الحادية عشر .وغيرتني الحياة. ------------------------------------ كان كلاهما شارد في دوامة صراع مختلفة، لم أكن أعرف أني سقطت هكذا من عيناها فإن كانت أطاحت بي من فوق جبل لكان أهون بكثير من أن أرى نفسي في عيناها بتلك الضآلة، جرحتني تلك الصغيرة بلا رحمة وهي تكشف عورة فسادي في لحظات وتقذف بها أمام رجولتي، من أين أتت تلك المرأة التي أراها للمرة الأولى أحقًا من أعماق الشدائد تولد نفوس قوية، آه يا قلب لا تعشقها من جديد فالتي أراها أمامي لم تعد تمتلك قلب لم تعد سهر صاحبة الجنة البريئة. لماذا خرجت عن طوري؟ لماذا بحت بشيء مما واريته خلف قبضان سجني؟ كيف أنسى معروفه تجاهي وأتنكر له! كيف أكسر كبرياء رجل هكذا؟ وقف محمود وسهر يحدقان بعضهما البعض فهو يراها كأنه يراها لأول مرة وهي تنظر له يتآكلها الشعور بالذنب، فأسرعت تقول بعدما شاهدت صدمته منها: - أنا أسفة مكنش قصدي والله أفتح السيرة دي غصب عني يا محمود أنا مش عارفة قولت الكلام ده أزاي أنا كنت واخدة عهد على نفسي مقولش حرف واحد لأن جميلك فرقبتي ليوم الدين بالله عليك تسامحني أرجوك يا محمود بلاش تبص لي كدا. توجه محمود إلى حافة فراشها وجلس على طرفه لا يدر كيف يرفع عيناه فيها فسمعها تكمل حديثها تقول : - حقك عليا ولو عايز تطلقني طلقني محدش هيلومك أنت ضحيت علشان تنقذ سمعتي وسبت شغلك وحياتك وبعت كل حاجة ليكم وقبلت تبدأ من جديد أنا مقدرش أنكر فضلك أنت وعمي خميس عليا ورحمة عمي خميس تسامحني. همس محمود بألم: - كفاية يا سهر اسكتي لو سمحتي. ابتلعت سهر تلك الغصة المريرة ونظرت له تشعر بالخزي، فرفع محمود عيناه لها ليصدم بعينيها فقال: - مش أنتِ اللي تحسي بالعار يا سهر أنا اللي لازم أحس بيه أنا مكنتش أتخيل أنك سامعة كلامي مع بابا فاليوم ده وحقيقي معنديش عذر لكلامي غير أني كنت غضبان وملقتش غيرك أنتِ أطلع عليها غضبي أنتِ اللي لازم تسامحيني لأني فلحظة نسيت أنك طفلة محتاجة أخ جنبك وأنا بكل غرور عاملتك زي الـ الـ. لم يستطع محمود قول تلك الكلمة لتصدمه سهر مرة أخرى قائلة: - عاملتني زي بنات الليل كنت شايفني واحدة ساقطة من الشارع. دمعت عين محمود فسهر قالت ما كان يشعر به وقتها فقال: - أنتِ جبتي القسوة دي منين يا سهر. ابتسمت سهر بتهكم وقالت: - وهو أنت شايفني كده بقيت قاسية يا ريت فعلًا أعرف أكون كنت قدرت أقف فوش الدنيا وأحاربها ومكنش حصل لي أي حاجة، سيبني فحالي يا محمود وشوف حياتك وأنساني بقى. نظر لها محمود وقال: - مش قادر أبعد وأسيبك أنا بحبك يا سهر صدقيني أنا الأول يمكن كنت عايزك بأي طريقة، إنما لما بقيتي فبيتي حبي ليكِ اتخطى كل حاجة مش مجرد لأنك جميلة وعايزك تكوني ملكي، إنما بقيت أحب أشوفك بقيت بحس أني ملكت الدنيا بمجرد ما بتضحكي أنا أتغيرت يا سهر و. قاطعته سهر بارتباك وقالت: - مادام أتغيرت يا محمود يبقى لازم تغير حياتك كلها هدى بتحبك أنا عارفة كنت بشوف نظراتها ليك وحاسه قد إيه بتتوجع لما تشوفك قاعد قريب مني أو بتكلمني هدى كويسة وهتعوضك كتير عن اللي اتحرمت منه معايا يكفي أنك هتبقى هتبقى. استدارت سهر ونظرت لخارج نافذتها وأكملت والمرارة تعصف بها: - هتبقى أول واحد فحياتها. وقف محمود واقترب منها ووضع يده على كتفيها ولكنه شعر بتجمدها فأسرع بالابتعاد عنها وهو يعتذر لها: - حقك عليا يا سهر ولو فعلا شايفة إن لازم أتغير فأنتِ كمان لازم تتغيري لازم تتعالجي ما أنا مش هعيش حياتي وأسيبك كده عايشة ميتة بالشكل ده، حاولي يا سهر ولو مش علشان خاطرك فعلشان خاطر أمي اللي قلبها بيوجعها عليكِ طول ما هي شيفاكي بالحال ده. تركها محمود وغادر الغرفة فوجد والدته تقف وهي تعقد يداها أمام صدرها تنظر له فنظر أرضا خجلًا فهزت صفية رأسها وتنهدت وتركته دون أن تحدثه ودخلت إلى سهر وأغلقت خلفها. ------------------- حاول آدم مرارا أن يقنع مازن بتولي أمر اجتماع الشركة بالقاهرة ولكنه رفض بشدة فنظر له بضيق وقال: - يعنى مش هتغير رأيك يا مازن. حدق به مازن بإصرار وقال: - أنا قولت لك اللي عندي شغل معاك مش هشتغل أنا قدرت انفصل عن شغل الوالد ودلوقتي الشغل بتاعي ماشي تمام معلش بقى يا آدم أنزل أنت شوف مالك بنفسك. زفر آدم بضيق وقال: - ماشى يا مازن بس خليك فاكر أنك أنت اللي بدأت بالندالة معايا. وقف مازن وربت كتف آدم وقال: - دي مش ندالة يا آدم على قد ما هو خوف عليك. تنهد آدم وقال: - خلاص أعمل حسابك هنسافر سوا أنت راجع أمته على مصر. ابتسم مازن وقال: - أسبوع وحضر نفسك ها هتيجي تتغدى معانا ولا هتعتذر زي كل مرة ده حتى الواد آدم بيسأل عليك. ضحك آدم وقال: - يا راجل بقى آدم دلوقتى بيتكلم تمام بس أبقى هاته أنت زي المرة اللي فاتت يقعد معايا شوية وأبقى شوف مصلحتك أنت واهو بقدملك فترة هدنة تعيش أنت من غير فقرة السعادة بتاعت ابنك. ضحك مازن مشاركا آدم وقال: - أنا مش عارف الواد ده بيسكت معاك ليه أشمعنة أنت يعنى ده حتى هايدي بيطلع عينها على ما يسكت. وقف آدم وقال: - هاته أنت بس وملكش دعوة ومتخافش ابنك أمانة معايا. احتضنه مازن وقال: - أيه الكلام ده يا آدم وهو حد يقدر يقول غير كده أنا عارف أنك بتعتبر ابني ابنك يلا بقى هسيبك أنا وأروح أحسن هايدي زمانها أتجننت من خليفتك فالملاعب. --------------- استقبلت سهر هدى التي وقفت تنظر لها بخجل فجذبتها سهر للداخل وقالت: - تعالي يا هدى مالك واقفة كده ليه أنا عارفة أنك عايزة تتكلمي معايا وكويس إن خالتي مش هنا علشان تتكلمي براحتك. جلست هدى بجانب سهر ونظرت لها وقالت: - أشمعنة أنا يا سهر. ربتت سهر يد هدى وقالت: - علشان أنتِ بتحبي محمود يا هدى وأنا عارفة أنك هتقدر تسعديه. وقفت هدى ووجهها يشتعل حرجًا وقالت: - إيه الكلام ده يا سهر أنا. قاطعتها سهر وقالت: - اقعدي يا هدى واسمعيني كويس أنا صحيح أصغر منك بشوية بس الدنيا علمتني كتير أوي وبقيت بعرف أقرا اللي حواليا كويس أنا عايزه اطمنك أن حبك لمحمود حقك لإنه يستحق كل خير متستغربيش من كلامي وعيزاكي متشغليش دماغك بوجودي خالص اعتبريني أخته مش مراته ومسير الأيام تبين لك أني مش بكذب عليكِ. حدقت بها هدى وقالت بدهشة: - أنا مش عارفة أقولك أيه بصراحة أول مرة أشوف واحدة تجوز جوزها أنا مش فاهمة حاجة وعايزة افهم يعني أنتِ حلوة أوي وصغيرة فالسن وروحك جميلة أيه يخليكِ تعملي ده معقول مش بتغيري على محمود أيه مش بتحبيه. وقفت سهر بارتباك وقالت: - أنا ليا ظروف خاصة و. قاطعتها هدى مندفعه قائلة: - علشان الجرح اللي فرجلك. شهقت سهر ودمعت عيناها وقالت بألم: - هو محمود اللي قالكم عليه. نفت هدى ما قالته سهر وقالت: - لا والله هو مقالش غير أنك يعني مش بتقدري تخلفي إنما رجلك يوم ما تعبتي شوفتها أنا آسفة إن كنت ضايقتك حقك عليا. نظرت سهر إلى هدى تفكر بعذر محمود الذي قاله فتنهدت وقالت: - فعلا أنا مش بخلف ومحمود صبر كتير وأكيد من حقه يكون له أولاد وأنا بتمنى أنك تكوني مراته وأم ولاده وأظن كده أنا ريحتك أن محمود مكذبش عليكم فحاجة. شبكت هدى يداها معا وقالت: - بصراحة يا سهر أنا كمان مش هخبي عليكِ مش عارفة ليه حساكِ أختي أنا منكرش أني معجبة بمحمود وخالي كمان معجب بيه أوي وبيحاول مع ماما بس المشكلة أن ماما مصممة أن علشان توافق على جوازي من محمود أنه يكتب لي الشقة دي باسمي ونتجوز فيها ووبصراحة أنا مش عارفة أعمل أيه لأن محمود وضح لماما أنه مش هيقدر يسيبكم و. قاطعتها سهر وقالت: - خلاص مافيش أي مشاكل طمني ولدتك يا هدى أنا هخلي محمود يكتب لك الشقة بس استسمحيها أني هفضل ضيفة هنا فترة وبعدين همشي. شعرت هدى أن طلب والدتها مغال فيه وأن بطلبها قد تخسر محمود فتنهدت وقالت: - بس أنا مش عايزة محمود يعمل حاجة مش راضي عنها يا سهر. ضمتها سهر وقالت: - يبقى ألف مبروك يا هدى أنا هبلغ خالتي ومحمود يطلعوا يتفقوا على كل حاجة. ابتسمت لها هدى وقالت: - هستناكِ معاهم. تغيرت ملامح سمر وقالت بشرود: - إن شاء الله هحاول أكيد. مر الشهر على الجميع بالتحضير لزواج محمود وهدى فكانت سهر حريصة على تغيير كل ما تطلب والدة هدى تغييره ووقفت أمام محمود ليوافق على كل شيء وكانت حريصة على عدم التعامل مع أي أحد بخلاف صفية ومحمود وهدى فقد تعمدت سميرة أن تأتي صديقات ابنتها لتجهيز الشقة معهم لتحبس سهر نفسها فى غرفتها حتى مغادرتهم وكانت صفية تساعدها وهي تشعر بعدم الراحة لزواج ابنها من أخرى، وفي صباح يوم الزفاف وقف محمود ينظر لسهر بغضب فهي صممت على أن يقضي مع هدى أسبوعًا في أحد الفنادق فقال: - أنا مش عارف أزاي تخططي وتنفذي من غير ما ترجعيلي أنتِ عارفة أني مقدرش أبعد عنكم يوم أزاي أسيبكم أسبوع لوحدكم. وقفت سهر بنديه أمامه وقالت: - علشان مينفعش تقضي أول جوازك و أحنا هنا وأنت عارف أني لو أقدر أخرج كنت خرجت. تنهد محمود وقال: - يعنى تحطيني أدام الأمر الواقع ومفروض أوافق وانفذ أيه يا سهر هو أنا بقيت لعبة فايدك ولا أيه تؤمري أتجوز وتختاري العروسة وعايزة تجبريني أكتب لها الشقة باسمها لا وكمان أتففتي على فرح فمكان أنا مكنتش عايز اعمله وفالأخر أمرتي ونفذتي ومفروض أقول حاضر على حجز الفندق أيه للدرجة دي شيفاني عيل أدامك ومش راجل اسمعيني كويس الحجز اللي حجزتيه هيتلغي يا سهر وأنا مش هروح فأي مكان كفاية الفرح اللي هنروحه وهسيبك لوحدك هنا أنا اللي عندي قولته أتفضلي اتصلي وألغي الحجز. نظرت له سهر وقالت: - بلاش انفعال يا محمود أنت عايزنا نبقى فالشقة معاك أنت وعروستك ليلة فرحك تيجي أزاي يعني. جلس محمود على طرف فراشها وقال: - أنا مقدرش يا سهر هبقى خايف وقلقان عليكم مقدرش على الموضوع ده يا سهر ده أنا برفض أترقى فشغلي علشان مرجعش القاهرة تاني وأسيبكم. حاولت سهر أن تقترب من محمود لتُفاجأ نفسها بربتها على كتفه فحدق بها بصدمة فرسمت ابتسامة اطمئنان على وجهها وقالت: - متخافش علينا يا محمود ولما ترجع من أسبوع العسل نبقى نشوف موضوع الترقية ده كمان اللي مخبيه علينا وحياتي يا محمود حاول تفرح بقى. اختطف محمود يدها وقبلها لتسحبها سهر بخوف وابتعدت عنه وهي تقول: - يلا بقى يا محمود الوقت هيعدي وكده هتتأخر على عروستك. --------------- وقف آدم يتطلع إلى موج البحر من نافذة غرفته بالفندق فها هو في الإسكندرية منذ أسبوع لينهي بعض أعمال شركته ليتعطل حينما ابلغه مندوب الشركة التي سيعقد معها اجتماعه بغياب أحد المحاسبين لزواجه مما اضطره ليؤجل سفرة ليرحب بتلك العطلة بين أحضان البحر والسماء، طرق مازن باب غرفته ودخل يبتسم ويقول: - هتيجي معانا نسهر ولا هتفضل مستني هنا يا عم إسكندرية بالليل حاجة تانية تنسيك نفسك. ابتسم آدم وقال: - هاجي يا زنان قال وبتقول على الغلبان دومي حبيب قلبي هو اللي بيزن يلا يا مازن أنا مش عارف ليه حاسس أني عايز أخرج النهاردة. جلس مازن بجانب هايدي وجلس آدم بعيدًا عنهم يحمل الصغير ويلاعبه فنظرت له هايدي وهمست لمازن وقالت: - هو آدم مش ناوي يتجوز هيفضل كدا عايش لوحده ما تكلمه يا مازن حرام العمر اللي بيضيع منه ده. زفر مازن بضيق وقال: - لسه متخانق معاه من يومين بسبب الموضوع ده قلت له رافض بيقول مبيفكرش فالجواز نهائي قافل قلبه وحياته عليها هي وبس ومحمل نفسه ذنب أنها ضاعت منه وأظن أنتِ عارفة ليه بسبب اللي عملتوه فيه أنتِ كنتِ أزاي بالجبروت ده يا هايدي جالك قلب أزاي تساعدي بابا على اللي عمله فيه. همست هايدي وهي على وشك البكاء: - مش عارفة أنا عملت أزاي كده أنا كنت عايزة انتقم منه لما رمى فوشي صوري معاك وقال أنه خلاص هيتجوز سهر وأنه رايح يعلن أسلامه، محستش بنفسي ألا وأنا بنفذ كل اللي طلبه والدك، دخلت مكتب عصام وحطيت ورق التنازل فالملف اللي كان مجهزه علشان يمضيه من غير ما حد يعرف، واتصلت بقرايبه فعاليا وبلغتهم باللي هيعمله وتاني يوم كان والدك بعت اللي أخده متخدر وسافر كطرد دبلوماسي من السفارة، أنا عارفة اللي عملته لا يمكن يسامحني عليه أبدًا بس اللي عمله والدك فيا لما عرفت أنهم حبسينه وبيعذبوه رفضت ووقفت أدامه وهددته أني مش هديله التنازل إلا لما يسيب آدم، لكن متوقعتش أنه هيروح لعمي فأسيوط ويوريله الصور وعمي متوصاش لأنه طول عمره كاره أني خرجت عن طوعه ورفضت ابنه رد فيا كل حاجة عملتها فآدم أضعاف أنا عمري ما هنسى لما حبسني مع ستات البلد يكشفوا عليا وحتى بعد ما أكدوا له أني بنت حفرلي قبر فبدروم بيته وحطني فيه لولا أنك وصلت لي كان زماني مت، أنا بتمنى أكفر عن اللي عملته فآدم بس يا ريت يسامحني. احتضن مازن زوجته ومسح عنها دموعها وقال: - أكيد الأيام كفيلة أنه يتغير ويسامحك أنا هقوم أطلب لنا عصير تاني مش محتاجة حاجة. ابتسمت له هايدي بحزن وقالت: - لا يا مازن. استأذن مازن ودلف إلى داخل الكافية فنظر آدم لهايدي وهي تقترب منه ورأى دموعها وهي تحدق به فضم الصغير إليه وهو يتنهد. --------------- سار محمود بجانب هدى التي مازلت عابسة بعدما حدثها بحدة أثر شجارهما معا في الفندق، فها هو الأسبوع أوشك على الانتهاء ولم يستطع أن يتقرب منها رُغم محاولاتها لفت نظره إليها إلا أنه وجد نفسه لا يستطيع، فوقفت تطلب منه أن يعودا إلى منزلهما بدلًا من الجلوس في الفندق فقرر أن يأخذها لتسير على كورنيش البحر لعلها تهدأ، وقف محمود فجأة وهو يحدق إلى الجانب الآخر من الطريق ليستدير فجأة وهو يشعر بالاضطراب فلاحظت هدى اضطرابه فقالت تسأله: - مالك يا محمود وقفت مرة واحدة كده ليه ومالك تنحت مرة واحدة أيه شوفت حد تعرفه. نظر محمود مرة أخرى إلى ذلك الجالس يحتضن طفلًا رضيعًا إلى صدره وتجلس بجانبه زوجته فسب وقال بحده: - يلا يا سهر نروح. أحست هدى أن محمود صفعها بقوة حين ناداها باسم سهر فدمعت عيناها فنظر لها محمود معتذرًا وقال: - بجد مكنش قصدي أنا أسف يا هدى. همست هدى بحزن: - روحني يا محمود لو سمحت. عاد محمود وهو يشعر أنه يكاد ينفجر فهو لم يكن سيصدق أبدًا أن أخبره أحد أن آدم تزوج من تلك الأفعى هايدي وأن لديه ابن منها، ولكنه رأه بعينه فلم يعرف لماذا يشعر بالغضب هكذا؟ فابتعد عن هدى التي جلست بحزن تنظم ملابسهم في الحقيبة فهي أصرت على المغادرة فوقف بجانبها وقال: - ممكن تهدي وتسمعيني وبلاش جنان. أغمضت هدى عيناه وقالت بحدة: - أنا هادية جدا وعايزه أروح، القعدة هنا زي القعدة فالبيت الاتنين واحد الظاهر أنك متعود تلم حواليك أخواتك. شعر محمود بنار الغضب تستعر بداخله أثر كلمات هدى له فجذبها بقوة من ذراعها وشدها لتواجهه وقال: - أنتِ واعية لكلامك تقصدي أيه بالكلام ده. نزعت هدى يدها بعنف وقالت: - أنت اتجوزتني ليه يا محمود علشان تقعدني جانبك زي سهر الظاهر أنكم كذبتوا علينا والحقيقة أنك أنت اللي ملكش فالجواز. ذعرت هدى بعدما قالت كلماتها فهي لم تتخيل يوما أن تنطق بمثل هذا الكلام أبدًا و ها هو محمود وقف وقد تحولت ملامحه كأنه على وشك الانفجار ولم تتوقع منه أن يصفعها بمثل هذه القسوة فرفعت يدها تتحسس مكان صفعته لها فخانها لسانها مرة أخرى وقالت: - بتضربني علشان قولت الحقيقة ما هي الحقيقة بتوجع دايمًا. تفاجأت هدى بقذف محمود للحقيبة أرضًا و جذبها إليه بعنف وهو يقول بصوت أرعبها: - أنا هوريكي أزاي بقعدكم أخواتي جنب مني ومتزعليش يا ست هدى. ليهاجمها ممزقا ثوبها عنها وهو يلقيها على الفراش خلفها فصرخت هدى وقالت: - أنت هتعمل أيه. صرخ بها محمود وقال: - هاخد حقي الشرعي أومال أنا متجوزك ليه مش علشان أخلف و يبقى عندي ولاد أنا هوريكي أزاي أنا ماليش فالجواز يا هدى. لم يدع لها محمود فرصه الكلام فهجم على شفتيها مقبلا إياها بعنف فشعر محمود بثوران غضبه أكثر حين امتزجت ملامح سهر مع ملامح هدى، فأراد أن يعاقبهما معًا على ما يمر به ويكتمه بداخله، حاولت هدى أن تدفع محمود عنها ولكنه تمكن منها، لتشعر بشفتيه تفترس شفتيها فأحست بالخوف منه لتشعر بشفتاه تنتقل إلى عنقها لتهاجمها مشاعر غير الخوف والذعر فجأة وأحست بحاجتها للمزيد منه، فوجدت نفسها تتقبل عنفه معها وتجذبه إليها أكثر ليثور محمود أكثر من أندماجها معه بتلك الطريقة التي لم يتوقعها، فابتعد عنها لتفاجئه بيدها تحل أزار قميصه عنه فنزعه عنه ولكنه وقف أمامها يحدق إلى صدرها الذي يعلو ويهبط بقوة وبعينيها التي اشتعلت برغبتها به، فوقفت هدى هي الأخرى لتكمل نزع ثوبها وتلتصق به بشدة مقبله إياه بجرأة لم تتوقع أن تصدر منها، فدفعها محمود إلى الفراش مرة أخرى فأطلقت هدى ضحكة تملك وهي تمد يدها ليقع محمود فوقها وتلف يدها حول عنقه وتقبله لتطلق بركان رغبته فألتهم كل إنش في جسدها تقع عليه شفتاه بجنون، وحينما شعر أنه على وشك أمتلاكها بالكامل أنتقل بشفتاه ليكتم صوت أنينها بقبلته لتهتاج مشاعره أكثر طالبا للمزيد معها فحملها معه إلى عالم لأول مرة يزوره وإياها معًا. ---------------- كانت سهر تحاول إكمال روايتها التي تقرئها ولكنها شعرت فجأة بوخزة في صدرها فتركتها وخرجت تبحث عن صفية، فوجدتها تجلس شاردة في مراقبة المارة على كورنيش البحر فتنهدت سهر وهي تتمنى أن تلامس قدميها ماء البحر الذي تراقبه من بعيد ولا تستطيع تحقيق أمنيتها فحدقت في الطريق لتنظر لها صفية وتبتسم وتقول: - الجو حلو أوي يا سهر شايفة الناس كتير أزاي على الكورنيش عارفة يا بنتي أنا نفسى ومنى عيني تنزلي وتخرجي و تجري زي البنات اللي بتجري على الرملة دي. أجابتها سهر بتمنى قائلة: - عارفة يا خالتي أنا كمان نفسي أقولك على حاجة أنا فكرت إن لازم فعلًا أسمع كلامكم وأتعالج. وقفت صفية محتضنة سهر وقالت: - بجد يا بنتي ياريت أنا هكلم محمود و أقوله يشوف لك دكتور ونروح له. ربتت سهر يد صفية وقالت: - مش دلوقتي يا خالتي لما محمود يرجع بالسلامة هو وهدى نبقى نشوف الموضوع ده سيبيه ده خلاص كلها يوم ويرجع. و صمتت سهر فجأة لتكمل: - عايزين نعمل لهم أكل حلو. نظرت صفية إلى سهر وقالت: - أنا بجد مش فهماكي هتجنيني يا سهر أمشي من أدامي أنا هدخل أنام. رحبت صفية وسهر بعودة محمود وهدى لتنظر صفية إليهما بغير رضى لاحتضان هدى محمود بطريقة مستفزة غير مراعية لوجودهما معهم فقالت بتهكم: - أدخل يا محمود على ما نحضر لكم الغدا الظاهر هدى لسه مأخدتش على البيت. نظر محمود بحرج إلى والدته وسهر فابتعد عن هدى وقال: - دلوقتي ندخل يا أمي بس أنتِ وحشتيني أوي الأسبوع ده. ووجه عيناه إلى سهر وقال: - عاملة أيه يا سهر؟ ابتسمت له سهر وقالت: - الحمد لله المهم أنتم انبسطوا. أجابتها هدى بغيرة وهي تحاول أن توضح لسهر أنها امتلكت محمود بالكامل: - بصراحة يا سهر أحلا أسبوع قضيته فحياتي أنا بشكرك أوي أنك هدتيني محمود. لتفاجئهم بتقبيله أمامهم فأشاحت سهر بعينيها عنهم بارتباك وقالت: - أنا هروح أحضر الغدا علشان نتغدى كلنا. أجابتها هدى وهي تجذب محمود إلى غرفتهم: - معلش يا سهر أحنا هنتغدى فالأوضة لوحدنا أصل زي ما أنتِ عارفة لسه عرسان جداد. في صباح اليوم التالي ذهب محمود إلى عمله بعدما أرسل له أشرف رسالة بضرورة حضوره فدخل ليستقبله أشرف بالعناق وقال: - حمد لله على السلامة أيوة مين قدك متجوز اتنين والاتنين أصحاب أنت بقيت حديث الشركة وبيقولوا عليك محمود سيطرة. شعر محمود بالإحراج وقال: - أنت وزعت الخبر يا أشرف بردوا كده. ضحك أشرف وقال: - سيبك مني دلوقتي وخد ملفاتك وسيديهاتك واطلع للمدير فوق مستنيك ومأخر الاجتماع علشانك. أخذ محمود ملفاته وصعد ليطرق باب مكتب المدير وهو يبتسم ليقف مصدومًا بعدما دخل ليجد آدم أمامه فحدق به آدم هو الآخر وصاح: - مش معقول محمود. اغمض محمود عيناه وهو يشعر بالضيق لمقابله آدم له وجلس طوال فترة الاجتماع يشعر بالغيرة تحتل كيانهـ فما أن انتهى الاجتماع حتى غادر مسرعًا ليُفاجأ بآدم يناديه وهو يسير خلفه فوقف محمود مصدومًا ليقول: - أنت بقيت تمشي! حدق به آدم وسأله بلهفة مهملًا إجابة سؤاله: - فين سهر يا محمود؟ عقد محمود حاجبيه وحدق به بغضب وعقد يداه أمام صدره وقال بحده: - بتسأل عن سهر مراتي ليه يا أستاذ آدم؟ نفوس قاسية #منى_أحمد_حافظ الثانية عشر.وهل للدموع نهاية. --------------------------------------- وقفت سهر أمام نافذتها بعدما جفاها النوم طيلة الليل وها هي تستمع لآذان الظهر فقررت إنهاء عزلتها لهذا اليوم فخرجت وأشاحت بعينيها عن غرفة محمود ودخلت إلى المطبخ، ففوجئت بصفية تبكى فأسرعت إليها تضمها لتنتفض صفية وهى تحدق بقلق لسهر ثم لانت قسمات وجهها وتنهدت بارتياح فهمست سهر لها: - مالك يا صفصف العيون الحلوة دي كانت بتعيط ليه. أشارت صفية بعينيها إلى غرفة محمود فرسمت سهر ابتسامة تحاول إرضاء صفية وقالت بصوت منخفض: - إيه يا خالتي عرسان جداد و. قاطعتها صفية بضيق وقالت: - عرسان مقولتش حاجة بس في أصول في أحترام أنهم مش لوحدهم دي البت زي ما تكون قاصدة تسمع الحي كله هما بيعملوا إيه. ربتت سهر كتف صفية وقالت: - معلش يا خالتي سيبيهم براحتهم المهم إن محمود مبسوط ولاقي اللي تسعده أنتِ بذمتك مش فرحانة إنه عايش حياته طبيعي دلوقتي وربنا إن شاء الله يرزقه بالذرية الصالحة وإن كان على الصوت نسد ودانا يا خالتي متنسيش إنه بيتها دلوقتي. تنهدت صفية وهي تبتعد عن سهر تكمل تجهيز الطعام وقالت: - افضلي كدا هاتي لهم فحجج لحد ما تاخدي على دماغك أنتِ الظاهر لسه خايبة زي ما أنتِ. نظرت لها سهر وقالت: - المهم يا خالتي تفتكري أفاتح محمود بالموضوع اللي أتكلمنا فيه ولا أستنى شوية يعني علشان لسه عريس وكده. أجابتها صفية: - وهو الموضوع ده عايز إذن ده حقك يا بنتي ومحدش يقدر ينكره أنتِ بردوا مراته وواجبه يراعيكِ ولو مكسوفة تكلميه أنا هكلمه لما يجي. هزت سهر رأسها وقالت: - لا يا خالتي أنا هكلمه بيني وبينه لما يرجع من الشغل بلاش أنتِ أنا مش عايزة تشدوا سوا بسببي. نهرتها صفية وقالت: - يختاي هتشليني يا سهر يا بت بقول حقك ومحمود ميقدرش يرفض ومافيش خناق ولا شد معاه وياستي خلاص مش هدخل هسيبك منك له. كانت سهر وصفية تتحدثان ولم يعلما أن هناك أذنًا وقفت تتسمع لحوارهم لتدب نيران الغيرة في قلبها واشتعلت غضبا لتتسلل لغرفتها وهي تقول: - قال وأنا اللي فكرة إن محمود هيبقى لي لوحدي أهي الست سهر وحماتي هيبدأو يشتغلوني عايزة تشاركيني جوزي يا سهر ده بعدك أما نشوف محمود أزاي هيوافق على خطتكم دي قال يديها حقها ويراعيها جت كسر حوقك منك ليها أنا هتصل بماما هي اللي هتعرف تساعدني ويا أنا يا أنتِ فالبيت ده يا سهر. عاد محمود وبراكين الغضب تعمي عيناه فهو لم يتوقع أن يتقابل مع آدم وجها لوجه ليسأله بكل لهفة ليلمح في عيناه شرارات حب لسهر أوقدت نيران غيرته على سهر، كان يود لو يلكمه ويفرغ فيه غضبه فلولا ظهوره في حياتهم ما كانت سهر وقعت في حباله وأمتلك قلبها رُغم دينه المختلف ليحرمه من قلب حبيبته للأبد، كيف له أن يقف هكذا راغبًا في التحدث معها وكان لا وجود لي في حياتها، هي السبب سهر من سمحت لقلبها بخيانتي هي من سمحت لهدى أن تسرق جسدي منها محققه لي كل ما تخيلت أن أناله معها وحدها، ذاد غضب محمود ووصل إلى ذروته ليقرر عقاب سهر على كل ما ناله منها، وما أن فتح باب الشقة حتى صاح بصوت جَهْوَري أصابهم جميعا رعبا وهو ينادي: - سهـــر. خرجت سهر من المطبخ وكذالك هدى من غرفتها لتنظر إلى وجه محمود فشعرت بالخوف منه فحمدت ربها أنه لم يناديها هي وأن غضبه كله منصب على سهر فعقدت يدها تنظر لها بشماتة وهي تراها لا تستطيع تمالك نفسها من الخوف فسمعت صوت صفية يقول: - أيه يابني مال صوتك عالي كده ليه. تجاهل محمود والدته واتجه إلى سهر التي تجمدت مكانها إثر تقدمه منها لتعتدل هدى وهي تراقب تغير حالتها للفزع الشديد حين قبض محمود على ذراعها جاذبًا إياها خلفه بقوة إلى غرفتها ليغلق الباب خلفهم بحدة فنظرت إلى صفية ولاحظت نفس نظرات الفزع التي لاحظتها على سهر فتسلل الشك إليها بشأن ما حدث ولكنها استدارت وأغلقت باب غرفتها وهي تقف خلفه محاولة أن تستمع لصوت محمود، ما أن دخل محمود إلى غرفة سهر حتى دفعها بقوة لتصطدم بخزانة ملابسها فنظرت له بخوف وحيرة ماذا فعلت لتستحق ذلك منه، اقترب منها محمود فتراجعت للخلف هربًا من يده ولكنه لحقها ليجذب شعرها بقوة فصرخت بألم وهي تسأله وترجوه: - مالك يا محمود أنا عملت أيه لكل ده أول مرة ترفع أيديك عليا آه يا محمود سيب شعري هيتقطع فأيديك. جذبها محمود مقربا وجهه منها محدقا بها بغضب وبادلته عيناها بالخوف وجسدها أجاب على قربه بالانتفاض رعبا ولاحظ حبات العرق التي بدأت تغزو وجهها ولكن شيطان نفسه همس له ألا يهتم بحالتها، سألته سهر مرة أخرى وهي تقاوم فزعها بسبب قربه منها فاهتاجت أنفاسها كأنها تعدو وقالت: - سيبني يا محمود وقولي أنا عملت إيه أرجوك تبعد يا محمود. وبدأ صوت بكائها يعلو مع صوت صرخاتها التي حاولت أن تكتمها بيدها: - أبعد عني لا متقربش آه سيب سيب شعري. زاد محمود من قربه منها فمد يده الأخرى وقبض على ذقنها وقال وهو يميل إليها: - من هنا ورايح لازم تعرفي إني جوزك وليا حقوق عليكِ لازم أخدها ولا أنتِ فكراني هسيبك فوقي يا سهر أنتِ ملكي أنا وبس. وأبتعد عنها لتنهار سهر بكاءًا وتصرخ بلوعة: - لا لا مش ليك أنا مش لحد مش لحد مستحيل أكون ليك. مال عليها محمود وقال بحقد: - مش ليا أزاي وأنتِ مراتي ومن حقى أعمل فيكِ اللي أنا عايزه ولا أنتِ فاكرة أني هسيبك له لك أنسي يا سهر. نظرت له سهر بكراهية لأول مرة تشعر بها تجاهه وقالت: - أنت مجنون أنا مش فاهمة حاجة بس أنا لا ليك ولا لأي حد. ابتسم محمود بسخرية وقال: - ولا حتى آدم اللي هرب منك هو كمان ورماكي وأتجوز هايدي وخلف منها. رفعت سهر يدها تكتم صرختها التي كادت تخرج من أحشائها وحبست أنفاسها وهي تحدق بمحمود بعذاب قاسي، لاحظ محمود أن هناك خطب ما يصيب سهر فلون بشرتها بدأ يشحب فشدها إليه محاولا إبعاد يدها عن فمها فلم يستطع لتجمدها فطرحها أرضا ليقع جسدها بين ساقيه وجذب يدها بقوة يحبسهما في قبضته ويقول بخوف عليها: - أتنفسي يا سهر أرجوكِ أتنفسي. لم يجد محمود استجابه من سهر ليرى شفتيها يتلونان باللون الأزرق فصفعها بقوة لعلها تعود لرشدها لتشهق بقوة وتسعل وتطلق أنين جعله يرتد عنها، لتضم جسدها إليها كطفل رضيع فحاول محمود أن يجعلها تستقيم ولكنها تخشبت على وضعها فقام مسرعًا وخرج وهو يصيح: - ألحقيني يا أمي ألحقي سهر. اقتحمت صفية الغرفة بخوف لترى جسد سهر المتخشب على الأرض فصرخت تنادي عليها: - سهر بنتي أنت عملت فيها أيه. حدق بها محمود شاعرا بالذنب فسمع والدته تقول: - منك لله يا محمود يا أبن بطني منك لله هي كانت عملت لك أيه لكل دا علشان كانت عايزة تتعالج حرام عليك يا محمود حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا محمود يا ابن خميس أطلع برا متورنيش وشك تاني. وقفت هدى تتابع ما يحدث ليزداد تعجبها وتفكر بأن هناك سر يخوفنه عنها لتشعر فجأة بالشفقة على سهر التي تأن وتنتفض متكورة حول نفسها فقالت: - أنا هتصل بخالي يجي يشوفها كويس أنه مسافرش. ----------------- جلست صفية أمام باب غرفة سهر بالمشفى وهي تتمزق ألما عليها فها هم على نفس الوضع منذ الأمس ولم تتحرك سهر عن وضعها ولم تفتح عيناها حتى، وحمدت الله أنها لم تدر بحمدي وهو يحاول أفاقتها ولم تشعر بعربة الإسعاف التي أتت لتحملها إلى المشفى ليتم رعايتها، وقفت صفية حينما غادر الطبيب المعالج لسهر غرفتها فابتسم لها وقال: - اطمني يا حاجة بقت كويسة حمدت صفية الله وقالت تتأكد: - بجد يا ابني بنتي فاقت. هز الطبيب رأسه وقال: - لا هي نايمة بس الحمد لله حالة التخشب اللي كان فيها جسمها راحت بس اضطرينا نديها مُهدأ لما لاحظنا أنها خايفة لما فتحت عينيها ودلوقتي بقى محتاجين لحضرتك تقعدي مع الدكتور النفسي اللي جه مخصوص ليها بتوصية من الدكتور حمدي تفهميه أيه وصلها للحالة دي ممكن. أغمضت صفية عيناها وقالت : - مش هقدر أقول حاجة ألا لو بنتي وافقت معلش يا بني واشكر لنا الدكتور حمدي على تعبه معانا ووقفته ويانا وحضرتك كمان بصراحة عملت اللي عليك. تركته صفية ودخلت وجلست بجانب سهر تمسد رأسها وتقرأ لها آيات القرآن لتنهمر عيناها على ما وصل إليه الحال. -------------------- وقفت هدى أمام باب الشقة تمنع محمود عن النزول وهي تقول: - طيب أقعد معايا شوية وبعدين أنزل أنت طول الليل معاها وسيبني لوحدي وحياتي يا حودة خليك شوية أنت وحشتني أوي. تنهد محمود وقال: - ألبسي وتعالى معايا يا هدى هنروح نص ساعة ونرجع هي أكيد زي ما هي وأمي مش حابة وجودي معاها أصلًا. التصقت هدى بمحمود وهي تداعب بيدها صدره وتميل عليه بوجهها وقالت بعدما صدق ظنها أن والدته أيضا على خلاف معه: - هتسيب حضن هدى اللي بتحبك و تتمنى لك الرضى ترضى حبيبي أنا هنسيك أي زعل وأي حاجة حصلت معاك وضيقتك، أنا عارفة أن طنط جت عليك أوي وأنت معملتش حاجة بس وحياة هدى لعوضك وقفتك فالمستشفى والحاجة صفصف سيباك برا ومش سأله فيك. ابتلع محمود ريقه وهو يتابع حركات هدى معه فأغمض عيناه فأسرعت تقول له: - لا يا حودة مينفعش تغمض وأنت معاك هدى دي حتى تبقى عيبة فحقي. ونجحت هدى في استمالة محمود لتجذبه إلى غرفتهما مطلقة عَنان رغباته ومحققه له أبعد مما كان يتمنى. ------------------------ أخذ آدم يتحرك في غرفته وكاد يجن منذ أخبره محمود بكل برود أنه تزوج من سهر وتركه وغادر ولكنه أسرع وراءه مرة أخرى طالبًا منه محادثتها، لينظر له محمود بغضب وهو يكيل له كلمات جلدت كرامته أمامه ليغادر عائدا إلى غرفته في الفندق محطما كل ما لمسته يداه ولكنه حتى اللحظة لم يهدأ ليجذب انتباهه طرقات مازن وصوته يقول: - أفتح يا آدم الفندق هيجيب الأمن بيقولوا من أمبارح بتكسر فالأوضة أفتح يا بني وفهمني حصل أيه لكل ده. تحرك آدم وفتح باب غرفته منسحبا من أمام مازن ووقف أمام النافذة وقال بصوت مقهور: - أتجوزت محمود يا مازن سهر أتجوزت محمود فنفس اليوم اللي كلمتها فيه من خمس سنين ضحكت عليا لما فهمتني أنها هتستناني كذبت عليا يا مازن كذبت عليا الجنة اللي عشقتها فعنيها طلعت جحيم أنا مش قادر يا مازن أزاي أزاي تعمل فيا كدا عشمتني ليه أنها ليا وغدرت بقلبي ليه داست على حبي ليها فهمني يا مازن أنا هتجنن من أمبارح وأنا مش عارف أنام ولا أفكر هتجنن. وقف مازن بجانب آدم الذي ينتفض غضبا وحزنًا وقال: - مش عارف أقولك أيه يا آدم بس مينفعش تعمل فنفسك كدا أنا مقدر حالتك بس خليني صوت العقل ليك ما يمكن أبوها أجبرها ومعرفتش ترفض لاحظ أنك فاليوم ده كان بابا يعني أنت عارف يا آدم اللي حصل معاك وقتها بس سهر متعرفش. نظر له آدم بحرقة وقال: - مش مقتنع بكلامك يا مازن هي كان مفروض تستناني دي وعدتني فاهم يعني أيه وعدتني. صمت آدم فجأة ونظر إلى مازن فشعر مازن بالقلق منه ليقول آدم: - أنا لازم أشوفها وأكلمها حتى لو فيها خراب بيتها مع محمود لازم أعرف ليه أتجوزته أنا لازم أرد لها الوجع اللي حاسس بيه أضعاف. أنهى آدم كلماته وأخرج هاتفه وسمعه مازن يقول: - أبعت لي عنوان المحاسب محمود خميس فورا. سأل مازن آدم وقال بعدما اغلق هاتفه: - أعقل يا آدم اللي أنت ناوي عليه ده ميرضيش ربنا ولا يرضى حد، سهر بقت واحدة متجوزة دلوقتي ومبقاش من حقك أنك تكلمها ولا حتى تفكر فيها، يا آدم متخليش غضبك يعميك. ضحك آدم بتهكم وقال: - قلبك عليها أوي متخافش عليها أنا بس هسألها وأسيبها، ولو على قلبي اللي بيحبها هرميه تحت جزمتي وأدوس عليه حضر كل حاجة بعد ما أرجع من عندها هنسافر القاهرة على طول. غادر آدم وترك مازن يقف وسط ركام غرفته ليتنهد ويغادر وهو يعلم أن آدم سيرتكب أكبر خطأ في حياته بذهابه إلى سهر. -------------------- احتضنت صفية سهر وهي تبتسم بسعادة وقالت وهي تقبل رأسها: - الحمد لله أنك بخير يا بنتي ألف حمد ليك يارب أنك فوقتي كدا يا سهر وقعتي قلبي عليكِ وخوفتيني عليكِ ليكِ يومين نايمة وسيباني وحشني صوتك يا سهورتي. كانت سهر في عالمها تنظر حولها وقد أيقن عقلها أنها خارج منزلها لأول مرة منذ وصلوا الإسكندرية، فالتصقت بصفية وتشبثت بها خائفة كأنها طفلة صغيرة تخاف ظلا يهاجمها ليلا، وانتفضت حين سمعت طرقا على باب الغرفة فاخفت عيناها بصدر صفية لتسمع صوت حمدي يقول: - السلام عليكم يا حجة عاملين أيه نستأذن منك نكشف على مدام سهر علشان نشوف هتخرج أمته. همست سهر بخوف وهي على حالها: - أنا كويسة وعايزة أروح. ابتسم حمدي وقال: - بس أحنا معانا ضيف عايز يتكلم معاكِ يا مدام سهر. سألته صفية بفضول: - ضيف مين يا دكتور حمدي. أبتسم حمدي وقال: - ده الدكتور هاني أخصائي نفسي هيدردش معاكم شوية ها أيه رأيكم. شردت سهر قليلا ثم ابتعدت عن صفية واعتدلت وقالت وهي تكور كفيها: - ماشي يا دكتور خليه يتفضل. -------------------- صاح مازن في وجه آدم قائلًا: - ما تهدأ بقى كان مفروض نسافر أمبارح رجعت وأنت شايط اكتر ودلوقتي عايز تأجر مخبر يعرف لك مكانها ما تسيبها فحالها بقى يا آدم وأنساها. لمعت عين آدم بمكر وقال كأنه لم يستمع لصياح مازن: - هايدي هي اللي هتعرف مكانها هي قالت إنها عايزة تكفر عن اللي عملته زمان وأنا مستعد أسامحها بشرط تعرف لي من مرات محمود التانية مكان سهر. حدق مازن بآدم بغضب وقال: - أنت اتجننت يا آدم أنا بقولها لك لو طلبت من هايدي حاجة زي كده يبقي بتخسرني وأنا مش هستنى هنا اكتر من كده أنا هرجع القاهرة تاني. صرخ به آدم وقال: - سافر يا مازن بس مش عايزك تعرفني تاني وأنا هوصل لها مكان ما تكون. نظر له مازن بأسف وقال: - عايزك تفتكر وأنت بتنفذ تهديدك أنك بتظلمها لمجرد كلامك معاها وخليك مكان جوزها هل ترضى واحد كان بيحب مراتك يظهر فحياتها تاني. غادر مازن تاركا آدم في صراع قلبه وعقله فهمس: - أنا عايز اسألها ليه والأكتر أن محتاج أشوفها ولو حتى أودعها. --------------------- جلست هدى بجانب محمود تنظر لسهر وتقول: - خالو قال أنك لازم تقعدي فالمستشفى فترة يا سهر هتقدري يا حبيبتي على القعدة هنا لوحدك أزاي. ونظرت إلى محمود وقالت: - أنا طلبت من محمود أبات معاكِ بس مرضيش قالي مينفعش أنام وأنتِ بعيد عن حضني مش كدا يا حودة. نظرت لها صفية وقالت بضيق: - كتر خيرك يا هدى أنا موجودة مع سهر وأنتِ يا حبيبتي خليكِ مع حودة قصدي محمود ابني. ضحكت هدى وقالت وهي تقف: - تمام يلا بينا بقى يا محمود أحسن ميعاد السينما يفوت علينا. حدقت صفية في وجه ابنها تتساءل من هذا الذي تراه أمامها، هل هذا ابنها حقًا؟ وكيف له أن يتبدل حاله بمجرد زواجه من هدى؟ فقالت موجهة حديثها لابنها قائلة: - سيبينا لوحدنا شوية يا هدى لو سمحتي عايزة أقول لابني كلمة بيني وبينه. عبست هدى وتوجهت إلى الخارج تغلق الباب بقوة دون كلام، تنهد محمود الذي على نفس وضعه يتابع بصمت ولا يتحدث وقال: - مش كفايه خصام يا أمي ولا لسه. ربتت صفية يد سهر التي التزمت الصمت وقالت بحزم : - هيخلص لما تطلق بنتي يا محمود فياريت تطلقها بهدوء. صدم محمود بطلب والدته وأحس بغضبه يتجدد ونظر إلى سهر التي انكمشت حول نفسها خوفا من نظراته وقال: - مش هطلق يا حاجة صفية ومراتي هترجع بيتي تاني أنا مستحيل أسيب سهر ولو السما أنطبقت على الأرض وأعملوا حسابكم أنا هكلم الدكتور يكتب لها خروج. شدت سهر يد صفية وهمست: - بلاش مشاكل يا خالتي أنا مش عايزة أطلق محمود معاه حق وحياتي يا خالتي. جذبت صفية يدها من سهر ووقفت أمام ابنها وصفعته بقوة وهي تقول: - زمان أبوك ضربك قلم علشان تفوق لنفسك وأنا دلوقتي بفوقك لنفسك يا ابن بطني أوعي تنسي لحظة أنك ابني و كلامي أمر تنفذه. بادل محمود نظره بين سهر المذعورة وبين والدته الغاضبة وقال: - بردوا مش هطلقها. وغادر فالتفتت صفية إلى سهر وقالت: - أنتِ السبب أنتِ اللي صممتي يتجوز وأهو أتجوز واحدة عرفت تمثل أنها ملاك وفالأخر بعد ما حطت أيدها على ابني بانت إبليس عرفت تلف دماغه، شوفتي شورتك المهببة بس ورحمة خميس ما سيباكِ يا هدى يا بنت سميرة وأنتِ يا أخرة صبري هتعملي أيه أنتِ ملحقتيش جلستين علاج هتروحي خلاص. تنهدت سهر وقالت: - متنسيش يا خالتي أن دكتور هاني قعد معانا اليومين اللي فاتوا كلهم وأنا هحاول أمشي على الحاجات اللي قالها، وأنتِ معايا لحد ما نكلم محمود فموضوع العلاج، بس بلاش تجيبله سيرة دلوقتي يا خالتي وبلاش تزعلي منه. لطمت صفية عدة مرات على صدرها وهي تضحك وتقول: - يا بت بطلي خيابة بقى جوزك الحرباية دي خطفته وأنتِ ولا همك. فرت دمعة من سهر وهاجمها حزنها وقالت: - خلاص يا خالتي معدتش تفرق أنا دلوقتي مبفكرش غير فأني أرجع أحسن من الأول أنا اكتفيت من غدر الدنيا بيا. ----------------- رحبت هدى بابتسامة زائفة بسهر وصفية وقالت تحاول إخفاء ضيقها لعودتهم: - نورتوا البيت والله تعالي يا سهر ادخلك أوضتك تريحي فيها ده وشك مخطوف أوي. تنهدت صفية وهي تبحث بعينيها عن ابنها وقالت: - فين محمود ومجاش ليه ياخدنا من المستشفى هو أنا مش متصلة بيكِ وقلت لك تبلغيه، هو ينفع يعني نيجي لوحدنا وهو عارف أن سهر واخدة حقن مهدئة كتير علشان نعرف نرجع. ارتبكت هدى وقالت: - معلش يا ماما صفية أصل محمود نايم ونسيت أقوله، أعمل أيه فشقاوته مش بيسيبني أرتاح خالص بيقول لي مقدرش استغنى عنك لحظة، عمومًا هدخل أصحيه بس مضمنش نخرج من الأوضة دلوقتي. أجابتها صفية وهي تأخذ سهر من يدى هدى وتوجهت لغرفتهم وقالت: - لا يا حبيبتي خليه نايم أحنا كمان داخلين ننام تصبحي على خير. بعد مرور بضعة أيام غادرت هدى غرفتها ووقفت تنظر لسهر الشاردة دائما منذ عودتها من المشفى وقالت: - أنا نازلة أنا وماما يا سهر ومحمود عارف متنسيش خلصي الغدا قبل ما نرجع ألا ماما صفية هتتأخر برا. زفرت سهر بضيق وقالت: - متخافيش يا هدى أنا مخلصة الحاجة من أمبارح وخالتي مش هتغيب راحت تقبض وتجيب حاجات للبيت أنزلي أنتِ علشان متتاخريش على والدتك. لوت هدى شفتيها ثم قالت بخبث وهي تمسك برأسها: - الحقيني يا سهر أنا دايخة أوي. شعرت سهر بالخوف على هدى وأسرعت تسندها لتجلس فنظرت لها هدى وقالت: - معلش أطلعي نادي لي ماما أحسن مش عارفة مالي. توجهت سهر بسرعة صوب باب الشقة لتفتحه وتتجمد مكانها فالتفتت تنظر لهدى وهي على وشك البكاء وقالت: - مش هقدر أطلع لا مش هخرج. وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها لتسمع بعد وقت قصيرة غلق الباب فتركت العنان لدموعها، ولكنها وقفت مرة أخرى تصغي فسمعت صوت طرقات على الباب فتوجهت تفتح وهي تهمهم: - مش عارف أنا أيه خلاني أقوله أتجوز وأختار له حرباية على رأي خالتي صفية. تنهدت سهر بضيق وهي تفتح وتقول: - أيه لسه دايخة يا هد... لتشهق وهي تراه يقف أمامها يبادلها النظرات، هاجمت سهر أحاسيس مختلفة لم تستطع تفسير إيًا منها فجعلتها تبكي فجأة لتتراجع دون وعي للخلف فدخل وهو يغلق الباب خلفه وعيناه تخترق عيناها وصدره يعلو ويهبط بعنف متزامنا مع ضربات قلبه الذي أوشك أن يتوقف من سرعة نبضاته، وقفت سهر تحدق به تحاول اللحاق بأنفاسها التي سلبها منها بمجرد أن رأت عيناه، وقفا يتبادلان النظرات دون كلام كأن سحرا ربط بينهما ليتقدم منها ببطء ويجذبها إلى صدره محاوطًا إياها بذراعيه ليشعر وكأنه سكن أخيرًا جنته الخضراء ليصدر عنه أنين ألم اخترق قلب سهر، ليشعر بانقباض قلبه حين تشبثت به سهر تبكي ليعلو صوت نحيبها ويرتعش جسدها وينتفض وهي تلقى بدموعها داخل صدره كأنها وجدت بر أمان لتحط عليه رحال أثقالها، لم يدر أيا منهم كم مضى عليهما من الوقت يحتويها بدف قلبه وتسكنه جنة عيناها ليبتعد عنها آدم أولًا وهو يمسك كتفيها ويتنفس ببطء يحاول كبح حزنه وشعوره بالوجع منها، وعقد حاجبيه وهو ينظر لشفتيها التي تدعوه بصدق لتقبليها فكاد يغزوها ولكنه تمالك نفسه وقال: - الخمس سنين اللي فاتوا خلو جنة عنيكِ أجمل من الأول بكتير وحفروا ملامحك زي آلهة الإغريق أنتِ لو كنتِ أيام الأساطير كنتِ هتبقي آلهة الفتنة عارفة ليه الفتنة بالذات علشان تفضلي تفتني كل اللي يشوفك ويوقع فحبك ويعشق قلبك ويتمناكِ وفالأخر يشوف حقيقتك قلب فاضي مش بيهمه غير نفسه وبس مبيحبش إلا جماله وبس، زي طاووس مهووس لازم يلم المعجبين حولين منه ولما يملكهم يرميهم لعبة وزهق منها يكسرها بقى يدوسها مش مهم صح يا مدام سهر مش هي دي حقيقتك آلهة فتنة وجنة عينيها جحيم. استمعت سهر لكلمات آدم لتقع عليها في مقتل مسددًا لها طعنة نفذت لأعماق أحاسيسها فأدمتها فحدقت به غير مصدقة لحديثه فهو وبمنتهى القسوة يلقي عليها باللوم وهو الذي تزوج من هايدي ولم يغير دينه كما أوهمها وحين وصل عقل سهر لتلك النقطة أدركت جرم فعلتها بتركه يضمها إليه لتنتبه لحالها لماذا لم يصيبها الفزع كحالها دائما فابتعدت عنه وتوجهت إلى باب شقتها الذي اغلقه آدم لتفتحه وهي تقول: - ولما أنت عرفت حقيقتي جاي ليه يا أستاذ آدم لو سمحت اتفضل أنا لوحدي هنا وميصحش أنك تبقى موجود خصوصًا إن جوزي زمانه على وصول. صفع آدم الباب يغلقه مرة أخرى وجذب ذراعها بقوة ونظر لها بغضب وقال: - لسه مخلصتش حسابي معاكِ هو سؤال وعايز أجابته ليه يا سهر فهميني ليه أتجوزتي محمود؟ وقفت سهر لا تدر بما تجيبه وأغمضت عيناها وكبحت عقلها عن تذكر شيء من الماضي، لتشهق برعب وهي ترى باب شقتها يفتح فالتفت آدم لتراهم صفية يقفان وكأن على رأسيهما الطير وقالت: - مين ده يا سهر؟ الثالثة عشر .لن أستسلم. ------------------------------ لماذا تصر الحياة على ظلمي؟ لما باتت رؤية دموعي هدفًا لها؟ لما صوت تمزق قلبي يطربها. تاهت سهر بعين آدم تتساءل كيف تجرح مثل تلك العيون التي سقطت بعشقها وتقسو بجبروت لتنتفض على سؤال صفية، فالتفتت إليها وحدقت بها لا تدر بما تُجيب سؤالها وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها، فلا عذر لها لاستقبالها آدم وهي بمفردها ولا تفسير لديها توضح به سبب وجوده. ليفاجئها آدم بإحاطته لها بيده ودفعه إياها ليخبئها خلف ظهره بتلقائية يحميها من نظرات صفية، فحدقت صفية بهما وعينيها تتبدل بين آدم وسهر التي ولصدمتها لم تدفعه عنها كما يحدث كلما اقترب منها ابنها محمود، فتقدمت منهما ووضعت ما بيدها من أشياء فوق المنضدة ومدت يدها وجذبت سهر من خلف ظهر آدم وأوقفتها بجوارها وأردفت تقول وهي تحدق بعينا آدم: - أنت جاي تحمي بنتي مني. ونظرت إلى سهر وأردفت مكررة سؤالها: - مين ده يا سهر؟ ابتلعت سهر غصتها وتنفست بتوتر وهمت بالحديث ولكنها توقفت حين سمعت صوت آدم يجيب بدلًا منها: - أنا آدم عمران صاحب الفندق اللي كانت سهر بتشتغل فيه. حدقت به صفية للحظات وحاولت استرجاع ذاكرتها ليتجهم وجهها ويعلو ملامحها الغضب وهي ترميه بنظراتها النارية بعدما أدركت هويته وأردفت بحدة: - أنت اللي بسببك خطيبتك كانت عايزة تفضح بنتي، وليك عين تيجي لهنا أيه مش خايف تكون بتراقبك وتعمل لنا فضيحة هنا، عمومًا لو أنت مش خايف فأنا بخاف على بنتي وسمعتها، وبعدين أنت بأي حق تيجي هنا وأزاي تسمح لنفسك تدخل بيت صاحبه مش موجود. والتفتت بعيناها وحدجت سهر بعتاب صريح ورفعت حاجبها باستنكار ومدت يدها وقبضت على كتفيها وهزتها بوجع مُكفهر وأردفت: - وأنتِ أزاي تدخليه من الأساس للبيت وجوزك مش هنا أزاي تعملي حاجة زي كده، عمومًا أنا مش هحاسبك دلوقتي أدام الاغراب إنما ليا كلام معاكِ وأحنا لوحدنا. واستدارت صفية مرة أخرى ورمقت آدم بعيون غاضبة وهتفت بحدة: - شرفت يا بيه ودلوقتي أتفضل من غير مطرود أحنا مش ناقصين مشكلات تيجي من ناحيتك تاني، وكفاية علينا اللي أحنا فيه. زفر آدم بحزن وعيناه تجول فوق قسمات سهر وبداخله تصارعت رغبة عقله بإيلامها وإحساس قلبه بأختطافها بين ذراعيه، ليفوز عقله ويفرض سيطرته عليه فتبدلت ملامحه وبدت أكثر قتامة وصرامة وأردف: - أنا مفروض فعلًا اعتذر وأنا بجد أسف بس مش على كلامي معاكِ لأن اللي قولته ميجيش نقطة من اللي عايز أقوله وأبقي سلميلي على محمود لما يرجع يا مدام سهر. تركهم آدم وسط دهشة صفية وألم سهر وغادر صافقًا الباب خلفه بحدة، لتنهار سهر باكية بين ذراعي صفية وهي تهمس بوجع: - حتى هو يا خالتي مرحمنيش أخر واحد كنت أتخيل أنه يظلمني جه عليا أنا ليه بيحصل معايا كده يا خالتي هو أنا أمته هعيش دنيتي زي ما أنا عوزاها. وابتعدت فجأة عن صفية ونظرت للباب المغلق وكفكفت دموعها وقالت: - أنا عايزة أتغير يا خالتي أنا عايزة أبقى إنسانة طبيعية زي أي حد أنا تعبت والله ومبقتش قادرة أتحمل أعيش فالظل كده أنا معدتش عايزة أبقى الضعيفة اللي الكل بيكسر فيها ويهدها، خلاص أنا معدش هقبل أعيش بالشكل ده معدتش هرضى الذل أنا معملتش أي ذنب ولا غلطت علشان أبقى المتهمة، ساعديني يا خالتي بالله عليكِ تساعديني. ازداد توجس صفية فما حدث أمامها وما لاحظته مُستتر خلف العيون جعلها تُدرك أن هناك أمرً ما تجهله فزفرت بقوة وعاتب سهر بكلماتها قائلة: - كل اللي بتقوليه ده أنا عرفاه وحساه ومعاكِ إنك لازم تتغيري وتتعالجي وترجعي أحسن من الأول كمان، بس أنك تفتحي الباب لراجل غريب وأنتِ لوحدك ميصحش أفرضي كانت هدى اللي دخلت ولا محمود كنتِ هتقولي لهم أيه، ليه عايزة تدي هدى فرصة تشتم فيكِ. توقفت صفية فجأة عن الحديث وتطلعت إلى سهر بغموض لتُفاجئها بسؤالها: - أنتِ بتحبي آدم يا سهر. انفجرت سهر بالبكاء وارتمت بين ذراعي صفية وهي تأن بوجع ثم قالت بعدما شعرت بقدرتها على التحدث: - وجعني اوي يا خالتي ظلمني واتهمني أني خدعته واتجوزت محمود وسبته رغم أن هو اللي كان بيكذب عليا ياريتني ما شوفته ولا حبيته. باتت نظرات صفية مزيج بين الحيرة والصدمة والريبة وبداخلها ازداد فضولها وتساؤلها إن كانت سهر قد أحبت آدم فمتى حدث ذلك والأهم هل كان محمود على علم بحقيقة مشاعرها تلك أم لا، وأحست سهر بتساؤلات صفية فسارعت بقولها: - أنا هقولك يا خالتي كل حاجة علشان متظنيش فيا أني خُنت الراجل اللي سترني واداني اسمه. جلست صفية بجانب سهر وهي تقص عليها كل ما حدث معها حتى وقت وفاة والدها، ومع كل كلمة ازداد غضب صفية على ابنها وأردفت تقول بلوم: - وأنتِ أزاي تسكتي لمحمود واللي كان بيطلبه منك أزاي تقبلي بحاجة زي كده، ليه مجتيش وحكيتي لي وأنا كنت وقفته عند حده، ده أنا على كده معرفتش أربي قال وأنا اللي كنت فاكره أنه هيصونك وقتها. زاد الخوف بداخلها فهزت رأسها بالنفي وهتفت بتوسل: - وحياتي يا خالتي متجبيش سيرة أنك تعرفي أنا خلاص معدش بفكر فحد أنا كل اللي يهمني دلوقتي نفسي وبس. أردفت صفية بعدما جمعت بداخلها حقيقة ما حدث: - آه لو كنت أعرف لكنت أديت اللي اسمه آدم ده كلمتين بجنابه إنما تعالي هنا قوليلي يا خايبة أنتِ أزاي تسكتي له ومترديش عليه. احتضنت سهر صفية وأردفت بصدق: - أنتِ طيبة أوي يا خالتي عارفة أنتِ العوض الحقيقي اللي ربنا عوضني بيه عن كل حاجة حصلت لي. قبلتها صفية وربتت ظهرها بحنو وقالت: - يبقى ترضي قلبي بقى وتجمدي كده وكمان تبطلي تقولي لي يا خالتي دي وتقولي لي ماما. لم تستطع سهر تمالك دموعها فعادت لبكائها وهي تُخبرها: - أنتِ أحسن أم الدنيا ربنا ميحرمنيش منك أبدًا. ------------------ مرت عدة أيام نفذت فيها سهر كلام صفية وابتعدت عن محمود وهدى وكانت تقضي معظم وقتها في غرفتها ليُخرجها من غرفتها صوت شجار، فوجدت صفية تقف أمام ابنها محمود وعلامات الغضب مرسومة على وجهها ولمحت هدى تجلس بجانب البلكونة وكأن الأمر لا يعنيها فنظرت إلى صفية مرة أخرى وسألتها: - في أيه يا ماما حصل إيه علشان تزعقوا كده. انتبه محمود لمناداة سهر لوالدته فسخر منها بقوله: - بقت ماما دلوقتي طبعا ما أكيد أنتِ اللي قايلة لها تكلمني. أجابته صفية بحدة: - ملكش دعوة بيها وكلمني أنا، سهر مطلبتش حاجة أنا اللي بقولك هتخليها تتعالج ولا لاء. بادل محمود بصره بينهما وأردف ببرود مخالفًا غضبه الذي بدا عليه: - لاء أنا عجبني مراتي كده لا عايزها تتعالج ولا تخرج من البيت من أساسه والموضوع ده انتهى ودي أخر مرة يتفتح. عقدت صفية يدها أمام صدرها وسألته: - يعني ده آخر كلام عندك يا ابني! زفر محمود بضيق وأشاح بوجهه عنهما وأجاب: - آه وأظن أني قلت بدل المرة ألف علاج لسهر مافيش. نظرت له صفية بغموض وغمغمت: - ماشي يا محمود اللي أنت شايفه يكون وكتر خيرك يا ابني. ---------------------------- لم يدر آدم كيف مرت تلك الأيام عليه فهو لم يهدأ منذ كان معها فها هو يواجه صراع قلبه وعقله فما زالت تمتلك كامل إحساسه وحبه، بحث آدم ببصره حوله وما أن وقعت عيناه على هاتفه حتى اختطفه وهاتف مازن وهتف حين أجابه بقوله: - تعالى يا مازن متسبنيش لوحدي أنا هتجنن خلاص أنا كنت فاكر أن ناري هتبرد لما أرد لها القلم، إنما بالعكس دخلت الجحيم برجليا مش قادر أنسى عينيها وأنا بهين فيها نظراتها قتلتني، كانت بتتهمني أن أنا اللي ظلمتها أنا مش فاهم حاجة يا مازن أرجوك يا مازن أنا حابس نفسي خايف أروح لها وأضعف أنا مستعد اترجاها تسيبه وترجع لي مازن أنت ساكت ليه. تنهد مازن بحزن وعقب: - بسمعك عايزك تقول كل اللي جواك علشان عارف أن ردي عليك مش هيعجبك أنا قُلتهالك قبل كده بلاش تروح لها علشان عارف أنك هتبقى على الحالة دي أنا فالطريق يا آدم وأعقل شوية إياك تتهور فاهم. صرخ آدم بصوت مملوء بالعذاب: - أنا بحبها يا مازن بحبها وحبها زاد أضعاف لما شوفتها. أدرك مازن أن آدم وصل لمرحلة صعبة مثلما واجه مشكلة خطفه، فهو يحتاج لكل دعم الآن حتى لا ينساق وراء قلبه ويدمر معه سهر فزاد من سرعة سيارته وهو يفكر كيف يقنعه بالسفر مرة أخرى ليبتعد عنها. --------------- تعاملت صفية مع ابنها بهدوء في الأيام التالية تحاول مواساة سهر على رفض محمود علاجها، فازداد شعور الحزن عليها لْتزم الصمت مع الجميع حتى أتى محمود قرابة نهاية الأسبوع ينادي على والدته: - يا صفصف يا أم محمود. غادرت صفية غرفتها وحدقت بوجه ابنها المبتسم بتساؤل فهو لم يعد يناديها بتحبب منذ زواجه، لتغادر هدى هي الآخرى غرفتها وتلتصق به كجلد ثان له وحين لاحظت صفية تصرفها هزت رأسها وهتفت ساخرة: - أيه يا هدى هو أنتِ يا هدى على طول كاتمة على نفس ابني ولازقه له كل ما يعوز يتكلم معايا روحي ريحي باوضتك ومتنسيش تقفي ورا الباب تسمعي بنتكلم فأيه. صاحت هدى بعدما أغضبها تهكم صفية منها: - سامع والدتك بتقول إيه يا محمود أنا بقف ورا الباب اتجسس عليكم يرضيك اللي والدتك بتقوله ده أنا بتهان فبيتي وأنت ساكت. لم يهتم محمود بصياح هدى ووجه حديثه إلى والدته وأردف: - نادي سهر يا أمي علشان الكلام اللي هقوله للكل مش لحد لوحده. تركت سهر غرفتها وانضمت لجوار صفية ما أن سمعت ندائها لتضمها بحنان إليها وأنتظروا حديث محمود الذي سارع بفصم الصمت بقوله: - أنا قبلت الترقية اللي جاتلي وقررت أننا ننقل القاهرة تاني. صفقت هدى بسعادة وهي تقفز فرحًا ونظرت لوجه صفية وسهر ووجدتهما عابستان فاحتضنت محمود وقبلته بدلال وهتفت: - مبروك يا حبيبي على الترقية أنا مش مصدقة أننا هنعيش في القاهرة. والتفتت بوجهها صوب صفية وسألتها باستنكار: - أيه يا جماعة هو مافيش مبروك مالكم مش مبسوطين لحبيبي على الترقية يا ساتر. وعادت وأولت محمود أهتمامها وأخبرته بغنج: - متزعلش يا حودة كفاية أنا فرحانة ليك أنا هحتفل بيك في اوضتنا وانسيك عدم تقديرهم ده. تحدثت صفية أخيرًا بهدوء: - مبروك يا ابني بس أحنا زي ما أنت عارف مش هنسافر معاك. تعجبت هدى من قرار صفية وحدقت بوجه سهر المذعور لتلاحظ أنكماشها بجوار صفية لتغمرها السعادة فأردفت مُسرعة: - براحتك يا طنط خليكم هنا ونبقى نيجي زيارة فالمناسبات. زفر محمود وعيناه مثبته على سهر التي امتلأت عيناها بالدموع وقال: - مافيش حد هيقعد لوحده كلنا هنسافر وده قراري. همت صفية بالأعتراض ولكن يد سهر التي شدت على ذراعها ورأسها التي حركتها نفيًا منعتها من الحديث وهي ترى هدى تسحب ابنها خلفها فهمست بحزن: - عليه العوض ومنه العوض. بدأت هدى في تجهيز حقائبها استعدادا للسفر ولاحظ محمود حالة سهر التي ازدادت سوء فكلما سأل عنها أخبرته والدته أنها نائمة فشك في حديثها فتسلل إلى الغرفة ليراها متكورة حول نفسها مغمضة العين وعلى وجهها آثار بكاء شعر بأنه تمادى في تعسفه معها فجلس بجانبها وهمس: - حقك عليا يا سهر أنا مش عارف ليه بعمل معاكِ كده بس صدقيني أنا مش قادر أتخيل أنك تروحي مني وتسيبني الأيام اللي فاتت دي كنت حاسس أني ميت علشان مش بشوفك أدامي، آه يا سهر لو تعرفي أن قلبي ده لحد دلوقتي مش عارف يقبل بهدى أنا بقيت إنسان أسواء مما تتخيلي يا سهر بقيت بنتقم منك فهدى كل ما ألمسها أو تلمسني بشوفها أنتِ بنام معها وتبقي فحضني ومش حاسس بيها كل إحساسي أنك أنتِ اللي فحضني ببوسك وبعيش معاكِ الحب اللي اتمنيت دايما أني اعيشه معاكِ أنتِ ظلمتيني يا سهر لما أجبرتيني أتجوز لا والمصيبة أنها طلعت عكسك فكل حاجة أنا بضيع من نفسي يا سهر لأني اكتشفت أني لا بقيت قادر استغنى عن هدى ولا قادر على فراقك سامحيني يا سهر ياريت بجد تسامحيني. جاء يوم السفر ووقفت سهر بجانب صفية تتشبث بساعدها كطفلة صغيرة بوجه شاحب تنظر إلى باب الشقة برعب، فنظر محمود إليها بحزن وأغمض عينيه وقال ليفاجئهم: - هبقى أنزل أجازة كل أسبوع خميس وجمعة وهقضيها معاكم هنا، فخلي بالك من سهر يا صفصف. تنهدت صفية بارتياح لعدول ابنها عن قراره وأردفت: - روح يا ابني ربنا يراضيك ويجبر خاطرك زي ما رضيت قلبي. وقفت هدى تنظر لوجوههم التي احتلها الارتياح كأن حملا خف عنهم وقالت محدثة نفسها: - أموت وأعرف السر اللي بينكم أنتم التلاتة ومخبينه عني، منين محدش هيقعد هنا ومنين خليكم هنا، بس كده أحسن هيبقى محمود ليا لوحدي وإن كان على الأجازة فأنا هأقدر أخليه ميجيش وينساكم. انتبهت هدى لصوت محمود يقول: - يلا يا هدى العربية واقفة تحت أنزلي وأنا هجيب الشنط. تحركت هدى بسعادة وقالت: - سلام بقى أبقى أشوفكم فالمناسبات. قبل محمود يد والدته وقال لها: - مش عايز أسافر وأنتِ زعلانة مني وعايزك اسمعك وأنتِ بتدعي لي زي زمان. دعت له صفية وربتت وجنته وأردفت بحنان: - هجيبلك المصحف بتاعي خليه معاك دايمًا. وتركته برفقة سهر ووقف محمود يحدق بها منتظرًا سماع كلمات وداعها له فاقترب منها وهمس: - ينفع تخليني أحضنك قبل ما أمشي لأنك هتوحشيني اوي وربنا يصبرني على فراقك. ارتبكت سهر وأغمضت عينيها وفتحت ذراعيها تضمه إليها وهي تدعو الله إلا يصيبها الفزع، ليسكن محمود لأول مرة بين ذراعيها برضاها فقال: - ياه يا سهر أول مرة تحضنيني من غير ما تبعديني وتخافي مني. وأبعد وجه وهو ينظر لشفتيها فأحست سهر برغبته في تقبيلها فقالت بخوف حاولت أن تخفيه بداخلها وهي تضع يدها على شفتاه تمنعه من تقبليها: - بلاش يا محمود أرجوك خلي وداعك ليا ميوجعنيش. قبل محمود يدها ومد يده ليبعدها عن شفاهه وقبل أنفها وقال: - هخليها المرة الجاية لما أجي وأعرفي أني مش هتنازل عنها خلي بالك من نفسك. مضى الأسبوع الأول بهدوء غريب وأنتظرت صفية وصول محمود ولكنه هاتفها وأعتذر عن المجيء بتلك الأجازة لانشغاله بتجهيز وترتيبه مسكنه الذي وفره عمله، وجلست صفية تنظر لوجه سهر تارة وتختطف نظرة إلى الخارج وأردفت بصوتٍ هادئ تقول: - على فكرة يا سهر أنا رتبت طالما محمود مش هيبقى معانا ولا الحرباية وخدت القرار مكانك وكلمت الدكتور حمدي، وهو كتر خيره وافق على كلامي ومن النهارده الساعة خمسة المغرب دكتور هاني هيجي يكمل علاجك وأيام أجازة محمود مش هيجي، فأنا عيزاكي تشدي حيلك معاه وتخفي خلينا نعمل مفاجأة لمحمود إنك مبقتيش زي زمان وخفيتي. ابتسمت سهر بسعادة تتساءل هل حقًا ستعطيها الحياة الفرصة لتحيا بأمل كما تريد دون خوف أم أنها ستعود وتغدر بها مرة أخرى تلاشت ابتسامتها وعبست بقلق وأردفت بصوتٍ خافت: - بس أنا خايفة محمود لما يعرف يزعل. أجابتها صفية وهي تربت يدها: - حتى لو عرف سيبي الموضوع ده عليا أنا ماشي. هزت سهر رأسها بإيجاب وهي تطمئن نفسها أن الأمور ستسير بخير معها، وبالفعل بدأت سهر العلاج النفسي لها فتبدلت الأحوال معها كلما مضت جلسة علاج بينها وبين هاني، لتشعر بالثقة معه وتزداد ثقتها بنفسها وأصبحت تتقبل تعاملها معه ولكن كلما حاول سؤالها مستفسرًا عن السبب الرئيسي لحالتها ينتابها الخوف وتتوقف عن الحديث وتبكي فيعتذر منها ويغادر. ورُغم حالة سهر المتذبذبة استطاع هاني أن يخلصها من خوف مغادرتها للمنزل فبدأت سهر تغادر لخطوات تليها أخرى، ولم تدر صفية أو سهر أن هناك من تراقب كل شاردة وواردة تحدث معهم فكانت سميرة حريصة على معرفة كل تحركاتهم وإبلاغ ابنتها هدى بها، وحين تأكدت من زيارة ذلك الرجل لهم بشكل يومي طلبت منها هدى معرفة الوقت الذي يقضيه، في حين حاول محمود أن ينهي طلبات هدى التي كانت تتعمد مطالبته بها قبل نهاية الأسبوع لينشغل معها معتذرًا عن زيارة والدته وسهر. وها هي نهاية الأسبوع حانت فجلست هدى وحاولت كعادتها ثنيه عن السفر ولكن محمود لم يغير قراره وطلبت منها أن تبقى بمفردها تلك المرة ولا ترافقه فوافقها محمود وهو يشعر بالراحة فتلك هي فرصته ليبقى بمفرده برفقة سهر دون محاولاتها منعه عنها، وصل محمود إلى الأسكندرية وعقله يفكر بسهر التي ازداد احتياجه إليها وفتح باب مسكنه بهدوء وتسلل بروية ولمح والدته تجلس بارتياح في مكانها المفضل بالشرفة فكاد يفاجئها، ولكنه توقف بمكانه حين جذب انتباهه صوت يغني بهدوء فتبع الصوت ليرى سهر وهي تعد بعض الحلوى وتغني ولكن ما جذب انتباهه إليها أكثر لعقها للحلوى من أطراف أصابعها، فاقترب منها وأختطف يدها ينوي امتصاص الحلوى من أطراف أصبعها، ليعلو صوت صراخها وسقط الإناء منها فهرولت صفية محوها ودهشت لوجود محمود الذي جاهد بمحاولة تهدأة سهر والتفت إلى والدته وأردف بأستياء: - أنا مكنش قصدي أبدًا أخضها معلش ضيعت مجهودها والكيكة راحت على الأرض. احتضنته صفية وترحب به بحفاوة وابتسمت بسعادة وقالت وهي تنظر لسهر: - حصل خير يا محمود فداك أي حاجة حمد لله على السلامة أومال فين هدى. ترك محمود مكانه بالمطبخ وغادره وهو يجيب: - أنا سبت هدى فالقاهرة بتخلص شوية حاجات فالبيت وقلت أجي أنا علشان مقدرتش على بعدكم أكتر من كده أصلكم وحشتوني أوي. انحت سهر تنظف فوضى الشُكولاتة عن أرض المطبخ فلاحظت صفية نظرات ابنها لسهر فجذبته بعيدًا وقالت: - متسرحش يا حبيبي بعينك وتعالى معايا وقولي أزاي تسيب مراتك لوحدها هناك وتيجي. جلس محمود ينظر تجاه المطبخ بقلق وقال: - عادي وفيها أيه لما تقعد لوحدها ما أنتم كنتم هنا لوحدكم من غيري. تنهدت صفية وقالت بعدما تأكدت من انشغال محمود بسهر وقد أحست بما يشعر به وكان جليا على وجهه: - بلاش اللي فدماغك يا ابني وقضي معانا الأجازة على خير وأرجع لمراتك وسيب سهر فحالها، أنا أول مرة أحسها مرتاحة وبقت تنام براحتها مش قلقانة ولا بتصحى من النوم مفزوعة. بدى قول صفية كصفعة صدمت محمود فحدق بوجهها بحزن وعقب على قولها: - يعني أنا كنت سبب فاللي بيحصل لها شكرا يا أمي أنك بتتهميني أني بسبب لمراتي الرعب بوجودي وبجيب لها كوابيس عن أذنك أنا هدخل أريح شوية وبالمرة اختفي من أدامكم بدل ما تخافوا. تابعت صفية مغادرة محمود للمكان وزفرت بضيق والتفتت بعيناها لتتقابل وعينا سهر فزمت الأخيرة شفتيها واقتربت منها وعاتبتها قائلة: - ليه كده يا ماما تزعليه يعني ده جاي يشوفك بعد قد إيه وميستهلش تزعليه ده مهما كان حوده حبيب قلبك. كادت صفية تصرخ بوجه سهر ولكنها لم تستطع وضحكت وهي تفرك أذن سهر وعقبت قائلة: - بلاش بالله عليكِ حوده دي أحسن بتعلي عليا الضغط وبعدين يا فالحة لو مكنتش زعلته كان هو اللي هيزعلك، وأفهمي بقى ده كان هياكلك بعينه، فلو الموضوع عادي معاكِ فأنا هدخل أطيب خاطرة وماليش دعوة بيكِ. ارتبكت سهر ووقفت أمام صفية وقالت: - أهون عليكِ يا ماما ما أنتِ عارفة اللي فيها وحياتي لو يعني هتصلحيه متسبنيش لحد ما يسافر. صمتت سهر فجأة وضربت جبهتها وقالت: - نسيت زيارة الدكتور هاني. أجابتها صفية: - ادخلي بسرعة اوضتك واتصلي بيه، وقوليله بلاش يجي النهاردة وقوليله يستنى لما نبلغه بسفر محمود. أسرعت سهر إلى غرفتها وأولت بابها ظهرها وهاتفت هاني ولم تلحظ محمود الذي وقف عند باب الغرفة وما أن أجابها هاني حتى أردفت سهر تخبره: - معلش أنا بتصل دلوقتي علشان ألحقك قبل ما تيجي أصل محمود وصل على فجأة فمش هينفع تيجي، لا خليها لما يسافر ماشي هكون بانتظارك فنفس الميعاد زي كل مرة تمام مع السلامة. عاد محمود إلى غرفته قبل أن تراه سهر وعلى ملامحه ارتسمت الصدمة وجلس فوق فراشه يهمس بتيه: - معقول اللي سمعته ده مش ممكن أنتِ يا سهر أنتِ تطلعي بتخونيني أيه ما صدقتي سافرت معقول آدم عرف طريقك، طيب أزاي آه صح تلاقيه جاب العنوان من الشركة بس من أمته وأنتو سوا من ورايا وأمي بتكون فين وقت ما بتقابل عشيقها، ياه ده أنا طلعت مغفل أنا لازم أقتلك هقتلك يا سهر لا أهدى يا محمود أنت لازم تظبطهم سوا، علشان تنتقم منهم هما الاتنين، وقتها محدش هيقدر يلومك، أنت لازم تتعامل معاها عادي أمسك أعصابك وبلاش تتهور الرابعة عشر. حقا أكتفيت ألما. ------------------------------------- لم يستطع محمود النوم فأخذ يدور حول نفسه يشعر بأن عقله سيتوقف من كثرة التفكير كيف يعقل لسهر أن تطعنه هكذا في شرفه أيعقل أن تخونه، أيعقل أن تكون بمثل هذه البراعة وتتصنع الخوف معه لتفعل ما يحلو لها من وراء ظهره، أراد محمود أن يسألها ويواجهها فترك غرفته ولكنه توقف أمام غرفتها وتراجع مرة أخرى فقد صرخ به كبريائه يمنعه من سؤالها، ومن مكانه رأها تغادر غرفتها وهي تنظر نحوه بوجه مضطرب فأشاح بوجهه عنها فاقتربت منه وهي تزدرد لعابها وسألته بتردد: - واقف كده ليه يا محمود لو محتاج أعمل لك حاجة قولي. حدق بها محمود ولم يجيب عليها فمطت شفتيها وأضافت: - طيب أنا هعمل شاي تحب تشرب معايا. زفر محمود أنفاسه وعقله يفكر بما سمعها تقوله وأردف وهو بطريقه نحو الشرفة: - اعملي لي قهوة أحسن أنامصدع شوية وهاتيها فالبلكونة. أعدت سهر لمحمود قهوته وجلست بجانبه تنظر للبحر فقالت: - عارف يا محمود طول عمري كنت بحلم أشوف البحر وأنزله ولما جينا إسكندرية وقعدنا وأدامنا البحر بقيت بردوا مش قادرة حتى ألمسه وبشوفه من بعيد لبعيد. حين لزم محمود الصمت التفتت نحوه وسألته: - مبسوط فـ شغلك يا محمود. أجابها وهو يحدق بالأفق أمامه: - الحمد لله الشغل كويس مش ناقصني فيه غير وجودك معايا إنما قوليلي أنتِ مش ناوية تيجي تعيشي معايا هناك ولا عجبتك القعدة لوحدك هنا. تنهدت سهر وهي تفكر بجلساتها العلاجية التي تقدمت فيها كثيرًا وأجابته: - أكيد هيجي يوم وتلاقيني معاك وأنا يعني هروح فين يعني وبعدين أنا مش لوحدي أنا معايا ماما ربنا يخليها. نظر لها محمود وحاول قراءة ملامح وجهها وتنهد بقوة وسألها دون وعي منه: - سهر أنتِ بتحبيني. أغمضت سهر عيناها تخفي تهربها من نظرات عينيه وأخبرته بصوتٍ متحشرج: - أحنا بقى بينا عشرة يا محمود ورغم أنك بعد جوازك أتغيرت شوية بس أنت بردو لسه بالنسبة لي محمود اللي أتربيت معاه وكفايه معروفك معايا. زفر محمود وحدق بوجهها المضطرب وحدث نفسه: - هربتي بردوا من السؤال ومفروض أفهم من الأجابة أنك مش بتحبيني يا سهر، ودا معناه حاجة واحدة وهي أن اللي بتكلميه ده هو آدم فعلًا بس يا ترى سمحتي له باللي حرمتني منه، يا ترى يا سهر أخد حقي فيكِ سرقه مني زي ما سرق قلبك، آه يارب مش قادر أشوف وشها اللي كله براءة ده واكذب ودني واللي سمعته منها ما لو كان حد اللي قال كنت قتلته إنما أنا اللي سمعتك وأنتِ بتنبهي عليه ميجيش علشان أنا جيت، هتجنن يا سهر أزاي قدرتي تعمليها معقول أنا انخدعت فيكِ معقول أنتِ سهر ولا أنا مكنتش عارفك من الأول. انتبه محمود على يد سهر تربت كتفه وتقول: - روحت مني لفين. أجابها محمود وهو يقف مبعدًا يدها عنه: - روحت لحد هدى أصلها وحشتني عن أذنك أنا داخل أنام. تركها محمود بمفردها فحدقت بأثره حتى ولج غرفته واغلق بابه خلفه فزفرت بحزن وأردفت: - سامحني أني مش قادرة أديلك قلبي، غصب عني أنا قلبي أخده مني آدم ومعرفتش ارجعه، بس أنا اتعودت أبقى معاك وكان صعب عليا أفضل شيفاك محروم من أبسط حق ليك، يمكن أكون أسأت لما أخترت هدى ليك بس خلاص هي بقت نصيبك، أنا بدعيلك كل يوم إن ربنا يرزقك منها بالذرية الصالحة وتفرح على الأقل واحد فينا يا محمود يبقى عاش. مضى اليوم التالي ومحمود حبيس غرفته ليفاجئهم بخروجه قائلًا: - أنا مضطر أرجع القاهرة هدى تعبانة هروح اطمن عليها أشوفكم بخير. وأقترب محمود محتضنا والدته يودعها ونظر إلى سهر بغموض وغادر دون أن يلمسها، وطوال طريقه للقاهرة أخذ عقله يفكر ليحزم أمره بعودته مرة أخرى ليواجه سهر ويسترد كرامته التي أهدرتها، وحين وصل إلى شقته وولج إلى غرفته وجد هدى تستند إلى فراشها وكأنها كانت على علم بشأن عودته واعتدلت ونظرت نحوه برغبة صريحة وأشارت له بأصبعها، فأهمل تلميحها له فحدقت به وتحركت ووقفت أمامه وساعدته على تبديل ثيابه ولمسته بجرأة وهمست في أذنه وهي تلفحه بأنفاسها: - أول مرة تطنشني كده إيه موحشتكش ولا خلاص نسيت هدى حبيبة قلبك، تفتكر في حد غيري قدر يرضيك علشان كده مبقتش عايز هدى. أجابها محمود بضيق وهو يبتعد عنها: - هدى أنا مش فايق لأي كلام دلوقتي ولو سمحتي سيبيني لوحدي أنا مش طايق نفسي. احتضنته هدى وقالت وهي تقبل رقبته: - هي زعلتك أنا مش عارفة أزاي اتجوزتها وهي عاملة زي التمثال البارد. حاول محمود أن يبتعد عنها ولكنها تعلم نقاط ضعفه جيدًا فاستحوذت على شفتاه مقبله إياها لتثير رغبته بها، فبدأ يستجيب لها ليغمض عينيه وهو يفكر بسهر واستسلم مطلقًا سراح أحتياجه فحملها إلى فراشه هاربًا لأحضانها. استيقظ محمود فجرًا يشعر بثقل يجثم فوق صدره فوجد رأس هدى تستريح فوق صدره وذراعها يحتضنه، فأبعد ذراعها عنه بهدوء فهمست قائلة: - رايح فين يا محمود. أجابها محمود بهدوء: - هقوم أاعمل فنجان قهوة. اعتدلت هدى وقالت: - مالك يا محمود أنت مكنتش معايا أصلًا أول مرة أحسك بعيد عني وأنت نايم معايا. سحب محمود نفسًا وحاول نسيان ما يفكر به وقال: - مافيش أنا بس تعبان شوية نامي أنتِ يا هدى. نظرت له هدى بتمعن ثم ابتسمت بخبث وقالت بصوت حاولت إظهار ارتباكه: - محمود هو أنت عرفت. التفت إليها محمود بحدة وقال: - عرفت أيه تقصدي إيه يا هدى أنتِ عارفة حاجة ومخبيه عليا أتكلمِي. ابتعدت عنه هدى وقالت: - لا معرفش حاجة أنا أصل ماما لا أنا مش هقدر أقول حاجة. جذبها محمود من ذراعها بقوة لتواجهه وقال بحدة: - انطقي تعرفي إيه وسيباني مغفل أتكلمِي بدل ما أقتلك أنتِ كمان. شعرت هدى بالبهجة لصحة ظنها فقالت وهي تدعي الخوف منه: - أنا مش قصدي أسيبك على عماك بس ماما حلفتني متكلمش. صاح محمود بها بغضب وقال: - هدى متختبريش صبري أنا العفاريت بتتنطط أدامي مش ناقص انطقي مخبية إيه عني أنتِ ووالدتك. ابتعدت هدى عنه ووقفت وهي تنظر له وقالت: - أنا ميرضنيش أسيبك معمي أكتر من كده ولا هرضى أن سهر تمرمغ شرفك في الأرض. صرخ بها محمود باستهجان وقال: - أنتِ تقصدي أيه. نظرت له هدى بشماته وغيظ وقالت: - أقصد أن الست اللي سايبها مع والدتك فاتحة البيت لراجل غريب بيروح لها كل يوم المغرب يقعد له ساعتين تلاتة وينزل، ماما شافته كذا مرة داخل الشقة عندك ووالدتك مش هناك. جلس محمود يحاول تكذيب هدى ليواجه نفسه بما سمعه فشعر بالدماء تضرب عقله بقوة فوقف مرة أخرى وخرج من غرفته واتجه إلى المرحاض حاول أن يغسل غضبه قليلًا لكن المياه لم تستطع إطفاء بركان ثورته على سهر فدخل مرة أخرى ليرتدي ملابسه، فسألته هدى تدعي البراءة: - أنت رايح فين دلوقتي؟ لم يجيبها محمود وغادر يسيطر عليه غضب أعمى أن يقتلها ليغسل عنه عار خيانة سهر له، وعاد إلى الإسكندرية وصل أسفل منزله كاد يصعد ليفتك بها ولكنه توقف وعاد أدراجه وجلس في ذاك الكافية القريب من منزله يراقب مدخل العمارة منتظرًا ظهور غريمه، وفي الشقة بالأعلى نادت سهر على صفية وقالت: - يا ماما هنزل أجيب نسكافية قبل ميعاد دكتور هاني هو خلاص على وصول. أجابتها صفية وهي تنظر لها بابتسامة: - لا خليكِ أنا جبت امبارح يا قلبي بلاش تنزلي أنتِ ولا خلاص بقينا مش بنخاف وعايزين ننزل كل شوية. ضحكت سهر بسعادة وقالت: - أنا مش مصدقة أصلًا أني قدرت ونزلت أمبارح ياه يا ماما ربنا ميحرمنيش منك ويارب دايمًا تفضلي تكملي الحاجة الناقصة و. قطع على سهر إكمال جملتها صوت رنين الهاتف فأجابت سهر ونادت على صفية وقالت: - ماما دي طنط سميرة عايزاكي. تحدثت صفية مع سميرة وأغلقت الهاتف وقالت لسهر: - هطلع أشوفها مالها بتقول تعبانة أنا مش هغيب لو دكتور هاني جه وأنا فوق قعديه فالصالة ورني عليا وأنا هنزل على طول. جلست سهر بقرب النافذة تراقب البحر وتبتسم وهي تتذكر سعادتها بالأمس وهي تجري وتلعب مع الأمواج وسط ضحكات صفية التي شجعتها على الخروج بعدما سافر محمود، أفاقت من شرودها على رنين هاتفها فأجابت وهي تضحك: - أيوة يا ماما. سمعت سهر صوت تنهد الطرف الثاني يقول: - كل مرة متعرفيش صوتي أنا آدم يا سهر اللي بتصل بيكِ علشان وحشني صوتك يا فتنة. همست سهر باضطراب: - آدم. أجابها آدم بتنهيدة حارقة: - أيوة آدم اللي لعبتي بيه. أجابته سهر بحدة وقد فاض بها الكيل: - بقولك أيه يا آدم بلاش تمثل عليا وعلى نفسك أكتر من كده وتعيش دور الضحية، وبدل ما تتريق عليا وتعايرني روح بص لنفسك الأول، أنا لو كنت اتجوزت محمود ف ده لأسباب وظروف مريت بيها، إنما أنت أيه حجتك لما كذبت عليا وهربت وروحت اتجوزت هايدي وخلفت منها بعد ما وهمتني أنك هتغير دينك، يا آدم لو في حد فينا جرح التاني فيبقى أنت، أنت اللي جرحتني وخدعتني وأنا عمري ما هنسى وجعي وأنا مستنياك تيجي زي ما قولت، أنا فضلت مستنية شهر بحاله تيجي تنفذ وعدك ليا وأنت اتاريك عايش مع مراتك، بص يا آدم كفاية أني سبتك تجرح فيا براحتك المرة اللي فاتت إنما خلاص دلوقتي مش هسمح لك تقول حرف فيه إهانة ليا تاني، ومن الأخر كده الرقم ده تمسحه ومتتصلش عليه تاني فاهم ولا أقولك أنا هرميه زي ما رميت حبك من قلبي وخرجتك برا حياتي كلها. أغلقت سهر الهاتف تحاول تمالك أعصابه وأفعالها، فقلبها يؤلمها لشعورها بآلام آدم فقذفت هاتفها بالحائط وهي تبكي بتساؤل لما هو مصر على اتهامها بخداعه، وهي التي قضت لياليها تبكي والدها الذي قتل وتبكيه الآن في حين لم يف بعهده معها، هزت سهر رأسها وصرخت بألم: - ليه تخليني أوجعك بالشكل ده حرام عليك يا آدم حرام عليك بجد. حدق آدم بهاتفه بعدما أغلقت سهر في وجهه الاتصال وهو يشعر بالتيه فهو لم يعد يفهم شيء وتساءل من خدعها وأخبرها أكاذيب عنه هكذا؟ من أوهمها بزواجه من هايدي؟ أحس آدم أن عليه مواجه سهر بما قالته ليثبت لها أنه وفى بوعده وأنه بحث عنها كثيرا ليثبت لها أنها هي من خانت اتفاقهما معًا وتزوجت بمحمود. سمعت سهر رنين الباب فمسحت دموعها عنها وفتحته وهي تحاول رسم ابتسامة على وجهها واستقبلت هاني بترحاب وتذكرت تنبيه صفية فبحثت عن هاتفها فوقعت عيناها عليه مكسورًا على الأرض فلعنت غضبها الذي لم تتحكم فيه، ولاحظ هاني حالة اضطراب سهر فسألها: - مالك يا سهر إيه مضيقك واضح عليكِ جدًا الانفعال أحنا قولنا أيه نتحكم فأي انفعال، شكلك هتتعبيني معاكِ وأحنا مش عايزين نطول ففترة العلاج خصوصًا إن ماشاء الله عليكِ بتتقدمي بسرعة ولا أنتِ معرفتيش تتغلبي على خوفك ومقدرتيش تخرجي. جلست سهر بعيدًا عنه وقالت: - بالعكس يا دكتور أنا خرجت امبارح لأول مرة ومكنتش حاسة بخوف كنت فرحانة وعايزه أطير حسيت أني كنت أسيرة واْتفك أسري، أنا بشكر حضرتك على تعبك معايا الفترة اللي فاتت بس يعنى حصلت حاجة كده مقدرتش فعلا أمسك نفسي واتعصبت جامد ودلوقتي حاسه بالندم مكنتش حابة أتصرف أو أقول الكلام اللي قولته. نظر هاني لها وقال محاولا جعلها توضح أكثر: - أكيد كان حاجة قوية خرجتك عن وعيك بس أنفعالك فحد ذاته تقدم أنك تعبري عن اللي جواكي ومتضعفيش خطوة مهمة جدًا. نظرت سهر له وقالت: - تفتكر يا دكتور أني هرجع طبيعية تاني وأقدر أتعامل مع الناس عادي. نظر هاني إليها وفكر أنه الوقت المناسب ليجعلها تبوح له بسرها الذي سبب لها مرضها النفسي فقال يحاول حثها على التحدث بحرية: - بس أحنا كل ده نعتبر معملناش أي حاجة لأن السبب الأساسي للي أنتِ فيه مش عايزة تتكلمي عنه وأنا بالشكل ده هبقى عاجز لأني مش عارف أساعدك تتخطيه علشان تبدئي حياتك مش ناوية تحكي لي على اللي مخبياه. وقفت سهر وقالت وهي تهرب بعينيها عنه: - أنا هعمل لحضرتك النسكافية على ما ماما تنزل عن إذنك. دخلت سهر تعد النسكافية وخرجت وهي تحمل مج النسكافية تقدمه لهاني ليندفع محمود فجأة إلى داخل الشقة فرأى سهر تقف وظهرها باتجاهه وأمامها جلس رجل لم ير وجهه، فالتفتت سهر إلى الخلف وما أن وقع بصرها على محمود حتى سقط من يدها النسكافية فوق هاني وهي ترفع يدها لوجهها بخوف واضطراب ظاهر عليها بوضوح، وشعرت سهر بقلبها يهوى منها رعبًا بسبب نظرات محمود التي خافت أن تقرأها، فابتعدت عن هاني وهي تهمس وشعور بالذنب يحتلها: - محمود. سمعت صوت محمود الغاضب الذي تحجرت عيناه وأظلمت بسبب غضبه يقول: - أيوة محمود المغفل اللي ما صدقتي أسافر علشان تستقبلي فيه عشيقك من ورايا وفبيتي. وقف هاني يشعر بالحرج وقال محاولا توضيح خطأ ظنه: - حضرتك مش فاهم حاجة الموضوع أني. أشار إليه محمود ليصمت وهدر بصوت عال: - أنت تخرس خالص لأن لو سمعت صوتك هرميك من البلكونة أنت فاهم. ألقى محمود قوله واقترب من سهر التي ارتعدت خوفًا وعيناه تحدق بها بغضب وقال: - عايز أعرف أنتِ بتستغفليني من أمته وبتقابليه من ورا ظهري انطقي. ازدردت سهر لعابها وقالت: - أنت فاهم غلط أساسًا. صرخ بها محمود وقال: - أنا عايز إجابة واضحة بتتقابلوا من أمته. لم يمهلها محمود الفرصة لتجيبه وأنهال على وجنتيها صفعًا فحاول هاني التدخل فلكمه محمود وهو يصيح: - بتدافع عن عشيقتك يا بجح أكيد طبعًا بتبسطك علشان كده مهربتش أول ما شوفتني واضح أنك واطي شبهها. حدقت سهر في وجه محمود تخرسها الصدمة بسبب أتهامه ليعاود صفعها من جديد، وانتشل محمود بعيدًا عن سهر صوت صفية وهي تصرخ فيه بغضب وتحاول أن تبعده عنها: - أنت اتجننت أبعد عنها. دفع محمود صفية دون أن يلحظ فقد وصل لقمة غضبه وقبض بيديه على عنق سهر يخنقها، حاول هاني أبعاد يد محمود عن عنق سهر وهو في قمة تعجبه لعدم مقاومة سهر لمحمود أو الدفاع عن نفسها واستسلامها لبطشه بها بتلك الطريقة فحاول مرة أخرى حتى نجح في إنقاذ سهر، فصرخ محمود بها وسبها وصدره يعلو ويهبط من انفعاله الشديد قائلًا: - هو ده تمن المعروف اللي عملته معاكِ لما سترت عليكِ يا سافلة، هو ده تمن ما حمايتك بدل ما كلاب السكك تنهشك، أنا أتغشيت فيكِ أنا دلوقتي أتأكدت أنك أنتِ اللي غويتي فؤاد ووصلتيه إنه يغتصبك، أنتِ كان مفروض تموتِ مقتولة مش والدك اللي جبتي له العار أنتِ أصلًا العار نفسه، أنتِ طالق يا سهر طالق طالق وتحرمي عليا ليوم الدين، ودلوقتي أطلعي برا بيتي للشارع اللي تستحقيه لأني خسارة أوسخ أيدي بدمك النجس يا فاجرة. كانت صفية تحدق بابنها الذي فرط لسانه بأقبح كلام لم تتخيل أن يقوله وقد ألجمت اتهاماته لسهر لسانها فجلست على الأرض تبكي بعد دفع محمود لها، ونظرت إلى هاني الذي علم كل شيء اخفته سهر عنه وكان يقف حائل دون شفائها الكامل، وخافت أن تنظر لسهر لإحساسها بأنها خذلتها فهي من أصرت على علاج سهر بالسر دون معرفة محمود ولكنها صدمت أكثر عندما سمعت صوت تصفيق وضحكات سهر التي أسندت نفسها إلى المقعد تسعل لتقول بصوت مخنوق يكافح ليلتقط أنفاسه: - برافو يا ضحية بجد هايل يا فنان، ياه تخيل أول مرة أحس براحة من آخر مرة زارني فيها فؤاد فالمستشفى وقت ما هددني أني متكلمش واعترف عليه علشان ميقتلش أي حد بخاف عليه زي ماما قصدي الحَجَّة صفية وزيك، رُغم أنك متقلش عنه دلوقتي فخسته بس برافو بجد، عارف أنا فرحانة أنك أخيرًا خلصت من عاري خلصت من الطين اللي أترميت فيه بس ابقى وريني هتنضف أزاي من الوحل بعد ما ريحت ضميرك يا محمود، وعيزاك تقعد كده وتحكي وتتحاكى عن اكتشافك العظيم لخيانة مراتك وأنك ظبطتها مع عشيقها وأزاي موسختش أيديك بدمها وطلقتها ورجعتها للشارع مرة تانية كده ضميرك هيرتاح، أنا بكرهك أوي يا محمود وياريتني فعلًا كنت بخونك، صدق كنت فعلًا أتمنى تدخل تلاقيني بحضنه علشان تعرف أن حتى الغريب بقبل بلمسته عنك، أنا فعلًا دلوقتي بقيت شيفاك على حقيقتك أنت الوش التاني لفؤاد بس على الاقل فؤاد وضح من البداية نيته، إنما أنت فرضت نفسك عليا وكنت عايز تاخد كل حاجة وتتحجج أنك بتحبني، ملعون حبك على معروفك معايا اللي يخليني أفضل طول عمري مذلولة ليك. حدق محمود بها غير مصدق لما يسمعه منها فكيف لها أن تناطحه بالكلام ولا تدافع عن نفسها أمامه وترجوه السماح، فالتفت بوجهه وحدق بوجه هاني وبدى وكأنه ينتبه له للمرة الأولى وسأله بحدة: - أنت مين؟ بادله هاني النظر ولكن باحتقار وقال: - أنا الدكتور اللي بيعالج مدام سهر بتكليف من الدكتور حمدي وطلب من الحَجَّة صفية يا أستاذ. أطلقت سهر ضحكة أخرى لردة فعل محمود وهو يتراجع إلى الخلف بصدمة ويهمهم: - أنا أنا مش فاهم. رفعت صفية نظرها لسهر لتشهق رعبًا من حالها وقد أحمر وجهها واحتقن بالكامل وأثر قبضتي ابنها على رقبتها وقد تبعثر شعرها، ولكن كلمات سهر التي وجهتها لمحمود كانت الطامة الكبرى التي أفقدتها الإحساس بمن حولها وهي ترى صدمة ما فعله ابنها وإحساسه بالذنب لاتهامه سهر بالباطل لتفقد وعيها وترتطم بالأرض. وبعد مرور أكثر من ثمان ساعات جلستهم سهر أمام غرفة العناية المركزة التي دخلتها صفية بعد إصابتها بجلطة أثر ما فعله محمود، وبجانبها وقف هاني يحاول معرفة فهم ما تشعر به وانتابه القلق لعدم بكاء سهر وجمود ملامحها وصمتها منذ فقدت صفية وعيها حتى الآن، وحاول خلالها محمود أن يتحدث معها ولكنها لم تبد تجاهه أي رد فعل، انتبه هاني لحضور زوجة محمود الثانية والتي ما أن رأت سهر حتى وقفت أمامها وقالت بشماته واضحة: - هو أنتِ لسه هنا؟ حاول محمود أن يتحدث ولكنه عجز عن الكلام، فلا كلمات ستمحي ما فعله بسهر ولا تداوي سوء ظنه وغباءه وانسياقه خلف أوهام بلا دليل، فنظر إلى هاني ولكن الآخر كانت نظراته له عتاب صريح قاتل فنكس رأسه لينتفض حين سمع هدى تقول له: - أنت مقتلتش الفاجرة دي لحد دلوقتي ليه وأزاي سيبها قاعدة كده عادي وجنبها عشيقها. وقفت سهر فجأة وهي تحدق بهدى لتصفعها بقوة وهي تنظر لها باحتقار وقالت بصوت مخنوق: - العشيق ده تعرفيه أنتِ لما تدخلي بيوت الناس تبصي للرجالة المتجوزة اللي فيه ولما تجيلك الفرصة تعضي الأيد اللي اتمدت لك بالخير، بس هقول أيه أنتِ بالظبط اللي كانت تليق بالاستاذ اللي واقف جنبك ده علشان أنتم الاتنين تفكيرهم قذر وأفعالكم أقذر وأقذر. لتغادرهم وَسَط صدمة الجميع لتصيح هدى بغضب: - السافلة الخاينة تضربني أنا وأنت واقف تتفرج عليها. أوقفها محمود عن إكمال صياحها بصفعها وهو يصيح بها بغضب: - اخرسي وإياكِ تقولي حرف فحق سهر، سهر دي أشرف منك ومني أنا شخصيا أنا بسببك خسرت مراتي. تركها محمود وحاول اللحاق بسهر فأسرع خلفها حتى وصل إلى باب المشفى بحث عنها بعينيه يمينًا ويسارًا ولكنه لم يراها، فسأل حارس المشفى وأجابه انه لم ير أحد بمواصفاتها، فعاد إلى الداخل مرة أخرى والخوف والندم يتملكه، فوجد حمدي يغادر من العناية وانتظر محمود ليتقدم منه وقال: - الحمد لله حالة الحَجَّة صفية استقرت وهنخرجها من العناية بس هي مصممة تشوف مدام سهر هي راحت فين. جذبه هاني بعيدًا عن محمود وأردف بصوت خافت: - أنا عايزك فى موضوع مهم يا دكتور حمدي. قص هاني كل ما حدث لحمدي بصوت خفيض فصوب حمدي نظرات نارية تجاه محمود وهدى وحين أنهى هاني حديثه ابتعد حمدي عنه وسار باتجاه هدى ووقف أمامها وقال: - أنتِ أزاي تعملي حاجة زي كده وأنا مفهم سميرة على كل حاجة، أزاي موضحتيش لمحمود أن هاني الدكتور اللي بيعالج سهر ووالدته بتكون معاهم وأحيانا أنا كمان بكون موجود، أزاي جالك قلب تظلمي واحدة بريئة بالشكل ده، أزاي تخوضي فعرض ست زيك أزاي هتقفي أدام ربنا يا هدى. شهقت هدى ونظرت بخوف لمحمود الذي تجمد من هول ما سمعه وكور يداه يمنع نفسه من النيل منها ولكنه أبعد نظره عنها ونظر إلى هاني وقال: - أي كلمة هقولها علشان تسامحني أنا عارف إنها هتبقى زي قلتها بس أنا حقيقي أسف. ووجه عيناه لحمدي وقال: - بنت أختك طالق يا دكتور. انهارت هدى تصرخ وترجو محمود قائلة: - لا يا محمود متطلقنيش متسبنيش أنا بحبك أنا ممكن أموت لو بعدت عني، محمود ردني ليك وأنا هعيش خدامة تحت رجليك وتحت رجلين ماما وسهر، بس متسبنيش أنا أنا حامل يا محمود، وحياة ابننا اللي جاي اللي ميرضيش ربنا أنه يعيش محروم من وجودنا سوا. أغمض محمود عيناه ليقع خبر حمل هدى عليه بألم وقال: - معدش في بيت علشان تخدمي فيه أمي وخسرتها وسهر ومعرفش راحت فين بعد ما طلقتها، شوفيلك بيت غير بيتي اخدمي فيه وابنك مش هيبقى أول واحد يعيش وأهله مش مع بعض، وكفاية بقى أنا مانع نفسي عنك بالعافية أمشي يا هدى أنا مش عايز أشوف وشك تاني خلاص معدش في حاجة تربطني بيكِ. صرخت هدى بهستريا: - مش هسيبك مستحيل أخليك تبعد عني مستحيل أسيبك لسهر أو لأي وحدة غيري أنت ليا أنا وبس. اقترب حمدي من هدى وأحاطها بيديه محاولًا تهدئتها، وأشار لهاني ليستدعي إحدى الممرضات التي تقدمت منه ليحقن هدى بمهدأ، وحملها لغرفة حتى تهدأ من ثورتها، في حين تقدم هاني من محمود وقال: - دلوقتي أحنا لازم ندور على مدام سهر غموضها من وقت ما استسلمت ليك وأنت بتضربها مقلق، أنا متابعها لحد ما خرجت وبصراحة رد فعلها مخوفني. همس محمود بحزن: - ملحقتهاش ومش عارف راحت فين دي اختفت في لحظة، أنا خسرتها ومش عارف أزاي صدقت اللي سمعته واللي اتقال، أنا فعلًا مغفل علشان صدقت ظنون من غير ما أسأل، أنا السبب عاندت معاها ورفضت علاجها علشان أكسرها وانتقم لرفضها ليا أنا بس عايز اطمن عليها، سهر عمرها ما كانت لوحدها ومش هتعرف تتعامل لوحدها خصوصًا بعد اللي حصل معاها. ---------------- غادرت صفية المشفى وهي لا تتحدث إلى ابنها خاصة بعدما علمت باختفاء سهر وفشل هاني وحمدي ومحمود في الوصول إليها وتحاشت وجوده معها في منزلها وانعزلت بغرفتها تحتضن ثياب سهر وتبكي غيابها، تتساءل إلى أين ذهبت وهي غادرت دون مال ودون هاتف ودون سند وقد خذلها الجميع، وها هي على حالها تبكي لا تعلم كيف مرت بها تلك الأيام السبعة، سمعت صفية رنين جرس الباب فانتظرت أن يقوم ابنها بفتح الباب ولكن الرنين استمر فتحركت وفتحت ووقفت تحدق بالواقف أمامها والذي نظر إليها بارتباك فهمت بغلق الباب بوجه ولكنه قال لها وهو يضع يده يمنعها من غلق الباب: - أنا جاي استسمحك تخليني أتكلم مع سهر قبل ما أسافر لأني مش ناوي ارجع مصر تاني أرجوكِ. بكت صفية فاقترب منها آدم وسألها بقلق: - مالك يا أمي طمنيني. أجابته صفية بحسرة: - جاي بعد أيه بعد ما بنتي ضاعت أمشي يا ابني وسيبني بحالي كفاية حرقة قلبي عليها. الخامسة عشر .لم أعد أنا. -------------------------------- إن قال لي أحدًا يومًا أن الزمن يمكن له أن يتوقف لتتوقف معه أنفاسي ما صدقته أبدًا، ولكن هذا ما حدث معي بل أكثر لقد توقف نبضات قلبي مرة واحدة ممزقة صدري وأنا أهز رأسي بعدم تصديق وأسمع أنين قلب تلك الأم التي وقفت أمامها أحدق بها أحسبها تهزأ بي لأتفاجأ بها وقد غمرها الحزن كقلب أم ملكوم على أبنتها حقًا، لا لن أصدق ما قالت لا يمكن أن تضيع هكذا لا يمكن أن تبتعد عني وأفقدها مرة أخرى، شرد آدم وهو يحاول أن يستجمع شتات نفسه بعدما أستمع إلى كلمات صفية الحزينة ووقف محدقًا بها بصدمة. هل يمكن للرجال أن تبكي نعم تبكي الرجال حقًا وفقط الرجال كهذا الواقف أمامي يترنح كأن الروح تفارق جسده بقوة ووجهه الشاحب حد الموت وعيناه التي تحجرت بها الدموع لتنسال من محبسها كأنه لم يعد في عالم الأحياء صدمتني عيناه لأشعر بقلب الأم لدي أن هذا الواقف أمامي ليس بعاشق كاذب أبدًا. فاجأت صفية آدم وهي تمد يدها وربتت وجنته ومسحت عنه دمعته التي فرت من محبسها وقالت: - لما حالك بالشكل ده وزعلان عليها سبتها ليه وهربت وروحت اتجوزت قريبتك دي وخلفت كمان يا ابني أنا آه ست كبيرة بس الدنيا علمتني كتير فبلاش تضحك عليا أنا كمان. سحب آدم نفسًا عميقًا وقال: - أنا مبضحكش عليكِ أقسم بالله ولا حتى هربت أنا نفذت وعدي ليها بس هي الظروف اللي حصلت معايا منعتني أجي فالوقت اللي كنت قايل لها عليه ولما روحت لها ملقتهاش ولا حتى لاقيت محمود وفضلت أدور عليها أنا ومازن وكلفت ناس تدور عليها معايا، صدقيني أنا عمري ما بصيت لواحدة غيرها واعتبرت نفسي مرتبط بعهدي معاها ومع ربنا، يا أمي أنا أسلمت علشان أقدر أكون معاها يمكن ربنا عاقبني إنها تضيع مني علشان كان مفروض أسلم لله من غير غرض، بس متخيلتش أبدًا أنها تتجوز محمود يا أمي محمود كسر قلبي لما قابلته من فترة صغيرة وقال أنهم اتجوزوا فى نفس اليوم اللي كان متحدد لكتب كتابهم إنما أنا مش عارف بجد مين اللي قال أني اتجوزت صدقيني والله يا أمي أنا متجوزتش وعشت السنين اللي فاتت دي على أمل أني الاقي سهر. فرت الدموع من عين صفية وهي تسمع اعتراف آدم فاسندها آدم إليه خوفًا عليها وسحب لها المقعد وأجلسها فوقه وقال بقلق: - تحبي أجيب لحضرتك دكتور. هزت صفية رأسها بالرفض وقالت: - لا يا ابني أنا دوايا هي بنتي يوم ما ترجع لي واللي بدعي أني أشوفها قبل ما أموت. احتضن آدم كف صفية ووجده بارد ولاحظ حبات العرق تلمع فوق جبينها فقال: - لا أنا لازم انقلك المستشفى حضرتك شكلك تعبان والظاهر إن أنا زودت التعب أكتر سامحيني بس أنا فعلا مقدرتش أمنع نفسي أني أشوفها للمرة الأخيرة بعد ما خسرتها بجوازها من محمود ورغم أنها هي اللي خلفت كلامها معايا بس مقدرتش أكرهها. همست صفية بضعف وقالت: - متظلمهاش أنت كمان وبلاش تيجي عليها زي الدنيا كلها ما جت عليها سهر متجوزتش محمود ابني إلا بعد ما اتوفى والدها بأربع شهور. تراجع آدم إلى الخلف ونظر لصفية بدهشة وقال: - بس محمود فهمني غير كده. ابتسمت صفية بألم وقالت: - محمود قالك غير كده. هزت صفية رأسها بأسف وأضافت: - يبقى معدش يهم على رأي سهر أي حاجة دلوقتي بعد ما راحت. أحس آدم أنه سيختنق فهو كان على أمل أن تكون تلك الكلمات مجرد عقاب له، ولكنه تأكد الآن من أنها الحقيقة فقال: - طيب ممكن تفهميني سهر راحت فين؟ سمع آدم وصفية صوت محمود يقول بحدة: - أنت إيه اللي جابك هنا وأنتِ يا أمي أزاي تدخليه البني آدم ده، أزاي تدخلي اللي سرق مني سهر وضيع حياتي. زم آدم شفتيه والتفت بوجهه ورمق محمود بنغضب وأردف بصوتٍ قاس يقول: - لو في حد فينا سرق التاني فأنت اللي سرقت مني سهر يا محمود، لأنك كنت متأكد أني بحبها وكنت عارف أنها بتحبني ورغم كده قبلت تتجوزها وتخطفها مني، وأنا دلوقتي هنا علشان حاجة واحدة أنا عاوز أبرأ نفسي أني لا اتجوزت ولا حتى خلفت. اقترب منه محمود وهو يصيح بعصبية: - أومال الهانم اللي كانت قاعدة جنبك على الكافية وأنت بتلاعب ابنك يبقوا مين؟ على فكرة أنت مش هتعرف تضحك عليا علشان أنا اللي شوفتك بنفسي. ابتسم آدم ساخرًا لصحة ظنه وسأله بتهكم: - ولما أنت شوفتني مجتش تواجهني ليه بدل ما تتكلم عني بالكذب من ورا ضهري، عمومًا هايدي مش مراتي دي تبقى مرات مازن ابن عمي هو اللي اتجوزها والطفل اللي كنت شايله يبقى ابنهم آدم. قطعت عليهم صفية حديثهم وقالت: - خلاص معدش ليه أي لازمة الكلام دلوقتي وبعدين يا محمود آدم ده ضيفي أنا وفبيتي أنا واللي كان جاي علشانها معدتش مراتك علشان تتكلم معاه بالطريقة دي. التفت آدم وحدق بوجه صفية بصدمة وسألها بصوتٍ مهتز: - حضرتك قلتي أيه؟ أرجوكِ أنا عايز أفهم سهر فين والكلام اللي سمعته معناه اللي وصلي ولا حاجة تانية أرجوكِ يا أمي بلاش تسرقي مني الأمل وأكدي على صحة كلامك وأن سهر مبقتش متجوزة من محمود. حين أومأت له انتشل آدم بصره عنها ونظر لمحمود بفرح وأردف: - أنت بجد طلقت سهر يعني هي بقت حرة أنا مش مصدق حقيقي مش مصدق. رمقه محمود بنظارت كريهة وصاح به بحقد يقول: - طلقتها بس هرجعها لعصمتي تاني ومش هخليك تطولها لو حتى هتموت أدامي عليها. وقفت صفية فجأة وواجهت ابنها وصاحت به بغلظة: - معدتش تجوز لك يا ابن بطني وده من بختها ونصيبها عارف ليه علشان أنت حرمتها على نفسك بعد ما طلقتها وعلشان تردها ليك لازم تسأل دار الفتوى، ده غير أني مش هسمح لك تعملها يا محمود علشان وقتها أنا فعلًا هتبرأ منك ليوم الدين، ما هو مش بعد ما بهدلت بنتي معاك وظلمتها ورميتها بالباطل أنها بتخونك وفرجت عليها الناس تقول أردها، لأ يا محمود يا ابن خميس لو فاكر أنك هتقدر تذل فخلق الله تبقى بتحلم وسهر أنا اللي همنعك تردها بعصمتك حتى لو يحق لك. ارتبك محمود من كلمات والدته الغاضبة وقال: - يا أمي اللي حصل كان سوء فهم مني وهي مشيت من غير ما تواجهني وبعدين أنا بدور عليها ومش ساكت مسبتش مكان إلا وسألت عليها فيه، ياأمي أنتِ قولتي أني لو رجعت لك سهر هتسامحيني وأنا عايز رضاكي عليا وصدقيني هرجع لك سهر وهعتذر لها ادام الدنيا بحالها وأراضيها، فبلاش تقسي عليا أكتر من كده أنا والله ندمت واتعلمت من غلطي. شعر آدم أنه تائه بين محمود ووالدته فنظر لكلاهما وقال بنبرة صوت حازمة: - أنا عاوز أفهم إيه اللي حصل بالظبط أنا كده تايه فالألغاز اللي بتحكوها، ممكن حد فيكم يوضح لي اللي حصل علشان أقدر أساعد ونرجع سهر ووقتها نشوف هي عايزة إيه. نظرت صفية لآدم وقالت: - أنا مش هقدر أقولك أي حاجة من اللي حصلت لسهر وكل اللي أقدر أقوله أن ابني محمود غلط غلطة عمره مع سهر لما اتهمها أنها بتخونه وطلقها وهي سبتنا ومشيت، وأهو أسبوع وملهاش لا حس ولا خبر، فهل أنت هتقدر ترجع لي بنتي. حدق آدم بمحمود بكراهية وأجابها بحزم: - وعد مني يا أمي أني ألاقيها وارجعهالك تاني. ------------------- مر شهر يليه شهور وكاد العام أن ينقضي وحال صفية من ضعف لأضعف وها هي عادت مرة أخرى إلى القاهرة برفقة محمود بعدما ألح عليها كثيرًا واتخذت مجلسها بالقرب من النافذة تحدق بها بأمل أن يظهر آدم وبرفقته سهر كما وعدها، وفي مكانه لم يختلف حال آدم كثيرًا عن حال صفية بل كان أشد سوءً فطال إهماله عمله فوكل به مازن ليدير عنه كافة أعماله فوافق الأخير على مضض بعدما لامس حالة آدم الصعبة، كان الجميع يبحث ولكنها اختفت بلا أثر فتسرب اليأس شيئًا فشيء إلى نفوسهم وأشتد بهم الخوف من أن تكون قد أقدمت على الانتحار. وهناك جلست أمامه تستند إلى ظهر مقعدها تحدق له وترسم ابتسامة هادئة وهي تسجل بعيناها حركات ارتباكه لعلمها مدى الرعب الذي يسكن قلبه منذ مقابلتهما الأولى قبل شهر، لاحقته بنظراتها بتمعن واتسعت ابتسامتها بسبب تعرقه وخوفه منها فمالت بوجهه نحوه وسألته بتهكم: - مالك يا فؤاد مش قاعد على بعضك يعني، بصراحة اللي يشوفك يفتكر أنك خايف مني معقول تكون خايف من سهر لأ يا فؤاد ميصحش تخاف بص أنا عايزاك تنسى زي ما أنا نسيت. حدق بها فؤاد وقد سلبته عقله وأطاحت بتنفسه فهي أصبحت أكثر جمالًا وأكثر غموض، عيناها أصبحت عميقة يشعر وكأنه سيغرق بهما كلما نظر إليها، فسحب عدة أنفاس وابتلع غصة وقفت بمنتصف حلقه وقال: - مش خايف أنا مسحور بجمالك يا سهر أنا بعترف أن عمري ما شوفت عيون زي عيونك اللي حابب أغرق فيهم. أدنت رأسها منه أكثر وأردفت بصوتٍ خافت: - فؤاد اتفقنا بلاش نلعب على بعض ولا أنت عايزني امشي. تحركت لتغادر ولكنه أسرع ومد يده وقبض على ساعدها فالتفتت ورفعت حاجبها وهي ترمقه بنظرات ساخرة وأردفت وهي تبعد أصابعه عن يدها: - قولنا نحترم نفسنا ونبقى مؤدبين علشان أصدق أنك اتغيرت صح ولا لاء، بصراحة أنا بالشكل ده مش هقابلك تاني. أسرع فؤاد بالتحرك وركع أمامها فانتبه له الجميع فرفعت سهر يدها ووضعتها فوق ثغرها ونهرته بحدة طفيفة: - قوم يا فؤاد الناس بتتفرج علينا معقول كده أنت اتجننت فعلًا ودي أخر مرة اخليك تشوفني. مد فؤاد يده ولمس أطراف أصابعها وقال وهو بنظر لعيناها: - أرجوكِ متحرمنيش من أني أشوفك أنتِ مش عارفة عملتي فيا أيه لما رجعتي لي وسامحتيني، أرجوكِ يا سهر اديني فرصة واقبلي نرتبط ببعض وأنا هعوضك عن كل حاجة هخليكِ تشوفي فؤاد تاني خالص هثبتلك أني اتغيرت و. جذبت يدها منه وقالت وهي تلتفت يمينًا ويسارًا وقالت بارتباك: - عجبك أهم صورونا وهنبقى تريقة النت هي دي التصرفات الرزينة اللي قلت أنك هتتصرفها، عيب أوي يا فؤاد خصوصًا لواحد فسنك أنك تتصرف زي المراهقين، بصراحة مش لايق عليك وبجد لو فضلت كده أعتبر أن النهاردة آخر مرة تشوفني عن أذنك. تركته سهر وأسرعت تعدوا وأشارت إلى سائق سيارتها أن يقترب منها وجلست سريعًا بالمقعد الخلفي لينطلق السائق بثوانٍ معدودة مختفيًا عن الأنظار قبل أن يلحق بها فؤاد، في حين وقف فؤاد يتابع سيارتها التي أختفت من أمامه بلمح البصر واتجه بخطى رتيبة نحو سيارته وجلس بداخلها وزفر بقوة وهو يستعيد ذكرى لقاءه الأول معها حين ظهرت أمامه فجأة بأحد محاله لتسكن بقلب الرعب وهي تبعده عن إحدى الفتيات التي فرض عليهن نفسه فصاحت به بغضب قائلة: - فؤاد أبعد عنها هو أنت لسه فيك الداء القذر ده. حدق بها فؤاد بذعر وأبتعد عن الفتاة وتراجع إلى الخلف عدة خطوات ليضع مسافة فاصلة بينه وبين سهر التي وقفت عاقدة لساعديها أمامه بثبات وعلى ثغرها ابتسامة غريبة زرعت الخوف بقلبه، لتزداد دهشته ما أن وقع بصره على عيناها لتختطفه بعمقها فهز رأسه بقوة وهمس بصوتٍ متلعثم: - مـ ـش ممـ ـكن لأ مـ ـش هـ ـي سـ ـهر. اطلقت سهر ضحكة عالية جعلت العاملات بالمحل ينظرن إليها وعقبت بصوت واضح: - لا هي أنا أيه مش مصدق أن ضحيتك ممكن تيجي تقف أدامك عمومًا صدق أنا جيت لأني بتابع أخر خطوة فعلاجي والأصعب، أصل الدكتور طلب مني يا فؤاد أني أقابلك وكمان أسامحك تخيل بقى. تلعثم فؤاد وقال: - أنـ ـا مـ ـش مـ ـصـ ـدقـ ـك. تهكمت منه سهر بقولها: - طيب تحب تيجي معايا للدكتور علشان تصدق وبعدين مالك كده واقف خايف، ده أنا المفروض أبقى واقفة مرعوبة منك مش العكس. سألها فؤاد بريبة وهو ينظر إليها: - أنتِ عايزة أيه مني يا سهر راجعة ليه؟ مالت سهر فجأة نحوه وقالت بهمس: - عيزاك تصلح غلطتك اللي عملتها من ست سنين فاكرها ولا نسيتها. ابتلع فؤاد غصته بتوتر وقال: - ده نظام رمي جتت منك ولا أيه. هزت سهر رأسها ومطت شفتيها وقالت: - كده بردوا بقى سهر جاية ترمي جتتها عليك عمومًا أنا زعلانة منك ومش هسامحك. استدارت سهر لتغادر ولكن فؤاد أسرع وقبض على رسغها وهتف بلهفة: - استني رايحة فين أنا مقصدش أنتِ معاكِ حق، بس قولى لي أيه اللي غيرك كده أنتِ بقيتي واحدة تانية خالص أحلويتى أوي يا سهر و. جذبت سهر يدها وقالت بحزم: - أولًا تعاملك معايا من غير ما تلمسنيى علشان وقتها أنت فعلًا اللي هتزعل، كلامك معايا يبقى باحترام يعني لا تلميحات ولا تحرش، ثانيًا بقى وده الأهم انضف وبلاش شغل المراهقين وبطل تقف ورا البياعة وتتلزق مش حلو لواحد فسنك يا فوفو. كاد عقل فؤاد أن يطير منه فهو لا يصدق عيناه وسهر أمامه تمليه أوامرها والتي اكتشف أنه على أتم الأستعداد أن ينفذ لها أي شيء فقط لينال رضاها، فأغمض عينيه يتذكر ما فعله بها بالماضي ولكنه تفاجأ بها تصيح به بحدة: - فؤاد إياك ترجع بخيالك لزمان علشان لو رجعت هتتعب اوي وهتخسرني. مرر فؤاد لسانه على شفتيه وقال: - بصراحة مش قادر بجد معقول أنتِ اللي كنتِ بين أيديا زمان و. صاحت سهر بصوت أفزعه: - كلمة كمان وهتبقى فعلًا أنت اللي خسران. خفضت صوتها وهمست وقالت: - وصدقني وقتها هتخسر عمرك كله. نظر إليها فؤاد وقال: - لا وعلى أيه الطيب أحسن بس بردوا مش مرتاح حاسس أنك جاية تغدري بيا. هزت سهر كتفيها وعقبت باستخفاف: - اغدر وبيك على فكرة أنت متساويش يا فوفو عندي حاجة علشان أخسر يوم من حياتي بسببك كفاية العمر اللي ضاع، المهم أنا جاية فعلًا وبمد لك أيدي يا تقبل بشروطي وتتغير وانسى يا هتقابل سهر الجديد ودي بقى لو قابلتها قول على نفسك يا رحمن يا رحيم، سلام يا فوفو هبقى أكلمك آه نسيت أقولك معايا ارقامك كلها الخاصة والعامة. عاد فؤاد إلى واقعه وهو يتلفت حوله وقال لنفسه: - خمس مرات تقابلك فيهم وسحبتني وراها من غير ما تقاوم ولو قالتك أرمي نفسك فالنيل هترمي نفسك وأنت بتضحك لها علشان ترضى عليك، أيه جرالك يا فؤاد؟ أنت مكنتش كده هي عملت فيك أيه البت دي وبعدين دي هتجنني معاها اتغيرت وبقت حاجة تانية أنا مش عارف عقلي كان فين لما أذيتها وسبتها بين الحيا والموت زمان، بس يا سهر لو أنتِ فعلًا هتديني فرصة أصلح غلطتي أنا هعوضك على الأقل أتأكد أن محدش لمسك غيري، أما لو بتلعبي بيا فيا ويلك مني هخليكِ تتمني الموت ومتلاقيهوش. جلست سهر تبتسم في رضى إلى وجهه البشوش وقالت تناغشه: - هتفضل قاعد مكشر كده كتير ومش عاوز تاكل بالشكل ده أنا كمان هزعل. نظر صالح إليها بمحبة فهي عوضته حرمانه من الأبناء وأحاطته بعنايتها ومحبتها وتنهد بغبطة وأردف: - هفضل زعلان علشان أنتِ نفذتِ كلامك وأنا قلت لك لا انسى وطلعي الموضوع ده من دماغك بردو روحتِ لحد عنده ومسمعتيش الكلام. تنفست سهر ببطء وقالت: - كان لازم أخد الخطوة دي أنت نفسك فالأول قولت لي كتير عليها ليه دلوقتي بتقول لأ، أيه خلاك تغير رأيك بالشكل ده. ربت صالح على المقعد بجانبه وهو يشير إليها لتجلس بجواره وقال: - تعالي اقعدي جنبي كده ونتكلم بالراحة يا تقنعيني يا أما أنا اللي اقنعك. ضحكت سهر بصوت عال وقالت: - لا يا حجوج أنا مش هقعد جنبك أنت المرة اللي فاتت لما قلت لي اقنعك دي ادتني قفا وأنا بصراحة تعبت من ضربك ليا خليني كده واقفة أدامك علشان أعرف أجري منك. بدالها صالح الضحكات وقال: - لا بجد تعالي أقعدي واسمعيني. تنهدت سهر وجلست بجانبه تحدثه بجديه: - ينفع تسمعني أنت الأول معلش طول بالك معايا شوية أنا عارفة أنك زعلت علشان خبيت عليك أني قابلته كذا مرة من وراك وأنت كنت مأكد أن لازم تكون معايا فأي مقابلة معاه، بس أنا شايفة أن كده أحسن أنا مش عايزاه يعرف أني معاك خالص علشان يتصرف بحريته وميخافش منك أنا عايزة أعرف هل هو فعلًا هيتغير ولا هيفضل زي ماهو. نظر صالح إليها رافعا حاجبه وقال: - يا شيخة اضحكي على حد غيري بالكلام ده أنتِ عايزاني أصدق أنك مصدقة الشويتين بتوعه دول طيب خلي التمثيل ده على حد تاني مش عليا أنا. وقفت سهر بارتباك وقالت وهي تدير عينيها عنه: - يا حج بلاش شغل التحقيقات ده معايا ومشيها أني مصدقة ومشيها أنك مصدقني لحد ما نعرف أخرتها سوا ولا أيه. وقف صالح يستند إلى عصاه وتركها واتجه إلى غرفته ووقف أمام بابها والتفت إليها وأردف: - أنتِ بتلعبي بالنار يا سهر وأنا خايف عليكِ للنار دي تحرقك. ضحكت سهر بتهكم وقالت بغموض: - سبني ألعب ولو اتحرقت مافيش أكتر من عمليات التجميل. أغلق صالح باب غرفته وجلس يتمتم فطرقت الباب عليه وقالت: - بردوا مأكلتش يا حجوج ولما ازعل منك بجد متشتكيش. تركته سهر ودلفت إلى غرفتها وجلست فوق فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها وتنهدت فهي تغيرت كثيرًا، أغمضت عيناها وهي تنهر نفسها عن تذكر كيف غادرت المشفى ترتجف بعدما صفعت هدى لتقف أمام باب المشفى وهي تبكي فأسرعت إلى حديقة المشفى وجلست ترتجف، فالخوف سيطر عليها والقلق استبد بها تريد الاطمئنان على صفية ولكنها لا تريد العودة مرة أخرى لخوفها أن يسيطر عليها محمود مرة أخرى ليعيدها إلى عصمته، وهي التي تنفست الصعداء بعدما سمعته يطلقها تنهدت سهر بحدة وهي ترفع يدها تتلمس عنقها التي اعتصرها محمود بين يديه حين ظن أنها تخونه ومسحت الدموع عنها وقالت: - أخر مرة تعيطي تاني يا سهر خلاص لازم تتغيري مبقاش ينفع تقفي وتمدي وشك للكل يضربك ويلطش براحته، خلاص بجد كفايه كده سهر القديمة دي لازم تموت واللي تعيش واحدة تانية تقدر تاخد حقها بأيديها من كل واحد ظلمها أو أساء ليها، أنا اللي لازم أرجع حقي بأيدي ومش هستنى لما كل واحد يعطف عليا حبه. - أنا قلت أني هلاقيكِ هنا بصراحة كنت متأكد أنك مش هتعرفي تبعدي من غير ما تطمني على الحجة صفية. رفعت سهر عيناها وحدقت بهاني وتنهدت بوجع وقالت: - علشان لما هطمن عليها همشى ومش هرجع تاني وأنا قررت أني أودع الماضي وكل لحظة عشتها لحد النهاردة، علشان من بكرة هابقى واحدة تانية خالص. جلس هاني بجانبها وقال: - خطوة كويسة أنك تقرري تتغيري بس خلي بالك في فرق بين أنك تتغيري علشان نفسك أو تتغيري علشان تنتقمي وأنا اللي شايفه فعنيكِ بيقول أنك. أجابته سهر بجدية: - هنتقم وهتغير وهعيش زي ما أنا عايزة مش هعيش زي ما غيري عايز ومش هخلى أي حد يقف في طريقي، أنا ضيعت أحلى فترة في عمري شايله الذنب وبحاسب نفسي على غلط معملتوش، بس دلوقتي خلاص أنا هدفع كل واحد تمن أذاه ليا حتى ولو كان أذاني بنظرة مش بكلام. شعر هاني بالخوف على سهر فقال محاولًا تغيير تفكيرها: - طيب أنتِ دلوقتي هتروحي فين. بكت سهر رغمًا عنها وقالت: - مش عارفة حقيقي مش عارفة. وقف هاني وقال: - واثقة فيا يا سهر. نظرت سهر إلى هاني وقالت: - لو مكنتش واثقة فيك مكنتش قبلت أتعالج معاك وتعرف أسراري. ابتسم هاني وقال: - لا حاسبي أنا معرفتش كل حاجة. واعتدل وأضاف: - أنا هخدك معايا القاهرة دلوقتي وهسيبك هناك وهرجع تاني الصبح قبل ما حد يلاحظ غيابي وهكمل معاكِ علاجك ومافيش اعتراض وبعد كده هسيبك تختاري أنتِ عايزة تعملي أيه اتفقنا. هزت سهر رأسها بإيجاب وقالت: - بس أنا كنت عايزة اطمن على ماما. أجابها هاني وقال: - لو فضلتي هنا محمود هيوصلك وأكيد وهيستغل حبك لوالدته علشان ترجعيله خصوصًا أنه طلق هدى وأنا مش عايزك تضعفي تاني فيلا بينا علشان ألحق أرجع. أفاقت سهر من شرودها على رنين هاتفها فنظرت إلى رقم هاني وابتسمت وأجابته اتصاله قائلة: - كنت لسه بفكر في اللي عملته معايا لحد دلوقتي ومش مصدقه التغيير اللي بقيت فيه. صمتت سهر وهي تستمع إلى صوت هاني الحانق يقول: - أنتِ بوظتِ كل حاجة يا سهر أزاي متاخديش بالك من تصرفاتك مع فؤاد بالشكل ده. سألته سهر تستوضح الأمر منه وقالت: - حصل إيه علشان تبقى بالانفعال ده معايا. شهقت سهر وهي تستمع لهاني وقالت: - بس أنا متخيلتش أن حد هيهتم باللي حصل و. قاطعها هاني وقال: - يا سهر أحنا كنا مأجلين مواجهة محمود لبعد ما تخلصي موضوع فؤاد إنما بالشكل ده هتلاقي محمود فوق راسك أحنا لازم نتقابل علشان نشوف هنتصرف أزاي. فاجأت سهر هاني بإطلاقها ضحكة عابثة وقالت: - خليه يجي ويتحرق وهو بيشوف فؤاد بيركع تحت رجليا فؤاد بكل فلوسه اللي سرقها من عمه وكان عاوز يرميه فالشارع لولا أنه كان عامل حساب غدر فؤاد بيه، أهو فؤاد ركع ليا أنا وأنا اللي هرجع الحق وخلي محمود براحته بدل ما كنت هأجل دوره أهو يشارك على مقعد البدلاء. صاح هاني بغضب وقال: - أنتِ بقيتي بشعة يا سهر أنا مكنتش متخيل أن لما ترجعي هتبقي بالقسوة دي خلي بالك أنا مش هقدر استمر معاكِ واشجعك على الوضع ده أنا هشتكيكِ للحج صالح وهو يتصرف معاكِ. صاحت سهر وقد امتلكها الغضب وقالت: - يعني أنت اللي قلت له أني قابلت فؤاد ماشي يا هاني خليك فاكر كويس أن اللي مش معايا يبقى ضدي. ----------------------- - مازن. ارتج المكتب بصوت آدم الجهورى العاصف ينادي مازن ليهرب الدم من موظفي المكتب جميعًا فأسرع مازن يدخل إلى آدم يسأله بقلق: - أيه حصل في أيه رعبت الناس برا صوتك جايب للشارع. ألقى آدم هاتفه بوجه مازن وقال: - لما تشوف المهزلة دي هتعرف. مد مازن يده وأخذ هاتف آدم فوجد خبر يتصدر صفحات الفيس بوك بعنوان"حين يركع الخريف لقمر الربيع" هز مازن كتفيه وقال: - عنوان عادي ميخليش حالك بالشكل ده كأن كارثة حصلت. نظر آدم إلى مازن بنظرات سوداء مليئة بالغضب وقال: - شوف الفيديو الأول. شاهد مازن الفيديو وحدق بشاشة الهاتف بشدة وهمس: - معقول هي دي سهر. صرخ آدم بألم وقال: - مستحيل دي تكون سهر أبدًا ومين ده اللي معاها أزاي يحصل ده مازن قولي أرجوك. تنهد مازن وقال: - أهدى وأنا هعرف لك كل حاجة تمام. ------------------------- حاولت سهر أن تتكلم مع صالح ولكنه استمر على عناده معها فقالت له: - عارف يا حجوج لو متكلمتش معايا وصالحتني هخاصمك بجد يرضيك تزعل سهورتك حبيبتك، بص أنا مش هعمل أي حاجة بعد كده غير لما ارجع لك الأول ها كلمني ببقى وحياتي. تنهد صالح وقال: - أخر مرة يعني تخبي عليا. ابتسمت سهر وقالت: - وعد آخر مرة وبعد كده هاجي وأحكي لك وأخد رأيك قبل ما أعمل أي خطوة ومش هخبي عنك أي حاجة. ابتسم صالح وقال: - طالما كده يبقى حضري لنا الفطار. قبلت سهر رأسه وقالت: - ثواني ويبقى عندك أحلى فطار فيكِ يا مصر و. قطع على سهر رنين جرس الباب فقالت: - ده تلاقيه هاني جاي ظابط نفسه على وقت الفطار أنا هروح أفتح له واجي. فتحت سهر الباب وهي تبتسم فحدقت بالواقف أمامها لتتلاشى ابتسامتها ويحتل ملامحها تكشيرة وضيق وهي تقول: - أنت عرفت طريقي أزاي؟ نفوس قاسية #منى_أحمد_حافظ السادسة عشر. وكيف لي أن أنسى ------------------------------------------ وقف يحدق بها باستغراب يتساءل من تلك التي تقف أمامي في لحظة مبتسمة وفي اللحظة التالية عابسة متألمة! كم أود أن تسكن صدري لينبض قلبي من جديد ولكن ما بال عيناها هل هي انطفأت أم أصبحت غامضة بعمق أخطر؟ أحست بأنفاسه عبيرًا مر بوجنتيها يقبلها فنظرت لعيناه وگحالها دومًا تأسرها عيناه فلم تستطع إبعاد نظرها عنه، ودت لو تندس بين ضلوع صدره لتختفي عن العالم بأسره، أحست سهر أنها منقسمة لنصفين نصف لطفلة وجدت أخيرًا أمانها، ونصف لامرأة تبحث عن انتقامها نهرت سهر قلبها وقالت: - متنساش الوجع اللي عشته وأنت بين أربع جدران مستني بس رنة منه، متنساش الذل اللي حسيت بيه ومحمود بيهينك فوق وأثبت وأجمد علشان نقدر نكمل، لازم تقسى حتى ولو على حساب نفسك. - مش هتدخليني يا فتنة. مجرد كلمات قالها آدم ليثيرها ولكن صداها كان مؤلمًا على نفس سهر فهو ذكرها بإهانته السابقة لها حينما زارها في الإسكندرية، فرفعت حاجبها وقالت ببرود واضح: - لأ لان وجودك مش مرحب بيه واتفضل مع السلامة وياريت متجيش هنا تاني. همت سهر بغلق الباب في وجه آدم، ليوقفها صوت هاني وهو يقول: - خير يا سهر ماله الأستاذ. نظرت له سهر وهي تبعد عيناها عن آدم وقالت: - دا واحد غلطان فالعنوان متشغلش دماغك بيه. تنهد آدم بيأس وقال: - عمر العنوان ما كان غلط هو بس تفكيرك اللي غلط يا سهر. و نظر آدم إلى هاني وقال: - وحضرتك تبقى مين يا أستاذ. أجابه هاني وقال بتعجب: - هو المفروض تعرف عن نفسك بس عمومًا أنا الدكتور هاني رضوان. ابتسم آدم وحدق بسهر وقال: - حقك أكيد يا دكتور عمومًا أنا آدم. صمت آدم وتنفس ببطء وهو ينظر إلى سهر فأبتسم لها وأكمل: - آدم محمد عمران. وتحرك آدم دون أن ينظر نحو سهر وغادرهم لتحدق سهر بصدمة في أثره فلوح لها هاني بأصابعه ليلفت انتباهها له وقال: - هو ده آدم. فرت الدموع من عين سهر وقالت: - أسلم يا هاني آدم أسلم. أنهارت سهر تبكي بين ذراعي هاني الذي وقف يشعر بالراحة فكم تمنى أن تبكي سهر منذ أتى بها إلى القاهرة، وكم تمنى أن يحدث شيء ما ليتبدد جمود مشاعرها فربت على رأسها وقال: - حمد لله على السلامة يا سهر أنا هنزل أناديه بسرعة. هزت سهر رأسها بالنفي ومدت يدها تمنعه وقالت: - لأ آدم معدش له مكان فحياتي خلاص ومتفكرش علشان عيطت أني هرجع عن اللي فدماغي. وابتعدت سهر عنه لتتركه واقفا وحده واختفت في غرفتها، فتوجه هاني إلى صالح الجالس في الشرفة وقال: - عجبك اللي بتعمله ده، دي دماغها بقت ناشفة وأنا بدأت فعلًا أخاف على سهر من نفسها يا عمي. قال صالح: - أنا كتير فكرت أقول لمحمود على مكانها يمكن يقدر يرجعها عن اللي فدماغها، بس كل ما افتكر اللي قالته سهر عنه أخاف لو شافته تهرب مني أنا كمان وأرجع لوحدي تاني بعد ما نورت حياتي. وبغرفتها دفنت سهر رأسها أسفل وسادتها تعنف قلبها قائلة: - حتى لو أسلم مينفعش آدم بالذات أنت فاهم كده كويس مش آدم اللي يستحق واحدة زيي أنا كبيري أرجع لمحمود هو بنفسه اللي شبه فؤاد يستحق واحدة حصل معاها اللي حصل، إنما آدم لأ آدم ده كان الحلم اللي عمري ما هنساه أبدًا، النجمة اللي بتنور حياتي وتديني سعادة وأنا عارفة أنها بتنور لي لوحدي إنما غير كده لأ، ليه رجعت تاني دلوقتي ليه مصمم توجع قلبي. قطع على سهر شرودها رنين هاتفها فوجدته فؤاد واعتدلت ومسحت عنها دموعها وأجابت بسخرية: - الخريف عايز إيه تاني بعد اللي عمله امبارح. أجابها فؤاد بهيام: - الخريف عايز يغير الفصول ويعيش مع قمر الربيع اللي مبقاش قادر على بعده. سألته سهر عابسة: - يعني إيه مش فاهمة. أجابها فؤاد موضحًا: - يعني عايز اتجوزك يا قمري. حدقت سهر بغضب في هاتفها وتنفست ببطء لتهدأ وأغمضت عيناها وقالت: - فؤاد لسه بدري أوي على الكلام ده احنا لسه بادئين نتعرف على بعض فبلاش تخليني ابعد. شعر فؤاد بضيق من تحكمها بزمام الأمور ومحاولتها المماطلة معه فهي منذ لقائهم الثالث تتعمد إفقاده اتزانه حتى بات يفكر بها ليل نهار، وازداد هوسه بها أكثر لتجعله يشعر بندم تركها تبعد عنه هكذا ولام نفسه لعدم تملكه لها وجعلها له للأبد فقال بعصبية واضحة: - سهر أحنا مش لسه هنتعرف على بعض ولو كنتِ نسيتي أفكرك أنتِ بالأساس ومن الأول وبعد اللي عملته فيكِ تعتبري مراتي، أنا اكتشفت أن مكنش مفروض اسيبك من أيدي وتتجوزي محمود لأنك أصلًا خسارة فأي حد غيري، أنا ساعات ببقى عايز أقتل كل اللي بيبص عليكِ ومش متخيل أنك تكوني لغيري، سهر خليكِ فاهمة كويس إن فؤاد لما بيعوز حاجة بيوصل لها وافتكري عنادك زمان معايا وصلك لأيه، أنا هسيبك أسبوع تفكري يا نتجوز يا أما. صرخت به سهر وقالت بانفعال شديد: - يا أما إيه يا فؤاد عاوز تغتصبني تاني فاكر أنك هتقدر تاخدني غصب زي المرة اللي فاتت بعد ما قطعت فجسمي، أنا قلت أنك عمرك ما هتتغير وأهو بتهددني، طيب يا فؤاد أنا مش هتجوزك ووريني هتعمل أيه بس خلي بالك اللي بتهددها دلوقتي مش سهر الضعيفة بتاعت زمان علشان أنا مبتهددش. أغلقت سهر هاتفها وحدقت في انعكاس صورتها بالمرآة تنتفض فقامت مسرعة وفتحت درج خزانتها وأخرجت سلاحها واحتضنته وهمست: - الظاهر إن وقتك جه وأنت اللي سعيت لموتك بدري يا فؤاد أنا غلطت لما سبتك عايش لحد دلوقتي وكان لازم اقتلك من أول مرة شوفتك فيها أنت لازم تموت يا فؤاد لازم تموت. ------------------- جلس آدم شاردًا يفكر بما حدث وتنفس بانهزام فهو لم يتخيل للحظة التغير الذي لاحظة على سهر، أخذ يفكر هل ينفذ حديثه معها ويحاول من جديد أم يترك الأمر برمته ويبتعد فقد أثقل قلبه حبه لها ليضيع تلك السنوات بحثًا عنها، ظن أنها سترحب به مشتاقة له كما هو ليعوضها ويعوض قلبه ألم الحرمان، ولكن أن تتغير هكذا لا فنفسه أبت عليه أن تمس كرامته ويقل من شأنه حتى وإن كانت سهر فأخرج هاتفه وأجرى اتصاله وقال بضيق: - احجزي لي على أي طيارة طالعة النهاردة لا أي مكان مش هتفرق مش عايز أفضل فمصر أكتر من كده. ------------------ - ازيك يا محمود وحشتني. رفع محمود عيناه وتنفس بحده وهو يراها تقف أمامه فتحرك من خلف مكتبه ليغادر ولكنها وقفت أمامه تمنعه من المغادرة، فشعر أشرف بالحرج فغادر سريعًا المكتب وتركهما وحدهما، فأقتربت هدى من محمود وقالت وهي تحاول ملامسته: - مش ناوي تسامحني يا محمود أنا كل أسبوع اجيلك اترجاك ترجعني علشان خاطر ابننا، أنا بحبك يا محمود وعيزاك أرجوك بقى كفايه بعد. زفر محمود بحدة وقال: - الموضوع ده اتقفل يا هدى اللي بينا أنتهى خلاص أنتِ هديتي كل اللي بينا باللي عملتيه مكنتش أتخيل أنك تشوهي سمعة واحدة هي الأساس في ارتباطنا ببعض أزاي هانت عليكِ وهي عمرها ما أذتك بالعكس كانت شيلاكِ فوق راسها هي وأمي. أجابته هدى ببكاء: - علشان بحبك وعيزاك ليا لوحدي أنا من يوم ما سكنتم معانا في العمارة وأنا بحبك وكنت عايشة ابني فأحلام أننا لبعض ولما شوفت سهر الأول افتكرتها أختك خصوصًا إن مشفتكش أبدًا مع بعض، ولما عرفت أنها مراتك الغيرة عمتني اتقربت ليها علشانك أنت ومصدقتش نفسي لما طلبتوني أنا كنت بحكي لخالي حمدي وقالي كتير أبعد وانساك بس مقدرتش والله أنا بحبك يا محمود أرجوك سامحني أنا مش عاوزة ابننا يتربى بعيد عنك. أبعد محمود نظره عنها وقال: - مش قادر أسامحك يا هدى أنا بسببك خسرت أمي اللي لحد دلوقتي مقطعاني علشان سهر مشيت ومش عارفين طريقها لحد دلوقتي وراهنة أنها تسامحني على رجوع سهر. ارتبكت هدى وقالت: - طيب واللي يساعدك أنك تعرف طريقها بس والله أنا مقصدش حاجة وحشة هي جت فطريقي صدفة وأنا بقلب في الفيس ومكنتش ناويه أقولك لا تحسب اني بحاول أكرهك فيها. انتبه محمود لكلمات هدى وحدق في ملامحها يحاول معرفة إن كانت تحاول الكذب عليه مرة أخرى ولكنه لاحظ ارتباكها فقال: - مش فاهم تقصدي إيه ما بلاش أسلوب اللف والدوران بتاعك ده واتكلمي دوغري معايا أنتِ تقصدي مين بكلامك ده اوعي تكوني بتتكلمي عن سهر فاهمة مش هسمحلك تغلطي فيها تاني. هزت هدى رأسها بالنفي بخوف وقالت: - مش بغلط والله بس هو في فيديو نزل وهي فيه ومعها واحد. حدق بها محمود بغضب وقال: - واحد مين انطقي وفين الفيديو دا. صمت محمود وقبض بغضب على ذراع هدى وقال: - مقلب جديد منك ولا أيه. دمعت عين هدى وقالت: - سيب بس أيدي علشان بتوجعني وبعدين والله أنا ماليش صلة لا من قريب ولا من بعيد بالفيديو دا حتى متصور هنا فالقاهرة مش فاسكندرية وعمومًا خد موبايلي وشوف الفيديو على الموقع وأنت تعرف أن كنت بكذب عليك ولا لاء. أخذ محمود الهاتف من هدى وفتح الفيديو ووقف أمامها يحدق بشاشته بصدمة، فتجمدت ملامحه حين شاهد فؤاد يركع أمامها وشعر بغضب مرير لتقبلها فؤاد مرة أخرى، شعر أن سهر انتقمت منه أشد انتقام بعودتها لفؤاد ونسيانها ما فعله معها وعذابه معها طوال زواجهم، فأغمض عيناه بغضب واضح فأحست هدى بالخوف منه فابتعدت من أمامه خوفا فتح محمود عيناه مرة أخرى ونظر إليها وقال: - لما أنتِ شوفتي الفيديو دا متصلتيش على طول وبلغتيني ليه؟ همست هدى بصوت مرتجف قائلة: - خوفت منك علشان عارفة أنك هتتحول زي دلوقتي محمود أنا عمري ما شوفتك كده معقول للدرجة دي بتحبها وبتعشقها. وأغمضت هدى عيناها بألم وأكملت: - أنا عندي اقتراح علشان تعرف مكانها خصوصًا إن المكان اللي متصوره فيه هنا فالقاهرة فأنت ممكن تروح الكافية وتسأل يمكن حد يدلك على مكانها. مد محمود يده بالهاتف لتأخذه هدى وقال: - يلا بينا أنا هوديكِ عند أمي وأنا هروح أشوف الكارثة دي بس حسك عينك تجيبي سيرة الفيديو أدام ماما ولا تقولي أنك شوفتي سهر على النت من أساسه فاهمة. أحست هدى بأن هناك بارقة أمل في عودتها لمحمود ولكنها أرادت أن تعرف هل سيعطيها تلك الفرصة أم لا فقالت: - طب وأنا هروح اقعد فبيتك بصفتي إيه. زفر محمود بضيق وقال: - بصفتك مراتي يا هدى ارتحتي مش دا اللي أنتِ عيزاه بس خلي بالك أنا مش مسامحك والفترة الجاية هتبقى تحت عيني أي غلطة هرميكِ أنتِ وابنك وابقي شيلي مسئوليته لوحدك، ولعلمك أنا كنت كده كده هجيلك لأن أمي كانت عايزة تشوف حفيدها ومش هكذب عليكِ هي ليها فترة بتكلمني علشان أرجعك ولولا كلامها أنا مكنتش فكرت أبدًا أني أرجعك بيتي تاني، وياريت تحطى فدماغك أنك هتنامي فاوضة غير اوضتي وأياكِ تقربي مني ولا تعملي حركة من حركاتك. اقتربت هدى منه وقبلته على وجنته وقالت: - أنا عمري ما هعمل حاجة تزعلك ولو عاوزني ابوس أيد سهر علشان ترجع أنا مستعدة المهم أني مخسركش تاني. تنفس محمود ببطء وقال: - هنشوف يا هدى والأيام بينا. ------------------- خرج هاني من منزل صالح وهو يفكر بأن عليه أخذ تلك المبادرة حتى ينقذ سهر من شر نفسها، فوجد نفسه يقف أسفل بناية شركة آدم فتنهد وهو يقول لنفسه: - أنا عارف إن سهر مش هتسامحني بس أنا فعلًا لازم أخلي آدم يدخل، لأن اللحظة اللي سهر أنهارت فيها بسبب أنه مشى وعرفت أنه أسلم حسيت فعلًاأانه هو الوحيد اللي هيقدر يساعدها ترجع زي ما كانت. صعد هانى ووقف أمام مكتب السكرتارية فرفعت منال رأسها وابتسمت برقة وقالت: - خير حضرتك عندك ميعاد مع الأستاذ آدم. ابتسم هاني لتلك الفتاة التي لاحظ هدوئها وقال: - بصراحة مافيش ميعاد بس. قاطعته منال بهدوء وقالت: - أنا آسفة الأستاذ آدم مش بيقابل حد خصوصًا النهاردة وميكونش واخد ميعاد لأنه مسافر النهاردة أنا أسفة يا فندم مش هتقدر تقابله خالص. حدق بها هانى وقد تفاجىء بأمر سفر آدم فقال: - ادخلي قولي له الدكتور هاني رضوان عايزك فى حاجة مهمة وهو هيلغي بنفسه كل المواعيد المتحددة واحتمال كمان يلغي سفره اللي بتقولي عليه. نظرت له منال بتعجب وقالت: - واثق أوي من نفسك يا سلام هتطلع مين يعني يا دكتور علشان الأستاذ آدم يعمل اللي بتقول عليه ده كله. ابتسم هاني وهو يجلس أمامها وقال: - قهوتي مظبوط وبحب معاها كوباية مية سقعة آه ومش بحبها ففنجان عايزها فكوباية معلش بقى من كتر ما اتعاملت مع المجانين اتعديت منهم وبقيت موسوس. رفعت منال حاجبها وقالت: - أسفة مش بعمل قهوة لأي حد أنا هنا سكرتيرة عن أذنك هبلغ الأستاذ آدم بوجود السيادة المهمة اللي هتغير الدنيا النهاردة وأجيلك أشوفك لما تعرف إن الأستاذ آدم هيرفض يقابلك هتبقى عامل أزاي. حدق بها هاني بتسلية وقال: - أنا قاعد مستني أما أشوف بس لو حصل اللي قولت عليه هيبقى ليا حق عليكِ يلا أدخلي اعملى شغلك يا سيادة السكرتيرة. دخلت منال فرفع آدم عيناه عن الأوراق أمامه وقال: - خير يا منال الميعاد اللي بعد كده كمان نص ساعة في حاجة جدت. أجابته منال وقالت: - اه في واحد برا مأخدش ميعاد وعايز يقابلك ولما قلت له أن حضرتك مش فاضي والوقت يادوب علشان السفر قالي ادخل وابلغك بردوا. أشاح آدم عيناه عنها وقال: - اعتذري له أني مش هقدر اقابله ولو في حاجة مهمة يروح يقابل مازن أنا مش عايز اشوف أي حد. خرجت منال وعلى وجهها ابتسامة رضى وشماته فوقفت أمام هاني وعقدت ذراعيها وقالت بسخرية: - الأستاذ آدم مش هيقابل حد وبيقولك لو الموضوع مهم تقدر تقابل الأستاذ مازن اتفضل بقى يا دكتور شوف هتعمل أيه. وقف هاني وقد شعر بالحرج الشديد والارتباك وقال: - آدم قالك أنه مش عايز يقابلني. هزت منال رأسها وقالت: - أيوة قلت له وقالي اعتذر من سيادتك. هم هاني بالمغادرة وهو يشعر بفقدان الأمل فوقف مكانه وعاد ليقف أمامها وقال بإصرار: - بس أنا مصمم أني اقابله حتى ولو غصب عنه. و فاجأها هاني بتخطيها وفتح الباب، ووقف آدم يحدق بهاني الذي اقتحم مكتبه وخلفه منال لتتقدم أمام هاني مضطربة لتجاوز هاني لها والدخول عنوة، حدق هانى بملامح آدم فقال بسرعة ليجذب انتباهه له فقال: - أنا كنت فاكر أنك بتحبها وأنك هتقدر تساعدني نرجعها زي ما كانت إنما ترفض تقابلني ومش همك فالظاهر أني اتخدعت فيك وسهر ليها حق فكل اللي عملته معاك. ازدادت ملامح آدم حدة وهو يستمع لتعنيف هاني له فقال موجها حديثه لمنال وقال: - ألغي كل المواعيد وألغي السفر يا منال ومش عايز أشوف حد لحد ما أقولك وهاتي لنا قهوة ومدخليش أي حد علينا فاهمة. تحركت منال لتغادر فهمس هاني وقال: - لما أخلص هشوف هاخد حقي منك أزاي أوعي تمشي ومتنسيش بحب قهوتي أزاي. وابتعد عنها ليجلس أمام آدم الذي تجمدت ملامحه بانتظار حديث هاني، بادل هانى النظرات لآدم وجلس باريحية وأخذ يجول بنظره في المكتب متحاشيا آدم حتى نهض آدم فجأة وضرب سطح مكتبه بعنف وقال يصيح: - أنت قاعد بارد كده ليه ما تنطق سهر مالها. اعتدل هاني وقال بجديه: - كده يبقى ظني صح اقعد بقى وأهدى واسمعني علشان اللي هقوله يحتم عليا أقفل عيادتي واسحب رخصة مزاولة المهنة لأني هكشف سر مريضة عندي. عقد آدم حاجبيه وقال: - مش فاهم ما توضح كلامك أنت بتلاعبني بالكلام ليه بعدين أساسًا أنت دكتور أيه وأيه صلتك بسهر من الأصل ما تفهمني بدل ما أتهور عليك أنا مشفتش كمية برود بالشكل ده قبل كده. ابتسم هاني وقال: - معلش خلي عندك صبر أنا دكتور نفسي وكنت بعالج سهر من المرض النفسي اللي كان عندها وكان سبب فتدمير حياتها في السنين اللي فاتت وهو بردو السبب فأنها هتضيع نفسها تاني لو ملحقتهاش. أحس آدم بالخوف من كلمات هاني فقال: - دكتور نفساني وسهر هي سهر هتحتاج تتعالج ليه ما تتكلم بدل ما أنت سيبني اضرب أخماس فاسداس بالشكل ده و. صمت آدم حين سمع طرقات على باب مكتبه فقال: - ادخلي يا منال. دخلت منال تشعر بالحرج ونظرت إلى هاني الذي ابتسم أنها قدمت له القهوة كما طلبها فاستأذنت لتغادر، فوقف آدم فجاة وقال: - الكلام مش هينفع هنا وواضح أنك هتغلبني لحد ما تتكلم يلا بينا على الفندق نقعد سوا وتفهمني واحنا لوحدنا. ---------------------- وصل محمود إلى الكافية الذي كتب اسمه وعنوانه أسفل الفيديو الذي شاهده فتقدم من الكاشير وأخرج هاتفه فابتسم الرجل بسخرية وقال: - أظن أنت كمان عايز تعرف البنت اللي في الفيديو دا بتيجي هنا كتير ولا دي كانت أول مرة ليها. هز محمود رأسه وقال: - فعلا أنا عايز أعرف كل ده بس كمان عايز أعرف أن كنت تعرف حاجة تانية عنها ولا لأ ومتقلقش كله بحسابه. خرج محمود من الكافية بعد نص ساعة وهو يشعر بالأمل لمعرفته طريق سهر ولكن شعور غضبه من وجودها مع فؤاد بدد أي فرحة في قلبه. ---------------------- حاولت سهر تحاشي جلوسها مع صالح وقتًا طويلًا فهي ما زالت على غضبها من كلمات فؤاد وأخذت تفكر كيف ترد له الصاع صاعين على كل ما فعله، فهو بحماقة استعجل نهايته معها، أخرج سهر من تفكيرها صوت صالح يناديها فتركت غرفتها واتجهت إليه وقالت بتعب: - بتناديني يا حجوج معلش أنا النهاردة تعبانة ومش قادرة أقعد معاك زي كل يوم. نظر صالح بشفقة نحوها وقال: - تعبانة ولا تهربي من أنك تقعدي معايا علشان متكلمش معاكِ فأي حاجة. هربت سهر بعينيها بعيدًا عن عين صالح وقالت: - وأنا ههرب ليه يا حجوج أنا بجد تعبانة وكنت نايمة. زفر صالح وقال بنفاذ صبر: - حالك مش عاجبني واللي بتعمليه دا هيأذيكِ قبل أي حد فؤاد مش سهل يا بنتي وقرصته والقبر. سحب سهر عدة أنفاس تحاول السيطرة على غضبها من الاشتعال وقالت: - أنا فحالي ومعملتش حاجة لفؤاد لسه ووعدتك أني قبل أي هحكي لك في أيه بقى لكل ده. تنهد صالح وقال: - في أني خايف عليكِ من نفسك يا سهر، يا بنتي بلاش تسيبي الأنتقام يعميكِ عن أنك تعيشي حياتك وتستمتعِ بيها، لعلمك أنا عاتبت هاني لأنه فالأول شجعك وأنا بنفسي عملت زيه شجعتك إنما دلوقتي مش عارف حاسس أنك لازم تبعدي عن فؤاد، أنا خايف عليكِ يا بنتى أنسي الماضي يا سهر وعيشي بلاش تضيعي الراجل اللي بيحبك علشان انتقامك يا بنتي افتكري ربنا هو المنتقم الجبار هيرجعلك حقك. لم تستطع سهر السيطرة على غضبها أكثر لتنفجر أمام صالح قائلة بصوت مشحون: - بس أنا عاوزة ارد حقي وأنا فالدنيا أنا مش هعيش الباقي من حياتي أتعذب أنا لازم أخد حقي كامل وميهمنيش أن فؤاد قرصته والقبر لأن لو باقي من عمري وعمر فؤاد دقيقة واحدة، فأنا بردوا لازم أنتقم منه قبل ما يموت لا يمكن اخليه يموت من غير ما يدفع تمن اللي عمله فيا. جلس صالح وقال: - يعني مصممة تنفذي اللي في دماغك. تنفست سهر بحدة فأظلمت عيناها وهي تقول: - مصممة على الأكتر منه كمان. كاد صالح أن يتحدث ولكن رنين جرس الباب قاطعه فابتسمت سهر بسخرية وقالت: - خلاص الكل عرف طريقي ياتري مين اللي جاي لي المرة دي. فتحت سهر الباب وهي تهدأ غضبها ووقفت تحدق بصفية التي وقفت تستند على ذراع محمود فأغمضت عيناها وابتعدت عن الباب دخلت صفية وبجانبها محمود فاعتدل صالح وحدق به محمود وحاول تذكر أين رآه من قبل ليتنهد بقوة، في حين حدقت صفية بسهر التي استدارت بوجهها عنهم تحاول ضبط انفعالها فسمعت صوت صفية تقول: - مرحبتيش بيا يا بنتي أيه للدرجة دي مش عاوزة تقابليني أنا لو حد قال لي أنك هتعملي كده كنت كذبته. التفتت لها سهر وقالت: - أزيك يا حجة صفية عاملة أيه. احست صفية بالحزن وقالت وهي تنظر لمحمود بعتاب: - بقيت حجة وماله يا بنتي واضح أنك مش عايزانا في بيتك أنا برودوا بفهم ف الاصول وحقك عليا أن كنا ضيقناكِ. استندت صفية بضعف إلى محمود وقالت: - روحني يا بني بيتي الظاهر أننا غلطنا فالعنوان. وقفت سهر تغرس أظافرها بكفها باضطراب تحاول أن تستمر على جمودها ولكنها لم تستطع إكمال قسوتها على صفية خاصة حين هز صالح رأسه بأسف لها على ما وصلت إليه فوجدت صوتها يصيح باحتياج: - متسبنيش يا ماما. وارتمت بين ذراعيها فابتعد محمود عنهما مضطربًا وقف يشاهد صفية وهي تقبل رأس سهر وتحتضنها بلهفة وتربت ظهرها، وسهر تحني رأسها وتقبل يد والدته وترجوها السماح وقد بللت الدموع وجهيهما فنظر باتجاه صالح الذي أشار له أن يتبعه ويتركهما سويًا وجلسا في الشرفة، أخذت سهر صفية إلى غرفتها لتجلس سهر أسفل قدمي صفية وتضع رأسها على ركبتها وصفية تملس على شعرها وتنهدت بأرتياح وقالت: - مكنتش متخيلة أني هشوفك تاني يا ماما سامحيني على حصل مني والله كنت بتقطع علشان أمنع نفسي من أني أجيلك وأشوفك بس غصب عني مكنتش قادرة أشوفه، وجعي منه بقى عامل زي وجعي من اللي عمله فيا فؤاد سامحيني وحياة سهر عندك. ربتت صفية على رأسها وقالت: - مسمحاكِ يا قلبي ومقدرة اللي كنتِ فيه بس صعب عليا أني مكنتش عارفة أطمن عليكِ خصوصًا أن أنا السبب فاللي عمله محمود فيكِ. رفعت سهر رأسها ونظرت لصفية ومدت يدها ومسحت عن وجهها الدموع وقالت: - مش عايزة اشوف دموعك يا أمي تاني. مدت صفية يدها واحتضنت كف سهر وقبلته وقالت بحنان: - بعد ما اطمنت عليكِ خلاص مش هعيط تاني علشان أنتِ الضحكة والفرحة يلا يا سهر قومي لمي حاجاتك وتعالي معايا أنا مش هسيبك تاني أبدًا. وقفت سهر بتوتر ونظرت لصفية وقالت: - مش هينفع يا ماما أنا مقدرش أسيب هنا ومش هينفع اروح اعيش معاكِ تاني. شهقت صفية بحزن وقالت: - يعني أيه مينفعش أنتِ مش عايزة ترجعي لحضني وبيتك. أشاحت سهر بوجهها عن صفية وقالت: - أنا أسفة يا أمي مش هرجع معاكِ لمكان موجود فيه محمود وأرجوكِ بلاش تضغطِ عليا علشان مش هوافق أبدًا أرجع. قالت لها صفية بهدوء: - خلاص هاخد شقة ونعيش أنا وأنتِ فيها بعيد عن محمود ومراته وابنه. التفتت سهر لصفية وقالت بألم: - هو محمود رجع لهدى تاني وخلف ولد كمان. أجابتها صفية قائلة: - رجعها النهاردة بعد ما اتحايلت عليه علشان أشوف حفيدي بكرة لما تتجوزي آدم وتخلفي هتعرفي معزة الأولاد والأحفاد. حدقت سهر بصدمة لصفية وقالت وقد اضطرب قلبها ودق دقات سريعة: - أيه الكلام ده يا ماما أنا مش هتجوز آدم أبدًا. وقفت صفية واقتربت من سهر وقالت وهي تنظر لها: - آدم هو اللي كان بيهون عليا غيابك الحق هو مسبنيش يوم واحد من يوم ما بعدتي عني وكان بيدور عليكِ ده ساب شغله وحاله وماله علشانك. ضحكت سهر بتهكم وقالت: - وياترى رأي مراته وابنه أيه فالموضوع ده. رفعت صفية كفيها واحتضنت وجه سهر وقالت: - آدم متجوزش لحد دلوقتي وطول السنين كان بيدور عليكِ علشان يتجوزك أنتِ وينفذ وعده ليكِ. أحست سهر أنها تنهار بقوة فترنحت بين يدي صفية فشعرت صفية بالقلق عليها واسندتها وقالت: - مالك يا بنتي حاسه بأيه. جلست سهر أرضًا فجأة ودفنت وجهها بين كفيها تبكي وهي تقول: - مالي يا ماما كل حاجة فالدنيا بتعاندي، زمان جت عليا وكسرتني ودلوقتي مش عايزاني أخد حقي وبتذلني بآدم. صرخت سهر بلوعة واكلمت: - أزاي هتجوز آدم يا ماما أزاي تقبلي إن قلب زي قلب آدم ياخد واحدة مشوهة من جواها زي، أنا منفعش آدم ولا غيره يا أمي أنا أنفع بس أنتقم من اللي عمل فيا كده. هبطت صفية لتجلس بجانب سهر على الأرض وقالت: - ليه بس يا بنتي ده آدم بيحبك ولما يفهم الحقيقة مش هيسيبك ده بيحبك أوي يا بنتي ولما حكى لي على اللي حصل معاه وأخره عنك عذرته، ولما قابل محمود وسأله عليكِ محمود منه لله فهمه أنك أنتِ اللي خليتي بيه بلاش تعندي يا سهر وعيشي وعوضي اللي راح منك. بكت سهر بشدة ووقفت وقالت بصوت ملىء بالعذاب: - مينفعش يا ماما مينفعش أزاي عايزاني اتجوز آدم اللي كل البنات هتموت عليه بقى عايزاه ياخدني أنا على أيه على ده. شدت سهر ثوبها لأعلى كاشفة عن ساقها ليظهر جرحها بالكامل وأكملت: - ست سنين عايشة مع كل علامة سابها فؤاد فيا أنتِ طول الوقت شايفة دي وبس إنما مشفتيش الباقي. وخلعت سهر عنها ثوبها لتكشف لصفية جسدها فشهقت صفية تشعر بالألم فهي مهما تخيلت لم يأتي إلى تفكيرها أن يكون فؤاد بمثل هذه الوحشية ليمزق جسدها بأكمله بتلك الطريقة البشعة. أنهارت سهر بكاءًا على نفسها فسقط الثوب من يدها وهي تخفي وجهها بين كفيها تنتحب لتسمع صوت صفية يشهق حين فتح باب غرفتها فجأة، فأطلقت سهر صرخة عذاب مزقت قلب صفية وقلبه الذي أدماه عذابها دونه وهي ترتطم بالأرض مستسلمة لفقدانها الوعي هربًا من عينا آدم الذي وقف أمام باب غرفتها مصدومًا. نفوس قاسية #منى_أحمد_حافظ