القطة المدللة ٢
الفصل الثامن عشر
*******************
برودة تسرى بجسدها , تتخلل جميع أعضاءها , لا تشعر بأطرافها , أشواك تسكن تحتحها وهى راقدة على الأرض , ضوء الشمس يسطع بعينها وحرارتها تلهب وجهها
ألام بأماكن متفرقة بجسدها , رأسها ثقيلة مثل الحجر , حاولت أن تفتح عينها بصعوبة لتصطدم عيناها بزُرقة السماء , رغم ما بها من الألم جاهدت حتى تنهض بجسدها المسجى على الأرض لتصعق عندما ترى نفسها ملقاه بالصحراء شبة عارية
وحيدة , جريحة , منهكة , حاولت عبثاً أن تلملم ثيابها الممزقة , وبدأت تسير بخطوات مترنحة إلى الطريق القريب , فهى تسمع أصوات سيارات تنم عن قربها من الطريق , خطوات كانت بالغة فى الصعوبة من كثرة ما بها من الألم
لاهثة وصلت إلى الطريق , لم تعد قدماها الملطخة بالدماء قادرة على حملها , جلست مفترشة جانباً من الطريق وهى ترى أمامها بصعوبة
كانت السيارات تأكل الطريق مسرعة , ولا أحد من راكبيها يكاد أن يراها , إلى أن الله أرسله لها
كان يتحدث إلى هاتفه لذلك إتخذ جانباً من الطريق كى يسير على مهل , كان يصرخ بمحدثه قائلاً :
– ازاى يعنى مش فاضى , بقولك انزل شوف أمك عيانة ونفسيتها تعبانة ونفسها تشوفك
ليرد الطرف الأخر متأففاً :
– اوكى تمام يا بابا هحاول ارتب الدنيا عندى وانزل
ولكن والده لم يسمع كلماته لأنه رأها وهى جالسة فى الأرض ممزقة الملابس ووجهها وجسدها ملئ بالكدمات
ركن سيارته جانباً بعد أن ألقى بهاتفه أمامه , وترجل من السيارة مسرعاً إليها
هاله رؤيتها بهذه الحالة , وكان يبدو على وجهه علامات الدهشة والذعر لأنه قد إستنتج ما حدث لها
جعلها تستند على كتفه وسار بها تجاه سيارته , وأجلسها بها , وإستدار ليقبع خلف المقود بجانبها
كانت مستسلمة تماماً له , وإستجابت لذلك الدوار الذى تملك رأسها , وأسبلت جفنيها وهى لا تشعر بما يحدث حولها
إنتبهت على ذلك الصوت الذكورى :
– حمد الله على السلامة يا بنتى
فتحت عينيها لتراه أمامها , رجل يبدو عليه الكبر ويظهر على وجهه الطيبة , إرتسمت على ثغره إبتسامة ودودة وهو يستطرد :
– الحمد لله انك قومتى بالسلامة
نظرت حولها فى ذهول وعيناها تتجول بين محتويات الغرفة , لتدرك أنها بمشفى
إستدارت تنظر له حينما رتب على كتفها بيده , وهو يقول بحنان أبوى لم تختبره من قبل :
– متخافيش يابنتى
ظهر شبح إبتسامة على ثغرها مع دمعة هاربة من قيود عينها , وهى تقول بصوت منهك :
– الحمد لله
كلمتان كان مذاقهما مميز فى حلقها , رغم ما حدث بها , وما مرت به كانت تستشعر قيمة الأمان الذى أصبحت تنعم به الأن , بعد تلك اللحظات المميتة التى مرت بها
دلف الطبيب إلى الغرفة , وهو يقول بوجه يظهر عليه الأسى :
– حمد الله على السلامة
أماءت برأسها فى صمت , تابع وهو يفحصها :
– حاسة بأى ألم
قالت بنبرة ضعيفة :
– بطنى بتوجعنى اوى
– دة طبيعى , انتى كان عندك نزيف حاد , واضطرينا نستقصل الرحم , ودة هيخليكى تحسى بالألم شوية
صدمت لسماعها هذا الخبر , إبتلعت غصتها فى صمت وقد إغرورقت عيناها بالعبرات
فتابع الطبيب :
– ياريت تحاولى تبلغى حد من أهلك عشان يجى لأنى بلغت البوليس عن حالتك , واضح انها حالة إغتصاب , ولازم البوليس يحقق فى الموضوع
لم تحتمل ما ينطقه من كلمات ذكرتها بما حدث لها , فزرفت عيناها العبرات لتشق طريقها على وجنتيها فى صمت
غادر الطبيب الغرفة فى حين إنحنى ذلك الرجل الودود عليها وهو يقول :
– هونى على نفسك يا بنتى , وان شاء الله ربنا مش هيسيب حقك
أخرج هاتفه من جيب سرواله وهو يقول :
– قوليلى رقم اى حد من أهلك اقدر اكلمه عشان يجيلك
هزتها كلماته فهى لا تعلم أحداً من الممكن أن يأتيها ليطمئن عليها , فأين والديها ؟
صمتت لبعض الوقت ثم لقنته بعض الأرقام , فرفع هاتفه إلى أذنه بعد أن سجل بها تلك الأرقام
أنزل الهاتف وقال بخيبة ألم :
– مفيش حد بيرد
جاءت بعض الأفكار فى بالها , فها هو تامر لا يرد على هاتفه وهى لا تعرف أحداً غيره من الممكن أن يأتى لها
***********************************
كانت تسترجع فى عقلها كلماته التى قذفها فى وجهها , وهى تشعر بالألم , لم تكن تتوقع منه تلك المعاملة القاسية , لازالت ترى نظراته الحادة التى جرحتها بلا رحمة , نزلت الدموع من عينيها دون أن تدرك
تذكرت ذلك القلب الذى يدق فى جوفها بجانب قلبها , يشعر بما تشعر به , يفرح لفرحها , ويحزن لحزنها
مسحت بكفها دموعها وهى تتذكر أنه الأن حزين لأجلها , وضعت يدها على بطنها كأنها تطمئنه على حالها , وتبث له الحب
وعلى وجهها إبتسامة رضا لوجود من يشعر بها , فى ظل بُعد من حولها عنها , فلا يشعر بها غيره ومربيتها
رنين الهاتف جلعها تنظر بجانبها لترى رقم غير مسجل بهاتفها , وضعته على أذنها بعد أن ضغطت على زر الرد , قائلة :
– الو
ليرد عليها صوت تعرفه جيداً :
– ايوة يا بوسى , الحقينى انا فى المستشفى
لتقول بلهفة :
– اية اللى حصلك يا شيرى ؟
زادت شهقاتها وهى تقول :
– انا فى ناس خطفونى واغتصبونى
إنتفضت من على الفراش وهى تقول :
– اية ؟ طيب قوليلى انتى فى مستشفى اية بالظبط ؟
نزلت على الدرج بعد أن علمت عنوان المشفى , إتجهت إلى غرفة المكتب حيث يقبع فيها حسام كعادته , ترددت قليلاً قبل أن تطرق على الباب , ليرد هو بطريقة روتينية :
– ادخل
دخلت بقلب ينتفض من مواجهته , يخفق لرؤيته , ولكن ما أتت إليه غلب على كل ما بها
رفع وجهه لينظر لها فى صمت , قالت وهى تحاول أن تبدو ثابتة :
– شيرى صاحبتى اتصلت بيا وقالت انها فى المستشفى
قال بدهشة وهو يقوم من مقعده :
– خير ؟ اية اللى حصل ؟
ردت وقد خانتها دموعها :
– مش عارفة , بتقول فى ناس خطفوها و …و ….و…..
لم تسعفها الكلمات كى تنطق بما حدث , أطلقت العنان لعبراتها تعبر عما بداخلها
توجه إليها بوجه يظهر عليه ملامح الفزع , ثم قال بصوت إنتصر فيه الحنان قائلاً :
– طيب خلاص اهدى , روحى غيرى هدومك ويلا نروحلها
نظرت له من بين دموعها بعيون ممتنة , وهى تقول :
– شكراً
********************************
وحيدة كعادتها , فى فرحها وحيدة , فى حزنها وحيدة
تتجرع الألام وحدها , دون أن يشعر بها والديها , ما حدث جعلها تعلم أنها لا تسوى أى شئ , فهى كورقة ضعيفة ولكنها لم تكن بيضاء قفد لطخها سواد قلبها بما يحمل من حقد وكرهية , وقد أصبحت تلك الورقة مهترئة الأن , ولكن ما مزقها هو ذلك السواد الذى لطخها , مزقها هى قبل أن يمزق من حولها
ترقرقت الدموع من عينيها لترسم طريق أحزانها على وجنتيها
دلفت تلك المرأة السمينة برداءها الأبيض ووجهها البشوش وهى تقول :
– عاملة اية دلوقتى يا حبيبتى ؟
أماءت برأسها إمامة بسيطة دون أن تتحدث , رتبت الممرضة على كتفها بعد أن أوصلت بيدها ذلك الخرطوم الدقيق الذى يمدها بالغذاء مع الدواء ليتسلل قطرة بقطرة إلى دمها , وغادرت الغرفة وهى تدعو لها أن يلهمها الله الصبر على ما حل بها
وما إن غادرت الممرضة حتى دلفت بوسى بلهفة ومن وراءها حسام , ليهيلهم شكلها وهى بوجه متورم من كثرة الكدمات
هرعت إليها بوسى محتضنة إياها وهى تبكى
فقالت شيرى من بين عبراتها المنهمرة :
– سامحينى يا بوسى
فضمتها بوسى أكثر إليها ودموعها لاتزال مستمرة فى الهطول
غادر حسام الغرفة وتركهما لحالهما
*********************************
أخرج ياسر من جيبه رزمة من ساحرة النفوس الضعيفة ومد يده بها للجالس بجانبه فى سيارته وهو يقول :
– دة نص حسابك , النص التانى هسلمه لمراتك لما يتم المراد
أخذ ذلك الرجل منه النقود وهو ينظر لها بسعادة كأنها سلبت عقله , وقبلها ثم رفعها إلى جبينه ليدثها بعدها بجيب سرواله , وهو يقول بحماس زاد للضعف بعد إمتلاء جيبه :
– تمام يا ياسر باشا
فيصرفه ياسر بإشارة من يده وهو يقول :
– روح انت دلوقتى
فيحيه ذلك الرجل بإشارة من يده على رأسه وبوجه ممتن وهو يترجل من السيارة , فينطلق بها ياسر وهو يشعر بالسعادة
***********************************
كان يجلس بهذا الكرسى الموجود خارج تلك الغرفة المغلقة , حينما خرجت منها بوسى فزعة ووجهها مغطى بالدموع وهى تصيح به :
– الحقنى يا حسام مش عارفة مالها , انهارت وبدأت تصرخ , مش عارفة اعملها اية ؟
قال وهو يهرول فى إتجاه غرفة الطبيب :
– طيب خليكى معاها وانا هنادى الدكتور بسرعة
حضر الطبيب على عجل ومعه بعض الممرضات وأخرجوا بوسى خارجاً وبدأوا فى محاولتهم لجعلها تخضع لهم حتى يتمكنوا من إعطاءها مهدئ
كانت تراهم من وراء الباب المفتوح قليلاً وجسدها ينتفض وهى تنتحب حينما أحاطها حسام بذراعه وضمها إلى صدره وهو يقول بحب :
– اهدى عشان خاطرى , خلاص كفاية
قالت من بين دموعها :
– ليه عملوا فيها كدة ؟ دى معملتلهمش اى حاجة , ليه عملوا كدة ؟ ليه فى ناس بتكره بعض كدة ؟
رق قلبه لها وخر ساجداً أمام ضعفها , رفع وجهها بأنامله ومسح بكفه تلك العبرات المنهمرة على وجنتيها , وقال وهو ينظر بعينها المسلطة عليه :
– كفاية كدة , ويلا عشان نروح
أماءت برأسها فى إيجاب وهى لازالت تنظر بعينيه , وخرجوا من المشفى وهو لا يزال يحيطها بذراعه كأنه يحميها من الناس جميعاً , يحميها حتى من بطشه
***********************************
فقر وإحتياج , أفواه كثيرة بحاجة للطعام والشراب , حضن إمرأة عانت وصبرت , تحملت وساندت
كانت صورهم تتقازف فى مخيلته وهو يتجول بين الحانات ليبتاع لهم ما يشتهوه , فهم فلذات أكباده , قطعه منه
لقد تحمل كثيراً رؤيتهم جوعى , محتاجين
فقرر أن يضحى بنفسه من أجلهم , ومن أجل تلك السيدة الحنون زوجته ووالدتهم
سبعة من الأبناء فى عمر الزهور يعيشون فى بئر من الحرمان
سوف يأمن لهم مستقبلهم بتلك النقود التى سوف تغنيهم حتى عن وجوده لعدة سنوات
لم يحدث أحداً بالأمر ولا حتى نفسه , لقد تردد كثيراً عندما عُرض عليه ذلك الأمر , ولكنه حسم أمره حينما رأى أصغر أبناءه سهيلة تعبث مع القطط فى قمامة الجيران بحثاً عن ما يسد جوعها
نزلت دمعته وهو يحتضنها ألماً , شعور بالعجز أصبح ملازماً له
لم يفكر مرة أخرى فقط هاتف ذلك الغريب الذى طلب منه أن يقوم بهذا الفعل الغير قانونى فى مقابل حفنة من النقود تنعش حياة أبناءه وزوجته , وفى المقابل سنوات قليلة فى السجن سوف يخرج بعدها إلى حضن عائلته
وذلك البرئ الذى سوف يأخذه طوفان ما سوف يفعله إلى نهاية مستقبله , ما ذنبه ؟
هكذا حدثه ضميره المستيقظ , ولكنه أسكته سريعاً وهو يقول فى نفسه : وما ذنبى أنا وأبناءى أن نعيش حياة الأموات لا أحد يسأل عنا , أعمل ليل نهار لأحصل بعض الجنيهات التى لا تكفى إطعام أهل بيتى بعض القيمات
عاد إلى منزله فرحاً وهو محمل بما لذ وطاب , إستقبله أبناءه بسعادة عارمة مع بعض القبلات التى يخفق لها قلبه
أعطاهم كل ما بيده ووضع رزمة نقدية فى حجر زوجته , ليبتسم لها قلبها قبل وجهها وهى تقول :
– اية دة كله يا متولى ؟
ليرد بأعين زائغة :
– ادونى مكافئة فى الشغل
فتنفرج أسارير تلك الزوجة الطيبة وهى تدث النقود تحت وسادتها , ثم تقول وهى تهم بالمغادرة :
– انا هقوم اعملك لقمة تاكلها
فيهز رأسه بإيجاب دون أن يتحدث , ويظل ينظر إلى أبناءه وهم ينعمون بذلك الطعام الشهى الذى أحضره لهم لتوه , وتعلو وجهه إبتسامة لم تلبث إلا أن هربت سريعاً وهو يتذكر الليالى التى سوف يقضيها بين جدران السجن بعيداً عنهم
الفصل التاسع عشر
***********************
رغم ما بها من ألام وما تشعر به من أسى , كان قلبها يخفق لقربه
كانت تنظر له من الحين للأخر وهى تجلس جانبه وهو يقود السيارة عائداً بها إلى المنزل , كان يخالجه الكثير من المشاعر المتضاربة ولكن ما كان يغلب عليه هو الحنين إلى إحتوائها مرة أخرى
وصلا إلى المنزل وقفا أمام الدرج يتلقيان نظرات الشوق المتبادلة , حين قطعها هو قائلاً :
– اطلعى نامى دلوقتى , وحاولى متفكريش فى حاجة
وفر هارباً من شوقه إليها الذى يظهر جلياً بعينيه متوجه إلى غرفة مكتبه
فى حين صعدت هى الدرج بوجه واجم , إستدارت تنظر له وهو يرحل إلى أن إختفى عن نظرها
دلفت إلى غرفتها وهى غارقة فى همومها , إستعانت بحمامٍ دافئ حتى تزيح عنها تلك الهموم , وخلدت فى فراشها وصورة شيرى وهى فى المشفى لم تفارق ذاكرتها
***********************************
– خلى بالك يا متولى انت لا شفتنى ولا تعرفنى , مفهوم ؟
قال تلك الكلمات عبر هاتفه بعد أن نفث دخان لفافة تبغه فى الهواء , رد الطرف الأخر :
– تمام يا ياسر باشا
– تمام يا متولى ومتخافش على ولادك والجماعة انا هبعتلهم واحد ببقيت حسابك , وهخليه يعدى عليهم كل فترة يشوف طلباتهم
– الف شكر يا ياسر باشا
أغلق الهاتف وهو منتشياً , ويشعر بإنتصاره الذى حصل عليه بعد أن صبر طويلاً
**************************************
ضحك بسخرية , وهو يقول :
– لا حول ولا قوة إلا بالله
ضيقت عينيها وهى تقول بإستغراب :
– بتضحك ليه ؟
فقال وهو ينظر لها :
– تعرفى يا شيرى يا بنتى , ان أنا ومراتى بنتمنى اليوم اللى يرجع فيه ابننا , دة أنا خايف لحسن أمه تموت بحسرتها على فراقه
– بعد الشر عليها ياعمو , يارب يرجعلكم بالسلامة
ربت على كتفها بحنان , وهو يقول :
– ويارب كمان والدك ووالدتك يرجعوا بالسلامة
قالت والدموع تتوق للخروج من عينها :
– ما أظنش ياعمو
– ربنا كبير يا بنتى , وبعدين مش انتى وعدتينى تعتبرينى زى والدك , والحاجة دى نفسها تشوفك اوى من ساعة ما كلمتها عنك , بس لولا رجليها تعباها كانت جاتلك
– ربنا يشفيها
– امين , ويتم شفاكى على خير عشان تيجى انتى تزوريها بنفسك
إبتسمت له بحب لم تشعر به من قبل تجاه هذا الرجل الغريب الذى أنعش بداخلها أحاسيس قد كانت فقدتها بفقدان والديها
طرق باب الغرفة , ثم دخل بعدها حسام ليلقى عليهم التحية , سألته شيرى بعيناها قبل لسانها :
– فين بوسى ؟ هى تعبانة ؟
ليرد ببعض الحرج :
– هى تعبت شوية , بس كانت عايزة تطمن عليكى , وانا قلتلها انى هاجى اطمن عليكى بنفسى , انتى عاملة اية دلوقتى ؟
لترد ببعض الحزن :
– الحمد لله
ليقف ذلك الرجل المسن بعد أن صافحه حسام , وهو يقول :
– طيب انا همشى بقى يا شيرى , وبكرة الصبح ان شاء الله هتلاقينى عندك
لترد وقد عادت الإبتسامة لترتسم على وجهها :
– ماشى يا عمو صلاح هستناك , وابقى سلملى على طنط نهلة كتير
فودعها بإشارة من يده وهما يتبادلان الإبتسام , وترك الغرفة
قالت شيرى بإمتنان :
– انا متشكرة اوى يا حسام انك تعبت نفسك وجيت
– متقوليش كدة , دى بوسى بتحبك اوى , وبتعتبرك زى أختها
نزلت كلماته كالخنجر المسنون الذى غرسه فى صدرها , إبتلعت غصتها وهى تتذكر ما كانت تخطط له دائماً للإيقاع ببوسى
قالت بضيق :
– وانا كمان بحبها اوى , واكتشفت انى مليش حد غيرها فى الدنيا دى
ثم قالت وكأنها تذكرت شيئاً هاماً :
– على فكرة هى بتحبك اوى , وندمانة اوى اوى على اللى هى عملته , ياريت تسامحها , دى طيبة اوى وملهاش حد غيرك
أماء برأسه فى إيجاب , وقال وهو يهم بالمغادرة :
– الحمد لله انك احسن من امبارح , ولو احتاجتى اى حاجة اوعى تترددى انك تبلغينى او تبلغى بوسى
إبتسمت برضا دون أن تتحدث , وظلت تنظر له إلى أن رحل
********************************
– خلاص يا متولى حملت العربية
رد ببعض التوتر :
– تمام يا ريس فتحى
ربت فتحى على ظهره وهو يقول :
– طيب يلا اطلع بيها عشان تلحق توصل قبل الليل
إبتسم بجانب فمه وهو يرد :
– وجب ياريس
صعد تلك الشاحنة المحملة بالبضاعة التى سوف ينقلها إلى مخازن الشركة بمحافظة الدقهلية , جلس خلف المقود وهو يعلم تماماً الطريق الذى يخطو إليه
كان يعلم أن ياسر قد بلغ الشرطة بمواصفات السيارة وما تحتويه وأنه سوف يلقى القبض عليه مع أول لجنة مرورية سوف يمر بها
إنطلق بقلب يرتجف إلى مستقبل واهى لا يعلمه , ولكن كلام ياسر كان يتردد بذاكرته وهو يطمئنه أنه سوف لا تتعدى سنوات سجنه الثلاثة سنوات
أغمض عينيه فى ألم وهو يتذكر صغاره السبعة وهم متعلقون برقبته مودعين إياه بتلك القبلات الحارة , وتلك النظرة العاشقة التى تلقاها من زوجته قبل المغادرة
لا يعلم متى اللقاء ؟ وكيف سيتلقون الخبر ؟
نفض تلك الأفكار عن رأسه , وبدأ يشق طريقه مسرعاً إلى ذلك المصير الذى إختاره بمحض إرادته
*******************************
ظلت الإبتسامة مرسومة على ثغره منذ أن غادر المشفى , كان يقود سيارته عائداً إلى المنزل بلهفة وحنين إلى زوجته , فلقد قرر أن يخضع لقلبه الذى أنهكه الشوق وأضناه الحنين , فلن يظل مختبئاً خلف صخرة كبريائه بعد الأن , سوف يحطمها لأجل قلبه , لأجلها أميرة قلبه ومن ربعها على عرشه سلطانة
وصل إلى المنزل صعد الدرج بسرعة يدفعه قلبه إليها دفعاً , طرق على الباب ولم يستطع الصبر حتى تفتح هى الباب
فتح الباب وولج إلى الداخل بقلب يرقص طرباً لرؤيتها , دهشت لرؤيته أمامها , خفق قلبها لبسمته التى أزانت وجهه
قال وهو لايزال على إبتسامته :
– عاملة اية دلوقتى ؟
قامت من جلستها وهى تحاول أن تتمالك نفسها حتى لا يفضحها شوق عيناها :
– كويسة
إقترب منها ووضع يده على بطنها وهو يقول :
– وابننا عامل إية ؟
نظرت إلى يده وهى على بطنها , ثم قالت بابتسامة صغيرة :
– كويس
نظر لها بإشتياق قائلاً :
– بس أنا بقى مش كويس
نظرت له بدهشة , وهى تقول :
– ليه ؟
ترك أنامله تتخلل داخل ليل شعرها وهو يقول بحنان :
– وحشتينى أوى
لتتسع إبتسامتها وتظهر تلك الورود الحمراء على وجنتيها تعبر عن خجلها , ثم تتحول نظرتها لتبادله الإشتياق وهى تقول :
– وانت كمان وحشتنى أوى
ليقترب بوجهه من وجهها حتى يروى عطشه من رحيقها
ولكنها فزعت بين يديه حينما سمعت ذلك الصوت المنتظم لسرينة سيارة الشرطة يقترب من الفيلا
هرع حسام إلى الشرفة فى حين إرتدت هى شال ليغطى شعرها وركضت خلفه لتعلم ما يحدث
كانت سيارة الشرطة قد توقفت داخل الحديقة , وترجل منها ثلاث رجال من الشرطة
كانت تنظر له بدهشة ممزوجة بخوف , طمئنها بنظرة حانية ونزل إلى أسفل بصحبتها , وقبل أن يسأل أى منهم عن سبب مجيئهم إلى منزله جاءت الإجابة عندما قال الضابط بطريقة جامدة موجهاً حديثه لحسام :
– حضرتك الأستاذ حسام مجدى محمد نور الدين ؟
أماء حسام برأسه وهو يجيبه :
– أيوة أنا
رد الضابط وهو يمد يده بورقة إلى حسام :
– معايا امر بالقبض عليك
كلمات إعتاد أن يتلفظ بها , كلمات سهلة على لسانه , صعبة على مسامع من يتلقوها
وضعت يدها على ثغرها تكتم شهقتها وهى تقول بفزع :
– حسام , لا أكيد فيه حاجة غلط
إبتلع حسام غصته وهو يحيط كتفيها بذراعه ليهدئها , ثم قال موجهاً حديثه للضابط :
– انا مش فاهم حاجة , هو فيه اية بالظبط ؟
رد الضابط وهو يشير له تجاه الباب :
– اتفضل حضرتك معايا وهتعرف كل حاجة
نظر حسام لبوسى نظرة يبث بها الثبات والطمئنينة وهو يقول :
– متقلقيش يا حبيبتى , انا متأكد ان فيه حاجة غلط فى الموضوع
وتركها ورحل معهم , وهى تنظر له بعيون تزرف الدموع , كادت أن تركض خلفه لولا أن المربية منعتها من ذلك وهى تدعو الله بقلبها أن ينجيه
*************************************
صمت يبوح بكل ما يعتمل داخله , عينان ينظران إلى لا شئ , مشاعر تتصارع بداخله , أفكار تثور بعقله , أسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة
ماذا حدث ؟ وكيف حدث ؟ ولماذا حدث ؟
لا يشعر بشئ ولا بأحد , من يراه يشعر أنه لا يرى ما أمامه فى تلك الغرفة المظلمة التى لا ترى الشمس ولا ينيرها سوى تلك الطاقة الصغيرة التى تتخللها تلك القضبان الحديدية الرفيعة , التى تصرخ فى وجوههم بظلمة العبودية والقهر , ونفيهم بعيداً عن معالم الحياة مع زويهم , بإحتجازهم فى ذلك الجُب
تقلصت عضلات وجهه قليلاً حينما سمع صوت ذلك الرجل الجالس بجانبه , وهو يهمس بأذنه :
– سامحنى يا أستاذ حسام
فإستدار بجسده إلى صاحب الصوت , لتتحول حالة الجمود التى كان عليها إلى ثورة تفاجئ بها جميع الحضور
حينما أمسك حسام بتلابيب ذلك الرجل ودفعه بوجه صارخ إلى أن صدمه بالحائط , ثم فاجأه بلكمة قوية على وجهه , وكاد أن يكمل ما بدأه بلكمة أخرى لولا أن بقية الرجال الجالسون معهم بنفس الغرفة أمسكوا بحسام وأبعدوه عنه وحاولوا تهدئته , لكنه كان مثل البركان الثائر , فلم يكن يرى أمامه غير ذلك الذئب البشرى , الذى زج به داخل السجن دون أى ذنب إقترفه ولا حتى سبب يعلمه
جلس بعد ضغط من حوله عليه , كان صدره يعلو ويهبط وعيناه منصبة بنظرات شرسة على متولى الذى ولج إلى السجن قبله بسويعات قليلة
بعد أن أفاق متولى من صدمته , تدارك نفسه وإستجمع شجاعته , توجه ليقف أمام حسام بإنكسار تام , قائلاً والخزى يملأ حروفه :
– الفقر والجوع همه اللى خلونى اعمل كدة
نظر له حسام شزراً , وقال بصوت به أنين كأنه يأتى من وادٍ سحيق :
– ودلوقتى بقى خلصت من الفقر والجوع على حسابى ؟ دوست عليا عشان تعيش انت ؟
رد ببعض الألم :
– ياريت أنا اللى كنت جعان , لكن لما يبقى حتة منك بتجرى على الارض بتصرخ وبتبكى من كتر الجوع , بتبقى زى المجنون مش عارف تعمل اية , مصدقت شوفت الفلوس بتترمى قودامى , الفلوس اللى هتخلى ولادى السبعة يعيشوا ويلاقوا لقمة ياكلوها
نظر حسام له بغضب , وقال بإستهجان :
– كان ممكن تنحت فى الصخر عشانهم , بدل ما تمشى فى سكة الحرام
جلس بجانبه , وقد بدأت عيناه تزرف الدموع وهو يقول :
– مين اللى قالك يا بيه انى منحتش فى الصخر عشانهم , لكن مبقاش بايدى , شوية الملاليم اللى بحصلهم اخر الشهر مبيكفوش العيش الحاف
رد حسام وقد أسند رأسه على يده :
– وتفتكر ربنا هيباركلك فيهم وانت بتأكلهم بمال حرام
دقت كلمات حسام فى عقل متولى كالناقوص , وبدأ يخشى على أطفاله من غضب المنتقم الجبار , أجهش بالبكاء وأخذ يدعو الله ألا يعاقبه فيهم , وينتقم منه هو , لا من صغاره