
وجذبها إليه يلتقط قبلة خاطفة من شفتيها ، غامزاً لها بشقاوة لا تكون إلا معها
– وجعان لحاجات كتير تانيه
خجلت من تصريحه الذي فهمته ، فاسرعت نحو المطبخ الذي تعرف مكان وجوده تماماً
اتبعها حتي يُعاونه في تحضير وجبة سريعة ..، اعدوها سوياً في حماس وضحكات ومداعبات “احمد” إليها مع تذمرها وخجلها الذي يزيده توقً لها
تناولوا وجبتهم ، فمسحت شفتيها تنظر إليه
– اعملك قهوتك
ولكنه كان يريد مذاق شئ أخر ، ولم يعد يستطيع الانتظار ..، حملها بين ذراعيه يصعد الدرجات نحو الغرفة التي شهدت علي أول لقاء لهم أمتلكها فيه هامساً
– بحبك
عانقت عانقه ، دافنه وجهها في عنقه وصوتها الهامس يخترق أذنيه
– بحبك
…
– أنت لسا سهران يا احمد
هتف “عامر” بعدما دلف غرفة شقيقه ..، بعد أن رأي إضاءتها ..، طالعه “احمد” في شرود قبل أن ينهض عن مقعده ويفيق علي حاله
– سهران شويه يا عامر
رمقه “عامر” في شك ، فشقيقه لا يكون بتلك الحاله ..، إلا إذا تذكر الماضي ..، يشفق عليه ويشعر بالندم لأنه وقف في طريق سعادته مع والده ..، ولكن ما حدث قد حدث في الماضي ولم يعد هناك وقت للندم
اقترب “عامر” من مكتبه ..، يلتقط الأوراق التي يدون بها عمله الجديد متسائلاً
– هتنشر عمل جديد ليك
اماء “احمد” برأسه واتجه نحوخ، يلتقط منه الأوراق متمتماً
– بدل ما تبدء تقرا واسمع منك انتقدات كتيره
صدحت ضحكة “عامر” عالياً ، رابتً فوق كتفه
– ما أنت عارف يا أحمد ..، أنا راجل عملي بحت ..، لا بفهم في الكتب ولا الحب
واتجه نحو باب الغرفة هاتفاً
– تصبح علي الخير
– عامر ، ياريت تروح تطمن علي ماما ..، بدل ما أنت بتعرف أخبارها من الخدم ..، او تروح أوضتها نص الليل ..أنسي يا عامر
توقف “عامر” مكانه ، بعدما قبض فوق مقبض الباب ..، وقد ارتسم الجمود فوق ملامحه ..، التف ببطئ نحو شقيقه ثم انصرف مغادراً غرفته
………………….
فتحت “صفا” ذلك الكتاب الذي جلبته إليها “جنه” ، بدأت في قراءة أول سطورها ..، ثم توقفت بعدما شعرت بشئ يجثم فوق روحها ..، اغلقت الكتاب وقد اغمضت عينيها ..، فلم تعد تهوي شئ بالحياة ..، حتي أكثر الأشياء قربًا لقلبها
وضعت الكتاب جانباً ، فما الذي ستحتاجه من الكتب وقد اصبح فؤادها خالي لا يري الحياة إلا صفحة باهتة اللون ..، تسطحت جوار “جنه” الغافية في أحلامها السعيدة ..، ثم احكمت وضع الغطاء فوقهم تنظر نحو سقف الغرفة لعلها تغفو دون التفكير في شئ ..، ولكن النوم كالعادة ابي أن يُصاحب جفنيها هذه الليلة ، اخذت تتمايل فوق الفراش تُحاول أن تعيش داخل الذكريات السعيدة ولكن الذكريات ما كانت إلا لتصيبها بالحزن ..، تنهدت بضجر ونهضت من فوق الفراش تُطالع “جنه ” التي شعرت بها ونهضت تفرك عينيها متسائله
– مالك يا جنه فيكي حاجة
حاولت الاعتدال لرؤيتها بوضوح ، ولكن “صفا” اسرعت في النهوض متمتماً حتي لا تُقلقها
– متقلقيش يا جنه ، انا بس مش جايلي نوم ..، هروح المطبخ أشرب وراجعه
اعتدلت “جنه” في رقدتها محذره لها باصبعها
– اوعي تخرج بره البيت ، الدنيا برد
فابتسمت “صفا” ،بعدما التقطت شالها الصوفي الذي صنعته لها عمتها:
– هروح اشرب ياجنه ، متقلقيش
………………………………………….
يعني هتشتغل شغل اضافي ياصابر
فتنهد صابر بتعب، وهو ينظر نحوها: اعمل ايه يا ام جنه الحياه بقيت غاليه ، والحمل زاد ، مش عايزين نقصر مع بنت اخوكي في حاجه ..
انتاب “صافيه” الحزن علي حال زوجها ، فمن يُصدق أن “صابر” ذو الأصول العريقة من أهل الصعيد ..، يعيش حياة كهذه
– سامحني يا اخويا أنا السبب في عيشتك ديه
طالعها “صابر” بلهفة ، بعدما رأي الحزن أرتسم فوق ملامحها ..، يجذبها إليه
– لو رجع بيا الزمن تاني ، هتجوزك برضوه يا صافية ..، وهسيب كل حاجه عشانك
انسابت دموع “صافية” علي حب رجلاً مثله ، كان نصيبها من الدنيا
– ربنا يجعل يومي قبل يومك
– اوعي تقولي كده يا صافيه ، ده أنا اللي ربنا يجعل يومي قبل يومك
هتف عبارته وهو لا يتخيل أن يعيش لحظه من دونها ، التقطت كفيه وضمتهما بين كفيها
– هنفضل مع بعض علي المره قبل الحلوه
ابتسم وهو يتذكر تلك العبارة ، التي أخبرها بها ، بعد أن ترك عائلتها وعاد إليها حتي يتزوجها من شقيقها “حسن ”
– ياا يا صافيه ، لسا فاكره كل كلمه
وبعشق حفر جذوره في قلبها ، منذ أن كانت أبنة السابع عشرة هتفت وقد تعلقت عيناها بعينيه
– عمري ما نسيت أي كلمه يا صابر
غمرها بين ذراعيه ..، حتي عاد الدفئ إليها ونسيت تلك الهموم التي ثقلت عليهم
– حسن وحشني أوي يا صابر
التمعت عيناه بالحزن كحالها علي صديقً كان ونعم الأخ في حياته
– حد يصدق ان ده يحصل
عاد قلبها يؤلمها علي حال ابنة شقيقها ، التي انعدمت الحياة في عينيها واصبحت بلا روح بينهم :
– ربنا يقدرنا علي شيلتها يا صابر ، لحد ما نجوزها لابن الحلال اللي يصونها ونطمن عليها ..، ديه أمانة حسن لينا
فتنهد صابر وهو يتذكر “حسن وفاطمه” بقلب حزين:
– ما انا شايل هم اليوم ده .. مش عارف لو حد اتقدملها هقوله ايه واجهزها ازاي
واردف بعدما تذكر أمنيتهما
– حسن وفاطمه مش هيرتاحوا في تربتهم غير لما يشوفوها سعيده في حياتها ومع راجل يصونها ، عشان كده يا ام جنه اي حاجه تجبيها لجنه تجيبي زيها لصفا في الجهاز واه نجهزهم من الشغل الاضافي اللي هشتغله في المزرعه
– أنت برضوه مصمم عليه يا صابر ، أنا خايفه علي صحتك يا اخويا
– ربك بيعين يا صافية
ابتسمت بحب علي رضي زوجها وكلماته الطيبه ، فهتف بعدما تذكر شيئاً لما يُخبرها به ، وقد اعتاد علي أخبارها بكل شئ ..
– نسيت اقولك مش حنان بنت شلبي هتتجوز وهتسيب الخدمه في قصر السيوفي في مصر وهترجع البلد ، والبيه الكبير أكيد هيعوز واحده بدالها للهانم الكبيرة
تهللت اسارير “صافيه” ، بعدما استمعت إليه ، فهل أتي الفرج إليهم بهذه السرعة ..، وسرعان ما هتفت بسعادة بعد أن خطرت ببالها فكرة لتحسين وضعهم ، لما لا تكون هي البديلة عن حنان ، فعملها في منزل السيد الكبير بالقاهرة ما هي إلا فرصة إليهم لتحسين دخلهم :
– ايه رأيك اروح انا يا صابر بدل الشغل في المزرعه ، ديه حنان كانت بتقولي انها بس مرفقه للست هانم ..، وبتاخد فلوس حلوه
احتقنت ملامح “صابر” وهو يستمع لاقتراحها ، وقد طعنة عباراتها رجولته ولولا حاجتهم لزيادة مصدر دخلهم بعدما التحقت أبنتهم بكلية الصيدلة منذ أربعة أعوام ، وقد ثقلت عليهم متطلبات الحياة ..، ما كان وافق مرغماً أن تعمل معه في المزرعة التي يعمل بها
– لولا الحاجه وقلة الحيله عمري ما كنت هنتك وخليتك تشتغلي ، واقفلي علي الموضوع ده يا صافية
فاسرعت “صافية” في أمتصاص حنقه بعدما أغضبته كلماتها, تهتف بندم ، تُبرر له سبب تفكيرها بالأمر دون قصد منها
– خلاص يا صابر متزعلش مني، انا بس قولت الفلوس هناك اكتر واه نعرف نجهز صفا وجنه جهاز كويس ..، اهم حاجة متزعلش مني يا اخويا وتسامحني
تنهد “صابر” مرهقاً ، بعدما أرهقه الحديث :
– طيب نامي يا صافية عشان اشغالنا بكره
نهضت “صافية” عن الفراش واتجهت نحو إضاءة الغرفة ، تُطفئ نورها ،
ارتعشت يدين صفا وقد أنسابت دموعها فقد اصبحت عبأ ثقيلاً علي أسرة عمتها وزادتهم هماً فوق همهم وهي أكثر الناس علماً بحالهم
صفا : انا لازم ادور علي شغل ، حتي لو هضطر أخدم في بيت البيه اللي كانوا بيتكلموا عنه
…………………
– شغل إيه اللي خرجتي تدوري عليهم يا صفا ؟
تسألت عمتها بعدما عادت في الظهيرة من المزرعة التي تعمل مُرهقة ، فلم تجدها بالمنزل ..، وعندما همت بالخروج للبحث عنها وجدتها قادمة نحوها
– ارجوكي يا حببتي ، خليني اشتغل
اقتربت “صافيه” منها وقد ارتسم فوق ملامحها الحزن وقلة الحيله
– انتي نفسك في حاجة يا بنتي ، قوليلي أجبهالك .، صدقيني مش هتأخر عليكي
وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقها
– عايزه حسن يزعل مني يا صفا
اسرعت “صفا” نحوها وضمتها إليها ..، تُشاركها في بكائها
– أنا محتاجة أخرج من البيت يا عمتي ، يمكن أنسي شويه ..، انا مش عايزه اشتغل عشان الفلوس ..، انتوا مش مخليني محتاجه حاجة
هكذا صنعت كذبتها ، حتي لا تشعر عمتها بقلة الحيلة وفقرها ، ولكن يجب عليها العمل حتي تصرف علي حالها فلن تظل عالقة برقبتهم طيلة العمر
– لا يا صفا ، ده أنتي مهندسة يا بنتي ..، عايزه أزاي تقفي في محل هدوم
– الشغل مش عيب يا عمتي ، وانتي عارفه حال البلد هنا ..، شغلها علي قدها ..، ولازم تروحي المدينة وبرضوه مافيش شغل ..
واردفت متحسرة علي السنوات الماضيه بعد تخرجها مباشرة من الجامعه ..، وكان عليها البحث عن وظيفه مهما كانت صعوبتها ..، ولكن تركت حالها لحياة الدلال جانب والديها ..، فما هذا الذي يُجبرها علي أن تتحمل اعباء العمل وصفاقة أصحابه ولكن اليوم علمت أن الظروف تُجبرنا من اجل لقمة العيش
– متحوليش تقنعيني يا صفا ، عمك صابر عمره ما هيرضي يا بنتي
“والسيد صابر” لم يكن حديثه مختلفاً عن عمتها ، ولكن مع إصرارها وإلحاحها أخبرها أنه سيرها لها عملاً في المزرعة يليق بمكانتها ..، كمشرفة للعمال أو في الحسابات
ابتسمت وهي تستمع لأقتراحه ، فأي شئ هي راضيه به ..، حتي لو ذهبت لمنزل ذلك السيد وعملت به كما سمعت من حديث عمتها وزوجها ليلة أمس.
دلفت الغرفة التي تقيم بها مع “جنه” التي لم تعد إلي الأن من محاضراتها ..
انسحب “صابر” نحو غرفته تتبعه “صافيه” وقد طالعها بنظرة قد فهمتها
– لا مش معقول تكون سمعتنا ليلة أمبارح يا صابر
– البنت مصممه علي الشغل يا صافيه ، ديه بقالها شهور معانا ..، اشمعنا النهارده خرجت تدور علي شغل
اتجهت “صافية” فوق الفراش المتهالك بعض الشئ ، وقد أتي عليه الزمن ..، تخفض رأسها وقد اصاب الهم قلبها
– هنبهدل بنت حسن يا صابر..، اخويا مش هيرتاح في تربته
جوارها “صابر” رابتًا فوق كتفها
– خليها تجرب يا صافيه ، يمكن خروجها ينسيها شويه ..، واحنا مش هنعيش ليهم طول العمر ..
