الإثـ,ـم الخامس و العشرون ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري

وضعت الملف أمامه وهي تقول بغضـ,ـب
ـ ممكن افهم ايه المرتب دا كله؟ انا لا مهندسة ولا انا رئيسة قسم، ولا بعمل حاجه تستدعي المبلغ دا كله. إلا إذا حضرتك قررت تتصدق عليا!.

لم ينظر إلى الملف ولكن عينيه ضاقت و ملامحه اكفهرت مما جعل موجة الشجاعة التي جرفتها تتبدد و يبدأ الخوف بالزحف إلى أوصالها خاصةً حين نصب عوده الفارع و التف يقف أمامها واضعًا كفوفه بجيوب بنطاله وهو يناظرها بغموض قائلًا بصوته الأجش
ـ انا ايه اللي يمنعني أن انا ارفدك دلوقتي ؟

ارتجف بدنها من كلماته لتقول بارتباك
ـ ترفدني ! ليه ؟ هو انا عملت ايه؟

ضيق عينيه وهو يشملها بنظرات رجل لإمرأة أيقظت بداخله مشاعر جامجة ظن أنها دُفِنت بأعماق قلبه، و اتضح أنها كانت في سُبات لم يوقظها منه سواها
ـ تصرفاتك متهورة، لسانك طويل، و صوتك علي على رئيس مجلس إدارة الشركة.

أشجان بصدمة
ـ هو صوتي علي؟

اومأ برأسه وهو يقول بخشونة
ـ علي.

كانت على وشك البُكاء ليُتابع بنبرة يشوبها الوعيد
ـ تخيلي متين و خمسين موظف شغالين في الشركة دي مقدروش يعملوا اللي أنتِ عملتيه دلوقتي!

شعرت بألم حاد في معدتها من حديثه لتقول بنبرة أشبة بالبُكاء
ـ انا كدا مرفودة صح!

اين غضبه منها ؟ تلاشى مع رقتها و عفويتها و هذا الزمُرد التي يتراقص بإغواء في مقلتيها. عض على شفتيه وهو يقول بخشونة
ـ انتِ شايفة اي؟

أشجان بعدم فهم
ـ يعني ايه؟

خالد باستفهام
ـ يعني لو مكاني هتعملي ايه؟ بس بصراحة.

أشجان باندفاع
ـ هعمل نفسي من بنها و كأن محصلش حاجه اصلًا.

ابتسامة بسيطة فرضت نفسها على شفتيه جراء حديثها ليقول بصوتًا أجش
ـ ماشي، وانا هسمع نصيحتك، ويكون في علمك المرتب دا مش انا اللي بحطه، و على فكرة دا أقل مرتب في قسم السكرتارية.

أشجان بصدمة
ـ دا بجد!
خالد بتأكيد
ـ بجد. البنات اللي بره مرتبهم اكتر من كدا بكتير.

شعرت بمدى غبائها، فتمتمت بخفوت
ـ انا بعتذر يا فندم.

قاطعها بجمود

ـ متعتذريش. بس خليكي متأكدة أني لا يمكن اعمل شيء يمس كرامتك أو كبريائك.

جملته الأخيرة و نبرت صوته التي تبدلت لآخرى جعلت جسدها يرتجف حين أطلق عقلها زامور الخطر لتهتف بخفوت وهي تستدير
ـ طب عن اذنك.

استوقفها قائلًا بجفاء
ـ رجعتي البيت تاني!

ـ ايوا عن اذنك.
إصرارها على الهرب اغضبه فتابع باستفهام

ـ لسه زعلانه من ممتك؟

اندهشت من معرفته فقالت بلهفة
ـ مين قالك؟

تابع استجوابها قائلًا
ـ عشان كدا مرجعتيش بيت أهلك؟

شعرت بالحرج لمعرفته بما جدث، و أيضًا وخز الألم صدرها لتقول بنبرة مُشجبة
ـ لا. انا بس محبتش اضغط عليهم يعني كتر الف خيرهم. اتحملوا كتير

الألم بملامحها و نبرتها كان شيئًا قاسي على قلبه الذي استنكر ما يحدُص معها لذا تحدث بنبرة هادئة
ـ مفيش أهل بيتضرروا من ولادهم. لازم تعرفي كدا كويس، وحتى لو والدتك زعلتك أو رأيها ضايقك فهي متقصدش اللي وصلك.

نبشت كلماته جراحها، و أفصح قلبها عن شكواه حين قالت بنبرة مُشجبة
ـ لا تقصد. و ياريت متحاولش تجمل الحقيقة المُرة عشان مرارتها بتزيد مبتقلش. انا عارفة الناس عندنا بتفكر ازاي؟ احنا مش زيكوا.

خالد بفظاظة
ـ تبقي متعرفيش حاجه.

ـ ازاي؟

لأول مرة يتخلى عن جموده وفظاظته و يتحدث بسلاسة
ـ تعرفي ان انا امي الله يرحمها لما كانت اختي تتخانق مع جوزها و تيجي تشتكيلها. كانت تقولها أنتِ غلطانه و ترجعها بيت جوزها في وقتها، و على فكرة بيت جوزها دا بينا وبينهم خطوتين.

تفاجئت من حديثه الذي جعلها تتخطى ألمها لتقول باندهاش
ـ نعم.

ابتهج قلبه حين انمحى الألم من ملامحها الجميلة و تابع بهدوء
ـ والله. الناس بتوع زمان كان عندها اصل و طيبة، و بتعرف في الأصول. لكن دلوقتي طبعًا الوضع اختلف بس تفكيرهم هو هو مختلفش. مفكرين أن الناس لسه زي ماهي.

لاحت بوادر الاقتناع على ملامحها لتقول بخفوت
ـ ممكن يكون عندك حق.

خالد بخشونة
ـ اسمعي مني انا دايمًا عندي حق.

شعرت برجفة تسري في جسدها من كلماته لا تعلم سببها ولكن نظراته كانت كمُحفز قوس لضؤبات قلبها التي يشوبها الجنون بسببه لتقول بحرج
ـ عن اذنك.

أكثر ما يكرهه الآن أن تغادر لذا تحدث بنبرة أقوى
ـ و دايمًا موجود لو احتاجتيني.

ـ معتقدش اني هحتاجك.
لا تعلم لما قالت هذا الحديث ولكنها كانت تحتاج لسماع هذه الجملة أكثر منه ولكنه كعادته يُهيمن على الأمور و يتلاعب بثباتها بمنتهى البراعة
ـ متحكميش على بكرة.

هكذا تحدث خالد بجمود، فهتفت بانفعال
ـ مستر خالد انا مجبرة على الشغل هنا لأسباب متخصش اي حد غيري حتى لو كنت حضرتك عارفها، و انا مُقدره انك ساعدتني قبل كدا، و كفاية انك حطتني في مكان انا مستحقوش.

عاندها قائلًا بنبرة تحمل الكثير من المشاعر بداخلها
ـ أنتِ تستحقي اكتر من كدا، و مكان احسن بكتير من اللي أنتِ فيه.

سلكت درب العناد هي الأخرى لتهتف بنبرة مبحوحة من فرط الانفعال
ـ دا مش صحيح. انا انسانه بسيطة في كل حاجة. حتى تعليمي. في ناس في الشركة دي احسن مني و يستحقوا مكاني. بس انا هعتبر أن دي منحة من ربنا عشان يساعدني اقف على رجلي عشان ولادي..

قاطعها بجمود
ـ هي فعلا كدا. بس ممكن اعرف أنتِ شايفة نفسك بالطريقة دي؟

هتفت بحدة تريد ابعاد اغوائه عن قلبها العليل
ـ عشان أنا كدا فعلا. انا انسانه متملكش في الدنيا غير احترامي لنفسي ارجوك متخليش افقده.

خرج وحش الغيرة من مكمنه ليتهتف بنبرة افزعتها
ـ ولما هو اغلى حاجه عندك ليه لسه مع البني آدم دا؟
هتفت بحدة
ـ انا حرة.

ضاق ذرعًا من هذه الجملة ليهتف بحدة
ـ أنتِ غبية بتقاوحي وعايزة تعذبي نفسك وبس

كررت جملتها بنبرة أقوى وهي تحاول ردع مشاعرها حتى تنجو من براثن لضميرها الذي لا تقوى على مواجهته
ـ أنا حرة في نفسي، ودا ميخصش حضرتك.

صرخ بكل ما أوتي من عشق يجتاح صدره لأجلها
ـ لا يخصني، و غصب عني وعنك يخصني.

ألجمتها الصدمة حتى برقت عينيها من صراحته التي لم تكُن تحتاج إليها في هذا الوقت تحديدًا
ـ معتقدش انك غبية و مش حاسة.

غمرها بوابل مشاعره التي كان قلبها الخائن متأثرًا بها للغاية مما يجعلها فريسة لضميرها الذي لن يتوانى عن جلدها فهبطت عبراتها بغزارة وهي تقول بشفاة مُرتجفة
ـ اللي حضرتك بتقوله دا مينفعش، مينفعش أبدا ارجوك متخليش أخرج من الشركة دي و مدخلهاش تاني.

كان حديثها كإنذار طواريء بالنسبة إليه ليقول بجفاء
ـ طيب حاضر. هسكت و هبعد كمان. بس أنتِ كمان ارحميني و اخلصي من البني أدم دا و سلطته عليكي.

صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر
ـ مش هعمل كدا طول ما انت بتطلب مني دا. كلامك دا بيخليني مش قادرة اتخلص منه، و بيحطني فى صراع صعب مع ضميري.

خالد بانفعال
ـ ضمير ايه اللي تدخلي في صراع معاه عشان حيوان زي دا؟

كلماته تُضاعف عذابها و تجعلها تشتهي الموت على الشعور بهذا الثُقل داخلها لتهتف بانفعال
ـ مينفعش تغلط فيه قدامي واسكتلك، مينفعش اتطلق منه عشان انت عايز دا. مينفعش كل اللي بيحصل دا اصلا.

تعالت شهقاتها التي زعزعت قلبه من الداخل و خاصةً حين أضافت بقهر
ـ ارجوك سيبني اتصرف في حياتي لوحدي. سيبني اخد قراراتي من نفسي. انا مش حمل أشيل ذنب اللي بيحصل دا. انا أضعف بكتير منه.

شعر بالحنق عليهاو على ذلك الحيوان الذي يحول بينها و بينه و حتى على هذه الحياة التي دائمًا تجعل كل شيء صعب و مؤلم من نصيبه لذا تحدث بقسوة
ـ ماشي. اللي تحبيه. خليكي اتعذبي لحد ما تخسري اللي باقي من حياتك عشان تفكيرك المريض دا.

أخيرًا استطاعت الفكاك من بين قبضته لتهتف بخفوت وهي تندفع إلى الخارج
ـ عن اذنك.

توجهت رأسًا إلى المرحاض الذي كان في آخر الرواق تبكي كما لم تفعل من قبل لياتيها صوته الغاضب من الخارج وهو يوجه حديثه إلى سلمى
ـ الغي كل مواعيدي النهاردة.

في هذه اللحظة شعرت بحاجتها للإرتماء بين أحضان شخص يُمكنه أن يربُت على أوجاعها و يهدأ من نيران قلبها لذا هرولت إلى الخارج و منه إلى ذلك المقهى الذي زارته من قبل لتتقابل وجهًا لوجه مع سوزان التي هالها مظهرها لتقول بلهفة
ـ في ايه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *