سطور عاتقها القلب ٢

– نرجع يا هانم

هتفت بها المرافقة بعدما شعرت بالضيق من وقفتها في الطين هكدا، وقد اتسخت ملابسها

– ارجعي انتي، صفا هتاخدني تفرجني علي المكان

اتسعت حدقتي “صفا” ذهولا من طلبها..، ولكن سرعان ما حركت رأسها بحماقة.. ،وكأن السيدة الكبيرة تراها

– مش كده يا صفا، ولا عندك شغل

– عامر بيه، مفهمني مسيبش حضرتك يا هانم

ولكن “ناهد” انتظرت سماع عبارة الواقفه

– من عنيا

وببساطة كانت تجيبها، ابتعدت المرافقة..، بعدما احتلت” صفا” مكانها وقد ابتسمت “ناهد” وهي تستمع لصوت المرافقة المتذمر

أتبعتهم المرافقة غاضبه، ولو غصب السيد عامر، لكانت عادت لبيت المزرعة

طالت الجوله، وقد ضجرت التي تسير خلفهم، ولكن “ناهد” كانت مستمتعه رغم تعب ساقيها..، ولكن فجأة توقفت عن السير تلتقط أنفاسها.. ،ف أسرعت المرافقة إليه تدفع “صفا” عنها

– مش قولتلك يا هانم نرجع، اه ميعاد الدوا جيه وإحنا لسا برة المزرعه

– طيب فين علاجها ، بدل ما بتتكلمي ادهولها

حدقت بها المرافقه بملامح ممتعضة، وتجاهلتها تبحث في هاتفها عن حتي تُهاتف رب عملها لتُخبره عما حدث، رمقتها “صفا” بغضب ولكن سرعان ما كان يتملكها الخوف وهي تري وتيرة أنفاسها ترتفع وتلتقط أنفاسها بصعوبة.. ، انتبهت علي صوت المرافقة وهي تُحادث الطرف الأخر بخوف وتعلم ما ينتظرها حينا العودة

– حاولي تاخدي نفسك براحك يا هانم

وعندما انتبهت علي وجود “صفا” هتفت بضيق

– أنتِ لسا واقفه هنا، البيه لو جيه وشافك فيها طردك

امتقعت ملامح “صفا” وتجاهلتها، فقلقها كان منصب نحو السيده الجميلة التي ذكرتها بوالدتها

– هطمن عليها ومشي

– يبقى خليكي واقفه ، لأن البيه لازم يعرف إنك السبب

****

الفصل الحادي عشر

**********

وهل تتوانى المرافقه في عملها، بالطبع لا..، ف السيد الكبير قد جاء هو بذاته،

ملامحه كانت قاتمة، وعيناه رصدتها بنظرات سريعه، فتركت “صفا” ذراع السيدة الكبيرة وتراجعت خوفاً من نظراته صوبها

وبعبارات سريعة، وهو يسند والدته ، بعدما أعطاها حبة الدواء سريعاً..، كانت المرافقة تسرد عليه ما حدث، وإصرار السيدة الكبيرة علي إصطحاب هذه الفتاة معهم

توترت صفا ، وهي تري نظرات “عامر” تعود إليها، وبهمس خافت بسبب ربكتها كانت تهتف عبارتها وتسرع في خطواتها مُغادرة

– الحمدلله إني اطمنت عليكي يا ناهد هانم، مضطرية أمشي لاني اتأخرت

تحركت بضعة خطوات، ولكن تجمدت في خطوتها وهي تستمع لصوته الذي صدح خلفها، وقد اتسعت ابتسامة المرافقة, ف السيد سيصب غضبه أخيراً عليها ، وليست هي .. بعدما خشيت من صمته

– اسمك إيه ؟

شعرت بالحزن لفقدها وظيفتها، ولكن شجعت نفسها والتفت نحوه بقوة، فهل سيطردها لأنها اقتربت من والدته ؟..، وما دام سيتأخذ قرار ظالم من رجل متعجرف مثله..، فالتنال شرف القوة أمامه

– صفا

– سيبها يا عامر، البنت هتتأخر علي أهلها ، أنا اللي طلبت منها ترافقني

خرج صوت “السيدة ناهد” بعدما هدأت وتيرة أنفاسها واستطاعت أن تتحدث

لم تدع له “صفا” مجال لحديث أخر، وسارت من أمامه فقد فعلت ما ارادته مع هذه السيده وقد فرحت لسعادتها وهي ترافقها،

سارت أمامه دون أن تنتظره أن يهتف بشئ اخر..،

وضع والدته داخل السيارة وجلست جوارها المرافقة ..، وانطلق بعدها عائداً لداخل المزرعة، ولكن وقوع عيناه عليها وهي تسير بالطريق بخيلاء، جعل عيناه تحتد، فهو لن يمرر لها تجاهلها ، فما دام عامله لدية سيعرف كيف يُعلمها أن تنتظر سماع حديثه حتي يصرفها هو

………..

وقعت عيناها علي عمتها وقد خرجت للتو من باب المنزل تضع فوق خصلاتها حجابها بعجالة..، بعدما شعرت بالخوف عليها

أسرعت نحوها “صفا”، فتنفست عمتها براحة تضمها إليها

– إيه اللي اخرك يا صفا، ده أنتي خارجة من المزرعة بدري النهاردة..، عمك صابر خرج يدور عليكي

وبانفاس متقطعة، وبصوت حزين

– أنتِ أمانة اخويا يا بنتي

التمعت الدموع في عينين “صافية”، فتمالكت “صفا” دموعها حتى لا تذرف الدموع أمامها وتبكي معها

– انا كويسه يا عمتي، خلينا بس نكلم عمي صابر ونقوله إني رجعت

دلفت مع عمتها، فاسرعت “جنه” نحوها بلهفة بعدما خرجت من المطبخ الصغير

– صفا، كنتي فين

والسؤال كان يتكرر لها من العم صابر، ولم يكن عليها إلا أن تخبرهم بما حدث علي طاولة طعامهم الصغيرة

– ربنا يستر يا بنتي، والبيه ما يخدش الموضوع من ناحية تانيه

واردفت ” صافية” بقلق

– أنا بسمع إنه راجل صعب اوي، وقلبه قاسي

– أنتِ هتخوفي البنت يا صافيه

وبحنو ابوي، كان يُطالعها ” العم صابر”

– متخافيش يا صفا، أنتِ ساعدتي ست كبيرة، حبيتي تتمشى معاها عشان تفرحيها

وهنا كان يخرج صوت “جنه” التي تركت باقية الحديث ولم تُركز إلا في ربط الأمور ببعضها

– علي كده حلو زي اخوه يا صفا ابو عيون زرق ، ولا راجل عجوز

اتسعت حدقتي “صفا” من غباء ابنة عمتها، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى صدمتها تنظر لها بشماته، بعدما لطمتها عمتها بحذائها هاتفه

– بنت قليلة الأدب

………

ذهبت “صفا” لعملها بملامح سعيدة، وقد تناست ما حدث ليلة أمس، فقد رأت والديها في حلم جميل، يبتسموا لها يخبروها أنهم معها ولم يتركوها.. ،صحيح استيقظت في الصباح تبحث عنهم وقد سقطت دموعها ولكن عمتها اخبرتها إنهم مرتاحين في قبرهم ولا يريدون إلا سعادتها

– كل ده تأخير يا صفا

طالعت” السيد فتحي” الذي وقف في الغرفة يدور بها يُحادث نفسه، فعن أي تأخير يتحدث وهي لم تتأخر سوي خمس دقائق

– معلش يا استاذ فتحي، دول خمس دقايق بس

– انتِ هتفضلي ترغي معايا، نضفي بسرعة المكتب البيه بيمر في المزرعه

دفع إليها قطعه القماش والمكنسة، وانصرف بعدها، وقفت تنظر لما دفعه إليها، وقد ضاقت عيناها ولكن سرعان ما كانت تُخبر حالها بالصبر، فلن تجد وظيفه في البلده ، إذا اضاعت وظيفتها

بدأت في تنظيف المكتب ولكن بلكاعة عناداً لهذا الرجل، ولكن توقفت مكانها مفزوعة وهي تستمع لصوت “فتحي” يُرحب بالسيد الكبير

– اتفضل يا عامر بيه

وعامر لم يكن هدفه إلا ليري هذه الفتاة..، وجدها واقفه جوار مكتب “فتحي” تنظفه

– ابعدي كده يا صفا، خلي البيه يقعد في مكانه

واندفع نحو المقعد، ينظفه له..، فاقترب عامر من المقعد بعدما رمق الواقفه، ومن نظرته لها فهمت ما أراد إيصاله لها ولكنها لم تعبأ بنظراته

– اعملي قهوة للبيه يا صفا

– مبعرفش اعمل قهوة يا استاذ فتحي

فاتسعت عينين “فتحي” ذعراً، بعدما سمع عبارتها

– قهوة سادة يا فتحي، اكيد عارف قهوتي

التف “فتحي” نحو “عامر” بعدما رمق صفا بنظرة قوية وصرفها برأسه

– يلا يا صفا، اعملي قهوه للبيه..

كرر “فتحي” عبارته ،متجاهلاً ردها، واقسم داخله، إذا تحدثت بشئ أخر سيطردها

ابتعدت تعد القهوة، ومن نظرات “عامر” إليه.. ،توتر فتحي واقترب منه يُخبره عنها.. ،أعطاه “فتحي ” تفاصيل حياتها، وقد كانت تستمع لحديثه دون أن تهتم، ولكن عندما ذكر حادثة والديها وأنها فتاه يتيمة اشفق عليها، كانت معالم الحزن ترتسم فوق ملامحها , فالتفت بجسدها نحوهم، لتتعلق عيناها بعينين هذا الرجل الذي جلس يترصدها

………..

توقف “محسن” جوار غرفة ابنته، يستمع إليها مع شقيقته , وهي تعد حقيبتها من أجل الذهاب لفرع شركة الأخر بمدينة الإسكندرية

– كده يا فريدة، عايزه تبعدي

– يا عمتو ديه إسكندرية، يعني مش مكان بعيد..

واقتربت منها تمازحها

– ما أنا كنت بدرس بره، واتعودتوا علي عدم وجودي

– بس بقيت متعلقه بيكي يا حببتي، ومبقتش اقدر اتخيل البيت من غيرك

تأثر “محسن” من الحديث الذي يسمعه، فقد اضاق الدائرة حول أبنته، بعدما رفضت أن تتزوج “عامر السيوفي”، ولم يكن الحل أمامها إلا أن تبتعد عنه..، أراد أن يتراجع ويترك لها الحرية..، فليس لديه إلا هي

– متزعليش من محسن يا حببتي، هو يمكن تفكيره غلط، ومش قادر يفهم إنك كنتي بتحبي احمد

– هو اللي اجبرني يا عمتو

هتفت بها “فريدة” بعدما اغلقت حقيبتها ووضعتها جانباً، واردفت بملامح حزينه

– اتجوز إزاي واحد كنت بحب أخوه

– صحيح عامر كبير عنك يا فريدة، وشكله من برة يوحي إنه راجل صعب، بس حقيقي يا بنتي أنا احترمته، بعد اللي اعمله معاكي

انتبهت حواس “محسن” بعدما تحرك من مكانه، ولكنه توقف يستمع لباقية الحديث

طالعت عمتها، ولم يكن شعورها هي الأخرى مختلف نحو هذا الرجل

– أنا كمان احترمته، كفايه إنه مشوهش صورتي ولا استغل اللي حصل وفضحني قدام بابا، بعد كلامه السخيف..

واردفت بملامح مستاءه، كارهة لما فعلته

– أنا مش قادرة أتخيل إني كان مهم يحصل علاقه بينا، لولا إنه كان متأكد إني في حاله غريبه

اتسعت عينين ” محسن” لا يستوعب ما يسمعه، هل كانت ستحدث علاقة بين أبنته وعامر السيوفي؟

– أنتِ بتقولي إيه؟..

تجمدت ملامح “فريدة” و “كريمة” التي تجمدت عيناها هي الأخري نحو شقيقها الذي دلف الغرفة وعلي ما يبدو إنه إستمع لحديثهم

– بابا، أنت مش فاهم حاجة

وهنا كان يصرخ بها محسن

– جوازك من عامر السيوفي هيتم يا فريدة

………..

انتفضت ” صفا” من مكانها بخوف، بعدما جاء احد العمال يُخبرها عن سقوط زوج عمتها بالأرض وعمتها منهارة لا تقوى علي الحركة..، تركت كل شئ واندفعت مع العامل في إحدى السيارات الخاصه بنقل صناديق الفاكهه

هرولت راكضه بعدما هبطت من السيارة ودموعها تغرق خديها، فلم تعد تتحمل فكرة الفقد والفراق ثانية..، وجدت الجميع متجمع حول جسد زوج عمتها الواهن، وعمتها تجلس جواره باكية..،

وقعت عينين الواقف بشموخه عليها.. ،وهي تجثو فوق ركبتيها تخبر زوج عمتها

– هتكون كويس، متسبنيش أنت كمان

ابتسم نحوها صابر يُحاول التقاط أنفاسه

– متخافيش يا بنتي

– فين عربية الإسعاف يا فتحي

وفتحي يقترب منه خائفًا

– علي وصول يا عامر بيه

……….

كان يوم عصيب عليهم، يوم انهكهم من شدة البكاء والخوف، تركت “السيدة صافية” زوجها يرتاح فوق فراشه.. ،وخرجت من الغرفة متجها نحو غرفة الفتيات..، فوجدتهم يجلسون بملامح باهتة حزينه

– محضرتوش لينا العشا يا بنات

انتبهت “جنه” علي صوت والدتها، واطرقت رأسها حزناً

– مين ليه نفس يا ماما

فطافت من عينين “صافية” دمعه حاولت إخفاءها ولكن دموعها اخذت تنساب فوق خديها ..، اجهشوا ثلاثتهم في بكاء مرير

– خوفت علي أبوكي النهاردة، كنا هنعمل إيه لو راح مننا يا بنتي

تعالت شهقات “جنه” ، اما صفا ابتعدت عنهم..، تختلي بنفسها..، فقد اقتحم ذلك اليوم عقلها رغم اقترب عام علي وفاتهم

– الدكتور بيقول، لو الموضوع اتكرر تاني.. بابا هيحتاج عملية ضروري

طالعتها “صافيه” وقد علمت معني العجز اليوم، تفرد يديها فوق فخذيها

– كنا هنجيب فلوس منين يا بنتي..، ربك رحيم بينا

……..

قد عاد الأسد لعرينه ثانية، هكذا كان يتحدث موظفينه وهو يدلف من باب الشركة، يسير بخيلاء وبقوة تحت نظرات كل من يراه

دلفت سكرتيرته خلفه، تهتف بترحيب، واقتربت منه تضع الملفات فوق سطح مكتبه

– محتاجين توقيعك يا فندم

وقبل أن ينظر بهم، كان “محسن” يدلف لغرفته..، ومن نظرة عينيه.. ،كان يفهم سبب حضورة اليوم

اصرف سكرتيرته بنظرة من عينيه، فغادرت علي الفور واغلقت الباب خلفها

– تليفوناتك مقفوله، الظاهر مكنتش عايز حاجة تزعجك في اجازتك

تمتم ” محسن” حديثه وعلي وجهه علامات الضيق، فنهض عامر عن مقعده، واقترب منه يرمقه بجمود

– خير يا محسن بيه

ومحسن يهتف بغضب، وقد اقترب منه هو الاخر

– مش عيب يا باشا، اعرف الحقيقه كامله من دردشة ستات…

……..

هل ستأتي عروس السيد الكبير اليوم، الكل كان يتحدث أمامها ولكن “ناهد” لم تكن تهتم بالأمر، ف زواج عامر خاصة بتلك الطريقه.. ،وراءه شئ خفي..، ولكنها كانت تشعر بالحزن أن تسمع الأمر من الخدم

واخيراً دلف غرفة والدته، بعدما صرف المرافقة لها، مشيرا لها أن تُغادر الغرفه

أسرعت في تلبية أمره، بعد أن نوالت الجالسة فوق فراشها كأس الماء، وارتشفت منه

– اكيد سمعتي إني هتجوز النهارده..، الجواز من غير حفله ومقتصر علي بعض المعارف في بيت والدها..، لكن قريب هنعمل حفلة هنا

القى عبارته، والتف بجسده مغادراً

– هتتجوز جوازه مش مقتنع بيها

تمتمت بها “ناهد”، ودون أن تترك له مجال للجواب عليها..، أردفت متهكمة

– مش هي ديه البنت اللي خليت الخدامه تعرفها عليا، وكنت بتسعي إنك تجوزها لأحمد

– ناهد هانم

هتف بحدة، ومسح فوق وجهه..، فهو بالكاد يتحمل أمر هذه الزيجة التي ظن إنه تخلص منها، ولكن “محسن الصواف” كان مصّر عليها وهو يعلم هدفه الذي لن يحققه له

تأكدت “ناهد” ان هذه الزيجة وراءها شئ، شئ اجبر ولدها البكر، بأن يتخذ قرار الزواج بعد هذا العمر

– مبرك يا بني

قالتها بهدوء..، ولم تكن تنتظر أن يجيبها..، استمعت لصوت الباب وهو يُغلق.. فتنهدت بأسي

– كان نفسي تتجوز واحدة، تاخد قلبك يا عامر وتكون فرحان بيها.. ،يمكن قلبك يلين عليا يا بني

……..

طالعته ” أميرة” بابتسامة واسعه، وهي تدير مفتاح سيارتها التي دارت علي الفور

– أنا مش عارفه اشكرك حقيقي إزاي

وخرجت من سيارتها، تهتف بكلمات شاكرة..، فوفقت عيناها علي قميصه الذي اتسخ

– من حظي أن السيارة بتاعتك بتمر من هنا، و من سوء حظك إن وقفت بعربيتك عشان تساعدني

ضحك” احمد” علي عبارتها، ورفع كفه نحو وجهه يمسحه..، ولكنها أسرعت تمسح عنه عرقه

– ايدك مليانه شحم

حركت اناملها بخفه فوق جبينه، واقتربت منه حتي لم يعد يفصلها إلا انفاسهم ، ابتعد عنها مبتسماً

– زي ما قولتلك العربية محتاجه تروح لميكانيكي

اماءت له برأسها متفهمه، وعادت تشكره مجدداً

– خلاص كفايه شكر يا بشمهندسه

وانصرف بعدها، بعدما أخبرته إنها ستكون في المطعم الذي يزوره

– هستناك

تمتمت بها، بعدما لوحت له بيدها..، فانطلق بسيارته ولا شئ يشغل باله إلا نجاحه هنا

وهكذا كانت تسير “أميره” في خطتها، ببطئ وذكاء..، وهذه هي الخطوة الثانية لها، وقد اختارت بذكائها الموقع الممتاز

……..

توقفت خلفها عمتها بعدما خرجت مصصفة الشعر، ابتسمت لها ببهوت، فهتفت فريدة وهي تطالع نظراتها لها عبر المرآة

– مكنش نفسك اكون زيك

واردفت بحزن، وهي تقاوم دموعها وتعود قوية كما كانت

– اظاهر إن نصيبي نفس نصيبك يا عمتي

ضمته “كريمه” نحوها بقوه، تخبرها إنها افضل واقوي منها

– أنتِ أقوى مني يا فريدة، كان نفسي تكوني فرحانه بجوازك يا بنتي

واردفت بأسي بعدما ابتعدت عنها فريدة

– كان نفسي افرح بيكي، واشوف السعاده في عنيكي

ولكن أين هذه السعادة، واين هي فرحتها.. ،و والدها يقترب منها يمدّ لها ذراعها غير عابئ بما فعله بها ودفعها نحو هذه الزيجة التي تمناها

– كفايه كلام يا كريمة، المأذون وصل

ولم تكن تستوعب أين اخذتها قدماها، حتي سمعت والديها يُخبرها أن توقع اسمها، التقت عيناها بذلك الذي جلس يُطالعها بجمود يعرف كيف بظهره أمام الناس.

……

وفي خطوات هادئة، كانت تدلف برفقته منزلها، سار أمامها صاعداً الدرج دون أن يعبأ بوقوفه، ولكنه كان يشعر بالأختناق.. ،لا يعلم ما هو السبب ولكنه كان يختنق من الداخل

“عامر السيوفي ” بكل ما يملكه لم يكن سعيد..، وقف أعلى درج ينظر إليها بهدوء

– اطلعي يا فريدة

صعدت خلفه ببطئ، تنظر حولها في المكان الخالي.. ،وقد اصرف هو العاملين من منزل عدا مرافقه والدته لأنه لم يكن يريد أحدا بالمنزل هذه الليله

اقترب من إحدى الغرف يُشير إليها

– ديه اوضتك

ابتسمت بتوتر وهي تتقدم من الغرفه، ولا تعرف ما ستقوله له، ففضلت الصمت

– تصبحي علي خير

وببساطه كان يُكمل حديثه، متجهاً نحو غرفته..، تنفست براحه، ودلفت الغرفة.. ، فلم يحدث ما اراده والدها..، والسيد محسن كان لا يُريد إلا إتمام الزيجة فعلياً

………

– لا يا صابر مش هتنزل الشغل، أنت مش شايف نفسك تعبان إزاي

– ولما اقعد من الشغل، مين هيصرف يا صافيه

هتف بها صابر بعدما نهض من فوق فراشه بصعوبه ولكنه تظاهر إنه بخير

– أنا بشتغل، وجنه كلها شهر وتتخرج وتساعدني

احتدت معالم صابر، ولأول مره كان يصرخ بها

– شيفاني مش راجل قدامك يا صافيه

خشيت ” صفا” الاقتراب منهم، بعدما سمعت صوتهم المحتد..، توقفت عن تناول فطورها

– انت سيد الرجاله يا صابر، بس أنت لسا تعبان يا اخويا

ابتسمت “صفا” وقد اعجبها هدوء عمتها وامتصاصها لغضب زوجها

– عارف يا ام جنه إنك خايفه عليا

واقترب منها يمسح دموعها التي علقت بعينيها، يضمها إليه، ويلثم رأسها

– لو تعبت يا صافيه، هروح.. ،لكن لو فضلت قاعد هخسر مصدر رزقنا يا صافيه

وفي النهاية كانت ترضخ لعناده

……..

دلفت “فريدة” لغرفة “السيدة ناهد”، تنظر إليها والمرافقة تطعمها وجبة غدائها

يومان مروا علي تلك الزيجة، وقد غادر اليوم عامر لعمله..، ف تذكرت حنقه من والدها الذي تسأل لما لم يذهبوا لعطلة زواج يريحوا بها اعصابهم

فتركتها هي الجواب له، حتى يُجيب والدها.. ،والإجابة إنها ليس متفرغ لهذا الهراء

ضحكت داخلها وهي تتذكر ملامح والدها، ولكنها كانت سعيده مما يفعله عامر، امامه وقد اتفقوا علي هذا الأمر حتي يشعر والدها بذنبها وما اقترفه

– صباح الخير

– قصدك مساء الخير

ارتفع حاجب “فريدة” في دهشة وهي تستمع لردها عليه، ولكنها تجاوزته.. ،فمهما كانت هي سيدة عجوزها ضريرة

– اخبار حضرتك إيه النهاردة

التفت “ناهد” نحو الصوت، وتمتمت بهدوء

– بخير

– قولت اجي اسأل عن حضرتك

والعروس أخيراً، قد تذكرت حماتها..، هكذا حادثت ” ناهد” حالها

ارتبكت “فريدة ” من نظرتها وعباراتها المقتضبه، فلم تجد إلا ما هو بارعة فيه..، وهو النقد ولقاء الأوامر علي الخادمة

كانت “ناهد” تستمع إليها. ،ولم تكن تري فيها إلا شبابها..، وإذا استطاعت أن تلك لقلب ابنها..، ستكون هي القوي المسيطره وسترهقه من دلالها.

…….

وقفت “صفا ” جوار فراش العم صابر، الذي عاد مبكراً من العمل واستطاعت العودة معه بعدما اذن لها “السيد فتحي” لترافقه

– انا بشتغل وعمتي بتشتغل..، ليه عايز تتعب نفسك يا عمي

ابتسم “صابر” بوهن، يرمقها بحنان

– واكون عبأ ليكم يا بنتي، بدل ما اريحكم

فالتقطت “صفا” كفه تمسح فوقه

– وجودك وسطينا ده أهم حاجة

وفي تلك اللحظة كانت تندفع جنه لحضن والدها بعدما أتت من الجامعه..، تخبره بحبها لها وإنها لا تتخيل العيش دونه

……….

تناولت طعامها بهدوء، تنظر إليه من حينا إلى آخر، حتى زفرت أنفاسها ضجراً، فرفع وجهه عن طبقه يسألها

– في حاجة عايزه تتكلمي فيها يا فريدة

تركت شوكتها، ونظرت إليه بحماس

– عايزه ارجع شغلي من تاني

– مش شايفه إن نزولك للشغل مينفعش حاليا

اماءت برأسها له متفهمه

– يعني مش معترض علي الفكرة، وتقولي لما ننفصل الأول

ابتسم إليه، رغم إنه قليل التبسم..، إلا إنه لم يكن يُريد ظلمها كما فعل والدها

– طبعا مش معترض يا فريدة، جوازنا مصيره معروف..، فمش هقف قدام مستقبلك

وبفضول كانت تسأله

– يعني سؤال مستقبلي شويه

فانتظر سماعها، فتعلقت عيناها به

– لو لقيت شريكة حياتك اللي بتدور عليها صح، هتخليها تشتغل وتدور علي مستقبلها

وبتملك عجيب كان يُجيبها، بعدما مسح شفتيه ونهض عن طاوله الطعام

– الست اللي هتجوزها هتكون ليا انا و ولادنا وبس..، مستقبلها هيكون إحنا

ألقاها وانصرف، فقطبت حاجبيها.. ،تتذكر حديث ” أحمد” المختلف عنه..

………

دلف لغرفة والدته، بعدما أخبرته المرافقة لها إنها تُريده، شعرت بوجوده فاخبرته بصراحه

– اتجوزت نسخه مني يا عامر

تجاهل عبارتها، وتسأل

– المرافقة الجديدة، قالتلي إنك عايزانى

ابتسمت وهي تراه يتجاوز حديثها، وقد علمت إن الأمر لا يعنيه من صفات فريدة..، ف بالتأكيد لن تظل هذه الفتاه طويلا معهم

– مش عايزة المرافقة الجديدة

– ليه؟

انتظر أن تخبره بعدما حبها للمرافقه الثانية التي أتي بها بعد حنان ولكنها لم تعطيه الجواب

– هاتلى البنت اللي شوفتها في المزرعه

قطب جبينها يُحاول أن يتذكر من هذه الفتاة التي تقصدها، ولكنه كيف ينسى تلك الفتاه صاحبة النظرات القوية التي لا تهتم بأحد..

…………….

دفنت وجهها بين الدفاتر، ذلك العمل المميت الروتيني، الذي أصبح يغمسها في حياة لم تكن تحلم بها يوماً.. ، دلكت جبينها وعنقها من شدة إرهاقها.. ،إرهاق أصبح مصاحب لها من تفكيرها الشديد، في المال الذي يحتاجه زوج عمتها من أجل دواءه الباهظ

دلف “السيد فتحي” المكتب وعندما وجد بضعة سندوتشات أمامها ولم تمس شئ منهما..، اقترب يلتقط منها أحدهم يقضمه

– عندي ليكي خبر حلو يا صفا

اتسعت عيناها فرحاً، ووقفت من مكانها تسأله

– هتسمح لعمي صابر يشتغل نص يوم، وتديله يوميته كامله

– هو انا فاتحه جمعيه خيريه، لعيله صابر

تهدل كتفيها بخيبة من هذا الرجل، الذي لا يشعر بسلاطه لسانه، فقدت حماسها وعادت لمكانها..، تزفر أنفاسها بقلة حيله.

– مسألتيش يعني إيه الخبر السعيد يا صفا

– هو في حاجة تفرح يا استاذ فتحي

وهتفت داخلها حتي لا يسمعها

” مافيش خبر بيجي منك يفرح”

– الهانم الكبيرة، عايزاكي تشتغلي عندك

فاتسعت حدقتيها ، بعدما رفعت عيناها نحوه، بل تستوعب ما تفوه به

– البيه طلب مني، أعرض عليكي شغل في القصر عنده..، مرافقه للهانم الكبيرة

أنتظر “فتحي” ، سماع موافقتها …، ولكنها ظلت واقفه تحدق به لا تستوعب ما يتحدث عنه

– ديه فرصه متتعوضش يا صفا ..، فرصة تساعدي بيها جوز عمتك الغلبان

واقترب منها يُخبرها عن الراتب الضخم الذي تحصل عليه ، وعن العيشة التي ستعيشها في هذا القصر

****

الفصل الثاني عشر

****

ظلت الأنظار عالقه بين ثلاثتهم ، إلي أن هتفت عمتها ، بعدما بدأت تستوعب ما تفوهت به أبنه أخيها:

– لاء ياصفا ، أزاي أوافق تعيشي بعيد عني

واردفت متحسرة علي الحال الذي اصبحت فيه أبنه شقيقها

– عايزه تبقي مرافقه ، مش كفايه بهدلتك في شغل المزرعه ..، ده أنتي مكنتيش متعوده علي البهدله ديه يا بنت الغالي

تمتمت بها “صافيه” وذرفت دموعها ،فاردف “صابر” بعجز وألم بعد حديث زوجته :

– ليه يابنتي عايزه تحسسيني إني خلاص بقيت عاجز

فاسرعت صفا نحوه ، تقبل كفيه

– أنا شوفت الست ديه ، وحبيتها ..، مش يمكن ربنا بعتني ليها

وبقلة حيله ونواح كانت تهتف صافيه :

– اقول لأخويا الله يرحمه إيه ، اقوله أني مقدرتش اتحمل مسئولية بنتك .. اقوله سيبتها للدنيا تلطش فيها ..

وصابر لم يكن حاله اقل منها ، إنه يفهم سبب أقتناعها بهذا العمل ..، العمل الذي عرضت عليه زوجته ان تعمل به منذ أشهر ولكنه رفض ..، انتظرت “صفا” جوابهم فليس لديها فرصة إلا في هذا المنزل بذلك الراتب الضخم الذي أخبرها به فتحي.

نظرت “صافيه” نحو زوجها القابع مكانه بضعف ، تتوسل اليه بنظراتها بأن يقول شيئا , يجعلها تتراجع عن تلك الوظيفه ، طالع “صابر” تلك الواقفة تنظر إليه برجاء ، فإذا اقتنع هو ستقتنع عمتها :

– فكري تاني ياصفا يابنتي ، و أوعي للحظه تفتكري أنك عبأ علينا يا بنتي ..، حسن الله يرحمه كانت جمايله كتيره عليا ..

ولكنها كانت مُصرة علي الذهاب ، حتي تحصل علي الأموال التي ستُساعدهم بها

– يمكن تكون صفحه جديده من حياتي ، ولو مرتحتش أوعدك هرجع علطول

وبوعد أخذوه منها ، كان يوافقوا ..، فليس بيدهم شئ ما دام هي تُريد ذلك

دمعت عينين “صافيه” فاقتربت منها تحتضنها بقوة ، تؤكد لها ..، إنها إذا لم تجد حالها في هذا العمل ..، ستعود للقرية ..، كما أن “السيد فتحي” وعدها أن وظيفتها هنا ستظل محفوظه.

……………………………………………………..

ظلت طيلت ليلتها ، تتقلب في فراشها وتسأل نفسها سؤالاً واحد؟

هل ستسطيع تحمل ما هو قادم ، فالعمل في قصر كبير لدي هذا الرجل الذي جعلها تخافه ، منذ أول لقاء لها معه لن يكون سهلاً عليها

أغمضت عينيها ، وقد بدأت أحلامها تسيرأمام عينيها ، تتذكر أحلامها الورديه بأن تصبح يوما ما ذات شأن في شركة كبيرة خاصة بمجالها ، وابتسامه حزينه أرتسمت فوق شفتيها وهي تتذكر ..، كم كانت تظن أن الحياة تفتح لها ذراعيها وتنتظرها حتي تحقق لها أحلامها ، ولكن احلامها جعلتها تغفل عن الحقيقة..، فالأحلام ليست سهلة المنال

فتحت عينيها وتنهدت بثقل ، تنظر لسقف الغرفة كعادتها

– هتقدري تستحملي اللي جاي ياصفا

أقتربت منها “جنه” بعدما شعرت بها ، وكانت مثلها قد جفاها النوم

– وافقتي علي الشغل عشان علاج بابا يا صفا مش كده

وسقطت دموع “جنه ” ، وقد تذكرت أعمامها

– إزاي في ناس قلبهم قاسي كده ، عمرهم ما فكروا يسألوا علي اخوهم ..، عايشين في العز ، واخوهم مش لاقي حق العلاج ، وبيشتغل مجرد فلاح في الأرض

أعتدلت “صفا” في رقدتها ، وأحتضنتها ..، وهي أيضاً لا تستوعب كيف لأخوه يفترقون عن شقيقهم لأنه تزوج من أمراه لم يُريدوها في عائلتهم لانها فقيرة ولم تكن هذه المرأه إلا عمتها

– أنتم مش محتاجينهم يا جنه ..، ديما حطي في راسك كده .. الناس اللي تبيعك بعيهم

مسحت “جنه” دموعها ..، وقد أبتسمت علي حديثها ..، ومازحتها حتي تزيل هذا البؤس قليلاً عنهما

– يعني أبيعك يا صفا ، مدام هتبعينا وتبعدي

دفعتها “صفا” عنها ، وقد فصلتها عبارتها ..، التمعت عينين “جنه” بعدما أعتدلت من وضيعتها

– بتبصيلي كده ليه ؟

– أنتِ هتروحي تشتغل في قصر السيوفي ، يعني أبو عيون زرق هتشوفي هناك

وقبل أن تهتف “جنه” بشئ ، اقتربت منها “صفا” تُكمم لها فمها

– الواحد غلطان ..، إنه بيحكيلك عن مشاعره

فتملصت “جنه” من قبضتها ، واخذت تلتقط أنفاسها

– هتمـ,ـوتيني عشان كنت بضحك معاكي

– لأني عارفاكي هتفضحيني ..، لكن عشان أريحك ياجنه وتبطلي جو الأحلام ،

الناس اللي زي ديه مبتحبش غير اللي شبهم يا جنه

رمقتها “جنه” ثم قطبت ما بين حاجبيها ..، فمن هو الذي يعيش الأحلام غيرها ..، فضحكت “صفا” علي هيئتها ..، فهي تقصد حالها وليست أبنه عمتها التي تعيش دوماً علي أرض الواقع.

…………………………………………………………

أنبسطت ملامح “ناهد” بعدما أستمعت لما يُخبرها به ، فلم تكن تُصدق إنه سينفذ لها رغبتها بهذه السرعة ..، ويجلب لها هذه الفتاة ..، كما أرادت

– يعني وافقت تيجي تعيش هنا

وبكبر كان يُجيبها

– ومتوافقش ليه ، ديه هتاخد مرتب عمرها ما حلمت بي

تعجبت “ناهد” من حديثه ، ولكنها لم تهتم بالأمر ..، دلفت “فريدة” الغرفه وقد أستمعت لعبارته متسائله

– هي مين ديه اللي هتيجي هنا

أشاحت “ناهد” وجهها للناحية الأخري ، فتمتم هو قبل أن ينصرف

– المرافقة الجديده

حركت “فريدة” رأسها ، وغادرت الغرفة خلفه ..، اتبعته حتي دلف غرفته ووقفت تتسأل ثانية

– هو أنا ممكن أروح النادي يا عامر

– اعملي اللي أنتي عايزاه يا فريدة

وهكذا كان يُعطيها الحرية في كل شئ ..، فبدأت تشعر بالضجر من الأمر ولا تعلم السبب

انتبهت إنه وقف يزيل عنه قميصه ..، وعندما التقت عيناهم ..، ظن إنها ستُغادر الغرفة ولكنها اقتربت منه ووقفت امامه تزيل عنه قميصه وتُخبره بما يُعجبها به

– تعرف إنك أكتر راجل شوفته مهتم بجسمه ، حقيقي يا عامر اللي يشوفك ميعرفش يحدد سنك

طالعها وهي تتحدث ..، لقد تكيفت “فريده” مع المكان بل وبدأت تعتاد عليه وتقترب منه

توترت وهي تراه يبتعد عنها ، بعدما أزاح عنه يديها برفق ..، انتبهت علي فعلتها ولكن لم تكن تقصد شئ ..، فهي اعتادت علي الصراحه في حديثها

– ممكن يا فريده ، تنزلي تطلبي من الخدامه تحضر العشاء

أماءت له برأسها وهي تعلم إنه يصرفها بذوق ..، فتنهد براحه بعدما رحلت من أمامه ..، يهتف لحاله وغريزته

– اوعي تضعف يا عامر ..، مافيش ست تقدرك تضعفك مهما كان جمالها ورقتها

…………..

وقفت جنه تعد لها حقيبة ثيابها ببؤس ، وقد اصبحت دموعها عالقة بأهدابها تخشي نزولها من أجلها من اجل أن لا تحزنها

– أوعي تعيطي وتقلبيها دراما ياجنه

اماءت لها “جنه” برأسها ، ولكن دموعها انسابت رغماً عنها

– بحول أتقبل إنك هتبعدي عننا يا صفا ..، لكن مش قادره

وبصعوبه ، كانت تتحكم “جنه” في دموعها ..، وحتي تُخرجها “صفا” من هذه الحاله تسالت وهي تنظر نحو الثياب

– أختارتيلي هدوم تليق بسيدات القصور

ابتسمت “جنه” بعدما مسحت دموعها ، ورمقتها بتذمر

– طبعا الليدي صفا ..، هتعيش في قصر وهتبقي من الهوانم

وهكذا بدء المزاح كعادتهم ..، ولكن كل منهن كانت تُفكر فيما سينتظرهم

“صفا” التي سترحل حتي تجني المال ..، من اجل مساعده زوج عمتها في علاجه المكلف

و “جنه” التي بدأت بالفعل تبحث عن عمل ، فقد أوشكت دراستها علي الإنتهاء

…………..

اتبعت خطوات “السيد فتحي” بعدما ترجلت من السيارة الفخمه التي نقلتها من البلده إلي قصر السيوفي .

و في بضعة خطوات قبل الصعود للدرج الرخامي، توقف “فتحي” مبهوراً ككل مرة يأتي فيها إلي هنا ،حيث يطلق عينيه للتحديق في ثراء أبناء السيوفي وما وصلوا إليه..

لم يكن حالها مُختلف عنه ..، فقد وقفت تلتف حولها تنظر للمكان برهبة وعدم تصديق إنهم بهذا الثراء الفاحش ..، ولا تعلم لما أتتها صورة هذا الرجل ..، ليس الشقيق الأكير ..، بل الأصغر الذي رأته منذ بضعة أشهر في المزرعه ..، صاحب العينين الزقاوين الذي لم يترك مخيلتها ..، فكلما قرأت كتاباً يصف فيه كاتبه الشخصيات كانت ترسمه في خيالها ثم تذهب لأحلامهم وتحلم به في حلم ليس إلا سراب تصنعه لحالها ..، وقد عانت لفترة من أحلامها الحمقاء بهذا الرجل حتي بدأت تتنساه

فاقت من شرودها ، وقد أنتبهت علي صوت “فتحي”

فتحي : طلعتي محظوظه يا صفا ، عامر بيه بنفسه يشغلك هنا عنده مرافقة للست كبيره ، والله أعلم إيه تاني ممكن يحصل

تمتم “فتحي بعبارته الأخيره ، ولم تفهم مقصده ..، فهتفت متهكمه وبصوت خافت

– حظ ، والله مافي حد عايش في الحظ غيرك يا فتحي

– بتقولي حاجة يا صفا

فطالعته بعدما حملت حقيبة ملابسها ، بعد أن أخرجها السائق لها

– لا يا أستاذ فتحي ، أنا بقول إني هفتقد شغلي معاك ..، هو في مدير زي حضرتك بيريح موظفينه

فهندم “فتحي” من جلبابه الفخم ، الذي لا يرتديه إلا في المكان التي تناسبه

– اصيله يا صفا ، وعشان كنتي موظفة مجتهده وبتسمي الكلام ..، هوصي عامر بيه عليكي .. ، ما أنتي عارفه ..

وقبل أن يتم عبارته ، كانت تهتف بدلاً عنه بتلك المعلومه التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب

– عارفه يا أستاذ فتحي ، صله القرابه العظيمه بينك وبين الباشا!

فتحت لهم الخادمه أخيراً ، بعدما ضجرت “صفا” من الوقوف وسماع عبارات “فتحي” الفخوره بقرابته مع عائله السيوفي ..، وكيف كان والده صديق لوالد السيد عامر

رحبت بهم الخادمه ، وقد كانت علي علم مسبق بقدومهم

– عامر بيه ، مستنيكم في مكتبه

ارشادتهم نحو المكتب ، الذي يعلم “فتحي” وجهته ..، فسار أمامها..، يفرد جسده وكأن صاحب أملاك وليس من مستخدمين هذا الرجل

وبنبرة جامده ، كان يتسأل “عامر” بعدما رفع وجهه عن الأوراق التي أمامه

– اتأخرت ليه يا فتحي ، المفروض كنت توصل هنا من ساعتين ..

فالتف “فتحي” نحو “صفا” يرمقها حانقاً ..، فهي السبب في تأخيره ..، بعدما وقفت تودع كل من أحبتهم في البلده وكأنها ستُهاجر إلي دولة أخري

– الهانم كانت بتودع أهل القرية

تمتم بها “فتحي ” متهكماً ، فرمقته بضيق لم يخفي عن “عامر” ، الذي نهض عن مقعده ..، يسألها عن أسمها مرة أخري

– قولتيلي أسمك إيه ؟

– صفا

بضيق كانت تخبره أسمها ، فضيق “عامر” عينيه غير مُصدقاً أن هذه الفتاه تُحادثه هكذا ..، رمقها “فتحي” بقوة ..، ولكنها لم تكن تأبي لنظرات فتحي فلم تعد تحت رحمته وقد تركت العمل في مكتبه ودفاتره

– أكيد عارفه وجودك هنا ليه

– مرافقه ، للهانم الكبيره

– يعني عارفة مهامك ، ولا تحبي تسمعيها

وبجمود كان يسألها ..، وقبل أن تُجيبه ..، كان يُخبرها بقواعده في منزله ..، وإذا لم تلتزم فالباب مفتوح أمامها

– طبعا في إلتزام ، واي اوامر الهانم الكبيره تقول عليها تتنفذ

أحتقنت ملامح “صفا” وهي تسمعه ..، فطالعها “فتحي” يحثها ألا تتحدث ..، فتقدم “عامر” للامام يهتف باسم إحدي الخادمات

– سعاد، سعاد

وفي ثواني كانت تدلف الخادمه ، تطرق عيناها أرضا هاتفه بخوف قد ظهر في عينيها :

– نعم ياعامر باشا

فتعلقت عيناه بالواقفة ، وسرعان ما اشاحها عنه متمتما بجمود:

– خدي المرافقة الجديده … ، للهانم !

…………..

هل اصبحت الايام تمر بهذه السرعة ، هكذا كانت تتسأل “صفا” بعدما وقفت أمام المرآة في غرفتها تُهندم ثوبها قبل أن تُغادر غرفتها وتتجه لغرفة السيدة “ناهد”

غادرت غرفتها وهي تتمني ألا تري فرداً واحداً ..، بطبع زوجة ذلك المتعجرف ..، تلك الفتاة التي رأتها في المزرعة من قبل برفقة الشقيق الذي رحل ..، الشقيق الذي تمنت أن تراه ثانية

دلفت لغرفة “السيدة ناهد” وابتسامة واسعة تشق ملامحها وقد وجدتها أستيقظت من نومها تنتظرها

– صباح الخير ، علي سيدة القصر الجميله

ابتسمت “ناهد” بحب ، لتلك الشقية التي أعادت لقلبها السعاده ، بعدما رحلت مرافقتها الحبيبة حنان

– أنتِ بكاشة يا صفا

فتعالت ضحكات “صفا” وهي تقترب منها

– طيب أكدب وادخل النار ..

واقتربت منها هامسة

– مش كفاية الذنوب اللي باخدها وأنا بتريق علي وحش القصر ..، والسفيرة عزيره

صدحت ضحكات “ناهد” هي الأخري ، وقد دمعت عيناها من شدة الضحك

– لا عامر مش وحش يا صفا ..، لكن مافيش مشكله إنك تقولي كده عن فريدة

وهتفت بملامح مستاءه تُخبرها

– مكنش نفسي يتجوز واحده زي

فلطمت “صفا” صدرها بطريقة دراميا ..، تنظر إليها

– هو يحلم يتجوز زيك ، ده أنتِ جميلة الجميلات

وهكذا كانت تأخذها “صفا” من لحظات بؤسها

– أنا كنت نسخه من فريدة يا صفا

وقبل أن تهتف بشئ أخر ، كانت “فريدة” تدلف الغرفة ..، تنظر نحو “صفا” التي تبادلها نفس الشعور في عدم تقبلها منذ أن رأتها في المزرعة

– أنتِ قاعده مكانك ..، ومساعدتيش الهانم تاخد حمامها

وسارت تدق الأرض بحذائها ، ولا تُنكر “صفا” إنها انبهرت بما ترتديه ،ولكن إلي أين ستذهب بهذه الملابس في هذا الصباح

– صباح الخير ، يا ناهد هانم

وأخيراً قد تذكرت الجالسة ، فتمتمت ناهد وهي تُحاول النهوض من فوق فراشها

– صباح الخير

قالتها ناهد بفتور ، وسرعان ما تحولت ملامحها إلي ابتسامه واسعه

– يلا يا صفا ساعديني

شعرت “فريدة” بالحنق من تجاهل ناهد ..، وإهتمامها بهذه الفتاة التي أتت من قرية ريفيه

– أهتمي ب أدوية الهانم ، أنا مش هكون موجوده طول اليوم

هتفت بها “فريدة” ، فوقفت “صفا” مكانها تسمعها ..، إنها تري الحقد في عينيها مما يجعلها لا تهتم بحديثها

– صفا بتهتم بكل حاجة تخصني يا فريدة ..، متقلقيش أنتِ روحي شوفي النادي أو الشوبينج بتاعك

حاولت أن تُدراي “فريدة” حنقها من عبارة ناهد ..، فهتفت قبل أن تغادر الغرفة بخطوات غاضبه

– أنا رايحة الشركة يا ناهد هانم ..، شكل حضرتك نسيتي إني سيدة أعمال

وهكذا كان يمضي هذا الصباح مع مغاردة فريدة القصر ، وخلاصهم من تسلطها المرضي

……..

– انتي بتعيطي ياصفا

تسألت “السيدة ناهد” بقلق ، بعدما توقف يدي صفا فوق خصلاتها الناعمه التي تمشطها لها

فابتسمت “صفا”، بعدما مسحت دموعها وهي تفيض إليها بشوقها لوالديها:

– أصل في ناس وحشوني اووي

وضحكت ضحكة منكسرة ، حزينة واردفت بدعابة تخفي خلفها حزنها

– وكده احنا خلصنا ، وعملت احلي تسريحه لسيدة القصر الجميله

فارتسمت أبتسامه سعيدة فوق ملامح” ناهد ” ، فهذه المشابغة تُغير لها مزاجها وتجعلها تُحب الحديث معها ..، رغم إنها ليست ممن يتقبلون الناس بسهوله ،

وبحنين كانت تُخبرها “ناهد” عن شوقها لمن تركها وابتعد

– عارفه يا صفا ..، بتفكريني بأحمد

خفق قلب “صفا” وهي تستمع لاسمها ، فاردفت “ناهد” بشوق

– كان بيحاول ديما يخليني مبسوطه ، ويمدح في جمالي .. ، مع اني عارفه انه راح مع الزمن خلاص ..، لكنكم بتحبوا تفرحوني باكتر حاجة بحب أسمها

ابتسمت “صفا” وهي تستمع لعبارتها الأخيره ، فعلي ما يبدو أن “السيدة ناهد ” في شبابها كانت تعشق جمالها

وبلطف كانت تُخبرها بأكثر ما اخبرتها للتو إنها تُحب أن تسمعه من الناس:

– عندك حق ياجميلة الجميلات ، هو فعلا راح بس عشان يحل مكانه الأجمل والأحلي

فارتسمت ابتسامة “ناهد ” وقد فهمت ما فعلته تلك الماكرة الصغيرة ، طيبة القلب

بدأت “ناهد” تتثاءب ، بعدما شعرت بثقل جفنيها ..، فابتسمت وهي تعدل لها وسادتها ثم سطحتها برفق

– هسيبك ترتاحي شويه

فهتفت “ناهد” قبل أن تغفو

– هو ليه عامر مبيجيش يشوفني من ساعة ما أنتِ جيتي يا صفا ..، هو عشان أطمن إن معايا حد بحبه خلاص

وقبل أن تُكمل عبارتها ، كانت تغفو دون شعور ، فحركت صفا رأسها بأسي عند سماع ما تفوهت به.. ، ودثرتها بالغطاء قبل أن تخرج من الغرفة.

ثم هتفت لحالها متهكمه

“كان الله في عون الأستاذ عامر ، اللي مش فاضي من شدة مشاغله ..، وبتزعل لما اقول عليه الوحش”

…………………………………………………………

نظرت جنه لوجه والدتها الباكي وطالعت حجرة والدها الممتلئه ببعض الفلاحين الذين تألف وجوههم

القت كتبها أرضاً واتجهت لداخل الغرفة ، وقد وقعت عيناها نحو ملامح والدها الشاحبه وقد بدء يأخذ أنفاسه بصعوبه ، ف بالتأكيد قد تعب والدها مجدداً ، أقتربت منها “صافيه” تضمها لصدرها تُطمئن حالها وتطمئنها

– ابوكي تعبان اووي ياجنه ، صمم يروح الارض النهاردة

واكملت ببكاء وهي تحتضن غاليتها

– أبوكي بيروح مننا يا بنتي

……………………………………………………..

بدء صوت ضحكاتها يعلو لأول مره منذ أن دلفت بقدميها إلى هذا القصر ..، وما جعلها أكثر راحة هي والخدم هو عودة تلك المرأة لعملها ، وبالطبع ليست إلا “فريدة” ابنة الحسب والنسب كما أصبح تنعتها الخادمات.

أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط ضحكاتها بسبب دعابة تلك الخادمة التي تُدعي “صباح” ، تلك السيدة الطيبة ,بشوشة الوجه مع الخادمة الأخري التي تُدعي “سعاد ” والأكثر أهتماماً بأمور السيد عامر ، وتعد خادمته المفضله للوحش , كما اصبحت صفا تنعتها بهذا اللقلب

– بقي تبعتي للراجل صورة ممثله وتقوليله إنها أنتِ

ثم حدقت “صفا” بعينين متسعتين من شدة ذهولها ، وأخذت تُفلب عينها بينهم ، وعادت تنفرج شفتيها في ضحكة صاخبة مجدداً

– الخالق الناطق انتي يا صباح ، ياسبحان الله !

لم تتحمل “سعاد” كتم ضحكاتها ، فشاركة “صفا” الضحك ..، احتقنت ملامح “صباح” ، و التقطت بعدها , هاتفها الغالي علي قلبها والذي أشترته من مرتب شهرا كاملا ، وبملامح ممتعضه ووجه عبوس، ثم شرعت في مضغ علكتها:

– يعني أعمل ايه ياصفا ، أه بتسلي على النت لحد ما الاقي اللي يستاهلني

واردفت بعدما حركت لسانها فوق شفتيها بطريقة مضحكه

– بس الواد طلع قمر قمر يكونش عمرو سعد وانا مش عارفه

فحاولت “سعاد” كتم ضحكاتها ولكنها كالعادة تضحك بقوة ، فعبارات “صباح” كانت تفوق مقدرتها أن تسمعه دون أن تضحك ، ولم يكن حال “صباح” مختلف عنهم ، فتعالت ضحكاته هي الأخري :

– وحبيتي على كده ياصباح

تسألت “صفا” وهي تغمز ل “سعاد” التي تأخذ دور المستمع

فخرجت زفرات “صباح” ببطئ و بحالمية كانت تهتف ، بعدما أستندت بذقنها فوق كفيها:

– متحرجنيش بقي يا صفا

ضحكوا ثلاثتهم بقوه علي تلك السخافات الحمقاء التي يتحدثون عنها ولكنها ترفه عنهم … هدأت وتيرة أنفاسهم من شدة الضحك ، واسترخوا علي مقاعدهم بالمطبخ ..، فتذكرت “صباح” المرة لأولي , التي اجتمعت بها مع “صفا” عندما جاء بها “السيد فتحي”

– بس أنا حبيتك اووي ياصفا ، صحيح انا غلست عليكي في الاول ، عشان شوفتك بت قمر ، وشكلك بنت ناس … والغيره نهشت قلبي وأنا اقول إزاي القمر ديه هتجاور القرود دول

وأشارت بيدها نحو سعاد التي قد انشغلت في إعداد أحدي الوجبات …، وتابعت حديثها بمضغ علكتها تهتف , بعدما قذفتها سعاد بأحد المعالق

فتفادت “صباح” تلك الهجمة التي كادت أن ترتطم بها :

– مالك ياسعاد الكلمة زعلت ليه ؟..، مش أحنا قرود برضوه .. ده حتي الانسان أصله قرد

فتعالت ضحكاتهم ثانية ، فلم تعد تتحمل “صفا” ألم معدتها من شدة الضحك ..، فوضعت بيدها فوق بطنها ومالت بجسدها قليلاً حتي تهدأ ..

وسرعان ما كان الصمت يحتل المطبخ ، بعدما دلفت تلك الخادمه المخلصة للسيدة الجديدة ، صاحبة اللغات ، ذو أصول تركية .. وايضا فرنسيه لا يعلموا كيف هذا ولكن هذا ما تقصه عليهم كل ليله من أمجاد أجدادها العظماء

فريده بصرامه وهي تتحدث بعربيه غير متقنة : ضحك ممنوع ، اكل يجهز بسرعه … ، فريدة هانم علي وصول

واشارت نحو صفا بحده

: وأنتِ السيد عامر ينتظرك في غرفة مكتبه.. ، ذات اللسان الطويل

وهكذا كان اللقب الذي تنعته بها “مارجريت”

……………..

كانت هذه هي المره الثالثة التي تدلف فيها مكتبه الضخم .. ، ذو الأثاث الكلاسيكي الذي تفضله ، ولكنها لا تُفضل صاحب المكان ، ذلك الرجل الذي تشبه بالوحش

“عامر السيوفي” ، مجرد وحش بالنسبه لها

رفع “عامر” وجهه عن أوراقه ، فوجدها تقف تُطالع الغرفة بنظرات مبهورة كحال المرات السابقة ، حدق بها للحظات وهو يتذكر حديث “فريدة” معه هذا الصباح ..، فوالدته تكرهها بسبب تلك الفتاه التي تملئ أذنيها منها ، تلاقت عيناهم ..، فتنحنحت “صفا” حرجاً من نظراته ، فرمقها “عامر” بجمود

– حضرتك كنت عايزني ياأستاذ عامر

فامتقع وجه “عامر” من ذلك اللقب الذي أضافته إلى اسمه لتشعره وكأنه معلماً أمام تلميذته الحمقاء ..

فرفع أحد حاجبيه متمتماً بضيق :

– كلمة أستاذ ديه مش عجباني غيريها

فطالعتها “صفا” لثواني ، لا تستوعب ما يطلبه منها ، وبتمرد كانت تهتف بعدما شعرت بالحنق من عبارته

– بس ميس مارجريت بتقولك مستر عادي ، ومستر من استاذ متفرقش

امتقعت ملامح “عامر” ، فمن هي لتقف وتتحدث معه هكذا دون حساب وتحاوره ، قذف الأوراق التي أمامه بقوه ، ونهض عن مقعده , يرمقها بجمود وقد ظهر جسده العريض وطوله الفارع .. يهتف بصرامه أخافتها :

– مارجريت أستثناء ، ديه رئيسة الخدم .. مفهوم!

وبهمس خافت كانت تتمتم لحالها ، ولكنها سمعها

– ولا عشان قريبه من الهانم مراتك ، الليدي فريدة

ورغماً عنه كان يبتسم ، ولكنه اخفي ابتسامته سريعاً ، فلم تنتبه عليها

ابتلعت” صفا” حديثه الجامد ، الذي اشعرها بدنو مكانتها :

– تحب حضرتك أندهلك ب إيه ؟

وببساطة كانت تسألها عن أي لقب يُريد أن تضعه جوار أسمه ، فلا بأس لديها ، فتقدم “عامر” منها , يرمقها بنظرات جامدة :

– عامر بيه !

هتف عبارته ، فتعلقت عيناها به باستخفاف ، قد أنتبه إليه ..، مما زاده حنقاً منها

– تمام ياعامر بيه ، أي أوامر تانية

وبجمود كان يلقي عليها ما أراد إخبارها به

– فريدة هانم بتشتكي منك ، متنسيش هي مين هنا في القصر ..

*****

الفصل الثالث عشر

******

ابتلعت اهانته التي القاها عليها ، ارادت أن ترد له الأمر وليحدث ما يحدث ..، فلم تعيش حياتها إلا عزيزة النفس ، ولولا ما مرت به ما جاءت إلا هنا ولا عملت لدي هذا الفظ وتلك الزوجة التي لا تراها إلا , امرأة أعتادت علي نيل كل ما أرادته ، والشكوي التي ابلغتها الزوجة لزوجها , لم تكن إلا ما لم تتوقعه

– مش معني إن ناهد هانم اتعلقت بيكي بسرعة وبتحبك ..، تستغلي ده وتظهريها ديما , في صورة وحشه قدامها

تلاشي امتقاع وجهها ، وتحولت ملامحها إلي ابتسامة واسعة ساخرة ..، جعلته يُحدق بها وكل يوم لا يستوعب كيف تقف أمامه هكذا , وللأسف هو لا يتأخذ قرار طردها

: حاضرهعرف حدودي كويس، بس يا ريت تفهم زوجة حضرتك إنها بدل ما بتشتكي بعدم تقبل ناهد هانم ليها ، تسمح من وقتها وتقعد معاها شويه

هتفت عبارتها الأخيرة ساخره ، فمتقع وجه “عامر” من حديثها، واقترب منها بخطوات جامده

– مش ملاحظه إنك بتكلمي وكأنك صاحبة المكان

طالعته “صفا” في صمت بعد عبارته ، فامتعضت ملامحه ورمقها بجمود:

– اتفضلي علي شغلك

أماءت له برأسها وعلي وجهها أبتسامة سمجة ، والشكر كان للسيد “فتحي” الذي علمها لها , فليس كل وقت عليها أن تتحدث ..، وما دام تثير غيظه ..فبالتأكيد تستفزه بحديثها , ولكنها لا تُريد الطرد من اجل زوج عمتها ومصاريف علاجه ..

طالعها بحنق يقسم داخله إنها أكثر النساء برودة وسماجة..، ومن نظرته إليها ، كانت تضحك داخلها بسعاده

التفت بجسدها مغادرة , بعدما أشار إليها بأن تنصرف من أمامه ..، وقبل أن تتقدم بخطوات اخري ..، عادت تلتف بجسدها متجاهله صفاقته وأسلوبه

– ناهد هانم بتسأل ديما علي حضرتك ، ياريت توفر من وقتك القيم ، دقايق وتعالا شوفها مش هتخسر حاجه

– تعرفي إنك بتثيري غضبي يا صفا

خرجت عبارته من بين شفتيه ، بعدما أثارت غضبه من حديثها وكأنها تُحادث صديقًا لها , وليس رب عملها الذي يدفع لها المال من أجل وظيفتها لديه

تجاهلت عبارته ، والتمعت عيناها بالدموع بطريقة أدهشته ، فبعدما كانت تقف تتحداه وتثير مقته ..، أصبحت أمامه فتاة بائسة

– هيجي يوم وتتمني وجودها ، هتتمني تسمع بس صوتها .. تسمع دعوه حلوه منها … مبنحسش بقيمة الحاجات الغاليه علي قلوبنا غير لما تروح ، وبيكون الاوان فات

فتعلقت عيناه بها وقد خلت منها المشاعر ، فحركت رأسها ساخره ..، فقد تناست إنها تُحادث “عامر السيوفي” ذو القلب المتحجر

تعالا رنين الهاتف ، ولم تكن إلا مكالمة طارئه من سكرتيرة مكتبه ، تمالك مشاعره التي استطاع إخفاءها ولكنه بالفعل قد تأثر بها ..

اتجه نحو سطح مكتبه ، والتقط هاتفه وقد ضاقت عيناه وهو يضع الهاتف فوق اذنه يستمع لسكرتيرته بترقب

– يعني إيه لسا ملقتيش حد بيتقن اللغه الالمانيه ياهاله ، الاجتماع بكره يا هانم ..، بكره الاقي المترجم موجود قدامي مفهوم

والطرف الأخر كان يستمع ، دون أن يعرف كيف يحل هذا الامر في بضعة ساعات ، استمعت “صفا” لحديثه ، وابتسمت داخلها بسعاده ..، فهل ستجني بضعة أموال أخري تستطيع شراء ثياب أنيقة لها ول جنه وتشتري ما تُريده وترفه عن نفسها

– أنا بعرف أتكلم ، ألماني كويس

انتبه علي حديثها ، بعدما أنهي مكالمته مع سكرتيرته ، وبنظرة فاحصة كان يُطالعها

– أنا متفوقة في اللغه ، رغم إني مش متفوقة في اللغه الأنجليزيه

ارادت أن تثبت له صدقها ، فهذه النظرة لا تدل إلا علي شئ واحداً ..، إنه لا يُصدق إنها تمتلك مهارات عدة

– أنتِ طلعتي متعددة المواهب ، يا أستاذه صفا

تمتم بها ساخراً ، وهو يتقدم منها ..، ووقف بهيمنته قربها ,يضع بيديه في جيب سرواله

– الأنسان الناجح لازم يكون عنده مواهب كتير ..، يا عامر بيه

وبقصد كانت تضغط باسنانها فوق عبارتها الأخيرة ، امتقع وجهه من ردها

وبحده كان يهتف

– صبري ليه حدود يا أستاذه صفا

والتف بجسده عنها ، وعاد لمكتبه يلتقط أحد الملفات ..، وأتجه إليها مجدداً تحت نظراتها المترقبة

– ده الملف اللي هنتناقش فيه بكره ، ياريت تدرسيه كويس

وبسعاده كانت تلتقط منه الملف ، تنظر لصفحاته القليله هاتفه بحماس

– حاضر

ابتسم رغماً عنه ، فهذه الفتاه مزيجً غريبً لم يلتقي به من قبل

– للاسف مضطر أثق فيكي يا استاذه صفا ..

وبنبرة حازمه كان يردف ، وقد تلاشي حماسها وتحول لعبوس

– وأنا مبديش ثقتي في الناس غير مره واحده

انتابها القلق من حديثه ، ولكنها عادت لثباتها فهتفت علي الفور

– هحتاجك بكره في الشركة

استمعت لعبارته الأخيرة، وهي تدلف للغرفة.. ،فتسألت وهي تتجاوز “صفا”، بعدما رمقتها بنظرة أصبحت تفهمها

– هتحتاجها الشركه ليه ؟ ، مش هي مرافقة برضوه ولا أنا بيتهيألي

– اتفضلي أنتِ يا استاذه صفا

تجاهل سؤال فريدة، فقد أصبح يضجر من تداخلها في الكثير من الأشياء..، اقتربت منه فتنهد وقد عاد لمطالعة أوراقه

– اكيد شغل يا فريده، وممكن تتفضلي عشان ورايا شغل

اتسعت عيناها من عبارته، تنظر إليه متعجبه من تغيره معاها..، انسحبت من أمامه، تتسأل داخلها لماذا تغير عامر معها هكذا ؟

رفع عيناه عن الأوراق يحدق بطيفها، يخبر حاله.. ان ما يفعله هو الأصح..،فإذا أرادت أن يكون لها بصمه في منزله..، ستكون زوجة فعليه..، ولكن زيجتهم.. تمت لأنقاذ الموقف

…….

كانت “صفا” سعيدة وهي تخبر “جنه” عما حصلت عليه اليوم

– أول ما هاخد مرتبي، هبعتهولك علطول يا جنه..، متخليش عمتي ولا عمي صابر يحتاجوا حاجه

وجنه كانت لا تقوى علي الحديث، و لا تُريد إفساد فرحتها

– لا وكمان ناويه انزل اشتري ليا وليكي طقمين حلوين.. ،

وبأمر كانت تُخبرها، حتي تري سعادتها بتخرجها

– واحضري حفله التخرج..، هبعتلك فلوسهم والفستان كمان

دمعت عينين “جنه” وهي تستمع إليها، ف صفا تُريد إسعادهم بكافة الطرق، “صفا ” , ابنه خالها الفتاة المدلله التي لم تتحمل عبأ أي شئ في حياة والديها..، أصبحت الأن تسعي من أجل أن توفر لهم حاجتهم

– جنه، انتِ مبترديش عليا ليه، سيباني اكلم نفسي

وبدعابه كانت تُمازحها، ولكن توقفت عن دعابتها عندما بدء الشك يراودها

– جنه هو في حاجة حصلت لعمي صابر أو عمتي

لم تتحمل “جنه” الصمود أكثر، وإخفاء عنها الأمر.. ،وانفجرت في بكاء مرير

– بابا تعب تاني يا صفا

فانتفصت “صفا” من فوق فراشها مذعورة، تتسأل بقلق

– جنه، براحه كده وفهميني إيه اللي حصل تاني

وبدأت تقص عليها، ما حدث صباح أمس ..، من تعب والدها مجدداً، وإخبار الطبيب لهم انه لا بد أن يتم إجراء عمليه.. فالقلب أصبح لا يتحمل الجهد

– الدكتور قالي، هيحط اسمه في قائمه الناس المنتظرة علي نفقة الدولة

وحاولت أن ترى الموضوع بأمل

– قالي دوره ممكن بعد شهر، والحاله تقدر تستنى..، بس أنا خايفه اوي يا صفا

لم يكن حال “صفا” يختلف عنها، فاغمضت عيناها بأسي وقله حيله

– العمليه هتكلف كام يا جنه

استمعت لرقم المبلغ، فعادت تهوي فوق فراشها

– مش قدامنا حاجه غير إننا نستني الدور ..، يمكن يطلعوا صادقين

تمتمت بها “جنه” وهي تعلم أن الأمر لن يحدث، فهناك حالات أخرى تنتظر مثل والدها ، ومن يُحالفه الحظ سيكون دوره

– أنا بفكر أروح لاعمامي يا صفا، مش حرام ده يحصل لينا وهما عايشين في عز، ده مهما كان أخوهم

– اوعي يا جنه، عمي صابر هيزعل منك.. ،دول مقاطعينكم من زمان ولا عمرهم سألوا عليكم

فهتفت بقلة حيله

– يمكن الدم ميبقاش ميه يا صفا، وقلبهم يحن

ارتسم الحزن فوق ملامح “صفا” وهي تستمع لنبرة أبنة عمتها، وقد أصبحت تحمل الهموم كحالها

– اصبري شويه يا جنه، ولما ملقيناش حل..، يبقى مقدمناش غير إنك تروحي ليهم

……………….

أرتجفت قدميها وهي تخطو بأول خطوه داخل هذا الصرح الضخم ، فلمعت عيناها من رؤية ضخامة وفخامة البناء الذي يدل علي مكانته العالية في عالم المال والمعمار

وتعلقت عيناها بالفناء الواسع ، تتأمل كل من حولها من موظفين يعملون كخلية النحل

وقف امامها موظف الأمن يسألها عن وجهتها:

– افندم ياأنسه

فتنحنحت صفا بحرج وقد تمالكت إنبهارها اللعين:

– انا عندي ميعاد مع عامر ..

وتذكرت رغبته الديكتاتورية في وضع الألقاب على حسب ما يهوي

فاردفت بجديه :

– عامر بيه

فتجه موظف الأمن بها ، نحو إحدي موظفات يسألها إذا كان لديها علم ، ابتسمت وهي تري الموظفه تُخبرها إنه ينتظرها بل وبعالجة فالأجتماع سيبدء بعد خمسه عشر دقيقه ..، رافقها موظف الأمن نحو المصعد , متمنياً له يوماً جيداً ..، وبنظة خاطفة قبل أن يصعد المصعد كانت تلقي بنظرة أخري نحو المكان

– بقيتي تتعملي باحترام يا صفا ، لا وبيتقالي بنتمنالك يوم سعيد ..، شكل عامر بيه قايم بدور عظيم في شركته ..، عقبال يا يقوم به في القصر ويرحمنا من عجرفة مراته ..، الليدي فريدة

………………………………………………………..

حدق بأخر ورقة من أوراق الملف القابع بين يديه ، وقد درسه مجدداً بنظرات سريعة متقنة

أغلقه أخيراً بهدوء تام ، وأسترخي بجسده بارتياح , ينظر نحو القابع أمامه

ابتسم له صديقه ، وقد عاد اخيراً من رحلة غربته في ألمانيا ، ومعه تلك الصفقة التي ستجمع بين شركته وشركة المانيه في مجال محركات السيارات ، وهذا بعيداً عن نمط شركات السيوفي

اكرم : ها ياعامر .. فاضل ربع ساعه علي الاجتماع مع الناس , وانت لسا بتفكر

فمال “عامر” نحو سطح مكتبه ، وبثبات كان يستند بساعده فوقه ، يرفع احد الاقلام .. وقد بدء بالطرق به علي سطح مكتبه ، تلاشي حديثه عن الصفقة التي بالفعل قرر السير بها ، وتسأل وهو يري تغير صديقه

– بس الغربه غيرتك يا أكرم ، بقيت بيزنس مان شاطر

طالعه “أكرم” بسعادة ،وقد إستنتج من حديثه ، بوافقته فكهذا هو دوماً “عامر السيوفي ..”

– وأنت لسا زي ما أنت يا ابن السيوفي ..، بتعرف تراوغ اللي قدامك صح

هتف بها “أكرم” ، فصدحت ضحكات “عامر” وهو يستمع لرأي صديقه

– انا موافق علي الصفقه يا أكرم

وفضول كان يقتحم “عامر” ، كان يتسأل عن حياة صديقه ..، ومن ملامحه ونجاحه يبدو إنها استقر بحياته وقد تلاشي أمر زيجته الأولي

– سمعت انك اتجوزت !

فنهض “أكرم” عن مقعده ، واشعل سيجارته ثم دسها بين شفتيه متمتماً ، بعدما زفر أنفاسه المعبئة برائحتها:

– لقيت الشغل والغربه هيسرقوا من عمري فقولت الحق اتجوز وأخلف ،… اومال كل النجاح ده هسيبه لمين ..، وبصراحه حبيتها

ضحك “عامر” علي عبارته الأخيره ..، فكذا هم يراوغون في مشاعر الحب ولا يعترفون به

– عايز تفهمني إن بنات الطبقات العالية والأصول العريقة .. يهمها تخلف وتربي …

وتابع بنفس لهجته الساخرة وقد تذكر “فريدة ” التي هي بعيده تماماً عن صورة النساء اللاتي يراهم تصلح لهذه المهمه :

– ده اهم حاجه عندهم الموضه والحفلات والسفر وتجمعات النوادي الهيفه

– شكلك بتعاني يا صديقي

تجهمت ملامح “عامر” ، عندما قذف له “أكرم” الكره ..، ولكنه كان يعلم نهاية زيجته من فريده ولم يخطط لأستمرارها ولن يفعل هذا بنفسه

لاحظ “اكرم” نظرته ، فتفادي الحديث عن حياة صديقه وتلك الزيجة السريعه التي سمعه عنها من الصحافة ، ف “عامر” لا يُحب الحديث عن حياته الخاصه

وبخطوات معدوده ، كان يتحرك “اكرم” نحو بعض الصور المعلقة علي الجدار ..، يخبره عن شريكة حياته التي أختارها

– أنا اتجوزت موظفه عندي .. عجبتني فاتجوزتها … ، من عيله مصريه مستواها المادي متوسط بتشتغل هي واخوها في المانيا .. يعني ولا وسط استقراطي ولا من طبقتي الاجتماعيه ، ولا من أختيار العائله زي الزيجة الأولي اللي فشلت .. ، بصراحه ابهرني تفكيرها وتدينها وحسيت إن هي ديه الزوجه اللي هكون مطمن وانا بديها اسمي .. وتكون ام ولادي

وضحك متهكماً علي حال الانسان

– شوفت أكرم حمدان ، اللي كان بيكره مظاهر التدين في الستات ، بقي بيشجع لأي راجل إنه يظفر فعلا بذات الدين

أقتطب “عامر” حاجبيه ، وقد أذهله حديث صديقه ، الذي كان أكثر الناس معرفة بخصاله

– عالم الفلوس والشغل بيسرقوا من عمرك ، ياعامر

فاقترب عامر هو الاخر من تلك الصوره المعلقه ولم تكن إلا لوالده ، يهتف بمشاعر مضطربه :

– جوازي من فريدة كان لأنقاذ الموقف،كنت فاكر ممكن تحصل مشاعر بينا وقدر أتجاوز فكرة إني كنت مرشحها لأحمد وإنها كانت بتحبه .. ، حتي زمان فشلت مع أميرة ، مقدرتش تستحملني .. ، ومنكرش إني ظلمتها بجوازنا السري

تفهم “أكرم” زيجة صديقه

– الجواز ، اكتر خطوه بتحسسنا بمشاعرنا ..، يمكن عشان بنتعري قدام بعض في كل حاجة ..

ساد الصمت بينهم ، وقد شعر بمشاعر صديقه

– انا بقي عندي أيهم دلوقتي يا عامر وقريب هيجلي فرد جديد

اراد أن يبتعد بحديثه قليلاً عما يورق صديقه ، فابتسم “عامر” بسعاده

اطرقت سكرتيرته الباب وعلي مايبدو قد أتي وقت الأجتماع ، دلفت مكتبه بخطي منضبطة وخلفها تلك المرتبكة قليلاً ، صاحبة العيون الخضراء والحجاب البسيط المنمق ، وفستانها الفضفاض ذو الحزام الفضي اللامع الذي يتوسط خصرها

فوقعت نظرات “عامر” عليها ، قد طال تأمله لها رغماً عنها ، تفرك كفيها بتوتر ، وتطرق رأسها خجلاً ..، وكالعاده لا يفهم هذه الفتاه .. هل هي جريئة الطبع أم خجولة ولكنها كانت تكتسب إحترامه يوماً عن يوم بطريقة يتعجبها من حاله

وتحت نظرات “أكرم” المتسائله عن هويتها ، وإنتظار السكرتيره لأوامره ..، كان يهتف بجديه :

– خدي انسه صفا ، وفهميها الاجتماع هيكون ازاي وديها العقود .. ، مافيش وقت ياهاله !

أشار إليهم بالخروج بفظاظه أعتادت عليها منه ، فتحركت خلف سكرتيرته ، تهتف بحنق وملامح ممتعضه ، وقد سمعها كعادته رغم همسها , وهكذا كان يتأكد أن التي كانت واقفه أمامه “صفا” وليست شبيهتها

– مافيش حتي كلمة اهلا .. نورتي الشركه ، شخص غريب الطبع

وبعدما اصبحوا الصديقين بمفردهما مجدداً ، أنفجر “أكرم ضاحكاً “، مُقتربًا منه:

– جميلة اووي البنت ديه ، بس لسانها طويل شوية

……………….

جلست “فريدة” برفقة عمتها في حديقة القصر، بعدما أتت لرؤيتها..، طالعت أبنة شقيقها وهي تتخذ دور السيدة أمام الخادمه تُلقي عليها الأوامر بحده

انصرفت الخادمه، تنفذ لها اوامرها، فابتسمت “كريمه” وهي تفحصها بنظراتها

– ما دام بقيتي متقمسه الدور في القصر، يبقى فعلي جوازك يا فريده

سعلت بقوة، بعدما وقفت بضعة قطرات من عصيرها في حلقها، رمقتها “السيدة كريمه” بترقب حتي مسحت قطرات العصير من حول شفتيها

– جواز إيه اللي أفعله يا عمتو، أنا و عامر متفقين علي مدة جوازنا وهننفصل..، ما انتِ عارفه

اماءت لها “كريمه” برأسها، فهي تعرف بهذا القرار بل ورحبت به.. لأنها لم تراها إلا زيجة فاشله.. ،مصيرها سيكون الانفصال

– عارفه يا فريدة، لكن محسن مش عارف ده..، ده بقى بيسألني بقيتي حامل ولا لاء

عاد سعالها بقوة تلك المرة، لا تستوعب ما تخبرها به عمتها، فانفرجت شفتيها في ضحكة قوية وقد المتها معدتها

– يبقى محسن بيه هينتظر علي الفاضي

– وليه ينتظر علي الفاضي يا فريدة، ما ممكن يتحقق عادي

باغتتها عمتها بعبارتها، فاتسعت حدقتيها لا تُصدق ما تتحدث به عمتها معها بل وبتلك الجدية

– أنا شايفه إن محسن اختار ليكي حياة تليق بيكي، وعامر السيوفي من كلامك عليه مش راجل صعب، يمكن جاد وصارم لكن مش صعب..، والنقطه ديه ممكن تتغير لما يكون في علاقة بينكم

فهمت ما ترمي إليه عمتها، فضيقت عيناها.. ،فما الذي جعل قرار عمتها يتغير وتصبح داعمه لاستمرار زيجتها من عامر

– في الفترة البسيطه ديه عرفتي تشوفي طباع عامر يا عمتي

وبتعقل كانت تخبرها “كريمه”

– حكمت عليه من كلامك عنه يا فريده

– بس هو مبيحبنيش

التمعت عينين “كريمه”، فعلي ما يبدو أن الأمر بدء يتسرب لداخل عقل صغيرتها، و فريدة بدأت تقتنع

– وهتحبوا بعض إزاي وانتم متفقين علي الطلاق

وبضياع أصبح يُلازمها، هتفت

– أنا لسا بحب احمد يا عمتو

كانت تشعر “كريمه” بضياعها بل تراه أيضا في عينيها ولكنها كانت تُريد لها السعاده، التي أصبحت تراها لها في هذا البيت

– انتِ واحمد علاقتكم بقت مستحيله يا فريدة، ولو كان في أمل زمان..، دلوقتي الأمل ضاع بجوازك من عامر، خليكي ذكيه ومتخرجيش خسرانه من كل معاركك

وكأنها بدأت للتو تستوعب حديث عمتها، صمتت عن الحديث واخذت تحدق بمساحة القصر الواسعه

– مين البنت ديه يا فريدة

انتبهت علي نظرات عمتها المصوبة نحو “صفا” التي اخذت تسير في الحديقه تتحدث في هاتفها وكأنها في منزلها

نهضت علي الفور من جلستها، تخبر عمتها بهويتها

– ديه مرافقة ناهد هانم، تقدري تقولي خدامه بس شايفه نفسها شويه

واسرعت في خطواتها، تحت نظرات عمتها وضحكتها..، فعلي ما يبدو أن ابنة شقيقها لا تحب هذه الفتاه

– والهانم مش عارفه إن عندي ضيوف، ولا بقيتي فاكره القصر بيتك

تجمدت ملامح “صفا” وهي ترفع هاتفها عن اذنها..، التفت نحوها تُطالعها، ف اقتربت منها ” فريدة”

– مش معنى إن ناهد هانم بتحبك مقدرش اطردك

التمعت عينين “صفا” بكره، فمن هي لتُحادثها هكذا، إنها أصبحت علي درايه بعلاقتها بالسيد عامر، ومن حديث الخدم والسيدة ناهد عن تلك الزيجة، فأنها ليست إلا ضيفة هنا

– هي حديقة القصر من الممتلكات ، اللي بيتمنع المشي فيها

احتدت ملامح “فريدة”، وقبل أن تهتف بشئ يزيد الأمر..، كانت ” صفا” ترحل من أمامها.. غير عابئة بشئ.. ،فقد أصبح لديها وظيفه أخرى في شركة “السيد عامر” من أجل ترجمه العقود الخاصه بالصفقة الجديده للشركة وعلي ما يبدو أن الصفقة مستمره لاشهر

اقتربت منها عمتها، بعدما شاهدت الوضع من بعيد

– البنت حلوه يا فريدة

وكأنها كان ينقصها تلك العبارة التي تعلمها تماماً، وتجعلها تحقد عليها

– وكمان باين عليها ليها حضور

وعمتها تزيد الأمر عليها، بكلماتها التي تعرف هدفها

……….

ضحك “عامر” بملئ شدقيه وهو يستمع لشقيقه عن إحدى الطرائف التي حدثت معه، سارت نحو الدرج ولكنها انتبهت علي صوت ضحكاته ولأول مرة تسمعه يضحك هكذا..، اقتربت من غرفة مكتبه ولم يكن بابها موصداً..، فاستطاعت الدلوف بهدوء ولم يشعر بها.. ،ووقفت تنظر نحو ظهره المقابل لها..، وحديث عمتها منذ تلك الليلة يقتحم عقلها..، عامر يتمتع بالحضور والجسد الرجولي القوي، جسداً يجعلك تشعر بالرهبة من صاحبه، فالتمعت عيناها وهي تفحصه، وقد جاءت تلك الذكرى التي كانت سبب جمعهم.

” لو كنت ِ بتنفري منه يا فريدة، مكنتيش ليلتها قربتي منه، حتى لو كان عقلك مغيب ومش حاسه بحاجة..”

وحديث عمتها، ها هو يطرق رأسها، ولكن كل شئ ضاع في لحظة وهي تستمع لحديثه

– طبعاً عايز تنهي المكالمه عشان متتأخرش عليها.. ،مش هتقولي اسمها إيه

وعادت ضحكاته تعلو، عندما أستمع لضجر شقيقه، فالرفيقة ليست إلا سيدة يجمعه بها الصداقه لا أكثر ولم تكن إلا أميره ..، ولأنه في مزاج يسمح له بالدعابات فلم يهتم بتذمر شقيقه

– مش هتقولي اسمها إيه، يا احمد

تجمدت عينين “فريدة” وهي تلتقط عباراته المازحه، فهل يرافق “احمد” امرأه وتركها تعيش بؤس رحيله..، هل صدق والدها عندما اخبرها، أن الحب إذا وضع في طريق المرء..، جعل صاحبه هو الخاسر ”

مشاعر متضاربه كانت تخترق عقلها وقلبها..، وبهدوء كما دلفت الغرفة كانت تخرج منها..، ولكنها توقفت مكانها وهي تستمع لصوته بعدما أنهى مكالمته معه شقيقه

– كنتِ محتاجه حاجه يا فريده

التفت صوبه، ومن نظرة واحده نحوها.. ،كان يعلم إنها استمعت لمكالمته مع شقيقه..، أرادت أن تخبره عن “صفا” ولكن تراجعت في آخر لحظه..، فما تفعله من شكوي أصبح يعود عليها.. ،ف صفا قد نالت تقديره وخاصه السيدة ناهد، وما عليها إلا الصبر حتي تستيطع طردها بسهوله

– ممكن نتفرج علي فيلم سوا

ولم يكن عرضها ، إلا إخفاء للموقف..، ولم يكن هو إلا بارع في التقاط النقاط الصغيرة..

– مافيش مشكله يا فريدة، شوفي هتختاري فيلم إيه لأني مش من هواه الأفلام

التمعت عيناها في ابتسامة سريعه، حاولت رسمها..

– اوك، هختار انا

القت عبارتها، وغادرت تحت نظراته.. ،إنه بات يفهمها للأسف..، وبات يخشى عليها من نفسها

وشئ داخله كان يهتف

” ليست هي المرأة المطلوبه في حياتك يا عامر”

……

تفاجأ باختيارها لغرفته، وقد اعدت المكان بلمسات بسيطة..، طالعها بذهول وهو يتسأل

– ليه في اوضتي يا فريدة ؟

والجواب لم يكن يحتاج لتفكيرها

– شاشة التلفزيون هنا أكبر

اقتنع بعض الشئ وتقدم منها يجلس علي طرف الأريكه

– شغلي طيب الفيلم..

ونظر نحو ساعته، فالوقت قد اقترب من العاشرة مساء ..، جلس باستقراطية، فرمقته مبتسمه..، وقد راقتها وضيعة جلوسه.. ،ف عامر هو الأسد في هذا القصر وكل شئ في قبضه يده.. ، بدأت خصال والدها التي ورثتها منه تسيطر عليها بالتملك خاصة كلما تذكرت المكالمه التي استمعت لها بين عامر واحمد

طرقات خفيفة كانت تدق فوق باب الغرفه، وبلطف وثقة كانت تدلف “صفا” الغرفه، تضع أمامهم مشروب تتقن صنيعه بشدة، وقد اخبرتها الواقفة بنظراتها الماكرة، أنها احبت هذا المشروب منها، والحقيقة كانت تفهمها “صفا” ف فريدة لم تفعل ذلك إلا لتخبرها بمكانتها

– مدام فريدة قالتلي إن المشروب الخاص بيا، عجبها..، اتمنى المرادي يعجبها ويعجبك يا عامر بيه

ابتسم “عامر” وهو يرمق الكوب..، وقد اعتدل في جلوسه..، مما جعل فريدة تزداد حنقاً منها، فلما تنال هذه الفتاه تقديره هكذا

– شكرا يا صفا

وبتكلف كانت تهتف فريدة هي الأخرى رغما عنها

– شكرا يا صفا

غادرت “صفا” الغرفة وقد شقت ابتسامتها ملامحها، فلم تنتصر عليها “فريدة” كما أرادت ولم تشعرها بدنو مكانتها..

تجاهل “عامر” الأمر، وانتظرها تتوقف عن زفر أنفاسها بحنق، رمقته وهو يلتقط الكوب ويرتشف رشفة منه

– فعلا عندها مواهب كتير

امتدحها، ف تجهمت ملامح “فريدة” وضغطت علي زر التحكم لتبدء اول لقطات الفيلم..، ولم يكن إلا فيلم رومانسي.. بارد المشاعر ولكنه تجاوز الأمر وجلس يشاهده معها..، يستمع إلى عباراتها الحماسيه..

علقت عيناها به، وقد ظهر عليه الضجر.. ،وقد اشاح عيناه عن المشهد الجرئ الذي يُعرض

انتبهت “فريدة ” عليه وابتسمت داخلها وهي تنهض من جلستها، وبقرار قد اتخذته وحسمته مع عقلها..، كانت تطبق المشهد معه..، وهو لم يكن إلا في صدمه لا يبادلها شئ

***

الفصل الرابع عشر

******

والمرأة حينا لا تفهم مشاعرها وماذا تُريد تكون وحدها الخاسرة

استطاعت أن تُحرك غريزته ورغم عدم إستجابته في البدايه إلا إنه رجلاً وبين ذراعيه امرأة جميله وراغبة به..،

تعلقت عيناها به بعدما ابتعد عنها، ينظر إليه يستوعب، متى وكيف أصبحوا فوق الفراش يتبادل معها جنونها.. جنون يأخذهم لطريق يعرف نهايته..، هو و فريدة اقطاب مختلفه.. ، طالعته في صدمه وهي تراه يعتدل بجسده، ويطرق رأسه أرضاً، يزفر أنفاسه لعله يتمالك حاله ويستوعب ما كان سيحدث بينهم

بهتت ملامحها وهي لا تُصدق إنه نفرها بهذه الطريقه، وطعنتان في القلب لامرأة مثلها كان أصعب ما يكون،

والعبارة تتردد داخل عقلها

” هتخرجي خسرانه من معاركك”

وهذه كانت معركتها، أن تنال ” عامر السيوفي “، أن تثبت” لأحمد السيوفي ” إنها تخطته كما تخطاها من حياته بل واصبحت زوجة فعليه شقيقه..، بل وملكت قلبه وأصبح في بنصرها تديره كما تُريد

والأهم أن تثبت لوالدها، إنها وحدها من تقرر الأمر..، دائرة مغلقة من الأفكار كانت تدور داخلها..

– المفروض ده ميحصلش بينا يا فريدة

تمتم” عامر ” عبارته وهو يزفر أنفاسه بثقل، فسلطت عيناها فوق ظهرها وقد اصابتها كلمته

– لكن أنا عايزاه

تجمدت ملامحه، والتف نحوها ينظر إليها متفرساً ملامحه.. ،وبعبارات لم يصدق إنه سيسمعها منها.. ،كانت تُخبرها عن حاجتها للأمر

– ديه غريزة يا فريدة، لو الموضوع تم بينا مش هنكون غير بنشبع غريزتنا

وببساطة كانت تتقبل كلمته، تخبره بحقيقة وضعتها عمتها صوب عينيها

– أنا محستش بالنفور وانت بتلمسني، حسيت إني عايزاك فعلا يا عامر

التمعت عيناه، فقد اختارت الكلمات الصحيحه لتُلقيها علي رجلاً ك ” عامر السيوفي ”

– جوازنا نهايته الطلاق يا فريده

اماءت له برأسها، واقتربت منه بعدما وجدت الرغبه تعود في عينيه

– مش هنخسر حاجة

جذبتها إليه وهي سعيده بانتصارها، شعرت بالاكتمال وهي بين ذراعيها ولكن تجاهلت هذا الشعور، وابتسمت بزهو ..

غفا قربها وقد توسدت صدره، تنظر إليه.. ،ابتسمت وهي تري هيئتهم هكذا.. ، فقد ملكت الأسد وستنال من “أحمد السيوفي”،

سلطها شيطانها علي نفسها، والتقطت هاتفها تلتقط لها صوره وهي في حضنه

وفي رساله كانت تبعث له الصوره، تُخبره إنها مضت بحياتها مع شقيقه

وبابتسامه واسعه كانت تعود لحضنه مجدداً

……….

في الصباح، كان يفتح عينيه وهو يشعر بثقلها فوق صدره، طالعها وهو لا يُصدق إنه أتم زيجته بها، ابعدها عن برفق.. ،

اتكأ فوق ذراعه يُحدق بها، فتحت عيناها ببطئ لتجده يُطالعها بنظراته الثاقبه، فابتسمت وهي تتماطأ جواره

– صباح الخير

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *