جواد بلا فارس٢

فى اليوم التالى وقف “آدم” فى مكانه المعتاد ينظر الى الفراغ وهو يشعر بشئ بداخله يحاول أن يثور ويفصح عن نفسه .. شعر وكأنه يحارب وحشاً لا يستطيع رؤيته .. فى تلك اللحظة اتصلت “آيات” بـ “آدم” وقالت له :
– “آدم” انت فين ؟
قال “آدم” بوجوم :
– أنا فى المقطم
سألته بحنان :
– بتعمل ايه ؟
قال “آدم” :
– مش بعمل حاجة .. واقف فى المكان اللى بحب أروحه
قالت على الفور :
– طيب استنانى أنا جايه .. باى
قال بدهشة :
– “آيات” استنى
لكنها أغلقت الخط .. أراد الاتصال بها وعزمها عن عدم المجئ .. لكن شئ ما بداخله أرادها أن تأتى .. أراد أن يراها .. أن يسمع صوتها .. أن يرى الصدق والنقاء فى عينيها .. وعذوبة ابتسامتها فوق شفتيها .. أتت .. تحمل تلك الإبتسامه التى شعر بأنها تزيح الجبال من فوق صدره .. أتت حاملة نظرات الحب فى عينيها .. والصدق والبراءة فى ملامح وجهها الصافى .. أتت حاملة فى يديها علبة أخذ ينظر اليها بإستغراب .. اقتربت منه ووقفت أمامه مبتسمه دون أن تتكلم .. نظر الى العلبة فى يدها ثم اليها وقال :
– جيتي ليه ؟
قالت دون أن تبعد عيناها عنه :
– انت فاكرنى مش هحس بيك وباللى مضايقك
اضطرب “آدم” وخفق قلبه بقوة .. نظر اليها يحاول فهم ما تعنيه فأكملت قائله بحنان :
– أنا سمعت كلامك مع بابا امبارح عن الشبكة
أشاح بوجهه عنها لكنه عاد ينظر اليها عندما قالت بحنان وهى ترمقه بنظرات حب :
– أنا كل حاجة معتمده فيها على بابا .. يعني أى حاجة عايزة أجيبها بخليه يجيبهالى أو بطلب منه فلوس على أدها .. وعمرى للأسف ما حوشت ولا فكرت أحوش .. وأى فلوس كانت بتبقى معايا كنت بصرفها لانى عارفه انى لما هطلب من بابا هيدنى ومكنتش عارفه انى ممكن أحتاج فلوس ومقدرش أطلبها من بابا
تحولت نظرات “آدم” اليها الى نظرات دهشة ممزوجة بالقلق .. ضاقت عيناه يحاول فهم لما تخبره بكل ذلك .. نظرت “آيات” الى العلبة فى يدها ثم نظرت اليه .. نقل “آدم” نظره من العلبة اليها ونظرات عينيه بدت كعلامة استفهام كبيرة .. قالت “آيات” بحنان ورقة وعذوبه وهى تفتح العلبة :
– ده دهبي يا “آدم” بيعه واشترى الشبكة اللى بابا طلبها منك
شعر “آدم” بغصة فى حلقة .. شعر وكأنه يختنق ولا يستطيع التنفس .. أكملت برقه :
– أنا عارفه ان صعب عليك تقبلهم منى .. بس أنا وانت واحد .. وخلاص بعد يومين هبقى مراتك والدهب ده هيبقى بعد كده فى بيتنا يعني ملكنا احنا الاتنين .. لو الظروف ضاقت بيك فى يوم هتلاقيني بديهملك يا “آدم” .. فمفيش فرق خدتهم دلوقتى أو خدتهم بعدين
شعر بقلبه يريد أن يقفز من صدره ويذهب اليها ليعانقها ويحتويها فى حنان .. ظل ينظر اليها وهو يحتويها بنظراته .. شعر بالألم فى قلبه وهو يراها تقدم له كل ما تملك فى سبيل أن تملكه هو .. تذكر خطته وانتقامه .. تذكر كيف سيكسر فرحتها ويحطم قلبها بعد يومين .. تذكر أن تلك العينان اللاتان تتطلعان اليه الآن بحب ستنهمر منهما العبرات بسببه .. تذكر أن تلك الإبتسامه التى تزين وجهها ستموت فوق شفتيها بسببه .. تحاول أن تكون مصدر سعادته وهو لا يتوانى عن فعل شئ ليكون مصدر شقائها .. نظر الى القطع الذهبية المتراصة فى العلبة التى تمسكها بيدها .. ثم نظر اليها فشعر بأنها أغلى قيمة من تلك القطع .. ود لو ضمها اليه وبثها حبه وحنانه .. لكن مازال فى داخله سواد يسيطر عليه .. مازال شيطانه أقوى من مقاومته الضعيفه الهشه .. توجهت “آيات” الى سيارته ووضعت العلبة فوق المقعد .. ثم قالت له قبل أن تغادر بإبتسامه عذبه :
– مستنياك بكرة أنا وبابا عشان نخرج نشترى الشبكة
قالت ذلك ثم توجهت الى سيارتها وانطلقت بها .. ظل “آدم” واقفاً فى مكانه وقد ازداد وجوماً وشروداً

************************************
ظل “آدم” طيلة اليوم حبيس غرفته .. ينظر الى القطع الذهبيه ويتلمسها بأصابعه .. تتقاذفه الأفكار يميناً ويساراً .. يسير فى الغرفة كالنمر الجريح .. لا يعرف وجهته .. لا يعرف دواءه .. فقط يشعر بالألم وبالقهر .. حاولت “آيات” كثيراُ الإتصال به .. لكنه لم يجيب .. كيف يجيب .. بماذا سيجيب .. أيبثها المزيد من كلماته الخادعة .. ووعوده الزائفة .. وأحلاماً ستتحول الى كابوس مزعج ستجد نفسها فى منتصفه .. وجد رساله منها تقول فيها :
– لو فاضى شوية افتح الفيس
جلس “آدم” أمام حاسوبه وكأن يدا خفيه تحركه .. وجدها لكنها لم تتحدث اليه .. ولم يتحدث اليها .. لا يدرى ماذا يقول لها .. ظل ينظر الى صورتها التى أرسلتها له من قبل .. تباً .. لماذا يشعر بهذا الحنين .. لماذا يخفق قلبه برقه .. لماذا لم تعد خفقاته قاسية قوية .. أرسلت له رسالة فقرأها بلهفه ليعرف ما فيها :
– أحبك بجنون ولغيرك لن اكون
أحبك ملء عيونى لأن عيونك ملكونى
أتمناك بجانبى ولكنى أخاف منك معذبى
أحب قربك وأبغض بعدك
أعيش لك وأهيم بك
ليتنى أتنفس عبيرك
وأنعم بحنانك
ولكنى أخاف فقدانك *

تملكه شعور لم يألفه من قبل .. ورقه لم يعهدها بداخله .. وحناناً جارفاً يستشعره بكل كيانه .. نظر الى تلك العلامة التى تظهر وتختفى فى انتظار حروفه .. فى انتظار كلماته .. لم يشعر إلا بأصابعه وهى تكتب على لوحة المفاتيح :
– متخفيش مش هسيبك أبداً
ظل ينظر الى تلك الجملة التى أرسلها .. وسأل نفسه لماذا أرسلها .. ألتكتمل خطتك .. ألتشعرها بالأمان حتى تُكلل خطتك بالنصر .. وجد نفسه يقول .. لا بل أرسلتها .. لأننى حقاً أشعر بها .. نعم .. لن أتركها أبداً

***********************************
هتف “زياد” قائلاً :
– انت بتتكلم جد ؟
قال “آدم” وجالس معه فى منزله :
– أيوة .. ادتنى دهبها وقالتلى اشترى الشبكة اللى بابا طلبها منك
نظر اليه “زياد” بحده قائلاً بحنق :
– والله انت ما تستاهل ضفرها .. هو فى كده .. البنت شكلها بتحبك فعلاً يا “آدم” .. حرام عليك دى لو عرفت الحقيقة ممكن يجرالها حاجة
صمت “آدم” قليلاً ثم قال :
– أنا هعمل تعديل فى الخطة
صاح “زياد” بحنق :
– المفروض تلغى الخطة من الأساس مش تعمل فيها تعديل
وقف “آدم” فى مواجهة “زياد” قائلاً بغضب :
– مش هيب حقى يا “زياد” واللى الكلاب دول عملوه فيا هردهلهم الطاق طاقين
قال “زياد” بحنق :
– والبنت اللى ملهاش أى ذنب دى ؟
قال “آدم” بجدية :
– اسمعنى كويس .. منكرش انى بدأت أتأثر بيها وبدأت مشاعرى تتحرك نحيتها .. وفى نفس الوقت مش ناوى أتراجع عن خطتى
قال “زياد” بإستغراب :
– مش فاهم .. هتحلها ازاى دى
قال “آدم” بحزم :
– هنكتب الكتاب عادى فى معاده .. وبعد كتب الكتاب هفهمها على كل حاجة .. بس مش هتعرف باباها وهوهم باباها انى ببتزه عشان يساعدنى آخد فلوسى من أخوه .. وبعد ما فلوسى ترجعلى هعرفه انى مكنتش ناوى أسيب “آيات” وانى متفق معاها على كده
صاح “زياد” متهكماً :
– ايه الخطة الفاشلة دى .. وانت متوقع انها هتخبي على أبوها .. وتسيبه مقهور أدامها وهو فاكر ان بنته مستقبلها بيضيع .. انت فاكرها صنم زيك
صاح “آدم” بنفاذ صبر :
– خلاص هخبي عليهم هما الاتنين وأنفذ خطتى عادى ولما آخد الفلوس هعرفهم انى مش هطلقها وانى عايزها
ضحك “زياد” ساخراً ثم قال :
– وأبوها يسامحك وهى تسامحك وينسوا انك ابتزيتهم .. وتعيشوا فى تبات ونبات وتخلفوا صبيان وبنات مش كده ؟ ده على فرض أصلا ان عمها هيدفعلك الفلوس .. أنا واثق مليون المية ان عمره ما هيدفع حاجة .. اللى هيدفع الفلوس دى هو أبوها عشان يخلص بنته من ايدك
صمت “آدم” فأكمل “زياد” :
– “آدم” انت عايز كل حاجة فى ايدك .. ومحدش بياخد من الدنيا دى كل حاجة .. اختار .. يا فلوسك يا “آيات” .. مش هينفع تاخد الاتنين
ظل “آدم” محتفظاً بصمته لفترة .. ثم قال بحزم وهو ينظر الى “زياد” :
– لا هاخد الاتنين .. فلوسى و “آيات” .. أنا هعرف ازاى أخليها تسامحنى
قال “زياد” :
– و أبوها ؟ .. أبوها مش ممكن يسامحك
قال “آدم” بعناد :
– مش مهم أبوها يسامحنى .. أبوها ميفرقش معايا فى حاجه .. المهم هى .. وأنا هعرف ازاى أخليها تسامحنى

************************************

توجهت “آيات” مع والدها و “آدم” لشراء الشبكة .. نظر “آدم” اليها وهو يتأمل تعبيرات وجهها الفرحة وهى تختار شبكتها وتبتسم فى سعادة .. وجد الابتسامة ترتسم على شفتيه رغماً عنه .. أخذ ينظر اليها برقه وهى تضحك مع والدها بمرح .. اختفت الإبتسامه من وجهه وهو يفكر فى اليوم العصيب الذى ينتظره فى الغد .. كان من المقرر أن يفصح عن كل شئ فى يوم كتب الكتاب .. لكنه نظر الى تلك السعادة على محياها وهو يشعر بالأسف على ما سيحدث .. وما هو مضطر لأن يفعله .. قرر أن يؤجل الأمر اسبوعاً .. حتى لا يكسر فرحتها بتلك السرعة .. سيحاول خلال الإسبوع أن يتقرب اليها حتى لا تقوى على العيس بدونه .. حتى اذا ما أتت لحظة طلب الصفح يجد قلبها مهيأ له .. يعلم أنها طيبة القلب .. ستنسى الإساءة .. وتصفح عنه .. “آيات” تحبه .. لن تتركه .. لن تقوى على فراقه .. سيعمل على تحقيق ذلك قبل الافصاح عن كل شئ .. ظل يردد تلك الكلمات حتى يقنع قلبه وعقله .. وحتى يريح ضميره .. نعم .. لن يطول الأمر كلها عدة أيام فقط أسترد خلالها حقى المسلوب .. ثم بعدها أطلب منها الصفح وأطلب منها أن تشاركنى حياتى للأبد .. بالتأكيد ستصفح عنى .. نعم ستفعل .. حبها لى أكبر من بضع أيام تعيشها فى العذاب .. بضع أيام فقط .. وسينتهى هذا الكابوس .. وسأنسج لها حلماً وردياً أعيش معها فيه للأبد

التفت والدها يقبل رأسها وهو يقول :
– ألف مبروك يا بنتى
قالت مبتسمة:
– الله يبارك فيك يا بابا
نظرت الى “آدم” فهمس قائلاً وابتسامته الجذابه على محياه :
– مبروك
همست بسعادة :
– مبروك علينا احنا الاتنين
امتدت يده ليمسك كفها الذى استقر فى راحته بإستكانه .. تطلع كل منهما الى الآخر فى سعادة

************************************
تأنق “آدم” أما مرآة غرفته وخرج متوجه الى باب البيت عندما خرجت أمه من غرفتها .. وقفت تنظر اليه بأعين دامعة .. تجمد “آدم” فى مكانه وهو يرى العبرات فى عينيها .. تكلمت بصوت باكى وقالت :
– مبروك يا ابنى
أخفض “آدم” رأه أرضاً وهو لا يقوى على مواجهة نظراتها .. تساقطت عبراتها وقالت بقلب مكلوم :
– كان نفسى أكون جمبك وأفرح لفرحك بس اظاهر انك مستعر من أمك يا “آدم”
أغمض عينيه وهو يشعر بكلماتها تمزقه وتؤلمه .. أكملت بصوتها الباكى :
– عروستك طيبة وبنت حلال ربنا يباركلكوا فى بعض
توجه “آدم” مسرعاً الى الباب ليخرج .. بل ليهرب .. تابعته أمه بعينيها وما كاد يخرج حتى جلست على أحد المقاعد لتنفجر فى بكاء مرير

وقفت “آيات” أمام المرآة تنظر الى نفسها بسعادة .. شعرت بالعبرات فى عينيها فقالت “أسماء” :
– بقولك ايه متبوظيش الميك اب مش عايزه دموع
التفتت اليها “آيات” وقالت بتأثر :
– حسه انى فرحانه أوى يا “أسماء” مش مصدقه
ثم نظرت الى المرآة مرة أخرى وهى تقول بحماس:
– خلاص بعد دقايق أنا و “آدم” هنتجوز .. وهنفضل مع بعض طول العمر
قالت “أسماء” مبتسمه :
– ربنا يتمملك على خير يا “آيات”
سمعتا طرقات على الباب .. اقتربت “حليمة” وهى تقول بأعين دامعه :
– بسم الله ما شاء الله .. زى القمر يا “آيات”
قالت “آيات” بحماس ممزج بالسعادة :
– بجد يا دادة يعني هعجب “آدم” ؟
قالت “حليمة” بحماس :
– ده انتى تعجبى الباشا
عانقتها والعبرات تتساقط على وجنتها وهى تقول :
– الحمد لله ان ربنا مد فى عمرى وشوفت اليوم ده
قالت “آيات” وهى تنظر اليها :
– دادة بتعيطي ليه دلوقتى هتخليني أعيط
قالت “أسماء” :
– لا أبوس ايدك يا “آيات” الميك اب هيبوظ
اقتربت احدى الخادمات من باب الغرفة وهى تقول مبتسمه :
– المأذون اتصل وقال انه على وصول يا آنسة “آيات”
شعرت “آيات” بقلبها يقفز فرحاً فنظرت الى نفسها فى المرآة للمرة الأخيرة وهى تقول فى نفسها بسعادة آخر مرة هبصلك وأنا الآنسة “آيات”
صفق الجميع لمرآى “آيات” وهى تبدو تبتسم لهم فى سعادة .. خفق قلب بسعادة “آدم” وهو ينظر اليها أمسك يدها قائلاً :
– زى القمر
قالت بسعادة :
– بجد
قال بحزم :
– أيوة بس اعملى حسابك مفيش ميك أب تانى بعد كده أنا سايبك النهاردة بس عشان عروسة وعايزه تفرحى .. بس بعد كده لو شوفتك بميك اب وانتى خارجة هيبقى فيها كلام تانى .. الميك اب ده يبقى ليا أنا وبس وكمان يكون حاجة بسيطة مش بالشكل اللى يغير ملامحك
استمعت اليه “آيات” بسعادة فأكمل قائلاً :
– ولبسك كمان محتاج فرمته من أول وجديد
ضحكت قائله :
– كل اللى انت عايزه هعمله
بتسم لها قائلاً :
– يعني مش معترضه على حاجة من اللى قولتها ؟
نظرت اليه بحب قائله :
– تؤ
ابتسمت عيناه وقال :
– يعني هتسمعى كلامى على طول ؟
قالت هامسه :
– أيوة هسمع كلامك على طول
اتسعت ابتسامته وأحكم قبضته على كفها وهو يقول هامساً :
– اتفقنا يا مدام “آيات”
نظرت اليه “آيات” وهى تشعر بأنها ملكت من الدنيا .. كل شئ

توقفت سيارة أمام الفيلا .. وما كاد باب السيارة أن ينفتح حتى نزلت “بوسى” وتوجهت الى الأمن الواقف على الفيلا .. ألقت نظرة على الفيلا ثم قالت له :
– مش دى فيلا “عبد العزيز حسان اليمانى” ؟
قال رجل الأمن :
– أيوة يا فندم
نظرت “آيات” الى الزينة المعلقة بقلب مكلوم وبأعين تشع حقداً ثم قالت :
– ممكن أقابل بنته “آيات” ؟
قال الرجل :
-طيب لحظة واحدة
اتصل الرجل بالفيلا لترد عليه “حليمة” وأخبرها بأمر تلك المرأة التى تريد مقابلة “آيات”
توجهت “حليمة” الى بوابة الفيلا وهى تنظر للمرأة بأعين متفحصة .. قالت “حليمة” :
– اتفضلى يا هانم أقولها مين
قالت “بوسى” بتوتر :
– هى متعرفنيش بس عايزة أقابلها ضرورى
قالت “حليمة” :
– طيب اتفضلى
قالت “بوسى” :
– لا .. ياريت تخليها تطلعلى هنا .. أرجوكى أنا محتاجة أتكلم معاها ضرورى جداً
ثم سألت بقلق :
– كتب الكتاب اتكتب ولا لسه ؟
قالت “حليمة” وهى تشعر بالإستغراب من تلك المرأة :
– لسه
قالت “بوسى” بلهفة :
– طيب لو سمحتى نديلها بسرعة
توجهت “حليمة” الى الداخل واقتربت من “آيات” التى كانت محاطة بضيوفها وهمست لها قائله :
– “آيات” يا بنتى فى واحدة برده مصره تقابلك وبتقول حاجة مهمة أوى
قالت “آيات” بلا مبالاة :
– طيب خليها تدخل يا دادة
قالت “حليمة” :
– مش راضية تدخل وعايزاكى تطلعيلها
قالت “آيات” :
– خلاص قوليلها مش دلوقتى أنا مش فاضية خلاص المأذون جه وهيكتبوا الكتاب دلوقتى
قالت “حليمة” وهى تشعر بالقلق :
– بس يا بنتى أنا حسه انى قلبي متوغوش وحسه انها عايزه تقولك حاجه مهمة .. اطلعى شوفيها عايزه ايه بسرعه وارجعى تانى
خرجت “آيات” ووقفت أمام باب الفيلا وهى تقول :
– هى فين يا دادة ؟
قالت “حليمة” وهى تشير الى بوابة الفيلا :
– أهى واقفة أدام البوابة
توجهت “آيات” اليها بخطوات مسرعة ثم توقفت أمامها وهى تقول بعجاله :
– أيوة حضرتك عايزانى .. ياريت بسرعة عشان أنا مشغوله
قالت “بوسى” وهى تنظر اليها من رأسها الى أخمص قدميها .. ثم قالت بتهكم :
– لا معلش افضيلي شوية
شعرت “آيات” بالدهشة من الطريقة التى تتحدث بها وقالت :
– أفندم .. حضرتك تعرفيني
قالت “بوسى” بحزم :
– لا معرفكيش ومش عايزه أعرفك أصلا أنا جايه أقولك حاجة وأمشى
قالت “آيات” بحده ولم يعجبها طريقة تحدث تلك المرأة.

الحلقة ( 11 )
دارت عيناها بسرعة وهى تفكر فيما يحدث داخل الفيلا الآن .. التفتت بحدة تنظر الى الفيلا خلفها ووجهها غارقاً بعبراته .. ارتجفت شفتاها بشدة وهى تهمهم :
– لا .. لا
جثا الحارس على ركبته بجوارها وهو يتفحصها بقلق ويقول :
– بتقولى ايه يا آنسة “آيات”
لم تجيبه “آيات” ولم تلتفت اليه حتى .. شهقت بقوة ونهضت ترفع طرف فستانها تجرى بأقصى سرعتها فى اتجاه الفيلا وقلبها يخفق فى وجل .. كانت طعنات كعب حذائها على الأرض تشق سكون الليل ويطغى على أصوات الموسيقى المنبعثة من داخل الفيلا .. هرولت لتسبق الريح .. بل لتسبق الزمن .. تساقطت عبراتها الساخنة لتحرق وجهها وكاد قلبها أن يتوقف خوفاً وهلعاً وهى تدعو الله أن تصل قبل أن تُكتب وثيقة اعدامها
شقت “آيات” طريقها بين الحضور .. كانت الوجوه مبتسمه مبتهجة .. بحثت بعينيها عن والدها .. أقبلت “أسماء” نحوها قائله بقلق :
– “آيات” كنتى فين ؟
لم تجيبها “آيات” بل لم تسمعها .. جرت فى اتجاه حجرة الصالون حيث رأت المأذون جالساً وعلى يمينه “آدم” وعلى يساره والدها .. سمعت أحد أصدقاء والدها من خلفها يقول :
– يلا يا عروسة مستنيينك عشان نكتب الكتاب
وقفت تنقل نظرها بين ثلاثتهم والحكل يختلط بالدموع على وجهها .. ارتج قلب “آدم” هلعاً عندما رآها على هذا النحو .. هب والدها واقفاً وقال فى هلع :
– “آيات” مالك ؟
التفتت تنظر الى والدها وقد بدأت فى النحيب مرة أخرى .. نظر والدها الى جسدها المرتعش فأحطاها بذراعيه قائلاً بحده من فرط خوفه :
– “آيات” .. مالك يا بنتى ؟
حاولت التحدث لكن الكلمات خانتها .. فقط كانت تبكى وترتجف عانقها والدها وهو يقرأ آيات من القرآن الكريم على مسامعها وقلبه يخفق فى هلع .. اقترب “آدم” منها وقد هاله مرآها على هذا النحو .. وضع يده على كفتها وهو يقول بقلق بالغ :
– “آيات” ايه اللى حصل ؟
رفعت “آيات” رأسها الموضوع على صدر والدها وانتفضت بعدما رأت يد “آدم” الموضوعة عليها وابعدت نفسها عن يده وانزوات تدفن نفسها فى حضن والدها أكثر وهى تأن ألماُ نظرت الى والدها بعينيها الدامعتين وكأنها ترجوه أن يحميها من “آدم” .. نظر اليها “آدم” بدهشة وهو لا يدرى ما بها ولما تبتعد عنه .. تجمهر بعض الضيوف فى حجرة الصالون ونظرت الدهشة والفضول تملأ أعينهم .. فأراد “عبد العزيز” أن يبتعد بها عن عيونهم المتطفلة فقال :
– مفيش حاجة يا جماعة .. لحظات وهرجعلكم
جذبها والدها وتوجه بها الى مكتبه لحق بهما “آدم” وأغلق الباب خلفه .. اقترب منها “آدم” قائلاً وهو يكاد يجن من رؤيتها بهذه الحالة :
– “آيات” قوليلى فى ايه .. ايه اللى حصل ؟
كانت ماتزال تئن بصوت يمزق القلب .. وضعت يديها على أذنيها حتى لا تسمعه .. أغمضت عينيها حتى لا تراه .. تمنت أن يختفى من أمامها .. عانقها والدها وعبراته تتساقط من عينيه قائلاً :
– يا بنتى .. يا بنتى ريحينى وقوليليى مالك
أنزلت يديها وتشبثت بملابس والدها بعدما كادت أن تسقط أرضاً أجلسها والدها على الأريكة وجلس بجوارها .. ذهب “آدم” مسرعاً لاحضار كوب من الماء .. قبل أن يعود التفتت “آيات” الى والدها .. خرج صوتها كصوت الألم .. فلو كان للألم صوتاً مميزاً لكان هو صوتها فى تلك اللحظة :
– مش عايزاه يا بابا
نظر اليها والدها بلهفة ودهشة يحاول استيعاب ما يحدث لابنته مسح على رأسها قائلاً :
– مين يا حبيبتى .. “آدم” يا “آيات” .. مش عايزة “آدم” ؟
قالت “آيات” وسط بكائها :
– أيوة يا بابا .. ده واحد مقرف
كانت مازالت ترتجف .. جلس “عبد العزيز” بجوارها وقال بلهفه :
– احكيلي يا “آيات” ايه اللى حصل .. عملك ايه ؟
فى تلك اللحظة حضر “آدم” ومعه كوب الماء .. أشاحت “آيات” بوجهها عنه بحده وأغمضت عينيها بقوة .. نظر اليها “آدم” بدهشة وحيرة وخوف و ألم .. نقل والدها بصره بينهما ثم التفت الى “آيات” قائلاً بحزم :
– قولى يا “آيات” متخفيش .. عملك ايه ؟ .. “آدم” عملك ايه ؟
نظر “آدم” الى والدها بدهشة ثم نظر الى “آيات” التى قالت بصوت مرتجف متألم وهى تخشى أن تفتح عينيها حتى لا تراه :
– واحدة جتيلى وورتنى فيديو ليهم مع بعض .. وقالتلى انه كان خاطب “شيرين” بنت عمو “سراج”
تجمد “آدم” فى مكانه وهو يستمع اليها .. فيديو .. أى فيديو .. ظل عقله يعمل بسرعة جنونية .. أمعقول أنها “بوسى” ! .. نظر “عبد العزيز” الى “آدم” بدهشة ممزوجة بالغضب قائلاً :
– انت كنت خاطب “شيرين” بنت أخويا ؟
قبل أن يتحدث تحدثت “آيات” قائله بصوت باكى :
– قالتلى ان عمو “سراج” و “عاصى” نصبوا عليه فى فلوس وانه خطبنى عشان يستغلنى .. هى قالتلى كده
كانت “آيات” مازالت مغمضة العينين بقوة .. وترتعش كورقة فى مهب الريح .. أحاطها والدها بذراعيه ونظر الى “آدم” قائلاُ بغضب هادر :
– الكلام ده مظبوط ؟ .. انطق
لم يجيبه “آدم” بل نظر الى “آيات” قائلاً :
– فيديو ايه اللى وريتهولك ؟
صرخت “آيات” بألم وقد انخرطت فى بكاء حار وتضاعفت ارتعاشة جسدها وهى تتذكر ما رأت .. كاد “عبد العزيز” أن يصاب بالجنون هتف فى “آدم” بغضب :
– “آدم” الكلام ده مظبوط .. اتكلم
صمت “آدم” وقد أغمض عينيه بقوة وهو يشعر بأن كل خططه باءت بالفشل .. فتح عينيه قائلاً بصوت خافت :
– أيوة مظبوط
قال “عبد العزيز” بغضب ممزوج بالحيرة :
– يعني ايه .. انت كنت خاطب “شيرين” بنت أخويا .. وأخويا نصب عليك
ما كاد “عبد العزيز” ينتهى من جملته حتى هتف “آدم” ليدافع عن نفسه قائلاً بحده وغضب :
– أيوة كنت خاطبها كنت خاطب بنت أخوك .. وكنت شريك مع أخوك فى مشروع سياحى .. ولما لقيتها اتغيرت 180 درجة واتصاحبت على شلة فاسدة وبقت المشاكل تكتر بينا وبعد ما نصحتها مرة واتنين وتلاته بدون أى استجابه فسخت خطوبتى معاها .. لكن أخوك المحترم وابن أخوك مضونى على عقود مزورة ونصبوا عليا وسرقوا فلوسى وسرقوا دراسة الجدوى اللى كنت عاملها للمشروع
ثم قال بقسوة وغضب مكبوت :
– ومش بس كده بقيت كل ما أطالب بحقى يبعتولى بلطجية يأدبونى عشان اسكت ولما رفضت اسكت لفقولى قضية واترميت فى السجن شهرين
كان يلهث بشدة لكنه أكمل قائلاً :
– ومش بس كدة .. مش بس طلعت خسران من المشروع لا طلعت مديون كمان ولحد دلوقتى وأنا مديون ولولا ان صاحب الدين وافق انهم يتقسطوا كل شهر كان زمانى مرمى فى السجن دلوقتى
نظر اليه “عبد العزيز” بغضب واحتقار وصاح :
– وأنا وبنتى ذنبنا ايه فى شغلك ومشاكلك انت وأخويا وابنه وبنته ؟ .. بتقرب مننا احنا ليه .. كنت عايز مننا ايه ؟
قال “آدم” ببرود :
– كنت عايز حقى
قال “عبد العزيز” بغضب :
– حقك تاخده من اللى ظلمك .. من اللى سرقك .. مش من ناس ملهمش أى دخل بالموضوع
قال “آدم” ببرود وان كان قد بأن يشعر بضعف موقفه :
– انتوا اخوات فى بعض يعني اللى حصل ده فى وشك انت كمان
نهض “عبد العزيز” ووقف أمام “آدم” وهو ينظر اليه بإحتقار قائلاً :
– انت انسان خسيس ومعندكش ذرة أخلاق ولا ضمير
صاح “آدم” بغضب :
– أخوك وابن أخوك نصبوا عليا وسرقونى ورمونى فى السجن .. مين فينا اللى معندوش أخلاق ولا ضمير
صاح “عبد العزيز” بقوة :
– أخويا أنا اصلا متبرى منه لانه نصاب وحرامى .. أقولهالك تانى .. أخويا نصاب وحرامى .. ومشاكله متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد
ثم قال وعلامات الإشمئزاز على وجهه :
– خيبت ظنى فيك وأنا اللى فتحتلك بيتي وكنت هسلمك بنتى
فى تلك اللحظة شعر “آدم” بشئ من تأنيب الضمير .. شعر به وهو ينظر الى “آيات” التى ألقت برأسها على ظهر الأريكة وقد التفتت الى الجانب الآخر حتى لا تراه .. كانت مغمضة العينين .. تتساقط عبراتها على وجهها فى صمت مزق قلبه .. نظر اليها بلهفه وقد أشفق عليها .. أشفق عليها مما رأته ومما سمعته .. ود لو جلس بجوارها وعانقها وطلب منها عفوها وشرح لها ما عاناه وما أوصله لذلك الطريق بعدما أغلقت جميع الأبواب فى وجهه .. ود لو شرح لها الظلم الذى تعرض له علها تشفق عليه وتعذره .. نظر اليها بألم وهو يتمنى أن يقترب منها ليمسح تلك العبرات المنسابة على وجنتيها .. أفاق على صوت “عبد العزيز” وهو يقول بصرامة :
– اتفضل اطلع بره بيتي مش عايز أشوف وشك هنا تانى .. والحمد لله اننا لسه على البر وبنتى متكتبش كتابها عليك
وقف “آدم” ينظر الى “آيات” بألم .. فصرخ به “عبد العزيز” بغضب مشيراً الى الباب :
– قولتلك اطلع بره بيتي
بدا وكأن أعصابها الملتهبة لم تحتمل هذا الكم من الصراخ فوضعت يديها على أذنيها وظلت تصرخ بقوة .. أرادت أن تهتف قائله : كفى لم أعد أحتمل .. لكنها لم تجد كلمات تعبر بها عما تريد .. وكأنها طفل صغير لم يتعلم الكلام بعد .. ولغته الوحيدة التى يعرفها هى الصراخ الذى يعبر به عما يريد .. اقترب منها “عبد العزيز” بفزع وأحاطها بذراعه قائلاً بصوت باكى :
– “آيات”
ظلت تصرخ الى أن بح صوتها .. تجمعت العبرات فى عيني “آدم” .. لأول مرة منذ زمن يشعر بنغزات الدموع فى عينيه .. اقترب منها “آدم” قائلاً بألم وبصوت مرتجف :
– “آيات” لو عايزانى أمشى همشى بس اهدى
ما هى إلا لحظات حتى سكنت وقد أغشى عليها بين ذراعي والدها .. هتف “آدم” بقلبه قبل لسانه :
– “آيات”
هم بأن يقترب منها .. لكن “عبد العزيز” قال بقوة وصرامة :
– ابعد عن بنتى .. امشى اطلع بره يا اما هطلبلك البوليس .. سمعت
انفتح الباب ليدخل أحد أصدقاء “عبد العزيز” بعدما ارتفع صوت الصراخ حتى أكل الفضول والخوف الضيوف بالخارج .. صرخ “عبد العزيز” فى صديقه وهو يشير الى “آدم” قائلاً :
– طلعلى الكلب ده بره .. خليه يخفى من أدامى لقوم أقـ,ــ,ـتله
قبل أن يتجه صديق “عبد العزيز” الى “آدم” كان قد غادر بالفعل تشيعه نظرات الدهشة والإستنكار والفضول من الجميع .. أسرع وتوجه الى سيارته الواقفة أمام الفيلا .. وانطلق بها وأوقفها على بعد أمتار قليلة من بوابة الفيلا .. أخذ يضرب بقبضة يده على المقود بقوة وشراسه وهو يلعن هذا الحظ الذى أوصل “بوسى” الى “آيات” وقبل لحظات من كتب الكتاب .. نعم هى “بوسى” ومن ستكون غيرها .. أراد أن ينطلق الى بيتها ليخرج فيها غضبه وحنقه لكنه أراد أولاً الإطمئنان على “آيات” المنهارة بالداخل .. أخذ ينظر الى الفيلا عله يتبين أى شئ .. لحظات و تعالت أصوات سرينة سيارة الإسعاف .. قفز قلبه هلعاً .. دخلت السيارة الفيلا ليرى النقالة تخرج منها فارغة ثم تعود محملة بـ “آيات” .. شعر بقلق بالغ .. رأى والدها يصعد معها فى سيارة الإسعاف قبل أن تنطلق فى طريقها الى المستشفى .. أدار “آدم” المحرك وانطلق بسيارته خلف سيارة الإسعاف

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *