القطة المدللة١

الفصل الثالث

بوسى بحزن شديد ودموعها تغرق وجهها :
– يعنى بابى مات خلاص يادادة ؟
لتحتضنها مربيتها وهى تقول :
– متعيطيش ياحبيبتى , دة ربنا رحمه من المرض
– انا مش عارفة هاعيش من غيره ازاى ؟ انا مليش حد فى الدنيا دى غيرك انتى وهو , اوعى تسبينى يادادة
– متخافيش ياحبيبتى , انا عمرى ما هسيبك ابدا
فقدت والدها بعد أن كان سندها فى تلك الحياة , فها هى الآن يتيمة الأم والأب , تشعر بأنهم تركوها وحدها فى منتصف الطريق الذى لا تعلم معالمه , كل ما تشعر به الآن أنها لازالت تحتفظ بذلك الحضن الدافئ , حضن مربيتها الحنون

*****************

كان يقف ليأخذ العزاء فى عمه بوجه حزين , يمد يده ويسلم على المعزين بشكل روتينى
وما إن إنتهت تلك المراسم , ورحلوا جميعاً حتى دخل ليأخذ والدته من الفيلا ويرحل , فهو لا يريد أن يحتك بإبنة عمه ذات اللسان السليط والتى لا تقبله بدون مبرر
دخل رأها مثل الطير المجروح وهى جالسة منكسرة بدموعها التى تنزل على وجنتيها , يا لها من ملاك برئ وهى تجلس هكذا هادئة , كانت بريئة فى سكونها وحزنها , دموعها ذكرته بدموعها السابقة
عندما كانت تجلس على درج تلك البناية فى ذلك الحى الشعبى بذلك الفستان الزهرى القصير وتلك الشريطة التى تزين نهاية ضفيرتها المنمقة
كان ينظر لها فى أسى قائلاً :
– خلاص بقى يا بوسى كفاية عياط , مبحبش اشوفك بتعيطى
– خلاص يا حسام هنسافر ومش هشوفك تانى
ليجلس بجانبها على الدرج وهو يقول :
– انا كمان زعلان اوى , بس حاسس ان انتو اكيد مش هتتأخروا وهتيجو بسرعة , واول ما تنزلوا مصر هنيجى نقابلكم فى المطار , وهاجبلك معايا العسلية اللى انتى بتحبيها
إبتسمت وهى تمسح دموعها بكفها الصغير وهى تقول :
– يارب يا حسام يارب
ليخرج من جيبه تلك التى تسحرها وتجعلها سعيدة قائلاً :
– طيب خدى بقى دى , واوعى تنسينى
لترد وهى فى غاية السعادة :
– عسلية , انت طيب اوى ياحسام انا عمرى ما هنساك

وكان هذا أخر لقاء بينهم , وبعدها سافر والدها بها إلى الخارج ولم يعد إلى مصر إلا بعد خمسة عشر عاماً
نعم خمسة عشر عاماً لم يراها فيهم أبداً لكنه لم ينساها
لم ينسى طفلته الجميلة ذات الضفائر , لم ينسى ضحكتها , برائتها , رقتها
إلى أن أرسل له عمه مرة أخرى بعد أن عادوا وكان يحتاج إليه لكى يدير له أعماله
ولكنه يتذكر أول مرة رأى فيها بوسى كم صُدم لمظهرها المتحرر , فقد كان متخيل أنه سيرى ذلك الملاك البرئ الذى كان يخلد فى ذاكرته
ولكنه وجدها وقد تطبعت بصفات من كبرت وسطهم فى ذلك المجتمع الغربى
لم تعد ذلك الملاك الذى كان ينتظره , أصبحت حادة الطباع , تفتقر إلى الأدب , نموذج للفتاة المتفتحة كما يقال عليها بين أُناس طبقتها , ذلك النموذج الذى لا يشرفه أن يكون أحد أقاربه
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يفكر بها وبدأ يشغل نفسه فقط بعمله وأزالها من تفكيره نهائياً , وقد نجح بمهارة فى العمل وكسب ثقة عمه رغم حقد وغيرة من حوله بالعمل

عاد من عالم ذاكرياته على صوت مربية بوسى وهى تقول :
– اتفضل يابنى

دخل إليهم وسلم عليها بإقتضاب وقام بواجب العزاء , وإنصرف هو ووالدته

*************

باتت بوسى ليلتها فى أحضان مربيتها , التى قالت وهى تمسح على شعرها :
– كفاية عياط بقى يا بوسى , العياط مش هيفيد بحاجة , ادعيله يابنتى ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة
– ربنا يرحمه يادادة
– يلا ياحبيبتى نامى انتى دلوقتى ياقلبى

**********************

تامر :
– يعنى انتى مش عارفة ان ابوها لسة ميت مكملش اسبوع ؟
– عارفة ياسيدى وفيها اية مهى دى فرصة كويسة انك تقولها تعالى نخرج نغير جو وكدة
– شيرى , سبينى اتكتكلها صح عشان متشكش فيا
– ماشى ياسيدى , بس خلى بالك اوعى تلعب بديلك كدة ولا كدة
– حاضر ياستى عرفنا

*****************

منصور :
– بس حضرتك لازم تحضر , دى وصية المرحوم انك ووالدتك لازم تكونو موجودين ساعة فتح الوصية
– هو عمى كتب الوصية دى امتى ؟
– قبل ما يسافر بأسبوع
– تمام انا هروح اجيب والدتى وهحصلك على بيت عمى

*****************

المربية :
– يلا اصحى يا بوسى الناس كلها تحت
بوسى وهى تحاول أن تفتح أعينها :
– ناس مين ؟
– الاستاذ منصور المحامى والاستاذ حسام ابن عمك ووالدته
– اه انا نسيت دة الاستاذ منصور كلمنى امبارح , طيب انا ثوانى وهنزل

كانوا جميعاً يجلسون بانتظار بوسى , وتوجهت الأنظار تجاه صوت كعب حذاءها وهى تنزل الدرج , حتى وصلت وجلست بينهم بعد أن ألقت عليهم التحية , قال حسام فى نفسه وهو ينظر لها بإشمئزاز : أومال لو مكنتيش حزينة على والدك كنتى لبستى اية ؟ ياخسارة يا بوسى
فقد كانت ترتدى فستان من اللون الأسود بالتأكيد حفاظاً على الحداد لكنه كان قصير جداً وبلا أكمام

بدأ الأستاذ منصور قائلاً :
– الأستاذ شكرى الله يرحمه كتب الوصية دى قبل سفره بأسبوع , وسلمهالى قبل سفره بيوم وطلب منى انى أوثقها ودة فعلاً حصل , ولولا كدة مكنتش هقدر أتطلع على محتواها غير وأنا بقرأها معاكو , وطبعاً وصانى وجود حضرتك يا أستاذ حسام ووالدتك ساعة فتح الوصية
أماء حسام إيماءة خفيفة برأسه , فتابع منصور قائلاً :
– فى البداية فى رسالتين هو موصينى اسلمهملكم بنفسى , واحدة لبنته الأنسة بوسى إتفضلى
فأخذتها بوسى بإستغراب
فتابع منصور :
– وواحدة للأستاذ حسام إتفضل
أخذها حسام وهو مستغرباً
فأكمل منصور , وقد فتح الوصية وبدأ يقرأ ما بها :
– بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فهذا ما أوصي به أنا الفقير إلى الله / شكرى محمد نور الدين
وأنا في حالتي المعتبرة شرعاً من سلامة عقلي وحسن إدراكي
أوصى بأن تقسم تركتى وهى عبارة عن :
شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
مصنع نور الدين للبلاستك
فيلا تقع بالتجمع الخامس

مناصفةً بين : إبنتى
بوسى شكرى محمد نور الدين
وابن أخى
حسام مجدى محمد نور الدين

كل هذا يتم فقط إذا نفذوا وصيتى , أما إذا لم ينفذوها خلال شهر من وفاتى سوف تذهب كل أملاكى إلى الجمعيات الخيرية

نظر الجميع إلى بعضهم فى دهشة , وظلت أعينهم معلقة بمنصور كى يكمل , فأكمل بحذر قائلاً :
– أوصى بأن يتزوج حسام مجدى محمد نور الدين
من إبنتى بوسى شكرى محمد نور الدين
وذلك خلال شهر واحد من بعد وفاتى

لم يستمع أحد تلك الجملة الأخيرة عندما قامت بوسى صائحة وهى تنظر إلى منصور وحسام قائلة :
– اه دا انتوا مظبطنها سوى بقى , وحضرتك يا أستاذ حسام إيه مش مكفيك نص الورث ؟ عايز تاخده كله
ليرد بعصبية :
– اية مظبطنها دى ؟ انا معرفش اى حاجة عن الوصية دى غير دلوقتى زيى زيك بالظبط
– قالوا للحرامى إحلف
ليستشيط حسام غضباً وهو يقول :
– حرامى ؟ انا مسكت شركة ابوكى وهى بتخسر بقالى خمس سنين تعالى شوفى المكاسب بقيت اد اية دلوقتى وفى الاخر تقولى عليا حرامى ؟
ليرد منصور لتهدأتهم :
– يا انسة بوسى الحقيقة الأستاذ حسام فعلاً ميعرفش حاجة عن الوصية دى خالص
– انا الكلام دة ميلزمنيش , والوصية دى تبلها وتشرب ميتها , ونص الميراث الأستاذ حسام هياخده وميحلمش بأكتر من كدة
ليرد حسام بعصبية أكبر :
– وانا متنازل عن ورثى وكدة كدة هيروح للجمعيات الخيرية , ومش عايز من وشك حاجة , يلا يا أمى
فتقول والدته :
– استنى بس ياحسام يابنى , استهدى بالله
– معلش ياأمى يلا بعد إذنك , مش هقدر استنى هنا اكتر من كدة
ويخرجا من الفيلا وسط نظرات البغض من بوسى التى كانت فى قمة ثورتها
فيقول منصور :
– يا انسة بوسى يابنتى , دى وصية المرحوم دين فى رقبتى ولازم أنفذه , القرار فى الأول والاخر ليكى

ويغادر هو الأخر ليتركها على حافة الهاوية ما بين التنازل عن المال أو عن حريتها

****************

حسام بعصبية :
– انا مش عارف ازاى عمى يعمل كدة ؟ هو فاكر اية يعنى ؟ ولا هو هيشترينى بفلوسه ؟ مش عايز ورث , ان شا الله حتى اشحت بس متجوزش المجنونة دى
والدته :
– يابنى إهدى , ومتعملش فى نفسك كدة محدش عارف الخير فين
– انا هتجنن , ازاى تقول عليا حرامى ؟ بقى بعد اللى عملته فى الشركة تقول عليا كدة ؟
– معلش يابنى هى بس كانت فى ساعة غضب
– هى مفكرة نفسها مين ؟ انا اصلا استحالة اتجوز واحدة زيها

***************

بوسى بغيظ :
– ازاى بابا يعمل كدة ؟ هو انا خلاص بايرة وبيدللى على عريس ؟ وبعدين اية حسام دة كمان دة دمه يلطش وسمج
لترد مربيتها :
– يعنى ناوية تعملى اية ؟
– قانوناً انا من حقى انى اورثه
– بس دة لو مكانش فى شرط فى الوصية
– بس احنا ممكن نعتبرها مش موجودة ونراضى منصور دة بقرشين وخلاص , وأظن كفاية على حسام اوى النص هيعوز اية تانى ؟
– طيب ووصية المرحوم مش هتنفذيها ؟
لترد بوسى بأسى :
– خلاص نشحت بقى وندى كل الفلوس للجمعيات الخيرية
وهمت بالبكاء , فإحتضنتها مربيتها وهى تقول :
– سبيها على ربنا ياحبيبتى وهو هيدبرها بأمره

****************

يرن هاتف حسام فينظر له بتملل دون أن يرد , فتقول والدته :
– الشغل برده ؟
فيومئ برأسه بإيجاب دون أن يرد
فتسطترد قائلة :
– انت مش ناوى تروح برده ؟
– واروح ليه الشركة خلاص اخر الشهر هتتباع وفلوسها هتروح للجمعيات الخيرية
ثم إبتسم بجانب فمه قائلاً :
– وبعدين انا حرامى , خليهم بقى يدوروها من غيرى
– يا بنى حرام عليك دة مال عمك هتسيبه للغرب ينهبوه
– خلاص ياماما مبقاش مال عمى ولا حتى مال الورثة
– بس انا عمرى ما تعودت عليك كدة , حسام ابنى بيواجه مشاكله مش بيهرب منها
– مشكلتى انا هواجها يا امى وهنزل ادور بكرة على شغل فى اى مكان تانى
– طيب وبنت عمك ؟ هتتخلى عنها هتسيبها للغرب ينهشوها , يعنى عمك مش مأمن عليها مع حد غيرك وانت بتتخلى عنها وتسيبها
قال ببعض التوتر لشعوره بحقيقة ما تقوله والدته :
– عمى عرض علينا عرض واحنا اخترنا
– وتفتكر هو كان يتمنى انه يحرم بنته من الميراث ؟
لم يرد فقد أخرج تنهيدة من صدره تنم عما بداخله
لتباغته والدته بسؤال :
– قريت الجواب اللى كتبهولك ؟
نظر لها وكأنه تذكر أمره لتوه :
– لا مقرتهوش
لتربت على كتفه قائلة :
– اقراه يابنى , يمكن تلاقى فيه اللى يريح قلبك
وتتركه لحاله ليتخبط بين مشاعره المتناقضة

***************

كانت تمسك ذلك المظروف بقلب يخفق وهى جالسة فى فراشها , فتحته وهى تشتم رائحة والدها به , نزلت عبرة منها تعبر طريقها على وجنتها وهى لا تعرف أى معلم واضح لشكل حياتها القادمة
فتحت الرسالة وبدأت تقرأ ما بها

**************

أنا عارف إنك أكيد دلوقتى مستغرب أنا ليه عملت كدة
إنت ممكن متحسش باللى أنا حاسس بيه لإنك عمرك ما كنت أب
أنا عارف إنى دلعتها زيادة عن اللزوم , بس موت أمها أثر فيا أوى , لما كنت بشوفها فى المدرسة وسط أصحابها وكلهم معاهم أمهاتهم كان قلبى بيتقطع عليها , وهى واقفة تدور عليها ومش لاقياها , لما جت سألتنى مرة : ليه ماما مش راضية تجيلى ؟
حسيت ساعتها بنار بتقيد جوايا ولسانى عاجز عن الرد
عارف إنى ربتها غلط وعمرى ما قلتلها لا على حاجة , كنت فاكر إنى كدة بعوضها عن حنان أمها اللى إتحرمت منه

انا عارف انك ممكن تكون زعلان منى , بس انا بجد عارف إنها محتجالك دلوقتى جمبها , انا عارف كويس إنك هتنفذ وصيتى ولو على رقبتك لأنك راجل , لكن عملت كدة عشان عارف دماغها الناشفة
خلى بالك منها واوعى تتخلى عنها
هى اه مدلعة بس طيبة صدقنى
دى وصيتى ليك يابنى اوعى تسبها مهما حصل ما بينكم

أنزل تلك الرسالة وهو ينظر أمامه بوجوم , لا يعلم كيف سيحقق تلك الوصية التى أصبحت دين برقبته ووجب عليه أن يسدده

*****************

بوسى وهى تبكى :
– مش فاهمة يادادة حاجة , حتى لو بابى كان شايف ان مصلحتى بجوازى من حسام , ازاى يفرض عليا رأيه كدة ؟ كل اللى قاله فى الجواب متزعليش منى وانا عملت كدة لمصلحتك , هى فين مصلحتى دى وانا بتجوز من واحد مبقبلوش ؟
لتحتضنها مربيتها وهى تقول :
– مش يمكن لما تعرفيه تقبليه
– هو بابى يعنى ادانى فرصة اعرفه ما يا اما نتجوز قبل ما يعدى شهر يا اما مفيش ورث , وبعدين ازاى هتجوز واحد ما بحبهوش ؟
– متعيطيش ياحبيبتى كفاية , ربنا وحده اللى عالم الخير فين

ثم تتركها مربيتها لتنام وهى تشعر أنها تقف على أرض متحركة , لا تعلم متى ستقع ؟
ليخرجها من أفكارها المختلطة هذه صوت هاتفها معلن عن وصول رسالة , فتفتحها وهى تبتسم لرؤيتها إسم المرسل
تامر :
وحشتينى اوى ياحياتى
الدنيا من غيرك وحشة اوى
نفسى ترجعى تنورى دنيتى من تانى

فتحتضن الهاتف بسعادة وهى تشعر بالحب ………

الفصل الرابع

لم ينم حسام ليلته وظل يفكر فيما سوف يفعله ؟ كيف له أن يحافظ على تنفيذ وصية عمه مع المحافظة على كرامته ؟
وإذا تمت تلك الزيجة كيف سيتعامل مع تلك القطة المدللة التى تركها له عمه ؟ وها قد أصبحت مسئولة منه الآن وليس له أى إختيار
لم يعد يقدر على الرجوع , فقد وضعها عمه فى طريقه وحدها دون سند يحميها من غدر الزمن

فى الصباح قرر أن يذهب لها ويتحدث معها فيما قرأه فى رسالة والدها
ولكن كيف يرجع ويتحدث معها بعد ما أهانته ؟
كاد أن يجن من التفكير فى هذا الأمر

*******************

بوسى بدهشة :
– وهو جاى عايز اية ؟
– ودة كلام برده يابنتى يعنى هقوله اية اللى جابك ؟
– طيب يادادة انا نازلة اشوفه عايز اية ؟

كان يجلس فى إنتظارها فى قمة توتره , وكان يلوم نفسه ألف مرة على مجيئه مرة أخرى إليها

سمع صوت قدومها تلك القرعات المستفزة لكعب حذاءها الذى يقرع على الأرض بلا هوادة
نظرت له دون أن تتحدث , ثم جلست أمامه بترفع ونظرة متكبرة وهى تضع قدماً فوق أخرى فى تعالى
ثم قالت :
– خير ؟
كان ينظر لها وهو يحاول أن لا يفقد أعصابه , ثم قال بطريقة جادة :
– قريتى الرسالة اللى سابهالك عمى ؟
– انت جاى مخصوص عشان كدة ؟ اطمن قريتها
– انا مش جاى عشان كدة وبس
قام ووضع على الطاولة أمامها رسالة عمه إليه وهو يقول لها :
– انا قررت أنفذ وصية عمى
وتركها ورحل
كانت فى قمة دهشتها , مدت يدها لتفتح تلك الرسالة , لتنزل دموعها لما شعرته من خوف والدها عليها من خلال كلماته التى تركها لحسام داخل الرسالة
طوت الرسالة وهى تزرف دموعها , لا تعلم كيف سوف تتقبل ذلك الرجل الغريب الذى زُج به إليها لكى يصبح زوجاً لها ؟

****************

ذهب إلى عمله بالشركة بعد غياب أسبوع , إستُقبل بحفاوة من العاملين معه مع بعض البسمات الخداعة التى أحياناً تحمل معاها حقداً لما وصل له , ولما سيصل له بعد زواجه من ولية العهد إبنة عمه

****************

قررت أن تخرج من تلك الدوامة التى لا تستطيع أن تبتعد عنها , فكرت أن تذهب إلى النادى لترى أصدقاءها الذين تفتقدهم كثيراً , كما إنها قد إفتقدت تامر كثيراً
ذهبت إلى النادى وقابلتهم , وسعدوا جميعاً برجوعها إليهم مرة أخرى , وخاصةً شيرى التى علمت أن خططتها سوف تُنفذ قريباً

********************

قالت مربية بوسى عبر الهاتف :
– ايوة لسة خارجة دلوقتى , وأول ما خرجت اتصلت أبلغك زى ما قلتلى
– طيب مقالتلكيش راحة فين ؟
– رايحة النادى
– طيب يادادة , زى ما اتفقنا بوسى متعرفش اى حاجة عن إتفاقنا دة
– تمام خلاص اكيد متقلقش

أغلق حسام الهاتف , وإنطلق مسرعاً وسط ذهول العاملين بالشركة لتركه عمله فى منتصف اليوم بعد أن كان يداوم إلى بعد ساعات العمل بكثير

ركب سيارته متوجهاً , إلى النادى
ظل يبحث عنها إلى أن وجدها برفقة بعض من الفتيان والفتيات
فضل أن يجلس بعيداً يراقبها

***************

بدأت أشعة الشمس فى الإنسحاب من على الأرض وبدأت التموجات الزرقاء الداكنة فى السماء فى إسدال ستارها على الكون
كان حسام قد مل من جلسته وهو يراقبها وهى تضاحك هذا وتصافح ذاك
وكان مستغرباً لذلك الشخص التى كانت جالسة ملصقة به طوال الوقت
بدأوا يتحركوا , فتمتم وهو يأخذ أشياءه من فوق الطاولة ليهم بالرحيل :
– الحمد لله

ركبوا السيارات ولاحظ أنها تركت سيارتها وإستقلت سيارة ذلك الشخص نفسه الذى كان ملازماً لها طوال الوقت
قال فى نفسه وهو يراقب ما يحدث من بعيد قبل أن يركب سيارته هو الأخر :
– إية يا بوسى ناوية تعزميه على العشا عندكوا ولا اية ؟
ركب سيارته وإنطلق خلفهم وهو يزفر بشدة قائلاً :
– ماشى , اما نشوف أخرتها يا بوسى
لاحظ أنهم لم يسلكو طريق العودة إلى المنزل , وأخيراً إستقر بهم المطاف إلى تلك البناية التى تعُج بالأضواء خارجها ويقف على بابها رجلين أشبة ببوابة منزلهم
دلفوا جميعاً إلى الداخل فى مرح , كان ينظر إليهم حينما قال :
– والله عال ياست بوسى من النادى للديسكو ومن الديسكو للنادى , شئ عظيم
أغلق باب سيارته بعنف وهو خارجها , كأنه يفرغ شحنة الغضب التى بداخله , ودلف هو أيضاً بداخل هذا المكان الذى لم تتطأه قدماه من قبل
كان المكان مظلم مع بعض الأضواء التى تتراقص فى ميوعة وذلك الصخب الذى يصم الآذان من موسيقى سريعة , يتراقص عليها البعض بطريقة هستيرية

جلس بمنأى عنهم لكنه يراهم جيداً , جلس يتابع ما يحدث فى ضجر وهو يمسك أعصابه
حاول إرجاع نفسه كثيراً عن أن يقوم من مكانه ويجذبها من شعرها خارج هذا المستنقع ليعيدها إلى منزلها , ولكنه فضل ألا تكون هذه هى البداية بينهم , فهو يعلم أنها لم تعتاد تلك المعاملة حتى من والدها الذى أفسدها بدلاله , زفر وهو يقول :
– ربنا يرحمك ياعمى , تدلعها انت والبسها انا , يلا اهى دى بقى هتبقى تخليص لذنوبى

كادت أسنانه أن تطحن من كثرة جزه عليها وهو يضغط على أعصابه وهو يراها تتمايل راقصة بين يدى هذا الشاب التافهة
أخذ يهدئ نفسه قائلاً :
– إتقل , وإهدى كدة أبوس ايدك متبوظش الدنيا
أخيراً بعدما تجاوزت الساعة الثانية صباحاً قرروا الرحيل
أخذاً نفساً عميقاً وكأنه كان فى حرب ضارية بينه وبين أعصابه الثائرة , وهم بالرحيل خلفهم
كاد يجن من تصرفاتها الطائشة , كان يحدث نفسه كالمجانين وهو يقود سيارته خلف سيارتهم وهو يرى تامر يقود السيارة وهى مستندة برأسها على كتفه طوال الطريق :
– ناويين تروحوا فين يا أمامير ؟ لسة سهرتكم مخلصتش ؟ ولا ناويين إستغفر الله العظيم تحترموا نفسكم تروحوا على بيوتكم
أخيراً بعد يوم كامل من التسكع قررت العودة إلى المنزل , كان حسام خلفهم بالسيارة حين أوقف تامر السيارة أمام منزلها , وهى لم تنزل بعد
رآه حسام وهو يقترب منها كأنه سوف يقبلها , قفز حسام من سيارته وهو يقول :
– لا مبدهاش بقى , دة إية النيلة اللى أنا هتجوزها دى ؟
توجه مسرعاً إلى سيارة تامر وفتح الباب بجانب بوسى , ففزعت لفعلته , وكادت أن تصيح به لولا أنه أمسكها من ذراعها ونزعها نزعاً خارج السيارة بحركة مفاجأة وسط ذهول تامر
صاحت به وهى تحاول نزع ذراعها من يده القابضة عليها :
– سيبنى يا متخلف , اية اللى انت بتعمله دة ؟
ولكنه لم يرعها أى إهتمام , بل إنه يكاد يكون لم يسمعها , وأخذ يصفع سقف سيارة تامر بيده الأخرى وهو يصيح :
– يلا يا حبيبى من هنا
إنطلق تامر وهو فى قمة ذهوله , أما حسام فبدأ يدفع بوسى إلى الداخل وهو غير مبالى بما تثرثر به ولا بمحاولتها لأن تنزع ذراعها من يده
هرعت مربيتها على صوتها العالى فإتجهت إليهم لكى تستفهم ما يحدث حينها صاح حسام أخيراً بها وهو يترك ذراعها بدفعة خفيفة :
– إنتى كمان ليكى عين تعلى صوتك ؟
مسكت ذراعها متألمة وقد طُبعت علية أثار أنامل حسام بشكل مؤذى وهى تقول :
– انت مالك ومالى , وازاى أصلاً تعمل كدة ؟
– واضح انك مخدتيش بالك من اللى انا قلتهولك الصبح
– لا خدت بالى , انت قلت انك هتنفذ وصيت عمك وانا كمان موافقة , واخر الشهر هنتبرع بفلوسنا للجمعيات الخيرية
رد بتحدى قائلاً :
– اوكى تمام , بس دة برده مش هيلغى اللى وصانى بيه عمى , انى مسئول عنك حتى لو مش هتجوزك
نظرت إليه بغيظ وهى تقول :
– يعنى اية ؟ هو انا مش هخلص منك ابداً ؟
عقد يديه أمام صدره ونظر لها بإنتصار قائلاً :
– عليكى نور , انتى من هنا ورايح مسئولة منى , ومفيش أى تصرف تعمليه غير لما ترجعيلى
قالت وهى تهم بالصعود إلى غرفتها :
– دة فى أحلامك
– جربى كدة , وشوفى هيحصل اية ؟
لم ترد عليه وهمت بالإنصراف وهى تضغط على أسنانها من الغيظ
فإستطرد قائلاً بصرامة :
– الواد الملزق اللى كان برة دة مشفكيش معاه تانى
إستدارت والشرر يتطاير من عينيها وهى تقول :
– انت زودتها اوى , تامر دة يعتبر خطيبى وقريب أوى هنتجوز
– تمام , لغاية بقى ما يجى يطلبك منى وانا اوافق , مشفكيش معاه تانى
قالت بحروف متلعثمة من صدمتها لما تسمع :
– انت اية اللى بتقوله دة ؟ انت فاكر نفسك ولى أمرى ؟
– ايوة , فعلا أنا ولى أمرك , ودى وصية عمى
هم بالرحيل حتى ينهى هذة المناقشة السخيفة , وعند الباب إستدار بجسده وهو يقول :
– مفيش خروج من غير اذنى خليكى فاكرة , وعلى فكرة أنا زعلى وحش , وأنصحك متحاوليش تزعلينى
وتركها ورحل وهى فى قمة غضبها وكأنها كالبركان الذى حركه هو بكلماته التى أسقطها عليها , فما إن غادر حتى بدأت بالصراخ وهى تكسركل ما يقابلها , وبدأت مربيتها فى محاولات لتهدئتها
حتى أقنعتها بأخذ حماماً دافئاً لتهدئتها

خرجت من الحمام , وإستكانت فى فراشها كالملاك , من يرها فى هذا الوضع لم يعرف أنها من كانت ثائرة منذ لحظات , لم تحاول التفكير بشئ فقد غلبها النعاس من تعبها طوال النهار وإجهادها العصبى بعد ما تلقته من حديث حسام
جلست مربيتها بجانبها وعلى وجهها إبتسامة رضا وهى تقول فى نفسها :
– الحمد لله , أهو أنا دلوقتى بس مش خايفة عليكى ياحبيبتى
وبدأت تدعو ربها أن يهدى بوسى ويتمم زواجها بحسام

**************

كان حسام يشعر بالضيق , فهو لم يكن يريد أن يبدأ معها أول صدام بهذا الشكل
ولكنه برر فعله بأنها هى من دفعته لهذا بتصرفتها المبالغة فى الإستهتار
أنب نفسه كثيراً أنه تعامل معاها بهذه الخشونة وهو لم يتعود على هذه المعاملة مع أحد خصوصاً لو كانت من الجنس اللطيف
تذكر شكل ذراعها المتأذى من أثر يده عليه , إبتسم وهو يقول فى نفسه :
– اد اية رقيقة يا بوسى , بس تستاهلى

***************

قال أحمد بغضب :
– يعنى هتتجوزه بالعافية ؟ ازاى ابوها يعمل فيها كدة ؟
ليرد حسين والده :
– واحنا مالنا يابنى , بس بصراحة البت دى متستاهلش غير واحد زى الأستاذ حسام هو اللى هيعرف يشكمها
– ازاى بس انت مشفتش كان بيتعامل معاها ازاى لما خرجها من عربية اللى اسمه تامر دة , دة أنا سامعها قعدت تصرخ يجى ساعتين بعد ما هو مشى
– يلا خليه يأدبها , يمكن يكون دة فى مصلحتها محدش عارف الخير فين ولا هى حتى عارفة مصلحتها فين
نظر أمامه بعيون ماكرة وهو يقول فى نفسه :
– انا بقى عارف مصلحتها فين ………..

رواية القطة المدللة.

بقلم/ إكرام يوسف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *