القطة المدللة١
الفصل الثامن
ألم شديد ينخر فى رأسها , هذا كل ما تشعر به , لا تشعر بأى من أطرافها , تشعر كأنها لوحٌ من الثلج
تسمع صوت طرق نعل حذاء على الأرض بالقرب منها
لا تقوى على فتح أعينها لتتبين الأمر , حاولت مراراً لكن دون فائدة كل محاولاتها باءت بالفشل
إنحشر صوتها داخل حلقها , كانت تريد أن تصرخ , كانت تريد أن تخرج من تلك الدوامة من الصور المشوشة التى تجول بذهنها
سيارة أبيها , الطريق , فستانها اللأبيض الخلاب , أحمد
أحمد , لا تتذكر شيئاً سوى يده الممدودة تجاه وجهها بذلك المنديل , لتتحول ملامح وجهه إلى شخص أخر أكثر صرامة وهو يحاول كتم أنفاسها بهذا المنديل الذى يحمل رائحة غريبة , لم تكد تستوعب الأمر حتى شعرت بالأريكة وهى تستقبل رأسها
صاحت صيحة مكتومة وهى تحاول أن تعدل من وضع رأسها
كان يمشى ذهاباً وإياباً أمامها فى توتر لا يعلم ماذا أصابه ؟ أهو قَلِق بشأنها ؟ أم مما سوف يحدث بعد ؟
لاحظ حركتها , توجه إليها وهى ملقاه على ذلك الفراش الذى يتوسط تلك الغرفة الخاوية من أى أثاث سواه وبُساط مهلهل وُضع على أحد جوانبها على الأرض
أخذت عينه تتنقل على خلجات وجهها فى ترقب , فهو ينتظر إستيقاظها فى أى وقت
كان قلبه يدق بسرعة كبيرة وهو محدق بها , لدرجة أنه شعر أن صوت دقات قلبه من الممكن أن يوقظها
أخذ نفساً يهدأ به نفسه وزفره فى هدوء , أغمض عينيه للحظة ليريحهما من عناء تحديقه بها منذ أكثر من ساعة
ليسمع صوتها وهى تزوم بألم وهى مغمضة العينين , ليعود كل شئ على حاله مرة أخرى , أعين محدقة , وقلب يرجف
إستطاعت تلك المرة أن تفتح عينها ببطئ ولكن أغمضتهم سريعاً عندما سطع فيهما ضوء ذلك المصباح المتدلى من منتصف سقف الغرفة
حاولت فتحها مرة أخرى , تجولت بعينها فى الغرفة لتقع عينها عليه وهو يراقبها بعيناه كالصقر
نظرت إليه برعب وهى تحاول إبعاد نفسها عنه بوهن وهى تقول :
– احنا فين ؟
أخيرا خرج صوته :
– متخافيش انتى فى امان
حاولت أن تعتدل فى جلستها وساعدها هو على النهوض , أبعدت نفسها من يديه , وإستجاب هو لرغبتها , نظرت له وهى تقول بصوت مرتعب :
– احنا هنا بنعمل اية ؟ وليه جبتنى هنا ؟
كانت كلماتها تخرج مرتعشة , ولكنها كانت تحاول أن تحافظ على ثباتها الإنفعالى أمامه , لإنها لم تكن تعلم ما ينوى فعله ؟
قال بعد أن جلس أمامها على الفراش :
– انتى معايا , وهتفضلى معايا يا حبيبتى
إبتلعت غصتها وهى تقول بترقب :
– انت عايز منى اية ؟
وضع يده على شعرها يتحسسه , وهو يقول :
– انتى كل دة ولسة مش عارفة انى بحبك
أبعدت رأسها عنه بلطف , ثم قالت بهدوء إستغربته من نفسها :
– طيب ممكن نروح ؟
أماء برأسه نافياً , وهو يقول بأسى :
– مبقاش ينفع , احنا مش هينفع نمشى من هنا
قالت بدهشة :
– يعنى اية ؟ انا لازم امشى
قامت من فراشها مهرولة تجاة باب الغرفة , حاولت فتحه ولكنه كان موصد بالمفتاح الذى كان بحوذة من لم يتحرك له ساكناً , وكان يجلس ويتابعها فى صمت
إستدارت له وقد نفذت طاقتها فى إفتعال هذا الهدوء الوهمى , وبدأت بالصراخ فيه كى يخرجها
حاول أن يهدأها ولكن مجرد أن لمسها حتى هاجت وبدأت بضربه وهى تصرخ
كاد صراخها أن يصل إلى خارج الغرفة , صحيح أن الوقت متأخر , و أن الغرفة بمنأى عن مساكن الناس فهى تقع فى وسط أرض زراعية
ولكنه كان يخشى مرور أى أحد بالمنطقة ويسمعها
لم يستطع تهدأتها , كما أنها وترته كثيراً , لم يشعر بحاله إلا وهو يصفعها على وجهها الصفعة الثانية التى جعلتها تهدأ وتنظر له بدهشة ممزوجة بخوف , نزعت نفسها من بين يديه وأخذت تتحسس وجنتيها وهى فى قمة دهشتها
كان الندم بادى على محياه , نظر لها وهو يقول بأسى :
– انتى كويسة ؟
نظرت له وقد ترقرقت عبرة من عينها , قالت بضعف :
– خلينا نمشى
قال بلهفة , وشوق سنين أحبها فيهم بصمت :
– متخافيش منى , مكنش قصدى أأذيكى , انا أسف
بدأت تنكمش فى نفسها وقد جلست على الأرض , إثر صدمتها من صفعاته لها , ثم قالت :
– انت عايز تعمل اية بالظبط ؟ لية جايبنى هنا ؟
جلس بجانبها على الأرض وقال :
– انا بحبك , وعايز اتجوزك
قالت بصوت مهزوز تريد أن تهدأ معه جو الحديث الذى تعكر بعصبيتها , بعد أن إكتشفت ضعفها فى مواجهته
– طيب واللى عايز يتجوز واحدة بيحبها يعمل فيها كدة ؟
– متزعليش منى
– طيب خلينا نرجع , ووو … وتعالى إطلب ايدى من حسام
كانت تتحدث معه بأنفاس متقطع , من شدة خوفها منه
رد بهدوء :
– قلتلك مينفعش نرجع , احنا هنفضل هنا لغاية متقع الوصية
ثم نظر لها بتحدى و إستطرد قائلاً :
– أنا مستحيل أسمحلك تتجوزى حد غيرى , انتى ليا أنا , فاهمة ؟
عندما سمعت منه تلك الكلمات أيقنت أنها لن تنجو بسهولة من هذا المجنون الأخرق
تحسس وجنتها التى توردت باللون الأحمر إثر صفعته لها قائلاً بنبرة حانية :
– متحاوليش تفكرى كتير عشان متتعبيش نفسك , أنا مرتب كل حاجة
أبعدت وجهها عنه فى حذر , فإبتسم لسذاجتها , فكأنما لم تدرك بعد أنها بمفردها معه فى تلك الغرفة النائية بعيداً عن البشر , ولو أرادها لن تقدرعلى مقاومته , لكنه جعلها تشعر بإنتصارها المؤقت عليه , وإستسلم لرغبتها و إبتعد عنها وبدأ يعبث فى تلك الحقيبة التى وضعها بجانب الباب
كانت تراقبه فى حذر , وتدور برأسها الأفكار , تحاول أن تجد مخرج لما هى فيه , ولكن رأسها كان يؤلمها كثيراً , فإسندته إلى الحائط خلفها وهى مغمضة العينين بشدة فى محاولة منها للسيطرة على الألم
إنتبهت ليديه التى تمسك برأسها فى موضع الألم وهو يقول بحنان :
– الصداع هنا ؟
أشارت بعينها بإيجاب , فبدأ يدلك لها مكان الألم , كانت تشعر بأنفاسه قريبة منها , كانت تبغض قربه منها هكذا , حاولت أن تبعد عنه , لكنه منعها ولم يعطيها فرصة للإبتعاد , كما أنها إستسلمت لذلك الخِدر المنبعث من يديه يسكن ما بها من ألم , أغمضت عينيها وهى تشعر براحة نسبية
كان ينظر إليها بحب , كان يتمنى أن تنجح خطته ويفوز بمحبوبته التى لم يعشق مثلها , إبتسم وهو يرسم أحلاماً وردية تجمعهما معاً , تاه فى ملامحها الخلابة التى تأسره , إقترب بوجه من وجهها الملائكى , كاد أن يقبلها لولا أنها شعرت به , فإنتفضت من مكانها
وقفت ترتجف فى خوف وهى تنظر له وتحاول أن تكتم دقات قلبها التى تفضحها
كان لا يزال على إبتسامته وهو يقول :
– طيب يلا f بعض المعلبات على الأرض وهى تفكر سيذهب غداً لشراء الطعام تلك هى فرصتك يا بوسى
******************
أشار لها بيده وعلى وجهه أمارات الغضب , إبتلعت غصتها و إبتسمت لتلك الفتاة التى كانت تحدثها وإستأذنت بلباقة
ذهبت إليه وهى لا تدرى بماذا تجيبه ؟
أمسكها من ذراعها بقسوة , وقادها أمامه إلى الداخل , وما إن إبتعد عن عيون الناس , حتى كشر لها عن أنيابه وهو يقول فى غضب :
– بتلعبى معايا تانى يا شيرى ؟
قالت بصوت مرتجف :
– ابدا والله يا ياسر أنا مش عارفة هى اتاخرت كدة ليه ؟
– اتأخرت ؟ الناس قربت تمشى , انتى اكيد معزمتيهاش
– والله عزمتها , وعمالة اتصل بيها مبتردش , انا هخرج اخلى تامر يروحلها عند البيت ويشوفها مجتش ليه ؟
قال وهو يهم بالرحيل :
– ملوش لزوم , بس ابقى افتكرى ان انتى اللى بدأتى ياشيرى
وإستطرد بوجه أكثر شراسة :
– واحمدى ربنا ان الناس دى برة , والا مكنتيش واقفة لسة قودامى
وتركها وغادر المكان بالكامل , وتركها تتجرع الألم كقطعة الملابس البالية التى إستهلكها حتى ملّ منها
توجهت فى حيرة إلى الخارج مع رسم تلك البسمة المصطنعة التى تزين بها ثغرها
وقفت بجانب تامر الذى بدا ثملاً بعض الشئ , وقالت :
– بوسى مجتش يعنى , والزفت موبايلها مقفول
رفع رأسه وهو يضحك قائلاً :
– البت دى بنت حلال , كل ما ترسملها مغرز تلبسك فيه
قالت وهى تضغط على أسنانها وتنظر أمامها :
– بنت الاية , عاملة زى القطط بسبع ارواح
**************
– يعنى اية يا دادة خفتى تقوليلى عشان مزعلش من تصرفتها ؟ احنا متفقين انك هتقوليلى فى اى وقت لو خرجت
صاح حسام بتلك الكلمات وهو فى شدة قلقه
فردت المربية أسفه :
– معلش يابنى , انا قلت بدام مش راحة الديسكو يبقى مش هتتأخر
رد حسام :
– خلاص يادادة , ان شاء الله خير , انتى تعرفى بيت شيرى فين ؟
– لا معرفش
– طيب معاكى رقمها
– اه مكتوب فى اجندة فى اوضة بوسى , هجبهولك
زفر حسام بقلق وهو يضع سماعة الهاتف بعد أن أنهى مكالمته مع المربية وبيده ورقة كتب عليها رقم هاتف شيرى
رتبت والدته على كتفه وهى تقول :
– اصبر يا حبيبى واحتسب كل حاجة بتتعب فيها عشانها , دة ربنا اللى عالم بالقلوب
لينظر لها حسام وهو يقول :
– انا مش عارف اتصرف معاها ازاى , وكمان قافلة موبايلها عشان معرفش اكلمها
– اصبر يابنى معلش , وادعى ربك هو اللى هيلهمك ازاى تتعامل معاها
أرجع ظهره إلى الخلف ليستند بها على المقعد الجالس عليه وأغمض عينيه وهو يقول فى حيرة :
– يارب
ثم نظر بالساعة القابعة على يده اليسرى , ثم قال :
– الساعة بقيت 2 والهانم لسة مروحتش
ثم أمسك بهاتفه وضغط على بعض أزراره ورفعه إلى أذنه وقال بعد فترة :
– ايوة , أنسة شيرى معايا
ليأتيه الصوت من الطرف الأخر :
– ايوة انا , مين معايا ؟
رد ببعض الحرج :
– انا حسام ابن عم بوسى , هى بوسى لسة عندك ؟ اصل موبايلها مقفول
قالت بدهشة :
– بوسى مجدتش أصلاً , وبكلمها من بدرى موبايلها مقفول
إنتفض حسام واقفاً , وهو يقول بفزع :
– يعنى هى مجاتلكيش أصلاً ؟
إنتبهت والدته لما يقوله وحدقت به بفزع هى الأخرى , فى حين ردت شيرى عبر الهاتف :
– ايوة بقولك مجتش , انا فاكراها فى البيت
– طيب شكراً
لم ينتظر الرد وأغلق الهاتف وهو ينظر لوالدته فى حيرة , ثم لم يلبث أن وضع الهاتف فى جيبه وهم بالخروج , فصاحت به والدته :
– هتدور عليها فين ؟
ليرد وهو يفتح باب منزلهم ليغادره :
– هروح الفيلا , افهم من دادة الاول
******************
لم تستطع وضع أى شئ داخل فمها رغم محاولات أحمد الكثيرة لجعلها تأكل أى شئ , إلى أن إنتهى به الأمر لجمع الطعام دون أن يأكل هو الأخر
قالت له وهى تنظر حولها فى تلك الغرفة التى سجنت بداخلها معه :
– هو مفيش هنا حمام ؟
رد وهو يزيح تلك الستارة التى إعتقدت هى أن خلفها شباك :
– الحمام أهوه
نظرت إلى الداخل فوجدت حماماً متواضعاً جدا يكاد يكون بدائى ولا يعزله عن الغرفة سوى تلك الستارة
رأى على وجهها تعبير الإشمئزاز
فقال ببعض الحرج :
– معلش هو مش حلو اوى بس يقضى الغرض
نظرت له بدهشة ممزوجة بالإحتقار وهى تشير إلى ذلك الذى يطلق عليه حماماً :
– وانا هدخل ازاى وهو من غير باب كدة ؟
رد سريعاً :
– متخافيش الستارة مش بتبين اللى وراها
– مش هينفع , لازم تخرج من الاوضة عشان اعرف ادخله
نظر لها فى حيرة ثم قال :
– تمام هستنى برة عشان تبقى براحتك
تابعته بعينيها إلى أن خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه
دلفت إلى ذلك الجزء ونظرت له بإشمئزاز , وهى تقول فى نفسها :
– انا استحالة استخدم الشئ دة
وبدأت ترفع نظرها علها تجد أى طاقة فيه تعينها على الهروب ولكنها لم تجد أى شئ فيه سوى قارورة من الزجاج فارغة وضعت فى أحد أركانه
لمعت فى رأسها فكرة , فأمسكتها وإتجهت بها إلى جانب الباب إستعداداً لدخول أحمد
ظلت هكذا فترة قليلة كان قلبها يخفق بشدة , فها هى تلك الفتاة الرقيقة المدللة , تخطط لدخول معركة مع ذلك المجنون الذى ينتظرها بالخارج
قطع تفكيرها صوته وهو يدلف إلى الغرفة ببطئ حتى يتأكد من إنتهاءها , وهى يقول :
– بوسى انتى خرجتى ؟
لم يسمع سوى صوت تكسر زجاج القارورة إثر إرتطامها برأسه , إستدار ليجدها تنظر له بفزع وهى ترتعش , ثم رأى ذلك اللون الأحمر الذى يسيل على وجهه , مسحه بكف يده وهو ينظر لها بغضب , إبتعدت عنه حتى تعثرت فى الزجاج المتناثر على الأرض , ثم أمسكت بقطعة مدببة منه ووقفت توجها نحوه وهى تقول بصوت مرتعش وقلب ينتفض رعباً :
– لو قربت منى هقـ,ـتلك
إنتقل ببصره من وجهها إلى يدها الممدودة إليه بقطعة الزجاج , ثم رفع بصره مرة أخرى إلى وجهها , وهو يتقدم نحوها فى ثبات
هالها جموده وبدأت فى الرجوع إلى الخلف إلى أن إصطدمت فى الحائط وهو مستمر فى التقدم منها
أمسك بيدها الممدودة إليه وفتحها بقوة لينزع تلك القطعة الزجاحية التى تسببت فى جعل يدها تلطخت باللون الأحمر إثر تمسكها بها
ذهل عندما رأها هكذا
فأمسكها ودخل بها إلى الحمام وغسلها , وأخرجها منه وأجلسها على الفراش , وهى لا تشعر بأى شئ ترى أشياء تتحرك حولها وهى تنظر فى ذهول
كانت قطرات بسيطة من الدماء تنزل من رأسه , لكنه لم يرعهها أى إهتمام , كل ما كان يجول بخاطره هو بوسى وكيف له أن يكتم جرحها حتى يتوقف عن النزيف
أخذ يجول فى الغرفة فزعاً ليجد ما يكتم به جرحها , فلم يجد , فخلع قميصه وقطع منه جزءاً ولف به يدها بعناية , وهى مستسلمة تماماً
توقف النزيف , تنهد ببعض الراحة ومد يده يمسح قطرات الدم من على وجهه , وإنحنى على يدها المجروحة يقبلها وبعض العبرات تتوق للخروج من عينيه
لم تشعر بنفسها إلى وهى تميل رأسها مستسلمة لذلك الخدر الذى بدأ يسرى فى جسدها , وأغمضت عينها
عدل من وضعها على الفراش بهدوء , إلا أن تلك العبرة التى نزلت على وجهها جعلتها تفتح عينها قليلاً لتلمح وجهه المغطى بالدموع , ثم أغلقتهما مرة أخرى دون إرادتها
***************
وضع الهاتف أمامه على الطاولة وهو فى قمة الدهشة الممزوجة بالقلق
وهو يقول فى نفسه :
– معقول اللى بتقوله شيرى دة ؟ يعنى هتكون راحت فين ؟
ثم فُزع وهو يستطرد :
– يارب تكون بخير
وأكمل أفكاره تلك وهو يحاول سبر أغوار نفسه :
– وانت قلقان عليها كدة ليه ؟ ما هى لو كانت وصلت الحفلة كنت بعتها لشيرى عشان متفضحش نفسك
– بس انا بجد قلقان عليها
– انت ندل كنت هتبعها عشان تشترى وساختك
– انا فعلاً ندل وجبان , بس بحبها , ايوة بحبها
ثم تجرع ما تبقى فى كأسه من ذلك المشروب دفعة واحدة
وهو يهدأ من ضربات قلبه التى فزعت لأجلها
***************
أطاح بتلك المزهرية بيده لتستقر بالمرآة أمامه وهو يصيح هائجاً , فلكم إشتاق لإحتوائها بين ذراعيه , إنها ليست مجرد رغبة بل إشتياق
لتلك التى سلبت عقله قبل قلبه
لماذا يعانده القدر ؟ لماذا لم تسنح له الفرصة ليفوز بمن سكنت قلبه ؟
ولكنه سيجعل شيرى تدفع ثمن إبعادها عنه
**************
جلس بجانبها ينظر لها بأسى لفترة إلى أن إستطاع السيطرة على دموعه , ثم قام وغسل جرحه الذى كان بسيطاً مقارنةً بجرحها
وجلس على ذلك البساط أرضاً وعيناه معلقة بمن سلبت عقله وجعلته كالأخرق حتى وصل بهم الحال إلى ذلك الحد
*************
كان كالمجنون يجوب الشوارع بلا وجهه معينة بعد أن فشل فى معرفة أى معلومة تفيده من المربية
كان قلبه يخفق ألماً وفزعاً عليها , فقد إتضح له أن الأمر خرج من نطاق معاندتها له , وربما تكون فى خطر الآن
قطع حبل أفكاره صوت أذان الفجر , فذهب إلى أقرب مسجد , وصلى وأخذ يدعى ربه كثيراً أن يحميها ويردها إلى بيتها سالمة
ترجل متجه إلى سيارته مرة أخرى وهو لا يرى أمامه أى وجه , أو إلى أين سوف يأخذه الطريق لبحثه عنها ؟
لا يعرف لما قفزت أمامه صورتها وهى طفلة صغيرة حينما جرح أحد أصابعها وكان يداويها وهى تبكى بحرقة فما كان منه إلا أن إحتواها بين ذراعيه حتى هدأت ونامت فى حضنه
خفق قلبه بشدة فهو لازال يحبها كما كان منذ الصغر
فها هى تلك القلوب التى يقلبها الله كيف يشاء , معلقة جميعاً ببوسى
التى لا تدرى أن جميعهم ( تامر – ياسر – أحمد – حسام ) الأن يبكى ألماً لها
الفصل التاسع
دفع حسام باب تلك الغرفة بقوة لينفتح فرأته بوسى أمامها فقامت مهرولة من الفراش متجهه إليه ولكن منعها أحمد من الوصول إليه وهو يمسك بخصرها بقوة , ثم جعلها تستدير ليصبحا فى مواجهة حسام وهو مصوب على عنقها تلك الشفرة الحادة التى أخرجها من جيبه لتوه وهو يصرخ بحسام :
– لو قربت خطوة واحدة , هخلص عليها
وقف حسام فى حيرة من أمره وهو لا يعلم كيف يتصرف ؟ ولكنه لاحظ تلك الحقيبة التى بجانب الباب فحملها سريعاً وألقاها بوجه أحمد لتربكه المفاجأة فتسرع بوسى فى الإبتعاد عنه , ليجرى إليه حسام ليوجه لكمة على وجهه لكن أحمد كان أسرع حينما وجه له يده بتلك الشفرة لتستقر ببطنه لتسيل الدماء منه ويخر على الأرض , فتجرى نحوه بوسى وهى فى شدة هـ,ـلعها فتجده وقد سالت منه الكثير من الدماء , حاولت أن توقظه لكن دون جدوى , بدأت تناديه والدموع تغرق وجهها لكن دون مجيب
فصرخت بأعلى ما عندها : لااااااااااااااااااا
إنتفض حينما سمعها تصرخ ونظر لها وجدها وقد إستيقظت من نومها وهى تبكى بحرقة
خفق قلبه لها وذهب لها متسائلاً :
– انتى كنتى بتحلمى ؟
لم تجبه فقط أماءت برأسها فى إيجاب وهى لازالت على حالها , فرق قلبه لحالها وحاول تهدئتها بتربيته على كتفها ولكنها إنزوت أكثر على جانب الفراش لتبتعد عنه , فتركها وذهب لإحضار كوب من الماء لها عله يساعد فى تهدئتها , وحمله إليها قائلاً :
– خدى طيب إشربى
مدت يدها المرتعشة فساعدها بحمل الكوب إلى فمها , فإرتشفت منه ما بلل شفتاها وتركته وهى تمسح دموعها المنهمرة
قال وهو ينظر لها بأسى :
– نامى دلوقتى وهتبقى أحسن
أماءت برأسها نافية وهى تقول من بين دموعها :
– عايزة أمشى من هنا , خلينى أمشى عشان خاطرى , لو بتحبنى بجد سيبنى أمشى
ما كان منه إلا أن إحتواهها بين ذراعيه بقلب يخفق لأجل حبيبته , كانت تنتحب بشدة وهى غير مدركة أنها تستند برأسها على صدره
بدأ يتحسس شعرها بيده وهو يقول بألم :
– انا اسف يا حبيبتى , سامحينى مش هقدر
ليزيد نحيبها وهى تدفعه عنها لتقول من بين شقهاتها :
– انت عايز منى اية ؟ حرام عليك خلصنى من اللى انا فيه , انا عايزة امشى من هنا
ليستقيم وهو يقول ببعض الجمود :
– قلتلك مش هينفع
ويتركها ويخرج من الغرفة , فلم يعد يحتمل مزيداً من نحيبها الذى يحفر فى قلبه الألام
جلس أرضاً خارج الغرفة وهو يدفن رأسه بين يديه ليكتم حيرته وألمه
*****************
ضاقت به الدنيا , فقد ظل يبحث عنها فى كل مكان , فقرر الرجوع مرة أخرى إلى الفيلا عله يجد شئ أخر يوصله لها
دلف إلى الداخل فإستقبلته المربية بدموعها التى لم تنشف بعد
كان على وجهها ملامح متسائلة , تتمنى ما يثلج قلبها وما يطمئنها على إبنتها التى لم تلدها ولكنها سكنت قلبها بوسى
أماء برأسه نافياً دون أن يتحدث , ففهمت من إشارته أنه لم يجد ما يدله عليها
سألها :
– هو عم حسين مش هنا ؟ نديت عليه عشان يفتحلى البوابة بس محدش رد
ردت ببعض الحزن :
– اه هو راح يزور جماعة أرايبه وهيعد هناك يومين , بس سايب أحمد ابنه مكانه
نظر لها حسام بدهشة وهو يحاول أن يمعن فى التفكير , ثم قال وهو يهم بالخروج من الفيلا :
– بس أحمد مش موجود برة
ذهب إلى الغرفة التى توجد فى الحديقة ويقطنها حسين وولده أحمد وأخذ يدق على الباب حتى أيقن أنه لا يوجد أحد بالداخل , أسرع إلى الجراج , فوجد سيارة بوسى موجودة داخله وسيارة عمه هى التى خرجت بها بوسى
عاد مسرعاً إلى المربية متسائلاً بلهفة :
– هى عربية بوسى عطلانة ؟ اصلها سايباها فى الجراج
– اومال خرجت باية ؟
– خرجت بعربية عمى لانها مش موجودة
– بس هى مبتعرفش تسوقها عشان مانوال
رد بدهشة :
– يعنى كانت محتاجة حد يسوقهالها , وعم حسين مش موجود , واحمد هو اللى كان موجود
أخرج هاتفه سريعاً وضغط على بعض الأزرار فى عُجالة ورفعه إلى أذنه وقال بعض قليل :
– ابنك فين يا عم حسين ؟
ليرد مندهشاً :
– احمد انا سايبه فى الفيلا مكانى على بال ما اجى وهاجى بكرة ان شاء الله
– ابنك مختفى من امبارح بالليل ومعاه بوسى
ليرد بفزع :
– ازاى ؟ اية اللى حصل يا استاذ حسام ؟
– انتو ليكو أرايب هنا غير اللى انت عندهم ؟
– لا
– ابنك ملوش اى اصحاب ممكن نسأل عليه عندهم ؟
– احمد ملوش اى اصحاب
ليرد حسام بعصبية :
– يعنى اية ؟ هيكونوا راحوا فين ؟
– أأأ ….أنا مش فاهم يا استاذ حسام , انا اسف
زفر فى الهواء ليهدأ قليلاً وهو يقول :
– انتو ملكوش اى مكان تانى غير هنا
– ابداً يا أستاذ حسام , من ساعة ما شكرى باشا جبنا واحنا عايشين معاه فى الفيلا , حتى حتة الارض مبروحهاش غير مرتين فى السنة
ضيق حسام عينييه وهو يقول :
– فين الأرض دى ؟
أغلق حسام الهاتف بعد أن علم عنوان تلك الأرض الزراعية , فهو كالغريق الذى يتعلق بأى معلومة من الممكن أن تدله على طريقهم
هاتف أحد أصدقائه وتوجهوا هما الاثنان بسيارة حسام إلى عنوان تلك الأرض الزراعية على أمل أن يجدوا ما يدلهم على مكان بوسى
****************
حاولت الإتصال به كثيراً لكن كان نفس الرد :
– الهاتف الذى طلبته مغلق , يرجى الإتصال فى وقتٍ لاحق
زفرت بعصبية وهى ترمى الهاتف على فراشها , ووقفت فى المرآة تصفف شعرها
تذكرت كلماته التى لم تنساها منذ أن خرجت من فمه ليلة أمس :
– ابقى افتكرى ان انتى اللى بدأتى ياشيرى
فشعرت برهبة ممزوجة بألم , فهى تعشقه وتخشى غضبه الدامى
فأخرجها من أفكارها صوت رنين هاتفها , فأسرعت عليه بلهفه وتغيرت ملامحها بعد أن رأت إسم المتصل , وردت بتأفف :
– ايوة يا تامر
ليرد من الطرف الأخر :
– عرفتى حاجة عن بوسى ؟
– يادى زفتة , كلكم هتموتو عليها , لا معرفتش حاجة ومش عايزة اعرف حاجة , ويارب تكون ماتت وتريحنا
– يعنى هتكون راحت فين ؟
– وانت قلقان عليها اوى كدة لية ؟
– يعنى اية ؟ هو انا المفروض مقلقش عليها زيك ؟
– بقولك اية انت هتعملى نفسك بتحبها ما انت كنت هتبعهالى امبارح , دلوقتى عايز تفهمنى انك قلقان عليها ؟
– انتى عايزة منى اية ؟ ايوة انا بحبها , واول ما ترجع هقولها انك أوطى بنى ادمة عرفتها , والفيديو اللى عندك بليه واشربى ميته
وأغلق الهاتف وهو فى قمة غضبه من تلاعب تلك الحمقاء التى كانت ستجعله يغدر بحبيبته بوسى
*****************
لاحظ حسام قرب وصوله لتلك الأرض الزراعية وجود بناية صغيرة
ترجل من السيارة هو وصديقه وأشار له فى صمت أن يستدير من الجهه الأخرى للغرفة
إقترب من الباب يحاول أن يسترق السمع , لكنه لم يسمع سوى السكون
دفع الباب بكتفه ولكن الباب إنفتح بسهوله ليجد أمامه الفراغ فلا يوجد بتلك الغرفة سوى الفراش الفارغ , اتجه لتلك الستارة ليجد أيضاً أنه لا أحد خلفها
وقف متحير فى تلك الغرفة وهو ينظر إلى جميع محتوايتها ليجد شئ يلمع بين ثنايا الشرشف الذى يغطى الفراش
ذهب ليتفحص ذلك الشئ , لتتسع حدقة عينيه لرؤيته تلك القلادة التى كانت ترتديها دائماً بوسى منذ صغرها ومتدلى منها ذلك القلب , ليفتحه فيجد بها صورة والدتها , ليتأكد من شكوكه
*************
وضعت يدها تتحسس رقبتها الخالية فى فزع وهى تقول :
– السلسلة ؟
لينظر لها وهى جالسة بجانبه فى السيارة :
– بتقولى حاجة ؟
فردت بأسى :
– دى سلسلة ماما , شكلها وقعت منى , دى كانت غالية عندى اوى
– تحبى نرجع تدورى عليها ؟
لترد بلهفة ممزوجة بحزن :
– لا لا , خلينا نرجع للبيت
فيكمل بها الطريق الذى بدأه منذ فترة عائدا إلى الفيلا كما وعدها , بعد أن أضناه نحيبها , وكاد قلبه أن ينخلع حزناً عليها
وقد وعدته هى بألا يعرف أى أحد بما حدث
كان ينظر لها بأسى كل برهه وهو يشعر أنها أصبحت مثل الماء الذى انفرط من بين يديه , وضاع أمله فى أن تكون له
نظر أمامه بأسى وهو يلعن نفسه على ما فعله بها , الشئ الوحيد الذى ناله من تلك الفعلة هو أنه صارحها بما كان قد ثقل على قلبه وكاد يقتـ,ـله , فهو يحبها
يعشق من سكنت السماء , وكانت ولا زالت بعيدة المنال ولكنها قريبة تقطن بين ضلوعه
وصل بها إلى الفيلا وهم فى حالة رثة , وكان يظهر عليها الوهن , فتح لها باب السيارة وأدخلها إلى الداخل فى حين إستقبلتها المربية بلهفة , وحاولت أن تعرف منها ما حدث ولكن بوسى ردت بكلمات بسيطة تعبر عن تعبها الشديد وإحتياجها للنوم
ساعدتها المربية لتأخذ حماماً دافئاً , وتبديل ملابسها وقبل أن تدثرها فى الفراش كان حسام قد وصل إثر المحادثة الهاتفية التى تلقاها من المربية تبشره برجوع بوسى
لم تستطع بوسى أن تكبح مشاعرها إثر رؤيتها لحسام , فقد كانت فزعة من صورته فى ذلك الحلم وقد فارق الحياة
إرتمت على صدره باكية دون أن تنبث بشفة , أخذ يهدئها حتى إستطاعت أن تسيطر على دموعها , فقال :
– اية اللى حصل ؟
قالت من بين شهقاتها :
– فى حرامية طلعوا علينا , واحمد قدر يرجعنى هنا تانى
نظر حسام لها بتمعن وهو يقول :
– حرامية ؟ وكنتو فين كل دة ؟
قالت بارتباك :
– كنت أأأأ .. كنت فى العربية , همة كانوا حبسنا فى العربية ؟
– وازاى قدرتوا تهربوا منهم ؟
قالت ببعض الوهن :
– احمد هو اللى قدر يخلصنا منهم
ضيق عينيه قائلاً :
– وبعد كدة روحتوا على فين ؟
– احمد جابنى على هنا على طول
نظر لها فوجدها يظهر عليها التعب , وقع بصره على ذلك الجرح بيدها , فقال بلهفة :
– انتى ايدك مجروحة
نظرت إلى يدها وهى تقول :
– دة جرح بسيط , متقلقش
– من اية ؟
– مش فاكرة يا حسام
نظر لها بريبة قائلاً :
– شكلك تعبانة يا بوسى نامى دلوقتى
شعرت بالراحة لتخلصها من أسئلته التى حاصرها بها , إبتسمت له إبتسامة ضعيفة وهى تجلس على فراشها
هم بمغادرة الغرفة , لكنه توقف عندما باغتته قائلة :
– حسام , متمشيش
شعر بالقلق من طريقتها , فاستطردت قائلة ببعض الرجاء :
– خليك هنا , متمشيش وتسيب البيت
فقال وهو يحاول سبر أغوارها بأنظاره :
– متخافيش , انا تحت مش همشى
أماءت برأسها وقد اطمئن قلبها وتوسدت فراشها وهى تشعر بالأمان لوجوده معها بنفس المنزل , فى حين غادر هو الغرفة متجه إلى غرفة أحمد
****************
بعد أن أفاق قليلاً من صدمته قام وإغتسل وهو قد أيقن تماماً أنه قد خسر كل شئ
إنتبه لذلك الطرق على باب الغرفة وما إن فتحه حتى وجد قبضة حسام الموجهة لوجهه , لتدفعه إلى الأرض وهو لم يدرك بعد ماذا يحدث ؟
أمسكه حسام من تلابيبه ليجعله يستقيم وباغته بلكمة أخرى وهو يصيح به :
– يا واطى , بتعض الايد اللى اتمدتلك
ذهل أحمد وقد أيقن أن حسام علم بما حدث , لم ينطق , لم يقل أى شئ فقط ترك حسام يمضى فيما يفعله
كان حسام كالمجنون فهو لا يعلم ما حدث بينهم ؟ وأكثر ما كان يؤلمه أن بوسى كذبت عليه وأنها لم تريد إخباره بما بينها هى وأحمد
سمعت صوت صياح حسام بالأسفل نزلت الدرج مهرولة وهى تشعر بدوار خفيف , حتى وصلت إليهم وجدت أحمد ملقى بالأرض إثر تلقيه للكمة من حسام الذى كان فى شدة ثورته
تنقلت ببصرها بينهم , فتلاقت نظرتها مع نظرات أحمد الذى كان ينظر لها بندم , فقالت وهى تحاول إبعاد حسام عنه :
– خلاص يا حسام سيبه
نظر لها حسام والشرر يتطاير من عينه وبدأ يصرخ بها :
– لسة برده هتكدبى , ولا المرة دى هتألفى قصة تانية
لم تستطع الرد , فأخرج من جيبه القلادة وهو ينظر بعينها قائلاً :
– ودى , اللى انتى قلعتيها على سريره , هتقولى عنها اية ؟
نظرت لها بلهفة وهمت بأخذها ولكنها أدركت تلك الكلمات التى زرفها حسام لتقع على مسامعها كالصاعقة