في قبضة الهواري لسوما

في قبضة الهواري لسوما
حكايات سوما الفصل الأول: ليلى.. كسر التوقعات في قلب السرايا صوت الطبول وضــ,,ـــــربات الربابة ودفوف الفرح الصعيدي الكبير لسه عمالة تتردد أصداؤها في أرجاء سرايا “عيلة الهواري”، المكان كله كان مليان بحالة من الصخب والبهجة الظاهرة، لكن في وسط كل ده، كان فيه توتر خفي الكل حاسس بيه. الجوازة دي ما كانتش مجرد فرح عادي لعائلة من أكبر عائلات الصعيد، دي كانت صفقة وتحالف ضروري بين عالمين مختلفين تماماً.من شهور، بدأت الأزمات المالية تضــ,,ـــــرب إمبراطورية رجل الأعمال الكبير “محمود الشاذلي”، الراجل اللي كان طول عمره بيتباهى بفلوسه وعلاقاته وسلطته في العاصمة. ومع اقتراب انهيار شركاته وتراكم الديون الضخمة عليه، لقى نفسه في زاوية ضيقة، ومفيش أي طوق نجاة ممكن ينقذه من السجــ,,ـــــن والفضيحة غير نسب جديد يربطه بسلطة عيلة صعيدية عريقة زي “آل الهواري”، عيلة ليها كلمتها ومسموعة، و عندها من النفوذ المالي والسياسي اللي يخلي أي أزمة تتبخر في ثواني. طبعاً، المفاوضات ما كانتش سهلة. “حمزة الهواري”، حفيد العيلة الكبير ورجل الأعمال الصارم اللي بيدير كل استثمارات العيلة بذكاء وحزم، كان رافض الفكرة من أساسها في الأول. بالنسبة لحمزة، الجواز مش مجرد تجارة ولا مصلحة ، وكان واصل له كلام كتير عن بنات الوسط اللي هو فيه وحياة الانفتاح والسهرات والمظاهر الكذابة. نظرته للستات عموماً كانت نظرة دونية ، وبقناعة راسخة جواه إن “الصنف كله واحد”.. الستات في نظره مش أكتر من كائنات بتدور علي المظاهر، أو وسائل لتفريغ رغبات وشهوات دنيوية مؤقتة.لكن ضغوط كبار العيلة، وحاجة محمود الشاذلي الملحة، وتحت وطأة ديون متراكمة، فرضوا الأمر الواقع على حمزة. (الجد) أمر، و كلمته ما بتنزلش الأرض .. وافق حمزة مجبراً، بس عقله كان شايف الموضوع بمنتهى البرود .. التاجر: الشاذلي بيبيع بنته عشان يفك ازمة ، وهو (حمزة) هيدفع المقابل.. ست تدخل بيته، تكون تحت امره، يلاقي عندها متعة و يشبع غريزته وقت ما يحب، من غير أي قيود عاطفية أو وجع دماغ. هي مجرد صفقة شراء خدمة أو كائن متاح في أي وقت لتفريغ الرغبة، وبس. بقلم حكايات_سوما عشان كده، وهو ماشي في الممر الطويل لجناحه، كان حاطط في دماغه صورة واحدة نمطية وواضحة لعروسته الصغيرة : بنت مدللة، متعودة على سهرات مصر وحياة الانفتاح، هيدخل الأوضة هيلاقيها لابسة أحدث صيحات الفساتين العارية، حاطة أطنان من الميكب الصارخ، وشايلة في عيونها غرور وتبجح واحدة باعت نفسها لفلوسه ومستنية تفرض شروطها عليه. وصل لمقبــ,,ـــــض الباب، فتحه ببطء بهيبة وثقل، وخطا لداخل الجناح لكنه اتفاجيء تماما باللي شايفه قدامه : «إيه يا عروسة المنظر ده ، ده إنتِ حتى سُمعتك سبقاكي والمفروض عارفة شغلك كويس.. ولا إنتِ كريمة مع الكل، وجوزك هو الوحيد اللي هتحرميه من الدلع؟ !» صوته جه ساخر، خشن، ومليان استهزاء، أول ما فتح باب الأوضة ودخلليلى رفعت راسها بسرعة، واتنفضت من مكانها كأنها اتقفشت بتعمل حاجة غلط. كانت قاعدة على طرف السر,,ـــــير، لابسة فستان فرحها المحتشم، إيديها متشابكة في حجرها، وعينيها متعلقة بالأرض من شدة الكسوف والتوتر. كانت مستنية اللحظة دي وهي بتحاول تقنع نفسها إنها تقدر تعدّي الليلة من غير مشاكل، لكن أول ما سمعت صوته، رفعت عينيها ناحيته للحظة، وبعدين رجعت بصت للأرض تاني. أما هو، فوقف قدامها يتأملها بنظرة باردة، وبعدها أطلق ضحكة قصيرة خالية من أي مرح. «لا ده انتي بجد بتعيشي اللحظة بقى؟!» ليلى رفعت عينيها باستغراب «نعم؟» قرب خطوتين، وفك زرار كُم بدلته وهو بيقول بنبرة مستفزة: «الصراحة أنا كنت متوقع ألاقي عروسة مستنياني بشكل مختلف شوية… مش قاعدة كأنها داخلة امتحان، وخايفة حتى تبص في وشي! » وشها احمر من الإهانة، لكنها فضلت ساكتةهو لاحظ سكوتها، فابتسم ابتسامة جانبية وقال: «ولا إنتِ بتلعبي دور البريئة من أول ليلة؟»حكايات_سوما رفعت ليلى راسها المرة دي، وبصت له مباشرة. كان واضح في عينيها إنها مش فاهمة هو بيتكلم معاها بالطريقة دي ليه، لكن كرامتها منعتها تسأله بخوف أو تتوسل له يفهمهاقالت بصوت هادي، لكنه ثابت: «أنا مش بلعب أي دور. أنا المفروض عروسة ، مراتك ، ودي ليلة فرحنا، ومش فاهمة إيه اللي يخليك تكلمني بالطريقة دي.» اتغيرت ملامحه للحظة، وكأن ردها ماكانش متوقعه. لكنه سرعان ما رجع لنفس نبرة الاستعلاء «مراتي؟!» كرر الكلمة وهو بيضحك بسخرية «واضح إن أبوكي عرف يختار لك الكلام اللي تقوليه كويس . . بس خليني أوفر عليكي المجهود من دلوقتي؛ أنا مش من النوع اللي بيتخدع بالمظاهر، ولا بحب الست اللي تلبس وش البراءة قدامي وهي عارفة كويس إيه اللي جابها هنا.» ليلى اتجمدت مكانها «أنا بجد مش فاهمة قصدك» «مش فاهمة؟!» رفع حاجبه، وبصلها من فوق لتحت بنظرة ضايقتها، قبل ما يقول: «غريبة! مع إن سُمعتك كانت واصلالي من قبل ما أشوفك .. واللي اتقال لي عنك خلاني أرفض الجوازة دي أكتر من مرة، لولا إن جدي كان عنده رأي تاني، وكلمة قالها ولازم تتنفذ» سكت لحظة، وبعدين كمل ببرود: «على العموم، أنا مش داخل الليلة دي عشان أحقق معاكي في ماضيكي، ولا عايز أسمع تبريرات .. كل اللي يهمني إنك تفهمي إن حياتك هنا ليها قواعد، وأنا مش بحب حد يتجاوزها» ليلى بلعت ريقها بصعوبةكانت كل كلمة بيقولها بتزود حيرتها .. هي عارفة إن جوازها منه ماكانش اختيارًا عاطفيًا، وعارفة إن أبوها حطها في صفقة هي نفسها مش واثقة من نهايتها، لكنها ماكنتش متخيلة إن جوزها هيدخل عليها وهو شايل عنها الصورة دي .قالت بحذر: «أنا مش جاية أفرض عليك حاجة، ولا عندي نية أخالف قواعد بيتك. بس من حقي أفهم إنت متوقع مني إيه، بدل ما تحكم عليّا من كلام الناس» نظر لها طويلًا، وكأن جرأتها الهادية استفزته أكتر من خوفها «و مين قال إني محتاج أفهمك ؟!» وبعدين أشار ناحية الكرسي المقابل، وقال بلهجة آمرة: «اقعدي ، واسمعيني كويس و للآخر .. أنا وافقت على الجوازة دي عشان جدي، وعشان التزام قديم بين العيلتين .. لا شاغل نفسي بمشاعر و حب، ولا دخلت الجوازة دي أدور على زوجة أحلامي .. فبلاش من أول ليلة نبدأ بأوهام ملهاش مكان هنا» ليلى كانت لسه واقفة، فبصلها بحدة «قولت اقعدي وأنا بكلمك» ردت بهدوء: «سامعاك» رد بصرامة : «مش كفاية .. لما أقول كلمة تتنفذ ولما أقولك اقعدي، تقعدي» ترددت لحظة، ثم جلست على طرف السر,,ـــــير من جديد، وضمّت إيديها لبعض وهي بتحاول تخفي ارتجاف أصابعها. هو سحب الكرسي وقعد قدامها، وسند ضهره عليه، قبل ما يقول: «خلينا نتفق على حاجة .. أنا مش هتدخل في اي تفصيلة في حياتك، طول ما إنتِ عارفة حدودك. وفي المقابل، مش هقبل إن حد يتدخل في حياتي أو يحاول يفرض عليّا حاجة. لا دموع، ولا تمثيل، ولا حكايات عن إنك مظلومة ومش فاهمة الدنيا هنا ماشية ازاي» ليلى رفعت عينيها له، وظهر في نظرتها وجع حاولت تداريه «وإنت حكمت عليّا بكل ده من إمتى؟» سكت ثانية..السؤال كان بسيط، لكن طريقته في النظر لها اتغيرت للحظة، كأنها لمست نقطة هو مش مستعد يناقشهابقلم حكايات_سوماثم قال بجمود: «من قبل ما أدخل الأوضة دي. » ردت بصوت خافت: «يبقى إنت مش محتاج تسمعني أصلًا.» وقف للحظة، وكأنه ماكانش متوقع منها الرد ده، لكنه بدل ما يعتذر أو يراجع نفسه، قام من مكانه وقال: «أنا مش بحب الجدال. وبالمناسبة، يا لِيلي…»حكايات_سومارفعت راسها بسرعة، وقاطعته لأول مرة: «لَيلى» التفت لها باستغراب «افندم؟» «اسمي لَيلىٰ، مش لِيلِي» فضل باصص لها ثانيتين، ثم هز كتفه بلا مبالاة، وكأن الفرق بين الاسمين ما يستاهلش عنده أكتر من لحظة استغراب «ماعلينا ، لَيلىٰ لِيلِى.. مش دي المشكلة دلوقتي» ثم أكمل كلامه بنفس البرود، كأنها ما صححتش له حاجة أصلًا: «المهم، أنا مش هكرر كلامي مرتين .. بكرة هتتعرفي على البيت وأهله، وهتعرفي إيه المطلوب منك. ولحد ما تفهمي طبيعة الحياة هنا، الأفضل تسمعي أكتر ما تتكلمي.» ليلى بصت له في صمت..كان نفسها تسأله مين اللي حكى له عنها، وإيه اللي وصله للدرجة اللي تخليه يدخل عليها وهو شايفها بالشكل ده، لكنها أدركت إن أي محاولة للدفاع عن نفسها دلوقتي ممكن تتحول لمعركة هي مش مستعدة لها. أما هو، فكان شايف سكوتها دليلًا على إنها أخيرًا فهمت موقفها.تحرك ناحية الباب، وقبل ما يخرج، وقف والتفت لها للمرة الأخيرة «وحاجة أخيرة يا ليلى… أنا مش راجل سهل، ومش هسمح لحد يلعب بيا أو يستغفلني. فلو في حاجة إنتِ مخبياها، الأحسن تظهر من دلوقتي.» خرج وأغلق الباب خلفه. ليلى فضلت مكانها، عينيها معلقة بالباب، وكأنها بتحاول تستوعب اللي حصل في أول دقائق من جوازها.وسط سكون الليل، وسرايا آل الهواري اللي نايمة على تخوم الصعيد الواسعة، سابت دموعها تنزل بصمت من غير ما تعلي صوتها. فكرت في أبوها اللي باعها عشان ينقذ شركاته، وفكرت في السنين اللي عانت فيها لحد ما لقت نفسها مجبرة تدخل المعركة دي من غير إرادتها. لم تعد تتذكر سوى صوت أبيها وهو بيزج بها في هذا الزواج المصلحي القاسي، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة ذئب بشري لا يرى فيها سوى عقد قانوني وسلعة مشتراة. لكن بين أضلعها، رغم كل الضعف اللي حست بيه، كان فيه صوت تاني صغير بيعاند.. صوت بيقول إنها مش هتستسلم بالسهولة دي، وإن أيامها هنا ياما هتشهد مفاجآت تانية خالص يتبع …. الفصل الثاني في قبــ,,ـــــضة الهواري 2 حكايات سوما الفصل الثاني: ثمن الصفقة.. والاقتراب المسموم خيوط النور الأولى بدأت تتسلل ببطء عبر الزجاج الملون لنافذة الجناح الملكي في سرايا “عائلة الهواري”، تاركة بقعاً ذهبية خافتة على الأرضية الخشبية العتيقة. كان الصباح في قلب الصعيد يحمل طابعاً خاصاً؛ هدوء مشوب برائحة الأرض المروية، وصوت الديوك والطيور من بعيد، قبل أن تبدأ حركة السرايا الواسعة في الدبيب. على تخت الحرير الكبير، كانت “ليلى” قاعدة على طرفه في نفس مكانها تقريباً من الليلة اللي فاتت. ما قدرتش تغمض عينها لحظة واحدة؛ النوم كان محرم عليها، وكل ما تحاول تقفل عيونها، تتشابك قدامها صور الليلة الماضية، والكلام الجارح اللي رماه في وشها “حمزة” وهي لسه بفستان الفرح. دموعها نزلت في البداية بصمت ووجع حارق، بس مع ساعات الفجر الأولى، جفت الدموع واتحولت لحالة من الجمود والتحدي . بصت لنفسها في المراية الكبيرة اللي قدامها؛ وشها باهت من التعب والسهر، بس عيونها الواسعة كان فيها لمعة إصرار غريبة.سرحت ليلى في اللحظة اللي قلبت حياتها كلها رأساً على عقب. . اللحظة اللى قبلت فيها بحياة مش بأختيارها كانت “ليلى” قاعدَة في شقتها الصغيرة البسيطة في الغربة، المدينة الباردة اللي أبوها نفاها فيها تحت مسمى “الدراسة بره”. شقة دافية بعفش بسيط، وصوت المطر بيخبط على الزجاج. كانت بتراجع بعض أوراق شغلها اللي بتصرف بيه على نفسها، وسط عزلة فرضتها الظروف عليها من سنين.فجأة، شاشة تليفونها نورت، والرنة قطعت سكون الأوضة بصت ليلى في الشاشة باستغراب شديد؛ الرقم اللي ظاهر كان رقم باباها “محمود الشاذلي”. رعشة توتر خفيفة سرت في جسمها، لأن اتصاله بيها حاجة نادرة جداً و مبتحصلش إلا كل فين وفين، ودايماً بيبقى وراها مصلحة أو حاجة تضايق أخدت نفس عميق وفتحت الخط:– “ألو.. بابا؟” جه صوت محمود الشاذلي من الناحية التانية، وكان ناعم بشكل غير عادي، فيه نبرة اهتمام مصطنعة ومستعجلة: – “أهلاً يا ليلى يا حبيبتي.. أخيرًا لقيتك! عاملة إيه يا بنتي وأخبارك إيه في الغربة؟”بقلم حكايات_سوما ليلى عقدت حواجبها بحيرة، ونبرة صوتها كانت هادية وحذرة: – “الحمد لله يا بابا.. بخير. خير؟ فيه حاجة حصلت؟” – “كل خير يا بنتي. . أنا متصل أقولك إنك لازم تحجزي وتنزلي مصر فوراً، النهاردة قبل بكرة! وحشتيني يا ليلى، وقعدتك بره طالت، وأنا محتاجك جنبي هنا في مصر.” ليلى حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة ورا الودّ المفاجئ ده، وقالت: – “أنزل مصر؟! فجأة كده يا بابا؟ حضرتك عارف إن امتحاناتي وشغلي بره. ..” قاطعها بصوت دافي محاولاً يداري الاستعجال: – “سيبك من كل ده دلوقتي يا ليلى، أنا جهزت لك كل حاجة والتذكرة هتوصلك على الإيميل خلال ساعة.. هستناكي تنزلي، ومستني أشوفك في البيت.” قفل المكالمة بسرعة، وساب ليلى واجمة مكانها والتليفون في إيدها، وعقلها شغال تساؤلات عن السر ورا الحنان المفاجئ ده. بعد يومين، نزلت طائرة ليلى في مطار القاهرة. أول ما وصلت فيلا محمود الشاذلي، اتفاجأت باستقبال دافي على غير العاده؛ أبوها استقبلها بابتسامة عريضة، وطلب لها العصير، وقعد معاها في الصالون الكبير وهو بيطمن عليها بكلام حلو ومجاملات غريبة على طبعة الجاف معاها. كانت ليلى قاعدة حذرة، إيديها متشابكة في حجرها، وعيونها بتراقبه بثبات، لحد ما حط كوباية الشاي وقرب منها وقال بابتسامة: – “بصي بقى يا ليلى يا حبيبتي.. أنا طبعاً ما طلبتكيش ترجعي من فراغ أنتِ كبرتي وبقيتِ عروسة و متعلمة وشيك، وأنا لقيت لك العريس المناسب اللي يكون سند ليكي ولينا. ” ليلى اتجمدت مكانها، وقالت بصدمة ونبرة حادة خفيفة: – “عريس؟! أنت جايبني من السفر فجأة عشان تجوزني يا بابا؟!” – “مش أي جوازة يا بنتي! ده ‘حمزة الهواري’، كبير عيلة الهواري في الصعيد.. راجل ليه هيبة ونفوذ تقيلة، وعيلته من أكبر عائلات الصعيد. الجوازة دي هتأمن مستقبلك وتخليكي ست هانم في سرايا كبيرة!” ليلى بصت له باستغراب وشك، وسألته فوراً: – “وطالما الجوازة دي لقطة وعظيمة أوي كده .. ليه ما تجوزش بنتك التانية ‘لِيلي’ الجوازة دي؟! إشمعنى افتكرتني أنا دلوقتي ورجعتني من سفري، وأنت طول عمرك مش شايف غيرها و موفر لها كل حاجة وهي اللي قدام الناس طول الوقت؟ !” ارتبك محمود الشاذلي للحظة، وحاول يداري التوتر اللي ظهر على وشه، وقال بنبرة حدة خفيفة وبيتهرب من عينها: – “أختك.. أختك جاتلها منحة دراسية مفاجئة وسافرت بره مصر من أسبوعين ! مش فاضية ولا موجودة للقصص دي دلوقتي.. وبعدين أنا قلت أصلح غلطتي معاكي وأفرح بيكي أنتِ الأول، إيه اللي يضايقك في كده؟!” ليلى هزت رأسها بنفي صريح ووقفت مكانها، وقالت بقوة وكرامة: – “لأ طبعاً! أنا مش موافقة يا بابا.. أنا مش سلعة حضرتك بتعرضها للبيع أو تختار لها عريس من غير ما تاخد رأيها! أنا ليا حياتي وشغلي، ومش جاية مصر عشان أتدبس في جوازة بالشكل ده ومن غير ما أعرف الراجل ده أساساً!” في ثانية واحدة.. اتغير وجه محمود الشاذلي تماماً ..الابتسامة اختفت، وحلت محلها ملامح القسوة والجشع اللي ليلى متعودة عليه وقف قدامها وضــ,,ـــــرب بيده على الترابيزة بقوة: – “أنتِ فاكرة نفسك مين يا بنت الكلب عشان تقولي لأ؟! أنتِ جاية هنا عشان تنفذي اللي أقول عليه ورجلك فوق رقبتك!” ليلى رجعت خطوة لورا بصدمة، بس ثبتت عيونها فيه وقالت: – “و انا مش هتجوز حد غصب عني!” قرب منها الشاذلي بحدة، وعيونه بتطلع شرار، ونبرة صوته بقت واطية ومسمومة مليانة مساومة وغل: – “أنتِ فاكرة إنك راجعة تتشرطي؟! الشركات بتنهار والديون هتخرب بيتنا، الجوازة دي صفقة لابد منها عشان أحمي اسمي وشغلي مع عيلة الهواري! وأختك مسافرة ومفيش غيرك هيدفع الثمن ويخلصني من الورطة دي! ” سكت ثانية، وبعدين ابتسم ابتسامة خبيثة وقال وهو بيساومها ببرود: – “بصي يا ليلى.. نتفق اتفاق .. أنتِ هتوافقي على الجوازة دي و تتم الصفقة، وفي المقابل.. أول ما كتب الكتاب يتم والشراكة تحصل ، هكتب لك نصيبك كامل في الشركات، وهسلمك صندوق مجوهرات أمك الله يرحمها و وصيتها وذهبها اللي كان مكتوب باسمها. . الصندوق اللي أنتِ طول عمرك بتحلمي تاخديه وريحة أمك فيه، تستلميه في إيدك وتطلعي بيه على شقتك !” ليلى اتعصر قلبها في اللحظة دي. ذكرى أمها ومقتنياتها اللي أبوها كان حارماً منها وسارق حقوقها سنين طويلة، كانت أحب حاجة لقلبها. بصت له بدموع حبستها بالعافية في عينها، وقالت بصوت مبحوح وبيقطر وجع: – “بتساومني بمجوهرات أمي وريحتها اللي أنت حارمني منها سنين؟! بتبيعني عشان الفلوس يا بابا؟!” الشاذلي بصلها ببرود وقسوة ومن غير أي رحمة: – “سميها زي ما تسميها.. قدامك خيارين: يا إما تدخلي الجوازة دي وتاخدي حاجات أمك وحقك، يا إما هسحلك معايا وهتتحرمي من كل حاجة طول عمرك وما تلمحيش قطعة واحدة من ورث أمك تاني! قدامك دقيقة تفتكري فيها وتقرري!” بلعت ليلى ريقها بصعوبة، وصورة مجوهرات أمها وريحتها وكرامتها المسلوبة مرت قدام عيونها. وافقت وهي حاسة بمرارة الشوك في حلقها، ورافع رأسها بقوة خفية:– “مواقفة يا بابا.. موافقة .. هتجوزه!” افتكرت إزاي وافقت .. وافقت مش عشان أبوها اللي ظلــ,,ـــــمها طول عمره وأخفى وجودها وحرمها من حقوقها لحساب أختها غير الشقيقة، بل عشان بشرط واحد اشترطته عليه: «هتجوز الراجل ده.. بس بشرط تكتب لي حق أمي المسلوب كاملاً في شركاتك، وتسيبني في حالي بعد ما الصفقة تتم.» كانت فاكرة إنها جاية تقضي فترة وتسترد حقها، ما كانتش تعرف إن أختها “ليلي” -اللي سمعتها مالية الصحافة والمجلات بسهراتها في الملاهي الليلية، وحفلات الساحل، وعلاقاتها المشبوهة مع شباب رجال الأعمال- هي الصورة الوحيدة اللي انطبعت في عقل حمزة والهواري عن عروسة القاهرية ! أما حمزة، فكان في الجناح المخصص لمكتبه جوه السرايا، قاعد على كرسيه الجلد الضخم، وبيسمع تسجيل صوتي على تليفونه بعتهوله واحد من رجاله في القاهرة من أسبوعين قبل الفرح: «يا حمزة بيه.. بنت محمود الشاذلي دي ملفها ملغم! بتسهر كل يوم في مكان، صورها على إنستجرام مع نص شباب الزمالك والساحل، ومفيش سهرة ولا حفلة إلا وتلاقيها حاضرة فيها بلبس مكشوف وشرب ودلع .. دي بنت عايشة حياتها بالطول و بالعرض، ومحمود الشاذلي سايب الحبل على الاهر. . الجوازة دي لو تمت، هتبقى عشان الفلوس وبس!» قفل حمزة التليفون ورماه على المكتب بقوة، وابتسامة ساخرة ومظلــ,,ـــــمة مرسومة على شفايفه «بنت سهرات وحفلات.. وبايعة نفسها وأبوها بايعها عشان ينقذ نفسه ! وجاية هنا تمثل عليّ دور العفيفة الخجولة؟ !» قام من مكانه وهو حاسس برغبة عارمة في إنه يكسر القناع ده، ويثبت لنفسه ولها إنها مجرد سلعة رخيصة اتدفع فلوسها، ومن حقه ياخد مقابله كاملاً .فتح باب الجناح ببطء، ودخل بخطوات واثقة وهادية، بس كان فيها تهديد صريح ليلى انتفضت من مكانها على طرف السر,,ـــــير أول ما سمعت حركة الباب، وقفت وشبكت إيديها في بعضها بتوتر باين، وعيونها معلقة عليه بوجل حمزة ما تكلمش في الأول. قلع جاكيت بدلته ورماه على الكرسي بمهمل، وبدأ يفك زراير قميصه العليا وهو بيبص لها بنظرات حادة، جريئة، وفاحصة كأنه بيكشفها. قرب منها ببطء، وكل خطوة منه كانت بتخلي ليلى ترجع خطوة لورا، لحد ما ظهرها خبط في جدار الأوضة الصلبقرب حمزة أكتر، لحد ما بقوا على بعد سنتيمترات قليلة، وحط إيده على الحيطة جنبه رأسها عشان يحاصرها، ونزل بعينيه يراقب ارتباكها انفاسها المتسارعة. أول ما حست بقربه الجسدي ونظراته الجريئة، بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت ناعم بيترعش من التوتر: – “أنت.. أنت بتقرب كده ليه؟ في إيه؟” ضحك حمزة ضحكة خفيفة مليانة استهزاء، وقرب وشه من ودانها، وقال بنبرة صوت خشنة ومستفزة: – “إيه يا عروسة؟ خايفة كده ليه؟.. غريبة مع إنك المفروض عارفة انا عايز ايه كويس أوي، ولا ده كله متاح للصحاب في حفلات الساحل والسهر، وجاية عند جوزك حلالك وتعملي فيها الشيخة البتول؟” ليلى فتحت عيونها على آخرهم من الصدمة، وحست كأن حد ضــ,,ـــــربها قلم على وشها.. بصت في عيونه وقالت بنبرة فيها ذهول وحــ,,ـــــرقة: – “حفلات وسهر إيه اللي بتتكلم عنها؟! أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟!” حمزة مد إيده بثقة وجرأة، ومسك خصلة من شعرها يفركها بين صوابعه، ونزل بعينيه على شفايفها وقال ببرود وجرأة أشد: – “بقول الكلام اللي الكل عارفه يا ليلى.. الشاذلي باعك ليا عشان ينقذ نفسه ، وأنا دفعت . . وطالما دفعت، يبقى من حقي أخد حقي .. متخيلة إنك هتقعدي هنا ملكة ، وأنا هفضل أتفرج عليكي؟ أنتِ هنا عشان حاجة واحدة بس.. تديني متعتي وقت ما أطلب ” وقبل ما ليلى تستوعب وقاحة كلماته، قرب وشه أكتر ونزل برقبته يحاول يقبلها بقوة وفرض نفوذ، كأنه بياخد حقه بالعافية ويذلها. في اللحظة دي، بركان من الغضب والكرامة المسلوبة انفجر جوه ليلى.بأقصى قوة عندها، رفعت إيديها الاتنين وزقته في صدـ,,ـــره بقوة خلته يرجع خطوة لورا من المفاجأة، ورفعت إيدها ضــ,,ـــــربته قلم قوي ورنان نزل على وشه ورن في أرجاء الأوضة المقفولة!السكون نزل على الجناح … حمزة حط إيده على خده، وعيونه تحولت لشرار .. الذهول يمتزج بغضب حارق، مكنش متخيل إن فيه ست على وجه الأرض تجرؤ ترفع إيدها عليه، خصوصاً في قلب سرايا الهواري!ليلى كانت واقفة بتترعش كلياً، صدـ,,ـــرها بيعلى ويهبط، ودموع الغضب والاهانة مالية عيونها، بس رأسها كانت مرفوعة للسما، وقالت بصوت صريح، حاد، وبيقطع زي السيف: – “يا خسارة ! لو فاكر إن فلوسك تقدر تشتري كرامتي أو تخليني أرضى أكون لعبة في إيدك لتفريغ شهوتك، تبقى غبي وأغبى من أبويا اللي باعني ليك زي ما بتقول ! أنا مش البنت اللي أنت فاكرها، ولا يشرفني إن راجل عقليته مريضة زيك يلمس شعرة مني!” حمزة مسك إيدها بقوة وعصر معصمها، وقال بغضب : – “أنتي اتجننتي؟! بتضــ,,ـــــربيني أنا يا بنت الشاذلي؟! أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي وفي أهلك إيه حالاً؟!” ليلى ما خافتش منه، وبصت في عينيه بكل قوة وقالت: – “اعمل اللي تعمله! ارميني بره، رجعني لابويا ، اعمل اللي يعجبك.. بس قسمًا بالله لو قربت مني تاني بالطريقة دي، هتدفع الثمن غالي أوي يا حمزة بيه! أنا ليلى.. البنت اللي عاشت طول عمرها بتعتمد على نفسها وما طأطأتش رأسها لحد، ومش هاجي في بيتك وأسيبك تلوثني بأوهامك المريضة!” حمزة فضل باصص لها. قبــ,,ـــــضته على إيدها بدأت تخف بالتدريج. كانت عيونها بتلمع بصدق ونقاء غريب، قوة مش مصطنعة، وكرامة حقيقية مش مجرد تمثيلية واحدة بتلعب دور الشريفة.الشك بدأ يأكل قلبه لأول مرة: هل ممكن تكون الصور والمعلومات اللي وصلت له غلط؟ هل دي مش هي البنت اللي سمع عنها؟ ساب إيدها فجأة، ورجع خطوتين لورا، وهو بيبص لها بعيون مليانة غموض وتضا.رب. مسح على وشه بغضب محبوس، وقال بنبرة جافة وباردة تحاول تداري ذهوله: – “تمام.. اعتبري الليلة دي تحذير .. بس افتكري كويس.. أنتِ جوة بيتي ، واللعب معايا نهايته سودا! ” التفت وخرج من الأوضة ورزع الباب وراه بكل قوته، متسبباً في اهتزاز الجدران.ليلى أول ما الباب اتقفل، انهارت على الأرض وقعدت على السجادة، ضمت ركبها لصدها وبكت بدموع حارقة. . دموع الخوف المكتوم، والظلــ,,ـــــم اللي حاسة بيه، والتعب من معركة بدأت من أول يوم ومش عارفة إمتى ولا إزاي هتنتهي.يتبع ……

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *