القطة المدللة ٢

الفصل العشرون
***********************

كانت ترتعش فى فراشها , فضمتها المربية إليها بحنان وهى تقول:
– متخافيش يا بنتى ان شاء الله ربنا هينجيه
ردت من بين دموعها :
– انتى مسمعتيش يا دادة منصور المحامى قال اية , دة قال انه ممسوك فى قضية إتجار مخدرات
لتمسح المربية على شعرها , وهى تقول :
– ادعى ربنا ينجيه يا بنتى , ربنا عالم انه مظلوم ومستحيل يضره أبداً
***********************************
كان يقرع كأسه المملوء بالخمر مع تلك الفاتنة التى تجلس بجانبه ليتجرعه بعدها دفعة واحدة وقد تعالت ضحكاتها الخليعة , فتتعالى ضحكاته هو الأخر ويميل رأسه تجاهها ليهمس بأذنها , فيتركا بعدها هذا الملهى الليلى متوجهين إلى سيارته بخطوات مترنحة قليلاً , وقادها متجه إلى منزله فهذه ليلة مميزة بالنسبة له , فقد تخلص أخيراً من غريمه , وقد فُتح الباب أمامه ولم يبقى سوى أن يخطو بخطوات واسعة تجاه معشوقته ومن حفرت إسمها داخل صدره
لحظات من المجون والغفلة قضاها فى أحضان تلك المرأة التى لم يكن يراها هى , بل يراها بوسى , ضحكة بوسى , نظرة بوسى , لمسة بوسى , بئر بوسى الذى غرق به
**************************************
كانت قد تحسنت حالتها كثيراً وعادت إلى المنزل مرة أخرى , لتطوى تلك الصفحة من ذكرياتها الأليمة , وتنسى ما بها من أحزان
نست كل ما كانت عليه وقررت فتح صفحة جديدة نقية بلا حقد وضغائن , ولا فسق أوإستهتار
نست كل من كانوا بصفحتها السابقة , كل من أذوها حتى والداها قررت أن تنساهم وتخرجهم من نطاق حياتها بعد أن هاتفتهم أثناء مرضها , ولم يعيروا أى إهتمام ولا حتى جاءوا لإطمئنان عليها وتحججوا بإنشغالهم فى أعمالهم , وإكتفوا بالإطمئنان عليها عبر المحادثات الهاتفية
رن هاتفها فردت بوجه باسم قائلة :
– ازيك يا عمو وحشتنى
ليأتيها صوته من الطرف الأخر :
– الحمد لله يا شيرى يا بنتى , انتى عاملة اية دلوقتى ؟
– الحمد لله , احسن كتير
– عال اوى , خدى بقى نهلة مراتى عايزة تكلمك
لترد نهلة بسعادة :
– حمد الله على سلامتك يا حبيبتى
لتقول شيرى :
– الله يسلمك يا طنط
– مش ناوية تيجى تزورينى بقى , نفسى اشوفك اوى , من كتر كلام صلاح عنك حبيتك اوى
– وانا كمان نفسى اشوفك اوى
– خلاص هستناكى
– قريب اوى هجيلك
وأنهت محادثتها الهاتفية وهى فى غاية السعادة لتلك المشاعر الجياشة التى تغمرها , والتى كانت تفتقدها كثيراً

ليرن هاتفها مرة أخرى , فترد قائلة :
– الو
– ازيك ياشيرى عاملة اية ؟
– الحمد لله كويسة يا تامر
– كويس انى اطمت عليكى
– متشكرة اوى يا تامر ليك , انا عارفة انك تعبت معايا الفترة اللى فاتت
– يا بنتى بس انتى بتقولى اية , خلى بالك من نفسك , ولو احتجتى اى حاجة كلمينى
– اوكى تمام يا تامر
أغلقت الهاتف وهى تشعر بالراحة بعد أن إقتنع تامر بحديثها المسبق معه , بأن يتركا بوسى تعيش بحضن من أحبت , دون أن يحاولوا التفريق بينهم
إستندت بظهرها على الأريكة بأريحية تخرج من داخلها وتغمرها براحة بال لم تعهدها , فى ظل الرضا التى باتت تشعر به , وتلك الإبتسامة الخلابة التى إرتسمت على ثغرها لتنير وجهها كأنها تخرج من داخلها
**********************************
حيرة وتخبط هو كل ما يشعر به , لا يعلم متى سوف ينتهى هذا الكابوس ؟ وأين المفر منه ؟
أفزعه صوت ذلك الشرطى وهو يصيح بصوته الجهورى بعد أن تعلقت به أنظار الجميع :
– المتهم حسام مجدى نور الدين
فنظر له حسام بترقب , يحثه على الإسترسال , فتابع قائلاً :
– قوم معايا على مكتب حضرة الظابط
ليستقيم ويذهب بصحبته إلى تلك الغرفة التى يجلس بها الضابط خلف مكتبه , وأمامه يجلس منصور المحامى , قيقول حسام بلهفة موجهاً حديثه إلى منصور :
– منصور انا مش عارف اية اللى حصل ؟
ليقول الضابط وهو يهم بمغادرة المكان :
– انا هسبكم تتكلموا براحتكم
فينصرف , ليكمل حسام وأنظاره معلقة بمنصور :
– فى واحد معايا فى الزنزانة اعترفلى ان هو اللى حط المخدرات فى العربية , وطلب منى انى اسامحه , وقالى ان فى حد اداله فلوس عشان يعمل كدة
رد منصور وقد إنفرجت أساريره :
– عظيم جدا , الراجل دة اكيد بيشتغل عندك
– للأسف ايوة
– يعنى ممكن نخليه يشهد لصالحك
– ودة هيحصل ازاى يا منصور ؟
إستند بإحدى يديه على فخذه وهو يقول بتفكر :
– حاول تعرف منه مين اللى سلطه يعمل كدة ؟
– تمام
ثم اقترب برأسه من منصور وهو يستطرد بقلق :
– بوسى عاملة اية ؟
– كانت عايزة تيجى , وانا قلتلها هعملها اذن بالزيارة
فرد بسرعة :
– لا , اوعى تخليها تيجى , مفهوم ؟
– تمام يا استاذ حسام , كل اللى حضرتك عايزه هيتنفذ
***********************************
بوسى بعصبية :
– يعنى اية مش عايزنى اروحله ؟ انا هتجنن وأشوفه
قالت كلمتها الأخيرة وعبراتها تنهال على وجنتيها
رد منصور قائلاً :
– والله يا مدام بوسى هو قالى انه ومش عايزك تدخلى المكان دة
قالت بوسى من بين شهقاتها :
– يعنى هو عايزنى ابقى بعيدة عنه ؟
لتربت المربية على كتفها وهى تقول :
– هو مش عايزك تتبهدلى يا بوسى , خايف عليكى يا حبيبتى
نظرت لها من بين دموعها قائلة بتأثر :
– نفسى أشوفه يا دادة
*************************************
– ياسر الشامى ؟
– معرفش اسمه اية بالكامل , كل اللى اعرفه ان اسمه ياسر باشا وبس
ربت حسام على كتف متولى وهو يقول :
– تمام يا متولى , كدة انا عرفت هجيبه منين
*************************************
إنتفضت واقفة مكانها حينما دخل عليها منصور المكتب بوجه مقتضب وهو يقول بحزم :
– انسة سحر , عايز العقد اللى بين شركتنا وشركة الشامى يكون على مكتبى حالاً
لترد بحروف متلعثمة :
– شركة الشامى ؟
– ايوة يا انسة , بسرعة يكون العقد عندى
وتركها وغادر الغرفة وهى تشعر بأن أرضها تدور بها فى دوامة لا تستطيع الخروج منها
************************************
– اهدى يا بوسى , متقلقيش اكيد هيخرج ومش هتتثبت عليه التهمة
لترد وهى تمسح دموعها :
– يارب يا شيرى , انا حاسة انى هموت من غيره , يارب يرجعلى بالسلامة
– طيب مش المحامى قالك ان الراجل السواق اعترف لحسام بالحقيقة ومستعد يشهد معاه
– هو قاله ان فيه واحد هو اللى سلطه يعمل كدة
ردت شيرى بإستغراب :
– والواحد دة مين ؟ وليه عايز يأذى حسام ؟
– واحد اسمه ياسر الشامى , انا حتى معرفهوش
نزل إسمه كالصاعقة على مسامع شيرى , وقالت وهى تنظر أمامها , ولازالت على صدمتها :
– انا بقى اعرفه
لتحدق بوسى بعينيها بشيرى وهى تقول بدهشة :
– تعرفيه ؟
– انتى اكيد شوفته قبل كدة
فضيقت بوسى ما بين عينيها وهى تنظر لها , تحثها على المتابعة , فقالت شيرى موضحة :
– كان بيسهر معانا فى الديسكو ساعات
ردت بوسى بإستغراب :
– طيب وهو هيعمل فى حسام كدة ليه ؟
– عشانك
ردت بوسى بصدمة :
– عشانى ؟
تابعت شيرى وهى تحاول ألا تتأثر لتذكرها تلك الأيام التى محتها من ذاكرتها , لكنها تعود إليها رغم عنها :
– عشان بيحبك , واتجنن لما عرف انك اتجوزتى
نظرت لها بوسى بصدمة ممزوجة بألم , ثم قالت وكأنها أفاقت لتوها إلى شئ ما :
– انا لازم أقابله
شهقت شيرى ثم قالت :
– تقابليه ازاى ؟ انتى ناوية تعملى اية بالظبط ؟
– مش هو بيحبنى انا , تبقى معركته معايا انا مش مع حسام
إستغرب شيرى ما تراه أمامها على وجه بوسى وفى كلماتها , هل هذه هى صديقتها الرقيقة ؟ أم هو الحب الذى جعلها تودى بحياتها فى مقابل من أحبت ؟
أمسكتها بكلتا يديها من ذراعيها , وبدأت تهزها قائلة :
– فوقى يا بوسى , اوعى تفتكرى نفسك جامدة وأده , انتى متعرفيش ياسر دة شرانى اد اية ؟
نزعت نفسها من بين يدها , وقالت بصرامة :
– عارفة كويس وإلا مكنش عمل كدة فى حسام
نظرت أمامها بنظرة تحدى لم تختبرها شيرى من قبل , وهى تتابع :
– انا هعمل كل اللى هقدر عليه عشان انقذ حسام , ولو مش ناوية تساعدينى خلاص خليكى انتى
رأت شيرى أمامها بقايا إمرأة تبحث عن وليفها الذى سوف يعيدها مرة أخرى إلى الحياة , رأت بعينيها نظرة إصرار وتصميم , وإستشعرت من خلالهما أنها لن تقدر على إرجاعها عن ما تنوى على فعله , فقالت ببعض القلق :
– طيب سبينى انا ارتب للموضوع دة , وهخليكى تقابليه
أماءت بوسى برأسها وهى تشعر ببعض الراحة
**************************************
توجهت إلى مكتبه بقلب ينتفض رعباً , وخطوات متعثرة , وأعين زائغة
طرقت على الباب بيد مرتعشة , شعرت أن هواء الغرفة كاد أن يسحقها حينما حمل صوته إلى أذنيها وهو يقول :
– ادخل
دلفت وهى تنظر إليه وقد كان غارق فى أوراقه , فقالت بصوت خرج من جوفها بصعوبة :
– انا ملقتش العقود بتاعت شركة الشامى
نظر لها بوجه ثائر وهو يقول بإستهجان :
– يعنى اية مش لاقياهم يا انسة ؟ اية عفريت جه واخدهم ؟
إبتلعت غصتها , ثم قالت وهى فى قمة توترها وقد إغرورقت عيناعها بالعبرات :
– مش عارفة بجد راحوا فين ؟ ممكن يكون الاستاذ حسام اخدهم من الشركة
قام من مكانه , وقال وهو يخبط بيده على المكتب مستنكراً لما تقوله :
– ممكن ؟
أشار بأصبعه أمامها وهو يقول محذراً :
– قودامك ربع ساعة وتكون العقود على مكتبى , وإلا هتتحولى للتحقيق يا انسة , الاستاذ حسام أكدلى انهم معاكى , يا إما بقى تكونى بعتيهم لحد , واكيد فى التحقيق هنعرف كل حاجة
إنهارت مع تلك الكلمات , ودخلت فى نوبة من البكاء لم تتمالك فيها نفسها , شعرت بحجم الخطأ الذى إقترفته بسذاجتها , ندمت على ما فرطت من مشاعر جعلتها تنجرف خلفها دون تفكير حتى خانت صاحب عملها الذى لا ذنب له غير أنه منحها تلك الوظيفة
إقترب منصور منها وأمسكها بقبضة حديدية من يده لذراعها , وقادها إلى المقعد حتى أجلسها عليه , وجلس بالمقعد المقابل لها , أسند مرفقيه على فخذيه وإنحنى تجاهها لينظر لها بتمعن كى يسبر أغوارها وهو يقول بحدة :
– عايز أعرف اية اللى حصل بالظبط ؟
***********************************
هذا اليوم يشبة سابقه من أيام كثيرة مضت , لا جديد يحدث , ولا شئ يشعر به سوى العجز فهو لا يقوى على فعل أى شئ , لا يقوى حتى على حماية زوجته أو حتى رؤيتها , تلك الحوائط الأربع تخنقه , تضيق عليه , ترقد كالصخر على صدره , تمنعه من التنفس , فهواءه فى رؤياها , ونعيمه فى نظرة عينها الحنونة

بدأ يدعو من بيده ملكوت كل شئ , الذى له القدرة وحده على أن يخلصه من هذا الكرب , كان يناجيه فى كل صلاة بعيون باكية وقلب خاضع ضعيف , كان يوقن أن الله لن يضيعه أبداً وسوف ينجيه من هذا الفخ الذى وقع فيه
***********************************
– ازاى عايزة تقابله ؟ دى اكيد اتجننت
ردت شيرى موضحة :
– احنا مش هنسبها , لازم نساعدها , زى ما كنا السبب فى اللى حصلها لازم نصلح غلطنا يا تامر
– ايوة بس انا مش موافق , انتى قلتى ان ياسر دة عايزها , يعنى أكيد هتكون فى خطر
– ما انا قلتلك مش هنسبها لوحدها قصاده , هنكون معاها من غير ما نظهر فى الصورة
قال ببعض القلق :
– خايف عليها
– ربنا يستر

الفصل الحادى والعشرون
******************************

بخطوات ثابتة تشق طريقها إليه , سوف تقف أمامه مرة أخرى ولكن تلك المرة غير سابقيها , فهى لم تعد تلك الضعيفة , فما مرت به جعلها أقوى , أصبحت لا تخشاه , لا ترهبه , لم يعد قلبها يخفق له , فقد أصبح يمقته ويمقت طلته وصوته وحتى إسمه
أرجعت خصلات شعرها الثائرة للوراء بأطراف أناملها وهى تمشى داخل جدران شركة الشامى حتى وصلت لغرفة مكتبه , فلم تجد أحداً بمكتب السكرتيرة , ووجدت باب غرفته مغلق , تقدمت بخطوات واثقة وفتحت باب غرفته دون أن تطرق عليه , كأنما إستنتجت ما يحدث بالداخل , وبالفعل كان إستنتاجها صحيح
وجدته يجلس خلف مكتبه على مقعده الوثير , وتلك الحسناء المثيرة بهيئتها وملابسها تجلس أمامه على المكتب , فى مشهد ينم عن وجود علاقة خفية بينهم
فزع ياسر وسكرتيرته عندما ظهرت شيرى فجأة أمامهم , وبدأا يحدقا بها بدهشة تحولت إلى غل عندما بدأت هى بالضحك فى سخرية وهى تقول بتهكم :
– طول عمرك رمرام يا ياسر
نظرت لها السكرتيرة بحنق وتركتهم وغادرت المكان , فى حين قال ياسر بإستهجان راداً على شيرى :
– عشان كدة عرفتك يا حياتى
تقدمت لتجلس على المقعد المقابل لمكتبه , ولازالت على إبتسامتها , ثم قالت بعد أن وضعت قدماً فوق أخرى :
– طول عمرك ذوق يا روحى
رأى بعينها نظرة لم يعهدها مسبقاً منها , فقد رأها فجأة أمامه كالشجرة الشامخة التى لا تخشى العواصف لإمتداد جذورها بأرض ثابتة
تابعت بتغنج :
– وعشان كدة حبيت أنا كمان أكون ذوق , وقلت أجى اباركلك
لم يستطع أن يخفى صدمته بروحها الجامدة , ولكنه حاول أن يبدو ثابتاً وهو يقول بسخرية :
– تباركيلى ؟ على اية بقى إن شاء الله ؟
نظرت بعينيه وهى تقول :
– أباركلك على وصولك للهدف اللى كنت بتحلم بيه , عرفت ان حسام فى السجن والجو خليلك خلاص
أشعل لفافة من التبغ فى فمه وألقى بالقداحة على المكتب أمامه بلا مبالاة , وقال بعد أن أخذ نفساً منها ونفث دخانه فى الهواء بهدوء مستفز :
– الله يبارك فيكى يا ستى
إبتسمت بجانب فمها وهى تقول :
– مش عايز تعرف أخبار بوسى اية ؟
زاغت نظراته الحائرة التى كانت تدل على شغفه لمعرفة ما سوف تقوله , ثم قال :
– ياريت تقولى اللى انتى جاية تقوليه على طول يا شيرى من غير لف ودوران
إستقامت لتسير بخطوات ثابتة حتى جلست مكان تلك الحسناء التى كانت جالسة أمامه منذ قليل , ثم قالت بدلال أجادته :
– بصراحة حالتها صعبة اوى , مش عارفة تزعل عليه ولا تفرح انها خلصت منه
ضيق ما بين عينيه وهو ينظر لها , ثم قال بتفكر :
– يعنى اية ؟ مش فاهم
وضعت يدها على صدره وهى تطرق بأصابعها على صدره قائلة :
– يعنى همه أصلا كانوا هيطلقوا , حتى لو مكنتش دخلت إنت بلعبتك عشان تفرق ما بينهم
قال بصدمة :
– يعنى همه كانوا هيطلقوا ؟
– اممم كانوا هيطلقوا , بس بصراحة صعب عليها كتير لما دخل السجن
عادت أدراجها إلى مقعدها وهى تسير بهدواة وهو يتابعها بعينيه
فقالت وهى تنظر له نظرة تعنيها جيداً :
– يعنى هى بس محتاجة حد يساعدها عشان تاخد قرار , تكمل ولا تطلق
قال بعصبية :
– تكمل ازاى ؟ دة واحد هياخد حكم تجارة مخدرات , والقضية لبساه
إبتسمت إبتسامة خبيثة لنيلها منه وهى تقول :
– انت عملت اية بالظبط ؟
زفر وهو يقول بعيون تحمل المكر والدهاء :
– لبسته فى قضية مش هياخد فيها أقل من مأبد
وضعت يدها على المكتب وهى تقول :
– دة انت جن , بس ازاى رتبتها دى ؟
لتتعالى ضحكاته وهو يقول :
– جرا اية يا شيرى ؟ عايزة تتعلمى ولا اية ؟ اهو لبستهاله وخلاص
إبتسمت وهى تقول :
– يعنى مش عايز مساعدتى فى حاجة , السمكة بتاعتك خلاص لقطت الطعم , تحب تشد السنارة لواحدك ولا عايزنى اشدها معاك ؟
نظر لها بخبث قائلاً :
– وانتى هتعملى معايا كدة ليه ؟
قالت بترفع :
– تقدر تقول حبة اتخلص من كل الناس اللى ضايقونى بالدور
أدرك ذلك التلميح الذى ترمى إليه كلماتها , تعالت ضحكاته , ثم قال وهو يحاول أن يهدئ من ضحكاته :
– الكلام دة كبير عليكى ياشيرى
– انا عارفة انك جامد يا ياسر , بس متنساش يوضع سره فى أضعف خلقه
عادت ضحكاته لتتعالى مرة أخرى , ثم إقترب منها , وعبث بخصلة من شعرها بطريقة مستفزة , وقال بنبرة متعالية :
– مفتكرش النملة تقدر تنتصر على الأسد , ولا اية ؟
أزاحت يده بعيداً عنها وهى تقول بنظرة تحدى :
– اللى تشوفه يا ياسر
وضعت نظارتها الشمسية على عيناها وهى تهم بالمغادرة , لتقول وهى تشير له مودعة :
– هشوف ميتها اية وهكلمك , سلام
رد وهو يتابعها بنظراته :
– سلام
نفض مهاتراتها من تفكيره , وإحتلت مكانها سالبت عقله , وهو يتذكر حديث شيرى عن حالها
أرجع رأسه للخلف وهو يرسم أياماً سيعيشها مع حبيبته بوسى

غادرت شيرى المكان , ركبت سيارتها وقبل أن تديرها وتنطلق فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها وأوقفت تشغيل المسجل وهى تبتسم بإنتصار , قائلة :
– دلوقتى هتشوف النملة هتعمل اية يا اسد
*****************************
– انا عايزاك تعرف حاجة واحدة بس , انى بحب حسام , وعمرى ما حبيت غيره
نزلت كلماتها كالنار تكوى بقلبه على الرغم من إدراكه لها مسبقاً , لكن وقعها على مسامعه كان أقوى مما تصور
رد بندم :
– انا عايزك تسامحينى على اللى عملته , دة كان تصرف طايش منى
إبتسم بجانب فمه بحزن , وهو يسترسل :
– كنت فاكر انى بكدة برجعك ليا من تانى
ردت بأسى :
– مش زعلانة منك يا تامر
نظر بعينيها يحاول أن يعلم حقيقة ما تقول , فأماءت برأسها وثغرها يحمل شبح إبتسامة جوفاء
قالت شيرى لتنهى ذلك الحديث الذى أثار الذكريات الغابرة وأخرجها من مكنونها إلى عقولهم مرة أخرى :
– خلاص بقى يا جماعة دلوقتى لازم نقدم التسجيل دة للنيابة , واكيد بعدها هيتقبض عليه على طول
ردت بوسى بوجه واجم :
– لا , مش كفاية , لازم نحاول نجيب منه العقود اللى ادتهومله الهبلة اللى اسمها سحر , هى دى اللى هتثبت ان الشحنة دى كانت بتاعت شركته , وكمان هتثبت ان كان فيه تعامل بين شركتنا وشركته
لترد شيرى بحيرة :
– ودى هنجبها ازاى
– لازم اقابله الاول يمكن اقدر اعرف منه حاجة
ليقول تامر بفزع :
– ارجوكى يا بوسى متتهورش, استنى انا هرتب للموضوع الاول انا وشيرى وبعدين هنقولك
*******************************
يشعر بتوقف الزمن وتجمد الأحداث , لا يقوى على إدراك واقعه ولا حتى تنبأ مستقبله , كأنه أصيب بضمور فى المخ أدى إلى تعطل جميع أجهزته
كل ما يراه أمامه هو صور أبناءه السبعة وزوجته المسكينة , وكان يسأل نفسه عن حالهم بعد ما علموا بما حدث له , وها هو الأخرق الذى كلفه بتلك الفعلة لم يبعث له من يطمئنه على حالهم ولا حتى أرسل له محامى للدفاع عنه كما وعده
هل تلك هى النهاية ؟ ام أنه يوجد نهاية أخرى أسوء ؟
ليته كان غارق فى أحلامه التى هيئها له شيطانه , ليته يصحو ليصبح كل ما حوله سراب يتتطاير كالدخان أمامه , ليته يعود إلى منزله يلاعب أطفاله فى تلك الغرفة الدافئة التى ضاقت عليهم
إنتبه على صوت من يجلس بجانبه , وهو يقول :
– ادعى ربنا وهو اللى هينجينا
ليرد ببعض الأسى :
– متخافش يا استاذ حسام , ربنا عمره ما هيظلمك , لكن انا غلطت ولازم أخد جزائى
فأخرج حسام من صدره تنهيدة حارة وهو يقول :
– يارب نجينا من الابتلاء دة على خير
********************************
كان يتابعها فى مرآة سيارته بهيئتها المثيرة ومشيتها الفاتنة , وصوت كعب حذائها على الأرض يصرخ كصوت إنذار لجميع من بالشارع للإنتباه لذلك الغزال المار بينهم
غمز بعينه لذلك الرجل الذى كان يقف مستنداً بظهره على عامود الإنارة , ليتحرك ذلك الرجل إثر إشارته متجه نحوها
كانت تسير نحو سياراتها غير مبالية بتلك العيون التى وقعت فى وحل جمالها الساحر
عندما باغتها ذلك الرجل وخطف حقيبة يدها , لتفاجئ جميع من بالشارع بصرختها
فيترجل هو من سيارته متجه نحو ذلك اللص فى سرعة , فقد جاء دوره فى ذلك الفيلم الذى أخرجه هو بدهاءه
فيضربه عدة لكمات وينزع من يده الحقيبة , فى حين يدعه يفلت من براثنه ليهرب فى مشهد ظنه الجميع أنه فر من بين يديه دون إرادته
ليعيد ذلك البطل المغوار والفارس المقدام تلك الحقيبة إلى تلك الحسناء مرة أخرى , فتشكره بإبتسامة وهى تقول ممتنة :
– متشكرة اوى
فيرد بإبتسامته الجذابة :
– العفو يا انسة , دى حاجة بسيطة
ثم يشير إلى حقيبتها وهو يقول :
– شوفى لتكون حاجة وقعت منها
فتستجيب لأمره , ثم تنظر له ولازالت على إبتسامتها :
– لا مفيش حاجة وقعت , ميرسى اوى ليك
فيقول بنظرة إعجاب أجاد إصطناعها :
– لا شكر على واجب , وبعدين القمر اللى زيك لازم يكون في راجل معاها يحميه من الذئاب البشرية اللى مالية الشوارع
فترد له تلك النظرة بمثلها وهى تقول :
– مرسيى لذوقك
فيمد يده لها ليصافحها قائلاً :
– انا مبسوط اوى ان الظروف جمعتنى بيكى , معاكى تامر , وانتى ؟
– ياسمينا
إبتسم بشغف وهو يقول :
– اجمل ياسمينا فى الدنيا
*********************************
– بقولك خلاص البت دى بقيت فى جيبى
لتخبط بيدها على صدره وهى تقول :
– جامد طول عمرك يا تمورة , مكنتش اعرف انك هتوقعها بالسهولة دى
ليعدل من هيئة ملابسه وهو يقول مازحاً بطريقة متكبرة :
– انا مش اى حد يا بنتى
– تمام كدة اوى انا هبلغ بوسى تصبر بس شوية وكل حاجة هتمشى مظبوط
– قوليلها يومين بالكتير وتكون العقود عندها , ياسمينا سكرتيرة ياسر هتفتحلنا الابواب المتقفلة كلها
فتهم بالمغادرة لولا أنه يوقفها بكلماته وهو ينظر لها بتأثر :
– خلى بالك منها ياشيرى
فتبتسم له بود قائلة :
– متقلقش يا تامر
***************************************
كان بمكتبه يطّلع على بعض الأوراق حينما رن هاتفه , رد دون أن ينظر إلى إسم المتصل , فجاءه صوتها وهى تقول :
– ازيك يا ياسر ؟
– اهلا يا شيرى , عاملة اية ؟
– صحيح بتسأل عليا , ولا على قطتك ؟
خفق قلبه وهو يقول :
– فى حاجة جديدة حصلت ؟
قالت ببطئ :
– فى اننا رايحين دلوقتى النادى , وممكن اوى نقابلك هناك
قال بلهفة :
– هى عارفة انى هقابلكم ؟
– لا طبعا انت هتقابلنا صدفة , وسيبنى انا بقى اعرفكم ببعض
إنفجرت أساريره وهو يقول :
– تمام انا هروح حالاً دلوقتى على النادى
أغلق الهاتف وإتجه خارج شركته ليذهب إلى النادى
أما هى أغلقت الهاتف لتبتسم لمن كانت تجلس بجانبها وتنظر لها بأعين مترقبة , ثم قالت مطمئنة :
– وقع زى الجردل , وهيسبقنا على هناك
فتبتلع بوسى غصتها وهى تقول :
– تمام انا هقوم البس عشان نروحله

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *