رائعة جديدة حصري من21-25
الفصل الحادي والعشرين.. “أقارب!”
“قُل لأقاربنا الذين طعنونا بغير رحمة، أننا لم نرد سوى ودهم، لم نرد سوى عطفهم، حنانهم، وصلة الرحم التي وصى بها الله، أخبرهم أنهم كانوا آخر من تمسكنا بهم في الدنيا.. وحين أفلتوا أيديهم تعلمنا وقتها كيف نفلت نحن أيضًا أيدينا، وليشهد الله أن قلبي لن يحن، ولن يميل… وحقي مردود ولو بعد حين”
” خديجة الدالي”..
قطبت حاجبيها تأثرًا بمشاعرها الكبيسة التي واتتها الآن حين تذكرت تلك الذكريات الأكبس، طفرت الدموع من عيناها وهي تسأله بحيرة مؤلمة:
_ ليه؟ ليه ممكن عمة تعمل كده في بنت اخوها! ليه اتهمتني في شرفي وأنا كنت يدوب مكملتش ١٥ سنة، أمي كانت لسة ميتة، وحالتي النفسية كانت زفت، وهي عارفة كل ده ومأثرش فيها، ليه عملت فيَّ كده! أنا من زمان عارفة أنها بتكرهني، بس.. متخيلتش توصل لكده، استفادت إيه أصلاً؟!
كلها أسئلة تدور في رأسها منذُ ثلاث سنوات ولا تجد لها إجابة، تلقيها في حديثها مع الطبيب رغم علمها أنه أيضًا لا يمتلك جوابًا، لكن من باب الفضفضة! وبجملة ما تفضفض بهِ! هزت رأسها مستنكرة بشدة وهي تزفر أنفاسها المختنقة:
_ دخلت عليَّ وانا وباهر كنا في البيت عندي ومحدش معايا، كان جاي يطمن عليَّ واخويا كان في المدرسة وبابا في الشغل، ولحظي النيلة اشوف سارة وهو معايا.. لا، ويومها فضلت تحسسني بالذنب وأني السبب الوحيد في موتها، مقدرتش اتحكم في نفسي وفضلت اصرخ فيها ودخلت في حالة هيستريا، وقتها حاول يهديني بس عرف إني مش سمعاه أصلاً، قرب مني وحضني وفضل يكلمني عشان اهدى.. وفعلاً بعد فترة بدأت اهدى، بس مكنتش حاسة باللي بعمله فقربته مني وحضنته جامد.. كنت خايفة.. كنت محتاجة اطمن، انا وقتها…
صمتت ودارت عيناها في كل مكان وكأنها تفكر هل تبوح بما يقف على لسانها أم تبتلعه وتقفز للحدث التالي دون توضيح أكثر! وهو علمَ بما يدور في عقلها، فحثها سريعًا على الاستكمال وهو يخبرها:
_ ها يا خديجة! قولنا ايه؟ مادام بدأتِ تعترفي مترجعيش تكدبي وتخبي تاني؟ واعتقد إنك كسرتي رهبة الإعتراف بعد ما اعترفتي بأصعب جزء في الحكاية.
اقتنع عقلها بحديثه فبالفعل هل ما ستقوله أسوء مما قالته! بالطبع لا، لكنها تخشى أن يحلل الأمر بطريقة خاطئة، أو ربما صحيحة ولكنها لا تريد الاعتراف بها! وبرغم علمها التام برؤيته لِمَ ستقوله لكنها قالته، بملامح مضطربه وتجنبت النظر له وهي تستكمل:
_ وقتها مكنتش سامعة صوت باهر، وقتها معرفش ليه سمعت صوت مراد وهو بيهديني، وهو بيقولي كل حاجة هتعدي.. أنا جنبك، معرفش ليه تخيلته هو، عشان كده حضنته وفضلت حضناه شوية حتى بعد ما هديت، كنت مغمضة عيني وكأني عارفة إني لو فتحت كل ده هيتبخر.. احساس الأمان والراحة الي حسيته لما أدرك أنه باهر مش مراد..
قاطعها مبتسمًا وهو يعقب بتفهم:
_ بتعملي كل حاجة عشان تثبتيلي إنك كرهتِ مراد، عشان كده اترددتِ تحكيلي عن الجزء ده، عشان ماقولكيش ما أنتِ منستيهوش ومحتاجه اهو، بس أنا مش هقولك كده.. بالعكس، هقولك أن يمكن وقتها الي احتاجت مراد هي خديجة الطفلة، مش خديجة بنت ال١٥ سنة، ولا الي قاعدة قدامي دلوقتي، فمتقلقيش مفسرتش الي حكتيه غلط.
هل الأمر هكذا حقًا أم أنه يسايرها بدهاء كي تبوح أكثر؟ تسائلت، ونظرت له تحاول فهم ملامحه، ولكن لم تستطع الحصول على إجابة، فتنهدت باستسلام وهي تدرك أن الطبيب النفسي حين يمارس مهنته لن يكن مرئيًا لمريضه! وسيتحكم في مشاعره وصفحة وجهه ببراعة، هزت رأسها بلا معنى وهي تتجاوز التعقيب على حديثه:
– ولما فتحت عيني كان على صوت صرخة عمتي، لقيتها بتقرب عليَّ وعمالة تقول كلام مش مفهوم.. او يمكن كان مفهوم بس انا من صدمتي مفهمتش غير جملة واحدة “هتجيبلنا العار يا فا*** يا عديمة الرباية”.. وكانت بتهجم عليَّ عشان تض*ربني لولا تدخل باهر في اخر لحظة، معرفش ازاي بعدها بربع ساعة لاقتني واقفة قدامهم كأني في محكمة، نظراتهم بتتهمني بحاجة معملتهاش، وده طبعًا بعد ما عمتي قامت بالواجب وعرفتهم كلهم الي شافته، باهر فضل يحلف ويقول الي حصل، وانا كمان، بس شوفنا في نظرتهم انهم مش مصدقين، خصوصًا ان عمتي زودت من عندها مشاهد، وقالت أني كنت معاه في اوضتي رغم انها شيفانا في الصالة، وقالت كمان اني كنت بشعري ولابسة عباية ضيقة، رغم ان كل ده محصلش، ومهتمتش انها تطلع كدابة في عيني انا وباهر، مهتمتش بأي حاجة غير انها تعمل الي في دماغها والي معرفش هو ايه، بابا مصدقش من أول ما حكت وهو كان بيكدبها ويقولها بنتي متعملش كده.. بس عمي منصور، سكت، وفضل ساكت فترة وعينه كانت بتقول انه مش عارف يصدق مين، والسكوت وقتها كان أسوء حاجة ممكن يعملها، باهر مصدقش ان ابوه شاكك فيه ومش مصدقه، وشدوا مع بعض واتخانقوا، وختمت بأن باهر قاله انه هيرجع القاهرة عشان دراسته ومش هينزل البلد تاني ولا حتى في اجازاته، قالوا مش هدخل مكان في ناس شايفني و** ومعنديش اخلاق ولا دين عشان اقرب من بنت عمي بالشكل ده، وقتها عمي منصور حاول يهدى الوضع بس يمكن كان متأخر شوية! عشان كده باهر مسمعلوش وفعلاً مشي يومها.
التقط أنفاسها بارهاق بدأ يتسلل لها، وهي ترغم عقلها على تذكر كل هذا..
_ بابا زعل من عمي اوي، ومن عمتي طبعًا، وقالهم انه مينفعش يقعد وسطهم وهم شاكين في تربيته لولاده، على كده لو حد غريب جه قالهم انه شافني مع واحد هيصدقوه من غير دليل حتى! المشكلة ان عمي لما لقى الموضوع بيكبر، فكر يلمه بس بطريقة غلط، وقال لبابا احنا نقطع لسان اي حد ممكن يقول اي كلمة عليهم ونخطبهم لبعض دلوقتي وبعد الثانوية لخديجة يتجوزوا، كان باين من كلام عمي وقتها انه مش بس عاوز يحل مشكلة، هو كان في حاجة جواه مشككاه في إن الي عمتي قالته ممكن يكون حصل فعلاً، وطبعًا في حالة انه حصل يبقى فعلاً ده الحل الوحيد.. بابا كان فاهم تفكيره، وجه خلى الموضوع يتعقد اكتر، فضلنا يومين في مشاكل بتكبر ما بينهم، لحد ما لاقيت بابا بيقولي هنمشي من هنا ونستقر في القاهرة، وقتها قالي ان مش بس عشان الي حصل، بس الي حصل قلقه واثبتله ان مينفعش يسيبني انا واخويا في وش عمتي، المره دي الفت الحكاية دي يا عالم المرة الجاية تعمل ايه، وخصوصًا بعد ما فهم انها عاوزه باهر لفريال، عشان لما عمي قاله يجوزني له، وقتها ردت هي وقالتله أنتَ كده بتكافئهم، لأ جوز باهر لواحده غيرها وتكون اخلاقها احسن منها، وبكده تبعدهم عن بعض ويتلموا وفي نفس الوقت تبقى عاقبتهم على عملتهم، ماتكلمتش عن فريال بشكل واضح.. بس بابا كان فاهمة وفاهم تفكيرها، وكان عارف انها فاتحت باهر كذا مرة في حوار الجواز وكانت بتلمحله عن فريال بس هو كان بيتهرب.
_ وجيتوا القاهرة، تابعتي معايا علاجك واستقريتوا هنا، وبعد وفاة والدك لما روحتي تدفنيه في البلد قابلتيهم طبعًا، اتعاملتي معاهم ازاي؟
ردد الأخيرة بتساؤل وهو ينتقل بالأحداث لمنحنى آخر، رفعت منكبيها بلامبالاة وهي تجيبه بملامح ساخرة:
_ عادي جدًا، موت بابا كان دخلني في حالة غريبة، حالة من اللامبالاة على التناحة، على أني مبقاش فارق معايا حاجة ولا حد، عشان كده روحت ودفنته ووقفت قدامهم ومفكرتش امد ايدي ليهم ولا حتى قبلت عزاهم ليَّ، ولما عمي فكر يعمل عليَّ كبير ويقعدني في البلد غصب عني، وقفت قدامه ورفضت واصريت على موقفي، ورجعت في نفس اليوم أنا ومصطفى وحتى مرضتش اعرفه مكانا في القاهرة، هو اعتذر بس أنا مقبلتش اعتذاره، مقبلتش اعدي كسرتي قدامهم وظلمهم ليَّ، مقدرتش اعدي زعل بابا منهم لحد ما مات وهو زعلان منهم.
أخرجت نفسًا عميقـًا جدًا، قبل أن تقول بانهاك حقيقي:
_ حاسة إني تعبت، ويعتبر قولت كل الي كدبت فيه قبل كده، مبقاش عندي حاجة مخبياها.
اومئ برأسه وهو يخبرها:
_ لا تمام، برافو عليكِ يا خديجة إنك كسرتي رهبتك وحكيتِ كل حاجة، بجد دي خطوة مهمة جدًا في علاجك.
سألته بملامح متوترة:
_بالنسبة لموت سارة، هو حضرتك..
قاطعها متفهمًا مخاوفها:
_ خديجة، أي حاجة مهما كانت بتتقال هنا، عمرها ما بتخرج من الباب ده، غير إن حادثة خديجة كانت غير مقصودة، انتقام طفولي سخيف اتحول لمأساة، لا ليكي ذنب فيها، ولا هو.. وكل ما اتقبلتي ده واقتنعتي بيه، كل ما كان افضلك، علاجك يا خديجة بيكمن في حاجتين ملهمش تالت.. اولاً ترمي من على كتافك ذنب موتها، وثانيًا تسامحي مراد وتعرفي انه هو كمان مكنش يقصد.. وقتها سارة هتختفي من حياتك، ومن كوابيسك.. سارة هي صوت ضميرك الي أنتِ بتجلديه كل دقيقة على موتها، من كتر ما مبقاش متحمل خرجلك في صورة هلاوس، فهمتِ؟
هزت رأسها بتفهم، ورفعت كفها تمسح دموعها بوهن وهي تقول بحزنٍ دفينٍ:
_ غصب عني والله، بس انا عمري ما هشوف مراد برئ.
في جملتها الأخيرة حدث تغير ملحوظ في ملامحها، وحتى نظراتها، بدت ملامحها شرسة، غاضبة، وبدت نظراتها كارهة، ترغب في الانتقام! وهذا أخبره عن كم ما تحمله “خديجة” بداخلها تجاه المسكين “مراد”!! وهل وصفه للتو بمسكين دون أني يعلم عنه شيء! ربما ما دفعه هو نظراتها التي هيأت له أنها لو رأت “مراد” ذلك أمامها الآن في طرفة عين!
حاول تهدأتها بكلماته الهادئة، المسايرة:
_ تمام، خلينا منتكلمش عن مراد دلوقتي، خلينا نحاول معاكِ الأول إنك تقتنعي وتقنعي نفسك بأنك ملكيش ذنب في موتها، تمام؟
اومأت برأسها وقد لانت ملامحها ونظراتها مرة أخرى، هز رأسه برضا وهو يخبرها:
_ بصي، معاكِ خمس أيام، عاوزك فيهم تقعدي مع نفسك، تتكلمي معاها في كل حاجة تخص علاقتك بسارة زمان، ولما توصلي للحادثة، تخيلي سناريو غير الي حصل وشوفي هل نتيجته كانت هتبقى إن سارة هتفضل عايشة؟ يعني لو كنتِ دخلت ولحقتيها، لو كنتِ مقولتيش لمراد انها وقعتك قاصدة، لو كنت اول ما فتحتوا الدولاب جريتِ بلغتِ حد بالي حصل، وهكذا، والإجابة متكونش من دماغك..
نهض واقفًا واتجه لمكتبه صغيرة في أحد اركان المكتب، التقط منها كتابًا ضخمًا وعاد إليها يقدمه لها وهو يخبرها:
_ اقري الكتاب ده كويس، وبعدها ابقي اسألي نفسك الأسئلة وجاوبي عليها، بس بعد قراية الكتاب.
التقطت الكتاب تطالع عنوانه وهمست تقرأه بشفاها
” مصير الإنسان بين الفلسفة وعلم النفس” من سلسلة “شبهات وردود”..
رفعت رأسها له وهي تخبره بتزمر واضح:
_ ٥ أيام! خليها اسبوع يمكن الحق اخلصه، أصل ممكن اقرأ صفحتين في اليوم بالعافية عشان مشاغلي وكده.
ضحك بخفوت وهو يخبرها برحابة صدر:
_ اسبوعين يا ستي، بس تخليه معاكِ في شنطتك دايمًا واول ما تحسي بضغط نفسي تخرجيه وتقرأي هتلاقيكِ بتهدي تلقائي، وكمان أهم حاجة تقرأي بتركيز ودقة، وتحللي السطور كويس عشان تفهمي المغزى من الكلام، وكمان ترجعي تاخدي ادويتك بانتظام يا خديجة ها!؟
اومأت برأسها وهي تنهض واقفة، ووضعته في حقيبتها وقالت:
_ حاضر، انا ناوية ابدأ بجد والله، وأن شاء الله اخلص من كل ده قريب.
ابتسم لها بلطف وهو يؤمن رجائها:
_ إن شاء الله.
_________________
تحتجزه منذ نصف ساعة أمامها تصر عليهِ أن يسرد لها كل ما حدث بينهما في لقاء الأمس، ورغم سرده لكل ما حدث لكنها تصر على أن للأحداث بقية! هز رأسه بنفاذ صبر وهو يخبرها:
_ يا لولة ماعنديش حاجة تانية احكيها، ارحميني بقى عندي شغل مش كفاية إني صاحي متأخر النهاردة!
كانت كطفلة صغيرة تلح على والدها ليكمل سرد حكاية ما قبل النوم لها، ورغم انهاءه للحكاية إلا أنها تصر أنه مازال هناك بقية! هزت رأسها بحماس وهي تسأله مرة أخرى:
_ يعني هي معرفتكش خالص!؟
ابتسم ثغره بالكاد وهو يجبها بنفاذ صبر:
_ سألتيني السؤال ده ٤ مرات لدلوقتي، وقولتلك لأ، يعني لما تسأليني تاني الإجابة هتتغير!؟
امتعضت ملامحها وهي تخبره بحيرة:
_ أصل ازاي ملحمتش حتى! يعني معقول مش فاكرة أي ملامح ليك للدرجادي!
_ الإنسان بينسى يا ماما، لو تعرفي حد ومر وقت طويل مشفتهوش بتبدأي تفقدي ملامحه، ما بالك لو طفلة لسة، ده انا اهو الي كنت وقتها ١٣ سنة مش فاكر شكل والدتها ولا والدها، شوية ملامح كده الي فاكرهم ميكونوش شكل واضح، فليه مستغربة أنها نسياني!؟
_ معاك حق، بس يعني انتَ كتت قريب اوي لها يمكن عشان كده شايفة أنها كان لازم تشبه عليك حتى.
تفهم مبررها، فعقب بهدوء:
_ يمكن، بس الموضوع مش دايمًا بالقرب ولا بالبعد، وبرضو هرجع اقولك متنسيش انها كانت صغيرة، والاحداث الي حصلت زي موت اختها وغيره اكيد خلوها مش عاوزه تفتكر الوقت ولا الذكريات دي بكل الناس الي فيهم.
بدأت تقتنع بوجهة نظره، فهزت رأسها متفهمة وهي تسأله:
_ قولي طيب ليه ما تقولهاش وتخلص بدل اللف والدوران ده؟ يعني تعرفها عليك، وأكيد لما تعرف إنك مراد صديق طفولتها هتفرح والطريق بينكوا هيكون أسهل، بدل مالسه هتعرفها عليك من أول وجديد، بصراحة مش فاهمة منطقك ولا أنتَ عاوز ايه!
نهض وابتعد عنها قليلاً ينظر من خلف زجاج شرفته للحديقة الواسعة والخضرة المريحة للنفس التي تقبع أمامه، وشردت عيناه يتذكر تفاصيلها بكل ما فيها، كل تفصيلة مهما بدت صغيرة عاد يتذكرها منذُ وقعت عيناه عليها أمس، ونطق لسانه بما يجوب قلبه، فخرجت نبرته محملة بعاطفته القوية وهو يقول:
_عايزها تحبني من جديد، هي يمكن حبت صديق الطفولة واقرب حد ليها وقت ما كانت طفلة لسه بتتعرف على الدنيا، حبتني كأول حد خد بايدها وعلمها كل حاجة، اول حد استندت عليه وهي بتتعلم تقف وبتتعلم تمشي، حبتني كشخص كان داعم ليها في كل حاجة وفي أي وقت، حبتني كشخص شافت الدنيا بعنيه.. يمكن ده كفاية لأي حد، لكن انا لأ، انا طماع في حبها… طماع اوي، عشان كده عاوزها تحبني وهي انسة واعية زي ما حبتني وهي طفلة.. عاوز خديجة البالغة تحب مراد البالغ وهما الاتنين شخصيتهم اختلفت.. عشان لما اقول اننا حبينا بعض في كل زمن، وفي كل نسخة منا، مبقاش كداب.
استمع لصوتها من خلفه تقول بنبرة بها بعض الانبهار:
_ يااه يا مراد، أنا عمري ما قابلت حد بيحب زيك كده! وأنا الي كنت فاكرة حبنا أنا وابوك حب افلطوني عشان رغم اني اتجوزت وبعدت منسناهوش وفضلنا نحب بعض، ده طلع ولا حاجة قدام حبك ده، اوقات باستغرب وبسأل نفسي ازاي طلع كل الحب ده منك أنتَ، رغم كل الي عانيته من صغرك، رغم إنك محصلتش على حب كفاية، لا من ابوك ولا من مني.. الأكيد إني بحبك اكتر حاجة في دنيتي بس للأسف ظروف حياتنا خلتني معرفتش اطلع كل حبي ليك في افعالي، بيقولوا إن الي محصلش على حب كفاية من صغره لما يكبر عمره ما يعرف يحب بجد.. بس لو دي قاعدة فأنت كسرتها بحبك لخديجة.
استمع لكل حرف قالته، وأكد على صوابه بداخله، هو نفسه يتعجب من حاله أحيانًا كثيرة، ويسأل ذاته من أين جاء مصدر كل هذا الحب الذي بداخله!؟ ففضلاً عن ما ذكرته والدته، فالعمل الذي دفعه والده إليه منذُ مراهقته كفيل بأن يجعله ذو قلب متبلد، قاسي، لا يعرف للحب ولا الرحمة معنى! وللعجب أن كل هذا حتى وإن نجح بالفعل مع الآخرين وسيطرت القسوة على كثير من تصرفاته إلا أنه لا ينجح معها! وكأن حبها مُحصن من كل العوامل المحيطة بهِ! ولربما ما لم يفهمه “مراد” أن الله قد حفظ حبها بهذا الشكل لأنه الطريق الوحيد لنجاته! النقطة البيضاء الوحيدة في عالمه الملطخ بالسواد..
التفت لها وهو يعقب على حديثها بحيرة زينت معالمه:
_ بصراحة، أنا نفسي معنديش تفسير، بس خديجة هي كل حياتي فعلاً، الشيء الوحيد الي مكنش عندي استعداد اتنازل عنه أو يضيع من ايدي، الشخص الوحيد الي كفيل يوقف كل شياطيني ويقلب مزاجي ١٨٠ درجة، معنديش تخيل لحياتي معاها لو اتجوزنا، بس… بس حاسس إني ممكن اقفل علينا أنا وهي وننعزل عن العالم كله.
أردف بجملته الأخيرة بحرج ظهر كاحمرار بسيط على وجهه، يعلم سخافة حديثه، ولا يحب التطرق لمثل هذه السخافات كثيرًا لأنه بعدها يشعر بالحرج، ليس من شيء سوى لعدم منطقية ما يقوله، وقد جاء رد والدته مطابقًا لِمَ ذُكر وهي تقول بابتسامة مقتضبة:
– مش معقول يا حبيبي الي بتقوله ده! لا يا مراد، حتى الحب له حدود، لازم تأقلم نفسك إنكوا عايشين في مجتمع ووسط ناس، مش هتوقف حياتك عشانها برضو ولا هي هتعمل كده، التعلق الأوفر ده برضو مش صح، ومتنساش إن أحيانًا كتر الحب بيأذي وبيخنق، الاعتدال خير الأمور يا حبيبي.
اومئ برأسه ولم تفهم هل هذا يعد اقتناعًا بحديثها أم انهاءً للحديث عمومًا، خصوصًا وقد تحرك بعدها يلتقط أغراضه وسترته وهو يخبرها:
– همشي بقى يالولة عشان عندي شغل واتأخرت بما فيهِ الكفاية.
قبل رأسها أخيرًا وانسحب خارجًا من الغرفة، اتجهت للشرفة ووقفت خلف زجاجها الداخلي تتابع الحديقة حتى طلَ هو واستقل سيارته مغادرًا محيط المنزل، قطبت حاجبيها بامتعاض جلي، وبدت أنفاسها غير منتظمة لضيقها، زفرت نفسًا لها باختناق وهي تغمغم لذاتها بضيق:
_ ماهو كل شيء له حدود برضو، يعني وكأنه لو بقت معاه واتجوزوا فعلاً مش هيكون عاوز حد غيرها، ده مش بعيد وقتها ماشفوش غير صدفة وميسألش عني!
خطر بعقلها شيء، لتزداد تقطيبتها وهي تردد بفزع:
_ ولا لو طلبت منه يسكنوا في فيلا لوحدهم، وقتها مش هشوفه فعلاً غير كل فين وفين..
صمتت قليلاً والحديث يدور برأسها بلا هوادة، لتهتف بعد قليل باصرار ومض في عيناها:
_ أنا مقدرة انه بيحبها، وبتمنى انه يعيش سعيد ومرتاح معاها، بس هو ابني برضو، ومش هسمح لأي واحدة مين من كانت تاخد ابني مني بالطريقة دي، حتى لو كنت بحبها.
غيرتها كأم شيء فطري ليس لها يد بهِ، لذا كان لها الغلبة بعدما استمعت لحديثه الذي القاه قبل ذهابه، رغمًا عنها انتابتها الغيرة، فقد شعرت أن تلك الفتاة تعني له أكثر منها هي شخصيًا، وهذا أمر لن تقبل بهِ، حتى وإن كانت على دراية بمدى حبه للأخرى وتعلقه بها وما لاقاه من عذاب حتى وصل لها، ولكنه بالأخير يبقى ابنها، لن تستطع رؤيته يفضل أخرى عليها، يهتم بها أكثر، وإن وُضعت كلاً منهما في كفة تكن كفتها هي الرابحة! تحت أي ظرفٍ كان لن تقبل “ليلى” بوضع كهذا.. ومن هنا، تُرى هل اكتسبت “خديجة” عدوًا جديدًا!؟
___________________
فتحت له باب الشقة ليخرج بعد أن انهى عمله، وأخبرها أخيرًا:
_ كده تمام، ولو حصل اي حاجة بلغي عبده يعرفني اجي اشوفها.
هزت رأسها ببساطة وهي تخبره:
_ تمام، تسلم.
انتظرت حتى ذهب من أمامها وما كادت تغلق الباب حتى وجدت الباب المقابل لها يُفتح وتخرج تلك الجارة السخيفة التي تسكن مقابلاً لها، لتضع القمامة الخاصة بها أمام باب منزلها، ولكنها كالعادة لم تسلم من لسانها وهي تقول بمغزى:
_ ربنا يستر على ولايانا.
رفعت “رنا” حاجبها الأيسر بتعبير وشيك على اندلاع حرب الآن، وهي تضع ذراعها في جانبها بحركة متحفزة، وقالت بتحدي سافر:
_ خير يا أم تامر، تقصدي مين بكلامك ده؟
رفعت نظرها لها بعدما وضعت كيس القمامة جانبًا وظهرت السخرية جلية على وجهها وهي تجيبها:
_ اقصد الي اقصده يا حبيبتي حد جه جنبك؟ ولا الي على راسه بطحة!؟
تركت مدخل شقتها وتحركت للأمام قليلاً حتى أصبحت في منتصف الطرقة بين الشقتين، وأصرت على مواجهتها وهي تقول ببوادر غضب:
_ بقولك ايه، انا بقالي فترة ملاحظة نظراتك الغريبة وكلامك وتلقيحك عليَّ في النازلة والطالعة، جرا ايه بقى؟ ايه العبارة عشان نبقى على وضوح كده!؟
اقتربت الأخرى خطوتان ولكنها حافظت على مسافة مناسبة بينهما، وهي تقول بنبرة ساخرة:
_ لا عبارة ولا نيلة، أنا بس ياختي هقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودانك، العمارة هنا كل الي ساكنين فيها ناس محترمة، وانتِ جديدة هنا مكملتيش خمس شهور، وشكل كده محدش بلغك الي بقولهولك ده، ومحدش قالك اننا مش هنقبل حد يسكن وسطينا يبوظ سمعتنا، فلو مش هتعرفي تحترمي المكان الي ساكنه فيه يبقى تشوفيلك مكان تاني.
اتسعت عيناها بعدم تصديق لِمَ تقوله تلك المتبجحة، لقد كانت تسمع لأحاديثها الهامسة حين تراها، ولكن لم تتوقع أن تقف في وجهها وتعبر عن شكوكها في أخلاقها! علىَ صوتها وهي تهتف بغضب:
_ يبوظ سمعتكوا! أنا! ازاي تتكلمي عني كده أصلاً؟
والأخيرة ارتفع صوتها بالتوازي وهي تعقب:
_ بتكلم عن الي شوفته يا حبيبتي وأخرهم الي لسه نازل من شوية.
شهقت “رنا” بعدم تصديق لظنون تلك الحمقاء، فصرخت بها وغضبها قد تصاعد أكثر:
_ قطع لسانك لو قال عني كلمة وحشة، أنتِ مالك أصلاً مين داخل ومين طالع! أنتِ قاعدة بتراقبيني؟
أشاحت الأخيرة بذراعها وهي تهتف:
_ اراقبك؟ ليه ياختي أنتِ مهمة للدرجادي! هو بس ربنا الي بيخليني اشوف بالصدفة عشان يكشف عمايلك.
ارتفع صراخ “رنا” وهي لا تصدق ما تسمعه:
_ عمايلي ايه يا وليه أنتِ، لمي لسانك لأحسن والله اندمك إنك فكرتِ تتكلمي عني كلمة واحدة.
_ ايه يا جماعة صوتكوا مسمع العمارة كلها، في ايه؟
قالتها سيدة ترجلت من اعلى وخلفها سيدة أخرى، قد نزلا على صوت الشجار العالِ، التفتت لهما” رنا” بملامحها الغاضبة وهي تقول:
_ الست دي باين عليها مجنونة، ولا مش عارفة حدودها عشان تتدخل في حياة الناس بالطريقة السخيفة دي.
شهقت السيدة بحركة سوقية وهي تقول:
_ – شوف البت البجحة قليلة الرباية! بقى فاتحة بيتك للرايح والجاي ومش عوزانا نتكلم! لا يا حبيبتي ال**** دي متحصلش هنا في عمارتنا، ياختي كانت جيرة الهم والغم.
استشاطت أكثر وهي تستمع لِمَ تقوله تلك الجارة الحمقاء، لتحاول تخطي السيدتان الاخرتان كي تصل لها بعدما اصبحا حاجزًا بينهما، وهي تصرخ بصوتها ووجهها الغاضبان:
_ أنا الي جيرة الهم يا ولية يا خرفانة أنتِ، اومال أنتِ تبقي ايه يالي حاطة عينك في حياة كل واحد في العمارة ورامية ودنك على الباب للي طالع واللي نازل.
أشاحت الأخرى بذراعيها بردح منفعل:
_ اه، طبعًا مانتي عاوزه تكوني على هواكِ، مش طيقاني عشان أنا الي كشفاكِ وفاضحة عمايلك ال****.
أزاحت السيدة الواقفة أمامها تحتجزها كي لا يتطور الشجار إلي عراك بالأيدي، ونجحت في الوصول لتلك التي تتبجح أمامها وكأنها ولية أمرها! لتجذبها من ذراعها بعنف وقسوة وهي تهدر بها:
_ اخرصي قطع لسانك ولسان أي حد يقول عليَّ كلمة *** زيه، وقسمًا بربي لو ما اتلميتي وبعدتي عن حياتي لامسح بيكِ بلاط العمارة فاهمة يا ولية أنتِ.
والأخرى خشت، خشت من ملامحها الغاضبة وعنفوانها، خاصًة وقد سأم السيدتان من فض العراك فاكتفيا بالمتابعة دون تدخل، مما جعلها تبتلع ريقها في وجل وهي تجذب ذراعها من الأولى، بينما تقول بصوت متوتر:
_ ياختي انتِ حرة، يك تولعي الحق عليَّ خايفة على سمعتك.
ربطت على كتفها بقوة وهي تخبرها بسخرية:
_ لا ياختي مستغنيين عن خدماتك، خليكِ في حالك، ولسانك جوه بؤك بس.
انهت جملتها وحدقتها بنظرة محذرة أخيرة قبل أن تنسحب من أمامهم ودلفت شقتها مغلقة الباب خلفها في وجوههم بقوة..
_______________
تهادت في خطواتها وهي تدلف للمستشفى بصحبة أبيها، وكالعادة تنجح في لفت الانظار إليها دون عناء، فيكفي ثيابها المثيرة لحد ما، بدأً من كنزتها الحمراء التي بالكاد تغطي بطنها، وتنورتها التي ترتفع عن ركبتيها قليلاً، بلونها الابيض الناصع، وقد ارتدت حذاء ذو كعب عالِ ليشد قامتها فتظهر مفاتنها كما يجب أن تكون، استمعت لوالدها يسألها:
_ فين الدكتور الي قولتِ ساعدك كتير الفترة الي فاتت، حابب اشكره الحقيقة.
ابتسم ثغرها المطلي بلون احمر فاتح بلطافة وهي تجيبه:
_ فعلاً يا دادي لازم تشوفه، متأكده أنك هتعجب بيه.
انفلتت ضحكة هادئة من “نبيل” وهو يسأله عابثًا:
_ هعجب بيه ازاي يا بنت! وضحي كلامك عشان اوقات بيكون اتجاه غلط.
ضحكت هي الاخرى وقالت:
_ مش قصدي، بس هو من الشخصيات الي حضرتك بتحبها، يعني شاب لسه صغير في السن بس باين عليه مجتهد جدًا، وساب بصمة له هنا في المستشفى رغم انه لسه شغال فيها قريب، غير بقى انه مرح كده وبيحب يساعد الناس.
توقف “نبيل” فتوقفت هي الأخرى مستغربة، فحدقها هو بنظرات مشككة وهو يسألها:
_ كل ده عرفتيه من مرة ولا مرتين شوفتيه فيهم!؟
وبدون تردد او قلق كانت تخبره:
_ شوفته ٣ مرات، واخر مرة قعدنا مع بعض ربع ساعة كده، بس حضرتك عارفني بقرأ الناس بسهولة.
_ الناس الي بيلفتوا نظرك.
هتف بها “نبيل” بتنبيه، ليغزي الاحمرار وجنتيها وهي تعقب بحرج:
_ مهو فعلاً لفت نظري.
رفع حاجبه باستنكار وهو يسألها:
_ بتقوليها في وشي كده؟ ده أنا أبوكِ حتى!
رفعت منكبيها بمرح وهي تعقب بخبث:
_ ماهو انا دلوقتي بكلم بُلبل صاحبي مش دادي.
هز رأسه ضاحكًا وهو يقول:
_ بتثبتيني! ماشي يابنت نبيل، ويا ترى مجرد لفت نظر ولا في تطورات أنا معرفهاش؟
نفت برأسها بصدق وهي تجيبه بجدية:
_ أبدًا يا دادي، بعدين لو في أكيد مش هخبي عنك.
اومئ برأسه مصدقًا إياها، قبل أن يدير مقبض الباب دالفًا لغرفة زوجته التي نُقلت لغرفة عادية بعد تخطيها مرحلة الخطر، واستفاقت كليًا.
دلفا للغرفة لتبتسم تلك السيدة التي ربما في اواخر الاربعينات الجالسة فوق الفراش بوهن، ملامحها بدت
قريبة لملامح ابنتها، عدا لون العيون فقد تميزت هذه بعيونها السوداء، واتسعت ابتسامتها حين ارتفع صوت طفلتها المدلله وهي تقول:
_ good morning لاحلى لولو في حياتي.
اجابتها مبتسمة:
_ good morning لحبيبة قلبي.
_ عامله ايه يا لبنى!؟
اتاه سؤال زوجها بنبرته الحنونة، المهتمة، لتجيبه بهدوء:
_ كويسة، وهبقى كويسة اكتر لو خرجت.
_ يا مامي مينفعش تخرجي من غير الدكتور ما يقول.
عقبت بها “جاسمين” بقلق، لتجيبها “لبنى” موضحة:
_ يا حبيبتي الدكتور كان هنا الضهر وسألته وقالي ينفع.
_ دكتور مين؟
تسائل بها “نبيل” وقبل أن تجيب سمعوا لدق الباب، فسمحوا بالدخول، وفور فتحه طلَ “باهر” من خلفه برفقة الممرضة، وابتسامة هادئة تزين ثغره الوسيم وهو يقول:
_ مساء الخير.
اجابه جميعًا تحيته، ورحبَ بهِ “نبيل”، وبعدما انتهى من فحص “لبنى” استمع ل”نبيل” يسأله:
_ هو ينفع تخرج يا دكتور؟
اومئ برأسه وهو ينتهي من تدوين ملاحظاته:
_ ايوه، بس طبعًا راحة تام لمدة اسبوع، تتحرك في نطاق ضيق، تمشي على جدول الأكل والعلاج، وأن شاء الله تتحسن قريب.
اشارت “جاسمين” برأسها على “باهر” من خلف ظهر الآخر، ففهم “نبيل” اشارتها وهذا ما جعله يردف:
_ متشكر لاهتمام حضرتك طول الفترة الي فاتت، وكتعبير بسيط مني عن مجهودك معانا رغم أن الحالة متخصكش، حابب اعزمك على حفلة صغيرة عاملينها اخر الشهر بمناسبة شفاء المدام.
تنحنح” باهر” بحرج وهو يدرك أن” جاسمين” قد أخبرت ابيها عنه، ألم تستطع الصمت! هل كان من الضروري أن تخبره ابيها عنه! لا يحبذ وضعه في مِثل هذه المواقف..!
_ لا شكر ولا حاجة، يعني ده شغلي، معملتش حاجه زيادة.
اومئ “نبيل” متفهمًا وقال:
_ فاهم طبعًا.. بس برضو الشكر واجب، قلت ايه عن الحفلة!؟
وفي هذه اللحظة نظر لها، لا يعلم لِمَ، ولم تعلم هي معنى نظرته.. وبالأخير اعطى رده بعد فترة من الصمت…
______________
كانت واقفة تعد احد انواع العصائر، وقد بدأت الزبائن بالقدوم للمطعم اليوم، وعقلها مشغول بحديثها الأخير مع طبيبها النفسي، تحاول أن تزِن الأمور بداخلها كي تستطيع الاقتناع بصواب ما فعلته، إذ تشعر أحيانًا أن المواجهة كانت خطوة متهورة منها، انتهت من اعداد الكوب ووضعته فوق الطاولة التي أمامها كي يأخذه “مراد” حين يعود من الصالة، امسكت هاتفها حين تعالى رنينه لتجد رقم “باهر” او كما اسمته على هاتفها “Bahbory” فتحت المكالمة فورًا وهي تجيب بمرح:
– عمي وعم قلبي.
اتاها صوته الضاحك وهو يقول:
_ يلا ياواطية، بقى بدئاها كده عشان ماتكلمش، إن مكنتش أنا اتصل متسأليش صح؟
اجابته ببراءة مصطنعة:
– انا يا بهبوري اخص عليك، ده انا طول اليوم على بالي، واقول هكلمه هكلمه، وبنشغل اعمل ايه!
_ مش مصدقك يا به..
ضحكت بخفة وهي تعقب:
_ عيب عليك بقى متصغرناش، هكدب ليه انا! بعدين انا اقدر استغنى عنك! انا اقدر انساك؟ لا مكانش العشم يا بهبوري والله.
وكالعادة تغلبه في الحديث ليقول بيأس:
_ ماشي يا بكاشة، المهم عاوزك في موضوع مهم.
ابتسمت باتساع حين نجحت في جعله يتغاضى عن توبيخها وقالت:
_ عنيا لعم الناس، قول يا حبيبي سمعاك…
على بُعد قريب… قريب حد الخطر! ضم قبضته اليسرى بقل قوته، وهو يشعر بطاقة عارمة في تحطيم أي شيء.. أي شيء أمامه يخرج فيهِ طاقة غضبه المشحونة مما سمعه، يعلم مع من تتحدث، وهذا ما زاد اشعال نيرانه.. وأما عن طريقتها في الحديث فلم تمر عليهِ مرور الكرام!
تحرك بخطواته تجاهها يطوي الأرض تحت قدمه حتى وصل خلفها تمامًا ف…..
الفصل الثاني والعشرين “حب زائف!”
“أشعر بطوق يلتف حول عنقي يكاد يخنقني، ولا أجد للخلاص منهُ سبيلاً، والمضحك في الأمر إنني من لففت الطوق بيدي! فكيف لي أن اشتكي!”
شهقت بخضة حين التفت ووجدته خلفها تمامًا، لا يفصل بينهما سوى سنتيمتر واحد، حتى أن هاتفها سقط من يدها ولولا تمسكه بهِ بتلقائية وسرعة بديهه لأصبح فتات الآن، ابتسم ثغره بغيظ وهو يعقب على الموقف مرددًا:
– واضح إنك كنتِ مشغولة في المكالمة لدرجة إنك محستيش بوجودي.
التقطت أنفاسها الذاهبة بتروي وعادت خطوتان للخلف، قبل أن تجيبه بابتسامة مهزوزة:
– أنا فعلاً محستش بوجودك، أنا لفيت صدفة أصلاً، بس كان لازم تنبهني أنا قلبي كان هيوقف من الخضة.
لم يعقب على حديثها، وأصر على التحدث في نفس النقطة مندفعًا بغيظه الداخلي:
_ الحقيقة الغلط مش عندي، أنتِ الي مش مركزة خالص.
ابتسمت بهدوء وهي تقول:
_ يعني حتى مش هاين عليك تعتذر بالمجاملة!
رفع شفته العليا بحنق وهو يجيبها:
_ الاعتذار مفيهوش مجاملات.
اندثرت ابتسامتها وهي تشعر بجديته في السخافة! بالطبع سخافة، فما له يأخذ الأمر على محمل الجد لهذه الدرجة، بينما هي تأخذه من باب الدعابة، ولكن إن آخذه هكذا فستفعل هي الاخرى، وهذا ما دفعها للتحدث بجدية وهي تخبره:
_ هو الشغل متعطل ولا حاجة؟ يعني في مشاريب كنت جاي تاخدها ومكالمتي عطلتك؟
_ لأ.
اجابها باقتضاب، لتهز رأسها بلاهتمام، وهي تمد كفها له:
_ ممكن تليفوني!؟
رفع يده بالهاتف لها وهو يلاحظ تغير ملامحها، يبدو أنه بالغ في ردة فعله! فأخذته منه واتجهت للطاولة العريضة المرتص عليها الأكواب وأخذت ترتبهم بعناية رغم عدم حاجتهم لذلك، لكنها من الواضح تشغل ذاتها حتى ينصرف عنها، شعرت باقترابه منها رغم حفاظه على مسافة جيدة بينهما، فلم تهتم، لكنها سمعت صوته يقول بمرح طفيف:
_ مال وشك قلب ليه كده! كل ده عشان اعتذار المجاملة!؟
حنت رأسها قليلاً بلامبالاة وهي تجيبه بينما لم تلتفت له حتى:
_ لا عادي، مقلبتش وشي ولا حاجة.
ضحك ضحكة بسيطة وهو يعقب على عصبيتها في نقل الأكواب:
_ ماهو واضح! ده أنتِ ناقص تخبطيني بالكاس الي في ايدك ده.
وهنا نظرت له بجانب عيناها وهي ترفع كتفيها بغيظ:
_ كويس انك خدت بالك.
اتسعت ضحكته وهو يتعجب من ردة فعلها، وسألها من بين ضحكته:
_ ياساتر! ليه كل ده!
تركت ما بيدها والتفت بجسدها له وهي تخبره بحنق واضح:
_ مبحبش اكون واخده الموضوع هزار والاقي الي قدامي قفل وواخده جد، يعني انا كنت بهزر لما قولتلك اعتذر حتى لو مجاملة، لكن كان واضح في ردك عليَّ إنك بتتكلم جد، فقفلتني بصراحة.
انهت حديثها وهي تحرك عيناها لأعلى دليلاً على ضيقها من موقفه، مما جعله يبتسم مرة أخرى وهو يجيبها:
– لا في دي معاكِ حق، أنا فعلاً اوقات مبعرفش افرق بين الجد والهزار، بس على فكرة انا كمان كنت بهزر.
رفعت حاجبها الأيسر بعدم تصديق وهي تسأله مستنكرة:
_ بقى كده كنت بتهزر! اومال لو كنت بتتكلم جد بقى، ملامحك كانت باينة على فكرة، فانت كده مش بتصلح الموضوع أنتَ بتبوظه.
حك مؤخرة رأسه بكفه الأيمن وهو يعقب بحرج طفيف:
_ ماشي، انا فعلاً كنت قفل ومفهمتش إنك بتهزري، بس المرة الجاية هاخد بالي واهزر معاكِ.
ابتسمت بلطف جعل عيناه تلمع، وهي تحني رأسها قليلاً وقالت بهدوء:
_ ماشي.
_ خير سايبين الشغل وواقفين ترغوا؟!
التفا على صوت “طارق” الذي صدح من خلفهما، ليضغط “مراد” على نواجزه محاولاً التحكم في أعصابه فقد علم الآن ماهو مقبل عليهِ “طارق” من فرض سيطرة سخيف، مستغلاً عدم قدرته على الرد أمامها، التفت له ونظر بأعين محذرة:
_ ابدًا يا استاذ طارق مش سايبين الشغل ولا حاجة.
التمعت أعين “طارق” بتلاعب ماكر، وهو يسأله ساخرًا:
_ والله! ده انا سامع رغيكوا بقالي فترة.
_ مفيش مانع نتكلم واحنا بنشتغل.
قالها “مراد” بحدة واضحة جعلت “خديجة” تهمس له من خلفه:
– اهدى ليرفدك.
وما زاده جملتها إلا اشتعالاً، هل أصبح “مراد وهدان” عُرضه للرفد! ومِن مَن! مِن “طارق” الذي يعمل لديه!
ضغطت على أعصابه وتحكم في ذاته وهو يقول:
_ اقصد يعني اننا بنسلي وقتنا واحنا بنشتغل مش اكتر.
اومئ “طارق” برأسه وقد قرر تمرير الأمر بعدما رأى احتقان وجهه الذي يدل على وصوله لأقصى حالات تحكمه بذاته، وللحق لا يتمنى “طارق” أن يكون محل افراغ شحنة غضبه هذه لاحقًا، فاكتفى بهذا القدر وقال قبل أن ينسحب:
_ تمام، اهتموا بالشغل شوية عن كده.
لو باستطاعته لذهب خلفه الآن واشبعه ض*ربًا، لكنه لا يريد لفت نظرها، لذا اخذ نفسه بعمق والتف لها بابتسامة هادئة، فوجدها تقابله بعتاب واضح وهي تقول:
_ طريقتك معاه كانت ممكن تعمل مشكلة، أنتَ أول مرة تشتغل في مكان ولا ايه!؟ الطبيعي أننا بنكون اهدى وبنتجاهل طريقة المدير لو مش لطيفة عشان منترفدش.
هز رأسه بلامبالاة وهو يخبرها:
_ مبحبش حد يكلمني بلهجة متعجبنيش، بس كويس انك هدتيني عشان كنت هغشم معاه.
ضحكت بعدم تصديق وهي تعقب:
_ ده كويس إني لحقتك فعلاً، لا لازم تكون اهدى وأبرد من كده، الشغل مبيمشيش بالطريقة دي.
جاء أحد العمال الآخرين في المكان، وهو يقول موجهًا حديثه ل “مراد”:
_ واحد اوريو واتنين جوافة لطربيذه ٧.
اومئ “مراد” برأسه ليذهب الآخر، وبدأت “خديجة” في اعداد المشاريب، قبل أن تسمع لصوت “مراد” يسألها:
_ هي رنا اتأخرت ليه؟
عقدت حاجبيها بجهل وعقبت:
_ مش عارفة، انا برضو مستغربة ده احنا لسه تاني يوم شغل.
_ مكلمتيهاش؟
نفت برأسها وهي تجيبه:
_ مخدتش رقمها لسه.
اومئ برأسه متفهمًا، وتابعها وهي تعد المشروب، عيناه تلتهم كل شيء يخصها، كل تفصيلة بها تتروى نظراته عليها ببطء، يشبع عيناه منها، ولا يصدق أنه أصبح يستطيع فعل هذا، لم تعد في مخيلته فقط، بل أصبحت أمامه، يتحدث معها، وينظر لها، ويستطيع لمسها لولا الرقابة!
في لحظة واحدة كان يقبض على كفها بنفس اللحظة التي اصطدم ظهرها بصدره، كل ما حدث لم يأخذ ثانيتان ولا يعرف أحدهما كيف أصبحا متلاصقان هكذا! كل ما في الأمر أن الخلاط الكهربائي الذي استخدمته لصنع المشروب أصابها بماس كهربائي طفيف جعلها تنتفض للخلف، بنفس اللحظة التي لاحظ هو بها ما حدث فاندفع يبعدها عنه ليصبح المشهد كما هو الآن، ملتصقة بصدرة وكفه الأيسر يقبض على معصمها الأيسر، لم يتعدى الأمر الثانية الواحدة قبل أن يبتعدا، ولكنها كانت كفيلة لبعث الكثير من التساؤولات، والمشاعر!
انتفاضة أصابت قلبها حين شعرت بهِ خلفها، ورعشة لذيذة سرت في جسدها أثر تلامسها معه، ولكن تلك اللمسة لم تكن عادية بطبيعة الوضع الذي هما فيه، لكنها كانت رعشة خاصة، ترتبط بشيء ما في الماضي البعيد!
“حين تتشتت ذاكرتك، وتفقد ذكرياتك، تتبع دقات قلبك، فإنها.. لا تخيب!”
زفرت أنفاسها بتوتر بالغ وهي تشعر بقلبها يعيد التعرف عليه، بالأمس شعرت بؤلفة عيناه، واليوم شعرت بؤلفة لمسته!
وعنه فقلبه استكان بعد ركضًا طويلاً قُطعت فِيهِ أنفاسه، منذُ قليل اشتكى من عدم شعوره بلمستها، وكانت هي الناقصة لتكتمل صورة واقعها لديه، وها قد حدثت، فبات قلبه متأكد من وجودها، وعودتها، وهويتها، فإن كان لديهِ شكًا ولو واحد بالمئة من كونها هي نفسها “حبيبته” فالآن بات موقنًا من هويتها الحقيقية، قلبه عرفها.. كما عرفتها روحه بالأمس، وجسده تعرف على لمستها كما كان يفعل سابقًا.
لملم شتاته وأجلى حنجرته وهو يقول:
_ خليني اشوف الخلاط ده بيكهرب ليه.
تنحت بعيدًا وهي تخبره بقلق:
– حاسب ليكهربك.
هز رأسه لها وهو يتفحصه بعناية، بينما وقفت هي تتابعه بقلق من أن يؤذيه مثلما فعل معها منذ قليل، ولا تعرف هل هي قلِقة على شخصه، أم قلقها طبيعي كقلقها لأي شخص آخر محله..!!
______________
ها هي تخطو اولى خطواتها صوب “القاهرة” أو “مصر” كما يسمونها أهل القرى، وكأنهم يعتبرونها ممثلة عن مصر بأكملها، ووجدتها كما يقولون، تعج بالكثيرون، والزحام المروري المتكدس رحب بها من الوهلة الأولى، الأبخرة المتصاعده مع الهواء جعلتها تشتاق لنقاء هواء بلدها، التفت لخالها حين استمعت له يقول:
_ مالك مصدومة اكدة من وجت ما اتدلينا مصر.
_ زحمة جوي يا خال.
رددتها بينما عيناها تدور بتفحص من حولها لكل شيء يمر بجانب السيارة المستقلان بها، ضحك “منصور” على اندهاشها الواضح، وغمغم بتفهم:
_ بكره تتعودي على زحمتها.
هزت رأسها بلاهتمام وهي تتابع حركة السير وتركض عيناها فوق المحلات والمستعمرات السكنية، تتعرف على الحياة الجديدة التي تخطو إليها في سبيل تحقيق ذاتها ونجاحها.
_____________
اسبوع مرَ على ابطالنا بسلام..
تغيرت حياتهم بمختلف الأحداث، ربما ليست أحداث مهمة لكنها حققت تغيرًا ما..
القى نظرة أخيرة على ذاته في المرآة معدلاً من سترته الكحلية، وتأكد من ترتيب خصلاته، قبل أن يلتقط هاتفه ومفتاح شقته وباقي اغراضه واغلق نور الغرفة خارجًا من الشقة بأكملها قاصدًا حفل عائلة وهدان المدعو له، اغلق باب شقته وكاد يتجه للدرج، لكنه توقف على صوت فتح باب الشقة المقابلة وظهرت “فريال” من خلفه ملتفة بوشاحها الأسود أعلى جلبابها المنزلي، وأردفت:
_ باهر أنتَ خارج؟
ابتسم بهدوء وهو يجيبها:
_ ايوه، محتاجة حاجة اجبهالك وأنا جاي؟
اتسعت ابتسامتها للطفة وبدلاً من أن تجيبه على سؤاله حدقته بنظرات مرِحة، قبل أن تقول مُغازلة:
_ ايه الشياكة والألاجة دي؟ وه شكلك وكأنك رايح تتجدم لعروسة.
اتسعت ابتسامته فبرزت الحفرتان المزينتان لوجنتيهِ وهو يساير مرحها:
_ يعني ميمشيش معاكِ اني رايح حفلة مهمة وعشان أنا دكتور لازم اهتم بشياكتي.
نفت برأسها وهي تضيق عيناها بتفكير زائف:
_ له، مامشيش.
ضحك بخفة وهو يخبرها غامزًا لها بجانب عيناه:
_ عشان هو فعلاً مش ده السبب.
اتسعت عيناها بشكل مضحك وهي تسأله بعدم تصديق:
_ هو في عروسة بچد؟ لا متجولش! بجى في عروسة وبتداري علينا يا باهر؟ لا ومفهمنا انك محترم!
ضحك على سخافة حديثها وهو يعقب باستنكار:
_ يعني لو في عروسة هبقى مش محترم؟ أنتِ هبلة يابت؟
انتبهت لِمَ قالته فوضحت مقصدها:
_ مجصديش، بس كنا ابتدينا نشك انك مهتحبش صنف الحريم كله، من كتر ما كنت بتجفل أي كلام يتفتح في موضوع جوازك، طلع في واحده واحنا مش عارفين.. طب ايه الي معطلك تتجوزها؟
هز رأسه بيأس منها وهو يقول:
_ مين قالك إني اعرف واحدة؟ ومين قالك اني اعرفها من زمان، لأ وفي حاجة معطلاني اتجوزها، أنتِ بتخترعي كلامك من دماغك؟
_ وه! مانت لساتك جايل اكده!
_ انا مقولتش فيه عروسة، انا قولت ان سبب شياكتي مش الحفلة بس مش معناها ان في عروسه! وعشان تفهمي اكتر، مش عروسة ولا حاجة، كل الحكاية انها بنت حاسس ببوادر إعجاب من ناحيتها، وهتكون موجودة في الحفلة.. ده كل الحوار.
رفعت حاجبيها بتفهم للأمر وقالت بغمزة:
_ اعجاب، جولتلي، يلا ربنا يهني سعيد بسعيدة.
رفع جانب شفته العليا باشمئزاز وأشار لها برأسه مردفًا:
_ امشي يابه ادخلي جوه واقفلي الباب، قال سعيد وسعيدة قال..
رمقته بجانب عينها بضيق وهي تغلق الباب في وجهه بشدة، ليتملكه الغيظ وهو يرفع صوته كي تسمعه:
_ يلا يالي مشوفتيش رباية.
عدل سترته للمرة الألف قبل أن ينزل الدرج لاسفل فيكفي ما أضاعته تلك المعتوهة من وقت..
_______________
في غرفة مكتب “حسن وهدان” جلس قبالته نجله “مراد” الذي انتهى للتو من ترتيب اوراق الصفقة الأخيرة وعرضها عليه كي يقوم هو بدوره بعرضها على مرؤوسه، احنى “مراد” رقبته قليلاً بارهاق وأردف بنبرة مرهقة أكثر:
_ كده تمام، الورق كله اتستف وجاهز انك تسلمه.
اومئ “حسن” برأسه وقد رجع بظهره للوراء باسترخاء هو الآخر، وقال:
_ كويس اننا خلصناه، البوص مستعجل عليه.
اومئ الآخر برأسه بعدم رد، لكن تحفزت كل ذرة بجسده الذي تصلب لوهلة وهو يستمع لوالده يقول:
_ مقولتليش يعني إنك لقيت خديجة، ده أنا حتى كنت هفرحلك.
ثُبت نظراته القوية على “حسن” لقليل من الوقت، كأنه يزحزح ثبات الآخر بتلك النظرات قبل أن يسأله بعدم راحة وحذر:
_ وأنتَ عرفت منين؟ ولا مخلي حد يراقبني؟
لوى فمه ساخرًا وهو يجيبه:
_ يراقبك؟ أنا مش محتاج اعين عليك رقابة عشان اعرف اخبارك، انا اخبارك بتجيلي من غير مجهود، ولا نسيت مين حسن وهدان؟
لم يهتم بكل هذه الهرتلة في الحديث، وهو يرفع كتفه بلامبالاة قائلاً بنبرة جامدة:
_ معتقدش كان هيهمك تعرف حاجة زي دي، يمكن لو كنت شايفك مهتم بموضوعها اصلاً كنت عرفتك اني لاقتها.
وحتى هو لم يهتم بحديثه، وكأن الولد والوالد يتطبعا بنفس الطبع! وأردف بسخرية بطنت جوانب حديثه:
_ وهي برضو الي خلتك تروح تشتغل مرمطون في مطعم؟
ابتسم باستفزاز له:
_ هي تعمل الي هي عاوزاه.
وبالفعل نجح في استفزاز الآخر وإثارة غضبه حين ضر*ب بقبضته على المكتب بعدما اعتدل في جلسته، وظهر الغضب جليًا على وجهه وهو يهتف بصوتٍ مرتفعٍ:
_ بطل استفزاز، أنتَ ازاي تسمح لنفسك تبهدل نفسك وتنزل بمستواك كده، بقى ابني أنا، ابن حسن وهدان يروح يشتغل جرسون في مطعم عشان حتة ب…
قاطعه “مراد” على التو بعدما تحفزت ملامحه للغضب والشجار، وأردف من بين أسنانه بنبرة محذرة:
_ كلمة واحدة عنها متعجبنيش، تصرفي مش هيعجبك.
اهتاج “حسن” اكثر لتهديده فسأله صارخًا بغضب:
_ هتعمل ايه يا مراد بيه؟ هتض*ربني؟
نهض “مراد” بجسد متصلب ونظرات غاضبة، وأردف بنبرة هادئة لكنها حملت وعيدًا واضحًا:
_ في حاجات عندي لو اتعرفت مش هتتبسط.
نهض يواجهه وهو يسأله بعدم فِهم:
_ حاجات، حاجات ايه؟
أخرج علبة سجائرة، والتقط واحدة بين إصبعيهِ واخرج قادحته مشعلاً إياها بعدما وضعها في فمه، كل هذا تحت نظرات “حسن” المشتعلة من تصرفاته المستفزة، أخذ منها نفسٍ عميقٍ ثم أخرجه بتروي قبل أن ينظر للآخر ويسأله ببرود:
_ أنتَ عارف إني بحبها، والي بيحب مستعد يعمل اي حاجة عشان حبيبه، واعتقد إنك عملتها قبلي ولا ايه؟
لم يفهم “حسن” تغييره لضفة الحديث، لكن سؤاله الأخير نجح في استدراجه لفخه، فوجد ذاته يسأله مستفسرًا:
– قصدك ايه؟
أخذ نفسًا آخر من لفافة التبغ وزفره على مِهل قبل أن يجيبه:
_ قصدي إن ماما لما عرفت حقيقتك العلاقة انقطعت بينكوا، ايه الي خلاك متتجوزش عليها مثلاً! رغم انه حقك، بس أنتَ خوفت تاخد الخطوة دي عشان كنت عارف إنها هتقضي عليها، وعشان كده مفكرتش تتجوز لإنك بتحبها وخايف عليها، صح ولا غلط؟
هدأت انفعالات “حسن” قليلاً، وهو يستمع لتحليل ولده للوضع القائم بينه وبين والدته منذُ عدة سنوات، فأجابه بهدوء:
_ صح، رغم كل الي عرفته عني، والي مش سهل بالنسبالها، لكن كنت عارف إن ده كوم وحكاية جوازي عليها دي كوم تاني، كنت عارف هتأثر فيها ازاي، وهتوجعها ازاي، ورغم انها بتبين انها مش طيقاني طول الوقت، إلا أني في اوقات بشوف في عنيها نظرة حنين، النظرة دي عمري ما كنت هشوفها لو اتجوزت عليها.
_ وعرفت.
رددها “مراد” مكملاً حديث والده الذي نظر له بعدم فهم، ليعود ترديد كلمته في سياق الجملة:
_ عمرك ما كنت هتشوف النظرة دي لو اتجوزت عليها وعرفت..
انعقد حاجبي “حسن” بعدم فهم وهو يسأله:
_ قصدك ايه؟
نفسًا آخر اخذه بعمق قبل أن يخرج دخانه، وهو ينظر لوالده باستمتاع قبل أن يلقي عليهِ قنبلته المدوية، والتي أردف بها بنبرة متلذذة وهو يجيبه:
_ قصدي إنك محبتش تتجوز عليها وهي تعرف عشان السبب الي قولته، لكن تتجوز عليها من غير علمها ده مكانش عندك مشكلة فيه… وده يخليني مفهمش حبك ليها الحقيقة، يعني أنتَ بتحبها وكل شوية في حضن واحدة شكل تحت مسمى جواز عرفي! بتعرف تعملها ازاي طيب! ده الواحد لما بيحب واحدة بيقرف من جنس الحريم كله وعينه مبتفكرش تشوف واحدة غيرها، ولا جسمه يقدر يقرب لواحدة غيرها، ازاي أنتَ بقى بتعملها مش عارف! ولا أنتَ مبتحبش ليلى وواهم نفسك ولا ايه حكايتك؟
شحوب وجه “حسن” بهذا الشكل كان قمة الامتاع لعين “مراد”، شعر بالانتشاء وهو يرى أثر الصدمة على وجهه، لقد صمت لسنوات ولم يرد فتح حديثًا في هذا الأمر كي يستغله في الوقت المناسب، وشعر إن هذا هو الوقت المناسب تمامًا.. “مراد” بإمكانه فضح والده أمام “ليلى” التي ستصدق ولدها دون مجهود أو دليل منهُ، وهذا ما أوصله لوالده الآن وبالطبع الآخر قد فهم الرسالة جيدًا، ابتلع “حسن” ريقه بصعوبة قبل أن يقول باضطراب:
_ أنتَ… أنتَ عرفت منين؟
ضحك ساخرًا وهو يجيبه بنفس إجابته منذ قليل:
_ من غير مجهود أخبارك بتوصلني، واعرف ده من زمان على فكرة، من ٣ سنين كده.. وأنا عارف إن جوازاتك دي اصلاً من بعد ما انفصلت عن ليلى تقريبًا.
جلس “حسن” على مقعده بقلة حيلة، يعلم جيدًا أن “مراد” لم يصمت كل هذا الوقت عبثًا، بل سيستغل الأمر لصالحه بطريقة ما هو يجهلها، وعلى أي حال ما باليد حيلة، فما عليهِ الآن سوى مسايرته، فأردف موضحًا موقفه:
_ انا متجوزتش على ليلى غير بعد ٤ سنين من انفصالنا، ومش معنى كده إني مبحبهاش، أنا بحب ليلى وهفضل احبها، بس كل راجل وله احتياجاته، وهي قفلت أي طريق يوصل بينا، مع ذلك محبتش تعرف بجوازاتي، رغم إني كنت اقدر اتجوز رسمي،او حتى مهتمش تعرف ولا لأ، بس معملتش ده لأني خوفت عليها، ومحبتش تكرهني بجد.
اطفأ “مراد” لفافته في المطفأة وهو يرفع شفته العليا مستنكرًا:
_ احتياجات! أنتَ لو بتحبها بجد مش هتعرف تشبع احتياجاتك دي مع حد غيرها اصلاً! مش تروح تتجوز ولا ١٠ عليها وتقول بحبها!
انفعل “حسن” عند هذه النقطة وهو ييضر*ب بقبضته فوق المكتب مرة أخرى وقال بوجهٍ محمرٍ:
_ مين قالك إني لاقيت راحتي معاهم! كوني اتجوزت كذا مرة ده مش اوحالك بحاجة؟ انا ولا واحدة منهم عرفت ارتاح معاها، وكل مرة بقرر اتجوز واحدة جديدة بقول يمكن دي الي تريحني، بس بكون غلطان، عشان كده مفيش واحده منهم استمرت معايا اكتر من ٥ شهور، أنتَ مش فاهم حاجة ولا فاهم الي بمر بيه، فياريت تسكت.
رفع منكبيهِ ببرود ولا مبالاة:
_ ميهمنيش افهم، بس يهمني ميكونلكش علاقة بأي حاجة تخصني او تخص خديجة، عشان انا الي يفكر بس يكون سبب في مشاكل بيني وبينها مش هعمل اعتبار هو مين ومش هبقى على حاجة.. واظن انك فاهم كلامي.
وايحائة الأخيرة كان واضحًا بما يقصده، وانسحب من أمام “حسن” الذي اطاح بعدة أشياء من فوق مكتبه أرضًا بغيظ، وقد نجح “مراد” باثارة غضبه وحنقه، فهل وقف أمامه يهدده بدمًا باردًا هكذا! هل أصبح إصبعه تحت ضرس ولده الذي لم يتخطى العشرون عامًا بعد! لقد هُزلت حقـًا! ولكنه عاد يفكر وعقله يدور حول حديث ولده، وسؤال واحد بدى يتردد على عقله هل كان حبه لليلى حبًا زائفًا!؟ هل بالفعل وُهم بحبها!!!؟….. والإجابة مجهولة..
_________________
عمومًا جو الحفلات لا يليق بهِ، ولا يستثيغه، ولكنه لا يدري السبب الحقيقي وراء تواجده هنا، هل هو من اجل بوادر اعجابه بها كما اعترف لفريال! أم فضولاً منه للتوغل في حياة تلك الفتاة التي أثارته بتصرفاتها العفوية وطريقة حياتها التي وضع حولها علامة استفهام، فلديه شعور داخلي بأنها تصطنع وان خلف حياتها المليئة بالعفوية والضوضاء حياة أخرى كئيبة لا يتسلل لها شعاع نور، وصدقًا يتمنى أن يكون مخطئ.
رأى “نبيل” مقبلاً عليه من بعيد، فشد قامته يستقبله بابتسامة هادئة، فسمع الآخر يقول بينما يمد يده ليصافحه:
_ ازيك يا دكتور، منور الحفلة.
صافحه “باهر” بود:
_ الحمد لله، اخبار حضرتك ايه؟
_ تمام، وادي المدام جت ترحب بيك بنفسها اهي.
التف فوجد تلك السيدة الأنيقة، المرتدية لثوب بني ناسب سنها وشياكتها تمامًا، تقبل عليهِ مبتسمة، وحين أصبحت أمامه مدت يدها تصافحه بابتسامة، مرددة:
_ اهلاً دكتور باهر.
صافحها وهو يقول:
_ اهلاً بحضرتك، ماشاء الله هو التعب بيحلي كده؟!
ضحكت برقة وهي تضيق عيناها التي تشبه عينا ابنتها:
_ دول عنيك الحلوين يا دكتور، والله ياريت كل الدكاترة زي حضرتك كده.
_ والله في مني كتير، خصوصًا بقى لو تحت التدريب زي حالتي كده.
قاطع حديثهم إشارة “نبيل” على موضع ما وهو يقول بابتسامة:
_ اهي برنسيس الحفلة ظهرت اخيرًا.
التف بنظره ناحيتها، فاختفت ابتسامته رويدًا وهو يرى ما ترتديه، سحقًا ووالدها يبتسم! لقد كان فستانًا بحمالة واحده مائل يأتي من الناحية اليمنى ليزين كتفها الأيسر، بلون زهري رائع، ولكن ما له قصير لهذا الحد! بالكاد يصل لأسفل فخذيها، ومجسم بشكل مستفز لمنحنياتها، ووالدها يبتسم..!!!
_هاي يا جماعة.
عقبت والدتها مبتسمة:
_ ايه القمر ده ياروح مامي.
_ ثانكس مامي، وأنتِ كمان تجنني.
قالتها بابتسامة رائعة، وأعين لامعة فرحًا وزهوًا، ثم التفتت له ترحب بهِ مبتسمة:
_ هاي دكتور باهر، نورت البارتي.
ابتسم لها بالكاد وهو يجيبها بهدوء:
_ شكرًا.
_ تعالى يا نبيل نسلم على الوزير وعيلته وصلوا اهم.
وانسحبا الوالد والوالدة، نظرت له مبتسمة برقة، وهي تأخذ خطوة واحدة تجاهه وقالت محاولة فتح حديث:
_ اصل دادي كل معارفه ناس مهمة..
لم يستطع مواكبة حديثها، فرد باقتضاب:
_ كويس.
عقدت حاجبيها باستغراب من رده المقتضب، ولكنها لم تعقب، وقررت الخوض في حديث آخر، فسألته وهي تدرك الإجابة جيدًا والتي بالطبع ستكون اطراءًا كبيرًا:
_ايه رأيك في الفستان؟
وبغبائها اعطته الفرصة على طبق من ذهب، فبدون أن يطالع فستانها، اجابها ونظراته الساخرة مثبته على وجهها:
_أنتِ شحتاه؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم تسأله:
_ شحتاه؟ يعني ايه؟
وضح مقصده وهو يقول بنبرته التي بدت جادة:
_ واخداه من حد يعني؟
اتسعت عيناها برفض:
_ of course not, انا مستحيل البس مكان حد!
لوى فمه ساخرًا وهو يخبرها:
_ اصله صغير عليكِ، فبالنسبالي بالمنظر ده، شحتاه.
وكان ردها شهقة خرجت منها كادت تزهق روحها…
الفصل الثالث والعشرون “تسلل مشاعر”
“الحقيقة أن المشاعر لا تأتينا دفعة واحدة، بل تتسلل إلينا رويدًا رويدًا دون شعور منا، ولا نشعر بها إلا بعد أن تتمكن منا تمامًا، ويصبح الهرب منها مستحيلاً”
تأفأف بنزق وهو يراها تتجنبه منذُ أخبرها عن رأيه في فستانها، أليست هي من سألته عن رأيه؟ لم تعقب فقط شهقة غير مصدقة خرجت من فاهها قبل أن تحدقه بنظرة نارية وتنسحب، ومن وقتها ونظراتها الحانقة لا تتركه، كلما نظر إليها يجدها تنظر له بغيظ وحنق واضحان، وفي مرة منهما انفلتت ضحكة من فاهه أثر نظرتها التي بدت طفولية حانقة، وكأنه أخذ منها الحلوى! استغل انفرادها أخيرًا بعد نصف ساعة تتجول من هنا لهناك، واتجه لها حين رآها تقف أمام طاولة المشروبات لترتشف قليلاً من العصير، فاتجه لها ووقف خلفها يقول:
_ هتفضلي ترميني بالنظرات كده كتير؟!
لم تلتفت له وهي تجيبه بنبرة فاترة:
_ نظرات ايه، أنا جيت جنبك.
رفع حاجبه باستنكار وهو يردد كلمتها بتقليد:
_ أنا جيت جنبك! نظراتك باينة على فكرة، واضح إنك اتضايقتي من رأيي بس أنتِ الي سألتيني.
التفت له وقد تملكها الغيظ وهي تهتف بنبرة نزق:
_ طلبت رأيك عشان فكرت إنك هتقول رأي كويس، لكن لو كنت اعرف رأيك ده عمري ما كنت هطلبه، ثم في زوق في ابداء الرأي، في طريقة لطيفة توصلي بيها رأيك مش بالطريقة السخيفة الي قولتها دي.
شعر بأنه قد أخطأ في طريقة ابداءه لرأيه لها، ربما تجاوز قليلاً، وليس له حق في أن يبدي رأيًا سخيفًا هكذا، فما كان عليهِ سوى أن يقول كلمة جيدة حتى وإن كان نفاقًا، فما دخله هو إن كان الفستان صغيرًا أو واسعًا ومهرتلاً! وهذا ما جعله يقول بهدوء:
_ معاكِ حق، سوري مقصدتش اضايقك كده، وعمومًا مادام لبستي الفستان يبقى عاجبك، مش مهم رأي الناس فيه.
رفعت رأسها بكِبر وهي تقول بأنفة:
_ عاجبني طبعًا، ومش مهتمة برأي حد.
ابتسم بهدوء وهو يخبرها:
_ كويس، ده الصح.
نظرت حولها بمتابعة زائفة لأحداث الحفل قبل أن تعود له بنظراتها وهي تسأله بصوتٍ خافتٍ:
_ هو.. هو بجد وحش؟
نظر لها وهو يتصنع الغباء وسألها:
_ هو مين؟
زفرت بضيق موضحة:
_ الفستان.. أصل يعني عمر ما حد قالي على حاجة لبساها وحشة، دايمًا بينبهروا بلبسي.
قلب شفتيهِ بدون اهتمام وهو يعقب:
_ مقولتش انه كفستان وحش، هو زوقيًا لطيف، لكن اخلاقيًا مش قد كده.
_ على فكرة أنتِ بتعك!
رددتها بتنبيه وأعين متسعة فكلما شعرت بقوله شيئًا جيدًا يفاجئها بحديث اكثر انعدامًا للذوق، ابتسم لها ببرود مُصرًا على رأيه:
_ مقولتش حاجة غلط، انا بس بوضحلك، يعني أنتِ مش شايفة انه أوفر! يعني قصير زيادة عن اللزوم،هو مداري ايه أصلاً.
لالا لايمكنها الصمت عن تبجحه هذا اكثر، نهرته للمرة التي لا تعلم عددها وهي ترمقه بنظرات حارقة مقرنة بقول حاد:
_ Watch your language, please, ثم أنا مش هسمحلك تتكلم بالطريقة دي عني.
_ لا إله إلا الله مش أنتِ الي مُصره تعرفي رأيي!
جعدت ملامحها باشمئزاز وهي تقول:
_ لأ، بجد مش عاوزه اعرف، تعرف تسكت بقى.
رفع منكبيهِ بلامبالاة وقال:
_ سهلة، اديني سكت.
واستمر الصمت لعدة دقائق بالفعل، حتى قطعته هي للمرة الثالثة وهي تسأله بضيق:
_ يعني لو عملتله extension “توصيل” هيكون حلو؟
كبت ضحكته بصعوبة وهو يجيبها بجدية:
_ هيكون برفيكتو.
رفعت حاجبيها المنمقان وهي تردد:
_ برفيكتو دي الي هي perfect؟ “ممتاز”
اومئ مبتسمًا، وبنظرة سريعة على فستانها اخبرها:
_ ومتنسيش تعملي كتف تاني عشان شكلهم نسيوا يعملوه.
وانهى جملته وذهب من أمامها منسحبًا من الحفل بأكمله، تاركًا إياها تطالعه بنظرات مندهشة غير مصدقة لطريقته معها! متى رفعت الحدود بينهما ليتعامل بأريحيه هكذا!؟
ولكن أريحيه راقت لها…!!
___________________
اليوم التالي.. عصرًا..
جلست فوق أحد كراسي شقتها الصغيرة، ممسكة بالهاتف بيدها وعلى شاشته أحد الأرقام التي تتردد في الاتصال بصاحبها، مرت أيام ولم يفكر هو في الاتصال بها، وهذا ما دفعها لأخذ هذه الخطوة، فيبدو أنه لن يقبل على مهاتفتها، فلتفعل هي، ربما لديه عذر ما، ربما مشغول بعمله ومسؤولياته، وأخذت تعدد الأعذار له حتى وجدت إصبعها يضغط زر الاتصال عليهِ، وبالفعل اتاها جرس الانتظار وقلبها ينتفض مع كل دقة، تشعر بالتوتر، والخجل في آنٍ واحدٍ، لكنها تعود لتذكر ذاتها بأنه زوجها، فلا حرج إن بادرت هي مرة.
أتاها صوته الخشن وهو يجيب على الهاتف:
_ السلام عليكم، مين؟
صوته اربكها ووترها أكثر، ولكنها استجمعت نفسها وهي تجيبه بصوتها الهادئ الرقيق:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا.. أنا فريال يا إبراهيم، كيفك ياواد عمي؟
اتاها رده المقتضب:
_ بخير، كيفك أنتِ؟
انفرج ثغرها بابتسامة وقد شعرت بقرب تبادل الأحاديث بينهما كما خططت وأجابته:
_ بخير، أنا جولت اكلمك اطمنك عليَّ، اكيد مشغول، باهر الله يكرمه لجالي شجة جدام شجته طوالي، وطول اليوم بيطمن عليَّ ويسألني إن كنت رايدة حاجة.
استمعت لهمهمة خافتة صدرت من الجهة الأخرى، فشجعتها على الحديث أكثر، فأكملت وهي تقول:
_ الدراسة هتبدأ من اول السبوع، يعني كلها يومين وهنزل الجامعة، حاسة إني خايفة بس باهر جالي إن ده طبيعي وشو…
قاطعها صوته حين قال باستعجال:
_ طيب يا فريال مضطر اجفل عشان مشغول، هبجى اكلمك، سلام.
واغلق الهاتف قبل أن ترد تحيته، امتعضت ملامحها، وانتابها الحزن لدقائق بعدما وضعت الهاتف جانبًا وشردت بفكرها في طريقته معها، ولكن سرعان ما حاولت اقناع ذاتها بحقائق باطلة، وهي تبرر له بأنه بالتأكيد لديه عمل هام وسيعاود مهاتفها، فلا دعي لأن تحزن..
__________________
ضحكت بخفة وهي تستمع لحكاوي “رنا” عن جارتها التي تتشاجر معها يوميًا تقريبًا، والأولى لا تقصر في افحام الأخرى بردودها، وكل يوم تسرد على مسامع “خديجة” ما حدث، ومهما نصحتها لا تستمع لها، فأصحبت تسمع وتضحك وفقط، استمعا لصوت “مراد” الذي دلف للمطعم للتو وهو يلقي التحية عليهما بابتسامته الساحرة التي تجعل عيناه تلمع:
_ مساء الخير يا بنات.
وكانت “خديجة” هي أول من اجابته بلهفة حاولت اخفاءها:
_ مساء النور، اتأخرت ليه؟ ده أنا فكرتك هتاخد النهاردة اجازة.
ولم تخفي لهفتها عنه، فاتسعت ابتسامته، وازدادت لمعة عيناه وهو يجيبها:
_ هاخد اجازة بمزاجي عشان يتخصملي يومين! لا كان عندي مشوار بس قولت اخلصه الأول.
اومأت برأسها وقد شعرت بتسرعها في السؤال فعادت لِمَ تفعله، واتجه هو لتبديل ملابسه والبدء في عمله، ولم يمر الأمر مرور الكرام بالنسبة ل “رنا” التي عقبت بمرح وهي تنكز “خديجة” في ذراعها:
_ هي ايه العبارة! مالك ملهوفة كده في سؤالك له!؟
رفعت “خديجة” أنظارها لها بتوتر طفيف، لكنها ردت بثبات:
_ لهفة ايه! انا كنت بسأله عادي، بلاش خيالك يسرح يا رنا.
لم تقتنع “رنا” بحديثها لكنها لم تشاء أن تطول في الأمر فقالت:
_ بكره كله يبان، ياخبر النهاردة بفلوس.
_يوه، هتبدأي سخافة مش نقصاكِ.
أردفت بها “خديجة” وهي تبتعد للجهة الاخرى، فضحكت “رنا” بخفوت والتزمت الصمت، دقائق وخرج “مراد” بعدما بدل ثيابه، ووقف أمامها يسألهما وعيناه على خديجة تحديدًا:
_ ها في طلبات؟
ردت “رنا” هذه المرة:
_ اه في طلبين بنجهزهم اهو.
لم يعقب على حديثها سوى بهمهمة بسيطة وهو يتابع” خديجة” في الخفاء بعيناه، كعادته في الأسبوع المنصرم، ربما تقاربا من بعضهما قليلاً، لكن هذا القليل لا يكفيه، لذا سيحاول التقرب أكثر، ولكنه يجهل الطريقة للآن، انتبه على سؤال “رنا” ل “خديجة” :
_ مقولتيش الراجل الي اسمه البغل ده كلمك تاني؟
التفت لها “خديجة” بحاجبين منعقدين وهي تسألها بعدم فهم:
_ بغل؟ تقصدي مين؟
أشاحت “رنا” بذراعها وهي تقول:
_ الراجل ده الي زين اتخانق معاه عشان مراته الي ض*ربها.
ضحكت وهي تهز رأسها بعدم تصديق مرددة:
_ تقصدي الوحش! بقى بغل امتى؟ بس تصدقي لايق عليه فعلاً.
_ هو اتعرضلك؟
خرج هذا السؤال من “مراد” الذي لم يعنيه مزاحهما بهذا الشأن، فقط توحشت عيناه وهو يرجح احتمالية تعرض ذلك الأبله لها، وربما نظرته هذه لم يستطع اخفاءها، فسرت رعشة غريبة بجسدها أثرها، شعرت لوهلة بأنها تعلم هذه النظرة الداكنة، المنذره بشر قادم، تذكرها بشيء ما، شيء يتعلق بالماضي، كتلك النظرة التي لطالما رأتها في عيني “مراد” حين تشكو له من ض*رب والدتها أو شقيقتها لها، نفس النظرة ونفس لون العينان الذي دكن الآن، هل كل هذا صدفة! هل بالفعل مجرد صدفة تربط بين الشخصيتين، أم هناك شيء أقوى بكثير يربطهما!
حاولت تجاهل الصوت الذي يصرخ بداخلها بأشياء إن صدقتها لفرت هاربة الآن، أو سقطت مغشى عليها، واجابته بنبرة مهتزة قليلاً:
_ مش بالضبط.. هو بس وقفني من يومين كده وسألني عنك، عاوز يعرف معلومات يعني أنتَ مين ومنين وكده، بس قولتله إني معرفش حاجة، فمصدقنيش وفضل يهددني إني لو مجاوبتوش على اسئلته بدل ما هيكون تاره معاه هو بس هيكون معايا أنا كمان، بس أنا قولتله إني معرفش حاجه عشان اقولهاله أصلاً، فقالي يبقى أنتِ الي اخترتي وسابني ومشي.
ضغط على أسنانه بقوة كادت تطحنها قبل أن يسألها بحذر:
_ اتعرضلك تاني؟
نفت برأسها وهي تجيبه:
_ لأ، مشوفتوش من يومها، بس مراته جاتلي امبارح وحذرتني منه، قالتلي كمان احذرك منه عشان هو اكيد مش هيخلي الي حصل يعدي بالساهل، كونك بهدلته قدام المنطقة كلها وقليت منه ده مش هيعديه، وسكوته مش خير أبدًا، حتى قالتلي أنه ردها.
_ ردها؟ ازاي؟ ماهو طلقها بالتلاتة قدام الكل!
شرحت له بهدوء:
_ ماهو الطلاق بالتلاتة في المرة الواحدة بيعد طلقة واحدة وحقه يردها في أي وقت.
ض*رب الطاولة بيده بغيظ وهو يردد:
_ ابن الك**، ماشي هيروح مني فين.
تركت ما بيدها واتجهت له حتى أصبحت أمامه فسألته بضيق واضح:
_ وأنتَ مالك بالموضوع؟ لحد هنا وكفاية ميخصكش الي يحصل بعد كده، الراجل ده شراني ومحدش يقدره، وأنتَ مش مضطر تعك نفسك معاه.
بداخله انشرح لشعوره بخوفها وقلقها عليه، ولكن غضبه من ذلك الأحمق جعله يعاندها وهو يقول:
– الست اتحامت فيَّ، وكنت فاكر إني خلصتها منه، لكن قولتيلي انه ردها واكيد ده غصب عنها، وغير كده بقى تعرضه ليكِ مش هعديه على خير.
رفرفت بأهدابها توترًا من جملته الأخيره وحاولت الثبات أمام نظرات عيناه التي تربكها وهي تقول:
_ إذا كان على الست فهي الي قالتلي خليه يبعد عن طريقه، وإن كان عليَّ فهو ماتعرضليش ولا حاجة هو سألني عليك ومن بعدها مشفتوش.
لم يهمه مبرراتها ولم يعنيه ما قالته بأكمله، لكنه قرر تمرير الأمر الآن وهو يقول:
– خلصتوا الطلبات؟
وهي بفطنتها أدركت تهربه من الحديث لعدم اقتناعه، فلوت فمها بضيق وهي تنسحب مبتعده لتكمل عملها..
توحشت نظراته وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى، يقسم أنه سيذيق ذلك الوحش أشد عذاب إن لمحه يمر من أمام المطعم حتى..
__________
_خلاص يا هاجر كفاية.
هتف بها “دياب” بضيق بعدما سأم من كمية الأوراق التي قام بإمضاءها، ابتسمت له “هاجر” بلطف وهي تخبره:
_ خلاص يا دياب باشا باقي خمس ورقات بس.
وبالفعل بعد ثانية واحدة كانا انتهيا من امضاء الورق، فاسترخى “دياب” على كرسيه، ورتبت “هاجر” الأوراق بعناية تحت نظراته المتفحصه لها، وفجأه وجد ذاته يسألها:
_ أنتِ عمرك ما فكرتي تتجوزي يا هاجر؟
رمت نظرة سريعه له قبل أن تعود لِمَ تفعله وبضحكة ساخرة أجابته:
_ اتجوز واسيبك يا باشا!
_ لا بتكلم جد.
انتهت مما تفعله فوقفت باستقامه تجيبه بجدية:
_ شغلنا مينفعش يكونلك فيه نقطة ضعف، وأنا ربنا كرمني إني مليش عيلة، يعني مليش حد اخاف عليه، او يتلوي دراعي بيه، اقوم انا بقى اجيب نقطة ضعفي بنفسي! بعدين الي بيشتغلوا شغلتنا دي ميجيش معاهم الجواز سِكه.
هز رأسه باقتناع تام وهو يقول:
_ معاكِ حق، أنا اقتنعت.
ضحكت بمرح وهي تعقب:
_ كويس، همشي أنا بقى.
_ متنسيش تروح تستلمي عربون الصفقة الجديدة بكره من بورسعيد.
_ مش ناسية متقلقش، سلام.
هز رأسه دون إجابة وتابعها حتى خرجت تمامًا، فردد باقتناع:
_ ميجيش معانا الجواز سِكة..
______________
انتهت من عملها وبدلت القميص الخاص بالعمل بقميصها الخاص، واتجهت للخروج وهي تودع “رنا” على باب المطعم، وما إن ذهبت الأخيرة وكادت هي أن تتحرك لوجهتها حتى استمعت لصوت خطوات خلفها، فالتفت فجأة حتى كاد يصطدم بها حين توقف على بُعد سنتيمترات معدودة، شهقت بخضة وهي ترتد للوراء مرددة:
_ ايه ده؟ أنتَ ورايا بتعمل ايه؟
أجابها بهدوء تام:
_ جاي اوصلك.
اتسع بؤبؤ عيناها بعدم تصديق لاجابته، يصلها! لأين؟ وهذا ما عبرت عنه وهي تسأله باستغراب:
_ توصلني ايه؟ ده أنا بيتي في اخر الشارع!
رفع حاجبيهِ بمرح وهو يعقب:
_ أنتِ قولتيها اهو آخر الشارع مش أوله، هو آخر الشارع ده قريب!
ضحكت بعدم تصديق وهي تقول:
_ أنتَ بتهزر يا زين؟ يلا امشي ميصحش وقفتنا كده.
في كل مرة تذكر فيها اسمه المستعار يتصدع شيئًا بداخله، في كل مرة تنطق فيها باسم “زين” يتمنى لو تنتهي هذه المسرحية السخيفة ويستمع لاسمه بدلاً عنه، يتمنى لو يغمض عينيهِ ويفتحها ليجدها تعرف حقيقتها، والأهم تتقبله، ليس سهلاً أن تحتل مكانة لدى حبيبك بشخصية مستعارة، ليس سهلاً أن تتقبل كل مشاعره برحابة صدر وأنتَ تعلم أنها ليست موجهها لشخصك بل لشخص وهمي ليس له وجود، حتى وإن كان كل الأمر يتعلق بكنية زائفة وهوية مؤلفة..
حاول تغاضي كل مشاعره السلبية الآن وهو يقول بجدية:
_ مش مطمن للراجل ده، خليني اوصلك اضمن.
هزت رأسها ببساطة وهي تخبره:
_ على فكرة هو بقاله يومين مقربليش، فاعتقد انه مش ناوي يقربلي تاني، والا مكانش صبر يومين يعني.
رفع منكبيهِ بجهل:
_ مش عارف بس مش مرتاح.
ابتسمت بحب لخوفه الصادق عليها، وكم امتنت لِمَ شعرت بهِ في هذه اللحظة، كونها مهمة لأحدهم، كون أحدهم يخاف عليها، مشاعر فقدت حلاوتها منذُ زمن، وكم راقها أن تشعر بها الآن، قالت بهدوء:
_ بجد شكرًا على اهتمامك ده، بس بجد مفيش داعي توصلني، اتفضل يلا.
زفر بضيق وهو يشعر بعدم الراحة حقًا، وقلما يخيب شعوره هذا، لكنه رأى الاصرار في عيناها ففضل الانسحاب:
_ ماشي، قولي رقمك بقى عشان اطمن عليكِ لما تروحي.
قالها بعدما فتح هاتفه وضغط رقمين الصفر والواحد، ثم رفع رأسه لها يسألها:
_ ٠١٠،ولا ٠١١..
رفعت حاجبيها بعدم تصديق لجرأته، ولم تجيبه، لتسمعه يزفر بضيق وهو يخبرها:
_ يلا يا بنتي.
هزت رأسها بعدم تصديق لأفعاله وقالت:
_ بجد مش طبيعي… اكتب..
قالتها وقد قررت أن تعطيه رقمها حقًا! لشعورها أنها ستحتاجه، وتتمنى أن يخيب هذا الشعور.
انتهى من تدوين رقمها فاغلق الهاتف وأشار لها بتوديع:
_ يلا مع السلامة.
_ مع السلامة.
رددتها بهدوء والتفت ذاهبه في طريقها والابتسامة لم تفارق وجهها، بينما هو أشار لأحد الرجال المختبئين بالشارع ليأتي له فورًا، فأخبره:
_ تروح وراها وتطمن أنها دخلت بيتها، ومتمشيش من هناك سامع.
اومئ برأسه وانتظر قليلاً ثم انطلق يلاحقها دون أن تنتبه.
زفر انفاسه بقوة متمنيًا أن تكون بخير دومًا وألا يصيبها مكروه حتى وإن كان خدشًا صغيرًا، فخدشًا بها يصيبه هو بجرح غائر ينزف دون توقف..
________
صوت دقات عالية فوق باب شقته جعلته يتنفض من فراشه بعدما استيقظ من نومه العميق، نظر للساعه ليجدها الثانية صباحًا، فتمتم بقلق وهو يركض للباب:
_ استر يارب.
وصل للباب ففتحه فورًا بثياب نومه وعينيهِ النصف مفتوحة، فوجد حارس العمارة أمامه:
_ في ايه يا عم عبده؟
_ الحق يابيه الست قريبتك في دخانه جامده اوي طالع من مطبخ شقتها، وبقالي عشر دقايق اخبط عليها مبتردش.
اتسعت عيناه بذعر وهو يهمس بينهما قدماه ركضت للشقة المقابلة:
_ فريال!
وصل لباب شقتها فدق فوقه بعنف ولم يجد اجابة، فاستعان بالحارس ليض*ربا الباب سويًا بخطفهما حتى انخلع من مكانه، وهنا خرج دخان كثيف أعماهم عن الرؤية، واوشى بخطورة موقف المسكينة التي بداخل…
_______________
وصلت للبناية الساكنة فيها وصعدت درجاتها بارهاق بعد يوم طويل كالعادة، ولكنها شهقت بصرخة كُتب لها الكتم حين وُضع كف غليظ فوق فمها، مكبلة من الخلف بذراع قوية وكف يمنع خروج صوتها، وجسد بدى قويًا يصطدم بظهرها، كل هذا جعل جسدها ينتفض بقوة ودموعها تهوى بفزع، حاولت التملص أكثر من مرة لكنها لم تنجح، واستمعت لصوته الكريه يهتف بجوار أذنها…..
#يتبع
الفصل الرابع والعشرين “من أنتَ”
وصلت للبناية الساكنة فيها وصعدت درجاتها بارهاق بعد يوم طويل كالعادة، ولكنها شهقت بصرخة كُتب لها الكتم حين وُضع كف غليظ فوق فمها، مكبلة من الخلف بذراع قوية وكف يمنع خروج صوتها، وجسد بدى قويًا يصطدم بظهرها، كل هذا جعل جسدها ينتفض بقوة ودموعها تهوى بفزع، حاولت التملص أكثر من مرة لكنها لم تنجح، واستمعت لصوته الكريه يهتف بجوار أذنها:
_ بقى مراتي جاتلك عشان تحذرك أنتِ والواد ابن ال **** مني مش كده! هي بقى وخدتها جزتها، وجه وقتك تاخدي جزاتك عشان رفضتي تتعاوني معايا ووقفتِ في صف ننوس عين امه.
حاولت التملص وهي تتحرك بلا هواده والذعر تملكها أكثر، ولكن قبضته المحكمة عليها حالت دون ذلك، وفي اللحظة التالية كانت تتلقى عقابها كما أشار منذُ قليل، فوجدت رأسها تُصدم بالحائط المقابل لها بقوة طفيفة جعلتها تشعر بأن رأسها قد رُجت من الداخل، وانتابها دوار طفيف، جعلها تستند على الحائط بضعف بعدما تركها أخيرًا وهو يقول:
_ دي قرصة ودن بسيطة، المرة الجاية صدقيني هتندمي إنك وقفتِ مع واحد وقف في وش الوحش، وهعتبرك عدوتي زيه.
أنهى حديثه ونزل الدرج في ثواني تاركًا إياها وقد تهاوى جسدها أرضًا بتعب بعدما شعرت بسيل خفيف من الدماء يسير فوق جبهتها نزولاً لوجنتها اليمنى، ظلت هكذا لثواني حتى استطاعت أن تشعر بخفة الدوار فنهضت مستندة على الجدار لتصعد بعض الدرجات الفاصلة بينها وبين شقتها، وضعت المفتاح في الباب وفتحته ببطء كي لا توقظ شقيقها في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل ويفزعه مظهرها هكذا، ونجحت في أن تدلف دون ضوضاء، حتى وصلت لحمام الشقة والتقطت علبة الاسعافات الأولية واتجهت بها لغرفتها كي تداوي جرحها.
وقفت أمام المرآة تعقم الجرح وتمسح الدماء المنسدله منه وهي تتأفأف بغيظ محدثة نفسها:
_ أنا ايه دخلني في الموضوع من أصله! حاجه غريبة بجد أنا لا اتكلمت ولا اتنيلت ودخلوني في الموضوع بالعافية.
استمعت لرنين هاتفها فاتجهت له لترى من المتصل، وجدته رقم غير مسجل، وهذا جعلها تحتار هل تجيب أم لا، ولكن ض*رب في رأسها أن “زين” قد أخذ رقمها فلّعله هو المتصل! وهذا ما جعلها تفتح الخط مقررة القاء السلام ولكن قبل أن تقول أي شيء، وجدته يندفع كالاعصار وهو يسألها بهياج:
_ ابن ال**** ده كان بيعمل ايه في بيتك؟
ابتلعت ريقها مجفلة من اندفاعه الغير متوقع، وقد خشت نبرة صوته حقًا، فحاولت الرد بهدوء كي لا تخلق مجزرة على وشك الحدوث إن سمع “زين” منها ما لا يرضيه:
_ مفيش حاجه.. هو مجاش أصلاً.
استمعت لصياحه بها مرة أخرى:
_ متكدبيش، أنا متأكد انه كان عندك، هتخلصي وتقولي ولا اروح اسحله من بيته دلوقتي من غير حتى ماعرف عمل ايه.
حسناً هي ترى جانب في شخصيته لم تراه من قبل، ولم تتوقعه! ولكنها كانت محقة حين قررت عدم اخباره بما حدث، فأصرت على قرارها، واجابته ببعض الحقيقة وهي تخبره:
_ تمام، هو فعلاً كان هنا، كان مستنيني على السلم، وأول ما شافني هددني ان دي اخر مره هيحذرني فيها، وقالي انه عارف ان مراته جاتلي هنا، وانها جت تحذرني منه، وقالي لو اتدخلت في الموضوع تاني بأي شكل مش هيحصل كويس.. بس كده، ممكن تهدى بقى!
وهل سيهدأ وهو يسمع منها قدومه لها في دارها وتهديده السخيف ذاك! هل سيهدأ وهو يعلم أن أحدهم يطاردها وبث بعض الخوف في نفسها! لا لن يهدأ حتى يلقنه درسًا يجعله يتجنب رؤية ظلها حتى..
_ تمام.
فقط! فقط هذا ما قاله قبل أن يغلق الخط في وجهها! ولكنها لم تهتم كثيرًا وهي تفكر فقط، في سبب انفعاله الزائد هذا! ومن أين علم وجود الوحش في منزلها؟ هل يراقبها؟ ولِمَ يفعل؟ بدت تشعر بتصرفات غير مفهومة من جهته، تصرفات لا تصدر سوى من شخص مهتم! ولِمَ يهتم لها؟ هل تعجبه أم تراوده مشاعر تجاهها؟!
زفرت أنفاسها بقوة وهي تستشعر ارتفاع وجيب قلبها وقالت:
_ وبعدين بقى، بلاش افكر كده ليكون بيتعامل معايا عادي واكون وهمت نفسي على الفاضي.
وهكذا قررت بالفعل كي تنهي افكارها الغريبة التي بدأت تراودها..
——————-
فتحت عيناها للدنيا مرة أخرى وهي تشعر أنها حقًا قد عادت من الموت، التقطت أنفاسها المختنقة، واعتدلت في نومتها جالسة بعدما أبصرت “باهر” أمامها، نظرت له بتيه في بادئ الأمر حتى تذكرت ذلك الدخان الكثيف الذي قابلها فجأة حين فتحت باب غرفتها، كان كثيفًا لدرجة انها لم ترى أمامها وثواني ووجدت ذاتها غير قادرة على التقاط أنفاسها، شعرت بالاختناق، وكأن أحدهم يطبق على عنقها، مما جعلها تسقط فاقدة للوعي، وهي تشعر بأنها نهايتها..
تساقطت دموعها بخوف حقيقي حين عاد ذلك الشعور ليراودها مرة أخرى، وثواني وكانت تنساق لبكاء قوي أخرجت فيه كافة مشاعرها السلبية، وهو تركها لأنه يعلم حالتها الآن… حتى بدأت تهدأ فهتف برفق:
_ هديتي شوية؟
هزت رأسها بايجاب وهي تمسح دموعها، فسمعته يسألها باستفسار:
_ ايه الي حصل؟
ضمت شفتيها بأسف وهي تكبح بكاءها بينما تخبره:
_ مخبراش.. انا فجأة شميت ريحة دخان، افتكرت اني كنت سايبة الطاسة على النار وفيها زيت بيسخن عشان اجلي بطاطس، جريت افتح الباب لجيت دخانه رهيبة جابلتني معرفتش اوصل للمطبخ اصلاً، واتخنجت فوجعت على الأرض.
هز رأسه بيأس منها وهو يردف:
_ وبعدين يا فريال، انتِ مش ناوية تركزي شوية، من وأنتِ صغيرة وموضوع النسيان ده عندك مش طبيعي، مجرد ما بتنشغلي بحاجة تانية بتنسي الي كنتِ بتعمليه.
– اعمل ايه طيب هو بمزاجي!
_ ما أنتِ كده خطر تقعدي لوحدك.
أردف بجملته التقريريه وهو يفكر في حل لتلك المعضلة، حتى وجده أخيرًا، حين ض*ربت فكرة ما برأسه، فقال:
_ تحبي تروحي تقعدي مع خديجة؟
رفعت رأسها له على الفور تسأله بلهفة حقيقية:
_ هو ينفع؟
اومئ برأسه وهو يخبرها:
_ ينفع، بس هيكون بعيد شوية عن الجامعة.
– مش مشكلة، بس انا هكون مرتاحة اكتر.
اومئ برأسه متفهمًا، فهو يعلم ارتباطها بخديجة، واشتياقها لها منذُ غابت عنهم، وبالأخير هي فتاة مثلها فسيكون التعامل بينهما اسهل على أي حال، وستستطيع المكوث معها بنفس المنزل:
_ تمام، هكلمها اعرفها واشوف هتقول ايه؟
_ هي ممكن ترفض؟
سألت بها “فريال” بجبين مقطب استغرابًا، واكملت حديثها متسائلة:
_ هي زعلانة مني يا باهر؟ الي حوصل مكنش ليا دخل فيه، بس يمكن زعلانة مني عشان الي أمي سوته!
نفى برأسه وهو يجيبها:
_ لأ، ليه بتقولي كده! خديجة مبتاخدش حد بذنب حد، هي بس يمكن خافت تتواصل معاكِ ليعرفوا، وبقول هعرفها عشان طبيعي اعرفها الأول، اكيد مش هتطبي عليها فجأة كده.
لم تقتنع كليًا بحديثه لكنها قررت تمريره، فأومأت له برأسها بارهاق، فنهض هو قائلاً:
_ هروح انام بقى، وبكره هجيب حد يدهن المطبخ الي باظ ده عشان صحاب الشقة ميكتشوفش الي حصل، تصبحي على خير.
_ وأنتَ من أهل الخير.
رددتها وهي تنهض مغلقة الباب خلفه، ولم تعلم لِمَ لكنها شعرت برغبة ملحة لتحدثه.. هو زوجها، من لم يعاود مهاتفتها كما أخبرها! لكنها لم تهتم الآن، والتمست له ألف عذر، ورغم تخطي الساعة الثانية صباحًا، لكن رغبتها الملحة دفعتها لمهاتفته غير عابئة بالتوقيت، امسكت هاتفها وبتردد طفيف كانت تطلب رقمه، وفي الرنة الأخيرة بعد ان تملكها اليأس كان يجيب مكالمتها، ليشرق وجهها وهي تستمع لصوته، كان واضحًا من نبرته أنه كان نائمًا، فكان أول ما هتفت بهِ:
_ أنا أسفة إني صحيتك.
اتاها صوته الاجش وهو يسألها:
_ في حاچة حوصلت!؟
شعرت انها قد تسرعت حقًا، فكان عليها الإنتظار للصباح حتى! لم يكن عليها الاتصال بمثل هذا الوقت، فقالت بارتباك:
_ لا، خلاص كمل نومك.
انتفصت فجأة على نبرته الهادرة بها وهو يقول:
_ ايه الهزار الماسخ ده! بتتصلي جرب الفجر وبعدين تجولي كمل نومك!
ادمعت عيناها من حديثه وهي بالأساس لا تحتمل أي غضب منه، فيكفي ما عانته منذ قليل، وكي تتجنب غضبه قررت اخباره بالسبب الحقيقي لاتصالها، فقالت بنبرة مختنقة:
_ أنا… أنا الشجة كانت بتولع بيا من شوية، ولولا باهر كسر الباب ودخلي مخبراش كان جرالي ايه، خصوصًا ان اغمى عليا من ريحة الدخان.
وياليتها لم تخبره فبكل برود كان يعقب على حديثها:
_ زين، بتتصلي بيا دلوجتي ليه؟ مش هو لحجك وبجيتي زينة! هسوى ايه اني زيادة!
_ أسفة إني جلجتك.
واغلقت المكالمة، ليس لشيء، سوى لكي تنهار في البكاء، اوجعها رده، جعلها تشعر ان حياتها لا تفرق معاه في شيء، رده الذي لم تتوقع أن يكون قاسيًا هكذا! لجأت له لأنها شعرت أنها تريد طبطبته عليها بشكل او بآخر، شعرت أن مجرد الحديث معه سيبثها الأمان، لانها وللأسف ليس لديها أم كباقي الأمهات تخشى عليها ويهمها أمرها لتحدثها، بالعكس هي موقنة أن رد والدتها كان سيكون أقسى، لهذا لم تحاول محادثتها حتى.. وبين قسوة وأخرى تُدهس هي وسط إناس قاسية قلوبهم كقسوة الحجارة وأشد قسوة.. لم تمر عليهم المشاعر الإنسانية بكافة معانيها..
—————
دلفت للمطعم بقلب يخفق وجلًا مما على وشك الحدوث، تعلم أن ذلك الهائج في مهاتفته معها أمس حين يرى جرح جبينها والملصق الذي وضعته لتخفيه، ستثور ثائرته، ربما السبب الرئيسي سيكون كونها كذبت عليه ولم تخبره بكل ما حدث، لم تخبره أن ذلك الحقير قد رفع يده عليها مثلاً! هل يجب أن تخشى رد فعله؟ لِمَ؟ هو لا يخصها بشيء! لكنها تفعل!!
بدلت ملابسها وخرجت من الغرفة الخاصة بالتبديل متجهة لمحلها كالسارقة تمامًا، تخشى أن يراها رغم معرفتها لحدوث ذلك بالتأكيد، وقفت تجهز لعملها، كانت مستديرة حين سمعت صوته من خلف ظهرها يهتف بنبرته المميزة:
_ مساء الخير يا خديجة.
ارتفع وجيب قلبها، وشعرت بالدماء تموج في رأسها وهي تجيبه بتوتر دون أن تستدير:
_ مساء النور.
عقد حاجبيهِ باستغراب لعدم استدارتها له، هل هي مشغولة فيما تفعله لهذه الدرجة!؟
_ عاملة ايه دلوقتي؟
وللمرة الثانية كانت تجيبه بنفس الوضعية:
_ الحمد لله.
تحركت بخطواته مجتازًا القطعة الرخامية الكبيرة وقد تأكد بوجود خطب ما بها، وبعدما أصبح خلفها تمامًا كان يسألها:
_ أنتِ بتكلميني بضهرك ليه؟
توترت أكثر حين شعرت بهِ خلفها وسمعت صوته القريب، إذًا لا مفر، هكذا قالت لذاتها وهي تستسلم لتستدير له بثبات واهي:
_ مفيش انا بس كنت….
ارتدت للوراء بأعين متسعة حين رأت نظرته تلك… كانت نظرة سوداوية بحتة، لا يتخللها أدنى شعاع نور، نظرة تعبر عن كثير من الغضب والشر الذي انتباه فور وقعت عيناه على ضمادة جرحها، اصطدام ظهرها بالقطعة الرخامية خلفها هو ما اوقفها…
_________________
استيقظت “هاجر” من نومها على صوت رنين الهاتف، لتتأفأف بنزق فقد انهت عملها صباحًا وكانت تريد النوم حتى المساء دون أن يوقظها أحد، مدت ذراعها تلتقط الهاتف وقد نوت اغلاق المكالمة، لكن سرعان ما أفتر ثغرها عن ابتسامة محبة حين قرأت اسم المتصل والذي لم يكن سوى حرفان “Sh”، اجابت المكالمة وهي تردف بصوتٍ ناعم:
_ صباح الخير.
اتاها الصوت على الجهة الأخرى:
_ صباح الورد على عيون أجمل جوجو… بس احنا بقينا العصر.
اجابته مبتسمة:
_ خلصت شغل الصبح، فنمت محستش بنفسي.
همهمة بسيطة ظهرت منه ثم سمعت صوته يقول بنبرته التي تذوب بها:
_ وحشتيني.
اغمضت عيناها تستشعر حلاوة كلمته مع نبرته التي تدلف لاعماقها دون حاجز:
_ وأنتَ كمان وحشتني اوي.
_ هنتقابل امتى طيب؟ أنا مبقتش متحمل كل البُعد ده، احنا بقالنا ٣ شهور متقابلناش.
بدت نبرته نزِقة، وغير محتمل بُعد أكثر حقًا، مما جعلها تنصاع لرغبته وهي تخبره:
_ خلاص يا حبيبي ايه رأيك نتقابل على ١ بليل كده.
_ تمام، بس متتأخريش عشان مفتاح الشقة ضايع مني على ما اطلع نسخة.
ابتسمت بلطف وهي تخبره:
_ عيوني، يلا بقى سبني اكمل نوم.
استمعت لرده العابث وهو يخبرها:
_ هسيبك طبعًا، عشان تفوقيلي بليل، بقولك بقالنا ٣ شهور متقابلناش!
ضحكت بدلال انثوي ازاد من اشتياقه وهي تقول:
_ خلاص بقى.. فهمت على فكرة، يلا باي.
تنهيدة قوية صدرة منه تبعها بقوله:
_ باي يا حبيبي.
اغلقت الهاتف لتتسطح بظهرها فوق الفراش وابتسامة واسعة تزين ثغرها وهي لا تصدق أنها ستجتمع بهِ أخيراً اليوم بعد ثلاثة أشهر من الاشتياق!
_____________
ابتلعت ريقها بوجل، وهي تتابع نظراته، ذكرتها بأحدهم! وهذا ما جعلها تغمض عيناها لوهلة لتزيل من ذاكرتها شبح تلك النظرات المماثلة التي تأتي لها من ماضي بعيد، وفي أثناء هذا وقبل أن تفتح عيناها كانت تشهق بخضه حين شعرت بأصابعه فوق جبهتها، فتحت عيناها وهي تحاول التراجع بنصف جسدها العلوي قدر الإمكان وتحرك رأسها بعيدًا عن مرمى يده بأعين متسعة، لكنه فاجئها حقًا بخطوته التالية حين أمسك بفكها بقوة ليثبتها وهو يهتف بنبرة خشتها:
_ اثبتِ.
ولا تعلم كيف، لكنها ثبتت! ثبتت محلها كالتمثال تمامًا، وكأن كلمته اعطت الأمر لجسدها فورًا دون الرجوع لها.
خفتت انفاسها، بل في الثانية التالية كانت تحبس نفسها تمامًا، حين كان بهذا القرب، الفاصل بين وجهه ووجهها لا يتعدى العشر سنتيمترات! حتى كادت تشعر بقرب ملامسة أنفه لأنفها.
يتملكه طاقة غضب إن أذن لها بالخروج ستحرقها هي أولاً، فقط لانها كذبت عليهِ بالأمس حيال حقيقة ما حدث، لم تخبره أن ذلك اللعين قد ض*ربها، لو أخبرته لضاعف ما تلقاه على يده أمس، وهذا ما يشعره بضرورة زيارة أخرى له! بأصبعيهِ كان يزيل اللاصق الطبي الذي وضعته برفق ليتفحص جرحها، يعلم اهمالها جيدًا فأراد أن يطمئن على حالة الجرح لعلّه يستدعى رؤية طبيب، أزال اللاصق لتتجعد ملامحها قليلاً أثر نزعه، وظهر جرحها الذي لم يكن يستدعي رؤية طبيب لكنه لم يكن هين أيضًا فقد تورم المكان حول جرحها، ولم يأخذ الجرح مكانًا هينًا، حبس أنفاسه الحارقة في صدره وهو يسألها بخبرة:
– خبطك في الحيطة؟
اتسعت عيناها ذهولاً فكيف تبين الأمر! تجاهلت ذهولها وهي تحاول شرح الأمر له:
_ هو مكانش…
ابتلعت باقي حديثها بشهقة حين تحرك كفه القابض على فكها ليقبض على كتفها بقوة آلمتها وهو يردد محذرًا:
_ خديجة!
وجدت ذاتها تومئ برأسها وقد خشت شره! خشت ما تراه في عينيهِ وقوته المباغته التي بدأ في استخدامها عليها! زفرة حارقة خرجت منهُ اصطدمت بوجهها قبل أن يسألها ثانيًة:
_ عمل ايه تاني؟
هزت رأسها بسرعة وهي تخبره بصدق:
– معملش والله…
ثبت نظراته لنظراتها للحظات استشف فيها صدقها، ليخفف قبضته من عليها وتحتل عيناه نظرات غامضة، قبل أن يربط بكفه على كتفها برفق وهو يخبرها:
– اهدي.
وقد قالها بعد أن أصبحت أنفاسها متسارعة من كثرة الضغط الذي وضعها بهِ، رفع كفه الممسك باللاصق الطبي ووضعه على جبينها باهتمام ورفق، قبل أن يرحمها أخيرًا ويبتعد..!!!
سُلطت نظراتها على ظهره بينما يسير مبتعدًا، نظراته وقربه وحديثه واهتمامه، كل ما حدث منذُ قليل جعل شكها يبلغ العنان فوجدت ذاتها تقترب خطوتان قبل أن تهتف بصوت مرتفع بهِ اهتزاز واضح:
– مرااد..
والزلة قد أتت منهُ حين توقفت خطواته عن السير وتجمد محله، لتتسع عيناها بفزع، ويغمض هو عيناه لاعنًا ذاته من بين أسنانه.. فكيف له أن يخطأ خطأ كهذا؟! هل كشف عن ذاته للتو بغبائه!!!!
#يتبع
الفصل الخامس والعشرين..”الثاني”
“مابين الوقعة والنجدة لحظة تكن هي الفاصلة”
ابتلع ريقه بهدوء قبل أن يلتف لها بحاجبان مقطبان وهو يهتف بجدية زائفة:
_ مين مراد؟ كان معاه؟
للتو عاد تنفسها اليها، للتو استطاعت ان تأخذ انفاسها الذاهبة، زفرت نفسها بهدوء قبل أن تجيبه:
_ لا مش حد، انا بس اتلخبطت كان قصدي اناديلك.
ابتسم لها باصطناع قبل ان يحرك رأسه بلا معنى، ويلتف ذاهبًا.
وعلى باب المطعم توقف حين استمع لصوت طارق من خلفه ينادي عليه، فالتف له بملامحه التي عاد الغضب اليها الان ليحتل كل انش بها، ابتلع “طارق” ريقه بتوتر من ملامحه التي لا توحي بالخير ابدًا، واقترب منه حتى اصبح امامه فاردف بهدوء:
_ رايح فين بس يا باشا، مش كفايه اللي حضرتك عملته امبارح، احنا مش عايزين شوشرة اكتر من كده.
ابتسام ابتسامة صفراء وهو يجيب باقتضاب:
_ لا ما هو اللي انا عملته امبارح كان قبل ما اعرف اللي هو عمله بالضبط، ده له حساب وده له حساب ث
تاني،وانت عارف ما بحبش ابيت حساب حد عندي.
حاول طارق كبح انفعاله وهو يردف بضيق خفي:
_ هتعمل له ايه تاني؟ ما انت كسرت رجله وشوهت معالم وشه، في ناقص حاجه ما عملتهاش ولا ناوي المره دي يا باشا.
جعد “مراد” ملامحه باشمئزاز وهو ينظر ل”طارق” بجانب عينيهِ مردداً باستهزاء:
_ انا بحس ان بعد كل الكلام الي بتقوله في الأول ونبرتك دي، ماينفعش بعد كده ترجع تقول يا باشا.. يعني انت اللي باشا.
تنحنح طارق بحرج مردداً:
_ العفو يا باشا اكيد ما اقصدش، بس انا خايف على سعادتك، مش حابب نعمل شوشره هنا كمان والعين تبقى علينا وخصوصًا انك مش حابب تظهر شخصيتك الحقيقيه.
_ طارق اي كلام هتقوله وفره، عشان مامنوش فايده انا قلت هيتأدب يبقى هيتأدب.
حاول “طارق” الحديث مرة أخرى، لكن نظرة واحده من “مراد” كانت كافية لتجعله يصمت تمامًا، وتركه يذهب فما باليد حيلة وكان الله في عون ذلك الوحش!
___________________
دلفت للمطعم وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة فاوقفتها خديجه وهي تسألها باستغراب:
_ مالك يا رنا؟ داخله بتبرطمي ليه؟ وشكلك متضايقه في حاجه حصلت في الطريق؟
اجابتها رنا بغيظ كان كافيًا لحرق ما حولها وهي تقول:
_ لا مش في الطريق ام 44 اللي انا ساكنه قصادها دي مش هترتاح غير لما اخنقها واخلص منها، الوليه دي ما بتتهدش كل يوم نتخانق، وكل يوم اسمعها كلام زي السم في جنابها، انها تتهد وتبعد عني ابداً وكأن جتتها نحست، خلاص بقى كيف عندها انها تتهزق مني كل يوم الصبح بتفور دم بنت ال****.
هزت خديجه رأسها بياس على مشاجره رنا وجارتها التي لا تنفك عن حشر انفها في حياه الاولى لتخبرها بمواساه:
_ معلش يا رنا، هدي نفسك شويه ووسعي خلقك، انتِ كده ممكن بجد في خناقه تعملي فيها حاجه وتجيبي لنفسك مصيبه، يا ستي اعتبري نفسك مش سامعاها وخليها تقول اللي تقوله يمكن لما تلاقيكي متجاهلاها تتهد شويه وتبعد عنك.
اجابتها رنا بضيق:
_ غصب عني انت ما بتسمعيش كلامها يا خديجه، بجد مستفزه بتقعد تخبط بالكلام وتحسسني زي ما اكون فتاة ليل عايشه معاها في العماره، حاطه نقرها من نقري، في الطلعه والنزله أي حد داخل عندي، حد طالع من عندي بتشوفني حتى لو داخله لوحدي من غير اي سبب تلقح بالكلام وانا اعصابي ما بتتحملش يا ستي.
اقتربت منها خديجه وهي تربط على ظهرها برفق:
_ معلش يا رنا معلش حاول تتحملي وتهدي نفسك، ولو عرفتي تنقلي انقلي يبقى احسن واهو تبعدي عنها.
نظرت لها بحزن حقيقي وهي تخبرها بابتسامه متألمه :
_الفكره مش في النقلان يا خديجه، والفكره مش بس في جارتي دي، اي مكان هروحه مجرد ما يعرفوا ان انا مطلقه وعايشه لوحدي هتلاقي واحد واثنين وعشره بيجيبوا في سيرتي، في الطلعه والنازله هتلاقي ده بيبص بصة مش ماتعجبنيش وده بيلقح بكلمه ماحبهاش، لو فضلت اهرب من كل مكان اروحه عشان حاجه قابلتني، يبقي مش هلاقي مكان اقعد فيه.
طالعتها “خديجه” بنظرتها الحزينه هي الاخرى وهي تسألها بتعجب مستنكره:
_ للدرجادي ؟!
تنهدت “رنا” بثقل وهي تجيبها:
_ اه للدرجادي، ما تعرفيش انتِ نظرة المجتمع للست المطلقه، والأحسن ليكِ ماتعرفيهاش، يلا خلينا نبدأ شغلنا، هروح اغير هدومي.
تابعتها خديجه بنظراتها، وهي حقًا حزينه على حال تلك الفتاة التي ظنت عندما راتها للوهله الاولى أن حياتها خاليه من أي مشاكل قد تقابلنا كبشر، لتتبين فيما بعد انها ليست بافضل حال منها!!
________________
وهل ذهابه له بمفرده يعد جرأه ام تهور؟!
في بداية الامر يبدو وكأنه يحمل كلا الاحتمالين، ولكن الحقيقه انه جرأه لمن يدرك مقدار قوته، وتهور لمن يشك بهذا.
ولأن “مراد”يدرك جيدًا ما هو قادر على فعله، فلم يكن ذهابه للوحش كما يُلقب، تهور ليس محسوبًا بل هي جرأه محسوبه، ولتأكيد الأمر فما يحدث الان خير دليل انه لا يندرج تحت بند التهور!
لولا تلك القماشه التي حُشرت عنوه في فمه، لاستمعت الحاره باكملها لصوت صراخه الان ولكن الفضل يعود للقابع فوقه! ليس باكمله ولكن بقدمه التي يضغط بها على ظهر الاول بقوه كادت تمنعه من التنفس، ويفعل بهِ الافاعيل..!!
وبعد عن انتهى من فقره التعذيب التي اعدها للقابع ارضًا، انحنى نصف انحنائه وهو يهمس لذلك الذي يتلوى المًا، بملامح قاسيه تدب الذعر في قلب كل من يراها:
_امبارح انا كسرتلك رجلك وعملت الصح في وشك، ما كنتش اعرف لسه اللي انت عملته معاها، اللي حصل لك بقى دلوقتي حسابك على كل اللي انت عملته امبارح، وصدقني لو بس لمحت ضلها وما ممشيتش من الشارع التاني، المره الجايه هاخد روحك وانا ما بهددش انا بعمل.. ونصيحه أخيرة مني، بلاش تتعامل معايا، انتَ ما تعرفنيش.. ويوم ما هعرفك بيا اعرف انها هتبقى آخر دقيقه في عمرك.
انها حديثه والتف خارجًا من المنزل بكل هدوء، كأنه لم يفعل شيء تاركًا خلفه جثه على قيد الحياه…!!!
_____________
اواخر يناير لعام ٢٠١٩..
اسبوعان آخران مروا….
وإن كنت تريد التعرف على ما حدث فيهما لدى ابطالنا فلنبدأ اولاً ب…
“مراد وخديجه”…
ما زالت العلاقه بينهما كما هي لم يحدث فيها تطورًا، ولكن مع مرور الأيام يزداد الشك بداخل خديجه ولا تعرف لِمَ احيانًا تتساءل عن السبب الحقيقي وراء شكها.. لكنها لا تدري تشعر وكأنه هناك شيء خفي بداخلها يهمس لها بأن الواقف امامها ليس سوى شخصًا من الماضي، شخصًا تعرفه جيدًا وتدعو الله ألا يكون هو…
وعن “مراد” فقد نجح في اخفاء ما فعله في ذلك الوحش، وحين سألته خديجه حين عاد يومها عن أين ذهب؟ اخبرها بكل هدوء وثقه انه كان لديه عمل ما تذكره فذهب ليقضيه، وقتها لم تقتنع باجابته لكنها حين لم تسمع فيما بعد شيئًا يخص ذلك الرجل ولم يتعرض لها شعرت بصدق حديثه، او ربما قررت تجاوز الامر فعل أي حال لم يحدث ما يثير شكوكها.
حدثها “باهر” منذ أيام عن أمر مكوث “فريال” معها بعدما اخبرها بما حدث في شقة الأخيره، ولأن خديجه لم تخبره بحالتها الماديه الحقيقيه التي تعيشها، ولم ترد ان يعرف شيئًا عن سوء وضعها تحيرت في قبول فريال للعيش معها، ولكنها بعد يومين شعرت بسخافة فعلها، فعلى أي حال لا يجب ان ترفض مكوث صديقتها معها، لذا تحدثت شخصيًا مع فريال ودعتها للقدوم والعيش معها، فاخبرتها الاخرى ان تعطيها يومان حتى ترتب اشياءها مره اخرى وتأتي اليها مع باهر، ومن المقرر ان تاتي فريال بعد الغد…
وعن “فريال” فلم تستطع منع نفسها من محادثه ابراهيم مره اخرى، رغم حزنها الشديد من طريقته في الحديث معها آخر مره وعدم اهتمامه بها ولامبالاته التي أوجعت قلبها، وعلى أي حال فهي كانت تعلم جيدًا انها إن لم تهاتفه فهو لن يفعل، لذا فلم تشاء ان تصنع فجوه بينهما، وللمرة التي لا تحسب لها عددًا تنازلت، وقررت هي محادثته، وكالعاده.. رده بارداً، غير مهتما، ومقتضبًا، وكأنه لا يريد تلك المحادثه وهي كالعاده تتجاهل..!!!
وعن “باهر وجاسمين” فقد ظهر الحساب الشخصي لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أمام “باهر” ذات ليلة، او بمعنى أدق بحث هو عنه حتى وجده، فتصفحه ووجدها قد نشرت صوره لها من ذلك الحفل بذلك الفستان اللعين، وقد اظهر كل مفاتنها بلا استحياء، فلم يستطع منع ذاته من التعليق على تلك الصورة، ولأنه يعلم ان تعليقه لا يجب ان يراه العامه، فبعث لها على الرسائل الخاصه رساله مختصره كان مضمونها ” على فكرة الفستان وحش والصورة وحشة” وتلك الرساله جلبت مشاجره كبيره بينهما تلك الليله.. استمرت لنصف ساعة تقريبًا حتى هدأت الأمور بالأخير، وقد اقتنعت جاسمين بحديثه، وأن تلك الصوره لا تبرز جمالها بل هي بالحقيقه تقلل منها وتجعل تفاصيل جسدها الخاصة متاحة للجميع كما أخبرها، وللعجب لم تعترف له بانها اقتنعت بحديثه، ولكن بعد دقائق كانت تمسح ذلك المنشور وازالت صورتها من على الحساب الخاص بها، وهو قد ارضاه ذلك بشكل او باخر فلم يهتم كونها لم تعترف بأحقيته في الحديث، فيكفي انها قد اقتنعت واخذت خطوه تثبت له اقتناعها بحديثه، ومن ذلك اليوم وتوالت الرسائل الشخصيه بينهما بمبرر وبدون مبرر، حتى بدأ يحكي لها عن مسار يومه ومشاكل عمله، وتحكي له عن صديقاتها وروتينها اليومي وما الى ذلك… ونشأت بينهما صداقه ما زالت تحبو حبوها الأول..
________________
_ محتاجه حد يفهمني ليه معظم الوقت وانا واقفه قدام زين او لما بيحصل موقف ما بينا بحس ان شايفه مراد قدامي، انا يمكن ما اعرفش مراد وما شفتوش لما كبر ولا عارفه شخصيته بقت عامله ازاي دلوقتي، بس الغريب ان انا بشوف الطفل اللي عنده 13 سنه… بشوف نظراته.. بحس بيه، رغم ان انا اصلاً في مواقف كثير قوي انا ناسياها، يا دوب اللي فاكراه ما بيني وما بين مراد اربع، خمس مواقف هي كل اللي انا فاكراهم من طفولتي معاه، ليه بشوفه في حد تاني؟ لما ناديت باسمه يومها كان جوايا يقين ان هو ده مراد، نظرته وقتها، طريقة كلامه، قربه مني، لمسته ليا، كل ده خلاني أحس انه لا مستحيل ما يكونش هو، لما وقف قلبي وقف معاه ما كنتش متخيله لو فعلاً هو وقف عشان ناديته باسمه الحقيقي وطلع هو الشخص ده كان رد فعلي هيكون ايه.. ده انا لمجرد اني تخيلت ان ممكن يكون هو حسيت اني مش قادره اخد نفسي! انا حيرانه وتايهه مش عارفه ايه اللي بيحصل حواليا؟ ومش عارفه ليه انا بحس كده!؟ عندك تفسير يا دكتور؟!
قالتها خديجه بحيره حقيقية، وهي تنظر “لكمال” طبيبها النفسي والذي وضع عويناته جانبًا ممسدًا مقدمة انفه باصبعه قبل ان يجيبها على تساؤلاتها قائلاً:
_ اولاً حابب اقول لك إنك مانسيتيش مواقفك مع مراد، انتِ اتناسيتِ يا خديجه، عقلك قصد انه ينسى كل ذكرياتك معاه، ماعدا كام موقف كده هم اللي فضلوا في ذاكرتك ما قدرتيش تنسيهم، منهم يوم موت ساره، لو بطلتِ تحملي مراد ذنب موت اختك هتلاقي نفسك بتفتكري كل ذكرياتك معاه.
_ مش عاوزه افتكر.. مش عاوزه افتكر اي حاجه بتربطني بيه، ولو اقدر انسى الكام موقف اللي لسه فاكراهم هعمل كده.
قالتها بعداء واضح ليهز كمال راسه يائسًا وهو يخبرها بثقه:
_ عرفتِ بقى انك مش ناسيه، انتِ اجبرتِ عقلك انه ينسى عشان انت مش متقبله اي موقف يجمعك بيه، زي ما قلتي.. ده مش موضوعنا دلوقتي ولا موضوعنا المهم هو زين وحكايته الأهم انتِ لسه بتشوفي ساره؟!
اومأت برأسها بضعف وهي تخبره:
_ رغم اني بقيت باخد الادويه.
_ خديجه انا ماقلتلكيش إن الدوا هو اللي هيخليكِ ماتشوفيهاش تاني، مش الدوا لوحده هو اللي هيساعدك، الأهم هو اللي انا طلبته منك قبل كده، انك تقنعي نفسك انك مالكيش ذنب في موت ساره قدرتي تعملي ده؟
هزت راسها نافيه بارهاق واجابته:
_ للاسف لأ، حاولت.. حاولت كتير بس ماقدرتش، في صوت في دماغي دايمًا بيقطع محاولاتي دي، ويقولي ان مهما عملت مش هقدر اكفر عن ذنبي في اللي عملته، مش هقدر اريح ضميري ناحيتها.
اخبرها ” كمال” بجديه بحته:
_ خديجه انتِ عمرك ما هتقدري تسامحي نفسك، ولا هتعرفي تقنعي نفسك انك ملكيش ذنب غير لما تعملي حاجه الاول.
نظرت له بلهفه وهي تسأله:
_حاجة ايه؟
اخترقها بنظراته وهو يجيبها بثبات:
_ لازم الأول تقتنعي ان مراد ماكانش يقصد ساره وتسامحيه، لازم كل الحقد والغضب اللي جواكِ ناحيته يختفي، بل بالعكس وتحني لطفولتك مع اكثر شخص كان قريب منك.. مع صديقك الوحيد!
انتفضت واقفه وهي تلتقط حقيبتها وقالت ببرود، قبل ان تختفي من امامه:
_ اعتقد يا دكتور انك عارف كويس ان الي بتقوله مستحيل.. انا عندي اعيش عمري كله بشبح ساره ولا إني اسامح الشخص اللي دمر حياتي وحياه اختي، هنتظر بره عشان اقفل العياده.
_________________
اغلقت العياده وسارت في طريقها للعوده لمنزلها حتى وصلت اخيرًا مقررة اخذ حمامًا دافئًا ليزيل عنها تيبس عضلات جسدها من البرد اولاً، ومن افكارها التي ستهلكها ثانيًا..
فتحت باب الشقة وهي تعلم جيدًا أن شقيقها ليس موجودًا الان فحتمًا لم يعد بعد من دروسه، كادت ان تغلق الباب خلفها، ولكنها شهقت بفزع حين وجدت الباب يرتد ليفتح على مصرعيهِ وترى ذلك الوحش البشري امامها بمظهر لا يدل ابداً على ان القادم خيراً.
كان مظهره مثيرًا لكثير من التساؤلات، ملامح وجهه مشوهه فعليًا ما بين ندوب، وآثار لكدمات قديمه قليلاً، وما بين جرح غائر يأتي من أسفل أذنه لمنتصف وجنته، ولم يغفل عنها عرجه بسيطة في قدمه حين تقدم مغلقًا الباب خلفه، ومن صدمتها لم تصرخ على الحال بل صرخت بعد ان أغلق الباب وقد سمحت له في خلال تلك الثواني ان يقترب منها مكممًا فمها بكفه، ليمنع صوتها من الخروج، شد وجذب استمر لفتره ليست هينة بينهما لا تدري ما اراده وما نوى على فعله، لكنها تدري انه لم يرد خيرًا، ولم يرد حتى الحديث كالمرة الأخيره، او حتى تهديدها كما فعل، يبدو أن الأمر هذه المره اكبر وأعنف، استمعت لهمسه وهي تحاول التخلص من قبضته وهو يخبرها:
_ورحمة ابويا وامي، لاحسره عليكِ زي ما حسرني على رجلي ووشي، وهطلع على جتتك كل اللي هو عمله فيا، واضح انك غاليه قوي عند البيه لدرجة انه يعمل كل ده عشان بس خبطت راسك في الحيطه، تمام.. خلينا نشوف بقى هيعمل ايه لما….
قطع حديثه وهو يمرر نظراته القذره على جسدها لتتسع عيناها ذعرًا وهي تدرك مقصده، قلبها كاد أن يتوقف، وهو يكمل :
_الحقيقه كنت جاي اشوه وشك، او حتى اكسر عضمك زي ما عمل فيا، بس انا شايف انه في حاجات تانيه ممكن تتعمل وهتبقى احسن بكتير.. ما تقلقيش كده كده بعد اللي هعمله لا هو ولا الجن الازرق هيعرف مكاني، شكل البيه بتاعك ده واصل.. مش حته عيل شغال في مطعم زي ما هو واضح، ومش فارق معايا اعرف هو مين ولا حكايته ايه.. اللي فارق معايا اني اعرفه انا مين.. معلش بقى يا حلوه ان كنت جيتي في الرجلين بس هي الدنيا كده ناس بتخلص ذنب ناس.
لقد ادركت الان نيته وما نوى فعله، ولأن غريزتنا كإناث تكمن في الدفاع عن شرفنا لآخر نفس بنا هذا ما اكسبها قوه مضاعفه لتحاول الفكاك منه، وقد نجحت حين رفعت قدمها بغته تركله في اسفل بطنه ليتأوه بعنف مرتدًا للخلف، ولأنه كان يسد طريق خروجها من الشقه لم تستطع الوصول للباب، ولسوء حظها وقبل ان تاخذ اي خطوه كان يعتدل واقفًا مره اخرى متجهًا ناحيتها، فاجبرها على التراجع والدلوف لِمَ خلفها والذي لم يكن سوى المطبخ!
فركضت سريعًا اليهِ وقد شعرت حينها بانها وقعت في فخٍ احمقٍ صنعته بنفسها!
فان كانت قد ركضت الى أحد الغرف لاستطاعت بسهوله ان تصرخ بعلو صوتها من أحد النوافذ ليأتي الجيران لنجدتها، ولكن الآن فقد فقدت فرصتها في النجده بأحد فإن حدث ما حدث في ذلك المطبخ لن يسمعها احد من الخارج مهما حاولت، لذا وباقل من ثواني كانت تفكر في الحل دون تردد ولو للحظه…
وبالخارج ابتسم بشر حين رآها بحماقه تتجه لذلك المطبخ المغلق، ولقد اعطت له فرصه على طبق من ذهب، فاتجه لباب المطبخ بكل ثقة متاكداً من تحقيق غايته… خطوه والثانيه كان يتخطى بها باب المطبخ.. ليصرخ حين شعر بشيء حاد يخترق صدره ولم يكن هذا الشيء سوى سكينًا تحمله خديجة بيدها طعنته به في صدره بكل غل وحقد ودفاع عن ذاتها…
سقط هو ارضًا غارقًا بدمائه، وارتدت هي للخلف ناظره للسكين الذي بيدها وهو يقطر دمًا ينسال على طول زراعها…
….. انتهى الفصل…
اوي…

