القطة المدللة ٢
الفصل السادس عشر
*********************
بدأ الشيطان فى عمله الدءوب فى تلك النفوس الضعيفة التى يستطيع أن يسيطر عليها
كانت تفكر ليل نهار فى هذا المصير الذى تجهله , لم تجد حلاً إلا الخلاص
أخذت تفكر فى حل يخلصها من ذلك الزائر الذى سوف يقلب حياتها رأساً على عقب
هداها شيطانها إلى عدة أفكار للتخلص من ما يحمله رحمها
إستغلت فرصة عدم معرفة حسام بذلك الأمر , وقفت على فراشها وبدأت تقفز فى محاولة منها للتخلص من جنينها
قفزات بقلب مرأة تجهل معنى الأمومة , فقدت معنى الرحمة لتقسى على ما فى رحمها
نطفة ضعيفة تنبض بحياة توءدها هى بأنانية قبل أن تنعم بالحياة
دقات قلبها كانت تدق بدون أن تشعر بما ينبض داخلها فى ضعف وهى تقسى عليه بجمود
تصببت حبات العرق من جبينها لتنزل على عينها تمنحها غشاوة على بصرها مثل التى على قلبها , بدأت تشعر بذلك الدوار وهى تدور فى تلك الساقية من الفراش إلى الأرض ثم إلى الفراش مرة أخرى
لم تستطع التحمل أكثر من هذا فخانتها قدماها لتسقط مع أخر قفزة على الأرض , مع دخول المربية لتراها وهى تسقط على الأرض هرعت إليها وهى تصرخ بها :
– انتى بتعملى اية ؟ انتى اتجننتى ؟
لم تنبث بشفة فقد كانت تلاحق أنفاسها المجهدة , حاولت رفعها لتوسدها على الفراش لتجد قطرات الدم التى تلطخ قدمها , فتشهق وهى تقول :
– انتى عملتى اية ؟ طيب مخفتش على نفسك ؟
ليدخل حسام إلى الغرفة لتقع على مسامعه تلك الكلمات , فيصعق لرؤية بوسى على تلك الحالة , وكانت قد فقدت وعيها
حملها وتوجهوا بها إلى المشفى وهو لا يفهم ما يحدث لها
كان يخاف عليها كثيراً وهو لا يفهم ماذا حل بها ؟
كان يقف خارج غرفتها فى توتر عندما خرج الطبيب , فهرع إليه متسائلاً :
– خير يا دكتور ؟
– اطمن الحمد لله هى والجنين بخير , بس هو اية اللى حصل هى وقعت ولا اية ؟ لولا ستر ربنا كنتم فقدتم الجنين
نظر أمامه فى ذهول وهو يتمتم :
– الحمد لله
تركهم الطبيب فى حين نظر حسام إلى المربية متسائلاً :
– انتى كنتى عارفة انها حامل ؟
لتنظر له بارتباك دون أن ترد , فيستطرد بحدة :
– كنتو عارفين وخبيتوا عليا ؟
قالت بحروف حاولت أن تبدو ثابتة :
– يابنى دة الموضوع لسه قريب وهى كانت هتقولك
كان يعيد تلك الكلمات التى سمعها من المربية عند دخوله إلى الغرفة ( انتى عملتى اية ؟ طيب مخفتيش على نفسك )
ثم قال بوجه جامد :
– كانت عايزة تنزله
قالت بفزع :
– متظلمهاش ياحسام شكلها وقعت غصب عنها
غادر حسام المكان هرب من ذلك الهواء الملوث الذى يخنقه لأن ذراته تحمل رائحتها
كيف لها أن تفعل ذلك ؟ وكيف إستطاعت أن تكتم ما بداخل رحمها دون أن تخبره ؟ وكيف أخطأ قلبه فى حبها ؟
تلك الأسئلة التى كانت تراود عقله
شعر بثقلها داخل قلبه فقرر أن يطهره من تلك القاسية التى تقطنه
**********************************
كانت تنام فى هدوء مثل الملاك وكأنها لم تصنع شيئاً , جلست بجانبها المربية تنظر لها بأسى وهى تخشى عليها من ردة فعل حسام تجاها
شعرت بها تتحرك إتجهت إليها قائلة :
– بوسى انتى فوقتى ؟
لترد بصوت ضعيف وهى تحاول أن تفتح عينها بصعوبة :
– دادة , انا فين ؟ اية اللى حصل ؟
لتنظر لها المربية فى أسى ولكن لم تلبث إلا أن أحاطتها بذراعيها بحنان فهى إبنتها مهما أخطأت فهى جزء منها
بدأت تلتمس شعرها وهى تقول بوجه جامد :
– ليه عملتى كدة ؟
حاولت أن ترفع رأسها لتنظر لها وهى تقول بألم :
– مكنش ينفع اكون الست دى , دى مش شخصيتى , ولا دى انا
ليدخل حسام عند تلك الكلمات فيفزعهما بكلماته الصارمة :
– وانا ميشرفنيش انك تكونى مراتى
كانتا تحدقان فيه بدهشة , ظل ينظر بعينيها بجمود , ثم إستطرد قائلاً :
– من هنا ورايح انتى مجرد وعاء بيحمل ابنى , واياكى تحاولى او حتى تفكرى تعملى اى حاجة تانى
ظهرت إبتسامة سخرية على فمه وهو يتابع :
– ومتخافيش اول ما تولديه هاتكونى حرة , عشان تعيشى الحياة اللى انتى بتحبيها ومش قادرة تنسيها
وغادر الغرفة فى صمت بعد أن تركهم يتخبطوا بين حروف كلماته القاسية
نظرت بوسى إلى مربيتها التى قالت بأسى :
– كسبتى اية من اللى عملتيه دة يا بوسى ؟
لتجهش بوسى ببكاء مرير فتحتضنها المربية وهى تشعر بما يختلج صدرها من نار أحرقتها هى قبل من حولها
*****************************************
كان يجلس خارج غرفتها بالمشفى وهو يشعر بأن الدنيا صفعته صفعة أفقدته وعيه
صدمته فى أعز إنسان له ومن سكن فؤاده منذ الصغر , زلزلته
كان يضع رأسه بين يديه وهو يتجرع الألم وحيداً
إنتبه على صوت والدته التى جاءت مهرولة ويعلو وجهها ملامح الفزع وهى تقول :
– خير يا حبيبى حصلها اية ؟
ليربت على يديها وهو يقول مطمئناً إياها :
– متخافيش يا امى هى بقت كويسة
– هو اية اللى حصل ؟
قال بعيون زائغة :
– هى وقعت غصب عنها بس هى كويسة هى والجنين
قالت بسعادة :
– يا حبيبى ربنا يباركلكم , والحمد الله انها بخير
دلفت إلى الغرفة بصحبته وهو يحاول أن يتلاشى النظر إلي بوسى , أما هى فكانت معلقة ببصرها فيه بقلب محسور على ضياع حبيبه
قالت والدته بحنان :
– مبروك يا حبيبتى , وخلى بالك من نفسك بقى لحسن تقعى تانى
نظر إليها نظرة أرهبتها كان فحواها ألا تتحدث بشئ , فأماءت برأسها لوالدته دون أن تنبث بشفة
*********************************
– بس انت مقولتليش انت عايز العقود بتاعة الشغل ليه هنا ؟ مش انت مضتها خلاص مع الأستاذ حسام
ليحتضن يديها بكفه وهو يقول :
– بصراحة يا حبيبتى انا كنت عايز منها معلومات مهمة هتفيدنى فى شغلى , وبعدين مش انتى قلتى ان حسام مش بيسأل على عقود العمليات اللى تمت , يبقى متخافيش أكيد مش هيسألك عليها
لترد سحر وقد تاهت من لمسته التى لمست قلبها الأهوج قبل يديها :
– اه ياحبيبى خلاص خليها معاك
ليبتسم بإنتصار وهو يدس العقود داخل حقيبته وهو يرى سقوط غريمه الذى إقترب ميعاده
*********************************
رجعت إلى منزلها بعد أن تعافيت من ألام جسدها , لكن قلبها كان لا يزال يقطر دماً ويبكى بألم على ما فرط
قد كان ينعم بالحب والحنان , أما الأن فقد أصبح وحيداً لا يملأه إلا الندم
دثرتها المربية فى الفراش , ومسحت على شعرها قائلة بإبتسامة :
– نورتى بيتك يا حبيبتى
ردت عليها بإبتسامة باهتة :
– ربنا يخليكى يا دادة
كانت تشعر بما يعتملها من ألم , ولكنها لم تستطع فعل شئ يريح قلبها سوى الدعاء لله أن يصرف عنهم الغم ويلين قلب حسام لها
دلف إلى الغرفة بوجهه الجامد قائلاً بصرامة :
– لو سمحتى يا دادة سبينا لوحدنا
أماءت برأسها فى إيجاب وغادرت الغرفة فى صمت
وجه بصره لمن كانت تتوسد الفراش بقلب ينتفض طلباً له وهرباً من بطشه , وبعينان تنظرا له بترقب
قال وهو لا يحيد نظره عنها :
– مش عايز ماما تعرف اى حاجة خلال الفترة اللى هتعدها معانا , مفهوم ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول أن تفتح فمها لكى تتحدث ولكن نظراته الجامدة أرهبتها وألجمت لسانها فلم تستطع أن تبث بشفة
كل ما إستطاعت فعله هو إماءة خفيفة برأسها
كاد أن يغادر فجأة كما دلف فجأة , لكن صوتها إنتصر على ضعفها وخرج :
– حسام
إستدار لها بنفس الجمود وقال :
– اه نسيت اقولك ان الكلام اللى قلتهولك فى المستشفى دة قرارى النهائى ومش هرجع فيه وياريت متحاوليش تمثلى عليا البراءة , انا استحالة هأمن لواحدة كانت عايزة تقتل ابنى
وتركها تتجرع مزيداً من الألم والندم على ما إقترفته
*************************************
– سلمتك يابوسى
ردت وهى متوسدة الفراش كما أمرها الطبيب :
– الله يسلمك يا شيرى
– طيب كفاية عياط بقى يا بنتى
لترد من بين دموعها :
– مش قادرة يا شيرى حاسة انه خلاص ضاع منى ومش هيرجعلى تانى
لتربت على كتفها بحنان مصطنع , وهى تقول :
– متخافيش هو بس هيزعل شوية وبعدين هينسى
****************************************
غمست لفافة التبغ فى المرمدة أمامها بكل غل كأنها تطحنها وتطحن معها كل ما يضايقها بهذه الدنيا وهى تنظر أمامها فى وجوم
باغتها من كان يجلس بجانبها متسائلاً :
– ناوية على اية بالظبط ياشيرى ؟
نظرت له وهى تقول :
– دى فرصتنا اللى هنقدر نقطع الحبل الخفيف اللى فاضل ما بينهم قبل ما يحنلها تانى , لازم نلحق نستغل الفرصة دى
– طيب فهمينى هتعملى اية ؟
قالت وهى تشعل لفافة تبغ أخرى لتحرقها بنار جوفها قبل نار القداحة :
– بكرة لما ارجع من عندها ها قولك هنعمل اية ؟
***********************************
كانت لا تشعر بطعم الحياة بدونه , فقد تعودت أن تحيا بوجوده بجانبها
هى الأن وحيدة لا تفهم حاضرها , وتخشى مستقبلها , وتتألم ندماً على ماضيها
لم تجف تلك النهور التى حُفرت على وجنتيها , لم يسكن قلبها عن الأنين
كانت المربية دائماً موجودة بجانبها , ترعاها وتتحسر على رؤيتها هكذا , بدت ذابلة , مكسورة , محسورة
أما هو فغاب عن عالمها , إكتفى فقط بسؤال المربية عنها وعن حالتها دون أن يحاول رؤيتها
كان يمقت رؤيتها , رؤية تلك التى تشعره بأنه كان أبله حينما سلمها قلبه ومن بعدها إسمه
كان يغمس نفسه فى العمل كعادته هرباً من ما يؤلمه
رجع إلى المنزل مثل كل يوم , توجه إلى غرفته ولكن قبل أن يدلف إليها سمع صوتها تنتحب داخل غرفتها
وقف للحظة أمام باب غرفتها , تتصارع داخله المشاعر يمقت شعوره بالأسى لها والشفقة عليها , غادر من أمام باب الغرفة ودخل إلى غرفته حتى يهرب من هذا الشعور الذى يؤلمه
**********************************
– انا مخنوقة اوى ومبقيتش قادرة
ليرد تامر بحنان :
– معلش يا بوسى خلاص هانت يا حبيبتى
لتقول من بين دموعها :
– تعبت أوى أوى
– وانا كمان تعبت ومش قادر على بعدك
– واحشنى اوى
– وانتى كمان وحشانى اوى بتمنى اليوم اللى نكون فى مع بعض
– يارب
ضغطت على زر إيقاف التشغيل وهى تنظر للجالس أمامها بسعادة وهى تقول :
– دة انت طلعت ابن جنية بصحيح , دى أكنها كانت بتكلمك انت بصحيح , مش بتكلمنى انا
أخذ منها هاتفه بعد أن إستمعت لما فيه وهو يقول :
– بس يارب المرة دى تنجح مش زى المرة اللى فاتت
– لا المرة دى غير , هو دلوقتى عنده استعداد يصدق اى حاجة عليها بعد ما كانت عايزة تنزل ابنه من ساعتها وهو مش طايقها
– تمام يا شيرى , وانا مستنى نتيجة اللى هتعمليه
قالت وهى تربت على كتفه :
– متخافش انا متأكدة انه هيطلقها بعد ما يسمع الكلام دة على طول
الفصل السابع عشر
*********************
إستنشق عبير الصباح وهو ينظر إلى أزهار الحديقة وهو يقف بشرفة غرفته , وقع بصره على تلك البقعة التى كانت تقف بها فراشته تسقى أزهارها
ولكن ملامح وجهه تبدلت فجأة عندما تذكر ما فعلته
وبدأ يسأل نفسه , لما يحن قلبه لتلك القاسية ؟ أهو ضعف أم شفقة ؟ أم هو حبها الذى يسكن بقلبه ؟
نفض تلك الأفكار عن رأسه ودلف إلى الداخل فى محاولة منه ألا يرى أى شئ يذكره بها
نزل الدرج متوجهاً إلى أسفل ليراها تجلس مع المربية بوجه هائم حزين
لم ينظر إليها وكأنها لم تكن موجودة وجه حديثه إلى المربية :
– اعمليلى فنجان قهوة يا دادة وهاتهولى على المكتب
كلمات قليلة روت عطشها لسماع صوته , وإستنشاق عطره
ولكنه تركها وغادر دون حتى أن يوجه لها بصره
بدت كمن إعتادت منه تلك المعاملة رغم إعتصار قلبها ألماً , شعرت بها المربية فربتت على كتفها فبدالتها بوسى نظرة مع شبح إبتسامة ظهرت على ثغرها تطمئنها بها على حالها
كادت عبراتها أن تخونها فإستئذنت منها وصعدت إلى غرفتها تحمل ما تكتمه بداخلها
صحبتها تلك النظرات الحنونة من مربيتها مع قلب عطوف يدعو لها
كادت أن تدلف إلى غرفتها لكنها إستدارت لتقف أمام باب غرفته , بدأت تتحسس مقبض الباب وهى تستشعر لمسته لهذا المقبض
أغمضت عينيها وهى تحاول أن تستشعر وجوده بجانبها
غادرت دموعها الحبيسة عيناها , فتحت باب الغرفة ودلفت بهدوء بعد أن أغلقته خلفها
بدأت عيناها تجول داخل محتويتها , كانت تستنشق رائحته التى تملأ المكان
جلست على فراشه وبدأت تتحسسه وتلتمس موضع سكونه به , أمسكت بقميصه الذى نزعه عنه قبل أن يغادر , إحتضنته بشوق وهى تتنفس عبيره , أغمضت عيناها والدموع تغرق وجهها
كان قلبها يخفق شوقاً له , كانت دقاته تصرخ فى أذنها بإسمه لدرجة أنها لم تسمع صوت فتح الباب
فتحت عينها لتراه يقف أمامها وهو ينظر لها فى صمت , حاولت أن تمسح دموعها عبثاً لإنها لم تستطع التحكم فى هطولها
إرتعشت يدها وهى تعيد قميصه إلى الفراش مرة أخرى , وجاهدت حتى تحملها قدماها لتقف , كانت تنظر له بعيون غلبها الشوق , كانت تترجاه فى صمت أن يسامحها ويغفر ذلتها , لكن نظرته لها كانت قاسية تنم عن رفضه لها
إبتلعت غصتها فى محاولة لتحمل سهام نظرته المصوبة تجاها , تاهت فى مقلتيه الجامدتين , كان قلبها ينتفض داخل قفصها الصدرى , وتحجرت الكلمات فى حلقها
فقال هو بصرامة :
– بتعملى اية هنا ؟
إهتزت خلايا جسدها إثر نبرته , وظلت كما هى محدقه به إلى أن إستطاعت أن تخرج الحروف من بين شفتيها :
– أسفة
ورحلت بخطى ثقيلة وبقلب ينبض بحب من أضاعته بجهلها
أما هو فوقف يتفقد أثرها بشعور سئ لم يفهمه , توجه إلى خزانته وأخذ منها بعض من أغراضه وغادر المنزل
**********************************
صوت أسنانه وهى تقضم ثمرة التفاح بيده هو السائد فى المكان , مد يده ليضع تلك الثمرة جانباً ليترك نفسه يغوص برأسه فى حوض الإستحمام الذى كان ينام فيه
كان يراها أمامه حتى وهو مغمض العينين , ها هى خطته تسير على نحو جيد , وإقترب على وضع كلمة النهاية كما رسم لها
إبتسم وهو يراها فى أحضانه بعد أن تصبح له وحده بلا منازع
إنتبه على صوت رنين هاتفه فرفع رأسه لينظر به , فأغلقه وهو يزفر قائلاً:
– انسى بقى يا سحورة
***********************************
الطبيبة :
– كدة مش كويس خالص على صحتك وعشان خاطر البيبى كمان
رتبت المربية على كتف بوسى المتوسدة على الفراش وهى تقول :
– معلش يا دكتورة هى بس حالتها النفسية تعبانة شوية
لترد الطبيبة بشكل روتينى :
– لا مش هينفع كدة , البيبى بيتأثر بالزعل , حاولوا تخرجوها من الجو اللى هى فيه دة
أماءت المربية بأسى دون أن تتحدث , وهى تحتضن بوسى بحنان
***********************************
عاد إلى المنزل ليلاً كعادته ليجد المربية فى إنتظاره , فقال :
– ازيك يادادة
– الحمد لله يابنى
– الدكتورة جت لبوسى ؟
ردت ببعض الحزن :
– ايوة
ليقول ببعض القلق :
– خير الدكتورة قالت فى حاجة ؟
قالت ببعض الحرج :
– هى بصراحة قالت ان الزعل مأثر على بوسى , وقالت المفروض نبعدها عن أى حاجة تزعلها
نظر لها بتمعن , وهو يقول :
– وهى عرفت منين انها زعلانة ؟
– ماهو باين على وشها وعلى عنيها اللى ورمت من كتر العياط يا حبة عينى
زفر وهو يمسح على رأسه , ثم قال :
– ربنا يصلح الاحوال يا دادة
وصعد إلى غرفته وهو فى غاية الحزن , أغلق إضاءة الغرفة وجلس فى الظلام , فهو لا يعلم كيف يحل تلك المشكلة ؟
كان يخشى عليها رغم ما حدث , ولكن قلبه لم يكن يقوى على الغفران لازال يقطر دماً
خرج من غرفته متوجه إلى غرفتها أنصت خارجها فسمع صوت نحيبها ككل ليلة , فتح باب الغرفة دون إستئذان إنتفضت عندما رأته يقف أمامها بعد أن أغلق باب الغرفة
كانت تحدق به من بين دموعها , فقال بوجه جامد :
– كفاية عياط
مسحت دموعها بظهر يدها وهى تنظر له ببراءة طفلة يعاقبها والدها , هكذا شعر تجاها , كاد أن يحتويها ويضمها إلى صدره
لكن كان هناك ما يخنقه ويحول بينه وبينها
كانت تنظر له بضعف إمرأة فقدت أغلى ما عندها , وأفاقت بعد أن ضلت الطريق
قال بنفس جموده :
– مش عايز اشوفك بتعيطى تانى
قالت وهى تشعر بمدى إحتقاره لها , وعدم إكتراثه لما هى فيه :
– حاضر يا حسام مش هعيط تانى
زادت شهقاتها الباكية وهى تتابع :
– اقولك انا هدوس على الزورار وهبطل عياط فوراً
لم تستطع السيطرة على نفسها فدخلت فى نوبة من البكاء إرتعش لها جسدها
أما هو فظل جامداً ينظر لها , ثم توجه إليها وأمسكها بيديه من ذراعيها , فزعت ورفعت رأسها لتصطدم بنظراته الحادة وهو يقول بنبرة جامدة تفتقر للشعور بحالها :
– قلتلك كفاية عياط , انا مش مستعد أضيع ابنى منى عشان خاطر سيادتك مش قادرة تتحكمى فى نفسك
نظرت له بأعين غير مصدقة لتلك القسوة الذى أصبح عليها , كانت ترتجف بين يديه وهو مصوب عينيه على عينيها
قالت بصوت حزين :
– حاضر يا حسام هبطل عياط عشان احافظ على ابنك
صمت قليلاً وهو لا يزال على حاله , ثم ترك ذراعيها وغادر الغرفة وهو يشعر بتصارع المشاعر داخله , دلف إلى الحمام ووضع رأسه تحت الصنبور ليطفئ تلك النار التى إشتعلت بها , أغلق الصنبور ونظر لنفسه بالمرأة وقطرات الماء تنساب على وجهه , وهو يتذكر شكلها وهى تبكى أمامه بحرقة , هو يشعر نحوها بمشاعر متناقضة , عطف وقسوة , شوق ونفور , حب و ……
أخرجه من صراعه مع نفسه صوت رنين هاتفه , أخرجه من جيبه ورد بلهفة :
– ازيك يا امى ؟
ليأتى الصوت من الطرف الأخر :
– الحمد لله ياحبيبى , عامل اية ؟
– كويس
– حاسة صوتك مضايق , بوسى جرالها حاجة ؟
– الحمد لله احنا بخير وبوسى بقيت كويسة والدكتورة سمحتلها تقوم من السرير خلاص
– بس انا حاسة ان انت فيك حاجة
– متقلقيش يا امى انا بخير
– طيب ادينى بوسى اسلم عليها
قال ببعض التوتر :
– هى نايمة
– طيب يا حبيبى ابقى سلملى عليها , وخلى بالك منها يا حسام وحطها فى عنيك
قال بألم :
– حاضر
أغلق الهاتف وهو يشعر بالثقل الذى زاد فوق رأسه
*************************************
إستيقظت صباحاً على غير عادتها , تأنقت وإرتدت ملابسها الفاتنة الجذابة ويعلو وجهها ملامح الإنتصار , فاليوم سوف ترى سقوط غريمتها , حتى تفيق لإنتقامها من ياسر الذى سحقها بلا رحمة
فهى تشعر بالسعادة التى سوف تحققها بإنتقامها منهم
ركبت سيارتها وفى حوزتها ذلك التسجيل الذى دبرته هى وتامر لبوسى , متجهة إلى حسام فى العمل , نظرت إلى نفسها فى مرأة السيارة وهى تعدل خصلات شعرها الثائرة , نظرت للطريق أمامها وهى تنطلق بسيارتها مسرعة
كانت تستمع لأنغام الموسيقى بإستمتاع وهى تدندن معها عندما لمحت تلك الإشارات الضوئية التى تصدر عن السيارتان اللتان يسيران خلفها , نظرت لهما بتأفف وهى تشعر بإشمئزاز من ركابها وهى تقول :
– اوف هو انا مش هخلص بقى من حركات المعاكسة البيئة دى
لتتقدم السيارتان لتصبحا تحوطان سيارتها , ليخرج من النوافذ رؤس الشباب الذين يركبوها , ويبدأوا فى إلقاء بعض الكلمات المعبرة عن جمالها , مع إلقاء بعض الألفاظ البذيئة التى جعلتها تنظر لهم شذراً وبدأت تحاول الفرار منهم دون جدوى لأنهم لم يعطوها الفرصة لذلك , بدأوا فى تضييق الخناق عليها حتى جعلوا سيارتها تخرج من الطريق لتنحرف داخل الصحراء
كانت تشعر بالفزع وهى لا تعرف كيف لها أن تتصرف فى ذلك الموقف , حاولت جاهدة أن تخرج من هذا الفخ الذى نصبوه لها ولكن كثرتهم غلبت ضعفها , كانت تصيح بهم أن يكفوا ويتركوها لحالها , ولكنهم قابلوا صرخاتها المترجية بالضحك والمزاحات والإستزادة فى تضيق الخناق عليها , حتى جعلوها تتوقف بالسيارة فى وسط الصحراء
ترجلوا جميعاً من السيارتان , كانت تنتفض فزعاً وهى تحدق بهم وهم يقتربوا منها , لم يستطع عقلها إحصاء عددهم
كانت على وجوههم إبتسامات خبيثة ماكرة وهم يهموا بفتح باب السيارة ونزعها منها , رغم تشبثها بالمقعد لم تستطع المقاومة كانت تنتحب وهى تترجاهم أن يتركوها ولكن ذلك جعلهم يستزيدوا فى ما يفعلوا
أركبوها داخل إحدى السيارات رغماً عنها وما إن دخلت حتى بخ أحدهم سائل على وجهها جعلها تفقد وعيها بعد إستنشاقه
وأسرعوا بسياراتهم ليتوجهوا بها إلى حافة الهاوية