جواد بلا فارس ٧
الحلقة ( 29 ) الجزء الاول
تمددت “آيات” فى ظلام غرفتها وهى تسمع تردد كلمات “آدم” فى عقلها .. تنهدت بقوة وهى تشعر بحيرة كبيرة بداخلها .. خاصة بعدما أخبرها “كريم” بعد عودته الى البيت بتقدم “أحمد” لخطبتها .. وأنه لن يرحل من القرية قبل أن يحصل على ردها .. وطلب منها “كريم” استخارة الله عز وجل فى هذا الأمر
عاودت التفكير فى “آدم” مرة أخرى .. كيف يطلب مسامحتها .. كيف تستطيع أن تفعل .. أيظن أن أخطائه بتلك السهولة التى من الممكن غفرانها .. كيف تثق به مرة أخرى .. كيف تثق بحبه ومشاعره مرة أخرى .. كيف تثق أنه تاب بالفعل .. لن تستطيع أن تتحمل صدمة أخرى .. يكفيها ما لاقت فى الفترة الماضية من صدمات مؤلمة .. لكن جزء آخر من نفسها يقول .. لما لا تعطينه فرصه .. لما لا تصدقيه خاصة وانكِ فقدتِ الآن كل شئ .. فماذا يريد منكِ غير حبكِ وقلبكِ .. الله يغفر للعبد مالم يغرغر .. فكيف لا تغفرين أنتِ .. أنتِ أيضاً فى حاجة أن تطلبى مغفرة الله ورضوانه .. فلكم عصيتيه .. ماذا سيكون شعورك لو رفض توبتكِ .. ألن تموتين قهراً وكمداً .. أطلقت تنهيدة أخرى ثم قامت من مضجعها وتوضأت وصلت ركعات القيام التى تصليها كل ليلة .. وبعدما انتهت وقبل أن تصلى الوتر .. صلت صلاة استخارة !
وأثناء سجودها وأثناء ترديدها لدعاء الاستخارة .. استشعرت أنها بين يدي الله عز وجل وأنها تستخيره فى أمرها .. وعندما وصلت الى هذا الجزء فى الدعاء :
– اللهم ان كان “آدم” ……..
توقفت للحظة وقد انتبهت أنها ذكرت اسم “آدم” بدلاً من “أحمد” والذى من المفترض أن تستخير الله من أجل رغبته فى الزواج منها .. صمتت للحظة .. ثم عاودها خشوعها وأكملت الدعاء كما خرج من قلبها أول مرة :
– اللهم ان كان “آدم” خيراً لى فى ديني ومعاشى وعاقبة أمرى فيسره لى وبارك لى فيه .. واللهم ان كان “آدم” شراً لى فى ديني ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه .. ثم اقدر لى الخير حيث كان وارضنى به .. انك على كل شئ قدير
انتهت من صلاة الفجر .. ونامت ملء جفونها
**********************************
فى صباح اليوم التالى .. وقفت “أسماء” فى الشرفة لا تريد الإجتماع معهن على مائدة الفطور .. فآخر ما تريده الآن هو رؤية “سمر” .. كان مجرد مرآها أمراً شاقاً عليها .. كلما رأتها تذكرت بأن “على” فضلها هى عن جميع النساء .. وبأنه يراها وحدها زوجته المستقبليه .. وأنه ما أراد أحداً سواها .. كان هذا الشعور يطـ,ــ,ـعنها .. يقـ,ــ,ـتلها .. يعذبها .. لكن للأسف تعلم أن عليها أن تعتاده .. فلعلها تسمع قريباً خبر خطبتهما !
تسللت نسمات الصباح تداعب الستائر المعلقة على شرفة البيت .. التفت “آدم” يتطلع الى السماء بزرقتها ونقائها .. تسللت الى أذنيه أصوات تغريد العصافير فوق الشجر .. نهض من مكانه وترك جريدته الصباحية ووقف يستند الى سور الشرفة .. يعبئ رئتيه بهواء البكور المنعش .. رفع رأسه الى السماء فوقه .. تخيل الله عز وجل فوق ..بعيد .. فوق سبع سماوات مما يقف الآن .. تأمل أن الله فوق عرشه .. مستوٍ عليه .. استواء يليق بجلاله وكماله .. تخيل الملائكة فى السماء .. تلبى أمر ربها .. تخيل الجنة وخازنها .. أخذ يتساءل تُرى كيف شكلها .. كيف نعيمها .. تُرى أمن الممكن أن يدخلها .. من أى باب يدخل .. تذكر احدى خطب الجمعة التى سمعها منذ فترة قريبه .. أن للجنة أبواب ثمانية .. احداها يسمى باب الصلاة .. يدخل منه المصلون القائمون الراكعون الساجدون آناء الليل وأطراف النهار .. واحداها باب الريان ويدخل منه أهل الصيام الذين يكثرون من صيام النوافل بجانب الفرائض .. واحداها باب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولاعذاب .. واحداها باب الصدقة .. واحداها باب الحج والعمرة .. واحداها باب الجهاد فى سبيل الله .. واحداها باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس الذين يعفون عن مظالمهم .. واحداها باب التوبـــه ! .. وهو مفتوح دائماً .. فى كل وقت وكل حين .. حتى تشرق الشمس من مغربها ..
شعر “آدم” بقشعريرة تسرى فى جسده وهو يتذكر كلام “كريم” عن شروط التوبة الصادقة .. والذى كان آخرها .. رد المظالم الى أهلها .. رفع نظره الى السماء مرة أخرى وهو يقول فى نفسه .. تًرى أمن الممكن أن أدخل الجنة من ذاك الباب .. بــاب التوبــة !
أخذ نفساً عميقاً ثم دلف الى الداخل .. توجه الى خزانه ثيابه وانتقى منها ما يرتديه .. أقبل على والدته وقبل رأسها قائلاً :
– ماما .. انا مسافر القاهرة
نظرت اليه بدهشة قائله :
– خير يا ابنى
قال “آدم” بحزم :
– فى حاجة مهمة لازم أعملها
قبل رأسها مرة أخرى قائله :
– ادعيلي
رفع كفيها الى السكاء قائله :
– ربنا يهديك يا ابنى وينورلك طريقك ويردك بالسلامة
لم يستطع “آدم” تأجيل هذا الأمر .. يجب أن يقوم به .. والآن ! .. هاتف “كريم” ليخبره بأمر سفره .. كانت “آيات” الى جوار “كريم” فى المكتب فاستمعت الى “كريم” وهو يقول :
– تيجي بالسلامة يا دكتور
سألت “كريم” وهى تتظاهر بالإنهماك فى تفحص الأوراق فى يدها :
– خير .. فى حاجة تخص القرية ؟
قال “كريم” وهو يعاود عمله :
– لا دكتور “آدم” مسافر القاهرة فبيعتذر انه مش هيقدر ييجى النهاردة
شردت “آيات” وهى تفكر فى سبب سفره المفاجئ الى القاهرة !
**************************************
وقفت تنظر اليه .. وهو منهمك فى ازاحة بعض ألواح الخشب المبعثرة وجمعها معاً فى مكان واحد .. اقتربت منه .. ووقفت أمامه .. التفت “على” اليها .. نظر اليها لبرهه .. بدت له جامدة الملامح .. فى عينيها نظرة غريبة .. غض بصره .. واعتدل واقفاً وهو ينفض يديه فى بعضهما البعض .. قالت بجمود :
– ممكن أسألك عن حاجة؟
تمتم بهدوء :
– اتفضلى
بلعت “أسماء” ريقها وهى تقول :
– لو انا استغفرت ربنا على الحاجات اللى أنا كنت بعملها غلط ومكنتش أعرف انها غلط .. ربنا هيسامحنى ؟
أومأ برأسه وهو يقول بحماس :
– طبعاً طالما توبتى من قلبك
أومأت برأسها ثم قالت :
– وممكن الناس اللى حوليا تسامحنى ؟ .. ولا هيفضلوا فاكرين الحاجات الغلط اللى كنت بعملها ؟
صمت وقد ضاقت عيناه .. ألقى على وجهها نظرة يحاول فيها تبين مقصدها من السؤال .. لم تقابله الا ملامحها الجامدة الخالية من أى انفعال .. تنظر الى عينيه مباشرة .. تبغى اجابه لسؤالها .. قال بحيرة :
– مش فاهم سؤالك .. تقصدى صحابك يعني .. أكيد هينسوا ويتعاملوا معاكى بناء على التغيير اللى حصلك
قالت بخفوت :
– لأ مقصدش صحابى
رفع عينيه مرة أخرى بدهشة .. هذه المرة لمح نظرة حزينه فى عينيها سرعان ما أخفتها قائله بصوت حاولت أن يبدو بارداً خالى من أى انفعال :
– صحيح نسيت أباركلك على كتب كتاب أختك .. مبروك لأختك .. وعقبالك انت و “سمر”
قالت ذلك ثم دارت على عقبيها دون أن يتمكن من الرد عليها .. شعر بالدهشة لعلمها بموضوع “سمر” .. تُرى أعلمت من “سمر” .. أهى من أخبرتها .. ولماذا كانت تتحدث معه بتلك الطريقة الغريبة .. ترك ما بيده وتوجه الى “إيمان” فى الصالة الرياضية .. اتصل بها وأخبرها أنه ينتظرها بالخارج لعدم استطاعته الدخول فالمكان مخصص للنساء فقط .. خرجت “إيمان” وهى تنظر اليه بقلق وقالت :
– فى ايه يا “على” ؟
نظر اليها “على” قائلاً بإهتمام :
– هى “أسماء” عرفت منين انى كنت متقدم لـ “سمر” .. انتى اللى قولتيلها ولا “سمر”
تحولت نظراتها الى الدهشة وهى تقول :
– انت ازاى عرفت ان “أسماء” عرفت بموضوع “سمر” .. انتوا بتتكلموا مع بعض فى مواضيع خاصة يا “على” ؟
زفر “على وقال بنفاذ صبر :
– سألتك يا “إيمان” سؤال جاوبيني عليه
قالت “إيمان” وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها :
– سمعتنى وأنا و “سمر” بنتكلم عن الموضوع ده .. وعرفت انك كنت متقدم لـ “سمر” .. انت ليه مهتم بالموضوع ده ؟
لم يجيبها .. بل سألها بإهتمام :
– “سمر” كانت بتقولك ايه بالظبط .. يعني ايه اللى جاب سيرة الموضوع
– مفيش الموضوع اتفتح فجأة وكل اللى قالته “سمر” انها محتارة .. صلت استخارة بس مش عارفه تاخد قرار
أومأ “على” برأسها وصمت لبرهه .. ثم قال :
– و “أسماء” .. كان رد فعلها ايه لما عرفت ؟
ازدادت نظرات “إيمان” حدة وهى تقول :
– “على” فى ايه بالظبط .. حرام عليك لو كنت بتعشمها بحاجة .. البنت أصلاً فيها اللى مكفيها مهياش ناقصة
نظر اليها “على” وهو يعقد جبينه فى استغراب قائلاً :
– يعني ايه فيها اللى مكفيها .. انتى تعرفى عنها ايه بالظبط ؟
– أعرف ان مامتها وباباها على طول بينهم مشاكل جامدة .. وانها بنت وحيدة .. وان فى الآخر باباها طرد مامتها من البيت واتجوز واحدة تانية .. وطردها هى كمان .. وراحت عاشت مع مامتها فى بيت جدها .. بس سابت البيت معرفش ليه وراحت عاشت مع “آيات”
شرد “على” فى كلام “إيمان” عن “أسماء” فقاطعت “إيمان” تفكيره وهى تقول بحزن :
– “على” ابعد عنها أحسن ..متخليهاش تتعلق بيك أكتر من كده
نظر اليها “على” بدهشة قائلاً :
– يعني ايه مخليهاش تتعلق بيا أكتر من كده .. مين قال انها متعلقة بيا أصلاً
هتفت “إيمان” بحده :
– أنا سمعتها وهى بتتكلم مع “آيات” عنك .. متعشمهاش بحاجة يا “على” والله البنت فعلاً مش متحمله صدمة
ضاقت عيناه وهو ينظر اليها قائلاً :
– سمعتيها بتقول ايه عنى ؟
بدا على “إيمان” التردد لكنها حسمت أمرها وقالت :
– سمعتها بتقول انها .. بتحبك
تجمدت نظرات “على” على “إيمان” وهو يحاول استيعاب هذ التصريح .. أكملت “إيمان” :
– أنا قولتلك عشان تبقى عارف وتاخد بالك من تصرفاتك معاها عشان متفهمكش غلط وتعشم نفسها على الفاضى
ثم لاحت سحابة حزن فى عينيها وهى تقول :
– الإحساس ده وحش أوى .. لما تتعشم بحاجة وتلاقيها ضاعت منك .. عشان كده مش عايزاك تكون السبب فى ان “أسماء” تحسه .. هى رغم انها عنيدة .. بس طيبة وغلبانه أوى .. ومش عايزاها تتجرح
أومأ “على” برأسه وهو يشعر بضيق شديد .. ثم غادر واجماً دون أن ينطق ببنت شفه !
********************************************
شعرت “بوسى” بمزيج من الدهشة والخوف والفزع وهى تفتح الباب لتجد “آدم” ماثلاً أمامها .. هتفت بصوت مضطرب :
– “آدم” ! .. عايز ايه ؟
لم تنتظر رداً بل حاولت غلق الباب لكنه وضع قدمه يمنعها من غلقه .. جرت فى اتجاه الهاتف تنوى الإتصال بالأمن الموجود أسفل العمارة .. لكن “آدم” دفع الباب ودخل وجذب الهاتف من يدها وهو يقول :
– استنى يا “بوسى” متخفيش
أخذت تتراجع الى الوراء وهى تنظر اليه بفزع قائله :
– اطلع بره يا إما هصوت وألم عليك العمارة
مدت لها “آدم” يده بذلك المغلف الكبير الذى كان يحمله .. والذى لم تنتبه اليه منذ البداية .. قال بهدوء :
– خدى يا “بوسى”
نظرت الى المغلف بشك ثم رفعت عينها تنظر اليه قائله وهى مازالت تشعر بالخوف :
– ايه ده
أخذ نفساً عميقاً ثم قال بحزم :
– دى الفلوس اللى شاركتيني بيها فى العربية والفلوس اللى خدتها منك وقولتلك انى هرجعهالك والفلوس اللى خدتها وما قولتش انى هرجعهالك
تحولت نظرات الخوف الى نظرات الدهشة فى عينيها فأكمل قائلاً :
– انا معرفتش أحسن المبلغ بالظبط .. بس أنا مملكش غير العربية ولسه بايعها حالاً .. هى طبعاً اتباعت بخسارة .. ودى كل الفلوس اللى استلمتها من صاحب الأجنس اللى اشتراها .. خديهم عديهم وشوفى يكفوا انك تسامحيني وتنسى الدين اللى عليا ليكي ولا لأ
ازداد اتساع عينيها دهشة وهى تشعر بأنها ترى “آدم” آخر غير الذى تعرفه .. وقفت جامدة لا تتحرك .. فقال “آدم” وهو ينظر الى يده الممدودة بالمغلف :
– خدى يا “بوسى” .. عديهم وشوفى يكفوا ولا لأ
أخذت منه المغلف بتردد .. نظرت الى المال بداخله دون أن تقوم بعده ولكنها شعرت بأن المبلغ كبير .. يكفى ويفيض .. نظرت اليه وقالت :
– أنا حسه ان ده أكتر من الفلوس اللى خدتها منى ومن الفلوس اللى شاركتك بيها فى العربة
تنهد “آدم” بإرتاح وقال :
– طب الحمد لله .. كنت خايف ميقضوش
ثم قال بأسى :
– متنسيش انى كنت عايش هنا وانتى بتصرفى على البيت أكل وشرب وغيره .. يعني لو جينا حسبناها بالظبط هلاقى نفسى مديون ليكي .. بس أهم حاجة انك تسامحيني .. على كل اساءه منى .. وعلى كل غلطة عملتها فى حقك .. من أول علاقتنا اللى كانت كلها غلط فى غلط
نظرت اليه “بوسى” مبتسمه وهى تقول :
– طبعاً مسامحاك يا “آدم” .. انت عارف انى مبعرفش أزعل منك أبداً
تركت المغلف من يدها على الطاولة .. وتوجهت الى باب البيت تغلقه .. ثم عادت تتهادى فى خطواتها .. وقفت أمامها تستند بيدها على صدره وهى تنظر الى عينيه بهيام قائله :
– تعرف انك وحشتنى أوى .. رغم انى كنت خايفة منك لما شوفتك بس حسيت انك واحشنى اوى
أزاح “آدم” يديها بحزم .. وقال :
– سامحتيني على أى اساءه صدرت منى ؟
ابتسمت وهى تعيد وضع يديها على صدره قائله :
– أيوة يا حبيبى
أزاح يديها مرة أخرى وهو يقول :
– استغفرى ربنا يا “بوسى” .. حياتك كلها غلط .. لو متى دلوقتى عارفه مصيرك ايه ؟ .. استغفرى ربنا قبل ما تلاقى نفسك جوه القبر وبتندمى على كل ذنوبك الصغير قبل الكبير
توجه الى باب البيت فتحه وخرج !
لأول مرة منذ سنوات يركب “آدم” المواصلات العامة .. كان قد نسى تلك المعاناة الشاقة التى تذكره بأيام ثانوى وبالجامعة حينما كان يتزاحم وسط الركاب ليستطيع أن يجد مكاناً يقف فيه .. يعد الدقائق التى تفصله عن مكان نزوله فينزل بنفس الصعوبة التى صعد بها !
كان المنظر يبدو غريباً .. رجلاً وسيماً يرتدى حل أنيقة للغاية يرتاد المواصلات العامة ! .. كان معه ما يكفى ليركب أحد سيارات الأجرة .. لكنه لم يستطع مقاومة اغراء ركوب الحافلة .. تذكر “آدم” ذو الثامنة عشرة ربيعاً والذى كان يرتاد تلك الحافلة يومياً للذهاب الى جامعته .. سابحاً فى بحر أحلامه وطموحاته .. بقلبه النقى التقى وعينيه الشغوفتان .. وآماله العريضه التى يخطها عقله .. وعلى الرغم من مرور خمسة عشر عاماً .. إلا أنه فى تلك اللحظة شعر كما كان يشعر “آدم” ذو الثمانية عشرة ربيعاً .. رغم الزحام الشديد فى هذ الوقت من اليوم .. ورغم وقوفه بطريقة غير مريحة .. الا أنه شعر بإبتسامه صغيره تلوح فوق شفتيه .. كان شعور الرضا يغمر قلبه .. شعر بأنه أزاح حملاً ثقيلاً عن قلبه فصار خفيفاً يرفرف بجناحيه داخل قفصه العظمى !
نزل ليركب احد الأتوبيسات المتوجهة الى العين الساخنة .. ليعود مرة أخرى الى قرية المــاســة .. تلك القرية التى يشعر الآن بإنتماء شديد اليها .. لكل بنيانها ولكل سكانها .. وكأنه كان يعيش فيها منذ الأزل .. توقف الأتوبيس ليركب مرة أخرى سيارة توصله الى القرية .. دخل القرية مفرود الصدر .. ممشوق القامة .. يشعر بأنه انتصر أخيراً على تلك النفس الأمارة بالسوء .. والتى تحدث عنها “كريم” فى خطبته .. نعم استطاع مقاومتها .. مكافحتها .. وترويضها .. تمنى أن يصل الى مرحلة تلك النفس المطمئنة .. تمنى أن يصبح أفضل وأفضل .. لكنه ذكر نفسه قائلاً .. ليس بالتمنى فقط يصل الإنسان الى ما يريد يا “آدم” .. غاص فى البحر من أراد اللآلئ ! .. توجه الى مسجد القرية ليصلى فريضة العشاء .. ثم جلس فى أحد الأركان يقرأ من مصحفه الصغير الذى بات لا يفارقه !
فى اليوم التالى شعر الجميع بتغيير فى اسلوب “آدم” الذى اتسم بمرح لم يألفوه من قبل .. كان يعمل بمزيج من الثقة بالنفس والتفاؤل .. وكأنه ملك الدنيا بأسرها .. انعكست نفسيته على عمله فأبدع ! .. سعد “زياد” بهذا التغيير الذى آلم بصديقه .. سأله فجأة :
– انت فين عربيتك ؟
ابتسم “آدم” قائلاً :
– بعتها
نظر اليه “زياد” بدهشة وقال :
– بعتها ليه .. هتغيرها ؟
قال “آدم” بهدوء :
– لأ .. بعتها واديت فلوسها لـ “بوسى” .. عشان أرد الدين اللى كان فى رقبتى ليها
نظر اليه “زياد” بإعجاب وربت على كتفه قائلاً :
– متزعلش ربنا يعوضك غيرها ان شاء الله
ضحك “آدم” قائلاً :
– أنا مش زعلان على فكرة .. بالعكس .. عارف لما تحس انك كان فى حاجة مقيداك وفجأة اتحررت منها .. أهو أنا ده احساسى دلوقتى .. ياريتنى كنت عملت كده من زمان .. لى كنت هعرف انى هرتاح كده كنت بعتها من زمان ورجعتلها فلوسها
فى تلك اللحظة توجهت “سمر” الى العيادة .. لمحها “زياد” وهى تدخل المبنى .. فقال وهو يغدو مسرعاً :
– سلام دلوقتى يا “آدم”
جلس “آدم” على أحد المقاعد فى الحديقه .. يرفع ذراعيه على ظهر المقعد الكبير كما لو كان صقراً يهم بالطير فى السماء .. خرجت من مبنى الإدارة برفقة “أسماء” .. تتجاذبان أطراف الحديث .. نظر اليها متأملاً .. وابتسامه عذبة على شفتيه .. حانت منها التفاته اليه .. لترى “آيات” نظراته المصوبة تجاهها .. اتسعت ابتسامته العذبة .. خفق قلبها بقوة .. فأشاحت بوجهها بسرعة .. وحثت السير لتغادر المكان !
رآى “زياد” أحد الأطفال يلعب بالكره مع أصدقائه فى الحديقة أمام العيادة .. جذب الطفل الذى كان يجرى من ملابسه و ركع على ركبيته وهو ينظر اليه متفحصاً وهو يقول :
– ايه ده يا ابنى انت وشك أصفر كده ليه
قال الطفل بحيرة :
– مش عارف يا عمو
جذبه “زياد” من يده وقال بمرح وقد لمعت عيناه بخبث :
– طيب تعالى نروح للدكتورة وهى تقولنا وشك أصفر ليه
فوجئت “سمر” بـ “زياد” يدخل غرفة الفحس برفقة أحد الأطفال .. ابتسمت للطفل فبادلها ابتسامتها .. قال “زياد” بمرح :
– معلش يا دكتورة كشف مستعجل
نظرت اليه “سمر” قائله بجدية :
– اتفضل .. ايه مشكلته
قال “زياد” بلؤم :
– معرفش يا دكتورة بس وشه أصفر ومش طبيعى خالص
قامت “سمر” من مكانها تتابعها نظرات “زياد” الخبيثه .. حملت الطفل واجلسته على سرير الفحص وبدأت فى الكشف عليه .. ثم قالت :
– لا مفيهوش حاجة .. هكتبله على شوية فيتامينات وياريت تهتم بأكله كويس
قال “زياد” على الفور :
– لا أنا مش متجوز أصلاً .. الواد ده مش ابنى
نظرت اليه بدهشة فرأت المرح فى عينيه .. أشاحت بوجهها وتوجهت الى مكتبها مرة أخرى ودونت بعض الكلمات فوق الروشته ثم أعطتها له .. أخذ “زياد” الورقة منها وهو يشكرها قائلاً :
– متشكرين أوى يا دكتورة مش عارف من غيرك كنا عملنا ايه
خرج “زياد” .. فحركت رأسها يميناً ويساراً بدهشة .. قال الطفل لـ “زياد” بعدما خرج من العيادة :
– مش هتجبلى الدوا يا عمو
دفعه “زياد” من ظهره قائلاً :
– دوا ايه يا ابنى انت صدقت انك تعبانه .. ده انا اللى محتاج فيتامينات .. يلا روح شوف كنت بتعمل ايه
جرى الطفل فى اتجاه أصدقائه يكمل اللعب معهم .. رآى “زياد” طفل جالس على أحد المقاعد يأكل الآيس كريم .. فنظر اليه قائلاً :
– انت يا ابنى مال وشك أصفر كده ليه
نظر اليه ببلاهة قائلاً :
– ايه ؟
جذبه من يده قائلاً :
– تعالى تعالى هنروح للدكتورة تشوف مالك
فوجئت “سمر” بـ “زياد” يدخل غرفة الفحص وبيده طفل آخر .. أخذت تنظر الى الطفل ثم الى “زياد” الذى قال بلهفة :
– المرة دى الحالة مستعجلة جداً .. ومتحتملش تأخير
قامت ودارت حول المكتب بلهفة وهى تقول بقلق :
– خير فى ايه
أشار “زياد” الى الطفل الذى تلطخ وجهه بالآيس كريم .. قائلاً وهو يحاول أن يخفى ابتسامته :
– وشه أصفر أوى
نظرت اليه “سمر” بحده وقالت بشك :
– انت بجيب الأطفال دى منين
لم يستطيع كتم ضحكاته فضحك ضحكة مكتومة .. نظرت اليه “سمر” بغضب وقالت :
– انت جاى تهرج يا أستاذ
توقف عن الضحك بصعوبة وهو يقول :
– لا والله أبداً أصل أنا أمى الله يرحمها كانت دايماً تقولى عليك حنية قلب يا “زياد” مشفتهاش على حد
أشارت “سمر” يعينيها الى الباب وقالت بحزم :
– اتفضل
نظر اليها بغيظ وجذب الطفل من يده قائلاً :
– تعالى يا ابنى نشوفلنا دكتورة تانية .. الدكتورة دى قلبها قاسى
قبل أن يغادر التفت اليها قائلاً :
– على فكرة مش مسامحك على اللى عملتيه فيا المرة اللى فاتت ولازم تعتذرى
نظرت اليه “سمر” بحدة وغضت شفتيها بغضب .. فقال بمرح :
– خلاص خلاص .. أول مرة أشوف دكتورة أطفال مرعبة كده .. المفروض بيكونوا رقاق كده وكيوت .. عشان الأطفال متخفش منهم
أشارت الى الباب برأسها وقالت بحزم :
– اتفضل
ابتسم “زياد” ورمقها بنظرة إعجاب قبل أم يغادر الغرفة .. هزت رأسها فى حيرة قائله :
– مجنون ده ولا ايه