القطة المدللة ٢
الفصل الرابع عشر
*******************
تقدم بخطوات ثابتة واثقة يشق الطريق الذى رسمه بحرفية ليصل إلى حلمه
فهو لم يعتد قبول الخسارة بسهولة , فقرر أن يواصل حتى يصل إليه , وينتزعه من براثن الأسد
عدل من رابطة عنقه وهو يبتسم لتلك الفتاة القابعة خلف الملفات ولم تنتبه لوجوده بعد
قال بطريقة لبقة :
– الأستاذ حسام موجود يا أنسة ؟
إنتبهت الفتاة لوجود ذلك الشاب الوسيم الذى يظهر عليه أثر الترف
قالت بوجه قد صبغ بحمرة الخجل :
– ايوة يا فندم , أقوله مين حضرتك ؟
بترفع وغمزة من إحدى عينيه أخرج من جيبه بطاقة وأعطاها إياها قائلاً :
– معاكى ياسر الشامى رجل أعمال , ودة الكارت بتاعى
مدت يدها تأخذ منه تلك البطاقة وقد أربكتها نظراته , وتوجهت بخطى متعثرة إلى غرفة حسام
أما ياسر فقد إتسعت إبتسامته لنجاحه فى غرس طُعمه فى تلك السمكة الصغيرة , فهو صياد ماهر لمثلها من الفاتنات
سمحت له بالدخول , تقدم بخطى ثابتة وهو يقدم نفسه لحسام قائلاً :
– ياسر الشامى , صاحب شركة الشامى للإستيرد والتصدير
مد حسام يده ليصافحه وهو يقول :
– أهلاً وسهلاً , اتفضل يا فندم
فكانت الأيادى متشابكة فى سلام لكن الله وحده هو العالم بخبايا القلوب , وخاصة قلب ياسرالذى لا يحمل الخير أبداً لحسام
********************************
كانت تسقى الأزهار وقد رُسم على وجهها تلك الإبتسامة التى لم تفارقها قط فى الفترة الأخيرة
فها هى تحيا تلك الحياة التى لم تعشها من قبل , دفئ لم تلتمسه من قبل , حنان إفتقدته بإفتقادها والدتها , أمان فقدته بعد وفاة والدها , حضن يغنيها عن الدنيا بأكملها
كل ما كان يقلقها ذلك الصوت الذى يصرخ بداخلها :
– هل هذا ما كنتى تعيشيه ؟ ما كنتى تتمنيه ؟ رجل تعيشى به وله فقط , أين كيانك ؟ أين بوسى ؟
ولكنها كانت تخرسه سريعاً , ولكنه كان دوماً حائلاً بينها وبين حسام , يمنعها من الإقتراب أكثر , يكفيها ما تشعر به معه , لا تريد الإقتراب أكثر , خوفاً من المستقبل
إنتبهت على صوت المربية وهى تقول :
– بتعملى اية يا بوسى ؟
لترد بإبتسامتها المعتادة هذه الأيام :
– بسقى الورد يا دادة
– يا حبيتى تسلم ايديكى
فيرد من جاء لتوه :
– انا بحسده بصراحة
لينظرا إليه بإبتسامة , فتقول المربية وهى تهم للدخول إلى داخل الفيلا :
– حمد الله على السلامة يا بنى , هروح احضرلكم الغدا
ليرد وعينه لازالت مسلطة على بوسى بإبتسامته الساحرة :
– الله يسلمك يا دادة
ويقترب من بوسى وهو يقول :
– بتعملى اية ؟
إكتفت بإبتسامة وهى تريه ما فى يدها , ذلك الرشاش الذى أمسكه من يدها وهو يقول بمرح :
– دة مبيرشش كدة , بيرش كدة يا ماما
قال كلماته هذه وهو يوجهه نحو وجهها وبدأ يرش على وجهها ورأسها
وهى تحاول الهرب وهى تصيح به أن يكتفى , بدأت تركض هرباً منه وهو يركض وراءها وهما يتضاحكان , أغمضت عينها وهى تركض وتحاول أن تلتمس طريقها بدون رؤية , إستدار ليصبح فى إستقبالها فوجدت نفسها ترتطم به حوطها بذراعيه وهما ما زالا يتضاحكان
كان ينظر لها بإشتياق , أما هى فتاهت فى نظرات عيونه الساحرة
إقترب بوجهه منها ولكنها أبعدت نفسها قليلاً عنه دون أن تستطيع فك حصار ذراعيه التى حوطتها وجعلتها أسيرته , قال بهمس وهو ينظر بعينيها :
– ليه دايماً بتهربى منى ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول الهروب من حصار نظراته فيكفيها حصار ذراعيه التى تمنعها من الهرب ككل مرة
باغتها بسؤال أخر :
– لسة برده متعودتيش عليا ؟
قالت بصوت متقطع :
– مش كدة , بس انا لسة يعنى مش مستعدة
نظر لها بحزن , وتركها وهو يقول :
– اكيد براحتك خالص , وياريت تسامحينى لو كنت ضايقتك
لم ترد فقط كانت تنظر له بخجل , قبلها على جبينها وهم بالدخول وهو يقول :
– انا هدخل اغير هدومى قبل الغدا
ودخل إلى الفيلا وهو يحاول أن يخفى ما يشعر به من ضيق
************************************
مد يده بذلك الملف وهو يقول لتلك الفتاة :
– دة يتراجع كويس جدا يا سحر , ويكون على مكتبى بكرة بالكتير
لتأخذه سحر من يده وهى تقول :
– حاضر يا أستاذ حسام , بكرة ان شاء الله هيكون على مكتبك
وتوجهت إلى مكتبها وبدأت فى تصفح الملف فوقعت عينها على إسمه ( ياسر محمد كمال الشامى ) فوجدت نفسها تبتسم وهى تتذكره وهو ينظر لها بإبتسامته الجذابة
***********************************
لم يعد يخرج من المنزل أو حتى يرى أحد من أصدقاءه , يظل دائماً داخل غرفته يدفن نفسه بين ذكرياته معها , رسائلها , هداياها , صورها
كان يتأمل صورها معه ويتذكر كم كان يشعر بالسعادة وقتها , نظر أمامه فى وجوم وهو يمنى نفسه برجوعها إليه مرة أخرى
وقال فى نفسه :
– وحشتينى يا بوسى , ولازم أرجعك لحضنى تانى بأى شكل وبأى طريقة
**********************************
حاولت أن تخفى نظرة الحقد والكره بعينها وهى تقول للجالسة أمامها :
– بس انتى ازاى تقبلى تتحجبى كدة بسهولة لمجرد انه عايز كدة ؟
– انا مش هنكرأنه غير حاجات كتير فى حياتى , بس انا حالياً مش حاسة ان فيه حاجة ناقصانى , بحس انه معوضنى عن كل حاجة فى الدنيا
– يا سلام , دة اية الرومانسية دى ؟ دة انتى حتى مش بتيجى النادى ولا حد بيشوف وشك
– مهو بصراحة مش عايزنى اروح النادى من غيره , وبعدين هو قالى لو حبة صحابى البنات يجولى البيت مفيش مشكلة , وادينا اهوه بنتقابل على طول ياشيرى
– اية التخلف دة ؟ انا مكنتش اعرف انه رجعى اوى كدة
نظرت نحوها ببعض الغضب وهى تقول :
– هو مش راجعى , هو بس اتربى تربية معينة ومش حابب يخرج عنها
صمتت وهى ترى الحب يخرج من عين بوسى , ثم قالت :
– وشركتك اخبارها اية ؟
ردت بوسى باستغراب :
– كويسة
– انتى بتروحيها
– لا , حسام هو اللى بيدرها , انا عملاله توكيل بالادارة وهو المسئول عن كل حاجة
إبتسمت بخبث وهى ترى أمامها نهاية هذا العش الجميل التى طالما تمنت أن تحظى بمثله مع ياسر لكن بوسى كانت دائماً تقف عائقاً بينهما
كانت تصرخ بداخلها :
– طالما لم أحظى أنا بتلك السعادة , فلن أدعك تحظين بها أنتِ أيضا
***************************************
كان يشعر دائماً بتخوفها وترددها من الإقتراب منه رغم حبها له الذى كان يتجلى بعينيها
لم يرد التسلل إليها عُنوة , فقط تركها لترسى على بره عندما تشعر بالرغبة فى ذلك
حاول أن يعرف من تصرفتها سبب ترددها , لكنه فشل
فقرر أن يحاول أن يعتد وجودها بقربه مع المحافظة على تلك المسافة التى وضعتها كحد فاصل بينهما , كان قلبه يتحسر وهو يراها كالفراشة التى تطير بين الأزهار اليانعة , يخفق قلبه لرؤيتها , يتمنى لو يرتوى من رحيقها الخلاب
لا تخافى منى يا حببتى , إقتربى دون تردد , فقد أضنانى الفراق , لم أعد أقوى على تحمل بعدك , أنا قلبٌ ملئٌ بالشوق فتعالى وأنعمى فيه بشوق ليالى عاشها وحيداً فى الظلمة مشتاق لقمرك لينيرها
سمع طرقات الباب فسمح للطارق بالدخول , فكانت سحر بيدها الملف وهى تقول :
– تمام يا فندم , انا راجعت الملف والصفقة مفيهاش اى شئ ناقص
أخذ منها الملف بوجه عابث دون أن ينتبة لما تقول , فاستطردت قائلة :
– تحب حضرتك اتصل بالاستاذ ياسر , ابلغه بقرارك
– اه خلاص اتصلى بيه وبلغيه بموافقتى على الصفقة
– تمام يا فندم
توجهت مسرعة إلى مكتبها وهى فى غاية السعادة وقلبها يرجف لإنها سوف تسمع صوته , فقد فتنها بطلته وأسلوبه الساحر فى الحديث رغم الدقائق القليلة التى إلتقت فيها به , رفعت السماعة على أذنها بعد أن سجلت رقم هاتفه الذى نقش فى عقلها منذ أن رأته لأول مرة , إنتظرت الرد حتى جاءها :
– الو
قالت بقلب يرقص طرباً :
– الو , معاك سحر مدكور مديرة مكتب الاستاذ حسام نور الدين مدير شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
قال بوجه مبتسم وقد تذكرها تلك السمكة الصغيرة التى باتت فى طرف سنارته ولا يبقى سوى أن يجذبها لتصبح ملكه :
– اهلا , ازيك يا انسة سحر , مش انسة برده ؟
قالت ببعض الخجل :
– ايوة يا افندم , انا كنت متصلة ابلغ حضرتك ان الاستاذ حسام فى انتظار زيارة حضرتك عشان تتفقوا على الصفقة
ظهرت على وجهه ملامح الانتصار جلية وهو يقول :
– عظيم جدا , وانا بصراحة كنت منتظر تليفونك على احر من الجمر , بصراحة شركتكم حلوة اوى وهواها يرد الروح , والواحد ميشبعش منها أبداً
شعرت بتلميحه بالإطراء عليها , وقالت بسعادة أنثى ساذجة :
– حضرتك اكيد هتنورنا يا فندم
*****************************
كان يمشى بخطى سريعة نوعاً ما بوجهه الذى كان يحمل الشر , كان مرتبكاً قليلاً , ركب سيارته وجلس خلف المقود , نظر بعينه إلى بوابة تلك البناية التى خرج منها لتوه وهو يعلم أن قنبلته التى أشعل فتيلها منذ دقائق وألقاها بالداخل سوف تنفجر الأن
فقد أهلكه التفكير إلى أن هداهه شيطانه إلى تلك الخطة الماكرة , فالغاية تبرر الوسيلة فى تلك الغابة التى يعيش فيها أمثاله بعيداً عن دنيا البشر
لم ينم طوال ليلته حتى ينهى مهمته , ثم قام وتوجه إلى شركة نور الدين ليكمل ما بدأه
فقد قرر أن يعيدها إليه مهما كانت الطريقة
***********************************
كان غارقاً فى عمله , حينما سمع صوت طرقات على الباب , فقال :
– ادخلى يا سحر
دخلت وهى تمد يدها بمظروف وهى تقول :
– الظرف دة فى واحد سابه لحضرتك تحت على البوابة
قال بلا مبالاه وهو يعود مرة أخرى لأوراقه :
– تمام , حطيه هنا وروحى انتى
غادرت بعد أن وضعته أمامه على المكتب
أنهى عمله , وقرر الرجوع إلى المنزل لينل قسطاً من الراحة , بدأ فى جمع أشياءه فوجد ذلك المظروف فتحه ليقع قلبه فى إخمص قدمه من هول ما رأى
كان يحوى لبعض الصور لزوجته بوسى مع تامر فى أوضاع مخلة وملابس فاضحة
كان يحدق بالصور والشرر يتطاير من عينه
لا يعلم كيف وصل إلى سيارته وقادها بسرعة عائداً إلى المنزل
وما إن وصل حتى صعد الدرج مسرعاً إلى غرفتها , كانت تتوسد فراشها وفى يدها بعض المجلات التى تطالعها فى هدوء
حينما إقتحم الغرفة دون سابق إنذار وأغلق الباب خلفه ليقف أمامها والشرر يتطاير من عينه , أجفلت من فعلته وأفزعها رؤيته بتلك الملامح التى لم تراه عليها من قبل
لم تكد تستقبل تلك المفاجأة حتى سمعت صوته الهادر وهو يقول :
– دلوقتى بس عرفت انتى ليه بتبعدى عنى
كانت تنظر له بدهشة وعينها محدقة فى وجهه
أفرغ محتويات المظروف الذى كان يمسكه بيده وقذف ما فيه من صور فى وجهها وهو يقول :
– طبعاً عشان خايفة لأفضحك
نظرت حولها لتلك الصور المتناثرة وهى غير مصدقة لما ترى , فاستطرد وهو يقترب منها :
– بس ربنا هو اللى فضحك
صاحت من بين دموعها :
– الصور دى مش حقيقية , دى صور متركبة , والله يا حسام مش حقيقية
– متحلفيش بالله كدب
– انا مش بكدب هى دى الحقيقة , الصور دى متركبة , انا مش عارفة اثبتلك ازاى انى مش بكدب ؟
إقترب أكثر منها وهو يقول بوجه صلب يكسوه الجمود :
– انا اللى هثبت لنفسى , ودلوقتى حالاً
صعقت عندما رأته يقترب منها ويحاول نزع ملابسها عُنوة , بدأت تصيح به ألا يفعل بها هكذا , ولكن الغضب أعماه فبدأ فى تمزيق ملابسها وهى تصرخ به
لم يكن يرى أمامه سوى غضبه ولا يسمع إلا لصوت شيطانه
لم يرى دموعها ولم يسمع صيحاتها المتوسلة
توقف فجأة عندما شعر بها وهى متشبسة بملابسه ومنكمشة داخل حضنه وهى تقول من بين شهقاتها :
– لا , اوعى تعمل كدة يا حسام , اوعى تضيع منى الأمان اللى بحس بيه وانا فى حضنك , عشان خاطرى مضيعوش منى
تأثر كثيراً بكلماتها , نزع نفسه منها وخرج وهو فى قمة غضبه , لم يكن يعلم من أى شئ يغضب , منها أم من نفسه ؟
ركب سيارته وقادها مسرعاً بلا وجهة محددة , كان لا يرى الطريق بل يرى صورتها وهى تستجديه أن يتركها
إنتبه لصوت زامور تلك السيارة التى كانت أمامه فإستطاع أن يتفادى الصدام معها فى أخر لحظة
فقد أعصابه , فإتخذ جانباً أوقف فيه السيارة وترجل منها , وبدأ يبكى من الألم فقد جُرحت روحه قبل قلبه , فهى روحه التى تسكن قلبه
الفصل الخامس عشر
**********************
جلست منكمشة فى الفراش تبكى , وهى تتذكر قسوته معها , لا لم يكن هو , قد كان أخر لا تعرفه , تبدل الحنان فيه إلى قسوة
وقعت عينها على تلك الصور , صرخت وهى تزيحها من جانبه لتسقط على الأرض , وتدخل هى فى نوبة من البكاء
لتأتى المربية فى هلع , ثم تفزع من رؤيتها بتلك الصورة وهى تنتحب وترتعش بثيابها الممزقة
ضمتها لصدرها بحنان وهى تشعر بالأسى لها , ولما حدث لها وقد بانت أثاره عليها
حاولت أن تهدأها ونزعت عنها تلك الملابس وأبدلتها بغيرها ودثرتها فى فراشها وجلست بجانبها تتلو بعض أيات القرآن الكريم
نامت وسكنت جميع خلجاتها , نظرت لها المربية بحزن وقلب يدعو أن يخفف عنها ما تشعر به
وقع نظرها على تلك الصور الملقاه على الأرض , صدمت عندما رأتها , لكن قلبها أخبرها بأن هناك خطب ما ويستحيل أن تفعل بوسى إبنتها مثل تلك التصرفات
*********************************
كانت لا تزال تجلس بإنتظاره بوجهها الجامد , رغم ظهور أشعة الشمس لتغمر المكان , لكن لم يغمض لها جفن منذ البارحة
جاء أخيراً , دلف إلى الفيلا بوجهه العابث وقد ظهر عليه أثر الحزن والهم , ما إن رأها حتى سألها بلهفة :
– بوسى عاملة اية يادادة ؟
ردت بإقتضاب وحزن أم على إبنتها التى تركتها تنتفض فى فراشها :
– نايمة , بس محدش عالم باللى فيها
جلس على المقعد المقابل لها وهو فى قمة حزنه , فاستطردت قائلة :
– بص يابنى انا صحيح الدادة بتاعتها , لكن عمرى ما اعتبرت نفسى غريبة عنها , انا اللى ربتها , وعشت معاها كل لحظات عمرها , بوسى دى بنتى قبل كل شئ
رد ووجهه فى الأرض خجلاً مما فعله :
– انا عارف طبعاً يا دادة من غير ما تقولى
قالت بنبرة حزن :
– سامحنى يابنى فى اللى هقوله , بس انت زى ابنى برده
أماء برأسه فى صمت , فتابعت بألم :
– انا عارفة ان بوسى تربيتها كانت غلط من والدها الله يرحمه , ومش هنكر ان تصرفتها كانت غلط فى حاجات كتير , لكن بنتى عمرها ما تعمل اللى شفته فى الصور دة ابداً , انا متأكدة من دة كويس اوى
رد بحزن دفين :
– وانا كمان متأكد انها معملتش كدة
نظرت له ببعض الدهشة , فاستطرد قائلاً :
– الشيطان عمانى , وخلانى اتنرفز عليها
أسند رأسه على يده وهو يتابع فى ألم :
– عارف انى اتسرعت وغلطت , ومش عارف هترضى تسامحنى ولا لا ؟
قالت ببعض الراحة لما سمعته منه :
– متقلقش يابنى بوسى طيبة وقلبها أبيض , وبتحبك واكيد هتسامحك على طول
– يارب يا دادة يارب
– توكل على الله وهو القادر على كل شئ
تركها وقام ليصعد الدرج وصل إلى غرفتها تردد قليلاً قبل أن يفتح الباب , ولكنه فتحه أخيراً
ليقف أمامها وهى نائمة فى فراشها , تذكر شكلها وهى تبكى بين يديه ليلة أمس , أغمض عينيه فى ألم
شعرت بوجود أحد , فتحت عينها فرأته يقف أمامها , شعرت بالخوف , تدثرت جيداً بالغطاء الذى كان عليها وقالت وهى ممسكة به وبأعين محدقة فزعة :
– انت هتعمل اية ؟
رأى بعينها نظرة , تمنى الموت قبل أن يراها , نظرة مزقت قلبه إرباً
غادر الغرفة وهو يحاول أن يجمع شتاته , بعد أن ألقى على مسامعها كلمة واحدة , ظلت تتردد فى عقلها وهى تزرف الدموع
– اسف
********************************
مرت بضعة أيام لم يرها فيها , ولم يحاول أن يرها , الحقيقة كان يهرب منها , من عيناها , من نفسه التى تلموه على ما فعله , كيف له أن يشك بها , بمن سكنت فؤاده ؟ لما سمح لشيطانه بأن يحركه ؟
كان يكره مواجهة نفسه قبل مواجهتها , كيف يكون أمانها وهو بهذا الضعف ينجرف نحو تلك المهاترات ويتركها لتحركه ؟
أما هى فقد كانت تحاول أن تنسى ما حدث بشتى الطرق , كانت تحمد ربها أنه خلصها من ذلك الوغد تامر وأنها لم تتزوجه , لكن أكثر ما كان يؤلمها هو حسام , هل حقاً لا يثق بها ؟ هى تعلم بأن تصرفاتها السابقة هى التى دفعته لأن يشك بها , فكم ندمت على ما فرطت من مشاعر محرمة لشخص خائن مثل تامر
نظرت إلى زهورها بإبتسامة باهتة وهى تتذكر عندما كان يحتضنها فى هذا المكان , فهى رغم كل ما حدث وما تحمله من عتاب له فهى تشتاق له , تشتاق لحضنه الذى أبى أن يحرمها من أمانه
دلف إلى المنزل فرأها وسط أزهارها , كم كان يشتاق إليها , كان يود لو يهرع إليها ويغرسها بصدره ويضمها بين ذراعيه
وجهه قلبه إليها قبل أن يعطى الفرصة لعقله أن يدبر الأمر
إنتبهت لوجوده نظرت إليه بعتاب , فقال بشوق :
– ازيك ؟
ردت وهى تحاول ألا تنظر له حتى لا تفضحها عيناها ككل مرة :
– الحمد لله
فقال ببعض الألم الذى تحمله كلماته :
– انا اسف , مكنتش قادر أواجهك , ولا حتى كنت قادر أواجه نفسى
نظرت له بأسى , فتابع وهو يمسك ذراعيها بيديه :
– انا مش عارف ازاى استسلمت للشيطان بالشكل دة , نفسى تسامحينى
أشاحت بوجهها عنه , فقال :
– انا مبقيتش قادر على بعدك اكتر من كدة
أدار وجهها إليه بأنامله , ثم قال وهو يبحر فى عينيها :
– كفايا بُعد بقى
كانت تشتاق إليه , رغم كل ما تشعر به من مشاعر قاسية ومختلفة , لكن ما كان يطفو على السطح هو الإشتياق لمرساه
تركت نفسها تستقر عليها بعد أن أنهكتها السباحة بعيداً عنها , تركت كل أسلحتها وهدمت كل قلاعها وحصونها وتركت نفسها لتنعم بطعم الإستقرار بعد أن قذفها التيار إليه
*****************************
– انا بصراحة واقع من زمان , من أول يوم شفتك فيه
إتسعت إبتسامتها وهى تسمع كلمات الغزل التى يغرقها بها , وقالت :
– ربنا يخليك ليا يا ياسر , مش عارفة حياتى من غيرك كان شكلها ازاى ؟
ليبتسم بدوره وهو يحتضن كفيها بيده وهو يقول بنبرة أجاد إصطناعها جيداً :
– انا اللى مش عارف من غيرك كنت عملت اية يا سحورة
فإتسعت إبتسامتها وهى تقول :
– على فكرة انا كلمت ماما امبارح وقلتلها ان انت هتيجى تتقدملى
– اه طبعا اكيد يا حبيبتى , اول ما اخلص العملية بتاعت الشركة عندكم هتقدملك على طول
لتبتسم بفرحة عارمة وهى ترسم أمامها أحلاماً وردية لا تعلم أنها سراب
********************************
لم تكن تشعر بشئ سوى السعادة فى حضن رجل أحبته , رجل كان بعيداً عنها , لم تتخيل أن تهنئ بكل هذا فى كَنَفُه
لم تكن تعلم أن الله كان يخبئ لها كل تلك السعادة , لتهنئ بطعم الحب الحلال
قضت أيام سعيدة ترتشف نفحات الحب المباركة برضا رب العباد
كانت تنظر إليه وهو نائم بجانبها بوجه باسم , وهى تحمد ربها على تلك السعادة التى تحياها معه
كادت أن تغادر الفراش لولا أنه شعر بها , فقال بصوت ناعس وهو يحاول أن يمنعها من المغادرة :
– رايحة فين ؟
إبتسمت لتعلقه بها , إقترب أكثر منها وحاول أن يقبلها , لولا أنها شعرت بتوعك فى معدتها جعلها تهرع إلى الحمام فى ظل ذهوله
هرع إليها قائلاً :
– فيه حاجة يا حبيبتى ؟
قالت وهى تمسك ببطنها :
– لا مفيش حاجة متقلقش , انا شكلى خدت برد فى معدتى
ساعدها فى توسد الفراش وهو يقول :
– طيب اجبلك الدكتورة
– لا مفيش داعى يا حسام خلى دادة تعملى حاجة دافية أشربها
– حاضر يا حبيبتى
****************************
– انتى كدة خلاص مهمتك انتهت
– يعنى خلاص مش محتاجة اروح لبوسى تانى ؟
قال وهو يهم بمغادرة المكان :
– ولا انا كمان محتاج اجى هنا تانى
قالت وهى تمسك ذراعه بلهفة :
– يعنى اية ؟ مش هشوفك تانى يا ياسر
إستدار وأخذ يربت على وجنتها , وهو يقول بسخرية :
– شيرى يا حبيبتى , متخليش عقلك يصورلك حاجة مش موجودة , انتى عارفة من الاول ومتأكدة ان علاقتنا مولودة عشان تموت , فياريت متحاوليش تمثلى عليا دور العاشقة الولهانة
قالت ودموعها تغرق وجهها :
– انا مبمثلش يا ياسر , والله انا بحبك
نزع ذراعه من يدها كأنه ينزع روحها من جسدها , وتركها كورقة كتب فيها ما لا يرضيه فمزقها وذهب يبحث عن غيرها ليسطر بها ما يريد
جلست تفترش الأرض تحاول أن تلملم ما مزقه بعنفوانه وأنانيته , ليسحقها بقدمه كما يسحق لفافة تبغه بعد أن أخذ ما يبغاه منها بلا مقابل
****************************
– مبروك يا حبيبتى , انتى اكيد حامل
نظرت لها بدهشة وقد هزتها الصدمة :
– اية ؟ حامل , انتى متأكدة يا دادة ؟
– ايوة طبعا يا حبيبتى
قالت ببعض التوتر :
– دادة ارجوكى متقوليش لحسام , خلينى اقوله انا
فقبلتها المربية وقالت بحنان :
– ماشى يا حبيبتى ربنا يهنيكو
لتحتضنها بوسى وهى تنظر أمامها فى وجوم
*****************************
حاولت أن تقف من على الأرض وهى تمسح دموعها المنهمرة وهى تنظر بتحدى لصورته التى تتوسط ببروازها الأنيق المنضدة وهى تقول :
– ماشى يا ياسر انا بقى هوريك شيرى اللى انت رمتها ممكن تعمل إية
ثم صرخت وهى تزيح ذلك البرواز الذى يحمل صورته ليقع على الأرض محطماً , ليحطم معه تلك القشرة الضعيفة التى تحيطها لتخرج إلى الحياة بوجهها المنتقم
*************************************
وقفت تنظر لنفسها بالمرأة والأفكار تكاد أن تطيح بها , هل هذه هى بوسى تلك القطة المدللة ؟ هل حقاً سوف تتبدل حياتها لتنقلب رأساً على عقب ؟
وقفت تنظر لجسدها ورشاقتها , وهى تتخيل ما سوف يحدث لذلك الجسد الرشيق بسبب ذلك الضيف الذى طرق على بابها فجأة دون سابق إنذار
أخرجها من تفكيرها ذراعيه اللاتى إحتضنتها ليحتويها هو بأنفاسه قائلاً :
– قمر يا حبيبتى
لتبتسم رغم ما بها من هواجس وهى تقول :
– ربنا يخليك ليا يا حبيبى
فجعلها تستدير لتصبح فى مواجهته , وهو يهمس بأذنها قائلاً :
– ويخليكى ليا ياعمرى
حاولت أن تهرب بعينيها من حصار نظراته خوفاً من أن يعرف ما بها , فقال بقلق :
– فيه حاجة ؟
أماءت برأسها نافية :
– لا يا حبيبى مفيش اى حاجة
فإبتسم وهو يلتمس خصلات شعرها قائلاً :
– ربنا يباركلى فيكى يا أغلى ما عندى
وإحتضنها بحب , لتشعر بغصة فى حلقها , فهى تعشقه لكنها تخشى تلك الحياة التى تقدم عليها وهى تجهلها
*************************************
كان قد كره الحياة بعد أن فشلت أخر محاولاته فى إرجاع من عشقها إلى حضنه مرة أخرى , فقد أخفق فى خطته فى أن يقع بينهما
فهو الأن لم يعد يشعر بطعم الحياة فقد خسرها وخسر نفسه معها , خسر إحترامه لنفسه
سمع رنين هاتفه نظر إليه بتململ , فرأى رقمها , هى تلك الأفعى التى دمرته وقلبت حياته رأساً على عقب
ضغط على زر الرد قائلاً بحدة :
– عايزة اية تانى ؟
– اسمعنى كويس انا كمان خسرت كل حاجة زيك
– انتى السبب فى اللى انا فيه
– مش مهم مين السبب , المهم نلحق اللى فاضل لنا لازم نرجع حقنا فيهم
– ناوية على اية ؟
– خايف من اية ؟ ما انت خسرت كل حاجة ومفيش حاجة تبقى عليها
نظر أمامه يتفكر فى حديثها , ثم قال :
– عندك حق , وانا معاكى يا شيرى