اقتنعت بحديثه بعض الشئ ، وتسألت
– وتفتكر فتحي هيوافق يشوفلها شغل ، ما أنت عارفه مطلع عنينا في الأرض
– هحاول معاه يا صافيه..، صفا معاها شهادة ماشاء الله عليها ..، وانا سمعت منه بيدور علي حد يمسك الحسابات
واردف بعدما مسح فوق جبينه
– بس أنتي اعمليلي كام فطيرة حلوين ، وادبحي دكرين بط ..، ما أنتي عارفه فتحي
…………………………………………………………
وقف داخل غرفتها وهو يعرف إنها مستيقظة ..، توقف في سكون ينظر إليها ولكن هي كانت تشعر بها من رائحته التي عبأت رئتيها ..، إنها تشتاق له ، تشتاق لأول فرحتها .., لاول من سمعت اسمها من شفتيه ..، ابنها البكر الذي يشبه والده في كل شئ حتي في قسوته ..، تعلم بخطأها ولكان الزمن قد عاقبها فلم لا يرحمها ويغفر لها ذلتها
التمعت الدموع في عينيها ، وابتسمت وهي تهتف باسمه :
ناهد : انت هنا ياعامر صح ، انا شامه ريحتك ياحبيبي وبحس بوجودك
ابتلع “عامر” تلك الغصه المريرة بحلقه فهو لا يعرف لما قلبه قاسي هكذا عليها ولا يُسامح ، طالعها في صمت ..، يتأمل تفاصيل وجهها وقد اخذ الزمن الكثير من جمالها واصبحت ذابلة
حاولت النهوض من فوق الفراش حتي تقترب منه وتتلمسه بيديها ، ولكن ساقيها قد خذلتها ..، اسرع نحوها يمسك ذراعيها متسائلاً بقلق
– أنتي كويسه
ابتسمت وقد لمعت عيناها من السعادة رغم انطفاء نورهما
– أنا كويسه يا بني
رفعت كفها تلمس خده ، ولكنه كالعادة كان يحرمها مما تتمناه ، خفق قلبه بشوق ورغبة مُلحة تُخبره أن ينفض قسوته ويرتمي بحضنها ..، ولكنه لم ينسي يوماً رحيله وتخليها عنهم دون رحمه بحالهم
تمتم بحديث لم يأتي من اجله ، ولكنه كان الحل الأمثل ليتخلص من شعوره
– حنان بعد شهرين هتمشي ..، حبيت ابلغك ..، في اي شروط عايزاها في المرافقه الجديده
عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها ، تُحرك رأسها إليه نافية ..، استمعت لخطواته وهي يغادر ، فحاولت النهوض مجدداً واتجهت نحوه بعدما التقطت عكازها الذي يرافقها
– بقيت جافي عليا اووي ياعامر ، هتفضل لحد امتي تحملني الذنب
فاغمض عيناه وقد عاد الماضي ينهش قلبه وتدافقت الذكريات المريرة عليها وما عاشاه بعد هجرها لهم
– الدنيا مش بتعلم بالساهل يا بني ، وانا لازم كنت أتعلم واتعلم اووي كمان ، بس صدقني انا ماليش ذنب..، ربنا بيسامح له مش قادر تسامحني
لم يتحمل سماع حديثها ، فصرخ وقد تملكه القهر ..، فقد تخلت عنه هو وشقيقه من أجل حبها لرجلاً أخر ، تخلت عن أطفالها من أجل رغباتها
– يوم ما أحتاجك جانبه ، اتخليتي عنه .. اترجاكي تفضلي معاه في محنته .. بس للأسف اول كلمه قولتيهاله طلقني انا مش هقدر استحمل الفقر معاك , وفضيحة أفلاسك
سنتين ألم وعذاب قضاهم علي ذكراكي وهو بيحاول يقف علي رجليه ، بيحاول يحبنا رغم أنه بيشوفك في عنينا ، خايف لواحد فينا يطلع شبهك
سقطت دموعها ، فاقترب منها وقد ايقظت حقده
– ناهد هانم طبعا تسكت لحد كده ، مينفعش ..، رفعتي عليه قضيه نفقة عشان تخدي كل حقوقك وانتي عارفه ان الديون بقيت كتير ، وانه خسر كل فلوسه في صفقه طلع في الاخر عشيقك وصاحب عمره هو السبب في خسرته
صدحت ضحكته ، وقد تغللت المرارة في صوته
– اتجوزتي صاحبه ، كنتوا متفقين تخسروه كل فلوسه ..
احتل الغضب كيانه وخرج صوته المعذب يخترق قلبها الذي كان يوماً لا يملئه حب النفس
– عيشتي حياتك معاه ، ونسيتي ولادك عشان الحب
الحب العظيم اللي كنا بنتفرج عليه أنا واحمد في صوركم في المجلات