سطور عانقها القلب ٥
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ إلى ان انفرجت شفتيه في ضحكة صاخبة قد خانته ، أخذ يطالعها بعشق وهو يتأمل ذراعيها المفرودتين في الهواء عاليا وهم يستقلون التلفريك في هذه الولايه .. ، ويتعالا صوت مرحها وهي تهتف بصياح :
– أنا مش مصدقه أني بعمل كل حاجه كان نفسي أعملها
– أقعدي يا مجنونه
التقط ذراعها ، وهو لا يستطيع تمالك حاله من شده الضحك
خانتها قدميها ، فسقطت فوق فخذيه ..تُعانقه ضاحكة
– قولي بحبك بصوت عالي
– بحبك يا صفا
أتسعت أبتسامتها ، وتسارعت دقات قلبها ..، لا تُصدق إنه صرخ بحبها ، عانقته بعينيها بعشق ..، وقد بدء يفهم طبيعة زوجته ، صفا تُريده كل يوم يُخبرها بحبه ..، لا تُريده رجلاً صامتً وهو كان خير مرحباً بالأمر ..، فالنساء هكذا شيئاً واحداً إذا بحثت عنه داخلهما ومنحته لهم .. ستجده معطائين ، محبين ..، راضين ..، يمنحونك كل شئ ويعطونك قلوبهن مرحبين.
انتهت جولتهم ، التي بالفعل نالت من أجسادهم ..، وفور أن دلفوا غرفتهما في الفندق الذي يُقيمون به.. سقطت فوق الفراش مرهقة ..، فابتسم وهو ينتشلها من فوق الفراش
– قومي خدي حمام دافي ، وغيري هدومك يا صفا
واقتراحه لم يكن ممتعاً بالنسبه لها ، فهي تتوق للنوم قليلاً..، همست بنعاس وقد اطبقت جفنيها باسترخاء
– لما أصحي يا حبيبي
وها هي تنفذ ما تُريده ، وليس ما أراده ..، استيقظت من نعاسها وقد وجدت حالها تغفو بطول الفراش وليس بعرضه كما غفت ، حجابها قد أزاله عنها ..، وازال بعضً من ملابسها حتي تستطيع النوم براحه
بحثت عنه في الغرفه وهي تنهض من فوق الفراش ، تفرك عيناها ..لعلا النُعاس يُغادرهما
انتبهت علي صوته وهو يتحدث في الهاتف في الصاله المرفقة لغرفتهما ..، فاتجهت صوبه بعدما علمت بهوية المتصل ولم يُكن إلا عامر الذي اخذ يقص عليه ما يعيشه هذه الفتره ، وطفله من فريده الذي لم يعلم به إلا مؤخراً
ضمت نفسها إليه ، تتمسح بصدره كالقطه الناعسة ..، وقد التقطت أذناها بضعة من الحديث الذي جعلها تبتعد عنه مصدومه
أنتهت المكالمه أخيراً ، فطالعته بتحديق
– هي فريد طلعت حامل من عامر ، وكل ده هو كان ميعرفش
حرك إليها رأسه بهم ، فتحولت ملامحها للعبوس
– طيب وليه تعمل كده ، وتخبي عليه إنها كانت حامل
– عامر مكنش مديها فرصه تصارحه ، وخافت عليه منه
زفر “احمد” أنفاسه وهو يُجذبها إليه ، لعلها يجد بعض الراحه بين ذراعيها
– عامر صعبان عليا أوي يا صفا ، بعد ما لاقي الاستقرار مع حياه ..، رجعت فريده تاني لحياته
حاولت الابتعاد عنه حتي تتمكن من رؤية ملامحه ، ولكنه رفض أبتعادها
– خليكي في حضني ، بحس بالسلام وأنا جواه
اشتدت في ضم نفسها إليه ، تمنحه ما يرغب تتسأل مجدداً
– يعني هيرجع لفريده؟
والجواب لم يكن موجوداً لديه ، ف عامر إلي الأن لا يعرف أي قراراً سيتخذه بعدما عقدت فريده الأمور بينهم ، فأما هي والطفل أو سيبقي الطفل معها ..، ويأتي هو لرؤيته كلما أراد.
………………………………………………………….
منذ اخر لقاء كان بينه وبين حسن المنشاوي ، وأصبح عقله غير قادر علي ربط الامور ببعضها.. صحيحاً “حسن” لم يظهر إليه بأنه يعرف بشئ ..، وما عرفه ليس إلا إنه من دماء هذة العائله وإنه أبن أخو تلك الحبيبة الغاليه “حليمة النعيمي ”
فقد طلب رؤيته اليوم مُصراً علي فاخر وجاسر دعوته للغداء معهم وسط العائله ، جاسر الذي بدء يشك فيه ويتعجب معامله والده له
فرك رأسه بعدما شعر بالصداع ، فما الذي توصل إليه “حسن” من معلومات .. هل يظن فقط إنه أبن أخو المرأه التي هجرها ، أم إنه أكتشفي ما خفاه خاله منذ زمن
اخذته عيناه نحو ذراعه ، فاسرع في طيّ اكمام قميصه .. حتي يري الوحمة الغريبة المميزة التي تعلو مرفقه وكان يتعجب من شكلها ، إلي أن رأها اليوم بالمصادفه في ذراع حسن وفي نفس الموضع ، وسؤال واحد كان يسأله لنفسه
– يا تري أنت طيب ، ولا قاسي القلب يا حسن يا منشاوي !
………………………………………………………..
اخدت تُلامس بأناملها الناعمه ملامح وجهه المُتصلبه وهو نائم ، فابتسمت علي تقطيبه وجهه ، فحتي وهو نائم عابس الوجه ..، كادت أن تبتعد عنه وتنهض من جواره بعدما أنتهت لحظات تأملها فيه ، ولكن تراجعت لمكانها تشهق بفزع من أثر قبضته فوق ذراعها وجذبها نحوه يهمس بنعاس وهو يضمها إليه
– يعني بتصحيني ، وتقومي كده من جانبي عادي
علقت عيناها بتفاصيل ملامحه الرجوليه التي تعشقها ، ورفعت كفيها تعبث بما هو ملكً لها
– عارف نفسي في إيه ؟
طالعها بنظره عاشقة ، راغبه .. ينتظر سماع ما يرغبه وقد لمعت عيناه وهو يهمس
– نفسك في إيه ؟
– نفسي أحلقلك شنبك
هتفت عبارتها وهي تنتظر أن تري الاستحسان فوق ملامحه ، ولكنها لم تري إلا العبوس وهو يدفعها من فوقه ..، حتي ينهض
– طلباتك ماسخه ، ومبتعجبنيش ..، مش عارف ليه بسيبك تقولي اللي نفسك فيه ..، رغم إني متوقع حاجة مش هتعجبني
القي عبارته عليها ، دون أن يعطيها مجالاً للرد ..، فاسرعت ورائه تلتقطه من ملابسه
– هو ده صباح الخير
رمقها بنظرة من فوق كتفيه ، وقد تجهمت ملامحه
– والله صباح الخير اللي تفتح النفس مستنيها منك أنتِ
– هو أنا بقيت أسد نفسك أوي كده
هتفت بها متذمره وهي تعقد ساعديها وتلتف بجسدها بعيداً عنه
– يعني تموتي في النكد وكمان قماصة
– أنا قماصه يا جاسر
زمجر بضيق من صغر عقلها ، وأتجه نحو المرحاض ..، يسب ويلعن ..، أنتبهت علي الدراما التي وقفت تعيشها مع نفسها ، ففي النهايه هو تركها وهي وقفت غاضبه لا تُصدق تحوله بهذه السرعه ، ولكنه هكذا دوماً , فما الجديد الذي اصبحت تكتشفه بشخصيته
خرج من المرحاض ، يُجفف رأسه وعنقه ..يتجاهل وجودها ..فاسرعت إليه تتعلق به
– شيخ العرب ، بقي بيتقمص بسرعه زي العيال الصغيره
حدقها بمقت ، وكأن الحديث لم يعجبه
– صباح الخير يا حبيبي
ورغماً عنه ، كان يبتسم وهو يراها تُحاول تقبيله فوق كلا خديه
خرجت شهقة من شفتيها ، وهي تراه يلصقها به يُعلمها نتائج الدلال علي رجلاً مستعداً لنيل فريسته ، وكالعاده التي أصبح بها مؤخراً هو الذهاب لعمله متأخراً عشرة دقائق او ربما اكثر .. بعدما كان اكثر الرجال أنضباطً..، فزوجته جنونها لا يكون إلا في الصباح .
………………………………………….
جلست منيره بجانب اخيها شاردة بعدما اخبرها بشكوكه
– طيب والمحامي قالك ايه ياحسن
– “حليمه” ماتت بعد ما خلفت علطول ، وبعدين فهد اخوها طلق مراته بعد ما ابنهم اللي مات بسبب اهملها … وولدي يامنيره اتكتب باسمه .
رمقته منيرة في صدمه ، لا تُصدق أن هذا الرجل ابن اخيها ..، ولكن سرعان ما كانت تبتسم .. فقد كانت تشعر بقربه منهم وكأنه من دمائهم
– لازم جاسر وفاخر يعرفوا بالحقيقه ياحسن ، ده أخوهم
أرتسم الندم فوق ملامحه ، بعدما طبق فوق جفنيه بأرهاق
– مش كفايه إن جاسر لحد دلوقتي منسيش اني كنت بحب ست تانيه على امه ، كمان يعرف اني اتجوزت عليها … ، جاسر مش هيسامحني يامنيره ولدي وانا عارفه قسوة قلبه زي عمه عبدالحمن قلوبهم مبتنساش
………………………………………………………..
وقفت تتمايل بين ذراعيه ، فقد أخذها جنونها اليوم وهذه اللحظه .. أن ترقص له وتتدلل عليه ، وهو الذي احياناً يكاد يُقابل أصابعها حتي تفعل له شيئاً يُريده ، ولا تنعته إلا بالوقح ..، ذو الأخلاق الفاسده ..، تفقده صوابه أحيانا بحديثها ، وأحيانا تفقده كل توازنه ..، أعترف لنفسه هذه اللحظه .. إنها أستطاعت بالفعل أستواطن قلبه ، فلم يعد يستطيع العيش دونها ، وقد عاد الضعف يحتله واكثر الاشياء التي أقسم عليها يوماً ..إنه لن يجعل أمرأه نقطة ضعفه
حاول أن يتخلص من سحرها قليلاً عليه ، ويقبض فوق كتفيها حتي يوقفها من جنونها
– جنه أنا مش فاضي لدلعك ده دلوقتي
عبست ملامحها ، ومطت شفتيها متذمره ، واستمرت في تراقصها وهي تُعانقه
– أنا كده زعلت منك
– مش شايف إنك زعلتي يعني
توقفت عن تحركها ، ودفنت رأسها بصدره
– لا أنا زعلت وصالحني بقي
ضمها إليه ، وقد ضـ,ـرب بكل قرارته ..، فلم يعد يستطيع إحزانها
– عمك و عمتك عايزاني في موضوع مهم ، هقولهم إيه طيب يا مجنونه .. أقولهم بنت أخوكم العاقلة .. كانت ..
وقبل أن يُكمل عبارته ، كانت ترفع كفها نحو شفتيه تُخرسه
– جاسر ، انا مبقتش أشوفك خالص ..، وهترجع متأخر أنا عارفه ..
ضاقت عيناه وهو ينظر إليها متسائلاً
– عايزه إيه يا بنت صابر ، قوليها وأنا ..
لم تنتظر سماع المزيد منه ، فقد فهمت ما أراد أن يُخبرها به ..، اخبرته ما تُريده ، فاطاحت بعقله ..
بعد وقت كان رنين هاتفه يتعالا برقم عمته .. ولكنه كان غارق معها في دوامة العشق الذي أصبحت تجيد إشعاله داخله.
………………………………………………………….
وقف يهندم من ثيابه ، بعدما أنتهي من نيلها وقد أنتهي اللقاء بينهم ..في تلك الشقه التي استأجرها لتكون مكان لقاءهم الدائم حتي ينتهي منها :
– ارحمني وطلقني ..أنا كرهت نفسي خلاص ومبقتش طايقه نفسي
تعالا نحيبها ، وهي لا تُصدق إنها وصلت لهذه المرحله بحياتها .. امرأه للفراش لا أكثر ، يُعاملها وكأنها عاهرة ..، اغمضت عيناها بقهر .. وهي تتذكر ما يحدث اثناء علاقتهما ..، كادت أن تخرج كل ما في جوفها .. ولكن شعرت بيده تقبض فوق خصلاتها
– مش هسيبك غير بمزاجي ، سامعه .. وبلاش علامات القرف ديه علي وشك
– حرام عليك ، كفايه بقي
هتفت عبارتها بضعف ، بعدما دفعها نحو الوساده .. يُطالعها بنظرات فاحصه لهيئتها العاريه أمامه ، وجدته يحل أزرار قميصه ..، لتتراجع للخلف تكتم صوت صرختها التي خرجت منها مرغمه
– لااا.، لااا
…………………………………………..
حملت كوب الينسون الذي قد أعدته له ووقفت مُتذمره من طلباته ، بسبب ما أقترحته عليه
– مش كفايه طلبات لحد كده ؟
طالعها “احمد” وقد تمالك حاله ، ورسم الجديه فوق ملامحه ..، ورمق أوراق مشاريعه ..، مُتجاهلاً طلبها
– خليها مره تانيه يا صفا ، أنتِ شايفه أنا مش فاضي أد إيه ؟
– نعم
خرج صوت تذمرها ، واقتربت منه تلتقط كأس المشروب الساخن واندفعت خارج الغرفه به .. تحت نظراته المصدومه من فعلتها
– خدي هنا ، رايحه فين
– مش أنا اللي عملته ، هشربه بقي ..، واعمل لنفسك
اسرع في التقاطها ، فسقطت بضعة قطرات من المشروب
– في زوجه مطيعه تعمل في زوجها كده ..، وكل ده ليه عشان عايزاه يقرالك كتاب
عبست بملامحها ، وقطبت ما بين حاجبيها متذمره من حديثه ..، فتعالت ضحكته مرغماً وهو يراها بهذا العبوس
– هنفذ الطلب ، بس قصاد طلب ..
وقبل أن يُتمم عبارته ، كنت تهتف حانقه
– طلب تاني ، خلاص أصلا أنا غلطانه .. ، كل ده عشان بحب أسمع صوتك وأنت بتقرء
ابتعدت عنه ، ولكن أعادها لقربه ..، يدفن وجهه بعنقها متسائلاً
– وإيه السبب اللي بيخليكي مستمتعه وأنا بيقرء يا صفا ؟
رفعت عيناها نحوها ، وسرعان ما كانت تُسبل أهدابها
– صوتك وأنت بتحكي التفاصيل ، بيخلني أعيش في مكان تاني .. بحس إني طايره فوق السحاب
افقدته صوابه بعبارتها ، بل وجعلته لا ينتبه علي القطرات الساخنه التي سقطت فوق صدره ، بعدما الصقها به
وها هو ينفذ لها طلبها وهي تغفو فوق ذراعها مستمتعه بالحكايه ، أنتهي من بضعة صفحات .. فلم تنتبه علي أغلاقة الكتاب إلا بعدما تحرك قليلاً ليضعه جانباً
– هي كده الحكايه خلصت
ابتسم بمراوغة وهو ينحني صوبها بنظرات هائمه
– بكره نكمل باقي الحكاية
……………………………………………………..
دلفت المنزل علي صوت صراخ زوجه شقيقها بأطفالها ، تقدمت منهم تُحاول جذب الصغير من قبضتها حتي تُخلصه من صفعاتها
– كفايه ضـ,ـرب في الولد يا سـ,ـناء ، أنتِ مش بتربيهم
دفعتها “سناء” عنها ، حتي كادت أن تسقط ..، صارخه بها
– ولادي وأنا حره فيهم ، لما يكون عندك ولاد أبقي وريني هتربيهم إزاي يا ست حياة
ابتعلت “حياه” غصتها ، وتجاهلت عبارتها .. وعادت تُخلص منها الصغير الذي أخذ يهتف باسمها حتي تُخلصه من والدته
دفعت “سناء” الولد إليها .. واخذت تلتقط أنفاسها بصعوبه وهي تضع بيدها فوق بطنها المنتفخه
– سيبتهولك أه يا ست حياه ، أنا مش عارفه إيه اللي رجعك لينا تاني ولا أقول إيه علي حظي الأسود ..، مينفعش يبقالي بيت زي أي ست
القت سناء عباراتها ، التي باتت تُخبرها بها كل يوم ..، منذ أن عادت إليهم واخبرتهم أن حياتها مع عامر أنتهت ، فطليقته ستعود إليه بعدما تُنجب له طفلهما ..، ودورها بحياته قد أنتهي
سقطت دموعها رُغماً عنها تُخبرها بقهر
– أنا لقيت شغل في محل ملابس يا سناء ، وهحاول أدور علي شقه أعيش فيها .. متقلقيش مش هفضل طول عمري مشاركاكي بيتك وحياتك
ورغم أن البيت كان منزل والديها ..، قبل زوج شقيقها ، وقد ضاقت به السبل ليجد مسكناً يعيش فيه ..، فاقترحت عليه أن يتقاسموا الشقه ..، وها هي النهايه أصبحت ضيفة ثقيلة للغايه علي زوجه شقيقها ..، ظنت بسعيها لنجاح زيجتها ستحظي بحياة لن يُعايرها أحداً بثقل وجودها فيهاولكن هيهات فهي تحصد الخيبات فقط.
رمقتها “سناء” بنظرات سعيده ..، وقد تراقص الفرح داخل قلبها تتسأل بأمل أن يكون حدث ما تدعو إليه ليلاً ونهاراً
– هو عامر بعتلك ورقة طلاقك
ابتعدت “حياه” عنها ، دون أن تمنحها الجواب الذي سيُريحها ، فسناء لا تتمني بحياتها لا لتراها مدمرة ، بائسة و وحيده ..، وها هي أصبحت هكذا
……..
طالعت هاتفها بسعاده فور أن استيقظت علي رنينه ، ضغطت علي زر الإجابة ، تستمع لصوته الدافئ ..تسأله بلهفة
– هترجع أمتي يا جاسر
ضحك وهو يُجيبها ، فمجنونته لم تنتظر وتسأله عن حاله أولاً..، بل تسألت عن موعد عودته
– لحقت أوحشك ، ده هما 5 أيام يا حببتي
وبتنهيدة تحمل معها الشوق ، أخذت تُخبره عن مدي أشتياقها له
– مبقتش أقدر علي بعدك
تعالت ضحكاته ، وهو لا يُصدق إنها تُخبرها بصدق ولهفة عن عدم قدرتها علي تحمل غيابه
– غصب عني يا جنه ، أنتِ عارفه الشغل بيحتم عليا السفر ديماً
– عارفه يا جاسر ، أنا بس بقولك كده غصب عني
ابتسم وهو يرتاح فوق مقعده مسترخياً ، يستمع لنبرتها الحنونه ، وقد تركها تتحدث عن كل شئ تفعله في غيابه ..، انتهت المكالمه بعد أن أعطاها بعض التعليمات لتهتم بصحتها بعدما أخبرته إنها تشعر ببعض التوعك
ضمت الهاتف إليها ، ولكن سرعان ما كانت تنفضه عنها بفزع .. بعدما صدح رنينه مجدداً ، فطالعت رقم أروي بتلهف تنتظر منها سماع ما تتمني تأكيده
– حسن الصغير ناوي يشرف خلاص
هتفت بها أروي بسعاده حقيقية ، تخبرها عن مدي السعاده التي ستكون بها العائله عند معرفتهم بالأمر ، خفق قلبها بسعاده هي الأخري لا تُصدق ما تسمعه أذنيها ..، تضع بيدها فوق بطنها متسائله
– بجد يا أروي النتيجه طلعت إيجابيه
– أنتِ لسا شاكه بعد أختبار الدم كمان ، جاسر هيفرح أوي يا جنه
اتسعت ابتسامتها وهي تشرد في اللحظه التي ستُخبره فيها
– أروي بلاش تقولي لحد ، أنا عايزه جاسر أول واحد يعرف
و أروي ما كان عليها إلا لتحترم رغبتها ، وتحفظ سرهم الصغير حتي يعود شقيقها من سفرته
…………..
خرجت الطبيبة من غرفة الولادة ..، ترفع عنها القناع الطبي ..، تنظر إلي لهفتهم في إنتظار المولود والأطمئنان علي الأم
اقتربت منها السيدة كريمه بلهفة ، ولكن وقفت مكانها متسمرة وهي تستمع لعبارة الطبيبة الأسفه
الفصل السادس والثلاثون
******
وقف ساكن مكانه ، بعدما ابتعد عنهم ووقف في ركنً بعيداً مكفر الوجه ، لا يستطيع الحديث ..، تركها تصرخ عليه ..، تتهمه إنه لم يكون يُريد هذا الطفل بل وبالتأكيد تمني لو لم تحمل منه طفلاً
أغمض عيناه وهو يشعر ببعض الذنب من صحة ما تقوله ، فهو رغماً عنه كان يشعر بعدم تقبله أن تكون فريدة أمً لأطفاله ، فما حدث بينهم تلك الليلة كان صعب أن ينساه ..، أمرأة تصور حالها وهي في أحضان زوجها لرجلاً أخر ، والرجل لا يكون إلا شقيقه الذي كان في البدايه يسعي في تزويجها له ، ثم رحل شقيقه لأنه لم يجد فيها المرأه التي يُريدها ..، أثارته عاطفته نحوها ..، ولا يُنكر أن شدة جمالها وذكائها أجتذبه بل وجعله يضعف خاصة بعدما حدث بينهم في تلك الليلة التي تناولت فيه أحد العقاقير المخدرة بكأس العصير
– أنت السبب ، طمعك هو السبب ..، أبني مات بسبب مطامعك وأحلامك يا محسن بيه
أندفعت الطبيبة داخل الغرفه ، بعدما ركضت السيده كريمه مستنجده بأي أحداً .. فمنذ أن فاقت وهي علي هذه الحاله تصرخ دون توقف
خرج عامر من الغرفه ، ورغماً عنه سقطت دموعه ، سقطت دموعه نحو الطفل الذي تلهف لرؤيته ، وسقطت دموعه علي تلك القابعة بالداخل
خرج “محسن” هو الأخر ، وهوي بجسده فوق أحد مقاعد المشفي ، لا يُصدق إنه يوم أن يري حفيده ، يراه ميتً بلا روح مجرد صوت أستمعوا إليه ، ثم توقف كل شئ .., والسبب كان مجهولاً للأطباء ..، فالطفل كان بصحة جيده أثناء فحص الأم الأخير قبل دلوفها لغرفة العمليات ..، إنه قضاء الله وقدره
أطرق راسه أرضاً في خزي ، فقد كان أساس سعادته بالحفيد المنتظر ، إنه سيعيد العلاقات بينه وبين والده ..، وستعود أبنته لتكون سيده في قصر ابن السيوفي ، طمح لأحلام عدة سيُحققها هذا الحفيد ..، وكل شئ قد ضاع بالفعل مع مطامعه
ارتفعت عيناه نحو “عامر” ، لعله يري في عينيه نظرة شماته ، ولكن لم يجد إلا الحزن قد أرتسم فوق ملامحه ..، ولم يكن هو إلا الشرير بالحكايه ولن تُسمحه أبنته طيلة عمرها
……………
هبطت لأسفل بملامح بشوشة حتي تستقبل السيدات اللاتي أرادوا رؤيتها ..، وقد أخبرتها الخادمه إنهم وكأنهم من أحدي الجمعيات ..، وعلي ما يبدو قد وصل صوتها لأحد المنظمات وستسطيع مساعده نساء البلده والأطفال
ولكن سعادتها قد تلاشت ، وهي تري تلك المرأة التي رأتها من قبل في الطائرة وقد كانت إحدي المضيفات ..، وقد أخبرها “جاسر” إنه علي معرفة سابقة بزوجها قبل أن يتوفي
– مدام مروة
أبتسمت المرأه وهي تتقدم منها ، تمدّ لها يدها حتي تُصافحها ، و علقت عيناها بالجالسات وقد أسترخوا في جلوسهم وأخذوا يُحدقونها بنظرات ثاقبه ..، شعرت بالتوتر لأنها لم ترتدي ملابس اكثر رقياً مما أرتدته في عجاله ، فالنساء شديدات الجمال والرقي وكأنهم عارضات أزياء ، أو خرجوا من مجلة نسائية
– مش معقول لسا فاكراني
ابتسمت “جنه” وهي تُصافحها ، وقد عادت ملامحها للاسترخاء ..بعدما نفضت عن رأسها تلك المشاعر السلبية
– أكيد طبعاً فاكراكي
والقت بنظرة أشد تدقيقاً نحو الجالسات ، ولكن عيناها كانت تضيق وقد أنتبهت علي تلك المرأه التي ألتقت بها بتركيا وكانت بصحبة شقيقها الذي يعد رفيقاً لجاسر
– أنا مش فاهمه حاجة
تعالت ضحكات الجالسات ، وهم يرونها تقترب منهن بعدما تجاوزت “مروة” التي وقفت تُطالعها بشفقه ، فهي زوجه مخدوعة لا تعرف شئ عن ماضي زوجها وزيجاته الكثيرة
– الزوجه المخدوعة
صاحت بها “أشكي” بعدما تلاعبت بخصلات شعرها ، تنظر إليها بشماته
– جاسر كان بيصارح كل ست فينا ، بالست اللي كانت قبلها ..، لكن طبعا جيه عندك وحب يخليكي مغفله
هتفت بها “سهر” التي نهضت عن مقعدها ، تُحاول جذب تنورتها قليلاً للأسفل
– أعرفك بنفسي ، الزوجه الأخيره من جوازاته السريه .. طلقني قبل جوازكم بيوم
عادت ضحكات الجالسات تعلو ، وهم يرونها تقف جامده الملامح ..لا تُحرك إلا أهدابها في ذهول وصدمه
اقتربت منها أخري ، وقد تبادلوا نظراتهم نحوها
– أعرفك بنفسي ، أنا رانيا ..، مديرة مجلة أكيد تسمعي عنها
اخبرتها بالمجله التي تُديرها ، ولم تكن “جنه” جاهله عن اسمها
– السؤال اللي عايزه أسأله ليكي ، تفتكري ليه جاسر مصرحكيش عن زيجاته السرية
الكل ترقب سماعها .. ولكنها سكنت مكانها لا تقوي علي تحريك شفتيها ..، تعالت ضحكات “سهر” ودفعت الواقفة برفق من أمامها ..، حتي تمنحها الدور والاجابه عليها
– خلينا أجاوبك أنا يا رانيا ، أكيد طبعا لأن جاسر مش هيبطل جواز في السر، جاسر بيزهق وبيحب التغيير
صدحت ضحكاتهم ، يأكدون علي حديثها ..، أقتربت منها “مروة” التي أتخذت دور الصمت
– أنتِ رقم في زيجات جاسر المنشاوي ، حتي لو كنتِ بنت عمه ..، جاسر مبيشوفش الست غير متعه وبس
– بس متنكروش إن كل ست فينا ، كانت مبسوطه أوي معاه ..، أصل جاسر بيعرف اد إيه يسعد الست اللي معاه
تعالت أنفاسها ، واطبقت فوق جفنيها بقوه ، لا تقوي علي سماع المزيد ، سارت كل لحظاتهم سوياً ، قبلاته ، شغفه بها ، وذلك التوق الذي كانت تراه في عينيه ، ملكيته لها وحدها ..، ولكن كل شئ صار كذبه ..، إنها لم تكن الوحيده ، لم تكن إلا رقماً أضافه في قائمه نساءه
– كفايه يا جماعه مش عملتوا اللي عايزينه خلاص
صاحت بها “ناريمان” التي لم تكن هويتها مجهوله بالنسبه لها ، فقد رأتها من قبل في مكتبه ، علقت عيناهم بها ..، وقد ظنوها أنسحبت من أتفاقهم ولكنها أتت ..لتكتمل الصوره والعدد ، ولكن العدد كان ناقص ..
– كلنا واحده فينا أتجوزها علي سنه الله ورسوله ، كلنا جرينا وراه من أول نظرة وشعور حسيناه ناحيته ، جوزك أي ست ممكن تعلم بي ، جاه ومنصب ومال ..، قوليلي مين الست اللي مش ممكن تجري وراه ، جاسر مضحكش علينا ..، كل حاجة كانت بتم بأتفاق
ونظرت إليهم ، وقد أمتقعت ملامحهم من حديثها
– لو قولتي لواحده فينا ، هنسحب وخدي مكاني ..، هتجري فوراً وتبوس رجليه
ونظرت نحو “سهر” و”أشكي” ، فاشاح عيناهم بعيداً ممتعضين الوجه ..، فهم من سعوا لتجميعهم حتي ينتقموا منه ، ويدمروا زواجه
– هنبقي كدابين ، لو مقولناش إننا أخدنا مقابل ..، إحنا اللي رضينا إننا نكون مجرد ست بيتجوزها عشان متعته
تعالت أصواتهم ، معترضين ..، ولكن “ناريمان” كانت أقواهم بشخصيتها التي أصبحت قوية ..، حتي لو شعرت بالغيرة من الواقفة أمامها بضعف ، حتي لو رغبة في عودتها إليه ..، لكنها لن تقول إلا الحقيقة .. التي أخفوها خلف ضعفهم وحبهم لرجل ك “جاسر المنشاوي ” ، رجلاً إذا دخل حياة أمرأه أمتلكها لطيلة العمر ..، إنه كالوشم حُفر فوق أجسادهن ..، مهما مر بحياتهم من رجال بعده ..، فكان رجلاً منفرداً بشخصيته وعنفوانه.
غاروا جميعهن ، بعدما لم يعد لوجودهن أمراً يتطلب منهن ، فكل شئ قد تم ، وقد أنتقموا لكرامتهم التي دعسها تحت قدميه ومضي في حياته .
أنهارت فوق الأرضيه البارده ، وانسابت دموعها أخيراً بعدما حررتها من مقلتيها
……………………………………………
تذوق طعم الكعكة وعيناه لا تحيد عنها ، تنظر إليه منتظره تعليقه علي ما صنعته ، اتسعت أبتسامته شيئاً فشئ ، وعاد لتذوق قطعة أخري ..، رغم عدم تفضيله للسكريات الزائده ..، طالعته بترقب تنتظر إطراءه ، بل ووقفت ترفع كتفيها بفخر علي إجادتها للكعكة التي أمتدحها بها الكثير
– تسلم ايدك يا حببتي
طالعته بسعاده وجلست جواره تتسأل مرة اخري
– بجد عجبتك يا أحمد ، انا حاسه إن السكر زاد مني
والتقطت قطعه من الكعك حتي تتأكد ، فاغمضت عينيها من شدة طعم السكر بها
– مسكره أوي ، مش عارفه إزاي مقدار السكر زاد
أبتسم علي هيئتها المتذمرة ، وهي تمضغ قطعه الكعك
– الزوج الخلوق ياكل وهو ساكت ، دون أعتراض
انتبهت علي حديثه ، وقد انفجر ضاحكاً ..، وجدها تتخذ موضع الهجوم كما أعتاد منها ..، فتنحنح متراجعاً للخلف ، يهتف باستسلام
– ايدك فيها سكر يا حببتي ، عشان كده الكيكه طلعت مسكرة بزياده
أرتفع حاجبيها وهي تستمع لعبارته ، تمط شفتيها متذمرة
– يا سلام ، ابن السيوفي بيتراجع في كلامه ..، بقيت تخاف يا بشمهندس
– طبعا ، يا حببتي
هتف بها وهو يضحك بقوة ، فازداد عبوسها
– يعني أمدح ميعجبش ، أعترض ميعجبش ..، قوليلي أعمل إيه يا صفا هانم
– متقولش حاجه خالص ، تاكل في صمت
وفي لحظه لم يحسب له ، بغتته بدفع قطعه الكعك داخل فمه ..، شعر بالاختناق وهو يُحاول إبعادها عنه ..، فابتعدت عنه تتقافز أمامه ضاحكه
– بذمتك ده هزار
سعل بشده ، وتجهمت ملامحه ..، فتلاشي مرحها وهي تقترب منه نادمة
– أحمد ..، أنا مكنش قصدي.. أنا كنت
هتفت عبارتها ، تنتظر ردة فعله ..، واطرقت رأسها بعدما شعرت بجرمها من هيئة ملامحه الجامدة ..، تعالت شهقتها فجأة وهي يحملها ويطيح بها فوق الأريكه
– ما دام بدأنا الهزار ، يبقي استحملي
وهزاره كان جنوناً أعتادت عليه ، جنوناً اصبح يخفق إليه قلبها .. من شده التوق له، تعالت أنفاسها وهي تراه يحدقها بأنفاس لاهثه ..قبل ان يعود لحملها صاعداً بها نحو غرفتهما ..، يهمس لها بكلمات حبه وعشقه .
…..
ضمها إليه بعدما توسدت صدره ، يُداعب خدها بأنامله
– علي فكرة ، الشركة هتفتح فرع في مصر ..، وهكون المسئول عن أحد فروعها
ابتعدت عنه ، لا تستوعب ما تسمعه .. تسأله وهي تُحدق به حتي تتأكد من حديثه
– مالك مش مصدقه كده ليه ، الموضوع كان من خطط الشركه ..، لانه كانوا موقفين القرار مؤقتً
– قول بجد إننا هنرجع مصر
ابتسم وهو يري السعاده تلمع في عينيها
– بجد يا صفا ، لكن لسا مش عارف أمتي بالظبط
– المهم هنرجع
سحبها نحوه ، يضمها إليه وقد سقطت دموعها شوقاً لأحبابها
– أنا كنت فاكره الغربه حلوه ، لكن طلعت صعبه أوي ..
– لولا بعدي يا صفا ، و وجودي هنا .. مكنش القدر جمعنا
ابتعدت عنه ، حتي تتمكن من رؤية ملامحه ، والسؤال الذي رأه في عينيها ..، كان يمنحها الجواب عنه قبل أن تسأله
– لو مكنتش سافرت وأضطريت أتجوز عشان قوانين المؤسسه ، بعد ما كان بيتعلب عليا عشان أقع في الشرك ..، واطلع قدامهم شريك مش مناسب ..، هدفه مش النجاح ..، لو مكنش ده كل حصل ..، كانت هتحصل أي حاجه تانيه عشان تجمعنا
وبهمس خافت قبل أن يعيدها لأحضانه ، بل عالمهم العاصف بالمشاعر
– أنتِ قدري يا صفا
………………………………
توقف “عامر” بملامح جامده أمام المتجر الذي اصبحت تعمل فيه منذ أيام ، ينظر إلي ملامحها بشوق ، لكن شوقه كان يضيع وسط ما يشعر به ..، لا يُصدق أنها ظنته إنه سيتركها ويُطلقها عندما يحصل علي طفلاً من أمرأة اخري
علقت عيناه بالمشهد ، وهو يراها تُحاول إرضاء أحدي الزبونات ، والزبونة تقف متذمرة ..، تشيح بيديها ثم تقدمت أمرأه أخري تُحاول إرضاء الزبونه وقد شحب وجهها وابتعدت بعدما اشارت لها صاحبة المتجر بالابتعاد
تلاقت عيناها به وهي تلتف بجسدها ، لتشعر بالصدمه وهي تراه واقف أمامها ، بهيبته وعنفوانه ، تهتف اسمه بتعلثم
– عامر
……….
تعالت صرخاتها ، وهو يجرها خلفه لداخل المنزل ، وقد خرج الخدم يُحدقون بسيدهم وثورته العاصفة وهو يسحبها خلفه ، مشفقين عما سيحدث لها
دفعها داخل غرفتهما ، فهوت فوق الفراش من شده دفعته
– الهانم مكنتش بترد علي أتصالاتي ، عشان مخططه للطلاق ..
حاولت الحديث ولكن اخرسها بصراخه
– مش عايز أسمع صوتك
– أنا مش عايزه اعيش معاك ، ولا عامر بيه مينفعش حد يسيبه لازم هو اللي يطرد الناس من جنته
– حياه
بصراخ أقوي كان يهتف ، وهو يتقدم منها بنظرات محذره
– طلقني
ظن أن أذنيه قد خانته في السمع ، فالتقط ذراعها مُشيراً إليها بأن تعيد عليه ما تُخبره به
– مش هفضل طول عمري عايشه مع راجل ، مش عارفه أنا إيه في حياته
ألجمه حديثها ، فتركها تهذي بكل ما ترغبه ..، واتأخذ دور المتفرج
– سيبني أروح لحالي ، أرجوك .. كفايه عذاب فيا لحد كده .. أنا عملت فيكم إيه عشان تاخدوا كل الحلو اللي جوايا ..، وتسيبوني أرمم نفسي لوحدي
استمع ، واستمع .. وهي وقفت أمامها باكية .. تُخبره عن خيباتها السابقه ، وخيبتها معه من زواجهم
– عايزه حريتك يا حياه
زاغت عيناها ، وشعرت بأنفاسها تتثاقل ..، فاماءت برأسها بعدما فقدت قدرتها عن الحديث ..، خرجت صرخته وهو يراها تسقط أسفل قدميه
– حياه
……….
اطبقت فوق جفنيها بألم ، بعدما أنصرفت عمتها من غرفتها ..، العمه لا تري تصرف كبير العائله إلا نزوة مرت بحياته ، وهي ليست إلا الأساس
خانتها دموعها ، وقد عاد تفاصيل ذلك اليوم منذ ثلاثة أيام .. يسير أمام عينيها بقسوته
تعالت شهقاتها ، فوضعت كفيها فوق شفتيها .. ، ولكن صياح “أروي المُهلل” منذ أن علمت بوجود الجنين ، جعلها تمسح دموعها
– جنه ، جنه .. شوفي أنا اشتريت إيه للبيبي
التقطت منها “جنه” الحذاء ، بعدما أستطاعت رسم أبتسامه باهتة فوق ملامحها
– جميل أوي يا أروي
طالعتها “أروي” بشك ، وهي تستمع لنبرة صوتها المهتزه ..، وجفنيها المنتفخين
– أوي تقوليلي كنتِ بتعيطي ..، عشان جاسر وحشك ..، فيكي إيه يا جنه ؟
– صدقيني يا أروي مافيش حاجه ، واخوكي فعلا وحشني
حدقت بها “اروي” ، وهي تراها تُحاول جاهده إبعاد عيناها عنها
– هي عمتي منيرة ، كنت هنا ليه .. أصل غريبه .. لو كانت عايزنا كنا أحنا اللي روحنا ليها
وسرعان ما كانت تردف ، وهي تلطم رأسها بكفها
– أه صحيح ، ده أنا اللي قولتلها إنك تعبانه
واسرعت في إكمال حديثها ..، تنظر نحو ملامح جنه الشاحبه
– لكن متخافيش ، سرك لسا في بير .. مقولتش لحد .. حتي هاشم ..، مع إني هموت وأقوله
ابتسمت “جنه” مرغمه ، فالتقط أروي يديها هاتفه
– إيه رأيك ننزل نتمشي شويه في الجنينه
ولم يكن لديها مجالاً للأعتراض ، ف أروي جرتها خلفها نحو الأسفل ..، تتخيل اللحظه التي سيعلم بها شقيقها بوجود طفله ويطيراً فرحاً وسعادة.
…………………………………..
حدق “عامر” بالفراغ الذي أمامه ، وهو يستمع لصوت الطبيب ..، يُخبره بحمل زوجته وتأكيد ما أخبره به أثناء الفحص لها في المنزل
– مبروك يا عامر بيه ، زي ما قولتلك المدام حامل ..، نتيجه العينة قدامي أه
– أنت بتقول إيه يا دكتور
اعاد عليه الطبيب ما نطقه ، يُخبره بضرورة بدء متابعتها مع طبيبة نسائيه..، أغلق الخط وهو مذهول مما سمعه ..، هل أعطاه الله طفلاً أخر عوضً علي وفاة من لم يلحق رؤيته ، من شعر بالذنب نحوه
اسرع بخطواته نحو غرفتها ، فوجدها تحاول الأعتدال من فوق الفراش
– خليني أروح ، رجب زمانه قلقان عليا
احتقنت ملامحه من عبارتها ، ولكنه تجاوز كل شئ ..، واعطاها أحقية غضبها
– رجب عارف إنك مع جوزك يا مدام
– أنت قولتلك هتنفذ طلبي ، وانا عايزه أطلق يا عامر ..، أنت أتجوزتنا عشان تنتقم من طليقتك ..، واه أنتوا رجعتوا لبعض وجبتوا طفل ..، خليني أسيب البيت قبل ما الهانم الجديده تشرف ..، أكيد مش هتحب تشاركك في حد
لم يقطع حديثهم ، إلا دلوف “ناهد” وقد ساعدتها مرافقتها .. في القدوم لغرفتهم..، صمتت حياة عن حديثها ..، لتقترب منها ناهد بلهفة
– كده يا حياه ترجعي ، من غير ما تشوفيني
سقطت دموعها ، وقد ضمتها ناهد إليها ، تخبرها كم أشتاقت لها ، وكيف نال الجميع من غضب الواقف خلفهم ..، عندما علم إنها تركت المنزل بلا عودة
– الولد ده بيحبك ، بس هو كده غبي
اتسعت عينين “عامر” في ذهول وهو يستمع لحديث والدته ، ونعتها له بالولد
– أنا ولد ، كل ده ولد
تجاهلت “ناهد” حديثه ، فابتسمت حياه مرغمه
– لو الكلام عني هيخليها تضحك ، أنا موافق خلاص
هتف بلطافه ، وهو يتقدم منها ..، فرمقته بملامح ممتعضه
– عقليها يا ناهد هانم ، الهانم طلبه الطلاق
– حياه عاقله ، وهتعرف تختار كويس
انسحبت “ناهد” من غرفتهما ، بعدما تركت له الكرة ..، ورغم علمها بما حدث لذلك الحفيد ..، إلا إنها فضلت أن تعلم الحياه الأمر منه
رأها تعود لبحثها عن حجابها ، فالتقط منها الحجاب ..، وكلما أجتذبت شئ ..، كان يُجذبه منها ويُلقيه بعيداً مزمجراً بضيق
– أنا أخدت قراري خلاص ، لو سامحت بقي
– فريده مش هترجع حياتي يا حياه ، حتي لو كان الطفل مش مات
هتف بها ، يمنحها الجواب الذي تنتظره ، ولكن كبريائها كان يمنعها أن تسأل عن ما حدث له في سفرته وهل أتي طفله وأين هو و والدته..، تجمدت عيناها نحوه وقد علقت كلمه واحده بأذنيها، تهتف بصدمه
– الطفل مات
……………………….
وقفت امام بيت والديها بأنهاك ، تطرق الباب بخفوت وقد أسندت جسدها فوق الجدار ، بعدما شعرت ببعض الدوار يُداهمها
صرخت “صافيه” بذعر ، تنظر لملامح أبنتها الشاحبه
– جنه
ضمتها “صافيه” لصدرها ، بعدما شعرت بأنها لا تستطيع الحركة تتسأل بلهفة وهي تدلف بها لداخل المنزل
– فيكِ يا بنت بطني ، قلبي مش مطمن
طالعها والدها بشوق وهو لا يُصدق مجيئها إليهم ، ولكن سرعان ما تبدلت ملامحه للقلق ، وهو ينظر إلي ملامحها الباهته ، والتف حوله يبحث عن ابن شقيقه ..، ولكنها كانت بمفردها
– فين جوزك يا بنتِ
– عايزه أتطلق من جاسر يابابا !
تجمدت ملامح والديها في صدمه، وهم ينظرون لبعضهم، ثم لها
………………………………….
طالعها بنظرات مسترخيه ، فتورد خديها وهو يضمها إليه بحب
– مصيرنا بقي مربوط ببعض يا حياه
دفنت وجهها بصدره وهي لا تقدر علي الحديث ، إنها لم تعد تقوي علي البعد عنه ، وكأنها أصبحت مسحورة به ..، تسير إليه كالمغيبة
– أنا خايفه يا عامر
وبهمس هتفت ، وهي تتشبث به أكثر
– خايفه منك ، أنت عامل زي موج البحر ..لما بيقلب بيكون موجه غدار
ضمها إليه بقوة،وكأنه يُخبرها بكذب شعورها نحوه ، وضع بذقنه فوق رأسها ..، يغمض عيناه بألم ..، فعادت الأحداث تقتحم عقله
– عمري ما غدرت بحد يا حياة ، الغدر بيجيلي من الناس اللي وهبتها قلبي ومنحتهم فرصه يكونوا قريبين مني
ابتعدت عنه ، تتأمل ملامحه الحزينه ..، ترفع كفها تُحركه برفق فوق خده
– مش عارفه أخفف عنك وجعك إزاي .. بس صدقني انا زعلانه علي الطفل ، أنا كنت فرحانه ليك ، كنت عايزه ابعد عن حياتكم عشان تعرفوا تربوه سوا ..، وميتحرمش من حد فيكم
فتح عيناه ..، ينظر لدموعها التي أغرقت خديها ، يري أجمل صورة رأي فيها أمرأة
– أنتِ إزاي كده يا حياه
وبابتسامة واسعة كان يُجيب علي حاله بعدما وجد الأجابه
– فعلا أنتِ حياه ، حياه بتوهب الحياه للناس وبتزرع في قلوبهم الحب
وبرفق كان يُسطحها فوق الفراش ، يُحرك بيده فوق بطنها ..، فدغدغتها حركته ، وظنت إنه يمزح معها ولكن كل شئ تجمد فيها وهي تسمعه يهتف
– هتكون طفل محظوظ يا حبيبي !
…………………
حدقت به عمته بصدمه ..، بعدما وجدته يدلف للمنزل بأنفاس لاهثة ..، اتجهت إليه منيره ، تضمها نحوه ، تُخبره كم أشتاقت إليه ، ولما لم يُخبرهم بعودته
– فين جنه ياعمتي !
تسأل بلهفة ، وهو يبتعد عن ذراعيها ، فاشاحت منيرة عيناها بعيداً عنه ..، لا تعرف بما تُجيبه ، فرمقها بتوجس يتسأل مجدداً
– جنه ليه مش البيت ، وتليفونها مقفول ..، وأنتِ وأروي حججكم بقت كتير كل ما أسألكم عنها
أطرقت منيرة رأسها ، ترطب شفتيها بلسانها
– عمتي
– هترجعلك يا بني ، عمك صابر مش هيسكتلها ، هي بس بتريح أعصابها عندهم
تجمدت ملامحه ، وهو يستمع لعباراتها التي تنطقها بتعلثم ، دقق النظر في ملامحها ينتظر معرفة السبب ، فزفرت أنفاسها بثقل وتلاقت عيناها بعينيه
– عرفت بجوازاتك القديمة يا جاسر
الفصل الأخير ( الجزء 1 )
******
جلست بملامح حزينة فوق فراشها ، تطالع هاتفها الذي أعادت تشغيله ..، تنتظر رؤية أسمه فوق شاشته ، تتمني لو يعيد أتصالاته ويُخبرها بأسفه ، ثم جاء ركضاً إليها معتذراً عما فعله بها ..
دمعت عيناها ، تسأل حالها ..، متي كانت مهمه لديه ، أخذها وسواسها نحو دروبً مظلمه وأفكاراً قاتلة ..، فتعالت شهقاتها في بؤس مرير ، فهرولت والدتها إليها بعدما استعمت لنحيبها ، تضمها لأحضانها
– مش تقوليلي بس إيه اللي مزعلك من جوزك يا بنتِ ، أنا وأبوكي خلاص هنتجنن
تشبثت “جنه” بأحضانها ، تسألها بمرارة ، لما فعلوا بها هذا ..، لما دفعوها نحو هذه الزيجه وجعلوها تخرج منها خاسرة بقلب يُمزقه الألم
– كان نفسي تعيشي في العز يا بنتي ، مكنتش عايزاكي تعيشي زي في الفقر
– أنا تعبانه أوي يا ماما
دمعت عينين “صافيه” علي حال صغيرتها ، حاولة أن تُواسيها وتُفرحها بخبر عودة صفا ، ولكن “جنه” كانت في عالمها المرير ، تضغط فوق شفتيها بقوة ..، لا تُصدق إنه عاد من سفرته ولم يأتي حتي لرؤيتها وطلب العفو منها ، أحبت رجلاً متحجر القلب وليتها ما عرفت الحب يوماً علي يديه
– الرجاله يا بنتِ ديما كبريائهم بيمنعهم يراضوا الست ، لكن الزوجه الشاطره والعاقله بتوطي مع الريح
ابتعدت “جنه” عن أحضان والدتها ، ترمقها بألم بعد سماعها لحديثها
– بابا عمره ما أستحمل يزعلك ، عمره ما خلاكي تنامي زعلانه منه
أطرقت “صافيه” رأسها ، فهي تعلم بصدق ما تخبرها به ، ولكنها لا تُريد لها خراب حياتها ، التقطت كفيها ، تمسح فوقهم برفق
– جوزك كل يوم بيتصل بأبوكِ يطمن عليه وعليكي ، جوزك شخصيته غير أبوكِ يا بنتي ..، ويمكن مع العشرة يلين
والجواب كانت تعطيه لوالدتها ، قبل أن تتسطح فوق الفراش وتجذب نحوها الغطاء لعلها تغفو وترتاح من صراعها ومشاعرها
– وأنا مش عايزه أعيش مع راجل قاسي زيه
………………
لم يكن حاله مختلفاً عنها ، بل عادت القسوة تحتل وجهه ، عاد خالي المشاعر ..، يصرخ في الجميع ويصب غضبه عليهم ، والجميع يطالعونه في خوف من بطشه..، يترقبون عاصفته من أبسط الأشياء ..، يتمنون لو عاد مديرهم الهادئ مجدداً , كما كان منذ بضعة أشهر
قذف الأشياء من فوق سطح مكتبه ، لا يصدق ما أوقعه فيه شقيقه في صفقة خاسره ، رغم تحذيره له في عدم التوقيع ولكن “فاخر” ، استغل الفترة التي يعيشها من هجر زوجته له ، واستغل منصبه وفعل ما رفضه
أندفع “فاخر” لغرفته ، وقد أحتل الخزي ملامحه ..، ينظر نحو شقيقه أسفاً عما فعله
– راجي كان مطمني إن الصفقه كسبانه ، مش عارف إيه اللي حصل
سقط فاخر أرضاً ، بعدما تلقي لكمه قويه فوق فكه ..، فالتقطه جاسر من قميصه بملامح غاضبه
– عرف يضحك عليك ، ويطمعك
اشتد العراك بينهم ، فخسارتهم قويه ..، وسيظلوا لسنوات يتعافون منها
– خليت أبوك يمضي علي الصفقة بنفسه يا فاخر ، عشان عارف إنه يملك السلطة بعدي
وفاخر يمسح دماء أنفه ، لا يستطيع النظر في عينين شقيقه ..، عاد يقذف كل ما يقف أمامه ..، لا يُصدق اللعبه الحقيرة التي لعبها عليهم هذا الرجل
أنحني بجسده يلتقط أنفاسه ، وقد سكنت ملامحه واشتد الألم فوق صدره ..، انتفض فاخر من وقفته وهو يمسح دماء أنفه وشفتيه ..، واتجه نحو يهتف بفزع وهو يراه يقبض فوق قلبه
– جاسر
……………..
وقف جوارها وقد دمعت عيناه ، وهو يسمع الخبر الذي تزفه لهم الطبيبه ، لا يُصدق أن الله أكرمه بنعمة أخري من نعمه الكثيره عليه
– طفلين
هتف بها غير مصدقاً ، تحت نظرات حياه التي لم تقل عنه من الصدمه ، تتسأل مثله في ذهول وسعاده
– يعني هجيب توأم
اماءت لهم الطبيبة برأسها مبتسمه ، ونهضت عن مقعدها تهز برأسها بضحكه خافته علي حالهم .. و غادرت مكان الفحص ، حتي تتركهم يستوعبون الخبر
التقط عامر كفها ، ينهضها برفق من فوق الفراش الطبي ، وسرعان ما كان يُضمها بقوة إليه ، تستمع لهمساته وحمده لله ، وكم هو كريم في عطاياه ..، فطفله الذي فقده وحزن عليه ..، عوضه الله بعده بطفلين
غادروا عيادة الطبيبة ، وهو يمسك يدها ويسير بها نحو سيارته ، لتقف مكانها من فرط سعادتها
– هو إحنا ممكن نتمشي شويه يا عامر ، الجو جميل أوي
طالعها ، وطالع المكان حولهما..، فتسأل وهو يشعر بالقلق نحوها
– اخاف تتعبي يا حياه
ابتسمت وهي تلتقط ذراعه ، وتتأبطه .. فتوقف عن السير مجدداً
– لو تعبتي ، قوليلي علطول
ضحكت مرغمه ، وهي تشده نحوها
– عامر أنا كويسه ، و ولادك كويسين مش سمعت كلام الدكتوره
توقف مكانه ، يسألها بعدم تصديق
– حياة هو أنتِ فعلا حامل في طفلين
ضحكت بكل قوتها ، حتي شعرت بالألم في معدتها ، لا تستوعب الكلمات المتعلثمه التي تخرج من شفتيه ، ولا توتره العجيب عليها ، عامر السيوفي بقوته وحنكته وأمواله ..، مازال تحت تأثير الصدمه ، دمعت عيناه مرغماً وهو يجذبها إليه ويسير بها
– كنت خايف ربنا يعاقبني يا حياه ، عشان ذنب أبن فريده ، لكن صدقيني مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها
توقفت مكانها ، ووقفت قبالته ترمقه بنظرات حانية ..، نظرات جعلته يتوق للعودة لمنزلهم ، حتي يُخبرها كم هو يُحبها
– الراجل اللي ميقولش لمراته ، سبب طلاقه من طليقته .. يبقي راجل عظيم ..، أنا واثقة أن السبب كان قوي يا عامر ، قوي لدرجه إنك مقدرتش تغفره ليها
والسبب كان قوياً جداً علي رجلاً مثله ، رجلاً عاش طيله حياته يرفع رأسه ، و يخشاه الجميع
عادوا لأكمال سيرهم ، ولاول مره كان يتخلي عن مكانته وعن تعقله ..، ضحكوا وتوقفوا أمام كل متجر ..، يشترون أشياء بلا هدف ..، حتي الأطعمه التي كان يرفض تذوقها أجبرته اليوم علي تناولها
عادوا لسيارته ، وهو يضحك علي حاله وعليها ، وقد أغرقت المثلجات ثيابهم خاصة هو ..، بعدما ذابت فوق يديه
– بتضحكي عليا يا مدام ، لا وخلتيني أقف أكل من الشارع كمان
تعالت ضحكاتها ، وهي تستقل السيارة في المقعد المجاور له
– أتجنن مرة في حياتك يا عامر
جذبها إليه ، يباغتها بقبلة خاطفه ..، جعلتها تشهق بفزع وتلتف حولها ..، لا تستوعب ما فعله للتو ..، أحتلي العبث ملامحه وقد بدء في قيادة سيارته متمتماً وهو يغمز لها
– مش بتقوليلي أتجنن
…………………………………….
أنسابت دموعها وهي لا تستوعب ما تخبرها به أروي ، عن سقوط شقيقه ودخوله العناية المركزه ، جاسر القوي الذي يظنه الجميع لا يمرض ولا يرهقه شئ ، سقط في مكتبه أرضاً
– جاسر تعبان أوي يا جنه ، تعالي يا جنه .. تعالي وقوليله إنك حامل .. ، ليه بتعمل فيه كده
اغلقت “أروي” الخط ، دون أن تنتظر سماعها ، فاتجهت خارج غرفتها بخطوات مهرولة نحو مكان جلوس والديها ، حتي تُخبرهم بحديث أروي ، ولكنها وقفت مكانها ..، تطبق فوق جفنيها بقوة ، تتذكر الحقيقة المريرة التي علمت بها ، تتذكر قسوته وعدم مجيئه إليها
– لو كان بيحبك يا جنه ، كان جالك أول ما رجع من سفره ، لو كان جيه وخدني في حضنه ..، كنت ممكن أسامحه ..، لكن كبريائه ديماً بيمنعه
عادت لفراشها ، تدفن راسها أسفل وسادتها ، تُرثي حالها وحال قلبها ، تُقاوم رغبتها القويه في الركض إليه
…………………
خرج من المشفي هذا الصباح رغما تحذيرات الطبيب له ، ولكنه لم يعد يُطيق المكوث بالمشفي ، خاصة بعدما علم بأشتداد المرض علي والده
توقفت سيارة “هاشم” أمام منزل العائله ، وقبل أن يترجل من مقعده ويلتف إليه حتي يساعده ، كان يترجل من السيارة ويزيح يده الممدوده من أمامه متمتماً بحده
– أنا لسا بصحتي يا هاشم متقلقش
حدقه “هاشم” بقله حيله ، يزفر أنفاسه حانقاً مما يفعله ابن عمه بحاله ..، اسرع في صعود الدرج دون أن يهتم بصوت زوجه أخيه المهلله بعدوته ..، رغم الحزن الذي أصبح يُخيم بالمنزل
وجد عمته ، تتجه نحو غرفتها بملامح حزينه ..، تُسبح فوق سبحتها ولم تنتبه علي وجوده ، شعر بشئ يجثم فوق فؤاده ، فاسرع لغرفة والده ، ليجد راجي جواره و والده يتحدث معه بصعوبه ، وكلما أخبره عن التوقف ..، كان “حسن” يشدّ علي قبضة يده
– مافيش وقت يا ولدي
علقت عيناه بعينين “جاسر” ، فغامت عيناه بالشوق لأبنه الغالي وقد ظنه مسافر كما اخبروه وليس في المشفي بعد المصيبه التي حصلت لهم ..، بسبب ذلك المتبجح الذي يجلس جوار والده
– رجعت بالسلامه ياولدي ، متعرفش أنا كنت مستنيك إزاي ..، كنت خايف أمشي قبل ما أشوفك
اندفع “جاسر” نحوه ، يُقبل كفيه ،يهتف برجاءً له ، ألا يتحدث هكذا
– الموت علينا حق يا كبير عيلة المنشاوي
– هتفضل أنت كبير العيلة ديه يا حاج
لثم رأسه ، يُقاوم ذرف دموعه ، يرمق ذلك الجالس بملامح جامده ، فشعر “راجي” بيد حسن تمسك يده بوهن ، فطالعه بقلق متسائلا
– محتاج مني حاجه
– هاتوا أيديكم يا ولادي
وبأنفاس متقطعة ، كلن يرفع كفوفهم ..، يضمهم بكفيه
– أوعوا تفترقوا عن بعض ، أنت خلاص عرفت الحقيقه يا ولدي ..، اخواتك سندك وضهرك ..، قرب منهم يا راجي
– أنت بتقول إيه يا حاج
ابتلع “جاسر” لعابه ، وهو ينظر نحو راجي الذي دمعت عيناه ..، ثم انسحب من الغرفه
– راجي أخوك يا جاسر ، اخوك من حليمه النعيمي
وهل ينسي اسم هذه المرأه التي أخبره والده عن حكايته معها مؤخراً ، حاول الثبات واحتواء يده
– بلاش تتكلم كتير يا حاج
أغمض “حسن” عيناه ، ينفذ له رغبته ..، يُخبره بخفوت
– سيبني انام شوية يا ولدي
طالعه “جاسر” وهو ينهض من جواره بصعوبه ..، يتحرك نحو باب الغرفه ..، يشعر بأن أنفاسه تتثاقل مع خطواته
كان أذان العصر يعلو ، فخرجت منيرة من غرفة شقيقها صارخه ، جعلتهم جميعهم ينهضون من فوق مقاعدهم وقد أرتجفت اجفانهم وهم يدركون وفاة حسن المنشاوي .
……………………………………….
أنقضت أيام العزاء الثلاثة ، وقد أصبح الجميع يعيش في حاله حزن وعزله ..، كانت عيناها تبحث عنه ..، لعلها تستطيع رؤيته والأقتراب منه ..، فقد حاولت اليومين السابقين أن تكون قربه ..، لكنها شعرت بالفجوة الكبيرة التي أصبحت بينهم
اقتربت منها والدتها ، وهي تري التعب الواضح فوق ملامحها ، وقد بدأت تشك في أمر ابنتها ، خاصه كلما سألتها عن سبب شحوبها والقيّ المستمر ، تُخبرها أن معدتها تؤلمها
– جنه
أنتبهت علي صوت والدتها ، وقد فاقت من حالة الشرود التي أصبحت تُلازمها ، تنظر إليها
– سمعت من أبوكي ، إن جوزك قاعد في بيته التاني يا بنتي ..وقافل علي نفسه من العصر ..، روحي لجوزك يا بنتي ..، الست الشاطرة بتقف جانب جوزها في محنته وترمي ورا ضهرها الزعل
كانت مقتنعه بحديث والدتها ، فهذا ما نشأت عليه ..، التمعت عيناها بلهفة تتأكد منها
– هلاقيه في البيت
ابتست “صافيه” وهي تري لهفتها ، وكيف استجابة لحديثها دون مجادلة
– أبوكِ قالي .. ، لما سألت عنه يا بنت بطني
حثتها والدتها بنظراتها ، ودفعتها برفق حتي تذهب إليه ..، اسرعت في إحكام حجابها فوق شعرها ..، واتجهت نحو الخارج تبحث عن أحد صغار العائله ، حتي يسير معها للبيت بسبب الظلام بعدما تجاوز الوقت السابعه مساءً.
وصلت للمنزل ، تطرق الباب ولكن وجدته مفتوحاً ..، وعلي ما يبدو كان هناك أحداً معه
اقتربت من الغرفة تستمع لصراخ “جاسر” بنيرة التي تعالت شهقاتها بعدما اخبرته عن زيجتها من راجي منذ شهرين وحملها منه
وضعت كفها فوق شفتيها في صدمه ، والتفت خلفها ..، لتجد راجي يدلف المنزل ، وقد خرج هو الأخر من غرفة مكتبه ..، علقت عيناه بها ولكن تجاوزها متجهاً نحو “راجي” يلكمه بقوة
– حبيت تعاقبنا فيها يا ابن النعيمي
تراجع “راجي” للخلف ، بعدما تمكن من الوقوف ..، يمسح فوق خده من أثر اللكمه، ينفث أنفاسه بغضب
– أنا أبن المنشاوي زي زيك ، يا جاسر
كانت الصدمه الأخري تحتل كيانها ، وهي تستمع لعبارات راجي
أشتدّ العراك بينهم ، فوقفت نيرة منزوية علي حالها ، تضع بيدها فوق أذنيها ..، اسرعت في الأقتراب منهم بعدما رأتها بهذه الحاله ، و وقفت بينهم صارخه
– كفايه يا جاسر ، كفايه
ولكن “جاسر” كان الغضب يعمي عينيه ، أزاحها من امامه بقوة ، فسقطت أرضاً تصرخ هذه المرة من الألم
– جاسر أنا حامل
التقطت اذنيه صوتها المتقطع ، وقد هتفت بها بعدما وضعت بيدها فوق بطنها ، فانحني راجي لأسفل يلهث أنفاسه ويمسح الدماء عنه
تجمدت عيناه ، وهو يراها ..، تتألم وتضم بطنها بيديها ..، وقد تلاشي كل شئ حوله واقترب منها يجثو فوق ركبتيه ، لا يُصدق ما سمعه للتو
…………….
ابتسم الطبيب وهو يُطمئنه علي حالتها للمرة العاشرة ، يربت فوق كتفه ضاحكاً
– إيه يا جاسر باشا ، أحلفلك يعني إن المدام بخير
القاها الطبيب مازحاً ، قبل أن يُغادر الغرفة بعدما سمح لها بالخروج وقد طمئنهم علي طفلهم
اسرع بالأقتراب منها متلهفاً ، فوجدها تشيح عيناها عنه ، تزم شفتيها تذمراً
– رجعنا للقمص تاني ، تصدقي بالله أنا غلطان أصلاً إني ملهوف عليكي
ابتعد عنها ، فاسرعت في التقاط يده
– بدل ما تصالحني ، وتدلل فيا لحد ما اسامحك ..، هو أنت اللي عملته فيا سهل يعني
طالعها بمقت، وقد أغمض عينيه بقوة
– أنتِ شايفه أنا في إيه ولا إيه يا جنه ، المفروض أنا اللي أزعل منك .. دخلت المستشفي مجتيش تشوفني ، تلت ايام العزا عيني تيجي في عينك ..، وتهربي مني زي الجبانه ، كنت محتاجاك جانبي
هتف بها ، وقد جاورها فوق الفراش ، نظرت لملامحه ..، لتجده مرهقاً للغايه وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه
– أنا أسفه يا جاسر ، أنت متعرفش أد إيه أنا بتألم عشانك ، ولو كان ينفع أشيل عنك شويه كنت عملت كده ..، أنا مش قليلة الأصل صدقني
علقت عيناه بعينيها ، فجذبها إليه يضمها نحو صدره ، مدركاً صدق حديثها
– عارف يا جنه شعورك كويس ، لو مكنتش عارفك فعلا ..، كنت بيعت اللي بينا بالساهل زي ما أنتِ بعتي ومشيتي من غير ما تسمعيني
أرادت أن تتحدث ، ولكن وضع يده فوق شفتيها
– خلينا نقفل الكلام في الموضوع ده دلوقتي ..، وكل حاجة هتلاقي ليها جواب
وطالعها بنظرات قوية ، قاصداً كل شئ يُريده
– وكلمة طلاق لو طلعت منك تاني ، عقابها هيبقي عسير
ولولا الظروف التي يمروا بها ، لكانت أنفجرت ضاحكه من وعيده ، جاسر لن يتغير أبداً مهما حدث .
………………………………..
كانت تطير من فرط السعاده ، وهي تشتري كل شئ كهدايا للعائله ، اقتربت منه تريه ما اشترته لكل أفراد العائله ، فضمها إليه يخبرها أن كل ما تنتقيه جميلاً
حدقت به بعدما أبتعد عنها ، فاسرعت بالأقتراب منه تسأله بلهفة
– مالك يا احمد
تنهد وهو يجلس فوق فراشهما ، يُطالع ملامحها ثم أشار إليها بالأقتراب منه
– تعالي يا صفا
شعرت بوجود خطبً ما ، فتسألت وهي تزدرد لعابها
– نزولنا مصر ممكن يتأجل سنه أو سنتين ..، الشركه وقفت تاني قرار الفرع
تلاشت سعادتها ، وهي تنظر إليه .. غير مصدقه تراجعهم في القرار
– يعني مش هننزل مصر خالص
اسرع في أحتواء وجهها بين كفيه ، ينظر في عينيها وقد أرتسم الحزن فيهما
– كنت عايزه أزور قبر بابا وماما ، واقولهم أد إيه سعيده ويشوفوك معايا
ضمها إليه وهو لا يقوي علي استماع حديثها
– هننزل يا حببتي ، هننزل أجازة نشوف اللي بنحبهم ونرجع ..، صفا أنا محتاجك معايا هنا
حاولت نفض الدموع العالقة بأهدابها ، فهي تعلم بطبيعة عمله ، وقد وافقت علي الأمر من قبل
– المهم هننزل وخلاص حتي لو أجازه
ابتسم وهو يري تقبلها لما حدث ، وعاد لضمها مجدداً
– وهنروح المزرعة واوعدك نركب خيل يا صفا
ابتعدت عنه غير مصدقة ما يُخبرها به ، هل سيعود لهويته المحببه بعدما هجرها لسنوات من اجلها
– بجد يا احمد
وهو كان غارق في عينيها ، يهمس لها بعشق
– نفسي يبقي عندنا بنت نفس عيونك يا صفا
…………………
ضحكت “ناهد” بقوة وهي تستمع لتحذيرات ولدها الذي تراه قد أصابه الجنون ، منذ أن علم بحمل حياة
– كفايه حركة ، أنتِ مش شايفه نفسك من الصبح بتتحركي
– بتحرك من الصبح يا ظالم ، ده انت عامل عليا حصار
طالعها بملامح قاتمة ، ينظر لوالدته وقد أخذت تضحك دون حديث
– شايفه بترد عليا إزاي ، فين دروسك العظيمه يا ناهد هانم
اتجهت انظار ناهد نحوها ، بعدما اختفي صوت ضحكاتها ، واتسعت أبتسامتها
– دروسي خلاص خلصت ، وعرفنا نروض الوحش اللي جواك
طالعهم بنظرات قوية ، يُقلب عيناه بينهم ..، لا يُصدق إنه أصبح بينهم كالكرة يتلاعبون به
– روضنا نص الوحش بس ، فاضل النص التاني يا ماما
هتفت بها حياه ، فاحتدت عيناه ، ينظر لتلك التي أخذت تضحك وقد شاركتها والدته الأمر
– بتتقفوا عليا يعني
ترك لهم الغرفه بملامح غاضبه ، فعلقت عيناها به غير مصدقه غضبه ، وقد ظنوه بدء يتقبل المزاح
– روح يا بنتي ، وراضيه بكلمتين ..
اسرعت خلفه ، تشعر بالتوتر ..، تفكر كيف تسترضيه ..، فهو أصبح صعب المراس
دلفت للغرفة ، تبحث عنه بعينيها ، فصرخت في ذعر وهي تشعر بذراعه تُحيط خصرها , يهتف بوعيد عابث
– الوحش بقي اللي روضتي يا حياه ، هياكلك لحد ما يشبع
………….
اجتمع الجميع مترقبين هذا الجمع العجيب ، الذي أصر عليه جاسر هذا اليوم ..، تلاقت عيناه بأفراد عائلته ..والكل اخذ يُحدق به منتظرين بما سيخبرهم به كبيرهم
– بعضكم أو الكل سمع ..، إن الحاج حسن المنشاوي رحمه الله…
هتف الجميع ، بعدما رفعوا كفوفهم يترحمون عليه ويذكرون محاسنه ، فاردف جاسر وهو يُركز بعينيه نحو راجي الذي نهض عن مقعده وتقدم منه
– الحاج حسن ، ليه ابن من صلبه من زوجته الخليجيه السيده حليمه النعيمي رحمها الله
تعالت أصوات الجميع ، فعلي ما يبدو أن ما سمعوه صحيحاً ، الحاج حسن كان لديه ولداً أخر وقد تأكدوا من صحه الحكاية
– وعشان رابط العيلة يفضل مستمر وفي وصال ديما ، راجي طلب أيد نيرة للجواز
طالعه الجالسين في صمت ، ومن نظراته القوية كانوا يعرفوا إنه ينتظروا تأكيدهم علي قراره
تحركت “نيرة” نحو الغرفة المجتمعين بها ، بعدما استمعت لقرار موافقتهم ..، كانت تشعر بالغضب ..، فلم تعد تُريد هذا الرجل ، بعدما اكتشفت إنها لم تكن إلا لعبه في يديه ، ولديه زوجه أخري غيرها
وقفت مكانها ، تنظر لتلك اليد التي وضعت فوق كتفها ..، لتلتف ببطئ ..تنظر نحو “جنه”
– لو طلعتي واتكلمتي ، هتخسري نظرة اهلك ليكي وهتخسري جاسر يا نيرة
وبضعف لأول مرة كانت تظهره, لتلك المخلوقه التي كرهتها دوماً ، وسعت علي دمار حياتها
– مش هقدر أعيش معاه يا جنه
وعلي بعد ، كانت تقف هدي ..، تشعر بالصدمه وهي تري شقيقتها في أحضان جنه والأخري تضمها إليها تواسيها ..، وقد بدأت الشكوك تقتحم عقلها.
الفصل الاخير (2) والنهاية
******
زيجة صامته بلا عرس , كما لم تكن تتمني يوماً ، تمنت ان تكون عروساً جميلاً تحسدها جميع النساء علي زيجتها وجمالها ، ويتحاكوا عن تفاصيل عرسها لسنوات ..
ارتسمت أبتسامة متهكمه فوق شفتيها ، فالعرس بالفعل سيتحدثوا عنه لسنوات ولكن بشفتي ممتعضه، مشفقين عليها ..
أنسابت دموعها وهي تنظر نحو شقيقتها “هدي” التي أشاحت عيناها عنها ، لا تستوعب حتي هذه اللحظه ما فعلته بحالها ولولا “جاسر” و “جنه” وايضا زوجها أحتفظوا بسرها واسرعوا في أتمام هذه الزيجه من أجل من جمع الترابط بين الأشقاء ..، لكن جميع أهلهم وأهل البلده قد شكوا بالأمر
– مش هتحضنيني يا هدي
رمقتها هدي بنظرات غاضبه ، وحزينه
– خيبتي أملي فيكي يا نيره
وأنسابت دموعها ، تشعر وكأن الجميع يعلم بعار شقيقتها
– ليه تعملي في نفسك كده ، كان ناقصك إيه عشان تتجوزي في السر ..، وتتذلي وتحطي راسك في الأرض وتكوني زوجة تانية
– كفايه يا هدي
– هو فعلا كفايه يا نيرة ، وكويس إنه هياخدك معاه الأمارات بعيد عننا ، علي الأقل تداري عارك بالطفل اللي بطنك
وهتفت متهكمه بنبرة مهمومة
– كويس إن بطنك لسا مظهرتش ، كانت سيرتنا بقت علي لسان الناس طول عمر
تعالت شهقاتها ، لا تعرف لأول مرة كيف تُدافع عن حقها
– مش عارفه تردي عليا ، عارفه ليه عشان حاسه بعارك يا بنت أم و أبويا
خرجت “هدي” من الغرفه ، قبل أن تتحدث بحديثً أخر أشد قسوة
دلفت جنه الغرفة تشعر بالشفقة عليها , فقد أتت حتي تستعجلها بعدما تأخرت هدي في غرفتها ، وقد استمعت لبعض الحديث بينهم
طالعتها “نيره” وهي تمسح دموعها حتي لا يري أحداً ضعفها متمتمه
– أنا جاهزة
………
وقفت “صفا” أمام قبر والديها ، ثم جثت فوق ركبتيها تمسح فوق قبرهما ، وقد غشت الدموع عيناها وأنسابت بغزارة
– وحشتوني أوي
بكت بقوه بعدما لم يعد لديها قدرة علي النحيب في صمت ، أسرع في التقاطها من فوق الأرض يضمها لصدره وقد دمعت عيناه تأثراً
– كفايه يا صفا ، أدعيلهم يا حببتي
– وحشوني أوي يا احمد ، قولهم يرجعوا ..
أحتواها بحنان ، لا يعرف كيف يُخفف عنها ..، تركها تبكي حتي كفت عن البكاء وابتعدت عنه
– بابا ..ماما ده أحمد جوزي ..، شوفتي يا بطوط أه أتجوزت راجل زي الحكايات ، كنتِ بتريقي عليا لما أقولك أنا مستنيه بطل يكون ليا لوحدي
ابتسم مرغماً وهو يمسح عنها دموعها ، وقد أخذت تقص عليهم حكايتها معه
ضمها إليه وهو يُغادر المقبره ، فالتفت برأسها نحو قبرهما .. تضع بيدها فوق بطنها تخبرهم في حديثً صامت ، عن حملها لطفلاً في أحشائها ، وهم أول من يعلموا بهذا الخبر السعيد ، حتي يفرحوا بحفيدهم القادم
استقبلهم عامر بحفاوة ، وهو لا يُصدق إنهم جعلوا عودتهم المؤقته مفاجأة لهم
– كده متقوليش عشان أجي أستقبلكم في المطار
ربت “أحمد” فوق ظهره ، وهو يضمه إليه يُخبره عن مدي شوقه له ولوالدته والقصر
– حبيت أعملها ليك مفاجأة يا عامر
أسرعت “حياه” بخطواتها إليهم ، بعدما علمت من الخادمه بقدومهم ..، وقبل أن تتقدم منهم كان يهتف صارخاً
– برضوه بتجري ، انا مش عارف هتخافي عليهم أمتي
تعالت ضحكات “صفا” وهي تقترب منها , تضمها بعدما هتفت مازحه
– أنا قولت الوحش الكامن داخل عامر بيه ، زمانك قدرتي عليه
– هو حد يقدر عليه برضوه
هتفت بها “حياه” وهي مستاءه ، بسبب أفعاله الجنونيه وصراخه الدائم عليها ..، كلما تحركت
– حياه
تمتم بها محتقن الوجه ، وكأنها أضاعت هيبته أمام شقيقه و زوجته ، أنفجر أحمد ضاحكاً
– يا باشا هيبتك موجود متقلقش
صدحت ضحكاتهم عالياً ، فدمعت عينين ناهد وهي تقترب من مكان وقوفهم وترافقها مرافقتها ، تهتف بشوق وهي تمدّ يديها أمامها نحوهم
– أحمد
………………….
التقط منها طبق الطعام ، الذي وضعت فيه كل ما يشتهيه ، طالعها بنظرات ممتنة مُحبة..، فرغم غضبه وحديثه الحاد الذي حادثها به منذ دقائق ..، لا تتذمر ، أو تعبس بوجهها ..
شعر بالإنتشاء ، وهو يري نظرات شقيقه لهم ، وتذمره وهو يُطالع زوجته التي أنشغلت في تناول الطعام ، بعدما اخبرته إنها بالفعل جائعه
– أرجوك يا حياه علميها شوية دروس ، في التعامل مع الزوج ..، بدل ما هي ماشاء الله مش شايفه قدامها غير طبق الأكل
ضحكت السيده “ناهد” علي حنق إبنها الأصغر ، لا تُصدق أن أولادها أصبحوا يتذمرون علي أبسط الأشياء مع زوجاتهم وكأنهم لا يريدهن إلا لهم وحدهم
– أنا يا أحمد مش بهتم بيك ، هو ده اللي تقصده مش كده
أمتعضت ملامح “صفا” وهي تهتف به ، كما امتعضت ملامح عامر وهو يري زوجته تندفع نحو شقيقه وتصنع لهم طبقاً كما صنعته له ..، التقط ذراعها ينظر إليها متمتماً بضيق تحت نظرات أحمد الذي أنفجر ضاحكاً
– مش عنده مراته ، خليها تهتم بي
– وفيها إيه يا عامر
– مالك يا باشا بس ، مش هناكل المدام والله
تعالت ضحكاتهم ما عدا “عامر” الذي احتقنت ملامحه
– مافيش دم خالص ، يا صفا هانم
طالعته “صفا” وهي تحشر الطعام بفمها ، تحرك رأسها نافيه ..، تهتف بحنق وهي تضع لقمة أخري
– جعانه أوي يا احمد
كان يشعر بالدهشه من جوع زوجته العجيب عليه ، فالتقط كأس الماء ..، يقربه منها
– طيب براحه يا حببتي ، أحطلك إيه تاني في طبقك
اخذ يضع لها الطعام ، بعدما أدرك بالفعل إنها جائعه ..، زال عبوسه وصب كل اهتمامه عليها
طالعتهم “حياه” بنظرة دافئه ، فتلاقت عيناها بعينين عامر ..، الذي ألتقط كفها يلثمه بحب
– تسلم أيدك يا حببتي
ورغم إنها لم تعد تساعد الخادمات بالمطبخ ، إلا بالأشراف فقط ..، ولكنه بات يمتدح الطعام يومياً
أبتسمت ناهد وهي تستمع لكلمات الحب والضحكات بين أولادها و زوجاتهم ..، ولم تكن تظن أنه سيأتي يوماً ويجلسون هكذا وستجمعهم مائدة طعام سوياً يسودها الدفئ.
…………….
تقافزت بسعاده أمام الفرس الجميل الذي أخرجه لهم العامل ، كما أمره سيده ..، اسرعت في وضع يدها فوقه ، ولكن الفرس أخذت ترفع قدميها وتصدر صوت صهيلها
ترجعت للخلف خائفه ، بعدما كان الحماس يعتلي ملامحها
– حببتي متخافيش ، هو بس مش متعوده عليكِ
قربها منها برفق ، فتراجعت ثانية بعدما دب الرعب في قلبها
– ما هي مش خايفة منك ، اشمعنا أنا
– قدرات يا حببتي
هتف مازحاً ، فرمقته ممتعضه ..،فهتف ضاحكاً
– بقيتي علطول متذمرة يا صفا هانم
– أحمد
وبهمس خافت هتفت أسمه ، تخبره بوداعه وهي تُسبل أهدابها
– خلينا نتمشي ، أنا خلاص مش عايزه أركب خيل
ولكنه كان مصّر علي تنفيذ الأمر واصطحابها في جولة داخل المزرعه ، صعد فوق الفرس وأجتذبها يضعها أمامه ..، كان يتحرك برفق وفور أن بدأت خطوات الفرس تزداد صرخت خائفه وهي تلتف نحوه وتلتقط قميصه متشبثه به
– صفا ، أنا كده مش هعرف أتحكم في لجام الفرس
– نزلني يا احمد ، نزلني أنا خايفة
اوقف الفرس ، واسرع في الهبوط منه ثم حملها ، فاغمضت عينيها وهي تشعر ببعض التقلصات ، التي أخذت تزداد ولم تعرف من أين يأتي الوجع ، تعالا نحيبها في صدمه ..، فقد حذرتها حياة من ركوب الخيل وأخبرتها إذا علم أحمد بالامر .., فلن يستمر في الركض بها هنا وهناك حتي يستمتعون بأجازتهم الصغيرة
اتجه بها نحو المنزل ، رغم طول المسافه التي قطعوها
– صفا إيه اللي حصلك ، ما أنتِ كنتِ كويسه
لم تستطيع أخباره ،فلو علم بالأمر وأنها لم تخبره ..، سيغضب عليها بشده ..، وضعها فوق الفراش وقبل أن يُخبرها إنه سيُهاتف عمتها حتي تأتي إليهم ..، كان ينتبه علي الدماء التي عُلقت بقميصه ويديه ، ينظر إليها بذهول متسائلاً
– أيه ده ؟
والجواب كان واضح ، وهو يراها تضع بيدها فوق بطنها دون إجابه
……..
غادرت السيدة “صافية” من غرفة أبنة شقيقها ، وقد احزنها فقدنها للطفل ، أقتربت منه وهو جالس فوق الأريكة بالطابق السفلي يطرق رأسه أرضاً
– أطلعلها يا بني ، من ساعه ما رجعنا من المستشفي بتسأل عليك
طالعها “احمد” بنظرات صامته ، فجلست جواره تربت فوق كفه الموضوعه فوق ساقه
– صفا طيبه وغلبانه ، هي يمكن متهورة شويه في تصرفاتها بس مافيش أطيب منها
ظل صامتًا ، يستمع لكلمات السيده “صافيه” التي نهضت وقررت الرحيل ، بعدما منحته بعض السلام من حديثها الطيب
صعد إليها ، وقد بدء يشعر بتوازنه ، وفور أن دلف للغرفه كانت تعتدل من فوق الفراش بلهفة ..، تمسح دموعها
– أنا أسفه يا احمد ، أنا مكنتش عايزه أقولك ..، بس أنت كنت خلاص حجزت تذاكر الطيارة
وأطرقت رأسها في بؤس ، تهتف معللة ..، تتمني مسامحته علي إخفائها عنه لأمر حملها
– كنت عايزه أنزل مصر ، كنت مشتاقة ليهم أوي ..، كنت عايزه أقولهم أد إيه أنا سعيده
هتفت عباراتها ، وقد تعالت شهقاتها من شده الألم ..، فاقترب منها يضمها إليه بعدما رأي إنهيارها
– لما شوفت الدم ، خوفت أخسرك زي ما خسرتها يا صفا
توقفت عن البكاء ، بعدما ألجمها حديثه ..، ابتعدت عنه ..تنظر نحو ملامحه الجامده الشاردة
– زعلي منك عمره ما هيكون اكبر من خوفي عليكي
علقت الدموع بعينيه ، فاسرع بأشاحت عيناه عنها بعدما اطبق فوق جفنيه بقوة
– مشهد موت مها مش قادر أنساه
وقدعاد المشهد وعادت الذكريات لتخنق روحه ، نفس المكان ونفس الوقت ، “مها ” تركض بالفرس وهو يركض خلفها حتي يلحقها بعدما فقدت التحكم في لجام الفرس ..، تصرخ باسمه حتي يلحقها ولكن الاوان قد فات ..، وارتطم الفرس بالسيارة الكبيرة وسقطت في بحر دمائها
اسرعت في ضمه إليها ، تُشاركه حزنه في صمت ..، غادر الغرفه بعدما لم يعد يتحمل المكوث أكثر فيها ، حتي إنه لم يعد يتحمل وجوده بالمزرعة التي جاء إليها من اجل أن يُحقق لها رغبتها
أنتظرته طويلاً ، وقد أقترب وقت بزوغ الشمس ..، فتحركت بالغرفة بصعوبه تشعر بالقلق وقيلة الحيله ..، وخاصه بعدما أغلق هاتفه ..، التقطت هاتفها لتهاتف “عامر” فلم يعد لديها قدرة علي الأنتظار أكثر ولكن قبل أن تضغط علي زر الأتصال ..، كانت تجده يدلف وثيابه متسخه بعض الشئ
اندفعت إليه باكيه
– وعدتني إنك مش هتسيبني ، ومش هترجع للماضي تاني ..، لو زعلان مني أنا أسفه ، عاقبني لكن متعاقبش نفسك
احتواها بين ذراعيه ، يشم رائحتها التي تُنسيه كل شئ ..، وبرفق كان يبعدها عنه يُخبرها بحنان
– أنا كويس يا صفا ، كنت محتاج بس أفضل لوحدي شويه
– لا أنت مش كويس يا أحمد
علقت عيناه بملامحها الذابلة ، ودموعها التي أستمرت في الهطول فوق خديها ..، يرفع كفيه يمسح عنها دموعها
– كفايه عياط ، ولا أضم كلمة زنانة ..، مع قماصه ونكديه
هتف بمزاح حتي يخفف عنها ، ويجعلها تُصدق إنه بخير ..، تجمدت جميع حواسه وهو يشعر بشفتيها فوق شفتيه ..، طالت قبلتهما التي شعر فيها بأن أوجاعه تنخمد ، وكأن قبلتها هي الترياق الذي اعاد إنعاش روحه ..، ابتعد عنها بانفاس لاهثه يضع جبينه فوق جبينها ، يتأمل ملامحها الجميله ويضغط بيديه فوق خصرها
– أنتِ أحلي حاجة حصلت ليا يا صفا
…………..
توقفت أمام الشرفة ، تنظر لمياة النيل التي تطل عليها شقته في العاصمه ..، أقترب منها يضمها لصدره متمتماً
– إيه اللي مصحيكي بدري
شعرت بيديه تمسدّ فوق بطنها ، فالتفت إليه تمنحه صباحاً جميلاً في قبلة خاطفة وضعتها فوق خده
– حسيت بقلق شويه ، ولقيت الجو جميل قولت اقف استمتع شويه بالمنظر
داعب أرنبة أنفها باصبعه ، يجذبها إليه اكثر
– أوعي تكوني بتكدبي عليا يا جنه ، وتكوني تعبانه
تعالت ضحكاتها ، وهي تراه ينتظر سماع جوابها بلهفة
– جاسر ، بلاش قلقك الزايد
لطمها فوق جبهتها بخفه ، يتذكر إذا لم يهتم بها تحزن وتتذمر ، وإذا صب اهتمامه عليها تضجر منه
– والله يا حببتي أنا مش عارف ، أنتِ عايزه إيه
– عايزاك تفسحني ، أنت مش جايبني هنا عشان أفضل قاعده في الشقه لحد ما تخلص شغلك
واطرقت رأسها في أسي ، تتذكر رحيل أبنة خالها ليلة أمس
– صفا خلاص مشيت ، ومش هلاقي حد اتسلي معاه
تعالت ضحكاته ، وهو يري تذمرها
– هو إحنا هنعيش هنا طول العمر ، إحنا راجعين البلد بعد أسبوع يا حببتي
صاحت وهي تتقافز أمامه ، كالبهلون ..، فقبض فوق كتفيها يُثبتها مكانها
– يبقي تفسحني طول الأسبوع ، وننزل نجيب الطلبات اللي طلبتها مني أروي
وبنبرة محذره ، كانت تهتف
– كله وطلبات أروي ، ديه تفضحني وتموتني
وبحب كان يُضمها إليها مجدداً ، يُخبرها بموافقته نحو كل ما تُريده
– حاضر يا حببتي
وسرعان ما كان يفيق من هدوئه وهو يجذبها للداخل ، بعدما نظر في ساعة يده
– شوفي عماله ترغي كتير ، ومخلتنيش أقولك أنا عايزك في إيه
وهل ابن المنشاوي يُريدها إلا في مواضيعه الهامه للغاية ؟
غمز لها عبر المرآة بعدما وقف يُهندم من قميصه ، ويربط رابطه عنقه ..، فتوردت وجنتاها خجلاً وهي تتحاشي النظر إليه ، فأنفرجت شفتيه في ضحكة قويه
– لو مكنتش عندي إجتماع مهم بس ..
غادر ، بعدما وضع فوق جبينها قبلة سريعه ، فاتسطحت فوق الفراش ..، تضع بيدها فوق قلبها ، لا تُصدق تلك السعاده التي باتت تعيشها معه وبين ذراعيه .
………….
بعد مرور بضعة أشهر ، في داخل إحدي المشافي الخاصه الكبري
خرج “عامر” من غرفة العمليات بأعين دامعه ، بعدما رأي صغيريها وحملهم ، أسرع رجب إليه بلهفة ، ومن نظرته علم أن شقيقته وضعت صغارها
– مبروك يا عامر يتربوا في عزك يا باشا
ربت “عامر” فوق كتفه ، يشكره ،
تلاقت عينين سناء به في حقد ، تشيح عيناها عن المشهد ، فلم تتخيل يوماً أن تصبح حياة هكذا ، زوج يُحبها بل لم يتركها حتي في غرفة العمليات مصمماً أن يكون معها هذه اللحظه ، تلد في أفخم المشافي ..، وتنجب ولدين وتعيش في عز لو غرفت منه لن ينتهي
كان الحقد يتأكلها ، تعض فوق شفتيها بقوة ، تُطالع لهفته وهو يتجه نحوها بعدما خرجت من غرفة العمليات واتجهت نحو غرفتها بالمشفي .
……………..
حمل “جاسر” صغيرته الجميله ..، ينظر إليها غير مصدقاً إنه يحمل قطعه منه بين ذراعيه
اقتربت منه “اروي” تلتقطها منه ، كما حاول البعض ، لكنه أخفي منها صغيرته ، انفجر الجميع ضاحكين
– يعني أنا هاكلها يا جاسر ، ما تقولي حاجه لجوزك يا جنه
طالعتهم بأرهاق ، تنظر إلي زوجها بعنفونه وهيبته ، وكيف صار كطفل صغير ، وهو يحتوي صغيرتهم
– الكبير خايف علي بنته مننا ، إيه يا كبير المنشاوية مش هتخليني اشيل بنتك
هتف بها “فاخر” ، فاعطاها له ، فاحتقنت ملامح أروي
– كده يا جاسر ، شايفه جوزك يا جنه
ضحكت “جنه” بخفوت ، فضحكت السيده “صافيه” وهو تنظر إليهم . وتنظر إلي ابنتها ، تدعو لها الله ، أن يديم عليها هذه السعاده
علقت عينين صابر بحفيدته، وهو ينهض عن مقعده يلتقط منهم الصغيره هاتفاً
– هاتوا حفيدتي ، تعالي يا أروي خدي شيليها
تهللت أسارير أروي والتقطت الصغيره من عمها ، فدلف “هاشم” ، ينظر نحوهم بعدما أستمع لصياحها بهم
– مين مزعل مراتي
شوفت يا “هاشم”، مكنوش راضين أشيل “رهف”
– بكره مش هنخلي حد يشيل ولادنا يا حببتي
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل ، واقترب منها يلصقها به ، فعلقت عينين أشقائها بها
– أبعد أيدك عنها
وهاشم يهتف صائحاً بهم ، فانفجر الجميع ضاحكين بقوة
– والله مراتي ، إيه المعامله الوحشة ديه .. ياولاد حسن المنشاوي
خرج الجميع من الغرفه أخيراً ، فاقترب منها بلهفة يزفر أنفاسه براحه
– يااا أخيراً بقينا لوحدنا
– مبسوط يا جاسر
طالعها بسعاده وهو يلتقط كفيها يلثهما
– أنا أسعد راجل في الدنيا يا جنه
اتسعت أبتسامتها ، وهي تُطالعه ..، لا تُصدق إن هذا الرجل بقوته ومكانته ، زوجها وحبيبها
– بحبك
– بحبك ، و دلوقتي كمان ..، ده أنتِ جبارة يا جنه
ضحكت مرغمه وهي تستمع لكلماته التي فهمت مغزاها ، فقربها منه برفق
– هنجيب فارس أمتي بقي
وقبل أن تبعده عنها وتهتف بأعتراض ، كان يُخرسها بطريقته ، هامساً بحب وهو يبتعد عنها
– هدفنا الجاي هو فارس ، و يمكن نسجل هدفين مرة واحده
وسرعان ما كانت تتعالا ضحكاته ، وهي تدفعه عنها صارخة به
………..
اتسعت ابتسامه “صفا” بعدما أنتهت محادثتهم مع أفراد العائله ، اغلق “احمد” حاسوبه مبتسماً هو الاخر يضمها إليه .. يُمسد فوق بطنها
– ولاد عامر وبنت جنه خطفوا قلبي ، عقبالنايا حببتي
ابتعدت عنه ، تشعر بالشوق لتلك اللحظه التي ستصبح فيها أماً
– هكون أم حلوه صح
واخذت تُخبره عما ستفعله مع صغيرها الذي اختارت أسمه علي اسم والدها ، فاتسعت ابتسامته وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً
– إيه كل الأحلام ديه ، اللي مستنيه تحققيها معاه
مطت شفتيها في إستياء ، تجذبه من قميصه بطريقة شرسة
– من غير إعتراض ، هتنفذ كل طلباتنا
تعالت ضحكاته ، وهو يبتعد عنها
– مش عارف ليه بقيتي شرسة يا صفا ، هو أنتِ حامل في نمر مفترس
تجهمت ملامحها ، وهي ترمقه بتوعد وعادت تقترب منه بشراسة ، فانسحب من جوارها
– كل أوامرك وأوامر حسن باشا هتتنفذ بالحرف
استرخت ملامحها ، وتسطحت فوق الأريكه تفرد ساقيها ..، رمقها وهي تلتقط حبات الفواكهه تلتهمها ، و تلوح له بيدها الأخري
– أبعد كده خليني أتفرج علي التلفزيون ، المسلسل بدء خلاص
صدح صوت التلفاز مع أحد المشاهد القوية ، ليبتعد من امامها ، يُطالع المشهد الدموي في صدمه
– مصاصين دماء يا صفا ، وانا بقول ليه التوحش ده
وبعند كان يغلق لها التلفاز ، مقتربً منها حتي ينهضها من فوق الأريكه ولكنها كانت هي من تجذبه إليها تهمس له بوداعه ، بعدما تقلب مزاجها وعادت تشتهيه
– هو أنا قولتلك إني بحب النهارده
ضحك مرغماً من تقلبها الذي أصبح لذيذاً وممتعاً، يهمس لها
– وكمان بقيتي مجنونه يا حببتي
والجنون قد أصبح شيئاً أساسياً في حياته ، بل أصبح هو طعم الحياة بينهم .
****
تمت بحمد الله
بقلم (سهام صادق)