سطور عانقها القلب ٣

وعادت تصب أهتمامها نحو “عامر” الذي أشاح عيناه عنها

– محتاج حاجة تانية يا فندم

غادرت “حياة” المتجر بحزن ، تتذكر ابن شقيقها وكيف سيحزن لانها لم تبتاع له اللعبة ..، اتجهت نحو المتجر الذي تعمل به فقد أنتهي وقت راحتها وعليها العوده

– أنتِ يا استاذه

هتف بها “عامر” ، وقد اسرع إليها بخطواته ..، يمدّ لها اللعبة منتظراً أخذها منه

– أعتبريها تمن تصليح التليفون

لم تُجيبه بشئ ، فترك حقيبة اللعبة جانبها متمتماً

– لحد ما تفوقي من صمتك ، اللعبة جانبك

وانصرف دون أن يلتف مرة أخري ، ورغما عنها كانت تزيل كبريائها جانباً وتنحني لتلتقط اللعبة ..، فلم يعد بيدها شئ غير القبول

………………

جلس فوق فراشه يًطالع هيئتها في بيجامتها القطنيه ذات اللون الوردي بإستخفاف

، فالتفت بجسدها ناحيته بعدما عدلت من وضع فرشتها علي تلك الاريكه … فعاد هو للعبث في هاتفه

جنه : هو أنا ممكن اروح انام في اي اوضه تانيه ، البيت كبير وفي اوض كتير

وببرود كان يُجيبها ، بعدما رفع عيناه عن هاتفه

– لا

ونهض من فوق الفراش ، مقترباً منها ، فازدردت لعابها من قربه وتلك النظرة التي يرمقها بها وكأنه يتوعد لها

– أحمدي ربنا إني بنيمك علي الكنبة ، ورحمتك من نومة الأرض

اتسعت عيناها غير مصدقه حديثه ، فهل كان سيجعلها تغفو فوق الارض ..، اتجه بعينيه نحو الفراش واشار اسفل مكان رقدته ، فشعرت بالذل وابتلعت غصتها وهي تشيح بعينيها عنه

جلست على اريكتها وقد تجاهلت عبارته ، وتسطحت فوقها تحت نظراته المحملقة بها، فاسرعت في رفع الغطاء عليها وضمته حول جسدها باحكام ، رغم شعورها بحرارة الجو

فضحك ساخرا علي فعلتها: بكره انا مسافر القاهرة ..، مش عايز أرجع واسمع حد بيشتكي منك في حاجة ، تنفذي كلامهم من غير أعتراض ..، ومش عايز أقولك مكانتك إيه هنا

وبنظرات قد بدء الخواء يحتلهما ، أخبرته بمكانتها التي اصبحت تعلمها ، ولا تلومه ..، فقد تركها والدها مع عائلته القاسية دون أن يُفكر في مصيرها

– مقامي خدامه ، يا جاسر باشا

وبابتسامه جامده كان يرمقها ، قبل أن يغفو براحه فوق فراشه

…………….. ……………

اخذ العرق يتصبب فوق جبينه ، فاعتدل بصعوبة ، يلتقط أنفاسه ، يشعر بالسخنه تجتاح جسده ، لقد مرض بسبب وقوفه الدائم في الشرفة دون أن يهتم ببروده الهواء ، نهض من فوق الفراش يلتقط حبة دواء لعلها تُسكن الألم ، ولكن سرعان ما أنتبه أن دورق الماء فارغ وبتعب كانت يسير بخطوات مرهقة ، يهبط الدرج حافي القدمين ويبتلع لعابه بصعوبة .

تيبث مكانه علي أعتاب المطبخ ، يُحملق في ذهول ، فقد كانت منكبة علي الطعام ..، تأكل بشراهة من شدة جوعها

أبتسم بإرهاق .. وسار ناحيتها وقد حاول أن يتجاهلها حتي لا يُحرجها ، ولكنها أنتفضت مفزوعه وقد تركت المعلقه ، واخذت تمضع الطعام بسرعه

– أصل كنت جعانه

هتفت عبارتها وهي تبتلع باقية الطعام العالق في حلقها

وفرت من امامه مهرولة قبل ان يتحدث هو بشئ ، فالتقط كأس الماء الموضوع فوق طاولة المطبخ .. وارتشف منه وهو يتذكر هيئتها الطفولية ويبتسم.

……………………………………………….. ….

كانوا جميعهم يضحكون إلا هي ، تتماسك امامهم حتي لا تبكي من حديث أروى وما يزيده اكثر حديث ابنة خالتها اللاذع ، ف أروي تستطيع ان تتحملها وتلتمس لها العذر فهي وحيدة اخويها ويتيمه فقد فقدت والدتها منذ الصغر .. ولكن تلك الأفعي لماذا تأتي كل يوم إلى بيت العائله ، لتلعن قرار هذا الظالم في أمرها بأن تذهب الي بيت والده كل يوم صباحا …

أنتبهت علي صوت عمتها وهي تُناديها

– تعالي ياجنه انا عايزاكي ياحببتي

فنهضت “جنه” تُلبي طلبها ، وقد خلصتها أخيراً عمتها من جلستهم ،هاربه من نظرات السخريه من زوجة فاخر شقيق زوجها و أروي وعلى رأسهم أفعتهم الكبيره ابنة خالتهم شقيقة هدي زوجة فاخر .. يا الله عيلة مكتمله وهي الوحيده المنبوذة بينهم

كل هذا كانت تتمتم به بين طيات نفسها،

وقفت في منتصف غرفة عمتها ،فاقتربت منها “منيرة” تضمها بحنان ثم أبعدتها لتمسح فوق خديها

شعرت بالامان وهي تراها تعود لضمها مجدداً ، ولن تنكر أن عمتها حنونه معها ، لا يستطيع أحد التفوه بحقها بشئ أمامها

– انا حاسه بيكي ياجنه ، وشايفه معاملة جاسر ليكي يا بنتي.. بس جاسر مينفعش معاه الضعف لازم تبقي أقوي ، اتمردي عليه يابنت اخوي وانا معاكي

لتنظر اليها جنه ، وقد صدمتها عباراتها ، فهل تطلب منها أن تتمرد وهي التي كانت تخبرها أن الزوجه العاقلة لا بد أن تكون صامته ..، تسمع وتنفذ فقط

– بس جاسر بيعاملني كويس ياعمتي ، هو بس طبعه شديد

حافظة علي كبريائها وكبريائه معا ، فحدقت بها منيرة تستعجب عباراتها ، فالذي يظهر أمامها علي عكس ما تسمعه منه

– أنتِ متأكده يابنت اخوي ، ولا بتداري عني ..

اماءت لها برأسها ، تتهرب من نظراتها ، فهي بالفعل كاذبه ..، جاسر ليس إلا قاسي ، متحجر القلب

– بنت اصول ياجنه ، وابن اخوي في يوم من الايام هيحمد ربنا انك بقيتي مراته ومن نصيبه ، الراجل مسيره في يوم بيعرف قيمة النعمه اللي في أيده يا بنتي

وهل سيأتي هذا اليوم ، هتفتها داخلها ساخره ..، ولكن كان هناك سؤال يلح علي ذهنها

جنه : جاسر طلق مراته ليه ياعمتي ، وهي ماتت فعلا ولا لسا عايشه

تلاشس الاسترخاء من فوق ملامح منيرة ، وابتعدت عنها تنظر نحو الشرفة المفتوحه

– سيبي الماضي في حاله يابنت أخويا ، وبكره كل حاجه هتنكشف ليكي .. المهم حربي في معركتك كويس عشان تنتصري ، وبلاش تبقي ضعيفه خليكي ذكيه

واشارت منيره نحو عقلها وهي تضحك ، وتابعت حديثها :

– عايزه اشوف ذكاء الست فيكي

طالعتها “جنه” في صمت ، وقد بدأت تفهم حديثها رويداً ..، منيرة لم تضعها في طريق أبن أخيها إلا لتتغلب علي قسوته ، وتمحي ذكري أمرأة أخري من داخله

– أروي طيبه هتقدري تكسبيها بسهوله ، ومرات فاخر هي بس محموقه عشان جاسر مرضيش يتجوز اختها .. بس هابله ويقدر يضحك عليها . بس خدي بالك من اللي حاطه عينيها على جوزك وعايزه تفوز بيه

استمعت إليه في صمت ، واغمضت عينيها بارهاق من كثرة ما يدور حولها من خبث ووجع ، فيكفي إنها تعيش في بيت واحد مع ذلك المعقد السليط .. وكادت ان تتكلم لتجده يدلف الحجرة دون ان يعيرها اهتماما وكأنها ليست مرئية

جاسر : قالولي انك في اوضتك ، قولت اجي اخد البركه منك ودعواتك ..

وانحني بجسده الرجولي الذي ترتجف منه البدن خوفاً، فهو يحمل قدرا كبيرا من الرجوله والوسامه الصعيديه المهيبة ..

وسرعان ما كان يتجه بعينيه نحوها فيري نظراتها الشارده إليه.. فارتسمت السخرية فوق شفتيه ، فقدت بدأت العروس تهيم به ، وها هي تفتح نحو قلبها طريقاً لدماره قد أختارته لحاله وسيكون أكثر من سعيد وهو يذلها

تعلقت عينين “منيرة” بنظراتهم التي طالت ، فهتفت مازحه:

– مافيش كلمه حلوه هتقولها لمراتك

اسرع جاسر في إشاحه عيناه عنها ، وقد طرقت رأسها أرضاً ، تجاهل حديث عمتها وابتسم وهو يصب نظرات أهتمامه عليها

– النهارده حجزتلك تذاكر العمره انتي وبابا وكمان حجزتلك في فندق قدام الكعبه علطول

فتتهلل اسارير منيرة سعادة، وهي تسمع ما يزفه إليها

– فرحتني يا ابن قلبي ، ربنا ما يحرمني منك يا ابن الغالي

فرتفعت دقات تلك الواقفه خلفهم ، وقد أسعدها فعلته ن وحنانه علي أهل بيته رغم إنه لا تنال منه إلا القسوة ، انتبهت علي صوته بعدما أقترب منها ولطم خدها بخفه ، وهو يُلقي مزحته نحو عمته

– مراتي سرحانه فيا ، شايفه السعد اللي أنا في يا عمتي

والعمه ترفع يداها عاليا تهتف بدعاء

– ربنا يسعدكم يا بني

…………………………………………………..

ارتجفت صفا من رؤيته بهذه الحاله وهي تراه يصعد الدرج بتعب ، فركضت نحوه تسأله بقلق :

– انت تعبان، فيك حاجة بتوجعك

طالعها احمد بألم وهو يحرك ساقه اليمني بصعوبه ، فألم فخذه مازال يؤلمه ..

احمد : ممكن ياصفا تروحي تجبيلي علبة المسكن من فوق

حدقت به بفزع ، وسرعان ما كانت تُهرول لاعلي نحو غرفته ، توقفت في منتصف الغرفة ، وقد وقعت عيناها لاول مره علي تفاصيل حجرته ذو اللون الاسود في متعلقاتها ، ورغم ذلك فكل شئ يلمع بهدوء كصاحبه ، لطمت جبهتها وقد عادت تتذكر لما هي هنا ،

واتجهت نحو علبه الدواء الوحيده التي تتوسط المنضده الصغيره .. واسرعت بخطاها إليه تلهث بانفاسها

وبضجر من حالها ، أخذت تتمتم

– نسيت المية ،هجيبلك المية بسرعة

ورغم تعبه إلا انه ابتسم على ردة فعلها، عادت اليه لاهثه وهي تمد يدها بكأس الماء

طالعها “احمد” ، بنظرة لم تفهمها ..، ولكن سرعان ما كانت تُدرك خطأها ، فهو ينتظر منها أن تعطيه علبة الدواء يدها ، وبدعابة كانت من سماتها هتفت مازحها

– معلش أنا لما بتوتر ، بكون غبية

اتسعت أبتسامته وهو يسمع عبارتها ، ولكن سرعان ما تلاشت وهو يشكرها

– شكرا يا صفا

تجاهلت ملامحه الجامده ، وقد المها قلبها ..، إنه أسرع في إخفاء أبتسامته وكأنها لا تستحق إلا الجمود منه

– خليني أساعدك لحد أوضتك ، متخافش أنا صحتي كويسه،

كانت عفوية في حديثها ، لم تنتظر جوابه علي عرضها ، بل أسرعت في إسناده ، تلتقط يده بعفويه

– هات ايدك عشان اساعدك

ثم داعبته بحديثها مرة أخري :

– ما انا مش هقدر اشيلك

حاول أن لا يتأثر بحديثها ، ويضحك ..، ولكن لم يتحمل رؤيتها وهي تسير بصعوبة جوارها ، وكأنها بالفعل تسنده ، وهو كان يمنحها المهمه دون أن يُحمل عليها

– حابسه نفسك ليه علطول في اوضتك يا صفا ، أنا قولتلك أعتبري البيت بيتك وأننا رفقاء سكن

ابتعدت عنه وقد عاد حديثه هذا اليوم يخترق أذنيه ، من بنود وضعه في عقد ، فهي لم تقبل بالزواج منه إلا لتحقق حلمها فيه , وليس من اجل الحصول على مال منه

– لو أسلوبي كان غليظ معاكي يومها ، متزعليش ..، بس حاولي تتعوضي علي طباعي ياصفا

فتحت فاها كالبلهاء ، وهي تستمع لعباراته ، إنه تعلم طباع هذه العائله ..، ولكن أن يصرح بها بهذا الهدوء ..، كان الأمر صعب علي قلبها البائس

أتسعت أبتسامته ، وهو يري تنظر إليه بتلك النظرة ، وكأنها مصدومه من حديثه معها ، خلع سترته يُلقيها جانبا …، وجلس فوق الفراش يفك أزرار قميصه … وهي مازالت في وقفتها تُطالعه بحدقتي متسعتين ذهولاً ، ولكن فجأة انتفضت من مكانها ، تنتبه علي تحديقها به ، و وقوفه في غرفته وقد أخذ يزيل عنه قميصه ، وظهر جزعه العلوي

وبخطوات سريعه كانت تهرول نحو غرفتها ، تلتقط أنفاسها بصعوبه ، أغلقت باب غرفتها واسندت ظهرها عليه قليلاً ، مبتسمه بحماقة ، وسرعان ما كانت تفيق من شرودها تلطم جبهتها كالعادة ، تسأل حالها

– هو أنا ليه قلبي بيدق كده

والحقيقة هي تعلمها ، إنه تحب هذا الرجل ، ولكنه لا يُريد حبها ..، تلاشت سعادتها واتجهت نحو فراشها ..، تُلقي بجسدها عليه .. غارقه في أحلامها هاربة من أفكارها

*****

الفصل الواحد والعشرون

***********

أنتفض جسدها فزعاً ، وهي تراه يتقدم منها بملامح جامده بعدما صفع باب الغرفة خلفه بقوة ، أنتظرت سماع كلماته اللاذعة ككل ليلة ، ولكنه أخذ يقترب منها في صمت ، فجعلها تزدرد لعابها بذعر، تراجعت للخلف بخطوات مرتجفة حتي التصق جسدها بالجدار

– بتشتكيني لعمتي ياجنه، بتظهري ليها إنك ضحية

نفت برأسها خائفة من ثورته ، فلم تزده حركتها إلا تحجراً وهو يراها ليست إلا مراوغة ..،قبض فوق ذراعها بقوة ..، وأخذ يُحركها بين ذراعيه صارخاً

– بتقوليلها مافيش اي حاجه حصلت بينا واني مبدكيش حقوقك

وبصراخ أكبر ، أصم أذنيها هتف

– عايزه حقوقك يا هانم

أنصدمت من سماع عبارته ، فما الذي يتحدث عنه ، أنسابت دموعها فوق خديها وهي تري عيناه تزداد قتامة

– انا مقولتش حاجة ، أزاي تفكر إن ممكن أقول كده

تفرسها بنظرات جامده ، وببطئ كان يميل فوق أذنيها يهمس برغبة قد أوقدتها داخله

– لو عايزه قولي

ارتجف جسدها من عبارته الوقحة ، وهي تري نظراته تفحصها وكأنه يُعريها من ثيابها ، عاد يدنو منها ، يهمس في اذنيها بكلمات جمدتها في وقفتها وسرعان ما كانت تدفعه عنها بقوة

– انت حيوان ،حيوان

تجهمت ملامحه ، وارتفع كفه لأعلي .. فهبط كفه فوق خدها بصفعة قوية ، انفجرت علي أثرها دماء شفتيها ، رفعت وجهها نحوه وهي تتحامل على نفسها من قوة صفعته وجرح كبريائها

جنه : ومريض ومعقد وظالم ومعندكش رحمه ، انا بكرهك بكرهك .. روح طلع عقدك على اللي خانتك مش عليا انا

القت عباراتها بحرقة ،فتجمدت ملامحه وأخذت تتردد عبارتها الاخيره في أذنيه وقد اعادت له سنوات مضت ، أقترب منها يرمقها بغضب وقد تطاير الشر من عينيه..

وبقسوة كان يجذبها من حجابها ، فسقط عن رأسها ، وانسدل شعرها الغزير ..توقف لبرهة يُحدق بها ، ولكن سرعان ما كان يعود لقسوته ..يقبض فوق خصلاتها بقوة

– عرفتي منين ، انطقي

كلماتها اصابته في مقتل ، اصابة رجولته التي طلما سعي أن يُداريها خلف قناع قسوته ..، فتحت نيران لم تخمد وذكريات لم ينساها عقله يوماً ، قبض فوق عنقها وقد عاد يتسأل بأنفاس متقطعه ، من أين عرفت بخيانة زوجته

– أنطقي ، بدل ما ادفنك مكانك

هزت رأسها نافيه وهي تُشعر بالأختناق من قبضته ، فهي لا تعرف شئ عما تفوهت به ، إنها ارادت وجعه بأي طريقة .. حتي لو نطقت بجهالة عن شئ لا تعرفه ..

– معرفش حاجة ، أبعد عني

هتفت برجاء ، فلم تعد تتحمل قبضته وقد بدأت جفونها تثقل من شده الأعياء، ازدادت قبضته فوق خصلاتها ، فنسابت دموعها بغزارة وخرج صوت نحيبها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة

– أنت قاسي ، و وحش

وبضعف كان يخرج صوتها مهزوزاً قبل أن تسكن بين ذراعيه

– أنا دلوقتي عرفت حقيقه قسوتك

………………………….

كانت تجلس وسط اطفال الدار تلاعبهم بحنو وتبتسم بسعاده علي سعادتهم وركضهم حولها، ركض أحد الصغار نحوها ، فانحنت تضمه إليها ، تمسح فوق خصلاته والصغير يتمتم ببكاء

– أتعورت يا ابلة حياة

وضعته أرضاً ، وجثت فوق ركبتيها ..، تري جرحه الصغير , فأبتسمت وهي تدنو نحو جرحه وتلثمه له بقبلة حانيه

– وكده بتوجعك

أبتسم الصغير وهويومئ لها برأسه ..، فقد طاب جرحه وأنتهي ألمه من قبلتها ..، دار الصغير حول نفسه يُخبرها إنه أصبح بخير ..، فضحكت وهي تراه يركض ويقفز بين رفقاءه ، ولو كانت تمتلك يوماً أخر أجازة لها ..، لقضته بينهم

ورغماً عنها كانت دموعها تنساب ، وهي تتذكر ذكري بعيده

فلاش باك

– و أختك تخرج معانا ليه يا رجب ، مش كفاية صابره وساكته إنها قاعده معايا في البيت ، ومش عارفه أخد راحتي

– وطي صوتك يا سناء ، بدل ما أحلف إن مافيش خروج

– هي ديه خروجه ، ده أحنا بنروح نقعد في جنينة الحيوانات

هتفت عبارتها ممتعضه ، و أخذت تلوي شفتيها إستنكاراً

– أحمدي ربنا أني بخرجك أنتي والعيال ، وكفاية رغي كتير وألبسي يلا خلينا نلحق قبل الزحمه

– مش عايزه أروح خلاص يا أخويا ، ما هو أصل لا أنا لا أختك

وكالعادة كان ينتهي الشجار ، بترك زوجة شقيقها للمنزل

مسحت دموعها ، فقد أراحت زوجة شقيقها من خروجها هذا اليوم معهم ..، تأتي لهنا لتجلس مع الأطفال وتقضي يوم عطلتها بينهم

أنتبهت على صوت مديرة الدار وقد أقتربت منها السيدة “فاتن”

– ربنا يباركلك ياحياه يابنتي ، أنتي متعرفيش الأطفال بيستنوا وجودك أد يه كل أسبوع ..، اليوم بيكون كله فرح وسعاده ليهم

ابتسمت حياه ، واطرقت عيناها خجلاً من كلمات السيدة “فاتن”، والقت بنظرة سريعة نحو الأطفال وركضهم بحديقة الميتم بسعاده

– كان نفسي أقدم ليهم أكتر من كده

هتفت بها بقلة حيلة ، فلو كانت تملك المال لجلبت لهم كل ما أرادوا من ألعاب وثياب ، أنتبهت علي الدعوات التي تحملها السيدة فاتن ، وقد تذكرت للتو الحفله التي ستقام عن قريب في الدار

– هي ديه الدعوات اللي هنبعتها لرجال الاعمال

أماءت لها السيدة “فاتن” ، ومدّت لها يدها بالدعوات .. ، تستبشر الخير بذهابها هي وإعطاء الدعوة لأصحابها

– أنا عارفه إن طلبي صعب عليكي يا بنتي ، بس أنا مستبشرة خير ..، روحي وزعي أنتي الدعوات ديه يا حياة ، مافيش حاجة بتكوني فيها إلا وبيجي خير من بعدها

علقت الدموع بعينيها ، من كلمات السيده “فاتن” والتقطت منها الدعوات تبتسم لها

– أن شاء الله هيقبلوا الدعوات ، عشان يفوزوا بالجنه

وعادت عيناها تُحدق بالدعوات ، تدعو داخلها أن يقبلوا الدعوه ويأتوا للدار ، يُلبون دعوتهم
……………………………….

جلست تطالعه بإرتباك بعدما دعاها كي تحتسي معه مشروبه الساخن ، شعرت بالضجر من جلوسها في صمت ، وقد أنشغل هو قليلا بحاسوبه الشخصي ، واخذ يرتشف من فنجان مشروبه الدافئ

تعلقت عيناها به ، تتسأل داخلها ..، لما قد دعاها وهو مشغول..، تعالت صوت أنفاسها الحانقة ..، وقد أنتبه للتو إنه أندمج في عمله ونسي أمرها وهو الذي دعاها لتجلس برفقته بدلاً من مكوثها الدائم في غرفتها

– أعذريني يا صفا ، انشغلت عنك

حاولت تلاشي حنقها ، وابتسمت بعدما وضعت كأس المشروب الفارغ فوق الطاولة

– مافيش مشكله ، أنا هروح أوضتي مدام مشغول ..، تتعوض مرة تانية

القت عبارتها وهي تنهض ، ولكن يده كانت أسرع وهو يجذبها لتجلس ، معتذراً مرة أخري بلطف

– هخلي مدام صوفيا ، تعملنا حاجة تانية نشربها ..، ونقعد ندردش سوا

طالعته وهو ينهض ، بعدما منحها أبتسامة سلبت قلبها ، أغمضت عيناها وهي تضع كفها فوق ملمس يده فوق كفها الأخر الذي لمسه ، إنه لطيف جداً معها اليوم ..، وهي لن تتحمل كل هذا اللطف ..، فقد اصبحت تُقاوم حبها له

عاد بعد دقائق ، وما زالت أبتسامته مرتسمة فوق شفتيه ، جلس جوارها وقد التف بجسده نصف التفافه يسألها

– أحكيلي عن حياتك يا صفا

ضاقت عيناها ، وقد تفاجأت من سؤاله، طال صمتها فهي لا تعلم بما ستقوله له ، ولكن سرعان ما دمعت عيناها وقد عادت جراحها تندمل

– مافيش حاجه احكيها

اقترب منها “احمد” وقد تلاصقت ساقيهم وشعرت بانفاسه تلفح صفحات وجهها:

– ليه الدموع في عينك يا صفا

هتف بلطف ، كان صعب عليها أن تتحمله ..، أسرعت في مسح دموعها تتسأل هذه المره هي

– هو انت ليه بتصحي من نومك علي كوابيس

كان فضولها ، يأخذها لمعرفة السبب ، ولكنه راوغها في جوابه ، وبفتور كان ينهض من جوارها

– الماضي بيفضل مستوطن عقولنا يا صفا

لم يستوعب عقلها ما يتفوه به من كلمات مبهمه كحال صاحبها ، وبانفاس مثقلة بألام الماضي كان يردف

– الذكريات ببتحفر جوانا يا صفا

كانت خير من يعلم جوابه ، فقد أصبحت تعيش علي الذكريات

وبصعوبة كانت تتمالك دموعها ، تنظر نحو ساقه وهو يعرج عليها قليلاً ..، رغم إنها من قبل لم تراه هكذا

– هو ليه رجلك بتوجعك ، أنت كنت كويس من يومين

ابتسم وهو يلتف نحوها ،يحدقها بنظرات قوية ، ارتبكت علي ملاحظتها الدقيقة لكل شئ يُخصه ، فاقترب منها يمنحها الجواب تلك المرة دون مراوغة

– ديه اصابه حصلتلي زمان في رجلي ، وفي كل شهر من السنه لازم الألم يرجع ليا ..، مش عارف ليه الموضوع ده مستمر ..، بس ممكن تكون حالة نفسيه

تعلقت عيناها به وهي تسمعه ، تتسأل داخلها ..، ما الحادث الذي حدث له ..، ولكن “احمد” كان يمنحها ما يُريدها أن تعرفه

– بكره في حفله تبع الشركه ، ووجودك مهم معايا ، زي ما أتفقنا في بنود العقد ..، أي دعوة لازم تكوني معايا فيه

ليته لم ينطق عبارته الاخيرة ، وذكرها ببنود عقده ..، عاد الألم ينهش فؤادها ، وبصعوبة كانت تتمالك حالها ، تبتسم إليه ..، تمنحه ما ينتظره ..، فهو المالك وهي المملوك الذي عليه الطاعة

– حاضر

تعجب من نطقها بأقتضاب لكلمتها ، ولكن سرعان ما تلاشي تعجبه وهتفت بمرح أعجبه

– أخيراً هخرج واشوف الشوارع هنا

ورغما عنه كان يضحك ، وهو يراها تضم كفوفها نحو صدرها ممتنه لدعوته

– شكلك مرحه اووي ياصفا

ابتسمت بصعوبة ، فلم يكن مرحها إلا لتُداري خلفه حسرتها

اقترب منها ، فاسبلت أهدابها ..، لتشعر بملمس كفه فوق خدها

– أنتِ مُسلية ولطيفة يا صفا

……………………

لم تكن صفعته لها ليلة امس سوي إلا غباراً قد سقط فوق قلبها أدماه أكثر ، تحسست شفتيها المتورمة من صفعته ، ورغم محاولتها لتُداريها عن عيناهم المتربصة ، كان الفضول يدفعهم ليعرفوا لماذا هيئتها اليوم هكذا ، كانت تري في نظرات البعض الشماته ، والقلق والحزن في نظرات عمتها وعمها حسن

وبنبرة حانية ، أخذ يسألها عمها

– مال وشك يا جنه ، في حاجه حصلتلك يابنتي

وكادتها كانت ترسم أبتسامة هادئه فوق ملامحها ، تناوله كأس الماء وحبوب علاجه

– لا ياعمي مافيش حاجه ، انا بس وقعت امبارح

تناول منها عمها كأس الماء ، يرتشف منه ، وقد تلاقت عيناه بعينين شقيقته “منيرة” التي أتخذت دور الصمت وقلبها يحرقها علي حال أبنة شقيقها ..، تلوم حالها ..، لأنها السبب علي إتمام هذه الزيجة ، ولم تستمر منيرة في صمتها ، وبنظرة حانية أخذت ترمقها ، وتمدّ لها كفها ، لتقترب منها

– مكنتيش جيتي النهارده مدام تعبانه ، كنتي خليتك في بيتك يابنتي ، مش لازم كل يوم تيجي بيت العيلة

أندفعت “جنه” صوبها بعدما دعتها لحضنهم ، فقد أصبح حضن العم منيرة ملاذ غربتها وقسوة ما تعيشه

– انا جيت اودعك انتي وعمي قبل ما تسافروا العمره ، وكمان أستأذنكم اخد أروى معايا البيت عشان متحسش بغيابكم

أندهشت منيرة من عرضها ، كحال حسن ..، ف أروي كالأخرين تُعملها بكبر ، تُهينها بنظراتها وتجاهلها كالباقية

منيره : بس مرات فاخر هنا في البيت وغير الخدم ، انتي لسا عروسه يابنتي ، غير إن أروي طبعها صعب

سقطت كلمة عروسه على مسمعها كالجمر المُلتهب .. فتمتمت تُداري خيبتها

– عروسه مين بقي ياعمتي .. هو انا هدلع اكتر من كده ، وكمان جاسر علطول في الشركه أو في مصر أو مش فاضي ،وانا و أروي هنعرف نسلى بعض وفرصة نقرب من بعض اكتر

تفهمت “منيرة” طلبها ، فأماء لها “حسن” أن تنفذ الأمر ..، لعلا أبنته تتقرب تلك الفترة من أبنة عمها وتعرف معدنها الطيب كما عرفه هو ، اخذت موافقتهم ، واسرعت في خطاها تُغادر الغرفة تهتف بسعاده

– هروح اشوف فين اروي واقولها

شيعتها منيرة بنظرات حانية ، وعادت تُطالع شقيقها الراقد فوق فراشه بوهن ، تُخبره بندم

– تفتكر إني غلطت لما أصريت أجوزها لجاسر يا حسن ، أنا بقيت أحس بالذنب يا حسن

وهذه المرة كان يُطمئنها قبل أن يغمض عيناه ويغفو قليلاً

– بكره يعرف معدنها الطيب يا منيرة ، ويعشقها

…………………………

وقف يتأملها طويلا وهي تهبط درجات الدرج بخفه .. طالعها بتمعن يدرس كل تفاصيل جسدها في فستانها الذي قد اهداه لها صباحاً .. ، اتسعت أبتسامته اكثر ، وقد لمعت عينيه من شدة جمالها

رأت الأنبهار في عينيه ، فتوردت وجنتاها وهي تخفض رأسها أرضاً ..، أقترب منها يلتقط كفها مبتسماً بلطف

– مكنتش أعرف إن ذوقي حلو كده يا صفا

توترت من سماع عبارته ، وقربه المهلك لمشاعرها ..، وما فجأها حقاُ إنه لثم كفها بشفتيه

ابتعدت عنه ، وكأن شئ قد لدغها ، فطالعها بنظرات متسائله عما حدث ..، ولكن اسرعتفي وضع يدها فوق كفها تسأله بتوتر

– طب لفة الحجاب كده كويسه ، ومناسبه للحفله ولا اروح اجرب لفه حجاب تانية

تعالت ضحكات “احمد” وهو يراها لا تلتقط أنفاسها وهي تُحادثه من شدة ربكتها أمامه ، وسرعان ما كان ينتبه علي إمتعاض ملامحها ، وزمها لشفتيها كالأطفال

التقط أنفاسه بعدما توقف أخيراً عن الضحك ، وأشاح عيناه عنها غير مصدقاً إنه بات يضحك هكذا

– كلك على بعض حلو ياصفا ، ويلا عشان هنتأخر

تلاشت حنقها ، واتبعته وهي تحمل طرفي فستانها ، ولكن وقفت تشهق بفزع بعدما التوي كاحلها أسفلها ، حاوط خصرها بقلق وضمها لصدره ، فاغمضت عيناها وهي تتنفس رائحته التي سلبت أنفاسها لقربها منه

– شكلنا كده مش هنروح الحفله ، وهنروح علي المستشفي يا صفا

ابعتدت عنه بعدما تداركت أمرها ، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ، اعتدلت في وقفتها ، تُهندم من نفسها ، فابتسم بخفه وتقدم أمامها نحو الخارج

– يلا عشان أتأخرنا علي الحفله

اتبعته بحزن ، فقد تمنت ان يحدث مشهد اخر ، تمنت لو امسك يدها ، وتبطأت ذراعه , تسير جواره وكأنهم أزوج حقاً ، وليست مجرد زوجة بعقد مشروط

………………………..

ظلت تعبث بحقيبتها إلى ان تهللت اساريرها اخيرا وقد وجدت ضالتها ، تنفست براحه بعدما كانت تظن بأنها قد فقدته ..، فأخذت تحرك المفتاح في باب الشقة ،

ودلفت للداخل، وسارت بخطوات متعبه فأنتبهت على صوت زوجة أخيها في المطبخ وهي تحادث أبنتها

سناء : محدش يقول قدام اللي ما تتسمي اننا طبخنا النهارده ، وبالذات ادم نبهي عليه .. الواد ده انا مش عارفه مين هي امه انا ولا هي

فتهتف ابنتها ، تشعر بالشفقة نحو عمتها ، فوالدتهم تعملها بقسوة رغم تحذير والدهم الدائم وشجارهم الذي لا ينقطع بسبب قسوة معاملتها لها

– ياماما ديه عمتو طيبه اووي، شوفتي أشترت لأدم اللعبة اللي كان نفسه فيها ، وبتحاول تجبلنا كل حاجة عايزينها

وبحزن كانت تردف الصغيره ، تسأل والدتها

– انتي ليه مبترضيش تأكليها من الاكل الحلو اللي , بابا ساعات بيجيبه .. وبتأكليها بتنجان وفول كل يوم وتقوليلها ان ده أكل النهارده مع اننا ساعات بناكل حاجات تانيه حلوه

تجهمت ملامح سناء ، واقتربت منها متوعده ، وقبل أن تقبض فوق ذراعها وتدفعها من أمامها ..، لوقوفها أمامها بهذه الطريقة من اجل عمتها ، ولكن وقفت مكانها تُحدق بحياة التي دلفت للمطبخ وتنظر إليها مبتسمه تخفي خلفها قهرها

– ممكن يا ام رانيا تجهزيلي اكل كل يوم .. ده لو مش هتعبك يعني وياسلام لو جبتيلي الفول بتاع امبارح كان طعمه حلو اوي

وسارت من امامها تحبس دموعها ، فحدقت سناء بأبنتها صارخه بعدما أفتضحت أمر الطعام الذي يتناولوا دونها

– أمشي غوري من وشي

……………………….

كانت المره الأول التي تجمعهم مائدة طعام واحده ، تخلو من باقية أفراد العائله ، بل وتكون في منزلها عزيزة النفس ، تنفست براحه وهي تمضغ طعامها ، فأخيراً ستأكل وتمتلئ معدتها دون الشعور بأن أحداً يرمقها بنظرات ساخره

استمع لتنهيداتها ، فرفع عيناه صوبها يتأملها وهي تمضغ طعامها ببطئ وقد أرتسمت الراحه فوق ملامحها ، طالت نظراته نحوها ، ولكن سرعان ما أشاح عيناه عنها ، وهو يستمع لصوت شقيقتها ، وقد فهم مقصدها من سؤالها

– هو انتوا ليه مروحتوش تقضوا شهر عسل ياجاسر ؟ ، اشمعنا مرام اخدتها شهر لفيتوا فيه اوروبا..

امتقعت ملامحه ، وقد أحتلت الظلمه عيناه ، بعدما أستمع لعبارتها الأخري ، صفع طاولة الطعام بقوة وهو يصرخ بها ، بعدما أشعلت النيران داخل قلبه ..، فلما عادوا يذكرونه بتلك الخائنه

– لو خلصتي أكلك ، تقدري تقومي

ألجمها حديثه ، فنهضت علي الفور تخفي دموعها عنه ، بعدما أحرجها بهذه الطريقة أمام زوجته ، أسرعت “جنه” في التقاط ذراعها تنظر إليها برجاء

– كملي اكلك يا اروي انتي مأكلتيش حاجه

ولكن أروي كان غضبها الأكبر منها ، دفعت ذراعها عنه ، ترمقها بحنق

– شبعت خلاص ، هخرج الجنينه اشم هوا وبكره الصبح هروح

القت عبارتها وانصرفت بخطوات سريعه نحو الخارج ، فتعلقت عيناها به ..، فوجدته ينهض عن مقعده ، وعلامات الوجوم تظهر فوق صفحات وجهه ، امتعضت من أنسحابه بهذه السهوله دون أن يعبأ بمغادرة شقيقته وصراخه عليها

– ابقي صالحها لو سامحت ، مكنش ليه لزوم تزعق فيها هي مكنش قصدها ، ديه دردشه عاديه

سكن في وقفته ، وهو يسمعها ..، والتف نحوها ببطئ يرمقها بنظرات قاتمة ، وسرعان ما كانت تحتله الصدمه ، وهو يجدها تطالعه بكبرياء ، وقوه لأول مره يراها في عينيها منذ ان تزوجها .. ثم انصرفت ..تغادر المكان هي الأخري دون أن ترتجف من نظراته كما أعتاد.

…………………………..

وقفت “جنه” تتأملها من بعيد وهي تتمني قربها كصديقه واخت كما كانت هي وأبنه خالها ولكن اين هي الان فقد رحلت بعيدا ولم تهاتفها منذ ان سافرت ..، تنهدت بحزن أتخذت قرارها في الاقتراب منها .. وسارت نحوها :

– الوقت اتأخر يا أروي مش هتنمي

فالتفت اروي نحوها ، ولكن سرعان ما اشاحت وجهها بعيدا عنها ، وصمتت

فأبتسمت جنه وجلست جانبها :

– طب ممكن اقعد جنبك ونتكلم شويه

لتنهض أروى تهتف بتأفف: لاء انا هسيبلك المكان كله تقعدي براحتك فيه

ولكن سرعان ماأمسكت جنه ذراعها راجيه :

– اروي احنا في سن بعض ليه منقربش من بعض

فترمقها اروي بأستخفاف ، تهتف بكبر

– انا مبقربش غير من الناس اللي نفس مستوايا

تقبلت “جنه” حديثها ، و تجاهلته

– طب انزلي بمستواكي معلش واقعدي معايا ، انا نفسي اتكلم مع حد اووي واضحك وهزر معاه ،وياستي مش هقلل من مستواكي ومش هتخطي حدودي معاكي

فرفعت أروي أحد حاجبيها مدهوشة من تقبلها لأهانتها ، و بغرورها هتفت :

– اتكلمي

جنه : انتي في كلية صيدله صح ، انا لسا متخرجه جديد منها

أرادت أن تخلق معها أي حديث ، فلم تجد إلا الحديث عن دراستهما

فطالعتها أروي بذهول ، ف لأول مرة تعرف أن أبنة عمها خريجة جامعه

– أنتِ كنتي في صيدله

فابتسمت “جنه” وهي تومئ برأسها ، فقد رسموا نحوها صورة الفتاة الجاهلة الفقيرة:

– بس تصدقي ايام الكليه وحشتني مع انها كانت ايام رخمه برضوه بس صحابي وحشوني

فبدأت اروي في الحديث معاها عن مغامراتها هي الأخري بعدما شعرت بلطافتها

– ده انتي مصيبه يا أروي ..، عملتي في الدكتور كده

– انا مالي هو قال عايز يشوف نتيجة التجربه وحظه إنها فرقعت في وشه ، ولولا ان في معرفة بينه وبين جاسر كان زماني مفصوله

فتعلقت عينين جنه بها، وهتفت بأمل أن تكون تقبلتها :

– هو احنا ليه منبقاش صحاب واخوات

اروي بتردد : لاء انتي هتاخدي جاسر في يوم مني وهيبقي ليكي انتي لوحدك .. زي ما مرام اخدته زمان ليها

شعرت بالصدمه من حديثها ، ولكنها أسرعت في أحتوائها بحب وصدق

– عمري ما هعمل كده ..

وداعبتها ضاحكه

– ياختي خدي اخوكي كله ، ده عليه شخطه تخض

وتابعت بحديثها تهتف بمزاح

– قربي كده هقولك حاجه ..

فاقتربت منها اروي ، تنظر إليها بترقب

– بخاف منه عامل زي الغوريلا ، اوعي تقوليله

انفرجت شفتي أروي في ضحكة قويه .. تُشاركها “جنه” في الضحك، وسرعان ما كانت تضع أروي بيدها فوق فمها تكتم ضحكتها ..، خوفاً من شقيقها ، ولكنه بالفعل كان قد خرج يصرخ بهم

– جنه

ورغم إنها لم تكن وحدها من ضحكت ، إلا إنه أصبح كالعاده لا يخرج حنقه إلا بها

……………………….

أخذ يقلب في الملفات الموضوعه امامه بضيق ، فصرخ حانقاً بتلك التي تقف أمامه ، وتنظر إليه بقلق :

– فين ورق الصفقه الجديده ياهاله

لتبتلع ريقها بصعوبه خوفا من بطشه

– صدقني ياعامر بيه انا ادتهولك امبارح

فجلس عامر على مقعده بضيق ، وقد بدء يتذكر إنها بالفعل قد اعطته له أمس ،

فرك عنقه بضيق من حاله ، فالورق بمنزله وقد اخذه معه حتي يُراجعه بتركيز .. وبتنهد وهو يزيل عنه رابطة عنقه

– خلي عم نصر السواق يروح يجبهولي من القصر

فهرولت سريعا من امامه وهي حامدة الله بأنه قد تذكر أين قد وضعه …

ورغما عنه كان حديث أكرم يقتحم عقله

” أنت اللي بتخسر يا عامر ، محدش غيرك عمره بيضيع غيرك أنت ”

حاول طرد عبارة صديقه عن عقله ، وقد لفت نظره احد الاظرف الموضوعه فوق سطح مكتبه ، التقطها فضولاً حتي يراها ، وقعت عيناه علي اسم الجمعيه ، فعاد يُلقيها مجدداً أمامه ، يُذكر حاله إنه سيبعث إليهم مبلغ من المال ، لكن ليس لديه وقت ليُلبي الدعوه

ولكن تلك المرة قد علقت عيناه بالعبارة المكتوبه

(دي دعوه من ربنا ليك ، حاول تفوز بيها )

*****

الفصل الثاني والعشرون

*******

ابتسمت بسعاده وهي تُطالع تفاصيل الحفل من حولها، ورغم انها قضت معظم وقتها تغمض عينيها خجلاً مما تراه من تحرر في المظاهر والتعامل..، فالخمر تُقدم للمدعوين ..،و جميع نساء لا يشبهونها ، علقت عيناها بالبعض وما زادها صدمه أن هناك عرب يحتسون الخمر بل ويتباسطون في تعاملاتهم كالغرب…، كانت شاردة في التفاصيل لعلها تُسلي حالها ، فقد تركها بعدما عرفها علي البعض ..

ففاقت من شرودها بعدما ضجرت من حملقتها في المدعوين ..، فقد فحصت وحللت كل شئ حولها ، خرجت أنفاسها بسأم وأخذت تبحث عنه بعينيها ، متجها بنظراتها نحو المكان الذي أتجه إليه

تقدمت منها احدي النادلات وهي تحملبمشروباتهم الكحوليه المُثلجه ،حدقت “صفا”بالمشروب حانقة ..، تتسأل داخلها .. هل هي عمياء أم ماذا .. فمظهرها وحجابها واضحين فلا تحتاج أن تخبرها بشئ ..

وقفت النادلة تُخبرها إنه ليس كحولاً ..، وانه مشروب من نوع خاص ولكن “صفا” لم تفهمها بسبب ركاكتها في اللغة الأنجليزيه ..، ابتعدت عنها النادله بعدما ضجرت من توضيح الأمر لها ..، فاتسعت عينين صفا وهي تراها تبتعد دون أن تتركها تُكمل حديثها الغير مرتب ..، اقترب منها “احمد” وقد لاحظ الأمر وعندما رأي علامات الأستياء فوق ملامحها ..فهم ما حدث

صفا : أنا عايزه أمشي من الحفله

وقبل أن يهتف بشئ ويسألها عن سبب ضيقها من الحفل ، رغم إنها كانت منذ دقائق تُطالع الحفل باستمتاع ..، كما كان يري من بعيد كلما وقع بنظراته نحوها

– احمد

هتفت بها أحدي النساء ..، واقتربت منه تُعانقه ..، وما أدهشها إنه سمح لها باحتضانه

تجهمت ملامح “صفا” وهي تراها ملتصقة به ، و ما زادها حنقاً إنها تُحادثها بالأنجليزيه رغم انها عربية كما يبدو لها من ملامحها ونطقها لأسمه

خرجت زفراتها بصوت مسموع ، فانتبه عليها وقد أشاحت عيناها عنهم

– بوس وأحضان ، و أنا واقفة .. ده أنا حتي زي مراتك

استمع لهمسها ، فابتسم رغماً عنه ..وكاد أن ينفجر ضاحكاً بسبب عبارتها الأخيرة ولكنه تمالك نفسه وأنهي حواره مع الواقفة معتذراً منها بعدما أخبرها برغبة زوجته بالرحيل

شيعتها المرأة بنظرات مستاءة ، ورحلت تحت نظرات “صفا” المتعجبه من نظرتها إليها

– هي بتبصلي كده ليه؟

وبابتسامه جاهد علي إخفاءها ، تمتم وهو يُشيح عيناه عنها

– أصلها عرفت إنك مراتي

– هي مراتك كلمة عيب ، ولا شكلي ضيعت فرصتها

أنفرجت شفتيه في ضحكه عاليه ، وسرعان ما تمالك حاله وهو يلتقط ذراعها

– أنا بقول كفاية عليكي كده ، ويلا يا مجنونه

التمعت عيناها وهي تراه يسحبها خلفه ، حتي توفف بها أمام السيارة ..التقت عيناهم ..، وقد احاط خصرها بذراعيه .. ارتفعت أنفاسها وهي تري نظراته إليها ..، ولكن سرعان ما كان يفيق من شروده وهو يُذكر حاله ..أن التي أمامه ليست “مها” إنها أخري تشبهها في شخصيتها.

………………………

كانت السعادة تملئ قلبها ، وهي تتأمل ثيابها البسيطه وتختار من بينهم ما يناسبها من اجل حفل الدار التي ستقام غداً ، وبابتسامه واسعه كانت تتجه نحو المرآة الصغيرة في الغرفة ..، تنظر نحو الثوب الذي سعت جاهدة في تنسيقه علي أمل أن يكون جميلاً عليها ويظهرها بشكل أصغر ، فقد أصبحت تشعر بالحزن كلما نداها أحداً بالسيدة ولم يسبق لها الزواج ،

حدقت بالثوب بأعين لامعة ، فالثوب جميل ومبهج ويُنير ملامحها

تأملتها “سناء” بعدما دلفت للغرفة بملامح حانقه ، وعندما علقت عيناها بهيئتها لم يزيدها الأمر إلا حقداً

– يعني طردتي ولادي من الاوضه عشان حضرتك تعمليلي حفله عرض ازياء بالهلاهيل بتاعتك ديه ياست حياه

التفت نحوها وقد تلاشت سعادتها ، ولكنها كانت تعلم إذا تحدثت بشئ ..، فلن تنتهي الحكاية إلا بشجاراً

– معلش يا سناء استحمليني ، الحفله بكره وعايزه يكون شكلي حلو

التمعت عينين “سناء” بخبث ، فها هي الفرصه قد أتتها حتي تُلقي عليها عباراتها وتشعرها بنقصها ، رمقت ما ترتديه بنظرات متهمكه رغم جمال الثوب وبساطته

– مهما حاولتي تلبسي مش هتكوني زي بنات اليومين ، أنتِ خلاص يا حياة القطر فاتك ومحدش هيبصلك

وبحقد كات يتقطر من كلماتها ، كانت تردف

– ده أنتِ ، لا مال ولاجمال

ومدّت يدها تلتقط بضعة أثواب ملقاه فوق الفراش

– أنتِ فاكرة شوية الهلاهيل ديه تعجب حد

واستطردت متهكمه وقد شعت عيناها سعاده ، وهي تراها تُقاوم ذرف دموعها

– هدوم موضتها انتهت من التمانينات ..، لولا بس ان اخويا عينيه حلوه مكنش بصلك وطلب ايدك وقال ايه بتدلعي وتقولي لاء

انسابت دموعها فوق خديها ، بعدما فقدرة قدرتها علي مقاومتها ..، لقد هزمتها “سناء” كعادتها ، وجعلتها تفقد كل ذرة أمل داخلها .. بأن تجد من يُحبها ويرضي مهما

– أخوكي يستاهل واحده أحسن مني يا سناء ، مش واحده فاتها قطر الجواز

رمقتها “سناء” بزهو وسعاده ملئت قلبها الحاقد ، وهي تراها تُغادر الغرفه بعدما مسحت دموعها

– لازم افضل احسسك علطول ان مافيش حد هيبصلك ، ما انتي ميبقاش فيكي كل الصفات الحلوه وانا لاء ياست حياه

…………………………

نظر إلى ساعته بإرهاق ، بعدما اغلق اخر ملف كان يطالعه .. ليتذكر تلك الدعوة , التي كان قد قرر إرسال المال إليهم عن طريق أحد موظفينه ..، ولكن لا يعلم كيف غير قراره فجأة وقرر الذهاب بنفسه ..

دلك عنقه لعله يسترخي للحظات قبل نهوضه والأستعداد للذهاب ، فبضعة دقائق لن تضيع من وقته شئ

نهض عن مقعده ، واتجه لغرفته ..، يستبدل ملابسه بأخري أكثر أناقة ورسميه ، نثر الكثير من عطره ، والتقط ساعته الباهظه ، وخاتمه ذو الحجر العتيق وأرتداهما ، ثم هندم سترته وقد ألقي بنظرة أخيرة علي هيئته

هبط الدرج بخطوات متعجله ، ولكنه توقف في منتصفه ..، بعدما صدح رنين هاتفه ، طالع رقم صديقه متعجباً من إتصاله وقد كانوا معاً اليوم في الشركة

– من غير اعذار انا عزمك علي العشا النهارده

تعجب من أمر العزيمه التي يعرضها عليه صديقه ، وقبل أن يعترض كان أكرم يُصر عليه

– مافيش إعتراض يا عامر ، أنا وعدت المدام خلاص إني هخرجها ..، ولا أنت عايز صاحبك يطرد من البيت

أكمل خطواته وهو يضحك علي عبارات صديقه ، يرتب خصلاته بيده الأخري متمتماً

– و أنا ميرضنيش إنك تزعل المدام

– عقبال ما أقولك الكلمه ديه يا عامر

هتف بها “أكرم” ، فتصلبت ملامحه وهو يصعد سيارته ..، فلن يسمعها من أحداً , لأنه لن يعطي أي أمرأه مكانه بحياته ..، هو لو تزوج ، و وجد المرأة التي يبحث عنها ..، ضعيفة ، لا تتحدث ، ترضي بأي شئ يقدمه لها

– أنا مضطر أقفل يا أكرم ، عندي مشوار مهم لازم أروحه وابقي أبعتلي مكان المطعم

وبفضول كان يتسأل أكرم

– مشوار إيه المهم يا عامر ، اوعي تقولي إنك لقيت العروسه

تجهمت ملامح عامر من سخافة صديقه اليوم

– مش ملاحظ إنك بقيت سخيف يا أكرم

– خلاص يا باشا ، هقفل بكرامتي

هتف بها أكرم مازحاً ، قبل أن يغلق الخط ، ويتجه نحو دار الأيتام وقد عاد عقله يشرد في أمر العروس التي سينهي بها أمل “محسن الصواف ” في العودة لأبنته ، وسينجب الوريث الذي سيُخبر به الجميع إنه رجلاً بالفعل ، سيوجع تلك التي رأي الندم في عينيها بعد فعلتها الشنيعة به .

………………………..

وقفت حياه توزع بلالين على الاطفال ، وقد لمعت السعادة في عينيهم ، ربطت للبعض البلالين في أقدامهم كما طلبوا منها ، ركضوا سعداء بالحفل ..، فبعد الحفل سيكون لديهم الكثير من الألعاب والثياب والحلوي

أقتربت منها أحدي الصغيرات وقد كانت تحمل بيدها حذائها ، انحنت نحوها تضحك علي كرهها لأرتداء الاحذيه ، تداعب وجنتيها الشهية ، وتمازحها

– أنا مش عارفه ، إيه سبب عدم حبك للجذم يا ليلي

والصغيرة تُخبرها ، إنها لا تُحب الاحذيه وتجرح أقدامها ..، ركضت الصغيرة من أمامها بعدما نداها اصدقائها وأتجهت نحوهم لتأكل الحلوي

طالعتهم “حياه” بابتسامه واسعه .. تدعو الله أن يمنحهم حياة أجمل حينا يكبرون

تقدمت منها السيده “فاتن” تهتف برضي وهي تتأمل حديقة الملجأ

– الجنينه بقي شكلها جميل اووي ، ربنا يسعدك ياحياه يابنتي زي ما بتسعدي غيرك كده .. وتابعت حديثها تردف بطيبه

– بس مكنش ليه لزوم تاخدي اجازه من شغلك النهارده يا بنتي

– عارفه ياماما فاتن نفسي اقدر اساعد الدار بأكتر من كده ، كنت اتمني يبقي مرتبي كبير واقدر اسعد الأطفال

التمعت عينين “فاتن” بحب ، لطيبتها وحنانها وتقديمها لكل ما تستطيع إلي الأطفال

– كفايه علي الاطفال ابتسامتك وحنانك ، الفلوس عمرها ما بتعادل الحنان يابنتي
………………………….

ضحكاتهم أصبحت تتعالا وقربهم بدء يثمر بصداقه رائعه ، وما نفعها من هذا التقارب هو إنشغال تلك الافعي نيره في السفر للفرع الأكبر بالعاصمة

ركضت أروي ضاحكه بعدما سكبت بعض الدقيق على وجهها

– النهارده حرب الدقيق ، وبلاها الكيكه اللي كنا ناوين نعملها

فاتبعتها جنه بكوب من الدقيق ، راكضه خلفها نحو الحديقه الخلفيه في المنزل ، وأخذوا يتمازحون ، وسرعان ما كانت تتعلق عينين “جنه” بشئ ما خلف أروي ، فالتفت أروي بجسدها ، بعدما أخذها الفضول لتري ما تُحدق به ، صدحت صرخة أروي وهي تري الدقيق ينسكب فوق خصلاتها ، وجنه تركض من أمامها ضاحكه ..، تُخبرها إنها نالت حقها

تعالت صوت ضحكاتهم ، وهم ينفضون ملابسهم ..، عائدين للداخل ، ولكن تيبثت أقدامهم فجأة وكلتاهما تُطالع الأخري بعدما أستمعوا لصوته الجامد ، وقد ودع للتو أحد رجاله ، وكالعادة صرخ باسمها وحدها ، وتقدم منها بملامح يتطاير منها الشر

– جنه

وسرعان ما كانت تفر أروي من أمامه ، وقد تركتها تنال بطشه بمفردها ..، ازدردت لعابها وهي تراه يُحدق بها ويقبض فوق كفيه بوعيد

فتسارعت دقات قلبها خوفاً ، والتفت حولها تبحث عن أروي لعلها تأتي وتخلصها من شقيقها ، ولكن أروي كانت اجبن منها ، بل وأكثر معرفة منها بطباع شقيقها

– عملالي البيت مهزله ، ولا كأنكم في ملاهي ..

تتدافقت عليها كلماته اللاذعه التي أعتادتها منه ، ولم تعد تهتم بشئ يُخبرها به ..، التقط ذراعها وهو يري صمتها هاتفاً بقسوة

– أكلت القطه صوتك دلوقتي يا هانم واتخرستي

ضاقت عيناها ، وبحيلة ماكره لا تعلم كيف أتت على عقلها سلطت عينيها على شئ ما خلفه ،فليس أمامها شئ إلا الهرب من أمامه

جنه : غريبه يعني فاخر جاي لينا البيت

ترك ذراعها ، وقد التف خلفه ، ولكن سرعان ما كان يكتشف كذبتها وتلاعبها به ، ركضت من أمامه وقد تعالت ضحكتها تهتف بسعاده

– الهروب في الحالات ديه نص الجدعنه

تطاير الشر من عينيه وهي يسمعها

– هزارك ماسخ ، ومش مقبول ….

عادت ضحكاتها تتعالا ، غير عابئة بحديثه ، مما زاده حنقاً وتوعداً ..، فقد بدأت هذه الفتاه تخرق قوانينه ، تثير غضبه بل أصبحت لا تهابه ..، وشيئاً فشئ ستقف أمامه تُناطحه

رمقها وهي تصعد الدرج بخطوات راكضه ، ولولا عدم رغبته في رؤية شقيقته معاملته لها لكن صعد خلفها وعاد إليها تورم وجهها ..، وعلي ما يبدو إليه إنها قد أشتاقت للأمر.

……………………

اتسعت ابتسامة السيدة “فاتن” ، وهي تحملق بالمبلغ الضخم الذي تبرع به الواقف أمامها ، التمعت السعاده في عينيها ، غير مصدقة قيمة المبلغ الذي سيساعدها في تصليحات الدار وجلب كل ما ينقص الأطفال من إحتياجات

– ربنا يباركلك ياعامر بيه ، وشكرا انك قبلت دعوة الدار النهارده

فحرك عامر رأسه بإيماءة بسيطة وهو يري السعاده في عينين المرأه السمحه

– اوعدك ان زيارتي مش هتكون الأخيرة

– ماما فاتن انا هبدء بفقرة الأراجوز دلوقتي

تصلبت حواسه وهو يستمع للصوت الذي أصبح يعرفه تماماً ، التف ببطئ نحو صاحبة الصوت ، تتعالا الدهشة فوق ملامحه

تعلقت عينين “حياه” به وقد أصابها الذهول ، تتسأل داخلها لما أتي هذا الرجل لهنا ، لكن سرعان ما كانت تنتبه علي حمقتها ..، فالرجل ميسور الحال وبالتأكيد من المدعوين للحفل لتبرع بالمال ، تلاشت صدمتها عندما وجدت يشيح عيناه عنها

فاشارت نحوها فاتن تدعوها للأقتراب

-أعرفك بحياة يا عامر بيه ، من الزوار الدائمين علي الدار ..، والأطفال بيحبوها أوي ..، ده غير الخدمات الكتيره اللي بتقدمها للدار

تعالت الدهشة فوق ملامح “عامر” ، وقد عادت عيناه تتعلق بها ، احتلي التوتر ملامحها ، فمدّ يده يُصافحها وكأنه لأول مره يراها ، فطالعت يده الممدودة ..، وأبتسمت بحبور وهي تُخرج من جيب تنورتها إحدي الحلوي

– أتفضل

فما كان منه غير انه ابتسم ، من مغزي تلك الهديه ، فقد رفضت مصافحته ولكنه تقبل الأمر برحابة صدر متفهماً سبب رفضها

– شكراً يا أنسه الحياة

هذه المرة أصبح يعلم إنها ليست متزوجه ، من خلو يدها من محبس الزواج

طالعتها فاتن بابتسامة محبة

– روحي ابدأي فقرة المهرج ياحياه ، عشان استاذ عامر يحضرها لانه شكله مستعجل

فانصرفت حياه علي الفور من امامهم ، وقد خفق قلبها من رؤية هذا الرجل مجدداً ، قاومت خفقان قلبها وعادت السعادة ترتسم فوق ملامحها وهي تري الصغار يركضون نحوها بالهدايا التي حصلوا عليها

وقف يُحدق بها ، ولم يعد منتبهاً علي حديث السيدة فاتن ، وقد أخذت تخبره عن الدار والمشرفات وما يسعون له من أجل توفير حياة كريمة للاطفال ، علقت عيناه بها مرة أخري وهي تبتسم ..، ولا يعلم لما أقتحمت صورة المرأة التي يرغب بها عقله.

……………………….

حاولت جاهدة بكتم صوت أنفاسها حتي يظنها غافيه ، و يبتعد عنها ..، شعرت بأنفاسه الساخنه فوق صفحات وجهها ، فارتفعت وتيرة أنفاسها رغماً عنها ، ابتسم بخبث وهو يكتشف تظاهرها بالنوم :

– انا عارف انك صاحيه ياجنه ، متحاوليش تهربي مني بالنوم .. بدل ما اعمل حاجه اخليكي تندمي عليها

احتلي الخوف قلبها ، ولكنها حاولت التماسك وتظاهرها بالنوم ، حتي يضجر منها ويتركها

اقترب منها “جاسر” اكثر، وعلامات المكر مرتسمه فوق شفتيه ، انتفضت فزعاً وهي تنهض من فوق الاريكة ..، تشهق بصدمه وهي تضع بيدها فوق شفتيها ، فقد حاول تقبيلها:

– انت قليل الادب

صدحت ضحكاته الساخرة ، وهو يراها بتلك الهيئة ، وقد عاد الذعر يحتل عينيها

طالعها بخبث… ينتظر رؤية صدمتها الأخري ، وقد كان متوقع ما سيحدث ، وها هو يري ردة فعلها التي زادته عبثاً ..،اطبقت فوق جفنيها بقوة ..، لا تُصدق إنه يقف أمامها عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطالا قطنياً ..

– أستر نفسك

عادت ضحكته تتعالا ، لا يستوعب ما تفوهت به ، ولكن سرعان ما عاد لتلاعبه بها

– عشان متحاوليش تلعبي معايا تاني سامعه ..واتجه نحو المنضدة التي تجاور فراشه ، والتقط علبة سجائره ، دس السيجارة بين شفتيه وعاد يرمقها بتمهل ونظرات جامده :

– أنتِ في بلد في الصعيد ، والناس هنا ليها قواعد غير مكانتي وسط الناس بحذرك من اي تصرف يهز صورتي ، لا إلا هوريكي الجزء الوحش من جاسر المنشاوي .. واللي حصل النهارده هعتبره غلطه

أراد أن يري الخوف في عينيها ، ولكنها وجدها تستلقي فوق الاريكه تعبث في هاتفها القديم بطريقه عشوائيه حتي تتجاهله ، أستشاط غضباً من فعلتها واقترب منها يلتقطها من ذراعها ، فانتفضت صارخة :

– طب برود ببرود بقي ياجنه ، قومي هاتي ميه سخنه واغسليلي رجلي .. ما انا النهارده حابب ألعب معاكي لعبة القط والفار

دفعها من أمامه ، وقد ظنها سترفض أمرها ، ولكنها تفاجأ بابتسامتها المصطنعه

– عنيا ليك يا سي جاسر

تطايرت حمم الغضب من عينيه ، وهو يسمع عبارتها قبل أن تفر من أمامه ، ضغط فوق شفتيه بقوه يحادث نفسه :

– ماشي يا جنه

وبعد وقت .. كنت تجلس تحت قدميه تُدلكهما له بتمهل :

– قولتلك اللعب مع جاسر مينفعش

فرفعت وجهها نحوه وبنبرة بارده , كما أصبحت تتعلمه منه :

– هو أنت فاكر أإن أنا بعمل كده عشان خايفه منك ، يبقي للاسف مفهمتنيش يا ابن حسن المنشاوي .. بس انا بطيعك عشان طاعة الزوج

واردفت بخبث ، تنتظر رؤية ردة فعله

– غير لما اطلب منك وانا تعبانه تغسلي رجلي تبقي تغسلها ليا

ألجمته عبارتها ليرفع حاجبه الأيسر يرمقها بمقت ، يهتف حانقاً:

– نعم ياختي

جنه : اه وفيها ايه ، هقدم السبت عشان الاقي باقي الاسبوع ..غير ان اللي أنا أعرفه ان سيادة النائب راجل خدوم واللي بيقدم ليه خدمه بيقدمله عيونه ولا ايه

فانتفض من مكانه يتوعد لها :

– نجوم السما أقربلك ، وشكلي اتهونت معاكي في حاجات كتير

فنهضت قبلته ترفع شفتيها إستنكاراً :

– هتضربني تاني ، بس افتكر ان كل صفعة بتفقد فيها رجولتك

ليصرخ بها بعدما لم يعد يستطيع تحمل ردودها :

– اطلعي بره الاوضه مش عايز اشوف وشك السعادي ،غوري نامي في اي مكان تاني

لتترك له الغرفة ، فأخذ يدور بها كالمجنون وقد فقد صوابه بسبب وقوفها أمامه غير عابئة منه

ارتسم الزهو فوق شفتيها وهي تهبط الدرج… فتلاقت عينيها بعينين أروي وعلي ما يبدو إنها أستمعت لشجارهم، طالعتها أروي بأسف :

– أنا أسفه ياجنه !

…………………..

اغمض عيناه بقوه وهو يطرد أحداث ذلك اليوم من عقله ، فقد اصبح يكره التفكير في اي يوم يمر عليه ولكن اليوم كان مختلفاً تماماً عن باقية الايام .. ، ليتذكر تفاصيل يومه في دار الايتام ويتذكرها هي خصيصاً وكيف شيعها بنظره طويلة قد ألقاها عليها قبل الرحيل ..، وكأنه عقله بدء يتخذ القرار نحوها ،

أتكأ بجسده على جانبه الايمن ، وقد عاد لشروده في تفاصيل ملامحها فلم تكن بارعة الجمال ، ولكنه لن يختارها لجمالها ..، فهو لا يُريد إلا زوجه يضعها في قصره كأثاثه الثمين ، لا تسمع ولا تري ولا تتكلم ..، تعرف تماماً إنه تفضل عليها بالزواج منها ، وانها لا قيمه لها بحياته ..، إنما هي زوجة تمتعه متي يشاء ، لا يسمع منها غير كلمة نعم .

اقتحمت هذه المرة صورة أخري علقه ، تلك التي شاركتهم طاولة العشاء برفقة عائلة صديقه ، وقد دعتها زوجة صديقه ، لعلها تجذبه بملامحها الجميلة الفاتنه وجسدها المتناسق الذي يشبه عارضات الأزياء ، بجانب شهادتها الجامعيه , فهي طبيبة أسنان ، ذو أصل عريق ، مثقفة .. وقد ظن صديقه إنها نالت إعجابه لتحاوره معها في بعض الحديث ، ورغبته في زيارة عيادتها ، ولكنها كانت بعيدة عن الصورة التي يرغبها.

……………………

كان الملل يحتل كل جزء من عقلها فلا شئ يُسليها في هذا المنفي ، رغم انه منفي جميلا وبجانب من تمنته في أحلامها , إلا أن المكان كالجليد مثل صاحبه ..

زفرت أنفاسها بضجر، وهي تُفكر في شئ تفعله إلى ان وقفت امام خزانة ملابسها وقد ملئها لها بكل ما تحتاجه من ثياب عصرية.

التقطت تنوره قصيره ، لا تعرف لما جلبها لها , وهي محجبه وبالتأكيد لن ترتديها في المنزل ..، فهي ليست زوجه حقيقية تتزين لزوجها حتي تغريه بفتنتها وجمالها ، نفضت هذه الأفكار من رأسها متهكمة علي حالها ..، واسرعت في التقاط بلوزه رائعة التصميم تُناسقها في اللون

أرتدتهم بسعاده وخاصة بعدما تأملت هيئتها بالمرآة ورأت جمالها فيهما

اشعلت المسجل وقد أتتها رغبة بالرقص ، و أخذت تدور بالتنورة على غنوة صاخبة بلحنها وشعرها يتطاير نحوها بخفه ..

شردت في لحظات ليست بقديمة ، فتذكرت رقصتها التي أصرت عليها “ناهد” بأن ترقصها وسط صباح وسعاد رفيقاتها بالقصر ..، أقتحمت صورة ناهد عقلها بحنين وشوق عصف بفؤادها ، تتمني مهاتفتها , ولكن اين هاتفها فقد تحطم منها قبل ان تأتي لهنا ..

اطفأت المسجل ، وجلست على فراشها بأسي تلتقط أنفاسها .. وقد ضاع رغبتها في الرقص مع أحزانها

ومع مشاعرها الحزينه المشتاقه ، لم تسمع صوت الطرقات علي باب حجرتها ثم دلوفه الغرفة ، يضع هاتفه على أذنيه يهتف بمن يحادثه :

– ثواني ياماما هخليها تكلمك

رفع بهاتفه نحوها : صفا .. ماما عايزه تكلمك لانك وحشاها

وسرعان ما كانت أحزانها تتلاشي ، تلتقط منه الهاتف وتُحادث ناهد ، تحركت أمامه بخفة ودلال لما تقصده ..، فانتبه علي ما ترتديه أخيراص ، و لأول مرة يراها بهذا التحرر ، أخذت عيناه تتفرسها بتفحص

أنتهت المكالمه لتناوله الهاتف بسعاده :

– كان نفسي أكلمها اووي ، مكنتش عارفه ان ربنا هيحققلي امنيتي بالسرعه ديه

ولكن لا رد كانت تتلقاه منه ، فقد كانت عيناه عالقه بجسدها الذي يظهر إليه بسخاء وبدعوه صريحة .

يتبع…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *