سطور عاتقها القلب ٢

الفصل الثامن

********

ظن ما سمعه من شقيقه مجرد مزحة سخيفه ، صحيح هو يعلم أن تلك الخطوة كانت من اهداف شقيقه وكان يخبره في الماضي إنه يحلم للأنضمام لتلك المؤسسه ..، وهو كان يأخذ الامر ضاحكاً .

– مش شايف ، فرحه في عينك يا عامر

وابتسم وهو يُمازحه بعدما أقترب منه

– تقريباً أنت زعلان علي المشروع اللي هسيبك في نصه ..، وهتكمله أنت يا باشا

رمقه “عامر” بنظرة غاضبه ، ورفع يده مُحذراً له من مزاحه الذي لا يروقه اليوم

– تمام يا باشا هسكت خالص ، بس أنا فعلا محتاج أسمعك وأنت بتباركلي وتاخدني في حضنك

– ممكن تسكت شويه يا أحمد

وأخيراً قد نهض عن مقعده ، واخذ يدور حول حاله ، يفرك جبينه بأرهاق ..، تحت نظرات “احمد” ، فهو يعلم مدي صعوبة الأمر علي شقيقه

أطرق “عامر” رأسه ، مُتأملاً سجاده مكتبه الفاخمة وكأنه يُرتب أفكاره من تحديقه بها،

فأفكاره كانت مشتته ، وقلبه لا يحتمل ترك شقيقه له ..، ليكون كل منهما في دولة أخري ..، وتطول الأيام والسنين ويزداد بعدهم ، ويصبح كل منهما ذكري للأخري

أعتصرت قبضة الفراق قلبه ، فهو ليس لديه قدرة علي بعده ..، لقد سعي لتزويجه من “فريدة” حتي يربطه به أكثر ، ربطه بكثرة الأعمال حتي لا يدعه يُفكر في البعد ، بل من الهروب من حياته

– عامر ، أنا مش هكون فرحان ..، لو أنت رفضت ..، عامر أنا محتاج أبعد عن هنا

رفع “عامر” عينيه ، ينظر إليه بعدما أستمع لعبارته ..، فلم يجد إلا الرجاء بهما ..، حاول الثبات في وقفته , بعدما هدأت وتيرة انفاسه المتهدجة ، وأصبحت المسافة بينهم منعدمه ، وبصوت رخيم هتف

– أنا محتاجك جانبي يا أحمد ، محتاج أخويا اللي مليش غيره ، عايز تبعد عني وتسافر

وتلك المرة كان يهتف هو برجاء متسائلا

– طيب انا زعلتك في حاجه ..، لو موضوع تدخلي في حياتك مضايقك ..، اوعدك هبطل افرض قرارتي عليك ..، مع أني بعمل كده حب صدقني

قاوم “احمد” دموعه ، بعدما تأثر بحديث شقيقه ، وهو يري مدي الحب في عينيه

– أنت أبني مش أخويا يا احمد

أخفي “احمد” عيناه عنه وأطرق رأسه أرضاً ، وقد لمعت الدموع في عينيه ، فلم يحب يوماً تلك اللحظات ، والأكثر أن تكون مع من يحبهم

– مش هنكر وأقولك إني مش عايز أبعد ، بس أنا محتاج أبعد ..، يمكن أنسي الماضي

– هتنسي الماضي ، وتنساني معاه يا أحمد

صرخ بها بقهر ، وقد بدأت المخاوف تقتحم فؤاده

– أنت بتقول إيه يا عامر ، أنساك ..، لو قولت متسافرش هنسي حلمي وهقعد يا عامر ولا في يوم تفكر إني ممكن أنساك

جذبه “عامر” إليه وقد دمعت عيناه هو الأخر، يضمه بين ذراعيه بقوة

– صدقني يا عامر ، ده كان حلم حياتي اني انضم لمؤسسه زي ديه ، انت عارف إنها اكبر مؤسسه للمهندسين المعمارين في أمريكا

– عارف يا أحمد ، عارف وفخور بيك

تمتم بها بقلة حيله ، فقد بدء قلبه يرأف علي حال شقيقه .، ولن يحرمه من حلمه وقراره

– وصدقني مش هطول هناك ، هعمل أسمي واثبت وجودي وأرجعلك

– كام سنه يا احمد

هتف بها “عامر” بعدما أبتعد عنه ، يُطالعه بمشاكسه ..،ينتظر أن يسمع رقماً حتي يُعاقبها بعدها إذا لم يعود إليه

صدحت ضحكات “احمد” بعد تلك اللحظات المؤثرة

– بتحط العقده في المنشار

عاد يجذبه “عامر” إليه ، بعدما ضحك هو الأخر

– متخافش يا عامر ، الغربه مش هتاخدني وانساك ..هحقق حلمي واجي احط ايدي في ايدك من تاني

– طب الكتابه وشهرتك هنا هتسيبها

أراد أن يضع له حلمه الأخر الذي سعي في تحقيقه ..، منذ خمس سنوات ..، وبالفعل كما قال له ..، إنه يضع له العقده بالمنشار

فضحك احمد ساخراً وهو ينظر لشقيقه ، وقد وقف يرمقه بترقب منتظراً جوابه ، ولكن جوابه صدمه

– أنا أعتزلت يا عامر ، ومن مده بفكر في الحكاية ديه

ثم اردف متذكراً خاله

– الكاتب المشهور مراد زين .. هو خالك الله يرحمه ، يعني أحمد السيوفي لا وجود له

طالعه “عامر” متجهماً بعدما خسر ورقته الأخيره

– أنا كنت معترض علي العالم ده ، عالم خلاك ديما منفصل عن الواقع ومقدرتش حتي تنسي الماضي معاه وتكون شخص جديد..

واردف مُتهكماً بعدما طالعه “احمد” بابتسامه واسعه

– لا انت بقيت عارف تكون “أحمد السيوفي” ولا بقيت عارف تكون “مراد زين” … ، بقيت عامل زي بياع الورد , بيبيع للناس الورد عشان يفرحهم مع انه اكتر واحد بيتأذي من شوكه

وتابع حديثه : طيب اتجوز فريده وخدها معاك ، فريده مهندسه شاطرة وذكيه وفي نفس مجالك ، واه أكون اطمنت عليك

وها هي عقده جديده يضعها شقيقه أمامه ، ويعلم إنه لن يفعلها ..، فقد حرم النساء عليه وانتهي الامر

– فريده بنت هايله يا عامر ، لكن أنا منفعهاش ..، وبلاش تحط العقده من تاني يا عامر

رمقها “عامر” ماقتًا من عقله الصلد ، الذي للأسف يشبه عقله

– نفسي تسعي ليك ، وتتجوز أنت يا عامر

– لسا برضوه منستش الماضي ، منستش مها

هتف بها حتي يهرب من عبارة شقيقه

– شايف أه انت بتهرب من حصاري ليك يا عامر، اظاهر أننا هنفضل مضربين عن الجواز لنهاية العمر

القي عبارته الأخيره مازحاً ، فانفرجت شفتي “عامر” بابتسامه واسعه .، وفتح له ذراعيه مجدداً

– مدام فاضل شهر علي سفرك ، حاول تشوف فريده بصوره تانيه يا احمد ..، يمكن تلاقيها شريكه حياتك المناسبه ليك ..، مدام مش هتختار بقلبك ..، مش عايزك تكون زي أسير الماضي

ابتعد عنه “احمد” ، وقد اصبح بالفعل يشفق علي حال شقيقه ..، وهو يدفن عمره , ويري النساء في صورة والدته

– أنا صعب أنسي يا عامر ، لكن أنت تقدر تسامح وتنسي ..، عاقبة ماما كتير وكفايه عليها كده وعليك

وعندما وجد الجمود يرتسم فوق ملامح شقيقه ثانيه ، تمتم بمزاح حتي يُخرجه من تلك الحاله قبل أن يتقمسها

احمد : شعرك بدء يشيب يابوس !!

…………….

ربت” احمد “فوق كتف صديقه، يمدّ له باخر عمل قد كتبه ، وانتهت معه رحله أعماله الأدبيه

طالع “رامي” الأوراق المدون بها العمل ، ينظر للاسم يُحاول أن يفهم أختيار صديقه له

رامي : المواجهه !

فهتف أحمد ، بعدما رأي نظرات الأستفهام من عينين صديقه

– الكتاب ده متنشرهوش دلوقتي غير لما ابعتلك ، وهو ده اللي هتكتب فيه قرار اعتزالي للأبد

أندهش رامي مما يسمعه ، فلم يؤجل صديقه نشره ، ولما يُعطيه له اليوم قبل موعد رحيله بعد غد

– حاولت أنهيه قبل ما أسافر، ومكنتش مكرر انشره غير وقت أعتزالي من عالم الأدب او بالأصح عالم رفضي الواقع ..، بس كل حاجة أتغيرت حسابتها بعد ما جات فرصة سافري لأمريكا

رمقها “رامي” متفهماً ، فهو كان يعلم بنية صديقه عن الأعتزال ولكنه كان يتمني أن يتغاضي عنها يوماً ،ولكن صديقه أتخذ الأمر بجديه بعد جاءه عقد الأنضمام

وسؤال واحد كان يطرق عقل “رامي” بإلحاح ، فلما أختار صديقه هذا الاسم ؟

– مواجهه ايه بالظبط ، اللي انت عايز توصلها لقرائك ؟

احمد ببتسامة واسعه : مواجهة الألم !

….

وها هو يواجه ألم أخر لم يكن يحسب له ، وهو يُهاتف “فريدة” يرغب في لقاءها بعد إنصراف صديقه .

………………

طالعته في سكون تام، وقد تلاشت سعادتها رويداً..، ظنت إنها أصبحت قريبه منه وقد بدء يشعر بها وبحبها..، ولكنه اكتشفت اليوم ما كانت إلا تركض وراء سراب حذرتها منه عمتها وللعجب والدها أيضاً بعدما لم يجد أي ردة فعل تتخذ.

رمقها بعدما أنهي حديثه متسائلاً، بعدما رأي الشحوب يعتلي ملامحها

– فريدة،. أنتِ كويسه

ابتلعت غصتها، وقد اطرقت عينيها نحو فنجان القهوة الذي اخذت تديره بحركات دائرية

– كويسة؟

همست بها بصوت خافت، ولكنه كان يسمعه..، شعر بالضيق وهو يري ما وصلة إليه معها..، ولكنه حذرها من حبه..، أخبرها مراراً أن ما بينهم ليس سوي عمل..، وأن نظرته نحوها ما هي إلا نظرة تقدير وإعجاب..، ولكن حب..، كان أبعد عن مشاعره , فلن يحتل أحداً قلبه مجدداً

– فريده، تحبي نقوم طيب

– ببساطة كده، طيب ليه

هتفت بها، دون أن يفهم مقصدها..، ولكنها اتبعت عبارتها وقد جلي في صوتها الألم

– وحبي ليك، محستش ابداً بقلبي

لم يتفوه بشئ، فبما سيخبرها وهي التي كانت تركض خلفه..، تدفع نفسها نحو حب ستكون هي الخاسرة فيه

– رد عليا يا بشمهندس

– أنتِ اللي جريتي ورا سراب يا فريدة، أنا عمري محسستك بحاجة تقول إن بحبك، كل مشاعري كانت تقدير ليكي وإعجاب

عادت الغصة تقف بحلقها، فتجرعت مرارة كلماته..، تخفي دموعها

– وأنا اللي حسيته ده كان سراب، دعوتك للعشا ليا، اهتمامتنا بحاجات لقينا نفسنا مشتركين في حبها، ابتسامتك اللي بقت تظهر وأنت معايا، رحلة المزرعة

ولم تعد تتحمل ثقل دموعها، فانسابت فوق خديها

– كلامك معايا عن أحلامي… ،وعن حلمنا إن المشروع يخلص

– فريدة، كفايه

– لا مش كفاية يا بشمهندس

تعالا صوتها، فالتف البعض يرمق تلك الباكية

– فريدة خلينا نقوم

التقط ذراعها بعدما نهض عن مقعده، فدفعت قبضته عنها حانقة

– أنت بتهرب مني ومن هنا عشان لسا عايش مع الذكريات..، ذكريات مع واحدة ماتت

نهضت عن مقعدها، بعدما القت عبارتها وقد تجمدت عيناه وملامحه.. ،تركته في صدمته واسرعت بخطواتها نحو الخارج

فاق علي حاله، وقد علقت عيناه بها وهي تُغادر من باب المطعم..، فاسرع نحوها يلتقط ذراعها

– عرفتي منين عن، مها ؟

– هو ده كل اللي يفرق معاك، إني عرفت

دفعته عنها، واسرعت تعبر الطريق وقد اغرقت الدموع خديها.. ،صدح صوت بوق سيارة قادمة بسرعة فائقة..، فسكنت مكانها مرحبة بقدومها لعلها ترتاح من ألم الحب الذي اقتحم حصونها وجعلها ذليلة لأحداً هكذا

– فريدة

صرخ بها وهو يجذبها، لا يُصدق إنها كانت ستفقد حياتها بسببه ويعيش بذنب أخر ثانية

– مستحقش تعملي في نفسك كده يافريدة، ولا حد يستحق ده يا فريدة

كان يضمها نحو صدره حتي تلتقط أنفاسها، وتستوعب ما كان سيحدث لها، دفنت رأسها بصدره تشم رائحته..، فربما كانت هذه اللحظة الأخيرة التي ستجمعهما

ابتعدت عنه وقد انتبهت للتو علي عبارته

– عندك حق، محدش يستاهل إن اخسر عمري عشانك

وتراجعت بضعة خطوات، تصفق له بكفيها

– أنا اتعلمت الدرس كويس يا بشمهندس

وبقوة واهية كانت تمسح دموعها، تفجر له ما عرفته

– ابقى اسأل عامر، إيه السر اللي مخبي عنك

وابتسمت بهون وقد التفت بجسدها راحله.. ، فقد إنتهى لقاء الوداع الذي دعاها من أجله ولحماقتها قد ظنت إنه سيخبرها اليوم بحبه لها

– مبروك علي إنجازك الكبير يا بشمهندس

تركته في سكونه يتسأل داخله، عما تقصده من حديثها الأخير وما الذي يُخفيه عامر عنه؟

……….

أندفعت لغرفة عمتها، ترتمي بين ذراعيها.. ، فضمتها ” السيدة كريمة” إليها وقد انتابها القلق.. فمنذ ساعات كانت تطير من السعادة بعدما طلب لقاءها وقد ظنت صغيرتها إنه سيخبرها بحبه

– هيسافر يا عمتو، كان عايز يودعني مش يقولي إنه حبني ونفسه يكمل عمره معايا

ارتسم الألم فوق ملامح “السيدة كريمة”، فما الذي فعله هذا الأحمق بصغيرتها

– حب يودعني قبل ما يمشي بكره يا عمتو

– النهاردة مسافر

هتفت بها “السيدة كريمة” بدهشة، ف بالتأكيد لم تأتي رحله سفره بهذه السرعه، منحتها “فريدة” الإجابة التي كانت تبحث عنها متمتمه بقهر

– كان عارف من شهر، وبيرتب لرحلته، ليه خلاني عايشه في وهم حبه مدام مقرر إنه هيمشي

تركتها “كريمة” تُخرج كل ما تشعر به، ضمتها بقوة إليها وقد بدأت الصورة تتضح إليها

– مش معقول يكون غبي لدرجادي يا فريدة وبيهرب من الحب

ابتعدت عنها “فريدة” تنظر إليها، وقبل أن يعود الأمل داخلها

– أو فعلا محبكيش يا فريدة، وهدفه الوحيد إنه يحقق أحلامه، لكن الحب بقى برة حساباته

وبقسوة لمن تكن تقصدها “كريمة” تمتمت وهي تعيدها لاحضانها مجدداً

– مش معنى إننا خسرنا في الحب، يبقى اتهزامنا يا فريدة..، فوقي لنفسك.. ،فريدة الصواف عمرها ما جريت ورا راجل رافض حبها

تملكها الحقد رغماً عنها، فقد دعسها أسفل قدميه دون رحمه، لقد جعل “فريدة” الشامخه.. تهبط من عليائها وتترجاه أن يمنحها حبه

………..

– إيه اللي خفيته عني من الماضي يا عامر؟

هتف بقوة، بعدما اقتحم غرفة مكتبه.. ينظر لملامح شقيقه المستفهمه عما يقصده.. ،اقترب منه ” احمد” بخطوات جامده، ينتظر سماعه

– أنت تقصد إيه يا أحمد

– عامر يا سيوفي..، بلاش طريقتك اللي أنا عارفه

– أنت اتجننت

صرخ بها “عامر” وهو يقترب منه، فتنهض “احمد” غاضباً من حالها، ف “عامر” شقيقه الأكبر، شقيقه الذي دوماً يري داخل عينيه السعادة والفخر كلما نجح وحصل علي شئ..، شقيقه الذي لا يبحث عن شئ غير سعادته حتي لو بعقليته المتحجرة، القاسية

– جاوبني يا عامر

تنهد “عامر” بضجر وملامح جامده، فهو لا يفهم مقصده

– مخبي عليا إيه في مـ,ـوت مها

ومن نظرة “عامر” الجامدة، ثم اشاحته للوجه بعيداً عنه، كان “احمد” يتأكد من صدق كلام “فريدة”، هناك شئ لا يعرفه عن حبيبته..، ولكن ما هو هذا الشئ

انتظره “احمد” أن يُجيب عليها، ولكن “عامر” ابتعد عنه.. وقد عاد لأوراقه

– بلاش يا احمد، أنت متخطتش ذكرياتك معاها.. عايز ليه تضيف سطر جديد في القديم

– أنت بتلعب بيا يا عامر، كفايه بقى.. مش كفايه أنت السبب في تعاسة فريدة، قربتها مني وأنت عارف إن قلبي اتقفل علي مها

– متستحقش حبك

وعاد يصرخ به ، بعدما نهض

– فاهم يعني إيه متستحقش حبك، ولا الذنب اللي حملت نفسك..، إنك السبب في مـ,ـوتها

– أنت بتقول إيه؟

اهتزت شفتيه وهو يُتمتم باسم شقيقه راجياً

– عامر

– معرفتش تتحكم في لجام الفرس، عشان كانت واخده نسبة مخدرة..، عارف يعني إيه… كانت مدمنه

اتسعت حدقتيه صدمه، فما الذي فعلوا بحبيبته

– مش هقدر اظلمها في مـ,ـوتها واقول إنها كانت ضحية لعيلة قذره، ممكن يخلوا بنتهم تدمن عشان تبقى تحت طوعهم

تسارعت أنفاسه وهو يستمع لما يُخبره به شقيقه

– كانوا بيستغلوها تشيل الممنوعات في المزرعه يا بشمهندس..

وبنبرة جامدة ، وقد سلط عيناه نحو المساحه الواسعه التي تتمتع بها شرفة مكتبه، هارباً من نظرات شقيقه المتألمه

– اظن أنت فاكر الليله، اللي جات فيها الشرطة للمزرعة

وهل ينسى هو تلك الليلة

فلاش باك

فتح عيناه مسترخيا بإنتشاء، يمدّ ذراعه جانبه، يبحث عنها،

اعتدل في رقدته..، يلتقط هاتفه.. ،فقد أصبحوا في منتصف الليل..، ف أين هي؟

دلفت الغرفة بتوتر.. وعندما وقعت عيناها عليه وقد استيقظ من غفوته تسألت برتباك

– أنت صحيت يا احمد

ابتسم وهو ينظر لهيئتها، مستغربًا من حالة ثيابها

– أنتِ كنتي في الأسطبل يا مها

اماءت له برأسها، وتقدمت منه تشعر بالخوف

– روحت اقعد مع شمس شويه

كان ” شمس” احد اسماء احصنته، وقد أصبحت مرتبطة به بشدة..، مدّ له بذراعه متفهماً

– تعالي يا حببتي، أنا بس قلقت عليكي..، مالك مخضوضة كده ليه

اقتربت منه بتوتر، فاجلسها فوق ساقيه.. ،يمسح فوق خديها , يتفرس ملامحها المرهقة

– مها، أنتِ مبقتيش عجباني، حاسس إن فيكي حاجة، أو مخبية عني حاجة

بهتت ملامحها، ولكن سرعان ما كانت تعود لطبيعتها..، فماذا سيحدث لو علم أن حبيبة قلبه أصبحت مدمنه..، خاضعة بجسدها لذلك الرجل الذي يمنحها جرعة المخدرات بعدما كان والدها سببً في إدمانها، بل لم يرحمها بعد كل ما فعله واجبروها أن تدس الممنوعات هنا في المزرعة

خاطبت حالها مُتحسرة فقد دُنس جسدها الذي أقسمت أن لا تهبه سوي للحبيب..، وها هو الحبيب يغرقها بين ذراعيه.. ، يُخبرها عن مدى عشقه لها

ضمها بقوة إليه، قبل أن يُدمغها مرة أخرى بنوبات جنونه..، ولكنه ابتعد عنها متسائلا بنظراته، وهو يلتقط أحدي أوراق الشجر من بين خصلاتها، وهي ورقة لشجرة منفرده في بيت المزرعه

فاق من شروده وهو يتذكر فزعتها صباحاً عندما استمعت لسرينة الشرطه ، عندما نهض علي رنين هاتفه ..، وصوت شقيقه يُخبره أن الشرطة لديه بالمزرعة

– أنت عرفت كل ده إزاي يا عامر

تمتم بها مصدوماً ، فمها لا تفعل به هذا .

– خليت عامل عندي في المزرعه ، يراقبها لم تكونوا موجدين هناك

واردف بعدما اخذ يُطالعها لبرهة ، ثم أشاح عيناه عنه

– تفتكر إني مكنتش عارف بلقائتكم في المزرعة يا احمد ، أنا كنت عارف وساكت ..، سيبتك يا أحمد تعمل اللي عايزه ..، قولت يمكن أطلع في النهاية غلطان

وبحقد كان يتغلل داخله من النساء

– كلهم زي بعض ، مافيش ست مخلصه

– مها لاء يا عامر ، اكيد كانت مجبوره علي ده

تمتم بها ، بعدما هوي بجسده فوق الأريكه ، فلم يعد يتحمل أرتخاء ساقيه من هول ما سمعه

– يمكن مكنتش وحشه ، يمكن ظروفها أجبرتها علي ده ..، ويمكن حاجات كتير تكون أتفرضت عليها ..، لكن أنت مش سبب مـ,ـوتها وهي مكنتش ست وافية لدرجة تعيش عمرك كله علي ذكراها

– وليه محذرتنيش ، ليه موجهتهاش ..، فضلت تتفرج علي الصوره من بعيد ليه

وبنبرة جامدة كان يصرخ به

– لو كانت واثقة فيك وفي حبك ..، كانت جريت عليك وحكتلك ..، لكنها كانت مستسلمه ، ضعيفة ..، رضيت تتجوزك في السر ورضيت تضيعك وتضيع نفسها

اطرق رأسه أرضاً ، يفرك عنقه ..، بعدما استمع لكلامه ..، فلو كانت تثق به ..، لكانت أخبرته عن السبب الذي جعله تفعل ذلك

– وعشان مفضلش عمري كله ، في الصوره الوحشه ديه احمد أنا و أبوك .. كنا هنرضخ لرغبتك ..، لكن

رفع رأسه ، بعدما أستمع لعبارة شقيقه الأخيره ، فقد مضي الوقت وفات الأوان ومن يتحدثون عنها قد رحلت

– كانت ماتت يا عامر ، مش كده ..، ماتت وابني اللي في بطنها مات وراح

……………

الفصل التاسع

*******

احتضنته بقوه تضمه اليها كالطفل الصغير تخشي مفارقته ، فانحني “احمد ” نحوها بشفتيه يلثم كفيها يتمتم بدعابه

– هتوحشيني اووي يانونه ، خلي بالك من نفسك

فبكت “ناهد” وهي تشدة نحوها أكثر ، لا تُريد تركه

– هيوحشني حنانك عليا يا ابني ، انت الوحيد اللي معقبتنيش علي غلطتي .. ، الزمن عاقبني واخوك عاقبني بكرهه ليا ، لكن أنت لاء

طالعها “احمد” وقد المه قلبه عليها ، ولكنه يعلم بأن “عامر” لن يظل هكذا ومن حبه الشديد لها يُعاقبها ، وللاسف هذه هي طريقه شقيقه مع من يحبهم

– عارفه ياماما ، الدنيا علمتني حاجه واحده

واردف وهو يضمها لصدره بحنان ، يمسح عنها دموعها

– علمتني معقبش حد علي حاجه عملها ، مش يمكن الزمن يلف واعمل انا الحاجه ديه … وملقيش اللي يسامحني ….

وتنهد بألم يتذكر حديثه الأخير مع شقيقه

– أو يمكن الظروف تكون بتجبر اللي بنحبهم ، لكن ميقصدوش إنهم يأذونا

لم تفهم “ناهد” عبارته الأخيره ، التي تمتم بها بحرقة لم تُخفي عنها

– انت شبه ابوك الله يرحمه يا أحمد.. كان قلبه ديما كبير وبيغفر ، يمكن هو ده كان سبب أخطائي الكتير ، وعلي قد ما حبني كرهني وكنت أستحق ده ..، في أخطاءك مبتتغفرش يا أبني ولا بنعرف نغفرها

وضحكت ساخرة من نفسها ، فا ليتها كانت تتمتع بتلك الحكمة قديماً ، ما كانت خسرت زوجها و أولادها

– اصل في ناس بتفتكر ان الغفران والصفح والفرص الكتير اللي بندهلهم ده ضعف ، وإن عمرهم ما هيكرهونا او هيتوجعوا مننا مهما عملنا في حقهم

والتمعت الدموع في عينيها مجدداً

– وهو ده اللي انا عملته مع ابوك هو يغفر وأنا أغلط ، يسامح وأنا اتمادي اكتر

واردفت بعدما أبتلعت غصتها ، تتذكر غرورها وروعنتها بجمالها

– أنا عارفه ان عامر بيحبني اووي ، لكن مش قادر يسامحني ولا ينسي

واغمضت عيناها ، تندم علي ما فعلته بهم

– الذكريات فضلت مرسخه جواه ، يمكن أنت كنت صغير , لكن عامر كان كبير وقادر يفهم ويستوعب

وبكت بحرقة وهي تردف بخزي

– انا خذلتكم يابني ، وضيعت منكم صورة الام .. الام اللي بتضحي وبتستحمل … مش الام الانانيه اللي كل همها جمالها ومتعتها

فعاد “احمد” يُعانقها ، يمسح عنها دموعها, يهتف بحنان :

– اوعي تعيطي يا ماما ، احنا جانبك اه ..

و اخذ يُداعبها بحديثه ، لعله يُنسيها ويُنسي حاله إنه سيبتعد عنها

– عامر , اول ما حنان بلغته ، إنها هتمشي عشان هتتجوز قلب الدنيا والبلد عشان يجبلك مرافقه تخدمك وتبقي تحت رجلك ، عامر طيب اووي ، ومسيره في يوم هيحن ويلين وينسي كمان

ذرفت دموعها ، فضمها لحضنه حزيناً عليها , يستنشق رائحتها ويلثم جبينها حتي غفت ، وضعها برفق فوق وسادتها ثم دثرها بالغطاء ، ونهض من جوارها مغادراً الغرفة .

وقف خارج غرفتها ، يُحدق بشقيقه الواقف أمامه

– حاول تعوضها عن غيابي يا عامر ، كفاية قسوة عليها .

………………………………………………………..

ابتسمت وهي تنظر في أسطر الكتاب الذي تقرأه، فقد أخذتها الكلمات للغوص في أحلامها الماضيه ثانية، فارس الأحلام..، قصة خيالية تحكي عنها لأحفادها يوماً.. ،رجلاً تجمعها به حكاية مختلفة، وها هي تغرق في ملاح رجلاً لن تراه يوماً ، ولن يجمعها به القدر ثانية

شهقت بفزع وقد اطرقت “جنه” بخفة فوق رأسها لعلها تفيقها من شرودها البائس

– شايفاكي رجعتي تسرحي من تاني، و ده ميبشرش بالخير

رمقتها “صفا” بمقت، وبخفة كانت “جنه” تلتقط منها الكتاب.. ،تُطالع الصفحة التي تقرأها

– اممم، كلام جميل..، فيها فلسفة عن فن اختيار الناس

وانتبهت علي أحدي العبارات، فحدقت بها تلوي شفتيها ممتعضة

– لا وكمان فن أختيار شريك الحياة

واخدت تُقلب في الصفحات، حتي بدأت تري مواقف يسردها الكاتب عن علاقات البعض

– هو اختيار شريك الحياة، محتاج كتب ودراسه كمان

استاءت “صفا” من تهكمها، فالتقطت منها الكتاب حانقة

– أنتِ إيه فهمك في الكتب، واخرك كان قصص الأطفال

اتسعت عينين “جنه”، وخرج صوتها في شهقة عاليه

– قصص أطفال

هكذا كان يبدء مزاحهم وينتهي بمجاورتهم لبعضهم، وكل منهن تُخبر الأخرى عن أحلامها.

غفت “جنه” مرهقة، فلديها في الغد يوم حافل من المحاضرات..، لكن ” صفا” عادت لأسطر الكتاب.

…. ……..

وقف “رامي” يلوح له بيده، بعدما بدء الإعلان عن موعد رحلته..، علقت عيناه ب “احمد” مودعاً له، فقد اختار بدايه الطريق..، طريق يشعر إنه مخبأ له الكثير من الأحداث..، إنها رحلة الجديدة ورحلات الحياة لا تكون إلا حافلة..

اختفى “احمد “من إمام عينيه..، فتنهد “رامي” بحزن وهو يُغادر المطار.

……… ……….

طالع “عامر” الوقت، فقد أصبحت طائرة شقيقه مُحلقة في السماء الأن ..، اغمض عيناه وقد بدء الشوق يجثم فوق قلبه

– سيبتك تبعد عشان نفسك يا احمد، يمكن تبدء طريق جديد وحياة جديده

تنهد وهو ينهض عن مقعده في غرفة مكتبه ، ينظر للملفات التي كان منكب عليها لمُطالعتها، ولكنه هذة الليلة لا يمتلك الرغبة في فعل أي شئ.

صعد درجات الدرج بارهاق وبذهن شارد، لم يشعر بقدميه وقد أخذته نحو غرفة والدته..، وقف يحدق بالباب المغلق يصارع مشاعره ، وبرفق كان يفتح الباب..، يقترب من فراشها وقد غطي الظلام الغرفة إلا من تلك الإضاءة الخافته المنبعثة من الأنوار الخارجية

وبحب مهما أنكره وقسوة تملكته مع الأيام ، كان يُطالعها، يتأمل ملامحها الحزينة علي مفارقة صغيرها،

جثي فوق ركبتيه جوار فراشها وبرفق اخد يمسح فوق كفها

……….. ………….

ضمت “فريدة” جسدها بالسترة الخفيفة التي تضعها فوقها، فارتعش جسدها برجفة خفيفة، لقد رحل دون أن يرفق بحالها، دون أن يشفق عليها..، فقد صدق والدها حينا أخبرها إنها لن تجني من تلك العلاقة إلا التعاسة ، وها هو والدها قد صدق وجنت التعاسة.

ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق محياها، وهي تتذكر كيف عاد الأمل لوالدها أمس حينا علم برحيل “احمد”..، فقد سنحت الفرصه لأبنته أن تري

“عامر السيوفي” بنظرة أخرى، “عامر” الذي يعتبر هو الرأس الكبرى، ومن يمتلك الزمام في مجموعه السيوفي

فاغمضت عينيها، وقد عادت كلمة والدها تخترق أذنيها

” لو عايزة تكوني سيدة أعمال ناجحه يا فريدة، أنسى حاجة اسمها حب..، لكن لو عايزة تختاري طريق الحب..، ف خسارة يا بنت محسن الصواف”

……. ……..

وضعت سكرتيرته أمامه إحدى الدعوات، فطالع الدعوة دون أن ينظر إليها مستفهماً… ،فاسرعت تخبره بما ينتظره

– دعوة حضور حفلة لناصف بيه، واتصل بيك يا فندم من ساعتين، لكن حضرتك كنت في إجتماع، حتي إنه طلبك علي رقمك الخاص

فرفع عيناه عن الأوراق التي أمامه، والتقط هاتفه ينظر للأرقام المسجلة في سجل المكالمات الواردة، ف بالفعل الرجل هاتفه اليوم قبل ثلاث ساعات

انصرفت السكرتيرة من أمامه، فحدق بالدعوة، دون أن يعرف موعد الحفل..، فليس لديه رغبه في الترفيه هذه الأيام.. وقد ثقلت علي اكتافه أعباء العمل

غادر هذه الليلة من شركته في ساعة متأخرة بعض شئ عن مواعيد خروجه، نهض الحارسان عن مقاعدهم ينتظرون تحركه بسيارته..، وقد انطلق بها سريعاً…، فقد سمح لسائقه أن يعود لمنزله وألا ينتظره بعدما رأي علامات التعب فوق ملامحه

….. ……. ………….

غادرت المبنى التجاري الذي تعمل به، تنظر لساعة يدها في قلق..، فقد تأخرت عن موعد إنصرافها، وذلك بسبب تأخيرها اليوم عن ميعاد العمل.. ،واما كان يُخصم من راتبها الذي يكاد يُكفيها بجانب معاش والدها الزهيد هي وعائلة شقيقها او تنضاف عليها ساعات من العمل

أسرعت في خطواتها، تعبر الشارع الواسع الذي يسير خلاله قلة من السيارات، فهي تختار الخروج من البوابه الأقل ازدحاماً , في طريقها نحو الخارج…،التقط هاتفها وقد عاد رنينه يصدح للمرة الثانيه

– ايوة يا ابتسام، أنا لسا خارجه من المول دلوقتي

وقبل أن تشرح لها سبب تأخيرها..، كانت تسمعه ما اعتادت عليه يومياً..، اغمضت عيناها بقوة تمنع دموعها

– الساعه عشرة يا هانم، ولا أنتِ عايزة الجيران ياكلوا وشنا..، مش كفاية لسا قاعده معنسة لحد دلوقتي ولا حد راضي يبصلك ويخلصنا من همك

تجاوزت حديثها الذي انغرز سهمه بسمومه في قلبها..، فما عساها أن تفعل وهي تعيش مع شقيقها..، وحتي لا تدمر حياته وتشتت أطفاله ما عليها إلا الصمت والتظاهر بالرضى

– حاضر يا ابتسام..، هاخد مواصلة بسرعة وساعه واكون في البيت

خرجت شهقاتها وهي تسقط أمام السيارة التي صدمتها صدمه خفيفة بعض الشئ ، وقد اسرع سائقها في الترجل منها ، ووقف يُعاينها بعينيه متسائلاً بقلق

– أنتِ كويسه يا مدام؟

لم تهتم بكلمته ، ف بالتأكيد فتاة مثلها ترتدي ملابس واسعة من العصور القديمه كما يُخبرها صاحب العمل ورفيقاتها بالعمل، ذو جسد ممتلئ بعض الشئ.. سيراها الناس هكذا “مدام”

انحني “عامر” صوبها وقد أصابه القلق من صمتها

– يا مدام

رفعت “حياه” عيناها نحوه.. ، بعدما التقطت هاتفها الذي تحطم

– أنا كويسه..،ممكن بس تبعد رجلك شويه

قطب جبينه مستغرباً، ما نطقت به.. ولكنه فعل لها ما أردات يهتف داخله حانقاً من هذا اليوم الذي يُريده أن ينتهي

انتبه علي ما التقطته من أسفل قدمه، ولم تكن إلا بطارية الهاتف.. وعلي ما يبدو إنه كان هاتف جديد..، تنهدت بحزن فهي لم تدفع ثمنه بعد , وها هو يتحطم منها

– قوليلي عنوانك إيه وابعتلك مكانه واحد..، رغم إنها غلطتك وكنتي بتتكلمي في التليفون..، لكن أنا متحمل الخساير

القي عبارته ورمقها متفصحاً، حتي يتأكد إنها بخير، فاشاحت عيناها عنه متمتمه بعدما نفضت ملابسها

– أنت قولت إن أنا اللي غلطانه، وحصل خير يا فندم

القت عبارتها الأخيرة، واسرعت مبتعده..، تحت نظرات “عامر” الذي وقف مصدوماً وأسرع بالهتاف

– يا مدام

ولكنها ابتعدت دون أن تلتف نحوه، التوت شفتيه بامتعاض وهو يحدق بها

– هي حره، أنا عرضت وهي رفضت

……. …………

دلف للحفل التي تضم صفوة المجتمع، مُقرراً إنه سيظل بضعة دقائق ثم سيرحل، رحب به “السيد ناصف” بشدة واجتذبه نحو بعض الأصدقاء ليُعرفهم عليه

اتخذ الحديث مواضيع كثيره، ولم يستطيع “عامر” التخلص منهم، التقط احد المشروبات الباردة، وقد علقت عيناه ب “فريدة” التي دلفت للتو دون والدها.. ،اشفق عليها ف بالتأكيد أصبحت تكرهه هو وشقيقه رغم أن الأعمال بينهم مازالت مستمره

ارتشف عصيره دفعة واحده، يُحاول أن يبتلع تلك الثرثرة التي اصابته بالضجر.. ،فاستطاع اخيراً التملص من رفقة الواقفين معللاً

– اسمحولي أعمل تليفون مهم

– اتفضل يا عامر بيه

اتجه نحو الشرفة الواسعة التي تطل علي حديقة المنزل..، يقف قليلاً داخلها يعبث بهاتفه

انتبهت “فريدة” علي وجوده بعدما كانت تلتف حولها، ولا تعلم لما تضع اللوم علي “عامر” الذي قربها من شقيقه وجعلها تقع في شرك الحب..، التقطت كأس العصير وعيناها عليه حتي وقف في الشرفة بعيداً عن الأنظار

– كأس العصير ده مش بتاع حضرتك يا فندم

أراد النادل أن يتلقط كأس العصير منها، وقد بهتت ملامحه.. ،وهو ينظر نحو السيدة الأخرى التي انزوت في ركن بعيد تُطالعه بغضب، فها هي قد خسرت فرصتها

– نعم

هتفت بها “فريدة” حانقة، وقد اشاحت بكأس العصير عنه , جوارها

– أنت سامع نفسك بتقول إيه

– يا هانم انا مقصدش

وأشار نحو احد الأشخاص وقد كان علي بضعة خطوات منها.. ،إنه تعرف هذا الشاب..، ابن شقيقة السيد ناصف

– يا فندم، ارجوكي

كان النادل مُلح في رجاءه، حتي إنه كاد يبكي

– بصراحه عجبني العصير

وفي دفعة واحدة كانت تبتلعه، عناداً به..، اتسعت عينين النادل وقد غادرت السيدة التي أعطته هذه المهمه بعدما خشيت مما سيحدث..، اسرع النادل بالمغادرة.. ،فبعد عشر دقائق سيبدء مفعول المنشط وستحترق من الرغبة وستحدث فضيحة سيتحدث عنها الجميع..، لم يكن هذا الهدف الأساسي… ،بل من دبرت للأمر لم تكن تُريد إلا ابن عمتها ..، أردات أن تشعل الرغبة داخله ثم تجره لغرفتها حتي تُريحه ويتم الأمر كما خططت له مع اصدقائها

شعرت “فريدة” بالحرارة تسري بجسدها، فقررت الخروج للشرفة، وقد أتتها الفرصه حتي تخرج غضبها نحو “عامر” ذلك الذي يظن نفسه فوق الجميع.

اقتربت منه، وقد زادت حرارة جسدها رغم ما ترتديه من ثياب خفيفة بعض الشئ

– شجعتني قرب منه، وفي الأخر سابني

التف “عامر” بعدما أستمع لصوتها الحزين..، واقترب منها.. فهو بالفعل يلوم حاله ولم يكن يتمنى أن ينتهي الأمر هكذا

– أنتِ تستاهلي أحسن من أخويا يا فريدة، احمد هو الخسران

صفقت بيديها وهي تسمعه، وقد اشتعلت نيران الغضب داخلها

– اخوك مخسرش حاجة، اخوك كسب إدارة كبيرة في أمريكا..، لكن انا خسرت..

– كلنا بنخسر في الحب عادي يا فريدة..، اعتبري الموضوع صفقة وخسرتيها

مقتت عبارته، فهل يقف يُحادثها بعبارات والدها هو الاخر.. ،صفقة وقد خسرتها

– صفقة؟.. صحيح عامر بيه هيتكلم في إيه غير صفقات

طالعها بجمود، فتعالت ضحكتها واقتربت منه حتي أصبح لا يفصلهما شئ.. ،فعادت السخونه تسري بجسدها..، وبألم حارق لا تعرف مصدره تسألت..، بعدما تجاوزت عن حديثها

– هي الدنيا حر، ولا أنا حرانه

طالع المكان حولها، متعجباً سؤالها

– الجو حلو يا فريدة

– بس أنا حاسة إن الدنيا حر..

هتفت عبارتها وهي تمسح فوق وجهها.. ،تعجب “عامر” من رؤية خديها يتوردان بتلك الطريقة..

– مش قادرة اخد نفسي

أصابه القلق وهو يراها هكذا، وكيف ابتعدت عنه تنحني بجسدها

– فريدة تعالي اخدك لدكتور

التقط ذراعها.. ،وتحكم في اسنادها

– حاولي تقف وتمشي معايا ثابته.. ،تمام

اماءت له برأسها، وسارت جواره وقد غادروا الحفل..، وسخونه جسدها قد ازدادت، بل وهناك شعور مختلف يخترقها

اجلسها في سيارته برفق وقد اعطي سائقه مهمه توصيل سيارتها لمنزلها..

استقلي مقعده.. ،ينظر إليها وهي تعبث بحمالة ثوبها

– عامر ممكن تشغل المكيف

اسرع في إجابة طلبها، بعدما أغلق نوافذ السيارة..، وقد بدء المكيف بالفعل ينشر برودته داخل السياره

ولكن تجمدت عيناه فجأة، وهو يجدها تُحرك كفها فوق ذراعه.. ،بل وتلتصق به..

– فريدة

توقف جانب الطريق بعدما لم يعد يتحكم في التخلص من ذراعيها وقد وصل الأمر لاشياء لم يتخيلها ، كان طريق مظلم وخالي من السيارات

– فريدة أنتِ بتعملي إيه

وبعبارات لم يكن يتخيل أن يسمعها منها , كانت تهمس بها ، اتسعت عيناه في صدمه..، فقبض فوق كفيها يدفعها عنه

– أنتِ اكيد شاربه حاجة، فريدة فوقي

صفعها بقوة..، المتها.. ،فسقطت دموعها تهتف اسمه

– عامر، أنا مش عارفه فيا إيه

شعر بالندم لفعلته، واقترب منها يمسح فوق خدها

– خدي اشربي ميه، الموضوع في حاجة..

وقبل أن يتم عبارته..، كانت تندفع نحوه..، لا يستوعب إنها تقبله بل تخبره إنه طيب وحنون

دفعها عنه، صارخاً بها

– أنتِ مش في واعيك

حاول أن يُدير سيارته ثانية ويتحكم في القيادة..، ولكنها كانت امرأة أخرى أمامه، أمرأه يري فيها الإصرار نحو شئ ما

*******

الفصل العاشر

*******

فتحت عيناها بصعوبة ، وقد أخذ الألم يطرق رأسها ..، طالعت المكان حولها ..،فانتابها الخوف وهي تنتفض من فوق الفراش ..، إنها ليست في منزلها

علقت عيناها بحذائها المُلقي جوار الفراش ، وعندما التفت بجسدها قليلاً ..كانت المرآة قبالتها ..، فستانها أصبح مُجعد ، ملامحها مُلحظه بزينتها ..، ثم اقتربت من المرآه ببطئ تفحص حالها بتأكيد بعدما بدء الذعر يرتسم فوق ملامحها

وسؤال واحد يخترق عقلها ..، فما الذي حدث ليلة أمس ؟

عاد ألم رأسها يطرق بقوة ، ومعه كانت تتضح لها الصورة المخزيه ، وشهقة قوية كانت تخرج من شفتيها ..، تتذكر بعض المقتطفات ..، فقد تحرشت برجلاً ، بل إنها كادت أن ..وقبل أن تقتحم الحقيقة عقلها ..، كانت حدقتيها تتسع ، تضع بيدها فوق شفتيها

– لااا

فهذا الرجل من يكن ، وقد بدأت تتضح لها ملامحه شئً فشئ ، إنه “عامر السيوفي” ،

أغمضت عينيها بقهر ..، تتذكر وهي تُقبله بل وتخبره بالفاظ لم تخرج من شفتيها يوماً ، بل لا تخرج إلا من فتيات الليل.

فركت وجهها بقوة ، وتراجعت نحو الفراش تتهاوي عليها ..، فلا لم يعد لديها قدرة لتنظر نحو حالها في المرآه

طرقات خافته كانت تُخرجها من شرودها ، وتلك الذكري السيئة التي ستظل في ذهنها ..، دلفت الخادمة بعدما لم تجد رداً ، فكما أخبرها سيدها ، إذا لم تحصل علي الإجابه ..، فتدلف وتري الضيفة حتي تطمئن عليها

والضيفة لم تكن مجهولة بالنسبة إليهم ، لقد أتت مرتين لهنا من قبل للسيد الصغير

– عامر بيه مستني حضرتك علي الفطار يا هانم

طالعتها فريدة ، بعدما رفعت وجهها عن كفيها

– محتاجة مني حاجة ياهانم

وعندما لم تحصل إجابة منها ، كانت الخادمة تنصرف لأسفل وعقلها يتنقل هنا وهناك ..، غير مُصدقة أن يكون السيد الكبير ..، أنخرط في علاقة معها.

صعد “عامر” الدرج بعدما أستمع لما تخبره به الخادمه ..، وقف أمام الغرفة التي وضعها بها ليلة أمس ..، ولا يعلم لما لا تذهب صورتها عن عقله ..، يلوم حالها إنه بالفعل كان سيضعف معها لولا أقتراب تلك السيارة منهم .

نفض ما يقتحم رأسه ، وزفر أنفاسه حتي عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه ..، وبرفق كان يطرق الباب هاتفاً باسمها

– فريدة

انتفضت “فريدة” من فوق الفراش الذي جلست عليه ، وقد اصابتها الصدمه ، وعندما علقت عيناها به ..، سقطت دموعها

– أنا مش عارفة عملت كده إزاي

أخفت وجهها عنه من شدة خزيها ، ثم تعالت شهقاتها وهي لا تُصدق إنها فعلت هكذا ومع من ، رجلاً شريك والدها ..، رجلاً تحترمه وتقدره ولا تراه إلا في صورة الشقيق ..، رجلاً شقيق لمن عشقت

– مكنتش في وعي ، صدقني مكنتش في وعي

– فريدة ممكن تهدي ، أنا متأكد إنك مكنتيش في وعي

وبصعوبة كانت تهتف ، بعدما طرقت رأسها أرضاً حتي تبتعد عن نظراته ..، ويتذكر ما فعلته وتسقط من عينيه

– أنا مشربتش غير عصير في الحفله

وعند هذه العباره ، كانت تتسع حدقتيها وهي تتذكر إصرار النادل عليها ..، ألا ترتشف من هذا العصير

– أيوة العصير

رمقها مستفهماً ، وقد ضاقت عيناه ينتظر سماعها ..، ولكنها وجدها تهوي فوق الفراش وتدفن رأسها بين كفيها

– مالها العصير يا فريده ، أحكيلي اللي فكراه

وبضعف كانت ترفع عيناها إليه ، فهي لا تُريد إلا أن تُمحي تلك الليلة من ذهنها ..، لقد كانت في أحضانه ..، تدفعه ليسقط في شرك الخطيئة ، وبصعوبة كانت تسرد عليه .. ما حدث مع النادل وكأس العصير الذي كان من المفترض أن يكوت لشخصًا أخر

– أهدي يا فريده ، أهدي عشان نفكر هنقول إيه لوالدك

عادت تنتفض من مكانها بوهن ، فقد تذكرت أمر والدها

– بابا ، ارجوك بلاش تقوله حاجة

انسابت دموعها مجدداً وقد خارت قواها ، فقد ضاعت صورتها أيضاً أمام والدها ..، وعندما تعلقت عيناها بعينين الواقف ..، هتفت برجاء

– أرجوك ، خليه سر بينا ، وعمري ما هنساه ليك الجميل ده أبداً

– مين قالك إن محسن باشا عرف حاجة ، أنا بفترض

وتنهد بأرهاق ، فلم تغفل جفونه ليلة أمس ..، بعد ما حدث

– عموماً أنا بلغت كريمه بوجودك في بيتي ، لكن من غير أسباب..، وأظن إن كريمه هانم ست متفهمه وحكيمة

رمقته بقلة حيله ، وقبل أن تتحرك نحو المرحاض ..، حتي تمسح زينتها وترتب من ثيابها لترحل ..، ولكن كان صوت والدها يعلو بالأسفل باسمها

– فريده

وقد حدث ما كانت تخشاه

……..

احتدت عينين “السيد محسن” وهو يري أبنته تتبع “عامر” بتلك الهيئة ..، هيئة لا توحي إلا بشيئاً واحداً

– بنتي بتعمل إيه هنا ، يا عامر بيه

توترت “فريده” تنظر نحو “عامر” الذي طمئنها بنظراته

– وده سؤال برضوه يا محسن بيه ، سؤالك بيوحي إنك مش مطمن علي بنتك في بيتي

راوغه “عامر” قليلاً ..، فتنهد “محسن” بضجر

– أنت عارف إن واثق فيك يا عامر ، لكن قولي السبب اللي يخليها هنا معاك وأنت راجل عازب

وقبل أن يتاخذ “عامر” أي ردة فعل ..، القي “محسن” نحوه الجريدة

– شايف سمعة بنتي بقت بسببكم إيه ؟

واردف متهكماً ، وهو يرمق أبنتها التي لأول مرة تقف أمامه دون أن تُدافع عن نفسها

– الأخ الصغير ، والأخ الكبير .. أيهما سينال وريثة محسن الصواف

امتقعت ملامح “عامر” وهو يُلقي الجريدة أرضاً ، وقد اسرعت “فريدة” في التفاطها حتي تري ما دون عنها

– اللي نشر الكلام السخيف ده لازم يتعاقب ..، مش تيجي تتهمني يا محسن بيه

طالعت “فريدة” الخبر ، تنظر في عينين والدها ، أنتابها شعور أن والدها هو الفاعل ..، والدها يسعي لتزويجها من “عامر السيوفي” منذ أول شراكه بينهم ..، وها هو يفعل فعلته ..، وبالتأكيد كان علي علم بالصورة التي التقطت لها أمس مع عامر وهو يحيط خصرها حتي تستطيع الوقوف علي قدميها بسبب ما وضع في المشروب الذي تناولته

– الاجابه ، لسا مأخدتش منك يا عامر ..، بنتي هنا بتعمل إيه في بيتك بعد ما كنتوا في الحفله سوا

وبنظرة طويله ، كان يفهم ذلك الواقف أمامه ..، “محسن الصواف” يلعبها معه

– الأجابة عند فريده ..، لكن لو شاكك في بنتك وشاكك فيا ..، فبساطه أختار أنت الحل

وهنا لم تتحمل “فريدة” رؤية حالها هكذا ،والدها يُريد سماع كلمه واحده ..، كلمه تعلم أن إذا نطقها “عامر” سيكون من أجل إنقاذها .. ، ولن تفرض نفسها في حياة رجلاً مره أخري

وبصعوبة كانت تخبر والدها بما حدث في الحفل ، ولكنها لم تخبره بما حاولت فعله ، اشفق عليها “عامر” وهو يراها تتهرب بعينيها عن والدها ..، ولم يكن محسن بالغبي حتي يظن أن الأمر أنتهي بجلبها لبيته دون أن يحدث شئ ، وتكون حالة أبنته هكذا .

– معنديش مشكله ، نتجوز أنا وفريده يا محسن يا باشا

وهنا كانت تلمع عينين “محسن” من فرط السعاده ، فهذا ما كان يطمح إليه ..، تجمدت ملامح “فريدة” تهتف برفض

– لا

………

تقدمت من ” السيد فتحي” تعطيه قطعة من الكعك الذي صنعته..، طالع العلبة التي تضعها أمامه متسائلاً بعدما أغلق الدفتر الذي أمامه

– عامله حسابي في كل ده يا صفا

نفت “صفا” برأسها سريعاً، فهي تعرض عليه قطعه واحده

– مش عارف اقولك إيه يا صفا، أنتِ حقيقي موظفة مخلصه

أسرعت في إبعاد العلبة عندما رأته يصر علي أخذ العلبة باكملها

– يا استاذ، ما انا هزيت راسي وجاوبتك، بلا.. يعني العلبه مش كلها ليك

لم يعبأ “السيد فتحي” بحديثها، فالتقط العلبة منها..، بعدما وقفت مصعوقة من فعلته

– وأنا مش هزعل منك يا صفا، هاخد كل القطع واسيبلك قطعه واحده علي قدك

وبالفعل، تم ما ارادة..، وقد عادت لمكتبها الصغير تنظر للقطعة الصغيرة التي أعطاها له، واخذ باقي القطع يلتهمهم بجوع

– طالعه شاطرة زي عمتك، نفسكم حلو

تمتم بها، بعدما مسح فوق شفتيه وهو يرمق القطعة الأخيرة التي أمامها ولم تمسها ، وعندما رأت نظراتها نحوها.. التهمت القطعه سريعاً، تهتف بخفوت

– أنا عرفت ليه محدش بيكمل معاك في الشغل…

وأخذت تندب حظها

– اه يا حظك يا صفا..، حظي اشتغل مع فتحي اللي مش راحم طبق

– بتقولي حاجة يا صفا

– بقول سلامتك يا استاذ فتحي..، اصلك كنت بتكح

– شكلك مش مسامحه في الكيكه يا صفا

رمقها مبتسماً بسماجة قد تعلمتها منه، كما أصبحت تخبرها “جنه”

– انا أعمل كده يا استاذ فتحي، ده أنت خيرك عليا

اتسعت ابتسامة “فتحي”، يُداعب شاربه

– يا صفا يا بنتي…

وقبل أن يتم عبارته ويخبرها عن مدى كرمه وفضله علي الجميع ، أسرعت هاتفه

– كله لوجه الله يا استاذ فتحي

– اه والله، الواحد مش عايز من الدنيا ديه غير الستر والصحه وحب الناس

– والفلوس والأكل والستات، ولا إيه يا استاذ فتحي

– في إيه يا استاذه صفا، أنتي جاية تهزري..، ولا عايزانى اخصم منك

أسرعت تنكب فوق الدفاتر، فلا تحتاج للخصم اخر من راتبها

..، مر الوقت وقد ضجر “فتحي” من الصمت

اخذ يسألها عن تفاصيل حياتها، وهل لوالدتها أهل، واين هم باقية عائلته

– معنديش غير عمتي بس يا استاذ فتحي

استمرت أسئلته، ولم يلاحظ ذبول عينيها عندما ذكرها بفقدها لهم..، كادت أن تبكي ولولا ظهور صاحب العينين الزرقاء في مخيلتها ما كانت تجاوزت حالتها

– هو أنت تقرب لصاحب المزرعه فعلا يا استاذ فتحي

تمكنت من تجاوز الحديث عن حياتها، وقد تركت “فتحي” يحكي لها عن القرابة العظيمة التي يفتخر بها..، ويا لسعادة فتحي وهو يخلق بعض القصص التي لا وجود منها وصفا تُطالعها بانبهار وتصدقه رغماً عنها

أرادت أن تعرف كثير التفاصيل، عن صاحب الأعين الزرقاء ولكنها خشيت أن يُفسر سؤالها بشئ خاطئ،

ولكن ها هي لديها معلومتين مؤكدتين عنه

” مهندس، واعزب”

………..

طالعت السيدة كريمه، شقيقها الذي تعالا صراخها علي صغيرته لأول مره..، لم تفهم سبب صراخه في البدايه ولكن ما جمدها في وقفتها وادهشها، أن ” عامر السيوفي” أراد الزواج من “فريدة”

– عقليها يا كريمه، لأنها شكلك اتجننت خلاص

صرخة بها وهو يغادر غرفتها، فاجهشت فريدة في بكاء مرير

– كده يا عمتو تقوليله، إن في بيته وانتي عارفه إنه بيدور علي أي فرصه عشان يجوزني ليه

– والله يا بنتي غصب عنه، وخصوصاً موضوع الجريدة خلاني اضطر اقوله..، غير قلقي عليكي وأنا مش فاهمه سبب وجودك عندك في بيته

دفنت “فريدة” رأسها بين ساقيها.. ،فمدّت “السيدة كريمه” يدها نحو خصلاتها تمسح فوقهم برفق

– هو موضوع العصير ده صح يا فريدة

رفعت عيناها نحو عمتها، مصدومه من سؤالها..، فكيف لها أن تشك بها وهي من ربتها

– أنتِ بتشكي فيا يا عمتو

– لا يا حببتي، أنا عارفه أنك مبتكذبيش..

واردفت بعدما طالعت نظراتها الواهنه

– الحكاية مش كامله يا فريدة، أكيد في سبب خلي عامر السيوفي يعرض الجواز بسهوله كده علي محسن، ويديكي فرصة تفكري

انتظرت “السيدة كريمة” أن تسمع ردها وعندما طال صمتها..، أصابها الشك أكثر..، وهي تنفي برأسها غير مصدقه

– حصل بينكم علاقه

الجمت الصدمه لسانها، تنظر لعمتها وقد تعالا الشحوب فوق ملامحه

– كان ممكن يحصل واضيع..، لو مكنش هو موجود

فتعالت شهقة “كريمة”، وقبل أن تستفهم عن شئ.. ،كانت تخبرها بما تُريده

– طيب ليه رافضه تتجوزي، يا فريدة..، اللي انتي بتقوليه إن عامر كان ممكن يتجاوب معاكي

نفضت رأسها، بعدما نهضت من فوق فراشها

– اي راجل بيحصل معاه كده..، كان ممكن يتجاوب ويستمر كمان

واخذت تطرق فوق رأسها، مما جعل “كريمه” تنهض من فوق الفراش.. ،تلتقطها نحوها وتضمها إليها

– ارجوكي كفايه يا عمتو، أقف جانبي.. ،أنا كنت بحب اخوه ومازالت بحبه..، ليه عايزني اكون ضحية

شعرت “كريمة” بالندم من حالها، وتجمدت ملامحها وهي تستمع لعبارة صغيرتها عن فعلة والدها

– محسن بيه هو اللي ورا الصورة والمكتوب في الجريدة..، شوفتي عايز يوصلني لأيه

ضمتها “كريمة” إليها، وقد بدأت الصورة تتضح أمامها

– تجاوزي اللي حصل يا فريدة، ومن كلامك عن شهامة عامر السيوفي..، هيقف معاكي في أي قرار

………

جلست “فريدة” قبالته في المطعم الذي اتفقت معه..، أن تقابله فيه..، اطرقت رأسها هاربة من نظراته

– فريدة لازم تنسى الحكايه، زي ما أنا نسيتها

– مش قادرة، مش قادرة افتكر إني..

قطع حديثها، فلن تتجاوز هذه الليلة إذا ظلت هكذا

– خلينا نتكلم في الموضوع اللي متقبلين عشانه يا فريده

استطاع ان يجذبها نحو الحديث الذي التقوا من أجله، فرفعت عيناها نحوه

– أنا مش موافقة علي فكرة الجواز

وبهدوء كان يسترخي فوق مقعده، يسألها عن السبب

– ممكن أعرف السبب؟

تسأل ببرود، مما أعاد إليها شخصيتها مجدداً

– سبب إيه، هو إحنا بينا قصة حب..، ما حضرتك عارف السبب

انفرجت شفتيه في ابتسامة واسعة..، فقد عادت فريدة التي يعرفها.. ،وعندما رأت ابتسامته وفهمت هدفه من إثارة حنقها

– شكراً علي اللي عملته معايا، لو واحد غيرك

– فريدة، قولنا ننسى خلاص..

اماءت له برأسها، فيجب أن تنسى وتتجاوز هذه الليلة، وبهدوء كان يتسأل ثانية

– رفضك بسبب احمد مش كده

عادت تُحرك له رأسها، وبنبرة خافته كانت تُجيبه

– انا حبيبت احمد، قولي ازاي اكون مراتك وانا كنت برسم أحلامي معاه

ابتسم “عامر” وقد ازداد تقديره لها، لقد خسرها شقيقه بالفعل

– احمد كان هيكون محظوظ لو اتجوزتوا يا فريدة..، لكن للأسف هو عايز يعيش في الماضي

طالعته متفهمه، فلن تركض حلف سراب الحب مجدداً

– أنت عارف إن بابا، ليه يد في نشر المقال في الجريده

فجأها من معرفته بالأمر، وما زادها دهشة وهو يخبرها عن معرفته بنية والدها منذ البدايه

– أنت كنت عارف

ابتسم وهو يري صدمتها في معرفته لكل شئ يدور حوله

– محسن بيه للأسف نسي، إني عامر السيوفي يا فريدة

واردف وهو يُطالعها باهتمام

– رأيك الأخير يا فريدة

والجواب كان يحصل عليه مرة اخري، وهو الرفض الذي اراحه

………..

دارت بعينيها في المكان ، تبحث عنه في المطعم الذي أعتاد المجئ إليه منذ أن أتي لأمريكا ، لقد أصبحت جميع معلوماته لديها ..، وما عليها إلا التقرب منه حتي تنال هدفها

وجدته يدلف للمطعم يتجه نحو طاولته التي أعتاد الجلوس عليها , بعدما خلع معطفه الصوفي ..ليلتقطه منه الشخص المخصص لهذا العمل

طلب وجبة إفطاره الخفيفة من كعكة وقهوة برائحة البندق ، وجلس مرتخي الجسد يُطالع المعالم الخارجية للمكان

طالعتها بنظرات طويلة ، ولو لمح نظراته نحوها لأعتقد إنها مُعجبة به ، لكنه كان لا يهتم بمطالعة أحد ..، جلب له النادل فطوره ، ومعه الجريده كما أعتاد ..، فقد اصبح زبون هنا

الدقائق كانت تمر ، وهي كانت تجلس تُطالعه لا أكثر ..، وقد أقترب موعد انصرافه ولم تتقرب منه بعد ..، التقطت أنفاسها ببطئ ..، تُخبر حالها إنها في مهمه ويجب عليها تنفيذها استجمعت شجاعته ونهضت عن مقعدها ، بعدما طالعت هيئتها في مرآتها خاصة ، جذبت تنورتها القصيرة بعض الشئ ، وبخطي هادئه ..، أخذت تقترب منه بثقة ..، فمن يُقاوم أمرأه مثلها .

وقفت قبالته بقوامها المتناسق الممشوق ، تبتسم إليه ، وقد كان يرتشف من فنجان قهوته ويقرء أحداث العالم من خلال الجريدة .. ، وبخطوة مدروسة أتقنتها كانت تمدّ له يدها هاتفه

– ازيك يابشمهندس

رمقها “احمد” بتمهل شديد ، بعدما ترك فنجان قهوته ..، ترقبت ردة فعله من نظرته ولكنها لم تحصل علي أي ترحيب منه ، تجاوزت الأمر ، وجلست فوق المقعد ، تسب أهدابها تنظر إليه بخجل ونعومة

– اكيد حضرتك مش عارفني ، انا أميره مهندسه منتدبه من شركه الامارات العربيه للشركه المعماريه الامريكيه هنا ، اللي حضرتك مساهم فيها بأسهم وتصميمات

وسمحت لعينيها تلك المرة تتعلق به بثقه

– بجد أهنيك علي علي نجاحك وبارعتك يا بشمهندس

لانت ملامحه عندما علم بهويتها ، فابتسم بدوره

– اهلا يابشمهندسه

رحب بها برسمية لم تخفي عنها ..، فادركت أن مهمتها لن تكون سهله مع رجل مثله

وبجراءة أصبحت من صفاتها ، وعدم صدمه طلبها

– ممكن اخد فطاري معاك ..، حبه أدردش معاك شويه ولا هاخد من وقتك

وقبل أن تستمع لحديثه ، أعقبت حديثها بدعابه

– جلسه عملية بحته متقلقش يا بشمهندس

ورغم عنه كان يضحك علي حديثها ، أماء له برأسه ..، فلن يستطيع أحراجها

– قدامي عشر دقايق بس ، أنتي عارفه المواعيد هنا بالدقه

– أكيد يا بشمهندس

وقد بدأت أول خطواتها مع رجلاً مثله “أحمد السيوفي” صيدها القادم وشقيق “عامر السيوفي” ، ذلك الرجل الذي دهسها أسفل قدميه

………….

لقد صار العمل علي قدم وساق، فالسيد الكبير في عطلة هنا لبضعة أيام..، تنهدت بارهاق بعدما وقت الراحة خاصتها..، دلكت جبينها ثم فركت عيونها ونهضت تتمطأ بذراعيها قليلاً فالغرفة خاليه بها ، “فالسيد فتحي” أصبح ملازم للسيد الكبير حتي يُريه إخلاصه وتفانيه في العمل.

ارتسمت السخرية فرق محايها، فهذا ما يحدث له عندما تتذكر “السيد فتحي”..

جاء وقت انصرافها أخيراً..، وكان اليوم أبكر بساعتين..، فهذا الشهر يتم فيه الجرد وليس به أعمال كثيرة

قررت أن تسير داخل المزرعة وتخرج من البوابه الأخري، ورغم إنها اتخذت الطريق الطويل إليها حتي تعود للمنزل..، إلا إنها أرادت السير قليلاً وتأمل الاشجار التي تُحيط المزرعة

استمعت لصهيل فرس يمر جوارها، وقد انكمشت علي حالها حتى تجاوزته..، ولكن سرعان ما انتبهت ان الذي مر من جوارها ما هو إلا مالك المكان، السيد عامر الذي سمعت عنه

التفت خلفها ..، ولكنها لم تري إلا الغبار الذي خلفه خلفها.. ،اكملت خطواتها مستمتعه برائحة الفواكه وقد انعشتها نسمات الهواء التي اخدت تداعب خديها

توقفت في مكانها وهي سيدتين يتحركان نحو الطريق الذي ستُغادر منه.. ،ومن هيئة إحداهن كانت تعلم إنها السيدة الكبيرة التي يتحدثون عنها

غرزت قدم المرافقة في الطين ولم تكن منتبها، فوقفت السيدة العجوز بعصاها

– قولتلك يا هانم خلينا نمشي من الطريق التاني

تمتمت المرافقة حانقة، وقد اختفى الارتياح من فوق ملامح “ناهد”، تقدمت “صفا” منها وقد كانت تُشاهد الأمر من بعيد..، تمدّ للمرافقة كفها تُصافحها

– أنا شغاله هنا في المزرعه، خليني اساعدكم..، زي ما انتِ شايفه في طين المكان

وطالعت السيدة الجميلة، تنظر لعينيها بانبهار حقيقي

– حضرتك اكيد كنتي ملكة جمال في شبابك

واسرعت في تكملة عبارتها، بعدما رأت تلك الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيها

– ومازلتي، جميلة

اطرب “ناهد” حديثها، وشعرت بالأرتياح لتلك الغربية التي تستمع لصوتها متسائلة

– اسمك إيه

– صفا

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *