رائعة جديدة حصري من6-10

الفصل السادس “!”

“هناك أخطاء قاتلة، زلات لا يمكن غفرها، حتى وإن كانت بدون قصد، فالنتيجة واحدة، أن الفعل قد وقع، والفاعل لا بد من أن يُعاقب حتى وإن كان غير متعمد!”

الثالث عشر من أغسطس لعام ٢٠٠٨..

ركض خارجًا من الفيلا حين استمع لصوتها المألوف موصومًا ببكاءٍ عالٍ، أبصرها تجلس في الحديقة الخلفية فوق العشب الأخضر الزاهي، ممسكة بقدمها بألم وعيناها لم تتوقف عن ذرف الدموع، وشقيقتها التي تكبرها بعامان تقف هناك أمامها تتحدث لها بشئ ما.. اسرع من خطواته حتى اقترب منها فجثى على ركبتيهِ يتفحص قدمها وهو يسألها بقلقٍ:

_ ايه الي حصل يا ديجا؟

بنبرتها الباكية كانت تجيبه شاكيًة:

_ سارة وقعتني.

وهنا عقبت “سارة” بضيق:

_ قولتلك مكنتش اقصد، انا كنت بهزر معرفش إنك هتقعي وتتعوري.

نفت برأسها وقد ارتفع بكاءها وباصرار قالت:

_ لا، هي كانت قاصدة يا مراد.. عشان كسبتها.

وبهدوء تام كان يهتف:

_ خلاص يا حبيبتي متزعليش، المهم تعالي اعقملك الجرح ده.

نهض وجذبها معه برفق تحت تأوهاتها المتألمة، حتى دلف معها للداخل أسفل أنظار “سارة” المغتاظة، ورددت لذاتها:

– عيلة مقرفة.. معرفش مهتم بيها كل الاهتمام ده ليه؟ ياربي كان لازم ماما وبابا يخلفوها يعني! كان زمان مراد مبيلعبش غير معايا ومش مهتم غير بيَّ.

رددتها بعقلية طفلة حانقة من اهتمام الولد الوحيد الموجود بحياتهما بأختها فقط دونها، رغم كونها هي الأكبر والأقرب سنًا له، فالفارق بينها وبين “مراد” ثلاثة أعوام فقط، ورغم هذا هو أقرب لشقيقتها التي تصغره بخمسة أعوام..

انتهى من تضميد جرحها وسط تألمها ووسط كلماته الحانية التي تخفف ألمها من حين لآخر، وما إن فعل حتى جلس أمامها مباشرةً ينظر لها لثواني بصمت، فأردفت هي بأعين دامعة:

_ مراد.. هي وقعتني قصد، أنا متأكدة عشان هي اتغاظت لما أنا الي كسبت اللعبة.

ابتسم بهدوء تام وهو يقول:

_ وأنا قولتلك ايه؟

قطبت حاجبيها بعدم فهم، لتسأله بحيرة:

_ في ايه؟

سكن الشر عينيهِ وهو يجيبها بابتسامة ثابتة:

_ مش قولتلك متسبيش حقك، الي يأذيكِ قراط أأذيه ٢٤.

توترت ملامحها وهي تجيبه:

_ بس دي أختي!

رفع كفه يلمس وجنتها بتروي وهو يتحدث بهدوء تام كأنه يريد أن يجعل الحديث يدلف عنوة لعقلها:

_ ولو أبوكِ يا حبيبتي.. أخد الحق مفيهوش استثنا..

من يستمع لحديث مثل هذا لن يصدق أنه يخرج من فاه طفل لم يتعدى الثا عشر بعد!

اومأت بإيجاب كأن لمسته وحديثه فيهما سحرًا، ليبتسم باتساع وهو يرى استجابتها له، ظنًا منه أنه هكذا يوجهها للصواب!

وقفت بأنفاس متوترة وهي تحدق بالباب الذي توارت خلفه شقيقتها بصحبة “مراد” وهي تقف لتراقب المكان كي لا يراهما أحد… أخبرها أنه سيبقيها لدقائق فقط في الخزانة التي تقبع في المخزن والتي هجرت منذً زمن، فقط لتشعر بالخوف وتبكي وهكذا تكون قد استردت حقها… بسهولة كانا يستدرجناها للمخزن، وبسهولة أكثر كانت تدلف معه لتلك الغرفة القديمة، لم ترى نظرة عيناه الغريبة، ولا تمريره للسانه بدائرية داخل فمه، ولا إمالته لرأسه لليمين قليلاً.. وفجأة وجدت ذاتها تُدفع عنوة للخزانة ويغلق عليها الباب من الخارج بالمفتاح دون اهتمام لصراخها المرتعد.

_ حصل ايه؟

تسائلت بها بقلق بالغ حين خرج لها، ابتسم ورد بهدوء:

_ كله تمام… خمس دقايق وهنخرجها.

توترت نظراتها أكثر وهي تسأله بخوف:

_ مش كتير؟

ذم شفتيهِ بلامبالاة:

– لا، بيقولوا الانسان يقدر يعيش من غير تنفس ل ١٠ دقايق.

واكتفى بهذه المعلومة دون إكمالها قاصدًا.. فلم يخبرها مثلاً أن علميًا بعد ثلاث دقائق من عدم التنفس قد تبدأ بعض أنسجة المخ في التلف، وأن الإنسان أقصى مدة قد يتحملها دون تنفس لا تصل للعشر دقائق بل هي لا تتعدى الخمس سوى بدقيقتان او ثلاثة.. وإن وصلت للعشر سيكون ميتًا حتمًا.

وبالداخل أخذت تض*رب بقبضتيها على الخزانة برعب وهي تصرخ:

_ افتح الباب، حرام عليك هموت.. حد يلحقني انا بتخنق والله.. مرااد!!!

وبالفعل كانت تشعر بأنفاسها تثقل، وضيقها ورعبها من المكان أزادوا شعورها..

لتصرخ ثانيًة:

_ أنا أسفة، والله ماهضايقها تاني.. افتحوا الباب بقى.. خديجة.. خديجة افتحيلي بالله عليكِ، عشان خاطري..أنا أسفه.. افتحوا بقى..

ولكن لم تسمع ردًا، أو صوتًا يدل على اكتراث أحدهم.

بالخارج استمعت لحديث شقيقتها، لتدمع عيناها وهي تنوي الدلوف لها:

_ لا كفاية كده.. دي خايفة اوي.

امسك ذراعها يوقفها لتنظر له، فنظر لعيناها مباشرةً وهو يقول:

_ لما تنوي تاخدي حقك متجيش في نص الطريق وتترددي.. ومتسمحيش لقلبك ومشاعرك يتحكموا فيكِ.

ردت بتبرير وعيناها تنظر للداخل:

_ بس دي خايفة اوي حرام كده.. كمان خايفة يحصل لها حاجة.

احتدت نظرته وهو يسألها كأنه لم يسمعها:

_ سمعتِ قولت ايه؟

وبقلة حيلة كالعادة تستمع لحديثه وكأنه شيطانًا ما يوسوس لها وهي تقتنع فورًا! فأومأت برأسها وهي تقف بجواره صامتة..

مرت الخمس دقائق.. صوتها اختفى منذُ قليل جدًا فظنوا أنها تعبت من الصراخ.. اتجها للخزانة وأدار “مراد” المفتاح بها وما إن جذب الباب حتى شهقت “خديجة” صارخة بفزع حين أبصرت شقيقتها كالجثة الهامدة في أرضية الخزانة ورأسها مائلة لأحد الجانبين بلا حراك… تُرى هل ساعدت في شقيقتها للتو؟!

رجعت للوراء وهي تهز رأسها بهستيرية بانكار مما توصل له عقلها، لا بالطبع لن يحدث هذا، شقيقتها بخير، لن تكون سببًا في ، لن تكون سببًا في أن يصيبها مكروهًا ما.

وعنه لم يقل صدمًة عنها، لم يتوقع أن تزهق روح الفتاة بهذه السرعة، توقع أن تصمد أكثر، حسنًا لربما فقدت وعيها فقط!

كان هو الأسرع في التحرك حين اقترب منها يتحسس نبضها، امسك معصمها لم يجد فيهِ نبضًا محسوسًا، لتصعد كفه للعرق النابض برقبتها فوجد نفس النتيجة! حسنًا لقد تيقن الآن من أن الفتاة قد زُهقت روحها..

ابتلع ريقه الجاف وهو ينظر لها بعجز عن التصرف، وأذنه تستمع لبكاء “خديجة” المصدوم الذي يأتي من خلفه، هز رأسه ينفض الصدمة عنه ليستطع التصرف وبنفس اللحظة كانت “خديجة” قد فقدت السيطرة على ذاتها فارتفعت شهاقتها، وارتفع صوتها وهي تنادي على شقيقتها:

_ سارة! س.. ساا… سارة، لا..

نهض واقفًا حين بدأ صوتها يعلو أكثر فالتفت لها ليُصاب قلبه بغصة مؤلمة من حالتها، كانت منزوية بأحد الجوانب عيناها مثبتة على شقيقتها وتذرف أنهارًا من الدموع ومقلتيها حمراء كالدماء، وجهها شاحب، ورأسها تتحرك يمينًا ويسارًا بانكار، وشفتيها المرتجفتين تردد باسم شقيقتها دون توقف.

اقترب منها بأنفاس ذاهبة من الموقف ومن حالتها، ودقاته متسارعة بعنف، وقف أمامها حاجبًا الرؤية عنها، لتحول أنظارها له بتلقائية، ووقتها وعت لِمَ يحدث لتنظر له وكأنه طوق نجاتها وهي تستنجد بهِ:

_ مراد.. سارة، هي.. هي كويسة صح؟ قول اه، قول اه أرجوك.. مر..

قاطعها وهو ينحني ليمسك وجهها بكفيهِ ليجعلها تهدأ وهو يقول بثبات يُحسد عليه في مثل هذا الموقف وبمثل هذا السن:

_ اهدي يا خديجة.. احنا معملناش حاجة، احنا كنا بنأدبها بس مكنش قصدنا نأذيها صح؟

اومأت برأسها بتأكيد سريعًا وهتفت من بين بكاءها:

_ اه، بس هي…

أخذ نفسًا عميقًا جدًا وهو يتجهز ليلقي قنبلته عليها، وقبلاً كان يبعد كفيهِ عن وجهها ويحتضن جسدها بأكمله بدلاً عن وجهها فقط، احتضنها بقوة وقد اراحت رأسها على بطنه، لينحني برأسه هامسًا في أذنها:

_ خديجة، سارة ماتت.

شعر بتصلب جسدها، شعر بتوقف أنفاسها لوهلة، وثم اختفى الدفئ الذي كان ينبعث من جسدها الملامس لجسده، حاول ابعادها ليرى ما بها، لكنها كمن ثُبت في أرضه، هتف باسمها بقلق:

_ خديجة!

وهنا هي من ابتعدت لسنتيمترات قليلة وهي تنظر له بهذيان، ثم رددت بعدم وعي:

_ ماتت! احنا !

امسك ذراعيها وهو يهزها بعنف لتفوق من صدمتها ولسانه يردد بتحذير:

_اوعي اسمعك تقولي الكلام ده تاني، احنا منعرفش حاجة عن الي حصل سامعة يا خديجة؟ احنا مشوفناش سارة من الصبح ومنعرفش حاجة عنها سمعاني؟

كانت نظراتها تائهة، تدور في كل مكان، كأنها لا تسمعه او لا تفهم ما يقوله، وجهها يزداد شحوبًا، ثم وفجأة قررت الاستسلام، قررت أن تريح عقلها الصغير من صدمة لا يستوعبها عقل شخص بالغ، لتسقط فجأة فاقدة الوعي، ولكن لم تصطدم بالأرض ذلك الاصطدام القاسي، هذا لأنه قد التقط جسدها بين ذراعيهِ قبل أن يسقط، اراحها برفق على الأرضية ووقف يفكر فيما يجب عليهِ فعله.

لقد رأى الكثير من أفلام الاكشن والجريمة طوال العام السابق، فقد أصبحت هذه النوعية من الأفلام تستهويه، تلك الأفلام التي لربما تكن آداة ليست بهينة في الكثير من الجرائم، تلك الأفلام التي لا أعلم إن كان منتجيها يعلمون ما قد تتسبب بهِ تلك القصص التي يتناولونها أم لا، ولكن على سبيل المثال شخص ك “مراد” من أين له أن يعلم عن أمر البصمات التي تكن سببًا رئيسيًا في التعرف على المجرم إن لم يشاهد تلك الأفلام، صدق أو لا تصدق ولكن الكثير من الجرائم التي تحدث على أرض الواقع تُخفى بأحد الخدع التي تبناها ذلك البطل في فيلمه ليخفي جريمته!

وهذا ما فعله “مراد” الآن، حين أتى على خلده أمر البصمات، وأن الجثة حين تُحلل سيُكتشف أنها ماتت أثر الاختناق، إذًا ما الحل؟ وهذا ما فكر بهِ لدقائق قليلة جدًا قبل أن يقوم بالتالي:

ابعد “خديجة” عن ساحة الجريمة تمامًا، وجلب قطعة قماش وجدها في تلك الغرفة التي بها الكثير من التلفيات والاشياء عديمة القيمة، وبها جذب جسد سارة ليجعلها مسطحة بشكل مستقيم فوق الأرضية، ثم اتجه للخزانة التي كانت متوسطة الحجم لحد ما، وحاول دفعها برفق لتسقط… لتسقط فوقها! فيبدو الأمر انها اختنقت من سقوط الخزانة فوقها ولم تستطع ازاحتها، لم يقدر على دفعها وخشى إن سقطت عليها ستحدث أضرارًا بالغة في جسدها، أضرار ربما ستكن سببًا في كشف الحقيقة، فوقف بجسده أمام الخزانة بعدما فتح بابها وظل يجذبها بجسده الذي يحمل قوة مضاعفة من رياضته العنيفة التي يمارسها، حتى باتت على قرب سنتيمترات قليلة من جسد “سارة” فتركها منسحبًا بجسده بعيدًا فباتت فوقها كما أراد، وسيظهر الأمر انه اختناق من سقوطها فوقها.

وقف يلتقط أنفاسه بعنف، وعقله يفكر ماذا فعل هو؟ هل كان الأمر يستدعي أن يتورط في جريمة ؟ سارة، رغم انه لم يحبها يومًا إلا أنها لم تستحق أن تفقد حياتها هكذا! طيف من الدموع غزى مقلتيهِ لبرهة من الزمن، قبل أن يزفر أنفاسه بقوة مقررًا انه ليس وقته أبدًا التفكير في أي شيء، اتجه ناحية “خديجة” وحملها مبتعدًا عن المكان بحرص كي لا يراه أحد.

—————–

ساعة كاملة مرت…

وهو يجلس فوق فراشه بجوارها، كفه يمسد على خصلاتها برفق، وعيناه سارحة في ملكوت آخر، تلك الساعة سمحت لضميره بتأنيبه وجلده بقسوة على ما فعله، وسمحت لعقله بالتفكير في الأمر لأكثر من مرة من كل الجهات، من ناحية ما فعله وكيف سيتخطاه، ومن ناحية كيف سيجعل خديجة تصمت عما حدث، والأهم ماذا سيفعل معها كي تصبح بخير، فهي أصغر منه سنًا، وأرهف منه في مشاعرها، لن تتحمل ما حدث ولن يمر عليها بخير، عليهِ أن يقف بجوارها الفترة المقبلة أكثر من أي وقت مضى.

شعر ببدأ استفاقتها ليتحفز جسده لأي شيء قد يتلقاه منها.

في أول الأمر لم يفقه عقلها شيئًا عما حدث قبل اغماءها، ولكن لم يمر دقيقتان حتى بدأت تصرخ فجأة دون أي كلمة قبلها، ليسرع واضعًا كفه فوق فمها كي يمنع صوت صراخها من الصدوح، لكن هاله ما رآه في عينيها، لقد رأى الخوف يتراقص في عينيها، منهُ؟! هل بدأت تخشاه؟ هتف يحاول طمأنتها:

_ متخافيش يا ديجا، بس بطلي صريخ هيسمعوا صوتك بره.

هزت رأسها موافقة بخوف حقيقي، ليزفر أنفاسه بضيق وهو يرى خوفها لا زال يلازمها، حسنًا يبدو أن الأمر سيأخذ وقتًا، وقتًا ليس بهينًا ولكنه على استعداد لمواجهة أي شيء غير خوفها منه الذي لا يتحمله، ازال كفه من فوق فمها وحاول محادثتها بلطف:

_ خديجة أنتِ لازم تهدي يا حبيبتي، الي حصل مكنش قصدنا، الي حصل ده غصب عنا وأي كلمة منك دلوقتي هتودينا في داهية.

هوت الدموع بحرقة من عينيها، وذمت شفتيها تشهق ببكاء، وارتجف جسدها على ذكرى ما حدث وخرج صوتها مبحوحًا محملاً بالكثير من الحسرة والألم لفتاة في مثل سنها وهي لم تبلغ التاسعة بعد:

_ سارة.. سارة ماتت يا مراد، احنا الي ، هي ماتت بسببنا.

أغمض عيناه لوهلة يستدعي الهدوء قبل أن يفتحهما وهو يسألها بلين:

_ احنا كان قصدنا نموتها؟

نفت برأسها بذعر كأنها ترفض أن تلتصق تلك الجريمة النكراء بها، ليهز رأسه مشجعًا وهو يقول:

_ شوفتي، يبقى بلاش تلومي نفسك، لأنك مكنتيش تقصدي، هي لما وقعتك وعورتك كانت قاصدة تعورك؟ ولا هي بس وقعتك؟

نفت برأسها أولاً ثم عادت لتومئ على سؤاله الأخير وهي لا تكف عن البكاء، ليرفع كفيهِ محيطًا وجهها ماسحًا دموعها بحنان وقال بتحذير:

_ يبقى مش لازم حد يعرف حاجة عن الي حصل.

وكأنها استوعبت أين هي، لتنظر حولها باستغراب وهي ترى ذاتها في غرفته! فسألته بحيرة من بين بكاءها:

_ أنا ايه الي جابني هنا؟ وهي، هي عملت فيها ايه؟

ازاح كفيهِ عنها وهو يزفر انفاسه بتعب، وأخبرها:

_ هي سبتها مكانها، هم اكيد هيلاحظوا غيابها ويدوروا عليها وقتها هيلاقوها، وأنتِ اغمى عليكِ فجبتك هنا.

انخرطت في البكاء أكثر وهي تتخيل حالة والديها حين يعلمان شقيقتها، أي ذنب ارتكبت هي لِمَ وافقته على ذلك الانتقام الجنوني؟ لِمَ استمعت لحديثه كالبلهاء ولم توقفه عن أذية شقيقتها؟ كيف ليس لهما ذنب؟ كل الذنب يقع عليهما لقد فقدت “سارة” حياتها بسببهما؟!

هزت رأسها بتأنيب ضمير وهي تقول ببكاء حارق:

_ لأ، انا هقول لبابا.. انا لازم اقوله عشان يسامحني.

احتلت السخرية وجهه وهو يسألها باستنكار:

_ يسامحك؟ هو لو والدك عرف هيسامحك؟ هيسامحك ازاي؟ محدش هيستوعب الي حصل ولا هيتفهم اننا مكناش نقصد، هيحطوا اللوم عليكي ومحدش هيسامحك.

نفت برأسها رفضًا للاستماع لحديثه مره أخرى، واصرت على موقفها وهي تقول:

_ لأ، انا لازم اقوله، انا.. انا مش هقدر اخبي عنه، مش هعرف.

طفح الكيل من حديثها وتعنتها ليمسك ذراعها كي تنتبه له وهو يقول بحزم:

_ خديجة، انا قولتلك محدش هيعرف حاجة عن الي حصل.

جذبت ذراعها منهُ بقوتها الواهية وهي تصرخ بهِ ودموعها تغرق وجنتيها:

_ ملكش دعوة بيَّ، انا مش عاوزه اصاحبك تاني، أنتَ السبب في الي حصل.. وانا مش هسكت انا هقول لبابا عشان لازم يعرف، لازم يسامحني ويعرف اني مكنتش اقصد.

احتدت ملامحه بشدة وهو يستمع لحديثها، كيف لها أن تلقي حديثها السام هكذا في وجه؟ ألم تعد تريد معرفته!! حسنًا سيتجاوز ما تقوله الآن فقط لأنها بالتأكيد غير واعية لحديثها، ضغط على نواجزه بشدة وهو يقول:

_ طب بصي بقى لو حد عرف حاجة عن الي حصل هزعلك، وأنتِ مجربتيش زعلي لحد دلوقتي بس نصيحة مني بلاش تجربية.

انفلتت منها شهقة بكاء وهي تسأله بخوف:

_ هتعمل ايه يعني زيها؟!

حسنًا هي تستفزه لأقصى درجة، وهو ليس بإنسان ألي ليتحكم في غضبه الذي خرج الآن وتلك النظرة القاتمة المخيفة تحتل عيناه وهو يقترب بجسده منها ويقول بفحيح بدى مرعبًا لها:

_في حاجات كتير أبشع من اعتقد عقلك الصغير ميستوعبهاش!

لقد خشته حقًا، وانتفض قلبها رعبًا، من نظرته لتجد ذاتها تردد بدون وعي منها وعيناها بدت كهرة خائفة:

_ مراد أنا خايفة.

انتبه الآن فقط لغضبه الذي سيطر عليه وجعله يتفوه بحماقة كهذه لها، اغمض عيناه قليلاً ليهدأ وتنفس عميقًا جدًا، وما إن شعر أن عيناه لم تعد مخيفة، حتى فتح عيناه وهو ينظر لها بذلك الصفاء الذي عهدته، التقط كفها بين كفيهِ رغم خوفها وارتجافتها منهُ، لكنه طمأنها بربطه على كفها وهو يقول بنبرته الدافئة التي عهدتها:

– خديجة انا خايف عليكِ، صدقيني مش هاممني نفسي انا خايف عليكِ أنتِ، أنتِ عارفه لو حد عرف الي حصل هيحصل ايه؟

بدت مهتمة بما يقوله، ليستكمل حديثه:

_ هيطلبوا الشرطة، ووقتها مش هيلاقوا حاجة علينا غير كلامك بس، وكلامك مش هيكون دليل يحبسنا، واكيد ابويا هيخرجني من الموضوع بسهولة، ووقتها أنتِ الي هتعاني.. عارفه ازاي، أبوكِ وأمك عمرهم ما هيسامحوكِ، هيكرهوكِ يا خديجة وهيعاملوكِ اسوء مما تتخيلي، هتندمي إنك عرفتيهم صدقيني.. أنتِ اضعف من إنك تتحملي عقابهم ليكِ، صدقيني يا خديجة أنا والله خايف عليكِ.

صمت يحاول معرفة ما إن اقتنعت بحديثه أم لا، لكنه جهل قراءة ملامحها، لأول مرة يجد ملامح وجهها فارغة هكذا، فضغط على كفها يدعهما أكثر وهو يقول بصدق:

_ لو لسه مصممة، قوليلهم يا خديجة، بس متجبيش سيرتك في الموضوع، اوعي تقولي إنك كنتِ معايا، قولي إنك شوفتيني وانا بحبسها في الدولاب، قولي إني اتخانقت انا وهي وبعدها شوفتيني بحبسها في الدولاب وسبتها ومشيت، ولو هتقولي ده فهتقولي كمان اني شوفتك لما شوفتيني فخدتك عندي الاوضة عشان متقوليش لحد، فاهمة؟

لقد حاك لها سناريو رائع لتحكيه للجميع، وعليها فقط التنفيذ ولكن السؤال الأهم هل هي ستفعل هذا؟ هل ستوشي بهِ حقًا؟!

ظلت صامته لثواني حتى.. حتى تغلب خوفها عليها، خشت.. خشت من عقاب والديها وتدخل الشرطة إن قالت الحقيقة، وخشت أيضًا أن تستخدم السناريو الذي حاكه لها “مراد” ولا تعلم السبب!

أخفضت رأسها بيأس وانكسار وهي تقول ببكاء:

_ مش هقول.. مش هقول خلاص.

تنفس براحة حين استمع لجملتها واقترب مقبلاً جبهتها بعمق قبل أن يبتعد وهو يقول:

_ شاطرة يا ديجا، ده الصح صدقيني.

اغمضت عيناها بقهر وهي لا تعرف ما إن كان ما فعلته هو الصواب أم زادت من ثِقل ذنبها؟!

—————–

صراخ وعويل ودموع تتساقط هنا وهناك، صدمة، وقهرة، وقلوب أدماها مظهر الصغيرة التي فقدت حياتها في غمضة عين.

“دينا” لم تتحمل ما رأته وخبر وفاة صغيرتها، فأخذت تصرخ بكل طاقتها وهي جاثية أرضًا، دموعها كجمرات النار، وصوتها الذي يصرخ باسم صغيرتها ينزل على القلوب نزول السوط على الجسد.

و”محمود” سقط جالسًا أرضًا بصدمة، لم يتفوه بحرف أو بصرخة، فقط باهت، مصدوم، تائه، بمعالم أب فقد ابنته للتو.

انتشرت رجال الشرطة بالمكان بعدما أخرجوا الصغيرة، و “ليلى” جالسة على كرسيها تحمل الصغير ” مصطفى” الذي بالكاد بلغ الأربع أعوام وأصابه الذعر من الذي يشاهده أمامه، وعلى مقربة منهُ كان يقف “مراد” محتضنًا خديجة التي انهارت في البكاء وهي ترى المشهد الذي خشت منهُ، المشهد الذي يجلدها ويجلد ضميرها مرات و مرات، وهو لن ينكر أن عيناه غامت بالكثير من الدموع والتي سقطت على وجنتيهِ من المشهد الذي يراه، وتمنى لو فقط تريث قليلاً فيما فعله، تمنى لو باستطاعته العودة للوراء ليلحق بها قبل أن تزهق روحها، ولكن ليت.. لم يجني أحد منها شيئًا.

———–

قاسية هي الحياة حين تعلمنا درسًا يماثل قسوتها ونحن مازلنا صغار لسنا حمل ذلك الدرس ولا تلك القسوة،

قاسية هي الحياة التي تترك في روحنا ندوب لا تُمحى ولا يواريها الزمن،

قاسية هي الحياة التي تسلب منا عزيزًا لم نعتاد العيش بدونه، وتنفرنا من حبيبًا لم نظن أننا سننفره يومًا،

بقسوة الحياة، تقسو قلوبنا، ونقسو معها حتى وإن كنا مازلنا مجرد صبية!

نهاية نوفمبر لنفس العام..

“خديجة” لم تعد خديجة، تلك الفتاة الصغيرة، الحنونة، المرحة، النقية، لم تعد أيًا من هذا، باتت فتاة أخرى، باهتة، صامتة، لم تعد نقية بحملها لذنب شقيقتها! لم تعد علاقتها ب”مراد” كالسابق أبدًا، لم تراه في الشهر ونصف المنصرمين سوى مرات قليلة جدًا، وهو تركها.. تركها تأخذ فترة نقاهة، يعلم أن الأمر صنع حاجزًا ما بينهما، لكنه سيهدمه قريبًا فقط ليترك لها بعض الوقت.

اقتربت من والدها الذي جلس بجوار حوض الزهور بضعف لم يبدو عليهِ سابقًا، فقط بدى عليهِ من بعد وفاة شقيقتها، جلست جواره بأسى على حاله، ففتح ذراعيهِ لها يحتضنها بحنانه المعهود، فبكت.. بكت وهي ترى نفسها سببًا في حالة أبيها الملكوم، لكنه لم يفهم سبب بكاءها فسألها وهو يحاول تهدأتها:

_ في ايه يا ديدي مالك يا حبيبتي؟ ماما زعقتلك؟

“ديدي” كنيتها المفضلة لدى أبيها، والدتها! وهل عادت والدتها تنهرها أو ترفع صوتها حتى، والدتها لم تعد كما كانت هي الأخرى، والدتها أصبحت أم بائسة، حزينة، فاقدة للحياة بعد رحيل ابنتها الكبرى، تعلم أن “سارة” كانت المفضلة بشكل ما لدى والدتها بالطبع لم تكن المفضلة عن شقيقها “مصطفى” لكن كانت المفضلة عنها، لذا مرارة فقدها ليست هينة.

رفعت رأسها لوالدها تستجديه بنظراتها ألا يردها خائبة وهي تطلب منه للمرة الثالثة:

_ بابا، عشان خاطري خلينا نمشي من هنا، أنتَ قولتلي هفكر، خلينا نمشي يا بابا بقى.

نظر لها بحيرة وهو يسألها مستغربًا:

_ وأنتِ ليه عاوزه تمشي من هنا للدرجادي؟

وبمكر ودهاء لم تعرفه “خديجة” من قبل لكن الأيام كفيلة أن تُعلم! كانت تقول:

_ عشان مش قادرة اعيش هنا من غير سارة، كل مكان بشوفها معايا فيه، بابا انا مبعرفش انام بليل، بخاف اوي وبحس إن سارة حوليا، غير إن ماما كل يوم تيجي تقعد قدام باب المخزن الي ماتت فيه وتقعد تعيط.

وجملتها الأخيرة كانت صادقة وشهدها “محمود” بنفسه اكثر من مرة، لذا بعد صمت دام لثواني كان يقول باستسلام وقد هداه عقله أن هذا الحل الأمثل:

_ معاكِ حق، طول ماحنا هنا مش هنقدر نخرج من حزننا أبدًا، كفاية الي حصلنا هنا لحد كده.. هنمشي يا خديجة، هنرجع بلدنا يا بنتي يمكن نقدر نتعايش.

نفسها الآن هادئ، هادئ لدرجة لم تجربها منذُ وفاة سارة، أخيرًا ما سعت له منذُ شهر كامل على وشك التحقق.. ستهرب، ستركض بعيدًا عنه، لن تستطيع تقبله بعدما كان السبب في شقيقتها، لن تستطيع البقاء في مكان واحد معه، عليها بالهرب قبل أن يورطها في جريمة أخرى وتنساق خلفه بكل حماقتها.

الفصل السابع “محاولة نجاة”

“يقولون أنه عليك المواجهة بدلاً من الهرب، وأن الهرب ليس سوى جبنًا يعبر عن ضعف صاحبه، ولكن أحيانًا كثيرة لا تكن المواجهة شجاعة بل تكن انت*حارًا غبيًا، هناك مواقف لا تعد فيها المواجهة خيارًا من الأساس، الهرب.. الهرب فقط هو الخيار الوحيد المتاح، وما عدا هذا فاعلم انك هالك لا محالة”

بعدة عدة أيام..

وهذا النهج الذي تبنته” خديجة” وهي تفعل المستحيل كي لا يصل خبر رحيلهم ل” مراد”، حتى أنها تجلس الآن بانتظاره كما اتفق معها بالأمس حين رآها لثانية واحدة فقط على باب المطبخ ليخبرها باقتضاب” قابليني عند الحوض بكره الساعة ١٢”

وكان هذا موعد عودته من تدريباته الخاصة، نظرته حينها أخبرته كم أنه غاضب لجفاءها معه طوال الفترة الماضية وانعزالها عنه، ولأنها لا تريد لغضبه ان يزداد كي يمر أمر ذهابهم كما تريد دون عقبة وكي لا يشك بها أكثر وافقت، وها هي تجلس بانتظاره بملامح مسترخية هادئة، ولكن قلبها محمل بالكثير، حقد؟ مقت؟ نقم؟ لا تعلم لكن ما تعلمه أنها لا تتقبل هذا اللقاء الذي تشعر بهِ كأنه حملاً ثقيلاً على قلبها، لم تعد كما كانت، لم تعد خديجة التي كانت تتوق شوقًا لرؤيته وجوارحها مفعمة بالحماس والفرح لرؤيته، باتت أخرى تنتظر اللحظة التي ستفر بها هاربة من هنا، بلا رجعة..

_ أخيرًا الأميرة قررت تخرج من كهفها.

جملة ساخرة سمعتها منهُ لتغمض عيناها لوهلة بضيق من سخريته، ثم فتحت عيناها تسترعي الهدوء وهي تقول:

_ لا ابدًا، انا بس مكنتش كويسة.

جلس أمامها ببنيته التي تزداد قوة وحجمًا كل يوم، بدأت عضلات صدره وذراعيهِ في الظهور قليلاً تقسم أنه بعد عدة أشهر من الآن سيصبح قوي البنية كمن تراهم في التلفاز وترهبهم، ولكن لن تكون هنا حتى ترهبه!

اشتاقها حد الجحيم، حد اشتياق الأرض القاحلة للمطر، ولكنها كانت تتمنع عنه، لم يراها أو يجلس معها جلسة كهذه منذُ الكثير، منذُ تلك الليلة المشؤومة من شهر ونصف تقريبًا، وهذه ثاني اطول مدة ابتعدت فيها عنه، المرة الأولى كانت بسبب والده ولكنها لم تتخطى عشرون يومًا، والمرة الثانية وصلت لخمس واربعين يومًا، يخشى أن تكون هناك مرة ثالثة وتزيد المدة بالتباعية! هز رأسه بضيق من منحدر أفكاره فهو لن يسمح لها بالغياب عنه مرة أخرى، لقد قرر أن يهدم ذلك الحاجز الذي رُفع بينهما منذُ وفاة شقيقتها، احتواها بعيناه وهو يقول:

_ عارف، بس من امتى بنبعد عن بعض؟ المفروض كنت تقربي مني اكتر عشان اساعدك تكوني كويسة مش تبعدي يا ديجا! احنا متفقين نكون دايمًا سوا في الفرح والحزن صح؟

اومأت برأسها وعيناها تغشاها الدموع، رغمًا عنها ستفتقده، ستفتقد رفيقها المفضل والوحيد، ستفتقد حنانه، ولطفه، ورعايته، حتى قسوته احيانًا ستفتقدها، حاولت ألا يظهر عليها ما يثير ريبه فأخفضت عيناها كي لا يرى دموعها وهي تقول:

_ معاك حق.. مكنش قصدي ابعد عنك.

رفع رأسها له وهو يخبرها بأنه يتفهمها:

_ عارف يا حبيبتي، انتِ كنتِ زعلانة فمش عاوزه تشوفي حد ومودك مكنش كويس، بس بعد كده اتعودي حتى لو زعلانه وفيكي ايه ومش عاوزه حد جنبك إلا أنا، ارفضي وجود اي حد وكل الناس لكن أنا لأ يا خديجة ماشي؟

“خديجة” حين ينطق بها يكن في أشد حالات جديته، هزت رأسها موافقة وهي تبتلع ريقها ذعرًا من القادم، كيف ستكون ردة فعله حين يعلم بذهابها؟ وهل من الممكن أن يفعل شيء ليعيدها؟ ارتجف قلبها بخوف جم من هذه الفكرة، يا إلهي إن أعادها حقًا حينها ستلاقي منه الويلات، ستكون هالكة لا محالة، أغمضت عيناها بخوف شديد وهي تدعو الله أن تنجح محاولة فرارها منه، تدعو الله أن يتم الأمر كما تريد وألا يحدث أمرًا يكن سببًا في عودتها أو فشل محاولة هروبها.

_ قوليلي أنتِ كويسة؟ لازم تنسي يا خديجة، لازم تنسي وتعيشي.

فاقت من أفكارها على حديثه، لتنظر له بعتاب مستتر كيف له أن يكون ميت الضمير هكذا؟ كيف له أن يكون بارد وهادئ وهو يتحدث عن جريمة ارتكبها؟! بل ويطلب منها أن تنسى! تنسى ماذا؟ تنسى شقيقتها، ام تنسى أنها فقدت حياتها بسببها؟ تنسى أنها ارتبكت جريمة شنعاء وفي حق من.. شقيقتها!؟ كيف يطلب منها أن تنسى؟ تنفست بهدوء رغم كل ما تضمره وقالت بمغزى:

_هنسى يا مراد، رغم إن في حاجات مستحيل تتنسي.

لم يغفل عنه أنها بها شيء متغير، بل أشياء، تلك ليست خديجة التي يعرفها، حتى حديثها، وكأنها فجأة باتت بعمر الثامنة عشر وليس الثامنة! ولكنه اسند هذا أن ما تعرضت له لم يكن هينًا وترك أثرًا بها، أثرًا سيسعى لمحوه فهو لم تروقه الفتاة التي أمامه الآن، لا يرى بها صغيرته الناعمة، البريئة، يشعر كأنها تبدلت! سيعمل جاهدًا على استعادتها.. هذا ما نواه، وهو يقول:

_ بالمحاولة هتتنسي، مفيش حاجة مستحيلة يا ديجا.

قالها وهو مقتنع بها تمامًا، لكنه أدرك لاحقًا أن جملته هذه لم تكن صحيحة أبدًا!

وفجأة خطر على عقلها سؤال لم يخطر بهِ يومًا،ولا تدري لِمَ الآن؟ ربما لأنه يعلم أن هذا اخر لقاء لهما! بنبرة مهتمة كانت تسأله وعيناها مسلطة على ملامحه التي ستفتقدها حتمًا:

_ مراد، انتَ بتعتبرني ايه؟

ابتسم بحلاوة وهو يستشعر أنها بدأت تعود لطبيعتها معه، تسأله وتنتظر اجابته باهتمام كالذي يظهر عليها الآن، فاجابها دون تفكير:

_ حياتي كلها مفيهاش غير اتنين يا خديجة، ماما وأنتِ.

أردف بآخر كلمة وهو يخصها بنظرة محبة خالصة، هي فهمت من اجابته أنها مهمة جدًا لديهِ، وأنه يعتبرها فردًا من عائلته التي أقصى منها والده، وللحقيقة هو أيضًا مهمًا لها، وللأسف كلاهما سيخرج من حياة الآخر بحلول الغد..

ابتسم لصمتها وأبى عقله أن يفلت رد السؤال لها فسألها بحماس لسماع الإجابة:

_ وانا بالنسبالكِ ايه؟

لم تفعل مثله وترد فورًا، بل سكنت لثواني وكأنها تفكر بحرص، قبل أن تتنهد وهي تقول:

_ صديقي الوحيد.

فقط!

لم يبدو عليهِ الرضا بإجابتها وظهر هذا جليًا على ملامح وجهه التي تراخت وتبخر الحماس منها، ونظرة عيناه المعاتبة! لا يعلم علامَ يعاتبها!؟ لكنه يشعر أنها خذلته، كيف لها أن تقتصر الإجابة هكذا! مجرد صديق! لِمَ لم تضع إجابته السابقة لإجابتها في عين الاعتبار وتقتبس مما قاله حتى وإن كان كذبًا…

نهض واقفًا فجأة مما أثار استغرابها وقال بوجوم تراه بهِ لأول مرة:

_تصبحي على خير يا خديجة.

“خديجة” إذًا هو غاضب!

لم ترد أن ينتهي لقائهما الأخير على هذا النحو، فأردفت وهي تنهض متسائلة باستغراب:

_ أنتَ زعلت ليه؟ هي صديقي زعلتك!؟

وبعتاب منه كان يجيبها:

_المفروض اكون اكتر من كده يا خديجة، معقول بعد كل ده اكون مجرد صديق!

لم تعلم بِمَ عليها قوله له، هل تخبره بأكثر من هذا كذبًا؟ حقًا لا تشعر ناحيته بكونه أكثر من صديقها الوحيد والمفضل سابقًا! وحتى إن كانت تشعر بأكثر من هذا فلن تخبره الآن! هي على صدد تركه للأبد لِمَ تزيد من معاناته، رغم كونها طفلة ولكن يبدو أن الصدمة التي تعرض لها عقلها غيرت من تكوينه ليصبح أنضج بشكل مبالغ بهِ!

ذمت شفتيها بضيق وهي ترى نظرته المعاتبة لها، وبعد تفكير لم تصل بهِ لشيء رفعت منكبيها وهي تقول بجهل:

_ ملقتش حاجة تانية اقولها، مش عارفة.. مراد أنا معرفش غيرك بعد عيلتي، انا.. انا مش عارفه أنتَ ايه بالنسبالي بس حد.. بس حد مهم.

رددت الأخيرة وهي تلتقط أنفاسها بعدم شعرت بملامحه تهدأ ويبدو أنها أحسنت اختيار آخر كلمتين وهذا ما جعله يرضى!

رَحمَ صِغر سنها وانها لا تستطيع وصف مكانته لديها، واكتفى بإقرارها أنه مهم للآن فقط.. للآن فقط سترضيه تلك الكلمة لكن فيما بعد سيتطلع للمزيد، والمزيد تحديدًا يقصد بهِ أن تتمثل حياتها بهِ!

اومئ برأسه متنهدًا بهدوء وهو يبتسم لها ابتسامته العذبة التي لا تخرج سوى معها هي ووالدته:

_ ماشي يا ديجا، ايه رايك اجيلك بكره بعد المدرسة ونخرج؟

اتسعت عيناها بدهشة تسأله:

_ نخرج؟! احنا عمرنا ما خرجنا.

لم تنحسر ابتسامته وهو يقول:

_ خلينا نتجنن ونعملها، احنا مش صغيرين.. او بمعنى أدق أنا مش صغير.

صحح جملته الأخيرة بضحكة خافتة حين ظهر امتعاضها، واكمل:

_ يعني مؤهل للخروج لوحدي فهاخدك معايا، وحاطت بروجرام هايل.

ابتسمت بهدوء وهي تقول محاولة محو نظرات الحسرة التي تصرخ بها عيناها:

_ ايه هو؟

بحماس جعله لا يلاحظ نظراتها المتحسرة كان يخبرها:

_ الأول هأكلك كريب ميكس الجبن الي بتحبيه رغم اني معرفش ايه سر حبك له وهو ملوش طعم اصلاً..

_ مراد!

نهرته بحده وهي لا تقبل أن يذم أحد في شيء تحبه خصوصًا إن كان يتعلق بالأجبان التي تعشقها..

ضحك عاليًا وهو يسمع زمجرتها التي راهن عليها، وملامحها المتجعدة كهرة غاضبة، فرفع كفه باستسلام وهو يوقف ضحكته:

– خلاص، خلاص.. المهم، وبعدها ياستي هأكلك الآيس الكريم الي ممنوعة منه بقالك سنين..

أنهى حديثه بغمزة عابثة، لتتدفق الدموع في عيناها رغمًا عنها، هل أتى ليحقق كل أحلامها في اليوم الذي قررت الهرب فيه؟ أأتي ليصنع معها ذكريات رائعة في يوم فرارها؟ ألا يمكنها أن تؤجل الهرب يوم آخر! ولكن تخشى.. تخشى إن فعلت لا تجد لديها القدرة للابتعاد عنهُ، اخفضت عيناها وهي تسأله بنبرة مختنقة:

_ مش خايف عليَّ؟

منعها من المثلجات لم يكن عبثًا، هذا لأنها أصيبت بالتهاب حلق شديد للغاية ذات يوم في بداية طفولتها وحينها أخبرهم الطبيب أن المثلجات لا تلائم طبيعة حلقها الذي يتحسس بشدة منها، ومن حينها ولم تقترب منها بأمر والديها وهو!

وللمرة الثانية لا ينتبه لها، حماسه وهو يخطط ليوم غد طغى على باقي حواسه:

_ لأ، مهو بحساب، يعني يدوب معلقتين حلوين اوي عشان متتعبيش، وبعدها بقى نروح الملاهي.

رفعت عيناها له تسأله باستغراب:

_ كل ده امتى؟ بابا هيسأل عن تأخيري.

ذم شفتيهِ بحنق وهو يخبرها:

_ للأسف هنضطر منطولش، الكريب هجيبه معايا وهناكله في الطريق للملاهي، والايس كريم هناكله هناك ووقتنا في الملاهي نص ساعة بالضبط.. وهتضطري تكدبي كدبة صغيرة بخصوص الساعة تأخير، إن الباص كان فيه عطل.

ابتسمت باهتزاز وهي تودعه بعيناها، لا تصدق أن كل ما نسجه لن يحدث، سيكون خذلانه مضاعف! ولكن لابد لها من السعي قدمًا، لابد لها من النجاة بحياتها.

اومأت برأسها عدة مرات قبل أن تقول:

_ماشي.. مستنية بكرة بحماس.. بس همشي دلوقتي عشان ميلاحظوش غيابي.

اومئ برأسه متفهمًا وقال:

_ ماشي، يلا روحي.

هزت رأسها بإيجاب وقدميها لا تريد التحرك، لا تريد الالتفات لانها تعلم أنها لن تدير له ظهرها الآن فقط بل ستديره للأبد وكم شاق هذا! تشعر بأحد يتمسك بقدميها كي لا تستدير.

طالعها باستغراب لوقوفها وسألها:

_ في ايه يا ديجا؟ واقفه ليه؟

نفت برأسها بنفي عن سبب لوقوفها، فسببها لا يجب عليهِ معرفته، حسها عقلها على التحرك فهي تثير ريبه، ثواني أخذها عقلها ليشجع جسدها على التحرك حتى فعلت، تحركت وادارت ظهرها له، سقطت دموعها على الفور وهي تأخذ خطواتها مبتعدة.. مبتعدة عن حياته.

———————

تنظر للفيلا من الخارج بنظرات مودعة، بدت أنها تودع الفيلا ولكن ما لها بالفيلا لتودعها! هو تودع ذكرياتها هنا، تودع شخص غاب عن المشهد، تودع ذكريات شقيقتها وهي تقسم أنها ترى شبحها يقف هناك أمام باب ذلك المخزن يشيح لها مودعًا، لم تذهب للمدرسة اليوم كي يستطيعوا التحرك صباحًا لالحاق بالقطار المتجه نحو سوهاج حيث مسقط رأس والدها، ومعنى أن الوقت صباحًا فبالطبع “مراد” ليس هنا بل في مدرسته الخاصة، انتبهت من خضم افكارها على حديث “ليلى” تقول:

_ يعني خلاص هتسبونا؟ ده انا ماصدقت اتعودت عليكم، هتمشي يا دينا خلاص!

أجابتها “دينا” بحالة يرثى لها والدموع تملئ عيناها:

_ غصب عني يا ليلى هانم، موت بنتي بيحرق في قلبي وانا كل يوم استناها تدخل عليَّ المطبخ الصبح زي عادتها، ولا ابص لسريرها مليقهاش عليه، وكله كوم والمخزن كوم تاني.. كل يوم بسمع صوتها بيصرخ من جوه عشان انجدها واروح ملاقيش حاجه واقعد اعيط.. كده احسن، البعد احسن.. غير اني مبقتش مركزة في شغلي ولا عارفه انا عملت ايه ونسيت ايه اعمله.

هزت “ليلى” رأسها تفهمًا وهي تقول بتأثر:

_ فهماكِ وحاسه بيكِ والله، ربنا يصبرك، خلاص يا دينا امشي مادام مش مرتاحة.. انا بس صعبان عليَّ تفارقوا بعد ٨ سنين مع بعض.

وهنا تدخل “محمود” وهو يقول:

_ واحنا كمان يا هانم والله، ربنا يعلم الموضوع صعب ازاي، بس ادي حال الدنيا.

_ربنا معاكوا، اشوفكم بخير لو ربنا اراد.

هكذا ودعتهم “ليلى” بتفهم للحالة التي يمرون بها، وهكذا ودعت “خديجة” حياتها السابقة، ودعت ذكرياتها، وودعت كل شيء يتعلق بحياتها في فيلا “وهدان”.

————————-

قدماها ترتعشان لتلك البداية الجديدة، رغم كونها ليست أول مرة لتأتي لبلدة والدها، ولكن هذه المرة الأمر مختلف، لم تأتي هنا لتبقى يومان او ثلاث كما السابق بل أتت لتبقى للأبد، هنا ستصبح حياتها الجديدة، هنا ستكن خديجة أخرى، سترمي خلفها كل شيء حدث، ستصنع ذكريات جديدة.

نظرت لبيت والدها الذي يقبع وسط مجمع خضري مريح للعين، محاط بأراضي استخدمها أصحابها في زراعة ما أرادوه، ولكن المظهر العام بدى رائعًا، نسمات الهواء المحملة برائحة الزرع بعثت في نفسها الراحة، لم يكن منزلاً ضخمًا ولم يحمل أي مظهر للترف، فقط يتكون من دور واحد وقد أخذ اللون الأبيض من الخارج كحال معظم البيوت هنا، حثها والدها على السير فتحركت معه حتى دلفوا للمنزل بعدما فتح والدها الباب، والحال بالداخل لم يكن مختلفًا كثيرًا عن الانطباع الذي تأخذه حين ترى المنزل من الخارج، منزل بسيط.. بسيط جداً، يتكون من ثلاث غرف ومطبخ صغير وحمام وردهة متوسطة الحجم وُضع فيها أرائك قديمة مغطاة بأقمشة أخذت الانطباع الريفي، وتلفاز صغير جدًا الذي يعرض بتقنية الأبيض والأسود، وزير صغير للماء بجواره كوب، وخزانة صغيرة وُضع بها معدات الطعام كالاطباق والاكواب لصِغر حجم المطبخ الذي لم يسعى للمزيد، وبآخر الردهة درج يوصل للسطح، وفقط..

دلفت بهدوء للغرفة التي تعلمها جيدًا من مجيئها لهنا، غرفتها هي وشقيقتها الراحلة، تنفست بهدوء وهي تقرر قبل الدلوف للغرفة كفى.. لامزيد لتذكر الراحلة، لامزيد للآلآم النفسية بعد، فمن ضمن أسبابها للهرب أنها بالفعل كانت تشعر بوجود شقيقتها في كل مكان حولها، لذا لن تسمح أن يتكرر الأمر هنا.

فتحت الباب بهدوء وهي تشجع ذاتها، دلفت بخطواتها المتهادية وغايتها النافذة، فتحتها بعدما وقفت على كرسي صغير لتظهر الأراضي الواسعة المزروعة بالخضرة أمامها، منظر رائع حقًا جذب انظارها وبعث الراحة والهدوء لنفسها، وفجأة خطر بعقلها سؤال ترى هل وصل خبر ذهابهم لمراد؟ هل عاد من مدرسته وعلم برحيلهم؟ وما هي ردة فعله!؟ والأهم هل ذهب لمدرستها وانتظرها ولم تخرج؟ مسكين لقد تحطمت خططه لقضاء يوم نزهة رائع ولم يجني سوى الخذلان!

————

ترجل من السيارة بغضب بعدما فشل اليوم الذي خطط له طوال الليل، فشل لأنها لم تذهب للمدرسة أو ربما ذهبت وعادت للمنزل مبكرًا ولم تنتظره، لا يعلم كل ما يعلمه أنه ذهب وانتظرها أمام المدرسة لنصف ساعة حتى اغلقت المدرسة أبوابها ولم يراها، فقط ليراها وسيعبر عن سخطه لها بطريقته، كيف لها أن تفسد كل ما خطط له هكذا! ولكن حين خطر بباله أنها ربما لم تذهب للمدرسة من الأساس جعله يفكر في سبب عدم ذهابها الذي لا يحدث عادةً، فاهتدى عقله لسبب ربما مرضت!؟ وهنا تآكل القلق قلبه وهو يتجه فورًا للمطبخ فهي بالعادة تكون بمثل هذا الوقت بصحبة والدتها التي لم تعد تجعلها تبتعد عنها منذ فقدان الشقيقة، ولكن قابله الخواء التام، فخرج مستغربًا قاصدًا غرفته ليبدل ثيابه أولاً ثم ليذهب لوالدته ويسأل عنهم..

وما إن انتهى من تبديل ملابسه وعزم الخروج حتى وجد والدته تدلف لغرفته، ابتسم بتوتر لأفكاره التي تدور حول احتمالية مرض خديجة، واقترب من والدته يقبل كفها كالعادة وهو يهمس:

_ مساء الخير يا مامي.

ابتلعت “ليلى” ريقها وهي لا تعلم كيف ستصل له خبر رحيلهم المفاجئ، فهي لم تعلم نيتهم للرحيل سوى صباحًا، وحين عاتبتهم لعدم اخبارهم سلفًا، حتى اخبرها “محمود” انه بالفعل قد اخبر “حسن” منذ ثلاثة ايام كي يأتي بأخرون يقمون بأعمالهم، لم تستغرب لتكتم “حسن” على الخبر فهي تعلم عدم حبه لوجود “خديجة” بقرب ولده، وبالطبع جاء رحيلهم على هواه، بادلته التحية بتوتر وهي تمسد بكفها على خصلاته:

_ مساء النور يا حبيبي.

ابتعد مبتسمًا، وما لبث أن سألها:

_ هي طنط دينا فين، لما دخلت المطبخ عشان تحضرلي ساندويتش لأني جعان ملقتهاش.

حسنًا لا مانع من بعض المراوغة للوصول لغايته!

وها هو قد فتح بابًا للحديث فيما تخشاه، تعلم تمسك ولده بها ومدى علاقتهما، ورغم أنه ولده وتعلمه جيدًا إلا أنها ليس لديها توقع لرد فعله، لا تعلم كيف سيستقبل الأمر، هل سيكون متفهمًا أم سيثور معبرًا عن غضبه لأنه لم يعلم مسبقًا، زفرت أنفاسها بضيق قبل أن تقول بحذر:

_ حبيبي دينا من وقت موت سارة وهي مش كويسة، على طول سرحانة وعقلها مش فيها، وكتير بتروح عند المخزن وتفضل تعيط وهي متخيلة بنتها جوه، حتى هنا في الفيلا بتقول أنها بتتخيلها داخله عليها المطبخ او بتناديلها، ومحمود كمان مبقاش زي الأول دايمًا حزين وسرحان ومقصر في شغله.

لم يفهم لِمَ كل تلك المقدمة، لكنه يشعر بسوء القادم، قطب حاجبيهِ بتوتر وهو يسألها:

_ ليه بتقوليلي كل ده؟

اغمضت عيناها لوهلة تلعن الموقف الذي وُضعت بهِ، ثم فتحتهما وهي تخبره بهدوء وحذر:

_ عشان اقولك انهم بسبب كده قرروا يمشوا، رجعوا بلدهم يا مراد وسابوا الشغل.

التوى فمه جانبًا باستنكار وهو لا يستوعب ما قالته، هل رحلوا؟ من رحلوا!؟ هل خديجة معهم!؟ ورغم سخافة السؤال إلا أنه ردده وهو يسألها:

_ وخديجة؟

استشعرت الغرابة من سؤال ولدها، فالطبيعي أنها ذهبت معهم! لكنها أدركت من سؤاله أنه لا يستوعب ما وقع عليهِ، لا يستوعب رحيلها وبشكل أدق رافضًا :

_ حبيبي طبيعي مشيت معاهم.

ابتعد خطوتان للخلف ليصبح جالسًا فوق الفراش، لا لم يجلس بل ارتمى بجسده بوهن وهو يردد برفض:

_يعني ايه مشيت؟ هي عمرها ما هتمشي من نفسها، هي متقدرش تبعد عني زي مانا مقدرش ابعد عنها، هو اكيد عملها حاجة صح؟ اجبرهم يمشوا؟ آذاها طيب قوليلي عشان خاطري.

عدة كلمات متقطعة رددها من بين صدمته بعدما وقع على سمعه حديث والدته الصاعق وهي تخبره بتوتر بدى ظاهرًا عليها بأن” خديجة” قد رحلت هي وعائلتها، رحلت بلا رجعة، لتظهر معالم الصدمة رويدًا عليهِ حتى تحولت لملامح تشبه التيه! كملامح شخص ضلَ طريقه فجأة بين الزِحام فظهر هذا جليًا عليهِ.. عيناه المتذبذبه، ووجهه الشاحب، علو أنفاسه، تلجلجه بالحديث، كل هذا يشرح لك بوضوح أنه قد ضلَ طريقه قبل أن تسأله حتى! أو كطفل فقد أمهُ فجأة، فلم يعد يعرف كيف ستسير حياته دونها؟ فبدى شاردًا، مهمومًا، مكفهر الملامح، والأدهى ضائعًا.

لم تعلم لِمَ اقحم والده في الأمر، هو ليس له دخل بهِ لا من قريب ولا من بعيد، ولكن ربما لأنه يعلم كره والده لوجودهم، ويتذكر يوم وفاة “سارة” وقف بكل قسوة في ردهة الفيلا الواسعة وهو يقول ” اهو ده الي بيجينا من وراهم، مش كفاية بنته الي قرفانا ولزقة لابنك وهتضيعه، لا بنته التانية تموت والشرطة تدخل بيتي وشوشرة وقرف بسببهم”

لم يملك ذرة شفقة على ما أصاب الصغيرة، وحينها اندفعت “ليلى” تنهره على حديثه وعدم مراعاته للحدث، لينهي حديثه معها بجملة يتذكرها” مراد” جيدًا حين قال ” انا فاضلهم عندي تكة وهمشيهم مش ناقص قرف أنا ووجع دماغ ”

هل رآه يجلس معها أمس فأمرهم بالرحيل؟ هل سمع لمخططه معها اليوم فأقصاها من حياته حين علم أنه مازال على علاقة بهِ؟ أسئلة، أسئلة تقاذفت لذهنه ولم يجد لها إجابة ليخفض رأسه بوهن وهو لم يستمع لإجابة والدته، وعيناه بدأ يغشاها الدموع.

ألمها رؤيته بهذا الشكل، ألمها انكساره الظاهر ووجعه، فاقتربت منه بكرسيها حتى أصبحت أمام الفراش فاحتضنته لصدرها بحنو تحاول تخفيف وطئ حديثها عليهِ فهي تعلم جيدًا ما تمثله له “خديجة”، فأردفت بصوتٍ بهِ كثير من اللطف:

_ هو معملهاش حاجة يا حبيبي والله، أنتَ عارف إني مش هكدب عليك يا مراد، لو كان عملها حاجة كنت قولتلك.. بس هم قرروا يمشوا فجأة للأسباب الي قولتلك عليها، واحنا منقدرش نغصبهم يفضلوا يا حبيبي، خصوصًا إن حالتهم صعبة بعد بنتهم.

انتفض مبتعدًا عنها دافعًا جسده للخلف قليلاً رافضًا احتضانها له فلن يجدي نفعًا، لن يواسيه، لن يخفف عنه، لا يحتاج لحضنها الآن تحديدًا وهو في أقصى حالات غضبه ويأسه، هز رأسه رافضًا بقوة ودموعه قد تهاوت بعجز وغمغم:

_ لأ، هي مش هتمشي من غير سبب.. أنا عارف السبب بس انا مكنش قصدي.. انا مكنتش اعرف إن كل ده هيحصل، أنا مش عاوزها تبعد عني، مكنش ينفع تمشي.

وكان يقصد السبب الرئيسي لكل هذا ألا وهو تورطه في سارة، الذي بنى جدارًا بينهما لم تنتظر هي حتى يهدمه كما نوى وذهبت وبينهما الجدار الذي كان سببًا رئيسيًا في الرحيل يعلم.. والدليل أنها لم تخبره مسبقًا.

بدى الآن أصغر من عمره الذي بقى عدة أيام ليبلغ فيهم الرابعة عشر، بدى كطفل لم يتجاوز السابعة يبكي على فراق شخصًا عزيزًا عليهِ، أو كطفل أصغر قليلاً ينعي كسر لعبته المفضلة بشدة!

انزوى بعيدًا على طرف الفراش ضامًا ركبتيهِ لصدره، وهو يهزي لذاته بعدة كلماته لم تستمع لها، ولكن مظهره كان كفيلاً بأن يفطر قلبها على وحيدها، حاولت معه مرة أخرى لتهون عليهِ الأمر، ولكنها لم تكن تعلم بأنها ستزيد الأمر سوءًا:

_ حبيبي أنتَ لسه صغير، طبيعي تزعل عشان صاحبتك المفضلة بعدت عنك، بس اكيد هتصاحب ناس تانية وهتبقى هي مجرد ذكرى جميلة من طفولتك، بلاش تعمل في نفسك كده.

انتفض جسدها حين علىَ صوته بشكل لم يكن مألوفًا أبدًا أن تراه بكل هذا الغضب والعصبية، وهو يقذف بالوسادة الصغيرة بعيدًا بمهمجية بحتة، وصاح بها:

_ مش عاوز غيرها.. أنا بكرهه، هو السبب.. لأ انا السبب.. هي مشيت بسببي.

ردد الأخيرة للمرة الثانية التي يذكر فيها أنه السبب لأمر مجهول تجهله، قطبت حاجبيها مستغربة وقد تجاهلت الأمر للمرة الأولى ولكن لن تستطيع تجاهله ثانيًة:

_ ليه بتقول كده؟ أنتَ عملت ايه عشان تكون السبب؟

هدأت عصبيته على الفور وهو يستمع لسؤال والدته المباغت له، ابتلع ريقه بتردد وبدأ التوتر يداهمه، لكنه ردد بضيق زافرًا أنفاسه بملل وهو يتجه لنافذة غرفته ينظر منها لتسقط عيناه على تلك الغرفة المنفردة التي تحتل جانب الحديقة حيثُ كانت تسكن، فغادره التوتر وسكن الحزن عيناه وهو يردد بغصة بكاء:

_ ماما لو سمحتِ سبيني لوحدي.

حاولت الحديث لكنها توقفت حين شعرت بأنه من الأصوب الآن أن تتركه بمفرده، ليس لديها حديث آخر تقوله وهو لا يتقبل من الأساس، إذًا فلتترك له مساحته علَّه يهدأ.

لذا انسحبت بهدوء حتى أنه لم يشعر بها وهي ترميهِ بنظرات حزينة على حاله، طفلها الذي رغم صغر سنه لم يشهد أيامًا جيدة، دومًا يعاني وهي كالعادة تقف عاجزة.

انسدلت دمعة وحيدة من إحدى عيناه وأنظاره مسلطه على الغرفة، ليردد لسانه بعتابٍ:

_ ليه مشيتي؟ أنتِ بالزات مكنش ينفع تمشي.

وقد صدقَ حينها، وأثبتت الأيام تاليًا، أن ذهابها كان إيذانًا لتحرير الشيطان من محبسه…

———————

_ خديجة تعالي سلمي على عمك وابنه.

خرجت على صوت والدها الذي علىَ يناديها لتبصر عمها “منصور” الذي يرتدي جلبابًا تقليديًا وعمامة، وبجواره طفل لا بل مراهق في السادسة عشر من عمره “باهر” تعلمه جيدًا فقد رأته مرتان مسبقًا، يرتدي جلباب يشبه لجلباب أبيه لكن تخلى عن العمامة ليظهر خصلاته السوداء الغزيرة، ببشرته القمحية التي اكتسبت قمحيتها من طبيعة الجو الحار هنا عكس القاهرة، اقتربت بخطوات بطيئة بعدما تخلت عن ثيابها القاهرية كما يسمونها، خلعت عنها بنطالها وكنزتها وارتدت جلباب نسائي كحلي اللون بهِ نقوش سوداء صغيرة، وشعرها جمعته في جديلة بدت جميلة حقًا، هتفت بهدوء وهي تمد يدها لتصافح عمها:

_ ازيك يا عمي.

اجتذبها لعناق حار منهُ وهو يقول بلهجته الأصلية:

_ كيفك يا بت اخوي؟

ابتعدت وهي تغمغم مبتسمة:

_ الحمد لله.

تشعر بالراحة تجاه عمها “منصور” بالكثير من الراحة، على عكس عمتها “سُرية” التي ما إن تراها حتى تشعر بانقباض في قلبها لا تعلم سببه، والأخرى لم تتخلى عن لهجتها الحادة وقسوتها في الحديث معها، انتبهت لصوت يقول:

_ كيفك يابت عمي..

حولت بصرها ل “باهر” الذي يبتسم باتساع وهو يلقي تحيته عليها، لا تعلم لِمَ لكنها تشعر بالخجل منه ولا تستطيع التحدث معه كثيرًا، فأجفلت بنظرها وهي تردد بخفوت على استحياء:

_ الحمد لله.

_ لازمًا تعلم البنته لغتنا لاحسن الخلج هنا يتمجلطوا (يتريقوا) عليها بحديتها ده.

هذا ما قاله عمها ليجيبه “محمود” بهدوء بلهجته الأم:

_ من جبل ما تجول ياخوي انا ناوي على اكده، الجعدة مطولة مهياش يومين وماشيين، هعلمها كل حاجة هنا متجلجش.

صاح “منصور” بجدية:

_ وزي ما جولتلك الشغل موجود في المعلف بتاعنا، وعهد الله ما هسمح تراجع كلامي، وه معمليش حساب ولا ايه يا ابو سارة ده انا اخوك الكبير يا جدع! تشتغل عند الغرب وملك اخوك موجود!

أردف بحديثه حين رأى الاعتراض باديًا على وجه “محمود”، ليستسلم الأخير لرغبة أخيه وهو يقول:

_ خلاص الي تشوفه ياخوي مجدرش اراجعك، جولي في مدرسة اهنه اجدم فيها لخديجة.

تحمست “خديجة” لرد عمها الذي قال:

_ اومال، فيه طبعًا، المدرسة الي فيها ابراهيم ولدي مانت خابر إنه اكبر من خديجة بسنتين.

اومئ “محمود” وهو يقول:

_ خابر، يعني ينفع نجدم لخديجة فيها، انا جبت ورجها من المدرسة الي في مصر.

ربط “منصور” على قدم أخيه وهو يقول:

_ متحملش هم، هاتلي الورج وانا هجدملها ومن بعد بكرة تروح المدرسة ويا ولد عمها ابراهيم وبت عمتها فريال.

تنهد “محمود” براحة لقضاء الأمر وهو يقول:

_ عيشت ياخوي.

وشردت “خديجة” وهي ترى حياتها تأخذ مسارًا جديدًا، بلدة أخرى، إناس آخرون، مدرسة جديدة، وصُحبة جديدة، ولكن هل ستجد من يحل محل “مراد”!؟ ولا تعلم لِمَ حين خطر هذا ببالها وجدت عيناها ترتفع تلقائيًا لتقع على “باهر” الذي بالصدفة ينظر لها، تشعر وكأنه بطريقة ما يذكرها بمراد!؟ تبًا لكِ خديجة وهل وجدتِ البديل بهذه السرعة!!؟

الفصل الثامن.. (تضاد)

“التضاد هو كل شيء وعكسه.. والشيء هنا كان بدايتها لحياة جديدة، وعكسه كان نهاية حياته هو، فمن حيث بدأت هي انتهى هو”

“الشخص يعتاد بصعوبة على غياب شيء كان يومًا دائمًا بين يديهِ، ويكن الأمر في بداية الغياب أشبه بانسحاب المخدر من عروق مدمن لسنوات، ماذا إن كان هذا الشيء شخص؟! شخص لم يفارقك لحظة، شخص كنت ضامنًا وجوده الدائم، شخص كظل شجرة في يوم حار كلفحة النيران، وفجأة تتعرى من هذا الظل لتقف في لسعة الشمس الحارقة، هي كانت ظله.. كانت مؤنسه.. كانت.. اللعنة لقد كانت كل شيء له كيف رحلت بهذه البساطة!؟ والمحفز لسبها أنها كانت تعلم مكانتها لديه، ولم تأبه بأي هذا! يا لها من قاسية القلب! منذُ رحلت ولم تشرق شمس يومه، لم يرى ضيّ لطريقة المعتم، منذُ رحلت وهو كالأعمى الذي فقد بصره فجأة فأخذ يتخبط بين جنبات الطرق دون أن يهتدي لطريق مستقيم، ولا يعلم أسيظل يتخبط حتى يفقد طاقته فيستسلم حتى تزهق روحه.. أم سيجدها قبل هذا! ويعود بصره! ”

خرجت من منزلها بخطى مرتجفة ودقات قلب متسارعة، لجهلها بما هي مقبلة عليه، جهلها للمكان والشخصيات التي ستضطر للتعامل معها يثير ذعرها، كأول مرة ذهبت بها لمدرستها القديمة، ولكن حينها كان لديها مراد.. كانت تعلم انها ما إن تعود ستجد من تسرد عليهِ أحداث يومها وتخبره بحيرتها حيال من قابلتهم فيوجهها بفطنته كونه الأكبر والأكثر خبرة لتعلم من منهم ستستمر علاقتها معه ومن منهم ستقطع أي طريق يصلها بهِ، والأهم سيزول التوتر ورهبة اليوم عنها ما إن تسرد ما حدث بهِ، وهنا لا يوجد مراد.. وربما هذا حمل آخر يثقل كاهليها ويفقدها الشغف في تجربة تلك الحياة الجديدة.

_ يلا يا خديجة متأخرين.

انتبهت لصوت “باهر” الذي علىَ بهذه الكلمات لتنظر له باستغراب لوجوده فهو ليس من سنهم ليذهب معهم، ومدرسته سمعت من حديث والدها أمس أنها فترة مسائية، وأنها ستذهب مع الصغيران “ابراهيم و فريال”، ابراهيم.. الواقف بجوار “باهر” شقيقه الأكبر.. لا تعلم لِمَ،لكنها لم تستثغه يومًا.. تشعر بحاجز ما بينهما يجعلها تنفر من المعاملة معه، أما فريال التي تماثلها في العمر فإلى حدًا ما علاقتهما طيبة من خلال المرات القليلة التي تقابلا فيها..

_ واجفة اكده عندك ليه؟

للمرة الثانية أخرجها” باهر” من شرودها لتحرك رأسها بلا معنى، وهي تقترب منهم قائلة بخفوت:

_صباح الخير.

رأت “ابراهيم” يشيح برأسه للجهة الأخرى بنزق ولم يرد، بينما تولا “فريال” و “باهر” الرد، وقالت “فريال” بابتسامة هادئة:

_ مبسوطة إنك هتبجي معانا في المدرسة.

أهدتها “خديجة” ابتسامة بالكاد تُرى وتحركت معهم دون حديث آخر.

تشعر بالتوتر بشكل يرهقها، تشعر وكأنها ذاهبة لتلقي ذاتها في حفرة عميقة ربما لا تستطيع الخروج منها، ليت” مراد” هنا ليخفف توترها هذا، تتذكر أنه فعلها في أول يوم دراسي لها، حين خرجت من الغرفة الخاصة بهم وجدته أمامها يشد من أزرها ويدعمها بعدة كلمات هدأت كثيرًا من توترها، وانهى مهمته بقبضته علي كفها بحنو وهو يخبرها أن تتحلى بالثقة في ذاتها والشجاعة كي لا يشعر الآخرين بتوترها وخوفها فيستهزأون بها ويستغلون هذا أسوء استغلال، وطبعًا لم يذكر فرضًا أن تقابل أشخاص جيدين يتمتعون بنفس صفاتها الجيدة، وهذا لأنه “مراد” ذو النظرة السودوية للجميع عداها هي ووالدته.

وفي خضم تفكيرها وتذكرها لموقف “مراد” معه، كان يجاورها في السير “باهر” متأخران عن البقية، وحين لاحظ شرودها وقلقها البادي، كان يهمس لها:

_ متقلقيش.

انتبهت لصوته لتنظر له بادراك أنه يحدثها، لكن لم تسمع ما قاله، فسألته بهدوء:

_ نعم؟

ابتسم ابتسامة بدت دافئة لحد غريب! وهو يقول معيدًا:

_ بقولك متقلقيش.. حاسك قلقانة بسبب المدرسة وكده فقلت اطمنك.

رمشت بعيناها عدة مرات مما آثار ضحكه على معالمها المصدومة، لكنها لم تأبه وهي تردد بذهول:

_ أنتَ بتتكلم زيي!

أجابها بضحكة:

_ قصدك قاهري يعني؟

اومأت بإيجاب، ليتنهد مهدئًا ضحكاته قبل أن يقول بتوضيح:

_ انا كل اجازة بروح القاهرة اعيش مع ماما هناك.

قطبت حاجبيها بدهشة وهي تسأله:

_ يعني ايه؟ هي مامتكوا سايبه عمو وعايشة في القاهرة؟!

نفى برأسه موضحًا:

_ أمي انا بس.. لكن ام ابراهيم هنا.

توقفت عن السير بصدمة وهي تسأله:

_ هو انتوا مش من نفس الأم!؟

ابتسم متفهمًا صدمتها ثم قال بتنبيه:

_ ممكن نمشي طيب عشان نلحق المدرسة وهجاوبك.

انتبهت لوقوفها لتكمل سيرها معه والفضول يتآكلها حول معرفة قصته، ولم يتركها لفضولها كثيرًا حين قال:

_ بابا اتجوز ماما من سنين كتيره، بس مفضلوش مع بعض كتير هو تقريبًا سنتين واطلقوا، وبعدها ماما رجعت القاهرة لأنها أصلاً من هناك.. وبعد شوية بابا اتجوز أم ابراهيم وخلفوا ابراهيم، من وقت ما كبرت يعني من بعد ما تميت السبع سنين كده وماما رجعت اتواصلت مع بابا وطلبت انها تشوفني، واقعد معاها كذا شهر في السنة، بس فبقيت بروح اقضي معاها الاجازة وارجع على ميعاد الدراسة.

اومأت بتفهم وهي تستغرب كون شيء كهذا لم يذكر أمامها ابدًا من قبل، هزت رأسها بلامبالة لأفكارها وهي تسأله بفضول أكبر:

_ ومامتك لما بتروح لها بتعاملك كويس؟

صمت وطال صمته لعدة ثواني ربما، قبل أن تستمع تنهيدة قوية خرجت منه وهو يجيبها حائرًا:

_ والله مش عارف.. اوقات بتكون كويسة، واوقات بحسها متضايقة من وجودي او مش فارق معاها.. مش عارف.

وبتفكير يكبرها كانت تهتف بفطنة:

_ اعتقد لو مش حابه وجودك مكانتش هتطلب من باباك تقعد معاها.

نظر لها بدهشة لحديثها، فقد ظن أنها لم تفهم معظم حديثه من الأساس، وإن فهمت لن تستطيع تفهم معاناته بين والدين منفصلين منذ أعوام مضت، هو لم يراهما معًا في مكان ما، لم يجتمعا سويًا منذ وعى قليلاً وأصبح مدركًا لِمَ حوله، لكنها فاجئته بحديثها الذي ينم عن عقل متفتح واعي لا يخضع لسن معين!

عاد بنظره للأمام وهو يشعر بذاته ينجذب أكثر تجاه تلك الصغيرة بلا سبب، يشعر وكأنه واقفًا على حافة بئر عميق يثيره ما يراه فيهِ من بعيد، ليظل يقترب منه دون شعور منجذبًا بسحره، حتى يدرك فجأة نفسه وهو إما على حافة البئر إما واقعًا بهِ بالفعل! والغريب أنه يشعر بقربه من البئر ولا يمانع، وكأنه يرحب بالسقوط بهِ!

– معاكِ حق.

هذا ما أردف بهِ مؤيدًا حديثها، لتباغته بسؤال آخر وهي تسأله:

_ طيب وطنط مامت ابراهيم كويسة معاك!؟

يعجبه كونها انجذبت للحديث معه حتى وإن كان الأمر من باب الارضاء لفضولها، فيكفي أنه وجد طريقًا يجمعهما سويًا من أول يوم لها في البلدة.

_ حقيقي من اطيب الناس الي ممكن تعرفيهم، وكويسة اوي معايا، ومعتبراني ابنها.

ارتاحت لإجابته فقد ظنت انه يلاقي الويلات منها كما يحدث مع “مراد” من والده دومًا، مراد! ترى ما حاله الآن؟ وماذا سيفعل مع ذلك المتجبر والده بعد رحيلها؟ تعلم أن وجودها كان يشكل معه فارقًا كبيرًا، كانت تهون عليهِ ما يلاقه، فماذا بعد رحيلها؟

_ روحتي فين؟

وهل شردت بهِ مرة أخرى؟! انتبهت ل”باهر” لتهز رأسها بيأس يبدو أنها ستسبح بعقلها كثيرًا مع ولد وهدان من الآن وصاعدًا!

_ مفيش، طيب ليه مبتتكلمش باللهجة دي دايمًا!؟

أجابها موضحًا وعيناه تستقر على بوابة المدرسة :

_ قدام بابا لأ، عشان بيتضايق وبيحس إن وجودي مع ماما ممكن يخليني اتخلى عن لهجتي والي هو بيعلمهولي واكون شبه القاهريين.. وبابا شايف إني كده مش هبقى الراجل الي هو عاوزه، طبعًا هي وجهة نظر مش صح لأن الراجل مش بلهجته، بس ده تفكير بابا بقى، فبريح دماغي ودايمًا قدامه بتكلم بالصعيدي… ابراهيم، فريال.. تعالوا.

رفع صوته مناديًا عليهما بعدما أبصرهما واقفان أمام بوابة المدرسة من الداخل، فخرجا وذهبا لهما ليقول “باهر” بتنبيه:

_ خدوا بالكم من خديجة، ودايمًا تكونِ معاها يا فريال لاحسن يجرالها حاجة وهي لسة متعرفش المكان ولا الخلج.. وانتَ يا ابراهيم في الفسحة ابجى طُل عليهم شوفهم زنيين ولا لأ.

ضجرَ “ابراهيم” وهو يستمع لوصايا أخيهِ ليهتف بنزق:

_ به! هتتخطف اياك! دي مدرسة ماحناش داخلين عربخانة خبر ايه يا باهر متعجدهاش اكده!

احتدت ملامح “باهر” وهو يهتف:

_ دي بت عمك، وغريبه عيب عليك لما تهملها لحالها.

سخر مما يسمعه وهو يقول:

_ حاضر.. ههمل حصصي ودروسي واجعد احرس الهانم.

وهنا لم تستطع “خديجة” الصمت وتحمل كلماته، فانطلقت تنهره:

_ أنت بتتكلم كده ليه؟ انا اصلاً مش عاوزه منك حاجة ومش محتاجاك بس متتكلمش عني بالطريقة دي.

وهمَ “ابراهيم” برد وقح على حديثها وطريقتها التي اثارت استفزازه، لكن تدخل “باهر” مهدئًا الوضع:

_ اهدي يا خديجة متزعليش منه، مخه طاجج ميعرفش بيجول ايه… وأنتَ اسمع الكلام من سكات احسن ماابوك يعرف ويتصرف هو معاك.

ابتسم باستفزاز وهو يقول:

_ ابويا لو عرف مش هيجولي همل دروسك واجعد احرس بت عمك.

_ بس هيجولك متناطحش اخوك والي يجوله يتسمع من سكات.

تأفأف بضيق وهو يدرك صدق حديث “باهر” فوالده دائمًا ما يحذره من أن يرد لأخيهِ الأكبر كلمة،و لابد أن يحدثه بأدب، وألا يرفع صوته أمامه، وأن يعتبره في مقامه تمامًا.. هذه هي وصايا “منصور” له تجاه “باهر”.

لذا بلع لسانه كما يقولون وهو يسبقهم بخطواته لداخل المدرسة ووجهه عبارة عن كتلة دماء من فرط غيظه.

التفت “باهر” ل “خديجة” قائلاً:

_ متحطيهوش في بالك، هو ابراهيم دايمًا كده من ناحية البنات عمومًا.. المهم مش هقدر ادخل معاكِ المدرسة عشان أنا اعدادي مش هيسمحولي، بس فريال اهي معاكِ لو حصل اي حاجة… متقلقيش ها.

قال الأخيرة ورأت هي في عينه نظرة طمئنتها تلقائيًا، فوجدت نفسها تبتسم وهي تقول:

– متقلقش عليَّ.

تحركت مع “فريال” تحت نظراته المهتمة بها، لا يعلم سببًا بالتحديد لكن تلك الفتاة شغلت حيزًا من تفكيره منذُ رآها أول مرة منذُ ثلاث سنوات حين قرر والدها ببدأ زياراته السنوية لبلدته وأهله، حينها وجد ذاته تعلق بها بشكل غير مفهوم رغم وجود من هي أكبر سنًا “سارة” الشقيقة الراحلة، لكنها لم تنجح في جذب اهتمامه كما فعلت الأخرى، ولا يعلم ما جذبه لها، ربما هدوئها، ربما تلك البراءة المنبعثة من وجهها، أو صفاء عيناها! لا يعلم حقًا، والادهى أنه يجهل ما يريده منها وبأي صفة يريدها في حياته غير كونها ابنة عمه… لكن للآن سيتخذها صديقة لحين أقوال أخرى.

———————–

لم يبرح من غرفته منذُ الأمس، لم يذهب لمدرسته اليوم، ولم يجيب والدته حين دقت على بابه أكثر من مرة تطلب منه الخروج كي يتناول افطاره حتى، لم يفعل شيء من الأساس منذُ أمس غير انه يجلس أمام نافذته ونظره يتنقل بين الغرفة التي كانت تسكنها و حوض الزهور حيث معظم ذكرياتهما، قلبه يؤلم بشدة، ومهما كان فهو مازال صغيرًا على تحمل هذا الألم، لا يستوعب عقله ذهابها، وينتظر أن تظهر أمامه بين فنية وأخرى، “خديجة” لا يمكنها الذهاب، “خديجة” كانت شخصًا ضامنًا لوجوده ما حيا، “خديجة” و “مراد” اسمان لجسدان لا يمكن أن ينفصلا، فكيف انفصلا بحق الله!! كيف حدث هذا! تبًا لكل شيء وأولهم هي.. كيف لم تخبره بذهابها سلفًا، يقسم أنه كان سيقيم الدنيا ويقعدها على أن تذهب معهم، حتى وإن اضطر لفعل أي شيء لا يتصوره عقل لتبقى كان سيفعله.

دمعة ليست الأولى ولن تكن الأخيرة زينت وجنته وعيناه شاردة في الفراغ، رغم تسلطها على حوض الزهور لكنه يرى ذكرى قريبة كانت تجمعهما، الأمس فقط كانا يجلسان هنا، كانت تضحك له وتسايره في حديثه عن نزهتهما، كيف لم يلاحظ عليها شيء! ولِمَ لم تخبره؟ هل أرادت الفرار؟ هل كان رغبتها بعد ما حدث لشقيقتها؟ هل خشته من يومها ولم تظهر ذلك؟

– غبية.. كنتِ قوليلي إنك خوفتِ، وانا اطمنك، كنتِ احكيلي عن افكارك الغبية الي بتيجي في تفكيرك عني وانا اقولك إني مستحيل أأذيكِ، مستحيل اعمل في يوم فيكِ زي ما عملت فيها، كنت هقولك إني عندي استعداد اخسر روحي عشانك.. مكنش ينفع تمشي من غير ما تعرفيني، مكنش ده اتفاقنا يا ديجا.

كان يتحدث بصوت مبحوح، ودموع عرفت طريقها جيدًا، وربما إن نظرت لعيناه لوجدت انعكاسًا لصورتها من كثرة ما يتخيلها أمامه حتى بات يحدثها بعتاب عما يجوب صدره تجاه فعلتها.

دق وأخرى أقوى أصابا باب غرفته، ولكنه كالعادة لم يهتم بعدما أغلق الباب من الداخل بالمفتاح كي يمنع من ما كان من الدخول، حتى والدته كان يستمع لحديثها ومناجتها له كي يفتح لها الباب، لكنه لم يتحرك أنشًا واحدًا من مكانه، لم يبدو عليهِ النية للتحرك أساسًا.

ولكن تلك الدقة هذه المرة مختلفة، اعنف ربما! ولكنه لم يهتم حتى.. حتى بعدما استمع لصوت والده من خلف الباب ليفهم الآن سر عنف الدقة:

_ افتح الباب يا مراد.

وتكرر الطلب بفتحه للباب ثلاث مرات وهو لم يتحرك من موضعه لفتح الباب، بل حين قام بعد المرة الثالثة كان ينوي التسطح فوق فراشه والتدثر بغطاءه غير عابئًا بما يحدث في الخارج.. ولكن ما حدث لم يتوقعه أحد.. فخطوة، واثنان، والثالثة كان يسقط فوق وجهة مفترشًا الأرضية بجسده دون شعور منه.

بالخارج استشاط “حسن” غضبًا من أفعال ولده وخاصًة اغلاقه للباب وعدم استجابته لندائته، هدر بغضب وهو ينظر ل”ليلى” الجالسة فوق كرسيها بجواره، “ليلى” التي لم تتحرك من محلها منذُ عدة ساعات وهي تجلس هكذا امام باب الصغير على أمل أن يرق قلبه لوهلة ويفتح لها الباب لتطمئن عليهِ وتؤازره ولعنة نفسها أكثر من مرة على غباءها الذي جعلها تتركه بالأمس انصياعًا لرغبته:

_ عاجبك الي ابنك بيعمله ده! وكل ده عشان مين؟ بنت الخدامة! مش دي الي حذرتك منها من سنين وقولتي ده تعلق عيال!؟

التقطت أنفاسها من بين بكاءها الذي لم يتوقف وهي تقول:

_ حرام عليك بقى ده وقته! شوف الولد الأول الي مبيردش ده وبعدين قول الي انت عاوزه..

زفر ولعن بضيق من بين أنفاسه الثائره قبل أن يسحب كرسيها للخلف عدة سنتيمترات ويبدأ بدفع الباب بجسده بقوة حتى فُتح بعد المرة الرابعة..

ومع فتحه ودلوفهما عدة خطوات للداخل كانت صرخة “ليلى” تدوي وهي ترى جسد ولدها ممدد أرضًا على وجهه بلا حراك كأن الحياة فارقته..!!!

__________________

جذبت الغطاء عليهِ بحزن ودموعها لم تجف، تنظر لوجهه الشاحب وكفه الذي اتصل بهِ محلول مغذي، منذُ ذهاب الطبيب الذي أخبرهم بكون الاغماء راجعًا لامتناعه عن الطعام والشراب لعدة ساعات طويلة تخطت الثلاثين ساعة فلم يتحمل جسده الضعيف هذا فانخفض دمه وحدث هبوط في الدوره الدموية، تجلس هكذا تنظر له بحسرة وعجز، ليتها لم تترك الصغيرة تذهب، لم تكن تعلم أن ولدها متعلق بها لهذا الشكل، لم تتخيل أن تكون هذه حالته بسبب رحيلها!

_ بكره ليَّ كلام تاني معاه.

انتبهت لجملة “حسن” الواقف بقرب الفراش من الجهة الأخرى، لترفع نظرها له وهي تقول بضعف:

_ أرجوك بلاش، هو مش ناقص ولا حِمل قسوتك عليه.

وهنا ابتسم ابتسامة لم تفهم معناها وهو يقول ببرود:

_ مين قالك إني هقسى عليه! بالعكس، انا بس لازم افوقه من الي هو فيه ده قبل ما يحصله حاجه، ولا عاجبك وضعه كده!؟

هزت رأسها برفض وهي تعود بنظرها للصغير واجلت حلقها لتقول:

_ مش عاجبني، بس مش في ايدي حاجة اعملها، ياريتني اقدر ارجعهاله.

لوى فمه متهكمًا وهو يسمع جملتها، ليردف بسخرية مبطنة:

_ لا ارتاحي أنتِ انا هحل الموضوع.

رفعت عينيها له مرة أخرى، لا تأمن شره، وتشعر بقلبها يدق بصخب ينبأها بالشر القادم، لكن ما باليد حيلة.. فهي لن تتحمل الوضع الذي بهِ صغيرها وإن كان بيده حلاً فليفعل، وهي ستكون له بالمرصاد إن شعرت بشره يحوم حول ولدها.

—————–

اوائل فبراير لعام ٢٠١٥….

_ تؤمري بحاجة تانية يا مدام؟

تسائلت بها تلك العاملة التي انتهت من رص اطباق الطعام فوق الطاولة الفخمة التي تحتل منتصف الغرفة، لتنظر السيدة للطعام برضا قبل أن تقول بينما يدها تعدل من نظارتها الطبية:

_ تمام يا سلوى، روحي انتِ.

صوت خطوات تقترب منها ودون ان تلتفت كانت تدرك هوية صاحبها الذي صدح صوته يقول:

_ مراد لسه مجاش؟

لوت فمها ساخرًة وهي تجيبه:

_ بتسألني انا عنه؟ المفروض أنتَ اكتر حد عارف اخباره.

جلس فوق مقعدة الذي يترأس الطاولة وهو يقول ببرود:

_ وده عشان؟

احتدت نظراتها وتلونت حدقتيها بالكره وهي تردف:

_ عشان مهو بقى تحت باطك وبقى بينكم اسرار معرفش عنها حاجة، عشان مانجحت تعمل الي انت عاوزه يا حسن وللأسف مقدرتش ابعده عن شرك.

رفع حاجبيهِ بملل وهو يعقب:

_ كام مرة سألتيه عن طبيعة الشغل الي بيشتغله معايا ويقولك انه بيشتغل تبع الشركة الي فتحتها من خمس سنين، شركة استيراد معدات السيارات وتجميعها في مصانعنا، ولا أنتِ فاكرة هو دخل كلية الهندسة ليه؟ واقولك حاجة لو مش مصدقاه قوليله انت تعرف ان ابوك كان شغال مع المافيا؟ شوفي هيقولك ايه!

ردد الاخيرة بخبث لتطالعه باستهزاء وهي تردف:

_ اولاً انا واثقه انك لسه في شغلك المقرف ده، بس للاسف ماباليد حيلة، ثانيًا انتَ عارف اني مش هسأله عشان لو فعلاً ميعرفش معرفوش و**** ابوه.

ضحك ببرود وهو يقول:

_ الله يسامحك، سايبك تغلطي ومبكلمكيش اهو لاحسن ابنك مفكر اني ممكن اكلك ولا حاجه وكل شوية يحذرني اني اضايقك.

ابتسمت بهدوء وهو تعقب:

_ متقدرش تعملي حاجه اصلاً عشان ابني الي بتتكلم عليه ده مش هيسمحلك تقربلي.

صوت صرير عالي لسيارة اصطفت خارج الفيلا قطع حديثهما، لتهز رأسها بيأس وهي تغمغم:

_ مش هيبطل تهور.. أنا مش قولتلك كلمه على طريقة سواقته المتهورة دي؟

نظر لها بجانب عيناه وهو يشرع في الطعام مرددًا:

_ وانا مالي، مش هو حبيب القلب الي بيدافع عن امه قوليله أنتِ بقى.

زفرت بضيق وهي تبعد عيناها عنه ناظره لمدخل الباب منتظرة دلوف فلذة كبدها.

بالخارج اطفئ محرك السيارة ونزع سترته بارهاق، لقد كان يومًا مليئًا بالاعمال المرهقة، رفع كفه يمرر اصابعه بين خصلاته السوداء الغزيرة والتي تساقط بعدها فوق جبهته، وارجع رأسه للخلف ساندًا اياها على ظهر المقعد، مغمضًا عيناه لثواني، ثواني فقط ثم فتح عيناه ليظهر خضار عيناه.. لا زرقتهما.. ربما خليط بينهما!، عدل مرآة السيارة التي تقع في المنتصف لينظر لوجهه جيدًا، يتفحصه حتى وجد مبتغاه.. بقعة دماء حقيرة كصاحبها تقع على جانب صدغه الأيسر، التقط منشفة ورقية مزيلاً اياها بمعالم مشمئزه وما إن انتهى حتى تمتم بشفتيهِ الغليظتان قليلاً:

_ مش ناقصين ليلى هانم تقفشنا.

تأكد للمرة الأخيرة من نظافة وجهه ومرر اصابعه على لحيته الخفيفة، قبل أن يترجل من السيارة ليظهر طوله الفارع لشاب في مثل سنه الذي بلغ العشرين منذُ عدة اشهر قليلة، وجسده الرياضي بتقسيماته وعضلاته الواضحه وبالطبع الراجعة لممارسته لمعظم الرياضات العنيفة والاساس ( الملاكمة والكاراتية)، بخطوات واثقة وهادئة كان يدق الأرض الصلبة بحذائه الكلاسيكي الأسود اللامع، ووضع سترته السوداء على ذراعه المعضل، يسير بخيلاء تليق بهِ تمامًا!..

حتى… حتى توقف فجأة وهو يشعر بأن صدره يضيق بهِ، يشعر بألم غريب في قلبه وانفاسه بالكاد يلتقطها.. شحب وجهه وهو يستند على حافة الباب بذراعه يحاول التقاط انفاسه، ورفع كفه الآخر يمسد صدره باختناق.. قطب حاجبيهِ مستغربًا حالته لثواني قبل أن تتسع عيناه بذعر وهو يردد بأنفاس ذاهبة:

_ خديجة!!

حتمًا “خديجة” بها شيء، هذا الشعور شعر بهِ قبلاً حين مرضت مرة وحين سقطت من فوق الدراجة مرة أخرى وكُسرت قدمها… ولكن في تلك المرات كانت بجواره وهدأ قلبه حين علم مصابها، لكن هذه المرة الله وحده أعلم بما أصابها!

————

وعلى بعد الكثير والكثير من الكيلومترات كانت صرخاتها تتعالى لتشق سكون الليل الموحش، دموعها أشبهت نهرًا جارٍ، قلبها تكاد تتقطع أنياطه من فرط ألمها.. صرخات وصرخات وهمهمات غير مفهومة هو كل ما يصدر من تلك المسكينة، البائسة..

الفصل التاسع.. “مازالت بقلبي”

استعاد نفسه رغم انه مازال يشعر بألم قلبه لكنه تجاهله مؤقتًا كي يستطيع الظهور طبيعيًا أمام والدته التي سريعًا ما يتآكلها القلق عليه، ففرد ظهره وهو يزفر انفاسه بقوة قبل أن يغمض عيناه لبرهة مستعيدًا ثباته، وما إن شعر أنه أصبح بخير قليلاً، حتى تحرك للداخل بخطواته التي بدت مختلفة رغمًا عنه، بدت أقل ثقة، وأقل ثباتًا، فخطوات الإنسان تتأثر بشدة بما يجول في عقله، كلما كان عقلك صافيًا ونفسك هادئًة بدت اكثر ثقة وحماس، وكلما كنت شارد العقل في أمر ما كانت خطواتك مترددة وهِنة، ابتسم ثغره ابتسامة بالكاد تُرى ما إن وجد نظر والدته مسلط على مكان دخوله، بادلته الابتسامة بحنان وقد انخدعت بابتسامته الظاهرية لتهتف بحب:

_ حمد الله على السلامة يا نور عيني، اتأخرت ليه النهاردة؟

اقترب منها مقبلاً جبهتها بحنانه المعهود معها قبل أن يجيبها بهدوء:

_ كان عندي شغل كتير يا حبيبتي.

تنهدت بعدم راحة لماهية عمله ولكن لقد فعلت كل ما يمكن فعله لتتأكد من طبيعة عمله، سألته عدة مرات وكانت ترى الصدق في اجابته، حاولت أن تلاحظ أي شيء يثير شكها ولكن لم تجد، يذهب لعمله في التاسعة صباحًا ويعود في التاسعة مساءً، مواعيد عمل مثالية! ماذا سيثير شكها اذًا!

_ ربنا معاك يا حبيبي.

جلس بجوارها على المقعد وهو يلقي بتحية باردة لوالده:

– مساء الخير يا بابا.

وبنفس البرود كان يجيبه:

_ مساء النور يا مراد.

وحل الصمت بينهما لا يتخلله سوى أصوات اصطدام المعالق بالطعام من فنية لأخرى، ولطالما كان دومًا تجمعهم هكذا ليس على الطعام فحسب فأي تجمع لهم لا يخلو من الصمت الطويل، وكأنهم فقدوا لغة الحوار فيما بينهم وهم بالفعل كذلك.

ابتلع ما في فمه بصعوبة، لا يشعر انه بخير بتاتًا، من كثرة ألم صدره يشعر بصعوبة بالغة في مضغ الطعام أو بلعه، رفع كفه في الخفاء يمسد جانب صدره الأيسر باختناق آثار حنقه، لا يعلم ما يجب عليهِ فعله كي يزول هذا الاختناق الغاشم عنه، التواء طفيف في عضلة فكه الأيسر أنبئت بتألمه وقد غص في طعامه من كثرة اختناقه، سعل بخفة عدة مرات متتالية قبل أن يلتقط كوب الماء يتناوله بنهم، وكف “ليلى” يمسد على ظهره بقلق بعدما انتبهت لحالته وهي تقول:

_ بسم الله الرحمن الرحيم، براحة يا حبيبي، اشرب براحة وخد نفسك.

انتهى من تناول الكوب ليضعه رافعًا كفه يمسح بهِ على وجهه ليزيل عرقه الذي غزاه من الاختناق، وزفر أنفاسه بقوة، قبل أن يبعد كفه ينظر لوالدته بابتسامة باهتة يحاول طمأنتها:

_ انا كويس متقلقيش.

استمع إلي صوت “حسن” الساخر وهو يقول بينما ينظر لملامح “ليلى” القلقة:

_ ده شِرق ماخدش رصاصة! ليه كل القلق ده كأنه طفل!

امتعضت ملامحها وهي تجيبه:

_ محدش طلب رأيك.. ابني اقلق عليه من الهوا الطاير، ولا فاكرني عديمة الاحساس زيك.

رفع “مراد” حاجبيهِ ساخرًا من وصلة القذف بالكلمات التي ستبدأ للتو بينهما، لينهيها قبل أن تبدأ وهو يقول بسأم:

_ خلاص ياماما.

التزما الصمت حين لاحظا ملامحه الممتعضة بضجر، ليستكملا طعامهما بصمت بينما نهض هو وهو يقول:

_ عن اذنكم هطلع انا ارتاح محتاج انام.

نظرت” ليلى” له بقلق تسأله:

_ هتنام دلوقتي؟ الساعه لسه مجاتش ١٠!

مال عليها بقامته يهمس في أذنها:

_ عشان ساعتين وهصحى.

ضيقت حاجبيها بعدم فهم لجملته فهمست له:

_ ليه؟!

وبمغزى كان يجيبها بنبرة توارى خلفها الكثير من الألم:

_ النهاردة ٢/٩ يا ماما.

تصلبت معالهما لوهلة قبل أن تترقرق في عينيها الدموع وهي تعاتبه:

_ برضو يا مراد؟ لسه مصمم تعذب نفسك يابني!؟

بابتسامة تبدو لكل عين تراها لا مبالاية ولكن لعين والدته رأت كم الآلآم التي تتوارى خلفها كان يهتف منهيًا الحديث:

_ تصبحي على خير يا ماما.

تابعته بنظرها بحزنٍ كامنٍ في قلبها حسرةً على ولدها وحالته التي لم تتغير بمرور الزمن ولا بنضجه، ولدها الصلب، الذي كبرَ قبل أوانه، وأصبح رجُلاً يُعتمد عليه رغم صِغر سنه، مازال محبوسًا في قفص الماضي، عنده يكن طفلاً صغيرًا بحاجة لرفيقة طفولته، تعترف أنها فشلت في جعله ينساها، تعترف أنها لم تفلح في أن تأخذ مكان طفلة كانت بالثامنة!.

التفت للجالس فوق كرسيه ببرود يتناول طعامه، غير مهتمًا بهمسهما، سألته بأعين دامعة رغم علمها الاجابة :

_ أنتَ بجد معرفتش طريق خديجة وأهلها؟

زفر باختناق قبل أن يضع ملعقته بحدة وهو يغمغم بنزق:

_ يووه بقى، هو مبقاش ورانا سيرة غيرهم! انا عندي سؤال هنفضل لحد امتى بنجري ورا شوية خدم؟ هيفضل المحروس ابنك لامتى بيدور عليها وبيدفع فلوس قد كده عشان اي معلومة عنها! دي بقالها سبع سنين غايرة من هنا، سبع سنين مش كفاية عشان ينساها!؟

هزت رأسها بيأس وقد تساقطت دموعها بعجز:

_ للأسف ولا سبع سنين كمان كفاية، كنت فاكرة زيك كده، كنت فاكرة ابنك هينسى بعد كام شهر ومش هيفتكر اسمها حتى، بس صدمني.. ابنك روحه متعلقه بيها مش قلبه بس، كل حاجه فيه متعلقه بيها، عمره ما هينساها ولو جه عُمر فوق عُمره.

نهض بعدما القى المحرمة القماشية بضيق:

_ هو حر بقى، خليه معذب نفسه وبيجري ورا سراب.

انهى حديثه منسحبًا من أمامها لتنظر لأثره بشك وهي تهمس بقلق:

_ ياخوفي تكون عارف مكانها وبتضلله، لو مراد اكتشف ده هتقوم حرب هتولع في البيت باللي فيه.

________________

عيناها.. عيناها بركة دماء، ملامحها باهتة، وجهها شاحب، ونظرها مسلط في اتجاه واحد كأنها فقدت الوعي!

اقتربت “فريال” وهي ترمقها بعيناها السوداء كعين المها، ورغم ارهاقها هي الأخرى إلا أن وجهها لم يفقد جماله ببشرتها القمحية الرائعة التي تنم عن فتاة عربية أصيلة، وشعرها الغجري الطويل لمنتصف ظهرها، جميلة هي للحد الذي يجذبك بجمالها الخاص، اقتربت بحزن على رفيقتها حتى جلست جوارها وهي تضع كفها على كتف الأخرى وقالت مغمغمة:

_ وحدي الله يا خديجة، وحدي الله ياخيتي، كفياكِ بكا عينك هتروح.

لم تتحرك “خديجة” أنشًا واحدًا وكأن “فريال” لم تجاورها أساسًا، تنهدت “فريال” بصبر وهي ترمقها بقلق من حالتها تلك، وحاولت جذب الحديث معها اكثر وهي تقول:

_ طب جومي، جومي صلي ركعتين لله واستغفري وادعيه يصبر جلبك، ويرحمها.

وهنا التفت بنظرها لها، تحركت حدقتيها تجاه “فريال” وهي ترميها بنظرة موجعة، قبل أن تقول بصوت مبحوح من كثرة صراخها منذُ ساعتان مضت:

_ يرحمها! جصدك يرحمني.

ربطت “فريال” على كتفها وهي تقول بحزن:

_ يرحم الكل يا جلبي، جومي يمكن نارك تهدى.

هزت “خديجة” رأسها بانهيار وهي تقول بصوتٍ باكٍ ارتفعت نبرته المختنقة:

_ نار! انا حاسه اني تايهة، مش فاهمة اي الي حُصل، ازاي! دي… دي كانت لسه بتتحدت (بتتكلم) ويانا وزينة، ايه الي حُصل عشان توجع مننا فجأة اكده!

صمتت لثواني وعيناها جاحظتان وكأنها تعيد الحديث برأسها، لتهز رأسها نافية بقوة وهي تقول بإنكار:

_ لا لا، محصلش حاچه، ده كابوس… ايوه كابوس وهفوج منه، مستحيل، هي زينة والله محصلش حاجة.

صرخت بالأخيرة وهي تنظر ل “فريال” بانفعال بالغ، لتهدئها الأخرى وهي تربط على كتفها بمواساة:

_ طب اهدي.. اهدي يا خديجة بالله عليكِ اكده هيجرالك حاجة.

لم تهتم “خديجة” لحديثها، ولكنها لفت رأسها ناظرة لباب غرفتها المفتوح حين استمعت خطوات تقترب منه، ثواني ووجدت “باهر” أمامها بقامته الطويلة وجسدة المتناسق كحال معظم شباب البلدة من كثرة أعمالهم الشاقة بالحقول حتى وإن كانوا ذو شهادات عُليا فالحقل بالنسبة لهم كالمنزل تمامًا لا غنى عنه، وما يفعلونه حبًا في أرضهم واعتزازًا بها أكثر من كونهم يستفيدون منها، “باهر” الملتحق بكلية الطب البشري الفرقة الخامسة، “باهر” رفيقها الذي كان عونًا لها منذُ استقرارها في البلدة، “باهر” الذي بات أقرب لها من “فريال” حتى، هو الوحيد الذي سيفهمها ويصدقها! لذا لم تتمهل في النهوض سريعًا مهرولة تجاهه حتى أصبحت أمامه وهي تقول بملامحها الباكية وتميل رأسها للجانب قليلاً كطفلة تحاول اقناع من أمامها:

_ باهر، جولها إن أمي كويسة، جولها إن محصلهاش حاجة وهتبجي زينة.. هي كانت بتتحدت (بتتكلم) ويانا ومفيهاش حاجة عِفشة، جولها يا باهر عشان ممصدجنيش.

“خديجة” سبع سنوات لم تكن هينة لتجعل لسانها يعتاد لهجتها الأم رغمًا عنها، ورغم هذا لم تنسى لهجتها القاهرية التي تشعر بأنها الشيء الوحيد الذي يربطها بذكرياتها وماضيها.

طالعها بأسف على حالها قبل أن يقترب خطوة واحدة مُمسكًا كفيها لأول مرة بحياته فلم يفعلها سابقًا لانه يعلم أنه لا يحق له فعلها، يعلم أن لا دينه ولا خُلقه يسمح له بلمسها حتى وإن كانت طفلة، ولكن ما هي فيهِ الآن لم يحتمله، لم يستطع أن يقف مكتوفي الأيدي هكذا.

نظر لعينيها بثبات واهٍ وهو يقول برفق:

_ خديجة، ممكن تهدي، استغفري ربنا وارضي بقضاءه، ادعي انه يربط على جلبك ويصبرك احسن من حالتك دي.

طالعته بعتاب وكأنه خذلها للتو وقالت بلوم:

_ حتى أنتَ مش مصدجني!

أصرَ على حديثه رغم أن نظرته آلمتها لكن المواجهة أفضل بكثير من حالة الانكار هذه:

_ خديجة، مرت عمي ربنا توفاها واسترد أمانته فيها، الدكتور جال أنها غيبوبة سكر شديدة وانتوا ع ما اتحركتوا ملحجهاش، أنتِ خابره انها عندها السكر من ياما، وكانت زينة وعايشة بيه، بس ده جدرها ومعادها، وحدي الله وادعيلها.

أمسك كفيها بقوة حين وجد جسدها ينسحب للأسفل لتسقط جالسة بوهن فوق الأرضية، واقتربت “فريال” سريعًا منها، تدعمها وهي تلتقف جسدها بين أحضانها، لتبدأ “خديجة” في النحيب بصوتٍ عالٍ ومظهرها أوجع قلوبهم، ظلت هكذا لدقائق حتى ارتفع صوت صرخاتها الهيستريا مرة أخرى وهي تغمغم من بينهم:

_لييييه… هملتيني ليييه ياما؟ .. هملتيني لمييييين؟ .. مش كفاية سارة.. أنتِ كمان! أنتِ كمان هملتيني لحالي.. آآآآآه.. يارب… يااارب أنا لسه صغيرة على الشيلة دي.. لسه صغيرة على الوجع ده كله، جلبي ممتحملش وجع تاني..

أخذت تض*رب على صدرها بقوة في جملتها الأخيرة، لتحاول “فريال” الامساك بها باحكام وابعاد قبضتها عن صدرها إلا أنها كانت الاقوي مشحونة بطاقة حزنها وغضبها، ونهض “باهر” سريعًا راكضًا للخارج مقررًا جلب حقنة مهدأ لها، فإن ظلت هكذا حتمًا ستؤذي ذاتها..

_ كلهم هملوني يا فرياال.. كلهم.. محدش بجي معايا، محدش هعرف اشكيله همي ولا اميل عليه لما حملي يتجل.. حاسة بنار في صدري.. حاسة روحي بتتسحب مني يا فريال.

حاولت “فريال” الحديث لها بصعوبه من بين صرخات الأولى فرفعت صوتها وهي تقول بينما تمسك بجسدها بين ذراعيها:

_ اهدي يا خديجة، وحياة أغلى حاجة عندك اهدي، أنتِ تعبانة مش حِمل الي بتعمليه ده يا بت خالي، اهدي بجي لتجعي مننا أنتِ التانية.

عقبت “خديجة” على حديثها بنحيب:

_ياريت، مش انا تعبانة زي ما بتجولي، مش بتجولي الزعل غلط عليَّ هيعمل ايه؟ هيموتني! يارب.. يارب عشان ارتاح بجي من الغلب ده، بس متخافيش مش هموت، عارفة ليه.. عشان ربنا رايدني اتعذب، سايبني على الدنيا عشان اتعذب واكفر عن ذنبي ودي البداية بس.

بدت بعض الجمل غير مفهومة المعنى ل “فريال” لكنها اسندت الأمر أنه مجرد هرتله بالحديث غير مقصودة من سوء حالتها النفسية فلم تعقب وهي تردف:

_ حرام عليكِ، ايه الي بتجوليه ده يا خديجة، استغفري ربنا، ده الرسول صلى الله عليه وسلم جال “لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم ‏أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي” وجال برضو “لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون”، بلاش تدعي على نفسك حرام عليكِ.

ولكن “خديجة” لم يكن عقلها واعيًا لأيـًا من هذا الحديث الآن.

ظلت على حالتها حتى دلفت عمتها” سُمية” بوجهها الجامد وملامحها القاسية، الباردة، وهي تقول بضيق:

_ وه! ما كفياكِ نواح يابت محمود، هنجضي الليل كله صريخ ونواح اياك! جومي فزي خدي خيك في حضنك الواد مفزوع من الي بيحصل.

لم ترمي “خديجة” لحديثها بالاً ومن الواضح انها لم تسمعها حتى فأصبحت تتمتم بعدة كلمات غير مفهومة وعيناها شاردة في الفراغ، لتنوب “فريال” بالحديث عنها وهي تردف بضيق بالغ من قسوة والدتها:

_ حرام عليكِ ياما، أنتِ مش شايفة حالتها كيف، خيها ايه بس الي تاخده في حضنها دي محتاجة الي يواسيها!

نهرتها “سُمية” بشدة وهي تبرق لها عيناها:

_ حُرمت عليكِ عيشتك يا غراب البين أنتِ، هتناطحيني اياك! جومي فزي جامت جيامتك، بلا دلع ماسخ جاعده تواسيها يا عين امك.

_ دلع! دلع ايه ياعمة أنتِ مشيفاش حالتها! الي ماتت تبجي امها بردك راعي شعورها مش اكده!

قالها “باهر” بعدما عاد من الخارج وهو يتجاوزها ليرفع “خديجة” من فوق الأرضية بمساعدة “فريال”، لوت “سُمية” فمها بضيق وهمست بنزق:

_ ادي الي بيجلنا من البنات وخلفتها.

وتركت الغرفة عائدة للخارج.

انتهى من اعطائها المهدأ حتى أغلقت عيناها، فتنهد براحة وهو ينظر لحالتها المثيرة للشفقة بحزن جم، لم يراها هكذا من قبل، ورؤيتها تنهار توجع قلبه بشكل موحش، لكن ليس بيده ما يفعله، خبر وفاة والدتها كان فاجعة للكل وانقلبت حياتهم رأسًا على عقب، نظر ل”فريال” ليجدها تبكي في صمت، فزفر بضيق وهو يقول:

_ جرا ايه يا فريال! هنسكت واحده تطلع التانية!

رفعت عيناها الباكية له وهي تسأله باختناق:

_ سمعت الي عمتك جالته؟ شايف جسوة جلبها!

رفع جانب شفته العليا ساخرًا:

_ كأنك هتتجددي عليها!

نفت برأسها بحنق:

_ لأ، بس متخيلتش ان توصل بيها الجسوة للدرجادي.. عارف أما مش كارهه خديجة بالذات، هي كارهة البنات كلها بسببي.

يعلم صدق حديثها، ويحزنه حالها هي الأخرى ومعاناتها الدائمة مع والدتها، وشعورها الذي هي موقنة منه وهو أن والدتها لا تحبها، وما أقسى هذا الشعور، لكنه حاول ابعادها عن تفكيرها هذا وهو يقول:

_ متجوليش اكده، مفيش أم بتكره بتها.

ضحكت ضحكة موجعة وهي تردد ساخرةً:

_ تحب اجولك كام مرة دعت عليَّ، ولا اجولك كام مرة تجولي كان يوم اسود يوم ما جيتِ الدنيا، ولا اجولك أنها عمرها ما جالتلي كلمة حلوة.. اسكت يا باهر.. اسكت مادام مهتعرفش تكدب.

اخفض انظاره بحرج من كشفها له، فبالفعل لن يستطيع المراوغة في هذا الأمر او الكذب، لن يستطيع مواساتها حتى ولو بالحيلة، هز رأسه بإيجاب وهو يقول:

_ المهم، لما خديجة تفوج خليكِ جارها، متفارجيهاش واصل يا فريال، احنا رايحين ندفن ولو فاجت وملجتش امها في البيت حالتها ممكن تبجى اصعب.

اومأت “فريال” برأسها رغم قلقها وخوفها من لحظة افاقتها وتخشى ألا تستطيع السيطرة عليها، لكنها رددت باعتراض:

_ هو لازم تدفنوها دلوجتي؟ الدنيا ليل، ماتصبروا للصبح.

هز رأسه مستنكرًا:

_ هتفرج ايه ليل من نهار! بلاش جهل يا فريال، يلا هروح انا واول ما الدفنة تخلص هاجي طوالي عشانها.

اومأت برأسها موافقة، ليذهب هو خارجًا كي يلحق بصلاة جنازتها، وبقت “فريال” تجاورها ببكاء أحيانُا على حالة رفيقتها وأحيانًا على حالها هي وما تعانيه من أم عُجنت القسوة بدمائها.

__________________

منذُ صعد من أسفل وأول شيء فعله أن تخلص من قميصه وحذائه وأي شيء شعر أنه يزيد اختناقه، حتى انتهى بهِ الحال بنصف علوي عارٍ والنصف السفلي يستره ثوبه الداخلي فقط، ورغم هذا لم يقل الاختناق ولا الثقل الهائل الذي يشعر بهِ يجثم فوق صدره تزحزح أنشًا، ساعتان مروا وهو يجلس فوق فراشه برأس منحنية تطالع الفراغ في الأرضية، وكتفان متهدلان بيأس، عقله يتسائل متى سيُكتب لقلبه الراحة؟ متى ستُرد له روحه؟ متى ستُكلل محاولاته في البحث عنها بالنجاح؟ لقد صبرَ وطال صبره حتى ضاق بهِ الخناق، يشهد الله أنه لم ييأس يومًا من لقياها ولكن الأمر يرهقه ويؤلم قلبه حد الجحيم.

دقة مميزة برنين خافت أُصدر من ساعة يده، ليرفع رأسه مبتسمًا بحب، وكأنه تبدل وأصبح شخصًا آخر، عيناه اللامعة بتلك اللمعة المميزة، وملامحه التي سكنت فجأة، كل هذا جعله يبدو شخصًا آخر.. نهض متحركًا تجاه خزانته والتقط كنزة صيفية بنصف اكمام سوداء ضيقة قليلاً ابرزته عضلاته لحد ما، وارتدى سروال قطني رمادي اللون، واتجه للحمام وغسل وجهه بالماء جيدًا يزيل أثر الارهاق، ومن ثم خرج واقفًا أمام المرآة معدلاً خصلاته كأنه على موعد لمقابلة شخصًا هامًا، بعدة تحركات وترتيبات في الغرفة فعلها حتى أصبح الشكل كالتالي كما أراد.. كرسي أنيق وضعه أمام النافذة من الداخل، لتكن النافذة خلفيته وبالتالي ما يطل عليها ك “غرفتها” القديمة مثلاً!، وأمام الكرسي ثبتَ كاميرا على حامل لها، وغاب لثواني حتى أتى بحقيبة متوسطة الحجم، أدار الكاميرا واتجه للجلوس فوق الكرسي والحقيبة وضعها على فخذيهِ، تنهيدة عميقة.. فابتسامة هادئة.. فنظرة خاصة كأنه يرى من يحدثه أمامه، ثم بدأ في الحديث:

_ كل سنة وأنتِ طيبة يا ديجا، النهاردة عيد ميلادك ال ١٥، وعيد ميلادك الخامس الي اسجلك فيه فيديو، كانت امنيتي السنة الي فاتت في اخر الفيديو إن السنة الجاية اكون بعايدك وأنتِ قدامي ومحتاجش للكاميرا تاني، بس للأسف المرة دي كمان أمنيتي متحققتش..

أخفض نظره لوهلة يستعيد فيها نفسه، لا يريد أن يظهر حزنه لها حين تشاهد هذه الفيديوهات مستقبلاً، رفع رأسه وهو يكمل بيقين داخلي:

_ بس مش مهم.. صبرت وهصبر، وعارف إن هييجي يوم احتفل بعيد ميلادك معاكِ وافرجك كل الفيديوهات دي، ومستني اليوم ده بفارغ الصبر، وحشتيني..

تنهيدة عميقة صدرت منه وغامت عيناه بالمشاعر وهو يكمل:

– وحشتيني اكتر من اي حاجة في دنيتي، وحشتيني لدرجة إني مش متخيل لما اشوفك هشبع اشتياقي ده ازاي، بحاول اتخيل شكلك وبتخيله بس بحس انه هيبقى بعيد عن الحقيقة، مش عارف… بابا وماما مستغربين إني لسه فاكرك وبدور عليكِ، ميعرفوش إني قطعت وعد لنفسي إني هفضل ادور عليكِ لآخر نفس فيَّ، ويا الاقيكِ الأول يا روحي تطلع الأول.. كان نفسي تكوني معايا كل السنين الي فاتت دي ونكبر سوا ومتغبيش عن عيني لحظة، عارف إنك محتجاني زي مانا محتاجك بالضبط، عارف إنك اكيد مفتقداني، ثقتي في البنوتة الي ربتها مخلياني عارف إنك مش هتنسيني حتى لو كان سنك صغير وقتها….

التقط انفاسه وعاد يقول بألم ظهر بحدقتيهِ:

_ المشكلة.. المشكلة إني مش جنبك يا خديجة، المشكلة إني حاسس بوجع في قلبي بيقولي إنك مش كويسة وعاجز.. عاجز لأني معرفش مكانك، مش عارفه اعمل ايه، احساس العجز مموتني خصوصًا والموضوع يخصك أنتِ، نفسي اطمن عليكِ واطمن قلبي بس مش عارف، الوجع الي حسيت بيه النهاردة انا عارفه كويس مبحسش بيه غير لما يكون فيكِ حاجة، وللاسف دي تالت مرة أحس بيه وأنتِ بعيدة عني.. اتمنى إنك تكوني بخير يا ضيّ.

ابتسم بفاكهة طفيفة وهو يكمل:

_ مش هقولك سر اسم ضيّ الي بقولهولك من اول فيديو ده، مش هقولك السر غير لما تكوني قدامي.

فتح الحقيبة وأخرج ما بها ليقول بابتسامة متحمسة:

_ الحقيقة هديتك السنة دي حيرتني اوي، عشان عارف إنك بقيتِ أنسة ويمكن اهتماماتك اتغيرت عن السنين الي فاتت.. مش عارف، بس جبتلك الشنطة دي، والفستان ده اول ما شوفته حسيت إني شايفك فيه رغم إني معرفش مقاسك ولاشكل جسمك بس واثق أنه هيجنن عليكِ…

أخرج الفستان يعرضه أمام الكاميرا، وقد كان ذو لون وردي هادئ بتصميم بسيط يصل لبعد الركبة بقليل و بأكمام، صدره يضيق لينزل باتساع قليلاً، وله حزام في المنتصف رُصع بالماس الذي زين نهاية الأكمام أيضًا، وقماش الفستان بهِ بعض التطريزات اليدوية وقد أُدخل فيهِ النقوش الهادئة والتي كانت تشير لرسومات فراشية الشكل، أما الحقيبة كانت بيضاء من الجلد الطبيعي ورغم حجمها الصغير إلا أنها بدت رائعة خاصًة وقد زًينت في منتصفها باسمها (Deja) مُرصعًا باللولي المضيئ فأعطاها مظهر أنيق.

أعادهم للحقيبة وهو يقول بابتسامة بدت باهتة كعادته في نهاية كل فيديو:

_ اتمنى يعجبوكي.. واتمنى السنة الجاية اكون بعرض الهدايا قدامك وبحتفل بعيد ميلادك ال١٦ معاكِ وعيني تشبع منك، رغم إن عمرها ما هتشبع.. وحشتيني يا ضيّ.. وفراقك كاسرني.

قال الأخيرة وقد اختنقت نبرته ولمعت حدقتيهِ بدموع تجاهد لعدم الظهور، فنهض مغلقًا الكاميرا ووضع الحقيبة بجوار الخمس حقائب الأخريات في خزانته، وأغلق عليهما متجهًا لفراشه راميًا بثقله عليهِ وعيناه ناظرة للسقف بشرود مؤلم.

————-

حركت رأسها بانزعاج، تشعر بذاتها مكبلة ولا تعلم لِمَ او ماذا يحدث معها، افترقت شفتيها لتنطق اسمًا لم تنطقه منذُ سنوات ولكنها شعرت بروحه تطوف حولها! ومن بين يقظتها وغفلتها كانت تردد بوهن:

_ مـــــــراد!!!

صلي على النبي ودوس لايك

الفصل العاشر “لا وقت للحزن! ”

“أحيانًا نفقد أحقيتنا حتى في التعبير عن مشاعرنا”

الساعة الثانية صباحًا..

خرج من غرفته بخطى حذِره وهو يعدل من ياقة معطفه الشتوي الأسود كحال جميع ما يرتديه فالبرودة في الخارج بمثل هذا الوقت في اوائل فبراير لا تُحتمل، ترجل درجات السلم الداخلي بملامح بدت هادئة رغم ما يعتمر دواخله، فآلآمه التي يشعر بها لم تخمد لكن وراءه عمل عليهِ انجازه، وقد اعتاد كيف يدفن مشاعره جيدًا وقت العمل.

حين وصلَ لآخر درجات السلم لمحَ “سلوى” الخادمة الوحيدة بالمنزل وهي تخرج من باب المطبخ فوقفت متفاجئة من رؤيته، طالعها قليلاً بصمت آثار ريبها، حتى نطقت هي بتوتر فلطالما خشته دون أن تعرف السبب، لم يبدر منه شيء سيء تجاهها من قبل ولكن رؤيته تثير ارتباكها وخوفها أكثر من والده حتى الذي لا ينفك يغضب عليها:

_ حضرتك محتاج حاجة؟

نزل الدرجة الأخيرة فظنته سيكمل للخارج لكنها تفاجئت بهِ يعدل خطواته ناحيتها، فارتدت للخلف خطوة بتوتر شديد رغم بُعده عنها، مع الاضاءة الخافتة التي تزين البهو في مثل هذا الوقت، وصوت الرياح الخفيف الذي يأتي من الخارج، وطوله المهيب لها والآن هدوءه الذي آثار ذعرها كل هذا جعلها تتمنى لو تركض من أمامه! رفعت عيناها المتذبذبة له حين سمعت صوته يقول:

_ أنتِ شوفتيني؟

طالعته بحيرة، ولم تفهم سؤاله في بداية الأمر، حتى تذكرت ذات مرة حين أخبرها بتحذير أن من يسكن هذا البيت لابد له ألا يرى وألا يسمع وألا يتحدث، ففهمت مغزى سؤاله، هو لا يسألها إن كانت رأته حقًا أم لا، فالاجابة بين طيات السؤال، اذردت ريقها بصعوبة وهي تقول:

_ اا.. لأ.. لأ مشوفتش حضرتك.

التواء بسيط ظهر في جانب فمه، لا يمكن أن يُقال عنه ابتسامة، بل هو مجرد تعبير منه عن رضاه بإجابتها، هذا فقط قبل أن يبتعد مكملاً سيره للخارج.

استندت على الحائط بجوارها تلتقط أنفاسها بقوة، وما إن هدأت قليلاً حتى غمغمت بنبرة مهتزة:

_ يعني هو كده اجابتي كانت صح ولا لأ! يخربيتك سيبت ركبي.. نظرته ترعب، بقى ده عيل لسه ٢٠ سنة يولاه! اومال لما يكبر ده هيبقى عامل ازاي! لالا، إن شاء الله اكون سيبت الشغل هنا قبلها انا ناقصه ده المرة الجاية هيجبلي سكتة قلبية.

غمغمت بجملتها الأخيرة بنزق وهي تتتجه ناحية باب الحديقة الاخر كي تذهب لغرفتها.. وبالطبع لم تكن تلك الغرفة التي تقبع في الحديقة والتي سكنتها خديجة وعائلتها، ف”مراد” لم يسمح لأيًا من كان أن يسكنها بعدها، فبنى “حسن” غرفة آخرى مرغمًا بعدما فشل في إمالة رأس “مراد” وجعله يقبل بالأمر، ولأنه في ذلك التوقيت كان يريد أن يأخذه تحت إبطيه فلم يعارضه كثيرًا.

وبالخارج…

فتح باب سيارته مستقلاً إياها بهدوء خارجًا من الفيلا بأكملها بهدوءه الذي اعتاد عليهِ حين يخرج في مثل هذه الأوقات فلن يسمح أن تعرف والدته بخروجه في وقت كهذا، فحتمًا حينها ستشك بهِ بلا جدال، لذا هو يؤمن نفسه! أمامها بمواعيده المثالية ومن وراءها بمواعيد أخرى تمامًا بعيدة كل البعد عن المثالية.

ضغط زر الايجاب حين على رنين هاتفه المحمول، ووضع سماعة البلوتوث في أذنه، وأجاب بهدوء:

_ها؟

استمع للطرف الآخر وهو يقول:

_ الدكتور يوسف لسه مصمم على رأيه، واخر مرة هدد الراجل بتاعنا لو حاول يتواصل معاه تاني او مع اي حد من المستشفى هيبلغ عنه البوليس.

نظر للنافذه بجواره وعيناه تحمل نظرة ساخرة:

_ امم.. لا تمام، يبقى هو الي اختار، بكره ابنه يبقى عندنا.

استمع لتأكيد الطرف الآخر قبل أن يفصل المكالمة وهو ينظر أمامه بتفكير، فذلك الطبيب الذي رفع راية الضمير ربما سيتسبب بخسارة ولده الوحيد والذي لن يستطيع أن ينجب غيره مادام متمسكًا بزوجته التي أزالت رحمها منذ أشهر، بالطبع تلك التفاصيل لم تغيب عن “مراد” وتفاصيل أخرى أكثر بكثير، فإن قلت أنه علمَ عنه كل تفصيلة لن اكون مبالغة في التعبير، فحتى ما حدث بينه وبين زوجته هو يعلمه، “مراد” و “جواسيسه” لا يمزحون حين يتعلق الأمر بعملهم.

ساعة كاملة حتى وصلَ لجهته، أوقف السيارة بتهور كعادته واطفئ محركها قبل أن يفتح صندوقها الأمامي والتقط سلاحه الخاص بعدما شدَ أجزاءه وقام بوضعه في حزام بنطاله من الخلف ثم أسدل سترته عليهِ ليحرص على عدم ظهوره، التقط هاتفه أيضًا ووضعه في جيب سترته الداخلي الأيسر، ثم ترجل من سيارته بتروي وهو يمشط المكان حوله بعينيهِ بحذر، حتى أبصر المنشودين يقفون على بعد العديد من السنتيمترات والسيارات تجاورهم، سار نحوهم بشموخه المعتاد حتى أصبح قريبًا منهم فانتبهوا له فوقفوا بانتظاره عدا أحدهم الذي ركض ناحيته وهو يعلمه آخر الأخبار:

_ باشا، كله تمام والعربيات اتحملت.

هز رأسه دون تعقيب على حديثه وهو يمرر نظره على السيارات والرجال المصطفون أمامها، نظر لأحد الرجال القريبون منه على يمينه وهو يسأله:

_ عملت ايه مع ضابط الكامين.

هز رأسه وهو يقول:

_ كله تمام ياباشا، اتراضى وهيعدي العربيات من غير ما تتفتش.

اتجه بخطواته ناحية أقرب السيارات وهو يقف أمام صندوقها الخلفي فأسرع الرجلان الواقفان أمامها بفتح بابها، وبعدها جذب أحدهم أحد الصناديق وفتحه، لتلتمع أعين “مراد” بحماس وهو يرى ما بالصندوق من أسلحه لدومًا كانت افتنانه الأول، حمل أحدهم وهو يتحسسه بيده ويتأكد من معاييره الظاهره التي يختبرونها، التوى جانب فمه بابتسام طفيف وهو يغمغم:

_ مشهد كفيل يسعدني.

اقترب الرجل الأول منهُ وحديثه معه قد بدى أنه الأقرب مكانةً من الباقيين وهو يسأله:

_ نفسي افهم سر افتنانك بالسلاح يا باشا، يعني احنا بنعمل حاجات كتير مشوفتكش عندك شغف لحاجه فيهم زي شغفك لتجارة السلاح.

وضع السلاح محله، والتف للواقف خلفه يضع كفه على كتف الأخر قبل أن يقول بنبرة واثقة:

_ اسمها بنعمل كل حاجة، ثم إن ايه تاني بنعمله عاوز يكون عندي شغف له! الاعضاء! ولا المخدرات؟ ولا يكونش قصدك الشغل الطري..

هتف بالاخيرة وهو يغمز غمزة ايحائيه، وعاد يكمل:

_ معتقدش حاجه في دول ممكن تثير الشغف.. لكن السلاح.. السلاح ده شيء يتقدس، كفاية إنه بيخلصك من أي حد مش طايقة في ثانية، بعدين مش أي حد بيشيل سلاح ويض*رب بيه يبقى معلم، المعلم بجد هو الي يتعامل مع حتة السلاح زي المُزة الطرية.. وأي مُزة محتاجة ايه يا طارق؟

عقد “طارق” حاجبيهِ بتفكير لثواني، قبل أن يقول بحيرة:

_ مش عارف ياباشا.

ضحك “مراد” بخفة وهو يسأله مستنكرًا:

_ جرا ايه يا طارق ملكش في المُزز ولا ايه؟ متقلقنيش عليك!

ضحك “طارق” باتساع بينما يجيبه بوقاحة معتادون عليها:

_ مش دي القصة يا باشا، انا باخد الي عاوزه من المُزه وطريقها أخضر أنا هقعد احللها بقى واشوف محتاجه ايه ومش محتاجه ايه!

ابتعد عن السيارة وهو يعقب ساخرًا:

_ عشان كده مفيش واحده بتعمر معاك.

اتبعه “طارق” بعدما أشار بيده للرجال ليتحركوا وهو يقول:

_ ياباشا مان شاالله ماعنها عمرت، هو انا هحتاجها تعمر برضو! ده انا حتى ملول.

هز رأسه باستنكار لاجابته ولكنه لم يعقب عليها وهو يقف أمام سيارته ووقف “طارق” أمامه:

_ السلاح أو الحتة الطرية الاثنين معاملتهم واحدة، يحبوا اللين، والغشومية معاهم هتزعلك وتعورك أنتَ مش هما، وزي ما الست مش مفهومة وخباياها كتير، السلاح برضو خباياه كتير والحدِق بس هو الي يعرف كل مداخله وسككه، زي المُزه العاصية بالضبط تفضل تصدك ومدوخاك وراها لحد ما تعرف أنتَ مداخلها الصح وتدخلها منها وقتها كل شيء يبقى تمام.. مجال السلاح ده كل ما اتمعقت فيه تكتشف حاجات تشدك اكتر واكتر.

صمت ينظر لملامح “طارق” التي لا يتبين عليها فهم آيًا مما قاله، فزفر بلامبالة وهو يقول مغيرًا حديثه:

– بعدين مش ناوي تخلي واحده ترتع معاك، ده انت داخل على ال٣٠ يعني استقرار بقى والهجس ده.

تغاضى “طارق” عن كل حديثه وهو يردف:

_ الصراحة انا في سؤال أهم نفسي اسألهولك من سنين بس خايف تقفش.

عقب على حديثه بنبرة جافة:

_ اقفش! انتَ بتكلم خطيبتك ياروح امك! انجز ياله.

رفع أصبعه مشيرًا إليهِ كأنه قبض عليهِ متلبسًا:

_ شوفت قفشت اهو..

ادار واجهه ساخظًا وهو يقول بنزق:

_ برضو هيقولي قفشت ابن ال***.

اطلق لفظًا بذيئًا لم يتعجب منه “طارق” فهو معتاد على ألفاظه تلك وتعبيراته الوقحة، الجريئة الخالية من أي أدب، ورغم أن “طارق” في طبيعته لا يتخير عنه ولكن ما يثير استغرابه هو ما قاله الآن:

_ اهو هو ده السؤال الي نفسي اسألهولك، يعني متأخذنيش حضرتك ياباشا ابن ذوات ومتربي في فيلل ومدارس ايه وتعليم ايه، يعني كفاية حتى انك في كلية الهندسة الاجنبية دي، ومع كل ده بتقول الفاظ يعني…

صمت وخشى أن يتمادا في الحديث أكثر فيثير غضب الأخر، وببرود كان “مراد” يكمل:

_ الفاظ سوقية قصدك! او خيلنا نقول زي الفاظ واحد جاي من حارة ولا قاعد في غُرزة.

ذم شفتيهِ بتفكير زائف وهو يخفض نظره للاسفل بهمهمة خفيضه اثارت قلق الواقف أمامه، قبل أن يرفع رأسه بابتسامة باردة رسمت الراحة على ملامح “طارق” وهو يقول:

_ وهو يعني يا طروق احنا بنتعامل مع مين؟ ليه محسسني إننا بنتعامل مع شيوخ! فوق يا طروق ده احنا مافيا يابا.. يا جدع ده انا كل يوم انا وانتَ مونسين سوا في الكبارية! الحقيقة سؤالك غبي زيك، فكرت ان السؤال الي محيرك من سنين مهم مش تافه كده، بطل تكون خنزير شوية.

انهى حديثه واتجه لسيارته يفتح باب السائق ليتحرك مبتعدًا بينما هز “طارق” رأسه بيأس وهو يقول بنزق:

_ ده انت لسانك عاوز قطعه.

والتف عائدًا لسيارته هو الآخر كي يسبق السيارات على المخازن المقرر تخزين البضاعة بها.

___________________

دموعها لم تجف وعيناها لو تستطيع النطق لاشتكت من ألمها، منذُ أمس بعد ان استفاقت وهي تجلس في غرفتها ترثي حالتها وتنعي وفاة والدتها الصادم لهم، منذُ أمس وبكاءها لم يتوقف حتى شعرت بعيناها قد تورمت بشكل مفزع، وتشعر بارهاق رهيب بجسدها، تشكر “باهر” الذي أصر على وضع محلول مغذي لها صباح اليوم فلولا هذا لسقطت مغشي عليها في اي وقت، شعرت بباب الغرفة يُفتح لتبصر والدها يطل عليها بملامحه المرهقة ووجه المسود من الحزن، ضمت شفتيها بقوة تمنع شهقاتها من الصدوح بعدما رأت هزلان والدها الواضح، اقترب منها بضعف حتى جلس أمامها فرفع رأسه لها بأعينه الدامعة وهو يقول معاتبًا:

_ بجى اكده يا خديجة؟ من وجت الي حُصل وأنتِ مفارجتيش اوضتك، مفكرتيش تطمني على بوكي حتى! ولا حتى خيك!

انفلتت شهقتها حين حررت شفتيها للحديث، لكنها لم تقدر، لم تستطيع قول كلمة واحدة من بكائها، والدتها كانت قاسية عليها تعترف، وخصوصًا بعد رحيل “سارة” باتت تقسو أكثر كأنها تخشى عليها من الرحيل هي الأخرى، فضيقت الخناق عليها حتى كادت تخنقها، وماعدا ذلك كانت مهملها بشكل كبير لم تسألها يومًا عن حياتها، لم تأخذها في حضنها وتبث لها من عطفها وحنانها، لم تقم بدورها معها كأم، لكن رغم هذا رحيلها قاسيًا بشكل لا تحتمله.

_ هشش، بس، بكفياكِ يا بتي عينك مبجتيش شايفه بيها.

رددها “محمود” وهو يقترب منها محتضنًا إياها يمسد على ظهرها بحنو لم يبخل بهِ عليها يومًا، واستمعت لصوته يقول بحزن:

_ عارف إني هبجي جاسي عليكِ في الي هجوله، بس غصب عني لازم افوجك، امك راحت يا خديجة، مبجاتش هنا وكل الي كانت بتعمله بجي مسؤوليتك يا بتي.

ابتعدت عنه ببكاء لكنها استشعرت أن حديثه القادم أهم من حزنها، فانصتت له باهتمام وعيناها لم تتوقف عن ذرف دموعها، اخفض نظره بقلة حيلة وهو يقول بمرارة:

_ خابر أنك صغيرة، وخابر أنها مسؤولية واعرة جوي بس.. بس دي حكمت ربنا، حكمته إنك تشيلي كل ده وانتِ لسه صبية عودك أخضر.

رفع نظره لها وهو يكمل بجدية:

_ بس انا معاوزكيش عودك اخضر يا خديجة، عاوز عودك يبجى انشف من الحجر، لو مبجتيش اكده يابتي هياكلوكِ.

شهقت ببكاء وهي تسأله:

_ تجصد مين؟

هز رأسه بيأس:

_ اولهم عمتك، وتانيهم ابن عمك ابراهيم، وياعالم مين تاني هيتغير لو جرالي حاجة وبجيتِ بطولك.

هزت رأسها ببكاء صارخة بهِ:

_ حرام عليك بجى.. ده كلام تجوله دلوجتي! انا ناجصه يابوي!

امسكها من كتفيها بقوة ليجعلها تنظر له وقال بحدة:

_ اسمعي وركزي في الي هجوله زين، انا اكده او اكده هفارج طال العمر بيا ولا جِصر هفارج يابتي وهتلاجي نفسك بطولك انتِ واخوكِ وياعالم وجتها هيكون كِبر ويجدر يدافع عنك ولا هيكون لسه صغير وانتِ الي هتدافعي عنه وعن نفسك.. عمتك امبارح كانت رايده تاخد مصطفى معاها بحجة ان محدش هياخد باله منه اهنه، بس انا خابرها زين وخابر الي بتخططله، عمتك بتحرجم من زمان انها تاخد مصطفى تربيه هي، رايداه يكبر ويكون كيف ماهي رايده ويكون تحت تحكمها وتكون زي امه الي ميتنيلهاش كلمة، امك الي يرحمها كانت واجفلها زين عشان اكده معرفتش تحجج الي هي عيزاه.

توققت عن البكاء وهي تسأله باستغراب قاطبة حاجبيها:

_ وهي عمتي هتستفيد ايه؟

_ عمتك طول عمرها هتموت انها مجابتش واد، عشان اكده هتستفاد انها تحجج الي معرفتش تحججه معاه، وغير اكده ورث ابوي الي هيبجى مِلك مصطفى بعد موتي.

اتسعت عيناها المتورمة بدهشة وهي تردد بخفوت:

_ معجول! عمتي بتفكر اكده؟

ردد بقهر:

_ عمتك محدش خابرها جدي انا وعمك، المهم انتِ شايفة جسوة عمتك، شوفي بجى لما تربي مصطفى وتطبعه بطباعها هيبجى عامل ازاي، تعرفي ان ابراهيم وِلد عمك هي الي خلته بالشكل ده، هي الي خلته جاسي ومبيراعيش حد، ومبيطجش جنس الحريم، وماشي عامل كيف الطير الي نافش ريشه، اختلاطه بيها معظم الوجت هو السبب في الي هو فيه، حابه خيك يكون نسخة تانية من ابراهيم؟

نفت برأسها بقوة، ليكمل:

_ يبجى تحاوطي عليه وتكوني مكان امك، تجفي في وش اي حد يحاول ياخد خيك مِنك، حتى لو كانت عمتك انا الي بجولك، اوعاكِ تطاطي يا بت محمود لو تاطيتي مرة هيكسروا رجبتك.. وانا ولا كأني موجود.. عاوزك انتِ الي تتعاملي عشان ابجى مطمن انك هتبجي بخير لو جرالي حاجه.

احتضنته بقوة وهي تقول بلوعة:

_ بعد الشر عليك يا بوي ربنا يطول في عمرك، مجدراش على كسرة ضهر تانية.

ربط على ظهرها قبل أن يبعدها برفق وهو يقول:

_ مفيش حاجه تكسر ضهرك ولا حتى موتي، لازم تبجي جوية يا بتي عشان تجدري تكملي حياتك.

اومأت برأسها وهي تهتف لذاتها بقهر ” لا وقت للحزن، لا وقت للانعزال والبكاء على الأطلال، هناك مسؤوليات عليها تحملها، هناك حرب عليها خوضها!”

ولم تأخذ “خديجة” وقتها بالحزن، كما لم تأخذ يومًا وقتها في الفرح، كل شيء فُرض عليها انهاءه حتى وإن كانت ليست مستعدة بعد، حتى وقت وفاة شقيقتها تخطيطها للهرب بعيدًا عنه جعلها لم تأخذ وقتها في الحزن عليها..

__________________________

بعد يومان….

استمعت لصوت باب المنزل يُفتح لتركض للخارج وهي تحمل كيس بهِ بعض السندوتشات وهتفت ما إن أبصرته يخرج من الباب:

_ مصطفى، استنى خد فطارك.

التفت لها ذلك الشاب صاحب الحادية عشر عامًا، ذو الشعر الأسود القصير، والبشرة القمحية، وعيناه السوداء، يشبه في شكله والده لدرجة كبيرة، نظر لها بامتعاض وهو يقول:

_ مباخدش وكل معايا وانتِ خابرة، أما كانت بتفطرني جبل ما امشي.

هزت رأسها بتفهم وقالت:

_ معلش يا مصطفى النهاردة بس خد وكلك، من بكرة هصحى بدري عن اكده وهفطرك الأول، معلش انا بس كان عندي مذاكره كتير امبارح عشان رايحه المدرسه النهارده أول يوم بعد ما ايام العزا خلصت، وعليَّ مذاكره كتير جوي وحاجات متأخرة.

بامتعاض التقط منها كيسة الطعام، والتفت ذاهبًا لمدرسته الصباحية.

اغلقت الباب خلفه وتابعت اعمالها من تنظيف وطبخ لطعام الغداء قبل أن تذهب لمدرستها المسائية وفي حين كانت تنفص الأرائك من الغبار بعد ان فتحت باب الشقة لتسمح للهواء بالدخول للمنزل وقد فتحت أيضًا كتاب العلوم على أحد الطاولات وأخذت تراجع ما ذاكرته أمس وهي تغمغم:

_ تتحول لون نترات الصوديوم الي اللون…

توقفت عن تنفيض الغبار وهي تحدث ذاتها بضيق:

_ ايه ده بجى! انا مذكراها امبارح زين! كان لون ايه يا خديجة افتكري..

_ ابيض مصفر جايز!

التفت حين استمعت لصوت “باهر” الذي تعلمه جيدًا ابتسمت تلقائيًا وهي تقترب منهُ مرحبة بهِ:

_ باهر! كيفك؟ اتفضل.

ضيق حاجبيهِ بتساؤل وهو مازال واقفًا خارج عتبة الباب:

_ هو عمي اهنة؟

نفت برأسها، لتحتد ملامحه وهو يقول:

_ وشوفت مصطفى رايح مدرسته، اومال ايه اتفضل ده يابت عمي! هتخيبي ولا ايه؟

انتبهت لحديثها، فاخفضت بصرها ارضًا بحرج وادمعت عيناها بحزن:

_ اصل كانت دايمًا أما جوه، فكنت متعودة اخليك تدخل، لسه متعودتش على فراجها.

زفر بضيق من ذاته لانه احتد عليها في الحديث، وقال لها بهدوء ولين:

_ متزعليش مني، حجك عليا انا غشيم اوجات، المهم انتِ زينة؟

مسحت عيناها بكفها تزيل دموعها ورفعت نظرها له مجيبة:

_ زينة، نحمد الله، جولي هترجع كليتك ميتى “امتى”؟

ابتسم لها وهو يجيبها:

_ كمان ساعتين راجع القاهرة.. بجولك ايه اوعي شغل البيت يلهيكِ عن دراستك، عاوزك تجيبي مجموع زين وتدخلي الثانوي عشان تبجي دكتورة كيف مانتي رايدة.

ابتسمت بحزن وهي تقول بيأس:

_ ياعالم يا باهر ايه الي مكتوبلي، بس متجلجش هذاكر زين وهدخل الثانوي ان شاء الله.

اومئ برأسه بتحفيز:

_ ان شاء الله وهتحججي حِلمك.. يلا اشوف وشك بخير جولت افوت عليكِ جبل ما اسافر، عشان اطمن عليكِ.

ادمعت عيناها بحزن وهي تقول:

_ حتى انتَ هتمشي، مكنش ينفع تأجل سفرك هبابة، محتاجك جنبي الايام دي جوي يا باهر.

ابتسم لها بلطف وهو يجيبها:

_ ياريت كان ينفع، على عيني اسيبك واسافر والله بس غصب عني عندي امتحان عملي ولازم احضره.

_ خلاص سافر بجى.

قالتها وهي تذم شفتيها بغضب طفولي، ليضحك على تعابيرها وهو يقول:

_ بلاش تضمي شفايفك أكده عشان جلبي بيضعف، وممكن اسيب الامتحان عادي واسجط وتبجي أنتِ السبب.

استطاع فك تعابيرها الواجمة كالعادة فابتسمت وهي تقول:

_ وانا مهيرضنيش يلا روح شوف مستجبلك وكليتك ربنا يوفجك.

كاد يجيبها لكنه استمع لصوت يقول:

_ وه! باهر بيه اهنه ده انتَ بتطلع كيف الجمر.

التفت لها “باهر” يصدم رأسها بيده بخفة فهو معتاد على المزاح معها ولكن مزاحه لا يتعدى حركه كهذة:

_ اومال تمشي تتكعبلي فيا، لازم يكونلي جيمة انا دكتور باهر هو انا اي حد!

رفعت جانب شفتيها بنزق:

_ انزل من على البساط يا بن عمي لاحسن تجع ورجبتك….

جحظ لها عينيهِ وهو يسألها بتحذير:

_ ايه؟

جعدت أنفها تكمل بصوت خفيض:

_ يحصلها حاجة بعد الشر.

ضحكت “خديجة” بخفة وهي تعقب موجهه حديثها لأبنة عمتها:

_ مش جد الجول متجوليش.

اشاحت بوجهها بضيق، ليبتسم “باهر” وهو ينهي اللقاء:

_ يلا اشوفكم على خير.

نظرت له “فريال” متفاجئة:

_ وه، انت مسافر؟

_ ايوه النهارده.

رددت “خديجة” بحزن وقد اختفت بسمتها:

_ تيجي بالسلامة يا باهر..

لاحظ حزنها، ليلاطفها وهو يقول بمزح:

_ بلاش البوز ده دول كلهم ٤ شهور هيعدوا هوا.

لم ينجح في مزاحه بل ازاد غضبها لتقول بضيق:

_ يجطع الكلية وسنينها الي مبعدة بلادك.. يعني كان لازمن تدخل جامعة القاهرة؟

رفع حاجبه ساخرًا:

_ كان بكيفي اياك؟ مش امي الي فضلت تزن تزن لحد ما ابوي وافج وجدملي فيها، بعدين منكرش ان جامعة القاهرة ليها اسمها برضو اكتر من باجي الجامعات.

هتفت “فريال” بضيق:

_ ما خلاص بجى هو يعني اول مرة يسافر، بجاله 5 سنين في الكلية دي متعودتيش!

نظرت لها “خديجة” بملامح يكسوها الحزن:

_ حاسه ان في الوجت ده رايده الجريبين مني جاري.

اقتربت منها محتضنة إياها بتأثر وهي تقول:

_ انا جارك اهو مش هسيبك واصل.

تهاوت دموعها بصمت لينظر لها “باهر” بملامح واجمة حزنًا عليها، وقلبه يعتصر ألمًا وهو يراها بهذه الحالة وعاجزًا عن مساعدتها.

___________________

استيقظ على رنين هاتفه فمد ذراعه بضيق يلتقط الهاتف متوعدًا للمتصل، ودون النظر لهويته حتى انه لم يفتح عيناه كان يهتف بعصبية:

– اقفل يا **** يابن ****حد بيتصل عليَّ دلوقتي يابهيم!

واغلق الهاتف دون ان يسمع رد الطرف الآخر حتى! لكنه يعلم أن الوقت مازال باكرًا فالشمس التي يشعر بها في غرفته لم تسطع بعض.

رفع الوسادة يضعها على رأسه وهو يغمغم بضيق:

_ عالم بنت**** بيفوروا دم الواحد.

وعاد لنومه وكأن شيئًا لم يحدث، وهو على يقين أن أيًا من كان المتصل لن يستجري الاتصال مرة أخرى.

بعد ثلاث ساعات…..

استيقظ من نومه وتناول إفطاره وشرب قهوته أولاً، ثم اتجه لهاتفه ليهاتف من سبهُ أثناء نومه دون معرفة هويته، ليجده ذلك الرجل المكلف بالبحث عن أي معلومات تخص “خديجة” أو عائلتها، انتفض واقفًا كمن لدغه عقرب وهو يسب من بين أسنانه:

_ يلعن******، مكنتش قادر اشوف مين الي بيتصل!

أردف بها وهو يعاود مهاتفته وقدمه تهتز بعصبية، وهو لا يحتمل تلك الثواني التي يأخذها رنين هاتفه كي يستمع للإجابة، غمغم نازقًا:

_ رد بقى يابن***** أنتَ كمان هي نقصاك!

توقفت حركت قدمه واستقام في وقفته حين اتاه فتح الخط ورد الأخر، فهتف متسائلاً بلهفة ودقات قلبه قد تعالت بصخب:

_ ها عرفت عنهم حاجة؟ آخر مرة قولتلك متكلمنيش إلا لو عندك معلومة!

اتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *