سبر اغوار قلبي بقلم نورهان سامي ج12
✾ الفصل الأخير – الجزء الثالث – ✾
منذ خروجه و هي لم تكف عن البكاء المصحوب بالدعاء .. مرت ساعة ، ساعتين ، ثلاث ساعات و هي مازالت على حالها .. الشيء الوحيد الذي يختلف هو قلقها و خوفها الذي ما انفك يزداد و يزداد كلما مر وقت و هي لا تعلم عنه أي شيء .. تلبسها شبح النعاس و هي جالسة من كثرة بكائها كما أن الوقت تأخر للغاية و موعد نومها قد فات منذ زمن بعيد .. أخذت تقاوم النوم لكنها استسلمت له نهاية و غفت و هي تسند رأسها على المقعد الكامن بحديقة المنزل .. فتحت عينيها و انتفضت من مكانها عندما أخترق صوت سيارته أذنها .. اتجهت بخطواتها العرجاء بتجاه الجراج الذي يركن به سيارته لتجده انتهي بالفعل من ركن السيارة و ينزل منها .. اتجهت ناحيته بلهفة بعيونها الزائغتين و هي تحاول فحص تقاسيم وجهه قسم قسم تحت ضوء القمر المنير لتستنجد ما حدث .. اطمئن قلبها عندما لم تجد بوجهه الوسيم أثار لأي خدش و لكن اضطربت دقاته مجدداً عندما لاحظت بعض بقع الدماء متناثرة بشكل واضح بقميصه الرجالي ذو اللون السماوي .. تلمست بكف يدها المرتعش موضع إحدي البقع الكامنة على صدره و هي تقول بلهفة : أنت كويس ! .. أردفت قائلة بقلق يخرج بشكل واضح من مقلتيها و حروف كلماتها المرتجفة التي تحاول نفي ما تقوله : انت مموتهوش صح .. قولي أنك مموتهوش و ضيعت نفسك .. نزلت دموعها قائلة : قولي إنك هتفضل بخير
لم تلق منه أي رد فعل سوي أنه أزاح يدها جانباً و رمقها بنظرة غاضبة حادة ليتركها بعدها و يأخذ طريقه للداخل .. ظلت واقفة متسمرة بمكانها بعدما ألجمتها نظرته التي فطرت قلبها و ارتعدت علي أثرها نفسها لكنها سرعان ما أفاقت و كادت أن تتبعه للداخل لكنها وجدته يعود أدراجه بتجاهها .. ظنت أنه عائد لها لكنه خيب ظنها عندما تخطاها و عاد لسيارته .. ظلت عيونها متذبذبة النظرات تراقب تحركاته لتجده يأخذ هاتفه من علي تابلوه السيارة بالإضافة إلي تلك العلبة التي تشمئز و تختنق لمجرد رؤيتها و ولاعة ليشعلها .. اتسعت حدقة عينيها على الفور و هي ترشقه بنظرات معاتبة غاضبة باللحظة نفسها .. هل عاد لشرب تلك اللفافات التي ستدهور صحته و تدمرها .. هل يود أن يرسل لها رسالة غير مباشرة عن طريق رجوعه للسجائر بأنه خان وعده معها كما فعلت هي تماماً !
تخطاها مجدداً متجاهلاً إياها تماماً و سلك طريقه للداخل كأنها شفافة كالهواء الذي يحاوطه .. مسحت دموعها الحديثة التي سالت على وجنتيها المحمرتين كالأطفال من البكاء ثم أسرعت وراءه للداخل .. دخلت لتجده جالساً على السرير و هو يمسك سيجارة مشتعلة بيده يتصاعد دخانها عالياً .. كاد أن يرفعها لفمه لكنها أمسكت بها بقبضة يدها قبل أن تصل رغم نيرانها المشتعلة التي تحرق راحتها و تؤلمها بشدة حتي النخاع .. جلست على ركبتها أمامه و دموعها تنزل من مقلتيها التي تنظر له بتحد ممزوج بالألم الشديد .. تركها من يده سريعاً و فك أناملها التي تحتضن السيجارة بكلتا يديه و أبعدها بعيداً عن راحتها ليجد أثار حديثة لحرق أصاب جلد يدها الرقيق .. قابل عيونه الغاضبة الجامدة بعيونها التى تتألم ثم ترك يدها و قام خارجاً من الغرفة .
سمع صوتها و هي تقول بصوت متحشرج لاحظ به شيئاً من التحدي : كل أما تولع واحدة هطفهالك بإيدي
لم يظهر أي رد فعل عكس ما تطمره نفسه المشتعلة بحمم من بركان ثائر بداخله أكمل طريقه للخارج ليتركها تنتحب من بعد رحيله و هي تنظر لباطن يدها المحترق فقد رأت نظرة خوفه عليها عندما كان يبعد السيجارة عن يدها لكنها سرعان ما تحولت لنظرة غاضبة .. هل هو غاضب منها لتلك الدرجة التي تجعله يراها تتوجع دون أن يجلس بجانبها ليخفف أوجاعها و يعالج جروحها !
انتصبت على قدميها و عزمت على الذهاب وراءه أينما ذهب فلو تركها هو لن تتركه هي .. أخذت تبحث عنه بجميع الغرف لتجده أخيراً بأحد الغرف متسطحاً على السرير مضجعاً علي ظهره و هو يضع يده تحت رأسه بعدما تخلص من قميصه المتسخ و وضعه علي أحد الكراسي بجانب الغرفة بشكل عشوائي .. ظلت تنظر له لبعض الوقت و هي تتساءل ماذا حدث .. تتساءل ماذا يجول بخلده .. اقتربت منه و تسطحت بجانبه علي السرير بجسدها لتمد يدها الغير مصابة بحرق نحو يده التي يسند عليها رأسه .. بدأت بسحبها لكنها وجدت مقاومة قوية منه .. اعتدلت بجلستها و سحبتها بإصرار منها و مقاومة منه إلي أن استطاعت إبعادها عن رأسه لتفردها بجانبه .. تسطحت بجانبه مجدداً و هي تسند رأسها علي ذراعه الممدد لتوجه بعدها نظرها له و تناديه باسمه ..سحب ذراعه من تحت رأسها بحنق بعدما رمقها بنظرة حادة بجانب عينه ليعطيها بعدها ظهره فيصبح نظره للحائط الذي أمامه .. اعتدلت بجلستها و هزته من كتفه قائلة برجاء : أدهم متستخدمش أسلوبك البارد ده معايا .. زعقلي عاتبني عاقبني بأي حاجة غير إنك تتجاهلني و تفضل ساكت كده .. توقفت عن هزه من كتفه عندما وجدته مازال صامتاً غير عابئ بها أو بكلامها ، قامت من جلستها و تعدته لتتسطح بجانبه من الجهة الأخري لتصبح مقابله بعدما أدخلت نفسها حشراً بالمنطقة الضيقة بين الحائط و بين جسده العريض .. استطاعت أن تجمع شتات نفسها نسبياً لتقول بعدها : أدهم أنا عارفة إن عندك حق تتضايق مني بس و الله أنا … قاطعها صوته الصارم قائلاً و انفاسه الحارة تلهب وجهها المقابل لوجهه : مش عايز أسمع حاجة .. أستكمل كلماته قائلا : الزفت اللي اسمه ماجد مش هيضايقك أو يتعرضلك تاني .. عندما تخللت كلماته أذنها أراحتها بشدة و بثت السكون بوجدانها منذ زمن بعيد لكنها سرعان ما فزعت و ذهلت من ما أردفه بعدها ” فلما أطلقك مش هتلاقي مشاكل تتعبي في حلها .. يومين بالكتير امهد فيهم لماما الموضوع و أدور علي أي حجة و طلبك يتنفذ “.. انتفضت أواصلها حتي أنه شعر بانتفاضة جسدها .. أحست أنها تختنق من كلماته تلك .. هل سيطلقها حقاً ؟ هل رأي الفيديو لذلك سيطلقها و يتركها لأنه لن يتحمل أن يعيش معها حياة طبيعية كما قال ماجد ؟ هل قال ماجد له أي شيء يدينها و يحقر منها في عين أدهم ؟ هو لا يستطيع التخلي عنها فربما يريد أن يطلقها لأنه قت,ل ماجد و بذلك وجودها على ذمته سيعلم منه الجميع السبب لق,تله لماجد بعدما تتجمع الخيوط مع بعضها ؟ .. أخذت تربط نتائج أخري بغير أسبابها أو ربما تكون بأسبابها .. هي حقاً لا تعلم لما يريد التخلي عنها بل ق.تلها و سلبها حياتها و تجريدها روحها و هي علي قيد عشقه !
ابتعد أدهم بجسده و أفسح لها الطريق قائلاً بنفس صرامته و نظراته الجامدة : يلا أخرجي بره و اقفلي الباب وراكي عشان عايز أنام
قامت و هي مازالت مغيبة مذهولة بقوله أنه سيطلقها .. لم تستطع أن تنطق بحرف واحد معه أخذت طريقها للخارج و اتجهت لغرفتهما .. تسطحت علي السرير و ضمت يديها إلي بطنها و جسدها الضعيف يرتعش كأنها بأحدي الليالي ذات البرودة القارسة بأحدي الأماكن النائية بثياب بالية مقطعة ينهش الهواء جسدها دون رحمة أو رفق بحالها .. بدأت بالنحيب و هي تشتكي أدهم لطفلها الكامن بداخلها و تدعي ربها ألا يفرقهما ابداً !
بعدما خرجت من الغرفة تنهد تنهيدة عميقة غاضبة ثم تسطح على السرير مجدداً لعله يريح عضلات جسده المرهق .. ارجع رأسه للوراء و هو يتذكر ما حدث بالتفصيل الممل .. عندما رأه ماجد أمامه لم يستطع أخذ أي رد فعل لا بالإبتعاد ولا بالإقتراب أو حتي بالتحدث و لو بكلمة واحدة فلم يترك له أدهم الفرصة لذلك .. اندفع أدهم نحوه بسرعة جنونية دون سابق إنذار ما إن وقعت عيناه الحاقدة عليه .. لكمه لكمة قوية بقبضة يده المتكورة الحديدية كادت أن تطيح بأسنانه ليسقط أرضاً بجانب الباب تسيل الدماء من جانب فمه من شدة الضربة .. كانت أعين أدهم الغاضبة تتوعد له و هي كلها إصرار على الفتك به و مضغه كعلكة بالية تحت أسنان فكيه القويين .. لا يتخيل حتي الأن أن هذا الوغد يمتلك الجرأة الكافية ليشاهد جسد زوجته و يخترق تفاصيلها .. تندلع النار بقلبه بل بجسده بأكمله ليصبح ككتلة نار ملتهبة تتحرك بمجرد أن يظهر جزء بسيط سواء من يدها أو قدمها أو حتي تسلل خصلة متمردة خارج حجابها أمام أحد .. يحتنق وجهه غضباً و حنقاً فما بالك بما يفعله هو .. لا يكفيه سلب عمره ليكفر عن خطيئته و يعلم أنه عبث مع زوجة الشخص الخطأ .. شخص حامي الدماء سريعاً ما يتأجج غضبه لو أقترب أحد الكلاب من زوجته و مسها بسوء .. شخص لا يتحمل أن يرمق أحدهم زوجته حتي لو كانت نظرة عابرة غير مقصودة لأحد طرفت عينيه أو تجولت عيناه بالأرجاء دون قصد منه .. انقض عليه و أخذ يكيل له الضربات القاسية الموجعة واحدة تلو الأخري علي غير هدي .. ضربات سريعة كطلقات الرصاص المتتالية ممزوجة بشتائم فجة لن يرغب أي أحد بكل تأكيد أن يتلقاها .. فقد أخذ أدهم يقذفه بأسوأ و أقذر ألفاظ السباب التي لم يكن يتوقع نفسه يقولها في يوم من الأيام أو حتي معرفته بها ! لم يكن يعرف حقاً أنه يعلم بتلك المجموعة الهائلة من الشتائم التي أخذ يبصقها بوجه ماجد … تحول من رجل أعمال وقور عاقل إلي فتوة في إحدي الحارات يلقي السباب و يسدد الضربات ببراعة كأن الأمر اعتيادي بالنسبة له .. يستطيع تحمل أي شئ ألا إذا خصها هي .. عندها هي و كفي .. عند مسها بأي سوء سيخرج الوحش الكامن بداخله ليدمر و يبيد أي أحد في طريقه يفكر بأذيتها دون تفكير .. لن يخرج من تحت يده سليماً .. يا قاتل يا مقتول !
كان رد فعل أدهم عادياً لأي رجل قد تتعرض زوجته لما تعرضت له تالا لكن الغريب كان رد فعل ماجد الذي كان ساكناً لا يقاوم أي ضربة يتلقاها .. لا يعلم حقاً لماذا لم يكن يقاوم أو يرد له الضربات ربما لأنه يعلم جيداً أنه مهما قاوم لن يسلم أبداً من هذه البنية الضخمة القوية بل متيقن أنه بالتأكيد لن يسلم فقد خاض معه معركة من قبل و كان هو الطرف المهزوم الخاسر .. أم لأنه شعر بشعور أدهم .. شعر بأن الحق معه و أكثر .. شعر بكيفية شعور المرء و كسرته عندما يؤذ أحد من عائلته خاصة لو كانت من نسائها بمسألة تخص العرض و الشرف .. أو ربما ما بداخله أقوي بكثير و يؤلمه أكثر من ضربات أدهم المتتالية التي جعلته يشلب دماً من كل جانب .. ربما كلهم إجابة عن نفس السؤال .. هو لن يقاوم لكنه على الأقل يجب أن يخبره بأنه نادم .. يجب أن يخبره بوعده لله قبل دقائق قليلة من وصوله .. يجب أن يخبره أنه سيبتعد عن طريقه و طريق تالا و لن يحلل لنفسه أن يراها هكذا مجدداً حتى أنه لن يكون هناك مجالاً للرجعة فلم يعد هناك وجود لتلك التسجيلات .. لقد محاها كلها .. محي كل النسخ التي يمتلكها ابتغاء رضا الله عنه و مسامحته .. لقد فاق و لكنه أفاق متأخراً .. أفاق متأخراً للغاية !
حاول أن يفدي وجهه فقط الذي لم يعد فيه زاوية سليمة حتي يستطيع التحدث لكنه رغم ذلك كان أدهم مازال يوجه له الضربات .. لاحظ أن أدهم يجذب من عليه و بعض جيرانه يحاولون إبعاده عنه و فك هذا الشجار الذي صدي صوته في الأرجاء و بالتأكيد قبل أي شئ طلب الإسعاف فحالته أصبحت يرثي لها حقاً حتي أنهم يجب أن يطلبوا عربية لنقله للمقابر مباشرة .. ما زاد الأمر غرابة أن ماجد نهرهم بضعف و أمرهم ألا يتدخل أحد بشؤنه الخاصة و أن يتركوهما بمفردهما .. انصاع جيرانه له و هم يلعنون أنفسهم أنهم نجدوه و تدخلوا .. ترك الرجلين الذين كانا يمسكان بأدهم أدهم و خرجا ليقترب أدهم من ماجد مجدداً و يجذبه من ملابسه الملطخة بالدماء قائلاً بحدة : فين الفيديو ؟ هزه بعنف قائلاً : انطق قول فين الزفت بدل ما أكمل على اللي خلفوا أهلك .. أخذ ماجد يخبره بأنه نادم و أن كل الحق معه فهو متفهم موقفه لمروره بمثله .. قص عليه أنه تخلص من التسجيلات و كان ينوي الاعتذار له و لتالا عن ما ارتكبه في حقهما في الماضي و الحاضر .. قبض أدهم يديه و سدد لماجد بعض اللكمات ليشفي غليله ثم دفعه ليتسطح على الأرض مجدداً مضرجاً بدماءه و توجعاته النفسية و الجسدية .. قام و أخذ يجوب الشقة و هو يبحث عن هاتف ذلك الوغد و الكاميرا التي أخبرته بها تالا .. وجد الهاتف و الكاميرا بسهولة فقد كانا على أحد الطاولات بالمنزل .. بدأ بالهاتف ففكه لقطع و ألقاها بالأرجاء ثم ألقاه على الأرض لتتهشم شاشته .. لم يكتف بعد أن أخذ يدوس عليه بقدميه إلي أن تأكد أن الهاتف تدمر نهائياً .. أمسك الكاميرا و كاد أن يلقيها لكنه فتحها ليري هل كان يكذب عليه أم ماذا .. لم يجد بالفعل أي فيديو على الكاميرا .. كاد أن يلقيها أرضاً هي الأخري لكنه فتح الصور ليجد صوراً كثيرة لها معه .. تصاعدت الدماء المغلية إلي رأسه فأخذ الكاميرا و اتجه بها إلي ماجد .. أمسكه من تلابيب ثيابه قائلا بحدة و الشرر يتطاير من عيونه : هو ده اللى ندمان هو ده اللى مسحت كل حاجة و هعتذرلها و أعتذرلك .. لكمه بوجهه الذي كان يشلب دماً بالكاميرا ثم أمسكها و مسح جميع الصور و الغيرة تنهش قلبه و تمزقه .. ألقي الكاميرا على الأرض ثم جز على أسنانه قائلاً : عارف لو لمحت طيفك معدي جمب مراتي أو شميت خبر إنك كلمتها أو اتعرضتلها أو حتي محتفظ بصورة ليك بتجمعك بيها سواء ورقية أو على أي هباب مش هيكفيني فيك عمرك و لا عمر اللى خلفوك كلهم .. أردف قائلاً و عروقه نافرة برقبته : المرة الأولى الضربة كانت خفيفة و المرادي احتمال كبير تقعد في المستشفي أربع خمس ست شهور تتعالج فيهم .. زمجر به مهدداً : أنا هسيبك عشان أنت متستهلش إني أضيع نفسى و أعيش مراتي أرملة و أقهر قلب أمي و أختي عليا لكن أقسم بالله لتكون التالتة تابتة و ساعتها بقي هتكون نهايتك على إيدي ”
أخرجه من تذكره دقاتها على باب الغرفة و من ثم دخولها قائلة و هي منكسة رأسها ارضاً : أدهم الفجر بيدن قوم يلا عشان تصلي
اعتدل بجلسته قائلاً بجفاء : ماشي روحي أنت
فهمت من كلماته و اقتضابه في الحديث أنه لن يكون إماماً لها في الصلاة هذه الليلة و هي لن تضغط عليه ستتركه على راحته حتي يهدأ و لو قليلاً .. ظلت تنظر له لبعض الوقت بعتاب ثم قالت بتبرم : على فكرة أنا مش عايزة أتطلق و مش هتطلق .. خرجت بسرعة من الغرفة تماما ًكما نطقت كلماتها !
كانت جالسة علي الكرسي بجانبه تقرأ القران و تدعي الله أن يستر ابنتها و يشفي ابنها و ابنة ابنها .. أحست به يفتح عينيه بتثاقل شديد للغاية فأغلقت المصحف و وضعته بجانبها ثم قامت و اتجهت نحوه بسرعة و قالت بلهفة : ماجد يا حبيبي
لم يستطع التكلم فجسده بأكمله يؤلمه .. نظر بطرف عينيه إلي جسده لأنه لم يكن يستطيع أن يحرك رأسه بشكل طبيعي بسبب ذلك الشيء الذي يلتف حول رقبته لتظل على وضع معين .. لم يتثنى له رؤية جسده بأكمله لكنه يشعر بأن الجبس يحتل معظمه .. يبدو أن أدهم محق و أنه سيأخذ فترة كبيرة للغاية ليشفي من كسراته .. يعلم جيداً أنه سيأتي وقت و تلحم به كسرات جسده و لكن سؤاله الذي يراوده و يقلقه هل سيأتي وقت و تلتحم به الكسرة التي سببتها له أخته ؟ .. كسرة قلبه و نفسه عليها .. باغته سؤال أمه و هي تقول بتساؤل : مين اللي عمل فيك كده يا حبيبي ؟ مرة إيدك تتكسر و المرة التانية تدغدغ بالشكل ده
أغلق عينيه بألم و ظل صامتاً لبعض الوقت يسترجع ما حدث بالتفصيل .. لا يمكنه أن يخبرها بالحقيقة فسيدخل بسين و جيم لا نهاية لهما معها كما أن الحقيقة سيكون وقعها صعباً للغاية عليها .. قال بعدما فتح عينيه ليتطلع بالسقف : حرامي كان فاكر إن مفيش حد في البيت بس لما دخل لقاني فضربي و أنا مقدرتش عليه .. أردف سريعاً حتي لا يفكر عقلها بكلماته فتتبين صدقها من عدمه : توتة و مروة عاملين ايه ؟
تنهدت تنهيدة عميقة و قالت بعدما سالت دموعها : توتة بقت كويسة الحمد لله متقلقش عليها نيفين بتخلي بالها منها .. أجهشت في البكاء قائلة : بس أدعي لأختك
قاطعها ماجد قائلا باقتضاب : أخبارها ايه دلوقتى ؟
ردت من بين دموعها قائلة بصعوبة : أجهضت الجنين و في غيبوبة دلوقتى رافضة أنها تصحي منها .. أردفت قائلة بنحيب : هنعمل ايه في المصيبة ديه ؟ أختك حطت راسنا في الأرض و هنتفضح قدام الناس
تنهد بعمق و قال بتوعد و نظره موجهاً للسقف فهذا هو أريح وضع لوضعه الحرج : فاكر أنه لما يسافر هيفلت مني بس و ديني ما هسيبه حتي لو راح المريخ
أمسكت أمه رأسها بألم قائلة بنحيب : يالهوي سافر .. أردفت قائلة بدعاء : يا رب صبرنى و أصلح حال عيالي و أسترنا من الفضيحة
انتهت صلاة العصر بعد كثير من الحمد و الدعاء أثناءها و ظلت جالسة بمكانها تحفظ بعض آيات الله التي تريحها و تبث السكينة بروحها و نفسها الحزينة .. قطع حفظها صوت هاتفها الذي ملأ المكان .. دق قلبها بعنف فقد أصبحت تكره أن يرن هذا الهاتف المزعج لكنها سرعان ما أسرعت بتجاهه خشية أن يكون أدهم هو المتصل و تتأخر في الرد عليه فقد غادر صباحاً بصمت دون حتي أن يخبرها إلي أين هو ذاهب أو حتي متي سيعود و اكتشفت هي ذلك بالصدفة بعدما حضرت له الإفطار و ذهبت لتناديه بتلك الغرفة التي قضي ليلته بها لتقضي ليلتها وحيدة .. وجدت أن المتصل ما هو إﻻ منال .. فتحت الخط و أجابت ليأتيها صوت منال و هي تطمئن عليها و علي أدهم .. بعد قليل من الكلام و السلام قالت منال : تالا يا حبيبتي سارة خلاص اتفقت على التورتة و خلال ساعة أو ساعتين هتلاقيها عندك بإذن الله
ظلت تالا صامتة لبعض الوقت و هي لا تفهم عن أي شئ تتحدث منال .. أتاها صوت منال و هي تقول بتساؤل : تالا أنتِ معايا ؟
أجابت تالا عليها قائلة : أيوه مع حضرتك بس مش فاهمة حضرتك بتتكلمي على ايه ؟ و تورتة ايه ديه اللى سارة اتفقت عليها ؟
تنهدت منال بنافذ صبر قائلة : تالا أنت لحقتي تنسي و تنسي حاجة مهمة زي ديه ؟ .. أردفت قائلة : مش قولتلك امبارح إن عيد ميلاد أدهم انهارده و إني كنت ناوية أروح لسارة انهارده بس روحت أمبارح و قولت اقعد عندها يومين تلاتة كده
لا تتذكر أي كلمة مما تقولها منال .. هل اليوم عيد مولد أدهم ؟ تتذكر أن منال تحدثت معها البارحة قبل ذهابها لكن عقلها لم يكن مع حديثها فقد كانت رسالة ماجد لها وقع صعب عليها مما جعلها صماء غير قادرة على الإنصات لأي شئ من حولها منفصلة عن العالم تفكر بما سيحدث .. تتذكر أنها كانت تجيب على كل قول تقوله منال بإيماءة صغيرة دليل على تركيزها العالي الذي لم يكن له وجود من الأساس .. ضربت رأسها بغباء فبالفعل اليوم هو عيد مولده .. كيف لها أن تنسي .. أتت برأسها فكرة رائعة لتتصالح معه و تجعله يكف عن بروده و صمته معها .. عدة سويعات فقد عاملها فيهم بطريقة جافة قاسية و هي لم تتحمل و لن تتحمل المزيد .. أنهت الحوار مع منال بعدما تأسفت لها عن شرودها الذي أصابها .. أغلقت بعدها معها الخط بعد أن عرضت عليها أن تجلب سارة و تأتي ليحتفلوا بعيد مولده معاً و هي بقرارة نفسها تتمني العكس .. و ما تمنته حدث بالفعل فقد أخبرتها منال أن يقضيا أول عيد مولد لأدهم بمفردهما كزوجين متحابين دون أن يتطفل عليهم أي أحد حتي لو كانت هي .. انتصبت على قدميها و هي عازمة على مصالحة أدهم الليلة .. مدام انتهي أمر ماجد و لن يضايقها مجدداً كما يقول أدهم فلن يكون لفراقهما وجود .. لن تسمح له أن يطلقها .. نعم هي من أخبرته بأنها تريد الطلاق و الإبتعاد عنه كما نقضت وعدهما لكن هذا فقط كان من أجل سلامته .. يجب أن يعلم هذا كما يجب أن يعلم بوجود طفلهما .. سيصالحها و يبقيها على ذمته سواء شاء أم أبى .. لو اضطرت أن تفرض نفسها عليه حتي يعود كما كان مسبقاً ستفعل بكل تأكيد .
مرت الساعات و هي واقفة علي قدميها رغم تعبها تحضر طعام الغداء و تجهز غرفتهما و تجملها لتجعل تلك الليلة ليلة فريدة غير أي ليلة سبقتها لهما معاً .. استلمت التورتة و انتهت من تجهيز كل شئ و لم يتبق غير تجهيز نفسها ليأتي و يجدها بأبهي صورها .. فتحت دولابها و هي متحيرة ماذا ترتدي .. هناك الكثير من الملابس الفاتنة التي تظهر انوثتها و لم ترتديها أمامه بعد لكنها تريد شيئاً مميزاً .. شيئاً مميزاً للغاية .. لم تطل البحث بين ثيابها فقد قررت أن ترتدي ذلك الفستان الأحمر المثير الذي جلبه لها من الخارج .. دخلت الحمام و أخذت حماماً منعشاً أخذ منها أكثر من ساعة .. خرجت بعدها و ارتدت الفستان و جلست بعد ذلك أمام المرأة تضع لمساتها السحرية الأخيرة لتنتظر الأميرة أميرها الغاضب لتسترضيه و ترجع الخيوط بينهما كما كانت .. أخذت تنظر لنفسها بالمرأة لتجد نفسها فاتنة الجمال فقد استطاعت بجدارتها السابقة بعالم الميكياج أن تخفي وجهها المرهق و هالات عينيها السوداء ينقصها فقط أن تشاهد نفسها بعينه حتي تتأكد إذا كانت حقاً فاتنة الجمال أم أن مرأتها خادعة كاذبة .. خرجت من غرفتهما و ظلت منتظراه بقرب الباب .. تذكرت فجأة أنها لم تجلب له هدية بعيد مولده .. ماذا ستهديه ؟؟ .. ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها بعدما وضعت يدها على أحشائها فليس هناك هدية أفضل من إخباره بأنه سيصبح أب خلال شهور و ربما هذا الأمر سيكون شفيعاً لها عنده عندما يعلم بحملها .. بقت تنتظره و هي تشعر بالضجر لتأخره .. أحضرت هاتفها و اتصلت به لكنها لم تلق أي رد .. أعادت الإتصال لمرات عديدة إلي أن وجدته يغلق عليها .. وضعت الهاتف جانباً بيأس شديد فيبدو أنه لن يرد عليها و أنه ما يزال غاضباً منها .. بقيت جالسة قرب الباب تنتظر حضوره .. ما أصعب الإنتظار و ما أمله .. انتظرت و انتظرت و أخيراً و بعد طول انتظار سمعت صوت المفاتيح تدار بالباب .. فتح الباب و دخل منه أدهم ليتفاجأ بها واقفة أمامه بمظهرها البديع و ابتسامها العذبة التي شابها التوتر .. وقف متصلباً متوتاً بمكانه و نبضات قلبه تزداد مع تصبب جسده بحبات العرق .. مرر عيونه عليها متفحصاً لها مخترقاً تفاصيلها التي لم يبذل أي مجهود لإختراقها كأنه يبحث بين طياتها عن قنبلة خطيرة ستنفجر في الحال .. أدرك بعد وقت قصير أن القنبلة لم تكن سواها .. أليس هذا الفستان الذي جلبه لها و أراد أن ترتديه له .. تماماً كما تخيلها به بل أروع .. أروع و أفتن .. لم يجملها الفستان بل هي من جملته و أضافت له الكثير .. ماذا تحاول تلك الغبية أن تفعل ؟ .. هل تحاول فتنته ليسامحها و يلين معها .. لما تستخدم نقطة ضعفه ؟ .. كم هي خبيثة و تختبئ وراء هذا القناع الملائكي البريء .. تعلم جيداً أنها نقطة ضعفه ، تعلم أنه لن يقدر على ردعها و مقاومة أنوثتها التي تبعثره و تجعله يضعف أمامها .. لو وضع وسط مئات النساء الجميلات الفاتنات اللاتى يعرضن أنفسهن عليه لن تهتز فيه شعره واحدة و عن تجربة فطيلة السنوات الماضية التي قضاها بالخارج عرضت عليه الكثير من النساء المثيرات الفاتنات التي لن يستطع أن يرفضها أي رجل أنفسهن و أولهم سكرتيرته لكنه لم يكن يهتم و كان يرفضهن بطرق مختلفة إما ينهرهن أو يرفضهن بطريقة حازمة حانقة ابتغاءً لمرضاه الله تعالي فمن ترك شهواته لله، وقدم رضا مولاه على هواه نال الرضا، وتحقق له ما تمناه عملا بقول رسول الله صلي الله عليه و سلم : ” قال ربُّكم – عز وجل -: عبدِي تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه ابتِغاءَ مرضاتي، والصومُ لي وأنا أجزِي به ” .. مجرد وجودها يزلزله .. يزلزله تماماً و يصعب عليه السيطرة علي نفسه خاصة أنها زوجته حلاله .. اقتربت منه بدلال رغم توترها و خوفها الشديد أن يصدها و يلفظها كما فعل بالأمس .. ظلت على ابتسامتها لبعض الوقت ثم اقتربت منه و طبعت قبلة متوترة رقيقة أشعلت وجنته قائلة : حمد لله على سلامتك .. اتأخرت ليه ؟
لم تلق منه رداً فوقفت وراءه و وضعت يدها على كتفه برقة لتنزع السترة التي يرتديها لكنه أبعد يدها عن كتفه و أخذ طريقه للداخل .. قادته قدماه إلي غرفتهما ليجدها مرتبة بشكل منسق ملفت للنظر فالشموع كانت مرتبة بشكل لا نظير له منتظرة أن يأتي أحد و يشعلها .. تنهد تنهيدة عميقة و اتجه للدولاب و فتحه ليخرج له بعض الثياب حتي يذهب للغرفة الأخري قبل أن يضعف أمامها .. شعر بيدها و هي تحاوطه من الخلف و بعدها شعر بحمل رأسها التي أرستها على ظهره .. سمعها تغمغم بصوت مسموع قائلة بأسف : أدهم أنا مكنتش عايزة أخبي أو أكدب عليك بس كنت مضطرة .. كنت خايـ..
قاطعها و هو يبعد يدها عن خصره و يبعدها عنه تماماً .. أعطاها ظهره مجدداً و صاح بحدة : أي حاجة هتقوليها عشان أسامحـ.. قاطعه صوت ارتطام قوي بالأرض فهو لم يكن على علم بأنها تمسكت بخصره و أسندت رأسها على ظهره لأنها كانت تشعر بالدوار .. التفت في سرعة بعدما هوي قلبه أرضاً ليجدها متسطحة على الأرض مغمضة العينين فاقدة وعيها .. جثا على الأرض بجانبها و صفعها عدة صفعات لينة علي وجنتها الناعمة لتفيق لكنها لم تستجيب له .. حملها و وضعها على السرير برفق و هو قلق عليها .. هل أثقل عليها لهذه الدرجة أم ماذا ؟ .. تذكر أمراً هاماً ربما هو السبب الرئيسي لفقدانها الوعي .. أخرج هاتفه و اتصل بالطبيب رغم أنه يمكنه أن يفيقها بشتي الطرق بنفسه لكنه يرغب بوجود الطبيب لشئ برأسه لا يعرفه الا الله و هو .. بعدما أنهي اتصاله مع الطبيب الذي أخبره أنه سيأتي سريعاً دون إبطاء نظر لهيئتها بضيق و تنهد بغضب فكيف سيراها الطبيب بهذه ” المسخرة ” التي ترتديها و تضعها على وجهها .. يراها هو و يتلذذ برؤيتها لكن لا يراها غيره .. يكفي هذا الوغد الذي لا يطيق حتى أن تأتي سيرته بذاكرته كان يراها .. بدل لها ثيابها سريعاً بثياب أخري محتشمة حتي أن كم الملابس التي ترتديها كان يصل لأول أناملها .. لقد تصرف و حل ” مسخرة ” و تبقي له أخري يجب أن يجد حلاً لها .. هل يحملها و يضعها تحت المغطس حتي يزيل تلك الأشياء التي تضعها على وجهها التي لا يعرف لها أسم .. تذكر أنه كان يراها في احدي المرات تمسح تلك الألوان بمناديل تشبه المناديل المبللة .. قام و ذهب بتجاه التسريحة سريعاً و أخذ يبحث بين أدراجها إلي أن وجد مبتغاه أخيراً .. بدأ بمسح وجهها بخفة و حنو بعدما اقترب منها و جلس بجانبها مرة أخري .. سمع صوت جرس الباب ينبهه بحضور الطبيب فأنهي سريعاً مسح وجهها ثم حملها و وضعها بغرفة أخري فلو دخل الطبيب و وجد الغرفة مرتبة بهذا الشكل بشموعها تلك بالتأكيد سيحسدهما و هما بهما ما يكفيهما .. فتح للطبيب و رحب به و هو يقوده للغرفة التي سطحها به .. اقترب الطبيب منها و بدأ بفحصها و أدهم يقف بمكانه قلقاً أن يكون الأمر أخطر مما يظن هو .. رغم غضبه الجارف منها لا يطاوعه قلبه أن يكف عن قلقه و توتره عندما يصيبها مكروه .. أفاقها الطبيب بطريقته الخاصة ثم بدأ بكتابة بعض الأدوية و هو يقول بابتسامة : متقلقش يا أستاذ أدهم الموضوع بسيط ..كل الحكاية إن المدام حامل و شكلها أجهدت نفسها فده سبب لها إغماء خصوصاً إنها في شهور حملها الأولي
تهللت أساريرها لما قاله الطبيب ليس لخبر حملها فهي تعلم مسبقاً بل لأن الخبر وصل لأدهم و بالتأكيد سيقفز فرحا الأن و يضمها لصدره بعدما يلغي فكرة الطلاق و يغفر لها خيانتها لوعدهما ليعود أدهم الشخص الطيب المحب و ليس ذلك المتحول الجامد الذي يخيفها .. شيء جيد أنه علم من الطبيب و ليس منها حتي يظهر الوضع بأنها تفاجأت بالخبر ..حاولت فتح عينيها على أخرهما و سلطتها على أدهم حتي تسجل رد فعله بحذافيره بعقلها ..لم تر أي شيء مما توقعت هي أن تراه .. كان صامتاً لا يظهر على وجهه أي علامات سواء حزن أو فرح .. ربما لا مبالاة ! .. لا فحتي اللامبالاة لم يكن لها وجود .. قابلت عيناه الحادتين عينيها فجأة لتسمعه يقول بعدها : ما احنا عارفين يا دكتور بس هي بتحب تجهد نفسها على الفاضي
أنزلت عينيها على الفور حتي تتهرب من عينيه التي تقذبها بتهامات لا تتحملها و هي مصدومة مرتبكة من رد فعله .. ماذا يقصد بــ ” احنا عارفين ” !! هل كان يعلم بخبر حملها ؟ .. لم تتبين ما قاله الطبيب أو ما رد به أدهم .. كل ما تبنيته أن الطبيب و أدهم غادرا الغرفة بعد حديث قصير بينهما .. كانت تشعر أن الزمن توقف بها هي فقط و يسير من حولها بشكل عادي .. لم تفهم حتي الأن ماذا يعني بكلماته .. مرت دقائق و وجدته يدخل الغرفة و هو يحمل صنية بيها الطعام التي طهته .. وضعها بجانبها على الكمودينو قائلا بجفاء : كلي عشان تخدي الدواء
كاد أن يغادر لكنها أوقفته قائلة : عرفت ازاي ؟
تذكر على الفور عبارة ماجد التي ضربته كالكرباج و جعلته يتسمر في مكانه قبل أن يتركه و يغادر ” أدهم اتأسف لتالا بالنيابة عني و قولها تسامحني خليها تسامحني و تبطل دعا عليا .. قولها إني ندمت و هسيبها في حالها تربي ابنها اللي جاي معاك “.. ابتسم لها بسخرية ثم قال : قصدك يعني على موضوع حملك ؟ أردف بسخرية أكثر : عرفت صدفة زيي زي أي حد غريب .. عادي يعني .. تحولت ملامحه و نبرته من السخرية للحدة قائلا : و من مين من الغريب .. الغريب عارف و اللى المفروض جوز الهانم مش عارف .. قوليلي أنا لزمتي ايه في حياتك .. أقل حقوقي إني أعرف إن مراتي حامل أنت حرمتيني منه و خبيتي عليا
بلعت ريقها بصعوبة قائلة برجاء : أدهم أنت كل حاجة في حياتي و الله أنا كنت هقولك قبل ما يغمي عليا كنت هقولك
صاح بها قائلا بسخرة : كنت هتقوليلى قبل ما يغمي عليكي ؟ هو حضرتك لسة عارفة إنك حامل قبل ما يغمي عليكي .. صاح بها قائلا بانفعال غاضب : تقدري تقوليلى بقالك قد ايه عارفة و مخبية عليا أكني صفر على الشمال في حياتك اللى على مزاجك تقولهولى و اللى مش على مزاجك متقولهوش فالحة بس تقولي بحبك يا أدهم أنت كل حياتي يا أدهم .. ماشية بمزاجك و شايفة إنك سبع رجالة في بعض و هرجع و اقولك زي كل مرة بتتصرفي تصرفات واحدة مراهقة من غير أي تفكير .. ظلت صامتة تسمع صياحه و دموعها تتناوب بالنزول .. توقف عن صياحه فجأة ثم قال بنبرة حاسمة : خلصي الأكل ده يلا عشان تخدي الدواء اللي الدكتور كتبهولك.. أعطاها ظهره قائلاً : و كله عشان ابني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتكري أنه عشانك .. استدار لها مجدداً و قابل عينيها اللتين لم تكفا عن البكاء بعد بعينه قائلاً بنبرة محذرة : مش هسمحلك أبداً تأذيه أو تضيعيه .. خرج من الغرفة و تركها وحيدة بائسة تبكي .. قطع بكائها صوته الغاضب من الخارج و هو يقول : بطلي زفت عياط و كلي عشان مدخلش أنكد عليكي و أعرفك العياط اللي علي حق
توقفت عن البكاء على الفور و مسحت دموعها بكم ملابسها الطويل .. ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم ما بها عندما رأت ملابسها المبدلة التي ترتديها فأنه بالرغم من كل شئ مازال يغار عليها و حريص على احتشامها و ستر جسدها .. عبثت مجدداً عندما تذكرت عبارته ” كله عشان ابني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتكري أنه عشانك ” .. هي ليست مهمة عنده و أهم شئ هو ما بأحشائها ! .. اعتدلت بجلستها و أخذت صنية الطعام و وضعتها على قدمها و بدأت بالأكل خوفاً من أن يدخل و ينهرها من جديد .. دخل مجدداً و وضع لها الدواء و كوب ماء على الكمودينو بجانبها و خرج دون أن يتكلم فيكفي النظرة التي ألزمتها أن تنتهي من تناولها الطعام و بعدها تتناول الدواء .. تنهدت بعمق و هي تتحدي نفسها أنها سترجعه مجدداً للأدهم الحنون بنظراته الحنونة العاشقة و ليس لتلك النظرات التى تلجمها و تخيفها ربما سيأخذ منها هذا بعض الوقت لكنها يجب أن تكون صبورة متحملة فإن الله مع الصابرين .
✾ الفصل الأخير – الجزء الثالث – ✾ج2
سمعا دقات علي باب الغرفة و بعدها دخل رجل يرتدي ثياب وقورة .. استأذن من أم ماجد لتخرج حتي يأخذ أقوال ماجد عن ما حدث معه فقد بلغت المشفي بأنه تم الإعتداء عليه .. جلس المحقق علي كرسي ليستجوبه .. ظل عقله يفكر لبعض الوقت .. هل يخبره بما أخبر به أمه أم يقول الحقيقة و بذلك يؤذي أدهم و يأخذ حق توجعات جسده منه ؟ يعلم جيداً بأن أدهم لن يقول السبب الرئيسي لضربه فما راه من أدهم يستطيع و بكل سهولة معرفة أنه لن يأتي بسيرة زوجته حتي يبرر ما فعله .. كان في صراع بين شيطانه و بين ضميره الذي استيقظ مؤخراً .. كاد أن يسير وراء شيطانه لكنه نفض تلك الأفكار سريعاً و قرر أن يخبره بالقصة التي ألفها و قصها لأمه فهو علي يقين بأنه يستحق ما حدث له من أدهم بل أكثر من هذا فهو سيفعل مثله تماماً بعدما يقوم من جلسته تلك .
مدد جسده علي السرير لينعم و لو بالقليل من الإسترخاء و الراحة بغرفتهما بعدما أنهي محادثته مع والدته و أخته اللتان هنتأه بعيد مولده فهي الأن نائمة بالغرفة الأخري .. ظلت عيناه تجوب الغرفة و هو ينظر لترتيبها الذي كان ينم علي أمسية رومانسية برفقتها علي ضوء تلك الشموع .. تذكر عندما دخل المطبخ ليحضر لها أي طعام لتأكله ليجدها قد قامت بصنع أنواع الأطعمة التي يحبها و تضعها علي المنضدة الكامنة بالمطبخ برفقة الكعكة الذين كانا من المفترض أنهما سيحتفلان بها .. هي من ألت بهما لتلك الحالة بتصرفاتها الغبية و إخفائها عليه أهم الأمور كأنه لا يشكل شيئاً بحياتها .. أخرجه من شروده صوت هاتفه يعلن عن اتصال من أسر .. أجاب عليه ليسمع صوته الفرح ” أدهم باركلي لسة محدد ميعاد كتب الكتاب من شوية ” ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة و بارك له بحفاوة ليقص عليه أسر رد فعل أسيل و فرحتها العارمة عندما فاجأها بأنه حفظ سورة يوسف التي كانت شرط لزواجهما .. أخبره أنه اتفق مع والدها أنهما سيكتبان الكتاب بعد أسبوع من الأن .. أخبره بأنه يجب أن يخرج معه غداً لينتقي معه بدلة أنيقة كما أخبره بأن تالا يجب أن تخرج معهم حتي تختار الفستان مع أسيل فهذا كان شرطها .. حاول أدهم أن يتهرب من خروجه حتي لا يحتك مع تالا لكن أسر لم يترك له الفرصة لذلك .. سأله أسر عن ذهابه لذلك المدعو بماجد و عن سبب نبرته الغاضبة ليلة أمس ليماطل معه أدهم و يغلق معه قبل أن يعطيه جواباً نافعاً .. أسند رأسه على الوسادة مجدداً و أغلق عينيه لبعض الوقت .. أحس بها و هي تتسطح بجانبه كما أن أشتم عبيرها الذي يميزه جيداً بقربه ففتح عينيه و نظر بجانبه ليجد أن إحساسه لم يكن خاطئاً .. كاد أن يقوم لكنها أمسكت بمعصمه لتوقفه قبل أن يقوم و قد خلطت رجاءها و تحديها بعينها التي تنظر إليه .. لاحظت أنه يعتصر قبضه يده فتركت معصمه و بدأت بفتحها لتفردها علي أخرها ثم احتضنتها بيدها و وضعها علي أحشائها قائلة بعدما أسندت رأسها على كتفه : تفتكر هجيب ولد قمور زيك زي ما أنا عايزة و لا هجيب بنت شبهي زي ما أنت عايز .. أردفت قائلة و هي ترفع نظرها له لتجده ينظر للفراغ أمامه فمدت يدها الغير ممسكة بيده و عدلت وجهه ليصبح مقابلها أنفاسه تختلط مع أنفاسها : و لا هنجيب توأم زي ما أنا و أنت كنا بندعي دايماً لربنا
انتشل يده من بين يديها التي ترغمه علي وضعها علي أحشائها ببطء ثم أبعد رأسها عن كتفه و قام من مجلسه .. التفت لها قبل أن يغادر الغرفة قائلاً بجفاء : اعملي حسابك بكرة هنخرج مع أسر و أسيل
تجمعت الدموع بمقلتيها و ضربت السرير بقبضة يدها بضيق .. ألن يلين معها هذا الرجل أبداً و يترك لها الفرصة لتدافع عن نفسها حتي !
كانت جالسة مقابله متجهمة الوجه تمسك هاتفها و تعبث به بعشوائية غاضبة بأحدي المطاعم ينتظران وصول تالا و أدهم .. مد يده ليشاكسها و أخذ يحرك أصبعه السبابة علي شاشة الهاتف بعشوائية قائلا : سيبي الموبايل ده و بوصيلي هنا ؟
أبعدت يده بضيق و أرجعت يدها للوراء و أكملت تصفح هاتفها فهي حقاً غاضبة منه .. مال بجسده قليلاً ناحيتها ثم في حركة مفاجئة انتشل الهاتف و وضعه بجيبه .. رفعت عينيها له قائلة بتبرم : هات الموبايل .. حرك رأسه نافياً قائلاً بجدية : مفيش موبايلات طول ما انت قاعدة معايا عشان الموبايل مش أهم مني .. ضربت المنضدة بضربة خفيفة من قبضة يدها قائلة بتبرم : لا بقي الموبايل أهم منك .. أردفت قائلة : و بعدين انت بتكلمني ليه مش قولتلك متكلمنيش
ابتسم ابتسامة صغيرة قائلا باستفزاز : ما عشان انت قولتي متكلمنيش هكلمك
نظرت له بجانب عينيها بضيق قائلة ببرطمة سمعها هو : رخم و بتاع بنات
أسر بابتسامة عاشقة : طفلة و بعشقك أقسم بالله
رفعت عينيها له قائلة بتذمر : أه بتعشقني أوي فعلاً بأمارة إني قاعدة معاك و انت قاعد عمال تبص على البنت الجرسونة
تغيرت تعبيرات أسر للضيق قائلا : تعرفي يا أسيل أكبر غلطة عملتها إني حكتلك على ماضيا كله .. كان المفروض مقولكيش عشان انت بقيتي شكاكة زيادة عن اللزوم لدرجة إني لو عديت جمب فازة هتقولي أسر بيعاكسها .. نظر لعينيها العسلية بعمق قائلاً : أسيل أنا بحبك و أخترتك أنت من كل البنات اللي عرفتها
توترت و ضعفت من نظراته لها فقالت بارتباك : طب و البنت الجرسونة اللي بصتلها
أسر بنافذ صبر : انت شوفتيني طلبت رقمها ده أنا طلبت واحد قهوة عقبال ما أدهم ييجي
تنهدت بضيق قائلة : كنت بتبصلها و أنت بتطلب
تنهد بعمق ثم قال بابتسامة ساخرة و هو يضع كلتا يديه علي وجهه قائلا : معلش لما اكلم أي واحدة بعد كده هبقي أحط ايدي علي وشي .. أزاح يده من علي وجهه قائلاً فجأة : بـــــخ
ضحكت أسيل لكنها سرعان ما نظرت له بضيق قائلة : أنت بتتريق يا أسر
ابتسم لها قائلاً بهيام : كل أما بسمع منك أسمي بحس انه جميل اوي و إني كنت بسمع تلوث قبل كده
توردت وجنتها خجلا قائلة بضيق : اضحك عليا بقي بكلامك ده
ابتسم لها أسر و قال غامزاً لها : طب بذمتك القمر اللي قاعد قدامي ده حد يقدر يضحك عليه ؟ .. أردف قائلاً : يلا اضحكي بقي عشان قلبي بينور لما بيشوفك بتضحكي
ابتسمت أسيل له بخجل ثم رفعت نظرها له قائلة بتساؤل : هتجبلي كب كيك بعد ما نتغدا
ابتسم أسر لها قائلا : أنا مستعد أعملك الفرح عند بتاع الكب كيك ذات نفسه بس ضحكتك ديه تفضل منورة قلبي و حياتي علطول
ظلا يتحدثان لبعض الوقت إلي أن قطع حديثهما وصول أدهم و تالا .. جلسا بعدما سلما عليهما ليطلبا بعدها طعام الغداء حتي لا يضيعوا وقتاً .. ظلوا يتحدثون ما عدا تالا التي كانت صامتة تتطلع لأدهم و تستمع لكل كلمة يقولها فقد اشتاقت أن تسمع نبرة صوته و هو يتحدث لمدة طويلة كما اشتاقت أن تشاهده غير عابس مقطب الجبين حاد النظرات .. أحضرت النادلة طعام الغداء و وضعته أمامهم ثم غادرت .. بدأوا بتناول الطعام أما هي فظلت تنظر إليه تتأمله و هي تعبث بالطعام أمامها .. قابلت عيناه عينيها فجأة و هو يجوب بعيينه الأرجاء لتنظر لطبقها سريعاً .. شعرت به و هو يميل بتجاهها لتسمع بعدها صوته و هو يقول بحزم : كلي و بطلي تبصيلي
ابتعد عنها و رمقها بنظرة نارية ثم عاد لتناول طعامه مجدداً .. أمسكت المعلقة بشكل جيد و ظلت تنظر للطعام لبعض الوقت و هي تشعر بالغثيان و الضيق .. ملأت المعلقة و وضعتها عنوة بفمها كأنها تأخذ دواء سيء المذاق لتشعر بعد ثوان أنها اختنقت و ستتقيأ .. كادت أن تقوم سريعاً و تذهب للحمام لكنها وجدت قبضة يده القوية تقبض علي يدها حتي توقفها عن الذهاب لتسمع بعدها صوته و هو يقول بصرامة ظنا منه أنها ستتهرب من الطعام : كملي أكلك
لم تستطع أن ترد عليه فبالفعل حدث ما كانت تخشاه .. طردت معدتها عن طريق فمها المعلقة التي أكلتها بجانب كل الطعام التي أكلته صباحا .. تفاجئ أسر و أسير و لكن أدهم أخذ مناديل كانت موضوعة على طاولة الطعام في سرعة و انحني بجانبها و هو يحاول أن ينقذ الموقف .. أخرجت كل ما بجوفها بعضاً منه علي ثيابها و علي أرضية المطعم و البعض الأخر بيدها و الباقي بيد أدهم التي انتظرتها إلي أن انتهت تماماً و هي تحاول قدر الإمكان أن تبتعد عن ثيابها و ثيابه .. أتي عامل المطعم و بحوزته زجاجة بها بعض المياه و المناديل الإضافية ليأخذها أدهم منه ليمسح يده .. اتكأت برأسها على كتفه و هي شبه واعية تحاول جاهدة أن تأخذ أنفاسها التي قطعت و سحبت منها و أسيل واقفة بجانبها تربت على كتفها لا تدري ماذا تفعل غير مشاهدتها لما يحدث .. وضع أدهم بعض المياه بيده و بدأ يمسح لها وجهها لعلها تستفيق قليلاً و بالفعل بعد وقت قليل استفاقت و بدأت أنفاسها تعود لطبيعتها مجدداً .. لاحظت أن عيون كل من بالمطعم مسلطة عليها يراقبونها فشعرت بالحرج الشديد و أخفت وجهها بصدر أدهم مختبئة به .. حمل أدهم علبة المناديل بيده ثم اقترب من أذنها قائلاً بهمس : قومي نروح الحمام.. قامت معه بخضوع و هو يسندها ممسكاً بخصرها ليصطحبها للحمام و أسيل تسير وراءهما .. أخذ بعض المناديل و أعطي لأسيل البقية قائلاً بجدية : لو سمحتي يا أسيل أدخلي معها و ساعديها تنضف هدومها ديه و تظبط نفسها .. دفع تالا من كتفها بخفة بتجاه الحمام النسائي قائلاً بجدية : يلا ادخلي
دخل الحمام الرجالي ليعدل من هندامه بعدما أيقن أنها دخلت برفقة أسيل أما هما فبعدما دخلتا أسندت أسيل تالا و ساعدتها في تنظيف ثيابها كما طلب أدهم .. نظرت لها أسيل قائلة بقلق : مالك يا تالا ؟ أنت كويسة ؟
اؤمأت تالا برأسها بوهن لتقول أسيل بتساؤل : أمال مالك ؟ الأكل معجبكيش ولا ايه ؟
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت : أسيل أنا حامل
صاحت أسيل صيحة عالية غير مصدقة لهذا الخبر السعيد ليدخل لهما أدهم علي أثرها و الذعر بادٍ علي وجهه غير مهتم لصياح السيدة الجالسة علي الباب التي تعنفه علي دخوله .. نظر لهما ليجد تالا مستندة بظهرها علي الحوض و أسيل واقفة أمامها و يبدو علي قسمات وجهها الفرح .. تنهد بارتياح ثم قال بحزم : خلصوا يلا و تعالوا ورايا .. أخذ طريقه للخارج لتقترب أسيل من تالا و تحتضنها بفرحة و هي تقول بفرحة : مش مصدقة بجد أنك أنت و أدهم هيبقي عندكوا بيبي صغير ألعب معاه .. ابتعدت قليلا عنها ثم طبعت قبلة علي وجنتها قائلة بابتسامة : ألف مبروك يا قلبي
لمعت عينا تالا فرحاً عندما لمس رد فعل أسيل و فرحتها قلبها فهي الثانية بعد منال التي فرحت بشدة و باركت لها بحفاوة .. كم تمنت أن يكون رد فعله مماثل لرد فعلهما حتي تكتمل فرحتها لكنه بكل أسف لم يحقق لها أمنيتها و يعاملها بكل برود و تجاهل .. ضمت أسيل لها مجدداً و احتضنتها دون أن تنطق بحرف واحد .. ظلت بعض الوقت محتضنة أسيل لتسمعها تقول بمرح : تالا لو حد دخل و شافنا كده ممكن يفهمنا غلط .. ابتعدت تالا عنها و هي تضربها ضربة خفيفة بكتفها لتكمل أسيل كلامها قائلة : خلاص خلاص يلا نخرج بدل ما أدهم و أسر يدخلوا ييجبونا بمعرفتهم
خرجتا معاً لتجدا أدهم واقفاً ينتظرهما فقد ذهب و اعتذر لإدارة المكان عما حدث و عاد لينتظرهما مجدداً .. تقدم أدهم بعض الخطوات لتسيرا أسيل و تالا وراءه .. وصلوا إلي حيث كانوا يجلسون ليجدوا المكان نظيفاً كما كان بل أحسن مما كان عليه فقط أتي عامل النظافة و نظفه باتقان .. جلسوا ليلاحظ أدهم أن أسر صامت و هو ينقل بصره له تارة و إلي تالا تارة أخري .. حرك أدهم يده أمام وجهه قائلاً بدهشة : أسر في حاجة ؟
كأن أدهم انتزع فتيل قنبلة أسر ليصيح قائلاً و علامات عدم التصديق و الدهشة علي وجهه : مش مصدق إن أدهم الإنف اللي كان بيقرف من أقل حاجة يعمل اللي عمله من شوية ده ..أردف قائلاً و هو ينظر لتالا : بس الحمد لله إنك مش مراتي عشان كنت هتبقي طالق في ساعتها
ابتسمت تالا ابتسامة حرج و نظرت للأرض لتقول أسيل بانفعال بسيط : لا و الله يعني لو رجعت في مرة و احنا متجوزين هتطلقني
لم يفكر في الإجابة .. جاوب سريعاً قائلاً : نعم و أكيد ولابد
نظرت له أسيل بغيظ شديد ثم قالت : خلاص طلقني يلا
ضحك أسر بسخرية قائلا : هو احنا لسة اتجوزنا يا هبلة عشان أطلقك أردف قائلاً : طب علي الأقل أستني لما اتجوزك
ضغطت علي أسنانها بغيظ و كادت أن ترد لكن أدهم قطع نقارهما قائلاً بجدية : قوموا يلا نمشي
بالفعل قاموا كما قال أدهم لتقول أسيل بعدها كأنها تذكرت شيئا : نسيت صح أقولك مبروك يا أدهم
نظر لها أسر قائلا بتساؤل : بتباركيله علي ايه ده هو اللي المفروض يباركلنا
نظرت لأسر قائلة بفرحة تلقائية : يا ابني أدهم حامل .. نظروا لها باستنكار لتعدل جملتها سريعاً و تقول : قصدي تالا حامل
انفجر أسر ضحكاً و قال موجهاً كلامه لأدهم : تخيل منظرك و أنت حامل و منخوخ كده شبه الكورة الكفر لو كلامها صح
ضربه أدهم بكتفه قائلا بضيق : ايه الخفة ديه ؟ ما بدل ما تتخيلني تخيل نفسك أنت
أكمل أسر ضحكه قائلاً : يا بني تخيل بس و الله هيبقي شكلك مسخرة خصوصاً لما تتعب و تقول لتالا و انت ماسك ضهرك ” ابنك هيموتني ياختي .. ياخرابي علي الحمل و سنينه ” .. انفجر في الضحك مجدداً ليرفع أدهم أحد حاجبيه متوعداً له قائلاً بغيظ : والله لو ما اتلميت لأقل منك قدام خطيبتك و مراتي .. تدخلت أسيل قائلة : ملكش دعوة بأسورتي يا أدهم عشان أسورتي هيبقي كيوت و هيجبلي كب كيك بالمناسبة السعيدة ديه
تحسس أسر شعرات شنبه قائلاً بنافذ صبر : قولتلك ميت مرة كيوت و الجو ده تقوليه للكلب بتاعك يا حبيبتي لكن أنا مش كيوت .. أردف قائلاً : أنت عارفة لو حد سمعك و انت بتقولي عليا كيوت أتوقف عن العمل فوراً .. أشار إلي وجهه قائلاً لتالا و أدهم : بذمتكوا ديه منظر خلقة كيوت زي ما هي بتقول
ظلوا يشاكسون بعضهم البعض و تالا تنظر لهم فقط و ابتسامة صغيرة مرسومة علي ثغرها فها هي تري أدهم يمرح و يبتسم مع أسر و أسيل .. اشتاقت حقا لتري هذا الانبعاج الكامن بوجهه الذي يجعل ضحكته و ابتسامته مهلكة بجاذبية لا تقاوم .. أستقل كل واحد سيارته مع شريكة حياته سواء كانت الحالية أم المستقبلية وصلوا إلي أحد الأماكن المشهورة ببيع أحدث و أفرد الفساتين و بدل الأفراح ليتفرقا اثنين .. أدهم و أسر معا يبحثون عن بدلة انيقة و أسيل و تالا معاً يبحثون عن فستان رقيق يليق بعروسته البسكوتة .. مر الوقت و هم يبحثون لينتهي أسر و أدهم أولاً .. ذهبا إليهن ليجداهما انتهين من اختيار الفستان .. اراد أسر أن يري الفستان لكن أسيل ابت بشدة لتجعله مفاجأة .. انشغل أسر و أسيل بدفع الحساب ليذهب أدهم و ينتزع أحد الفساتين المحتشمة المعلقة بلونه الكحلي ليمسكه بعدها و يتفحصه قليلاً .. اقتربت منه أحد العاملات بالمحل قائلة و هي تشير لتالا : حضرتك عايز مقاس المدام مش كده ؟
حرك رأسه نافياً و هو يقول بجدية : أنا عارف مقاس المدام و فعلا لقيته .. ابتسم ابتسامة مجاملة لها و هو يقول : شكراً .. تركها و اقترب من تالا التي كانت واقفة ترشقه بضيق و هي تراه يتحدث مع الفتاة .. وضع الفستان بيدها قائلاً بجدية : ادخلي قيسي ده
حركت رأسها نافية و هي ترجعه ليده مجدداً قائلة بجدية : هبقي ألبس أي حاجة من عندي و خلاص .. أرجعه ليدها مجدداً قائلاً بصرامة : أنا بأمرك مش بأخذ رأيك .. دفعها من كتفها بتجاه البروفة قائلاً بحزم : قيسيه يلا .. كاد أن يغلق باب البروفة لكنها وضعت يدها عليه قائلة بجدية : أنا مكنتش عايزة أجيب بس هقيسه عشان خاطرك أنت بس .. أردفت قائلة بحب : كفاية أنك أنت اللي مختاره
ضايقها عدم رده عليها و غلقه للباب لكنها مازالت فرحة لأنه رغم غضبه و عدم كلامه معها مازال يفكر بها .. ارتدت الفستان سريعاً لتنظر لنفسها بعدها بمرأته و تتسع حدقة عينيها علي الفور من شدة جماله و انبهارها به .. كان حقاً الفستان محتشماً رقيقاً و غير مبهرج .. كيف لم تشاهده عندما كانت تنتقي الفساتين مع أسيل .. فتحت الباب لتجده واقفاً ينتظرها .. اقترب منها و أخذ ينظر لها و هو يتفحص الفستان عليها بتدقيق خوفاً من أن يكون به أي عيب .. قال بعدما تأكد أن الفستان يلائمها تماماً : يلا ادخلي اقلعيه .. كادت أن تدخل لكنها وجدت أسيل تقترب منهما و هي تقول باعجاب شديد : حلو أوي يا تالا ده بجد يجنن عليكي أكيد أدهم هو اللي أقنعك تجبيه .. أردفت قائلة بعدها و هي تنظر لأدهم : دي جننتني لحد اما كنت هشد فى شعري منها و أنا بحاول أقنعها أنها تجيب فستان
ابتسم أدهم لأسيل ابتسامة صغيرة قائلاً بعدها بجدية لتالا : يلا ادخلي اقلعيه .. أمتثلت تالا لأمره و دخلت البروفة لتخرج بعدما انتهت لتجد أدهم يدخن سيجارة .. أعطت الفستان لأسيل و اتجهت نحوه و نظرة غاضبة متحدية مرسومة بعينيها بوضوح .. كادت أن تمد يدها لتطفئ السيجارة لكنه أرجعها وراء ظهره في سرعة .. وقفت أمامه و رفعت نظرها له قائلة بنظرة أب غاضب : اطفيها يلا
نظر لها ببرود و قربها من فمه و أخذ نفساً منها عنداً فيها لا أكثر و لا أقل .. بدا بلعب لعبة القطة و الفأر هي تمد يدها و تحاول أن تطفئ السيجارة لكنه يأخذ منها نفساً و يرفع يده عالياً بكل برود حتي لا تستطيع الحصول عليها .. أخذت تحاول أن تصل إليها و هي تشد ذراعه لأسفل لكنها فشلت .. بدأت تشعر بالتعب و هي تحارب كي تصل لها فتوقفت قائلة و هي علي وشك البكاء : خلاص بقي كفاية تعبت بجد .. ضايقته نبرتها و المته كما أنه لاحظ الحرق الذي مازال اثره بادِِ علي راحتها الذي شوهها و هي تحركها لأعلي و أسفل .. استغلت فرصة انشغاله بتطلعه لباطن كفها لتسحب يده فجأة علي حين غفلة و تأخذ منها السيجارة عنوة لتلقيها أرضاً .. سحقتها بقدميها و هي تشعر بأنها انتصرت بحرب كان مقدراً لها بها الهلاك .. ارتسم شبح ابتسامة علي وجهها لتجده ينحي قليلاً و هو يهمس باذنها قائلاً : متفرحيش أوي كده أنا اللي سيبهالك بمزاجي علشان أسيل واقفة مش أكتر
ابتعد عنها لترفع هي أحد حاجبيها بغيظ ممزوج بالضيق .. ذهب من أمامها و أخذ الفستان من بين يدي أسيل و ذهب ليدفع ثمنه .. اقتربت أسيل منها قائلة بتساؤل : تالا أنت متخانقة مع أدهم صح ؟
تنهدت تالا بضيق قائلة : خلاف بسيط بينا يا أسيل بس هحاول أصلحه بإذن الله .. أردفت قائلة : متشغليش بالك أنت
خرجتا معاً ليأخذ أدهم تالا و يغادر بعدما بارك لأسيل و أسر مقدماً .. كانت شاردة طوال الطريق تفكر في حل لتصالحه .. فخطة إغرائه فشلت و خطة حملها فشلت .. تذكرت صباحاً و هي تحاول أن تكلمه ليصدها هو ببروده الذي يقت,لها.. تذكرت عندما هوي قلبها أرضاً عندما هوي هو للأرض فجأة ليستند علي ذارعيه القويين ليلعب ضغط ببرود تام كأنه لم يفعل شيئاً بتلك المسكينة .. أخبرته بدل المرة مائة مرة ألا يفعل تلك الحركة الغبية لأنها في كل مرة تصاب بالذعر .. يجب أن تفكر في شئ أخر فحتي خطة حججها الفارغة للتكلم معه و سحبه بالحديث لعله يلين فشلت أيضاً .. أفاقت من شرودها علي صوته و هو يقول بجدية : يلا انزلي
نظرت من شباك السيارة لتجد نفسها بمكان غير مكان الفيلا .. أخذت تتطلع حولها لعلها تجد شئ يخبرها لما هما هنا و غير ذلك يأمرها بالنزول .. لفت انتباهها يافطة لمأذون شرعي بالمكان .. ارتعدت نفسها بعدما رأتها و ضربتها عاصفة قوية زلزلت كيانها .. تذكرت كلماته لها ” يومين بالكتير أمهد فيهم لماما الموضوع و أدور علي أي حجة و طلبك يتنفذ” .. هل سيطلقها الأن ؟ هل سيلفظها من حياته بل من الحياة بأكملها الأن ؟ هل سيهون عليه حبهما بهذه السهولة ؟ هل سيهون عليه تركها هي و طفله لتتعذب من بعده ؟ .. نزلت دموعها علي الفور قائلة كطفلة بعمر الخامسة من عمرها غاضبة بعدها ربعت يدها أمام صدرها : لا مش هنزل و أنت مش هتطلقني عشان أنا مش هسمحلك تطلقني و تهد حبنا و أسرتنا اللي هتتكون .. مش هسمحلك تخلي اللي في بطني يتربي مشتت بين أسرة مفككة .. أردفت قائلة : أنا مش هعرف أربيه لوحدي زي ما أنت كمان مش هتعرف تربيه لوحدك .. صاحت به قائلة : إزاي مش قادر تفهمني و تفهم أنا جوايا ايه و أنت الوحيد اللي بتقدر تقرأني و تفهمني من مجرد نظرة منك ليا .. أردفت قائلا : أنا أعترف إني يمكن أكون غلطت لما خبيت عليك بس ميبقاش عقابك ليا قاسي كده .. عاقبني بأي حاجة غير إنك تتجاهلني أو تطلقني و تبعدني عنك
نفذ صبره حقا من التفاهات التي تقولها .. صاح بوجهها قائلا : خلاص خلصتي كل الكلام اللي في نفسك
ظلت صامتة تنظر إليه و لا ترد فأكمل قائلا بحزم : شكلك خلصتي و مدام خلصتي يبقي اتفضلي أنزلي لا تعرف ماذا تفعل ؟ هل تترجاه أكثر من هذا ليبقيها علي ذمته .. سمعت صوته و هو يقول بنافذ صبر : هتحايل علي حضرتك كتير
هي لن تتحايل عليه مجدداً بل ستدعي لربها أن لا يفترقا .. نظرت له بعيون دامعة معاتبة و فتحت الباب و نزلت و هي تدعي الله أن يحترق مكتب المأذون قبل أن يصعدا إليه أو يحدث أي شئ يمنع طلاقهما .. أغلق السيارة و مشي لتمشي هي وراءه .. الغريب الذي اثارها أنه لم يدخل العمارة المعلق عندها اليافطة بل دخل عمارة أخري بعدما أمسكها من معصمها و عبرا الشارع .. استقلا الأسانسير و نزلا بأحد الطوابق مشي أدهم لتسير لتالا وراءه لكنها توقفت فجاءة عندما شاهدت يافطة لدكتورة نسا .. عادت خطوتين للوراء و هي تضع يدها علي أحشائها قائلة بعدم تصديق : أنت عايزني أجهض الجنين عشان بعد كده تطلقني .. للدرجادي مش متحمل إن يبقي عندك أطفال مني
ضرب جبينه بيده و أنزلها علي وجهه بنافذ صبر فقد رزقه الله بزوجة مخبولة سيموت علي يدها هي و أفكارها التي لا يعلم من أين تأتي بها في يوم من الأيام .. ستقضي عليه حقاً بعد إرساله للسرايا الصفراء .. هل تعتقد أنه من الممكن أن يقت,ل طفله أو يمسه بأي سوء .. كم هي مخبولة حقاً .. أمسكها من ذراعها قائلاً بنرفزة بسيطة : أنتِ قاصدة تجنيني يا بنت الناس و تعصبيني ، صح ؟ قوليلي هي دكتورة النسا كل شغلتها في الحياة إنها تجهض الجنين و بس أو أصلاً أنا ممكن أقت.ل روح لأي سبب من الأسباب
بدأ الشيطان يسحب أفكاره السوداء التي بثها لها عنه لتعود و تحسن الظن به من جديد .. بالتأكيد أتي بها إلي هنا لتتابع مع الطبيبة .. كيف لها أن تفكر بأنه من الممكن أن يفعل ذلك .. هو أدهم و ليس ماجد .. أنزلت رأسها أرضاً و هي تشعر بالضيق من نفسها لأنها أساءت الظن به .. دخلت أمامه للعيادة بهدوء و جلست في أحد الأماكن الفارغة ليأتي أدهم و يجلس بجانبها بعدما تكلم مع الممرضة لبعض الوقت .. قالت بصوت خافت دون أن تنظر له و هي تعبث بأصابعها بتوتر : أدهم أنا أسفة مكنش قصدي أسئ الظن فيك .. أرجع رأسه للوراء و أغلق عينيه لبعض الوقت دون أن يرد عليها فتحهما فقط عندما نقرت علي كتفه بأصابعها قائلة بقلق : أنت كويس ؟
تنهد قائلاً بتهكم : هبقي كويس لو سمعت سكوتك
تنهدت بحزن و نظرت أمامها و هي مازالت تعبث بأناملها بتوتر شديد .. نظرت له مجدداً قائلة بضيق : مدام هتفضل قاعد مبوز و عامل كده يبقي جيت معايا ليه ؟ كنت ممكن تخلي ماما منال أو أسيل ييجوا معايا أو حتي أجي لوحدي
اعتصر قبضه يده قائلاً بنافذ صبر : أستغفر الله العظيم يا رب .. وجه نظره لها و كاد أن يتكلم لكنها أردفت قائلة بضيق ممزوج بالغيظ : و الله ما أنت قايل .. حاولت تقليد نبرته الجافة الرجولية قائلة : كله عشان أبني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتركي إنه عشانك
اؤمأ برأسه ببرود قائلاً بتهكم : بالظبط كده خليكي فاكرة الجملة ديه علطول بقي و ردديها في دماغك عشان متنسيهاش
نظرت له بضيق ممزوج بالغيظ و عادت لصمتها و العبث بأصابعها مجدداً .. أتي دورهما بالكشف فقام أدهم و قامت تالا معه .. دخلا للطبيبة التي كانت كبيرة في السن إلي حد ما لتقابلهما بابتسامة بشوشة و هي ترحب بهما .. فحصتها الطبيبة و نصحتها ببعض النصائح حتي تحافظ علي جنينها و صحتها و كتبت لها بعض الفيتامينات و الحقن المثبتة التي ما أن سمعت تالا سيرتها حتي تكهرب جسدها بأكمله .. علي الرغم من أنها أخذت الكثير من الحقن من ذي قبل لكنها مازالت وحشاً بالنسبة لها ترتعب منه .. قالت للطبية راجية اياها : لو سمحتي بلاش حقن
ابتسمت الطبيبة قائلة : احنا ناس كبيرة بقي و خلاص كلها شهور و هتبقي أم
كادت تالا أن تعترض لكن أدهم قال : خلاص يا دكتورة تمام .. أنا هبقي أتصرف معها في موضوع الحقنة ده
بعد قليل من الكلام الطبي و التعليمات الأخري التي ألقتها لها الطبيبة كادا أن يغادرا لكنها أوقفتهما قائلة و هي توجه حديثها لأدهم : خلي بالك منها يا أستاذ أدهم و حاول علي قد ما تقدر متزعلهاش أو تخلي حاجة تزعلها و ياريت تبعدها عن أي ضغوط نفسية .. اؤمأ أدهم برأسه و أخذ تالا و خرجا من الغرفة و بعدها من العيادة بأكملها .
الفصل الأخير – الجزء الثالث -ج3
مر الأسبوع سريعاً كسرعة البرق لم يحدث به أي تغيير أو شيء جديد غير شئ واحد فقط لن يصدقه أي شخص و هو أن أسر حلق شنبه و تخلي عنه صباح اليوم !!!
كان يقف برفقة أدهم ينتظرها لتخرج من الكوافير و هو يضع يده علي النصف السفلي لوجهه ليخفيه .. نظر له أدهم بنافذ صبر قائلا : ناوي تحضر كتب الكتاب و أنت عامل كده ؟
زفر أسر بضيق قائلا : حاسس أني واقف بلبوص يا أدهم كما ولدتني الحاجة أمي ياريتني ما حلقته .. أردف قائلا بمرارة : يا فضيحتك يا أسر وسط أصحابك انهارده .. يا فضيحتك يا أسر وسط الناس .. يا فضيحتك يا أسر وسط المجرمين بتوعك .. أتت بباله فكرة فصاح قائلا : أدهم أنا هكلم عمي أقوله يأجل كل حاجة انهارده و نبقي نكتب الكتاب لما شنبي يطلع
زفر أدهم بنافذ صبر قائلاً بدعاء : يا رب صبرني علي ما ابتلاني
أسر بمرارة : يا أبني انت ليه مش قادر تحس بيا .. أنا و الله حاسس أن كل البني أدمين اللي ماشين في الشارع بيبصوا عليا و بيقولوا ايه ده شوفوا الراجل اللي هناك ده حالق شنبه
صاح به بنافذ صبر قائلاً : هقولك كلمة وحشة عمرك ما سمعتها قبل كده .. أرجع يده بين خصلات شعره و هو يعتصرها قائلاً : و أنا الحمد لله اكتشفت أن عندي معجم فأسكت و خاف علي نفسك بقي
أسر بنفس المرارة : أصلك مش فاهم عشان مكنش عندك شنب زي شنبي فمش حاسس بمعاناتي .. أردف قائلا : أنت مش عارف فايدة الشنب ده ايه ؟ ده بيخلي الواحد يحس بهبته كده وسط المساجين غير لما يبقي عيل فرفور و غير ده كله بيدفيني في الشتاء يا أدهم .. تنهد بحزن قائلا : و أنا بعد كل اللي كان بيقدمهولي ده أتخليت عنه بكل بساطة عشان أفرحها .. شوفت أنا قد ايه ظالم يا أدهم
نفذ صبر أدهم حقاً فصاح به قائلا : أبوك لأبو أدهم لأبو شنب المقشة بتاعك يا أخي حد ضربك علي إيدك و قالك أحلقه .. غمغم قائلا : أستغفر الله العظيم يا رب هتخلي الواحد ياخد ذنوب بسببك
فُتِح باب الكوافير لتخرج منه أسيل لينتبه أسر لها بدأ يتفحصها من أخمص قدميها و هو يصعد بعينيه من أسفل لأعلي ليجدها ترتدي فستان فيروزي رقيق للغاية يليق بعروس رقيقة مثلها و ما زينها و زادها رقة هو حجابها .. حجابها !!! هل ما يراه صحيح !! هل تحجبت !! و برغم من هذا لم يأخذ حجابها من جمالها أو أنوثتها التي كان يبرزها شعرها بل زادها جمالاً و نوراً .. أنزل يده من علي وجهه و دعك عينيه ثم فتحهما ثانية حتي يتأكد أنها هي .. ليسمع بعدها صياحها و هي تتجه نحوه قائلة بفرحة : أنت حلقت شنبك ؟
صاح بها بنفس الفرحة قائلا : أنت اتحجبتي ؟
كان أدهم يقف بالمنتصف بينهما فضرب كفاً علي كف قائلاً بسخرية : يا مجانين .. لاحظ تلك اليد التي تربت علي كتفه فالتفت لها ليجدها تالا تأبطت يده و سحبته بعيداً عنهما قليلاً قائلة : شكلهم حلو أوي مش كده .. أردفت قائلة بابتسامة : و أسيل لبست الحجاب مش قولتلك إن كلامك هيجيب نتيجة معها
لم يكن يركز بأي شئ قالته هي فقد كان تركيزه متمركزاً علي عينيها البنية التي أيقن بأن هناك ما تضعه بها فقد كان ملفتاً للغاية .. أبعد يده التي كانت تتأبطها ليمدها و يمسك وجهها و يحركه قائلا بتهكم : ايه اللي حطاه في عينيك ده ؟
وجهت عينيها للأرض قائلة كفتاة في العاشرة من عمرها تقف أمام أبيها أو أخيها الكبير قائلة بتوتتر بصوت خافت : كحل .. كحل أزرق
نظر لها نظرة حادة قائلاً باقتضاب : و إن شاء الله بيعمل ايه في عنيكي ؟
أرادت أن تغيظه و لو قليلاً حتي يستمر في الكلام معها فاصطنعت البرود و أبعدت يده عن وجهها قائلة : بيحليها
نظر لها نظرة نارية قائلاً باقتضاب : لا و الله ؟
حركت رأسها ببرود قائلة بدلال : أه و الله .. نظرت بعينيه بعمق قائلة برقة : بذمتك مش محليها و حتي لونه لايق مع الفستان اللي مختارهولي ؟
سرح بعينها الجميلة التي سحرته منذ أن وقعت عيناه عليها لكنه سرعان ما ربط جأشه قائلا : الزفت ده يتمسح حالاً
رفعت أحد حاجبيها قائلة بدلال : ليه بتغير عليا ؟
ربت علي إحدي وجنتيها بخفة قائلاً بحزم : البتاع ده يتمسح فاهمة و كلامي مبكررهوش كتير و أنت عارفة كده كويس أوي .. أردف قائلاً ببرود قبل أن يذهب من أمامها و يتجه لأسر و أسيل التي كانت الفرحة تنبعث من عيونهما : و علي فكرة مش محليها شكلك وحش و بيخوف كمان
ضربت قدميها بالأرض بضيق كالأطفال قائلة لنفسها بعند : طب و الله ما هشيله يا أدهم هاه و كلامك ده خليه لنفسك .. عند بعند بقي
أخذت نفسها و ركبت السيارة و أخذت تنظر لنفسها في المرأة و هي تتفحص مظهرها لتجد أنها رائعة بكل معني الكلمة لكن كعادتها ما تقوله المرأة ليس له أهمية أو صدق عندها بعد ما يقوله أدهم فهي لا تنتظر الا رأيه بها و تقييم عينه لها .. وضعت يدها علي أحشائها قائلة بحزن : شوفت بابي بيقول لمامي إنها وحشة و بتخوف إزاي ؟ .. مامي بقي زعلت منه أوي و من كلامه بس للأسف بتحبه و عارفة إنه كمان بيحبها بس هو بيعمل كده و بيقسي عليها عشان هو كمان زعلان منها .. نزلت دمعة هاربة من عينيها مسحتها سريعاً قائلة : مامي مستعدة تسامح بابي عشان قال عليها وحشة و بتخوف و تسامح قسوته عليها الفترة اللى فاتت بس هو كمان يسامحها و يرجع معاها زي الأول .. عارف مامي نفسها أوي يرجع أدهم الحنين تاني اللي كان بيحبها و بيعاملها بطريقة حلوة .. رأته قادماً و أسيل و أسر وراءه .. استقل مقود السائق بجانبها لتستقل أسيل بجانب أسر بالخلف .. وجهت نظرها للشباك بجانبها و ظلت صامتة .. سمعت صوت أسيل تقول : أسر أنا جعانة أوي من الصبح مكلتش .. نظرت لأدهم قائلة : أدهم ممكن تبقي تقف أدام أي مطعم نجيب منه أكل
تنهد أسر و قال بجدية : و الله كنت عارف إنك هتقولي كده فعملت حسابي .. لف للوراء و أخذ حقيبة بها طعام موضوعة .. أخرج لها سندوتشاً و أعطاه لها قائلاً بابتسامة : اتفضلي بالهناء و الشفاء يا حبيبتي
أخذت أسيل منه السندوتش بابتسامة قائلة : أنا و الله كنت شامة ريحة الأكل بس قولت يمكن بتخيل
ابتسم بنافذ صبر ثم مد يده لتالا بسندوتش أخر لتقول تالا و هي تنظر له : لا شكراً يا أسر
قال أدهم بحزم دون أن يوجه نظره لها : خديه كليه
تالا باقتضاب : مش جعانة
أدهم بنافذ صبر و هو مازال ينظر للطريق : مش لازم تبقي جعانة عشان تكلي كفاية إني قولتلك تكلي
أخذت الشندوتش من أسر فقط حتي لا تثيره و يصيح بها أمامهما و هي لن تتحمل هذا و ستصيح هي الأخري و بذلك ستفسد فرحة أسيل و أسر عندما يتشاجرا كما أنها لا تريد أن يراهما أي شخص حتي لو كان قريباً منهما و هما يتشاجران .. بدأت بأكل السندوتش و هي تنظر من شباك السيارة إلي أن أنهته قبل أن يصلا بدقائق قليلة .. استقبلا المعازيم العريس و العروسة بحفاوة ليتم بعدها كتب الكتاب لتصبح أسيل أخيرا زوجة أسر .. كانا يجلسان بالكوشة معاً و أسر يمسك بيدها و يربت عليها بحب بعدما أنسته فرحته فقد شاربه العزيز .. من العادي و المفترض أن تكون الخطبة قبل كتب الكتاب و لكنهما فعلا العكس .. فها هما يجلسان بخطبتهما بعد كتب الكتاب .. كانا هما الأثنين في أقصي حالات فرحتهما خاصة أسيل التي اقتربت منها كريمة و باركت لها كما تبارك الأم لبنتها علي عكس اثنين بهذه القاعة .. كانا يقفان بأحد الأركان بعيداً قليلاً عن سارة و أمه .. صاح بها قائلاً باقتضاب : مش قولت الزفت ده يتمسح ؟
اؤمأت برأسها قائلة بعند : أه أنت قولت و أنا ممسحتوش و مش همسحه عشان عاجبني و شكلي بيه حلو
غمس أنامله بخصلات شعره بغضب و مرت عينه بأرجاء المكان بعيداً عنها ليستوقفه هذا المشهد .. فتاة تقف برفقة أصدقاءها و تمرح معهم و لكن فجأة و دون سابق إنذار يدوي بأذنها صوت انكسار تلك الحلقة التي كانت تمسك إحدي حمالات فستانها ليحمر وجهها علي الفور و تخبي منطقة صدرها بيدها و هي مصدومة مما حدث لا تدري كيف تتصرف .. لم يكن منه غير أنه ترك تالا و ركض بتجاهها و هو يخلع جاكت البدلة التي يرتديها .. لم يمر أكثر من خمس ثواني إلا و كان أدهم أمامها يلقي عليها جاكت بدلته و هو يغض بصره عنها لترتديه هي علي الفور بالمقلوب كما ألقاه عليها .. نظرت له بامتنان قبل أن تغادر برفقة أصدقائها ليتنهد هو تنهيدة طويلة و يأخذ نفسه .. لفت انتباه ما فعله كل من في القاعة وأكثرهم الفتيات فقد تتيمن به و بدأن بالحديث عليه أكثر من ذي قبل .. فأولاً كان الشاب الوسيم الذي يبدو عليه الثقل لكنه الأن أصبح الشاب الوسيم الشهم ذو المروءة الذي أنقذ تلك الفتاة المسكينة من الإحراج أمام الناس .. عاد أدراجه لها مجدداً و وقف بجانبها مكملاً ما كان يجري كأن شيئاً لم يكن : أنت لسة واقفة مكانك برده مشلتيش الزفت ده
اؤمأت برأسها قائلة بسخرية رغم اشتعال قلبها بالداخل من الغيرة : أه أصلي كنت بتفرج علي جوزي الراجل الوحيد الشهم اللي في القاعة ديه اللي مفيش رجالة غيره .. أردفت قائلة بغيرة : بس ما شاء الله شكلك كنت مركز معاها أوي و كانت عجباك من الأول لدرجة إنك من و أنت هنا لاحظت إن فستانها اتقطع فقولت أعمل نمرة بقي و استغل الفرصة .. صمتت قليلاً ثم أكملت كلامها قائلة بتهكم : و أحب أبشرك إنك عجبتها و مش عجبتها هي بس لا عجبت بنات القاعة كلهم و هتلاقيهم كلهم جايين يشكروا الجنتل مان أدهم بالنيابة عنها عقبال ما هي تيجي تشكرك بنفسها .. أعمتها الغيرة فتابعت قائلة بسخرية : و بعدين تفتكر واحدة دراعتها و رجليها باينة هتفرق معاها لو حتة زيادةكمان بانت!!
هل تظن بأنه من هذا النوع من الرجال يعلم أنها مجنونة لكن ليس لدرجة أنها تشك به .. ليس لدرجة أنها تظن أن ما فعله .. فعله فقط من أجل عرض سيصفق له المتابعين عليه و يلفت نظر الفتيات ليعجبن به و يمدحونه .. ما فعله كان رد فعل سريع لم يفكر به لما لفت انتباهه فجأة .. هل تتهمه أنه كان يتابع تلك الفتاة كما تتهمه أن مروءته مزيفة للعرض و للفت الإنتباه فقط .. كان كلامها يشعل فتيل غضبه دون أن تشعر حتي أن يده بدأت تآكله .. بدأت يديه ترتفع دون أن يشعر هو بارتفاعها .. شعر فقط بما كان سيفعله عندما أمسكت منال بيده و أرجعتها إلي جانبه مجدداً قائلة بجدية : معتقدش إن هنا مكان مناسب انكوا تتخانقوا فيه و لا انتو ايه رأيكوا ؟
تنهد أدهم بغضب و استغفر ربه و تركهما و ذهب خارج القاعة بأكملها بعد أن قال لها قاصداً : الزفت اللي في عينك ده يتشال و مش هكررها تاني عشان ماشلهوش أنا بطريقتي .. ربتت منال علي كتف تالا قائلة : روحي اقعدي جمب سارة عشان متدوخيش من الوقفة و تتعبي
اتجهت تالا حيث سارة كما أخبرتها منال أما منال فقد أخذت نفسها و خرجت وراء أدهم .. وجدته واقفاً بأحد الأركان يدخن سيجارة فاقتربت منه و وقفت أمامه ليلقي السيجارة من يده و يدوس عليها احتراماً و عدم ازعاج لها .. ربتت علي كتفه قائلة : مالك يا حبيبي ؟ .. أردفت قائلة : و مش قصدي بمالك علي دلوقتى
نظر لها أدهم باستغراب لتقول هي بتساؤل : مالك من ساعة ما رجعت من عند سارة ؟ حاسة إنك أنت و مراتك أحوالكوا مش متظبطة و أنت طول اليوم بره و بترجع متأخر حتي لما قولتوا إنها حامل حسيت انكوا انتو الاتنين متضايقين و مش مبسوطين زي ما كنت متوقعة منكوا لما تعرفوا بأول مولود جيلكوا .. و إيدك اللي كانت هتتمد عليها انهارده ديه وسط الناس و غير ده كله رجوعك للسجاير
صمتت قليلا و صدمته بسؤالها : أدهم أنت زعلان إن تالا حامل .. مكنتش عايزها تحمل ؟
حرك رأسه نافياً بسرعة قائلاً : لا طبعاً الموضوع مش كده .. أنا بحمد ربنا علي نعمته علينا و الموضوع ملهوش علاقة بتالا أصلاً كل اللي فيها إني مشغول و مضغوط أوي في التحضير للشركة مش أكتر و للأسف خنقتي ديه بتطلع عليها هي
منال بضيق : و خنقتك ديه يا أدهم توصلك إنك تضربها بالقلم عشان موضوع تافه زي إنها حاطة كحل في عنييها و بعدين من أمتي و أنت بالعنف ده أو بتتعامل بإيدك مش بعقلك ؟
تنهد تنهيدة طويلة فهو لا يتحمل أي ضغوط أخري فهو به ما يكفيه .. ربتت أمه علي كتفه قائلة : مش عايزة أعرف ايه اللي حصل بينكوا خلاك تعاملها بالطريقة الباردة اللي بقالي أسبوع بشوفك بتعاملها بيها و عاملة نفسي مطنشة بس هقولك يا بني بلاش تضيعوا أجمل لحظات حياتكوا اللى هتفتكروها لما تكبروا و تحكوها لعيالكوا في الخناق و الزعيق و القرف و الأقفش من بعض .. أردفت قائلة : عديهلها مرة كبر دماغك مرة تانية أعمل نفسك مشوفتش تالت مرة و خلي الأمور تمشي بينكوا و تعدي و بعدين بصراحة ربنا أنا مشوفتهاش عملت حاجة وحشة معاك أو حتي ضايقتك بالعكس أنا شايفاها الأيام اللى فاتت ديه بتحاول ترضيك بشتي الطرق و حتي و هي تعبانة كانت بتفضل مستنياك و مترضاش تاكل غير لما أنت ترجع .. يا بني تالا مش وحشة عشان تعاملها بالطريقة ديه مهما عملت أو ضايقتك و عندت معاك .. عنيدة أه و دماغها جزمة زيك بس و الله طيبة نفس طيابة قلبك.. و غير ده كله بتعشق التراب اللي بتمشي عليه ولا مبتشوفهاش لما بتبقي هتموت عليك من الغيرة لما بتقرب من واحدة غيرها حتي لو بهدف مساعدتها زي ما حصل من شوية .. ابتسمت قائلة : متستقواش عليها يا حبيبي و هتلاقيها بتعمل اللي انت عايزه من غير ما تطلب فحتي لو كان فعلاً ضغوط اللي عاملة فيك كده هي ملهاش ذنب إنك تجي عليها خصوصاً إن غلط عليها الزعل و هي حامل .. صالحها يا أبني و افرحوا بفرحة أول حمل عشان مبيبقاش فيه فرحة زيها
تنهد أدهم تنهيدة طويلة ثم أنحني و قبل يدها قائلاً : ربنا يخليكي لينا يا ست الكل ياللي ملكيش زي لو بس كل حماة عاملت مرات ابنها كده مكنش حد غلب
ربتت علي شعره بحنان قائلة بجدية : يلا روح صالح مراتك
دخلا معاً ليجدا تالا جالسة مع سارة و تلعب مع توتة الجالسة علي كرسي بجانبها .. اقترب أدهم و حمل توتة لتجلس علي قدمه ليجلس مكانها .. غمزت منال لسارة لتقوم لتفهم سارة علي الفور و تقول و هي تقبل ابنتها الصغيرة : أنا هقوم أروح الحمام عشان أرضع بنتي حبيبتي لتقول منال بعدها : أستني يا سارة هاجي معاكي .. وجهت نظرها لتوتة قائلة : يلا يا توتة تعالي معايا .. حركت توتة رأسها نافية و هي تقول : لا أنا هقعد مع خالو
أدهم بجدية : خلاص يا ماما سيبيها قاعدة معايا
غادرت سارة و منال لتظل تالا و توتة و أدهم الجالسين علي الطاولة .. نظر لتالا بطرف عينيه و هو يتحدث مع توتة ليجدها قد مسحت الكحل الذي كان يجمل عينيها أكثر مما هما جميلتان فقد أخذت مناديل مبللة من سارة و مسحته قبل أن يدخل بثواني .. تنهد قائلاً لتوتة و هو يقصد أن يوجه كلامه لها : شوفتي يا توتة الناس لما بتسمع الكلام بيبقوا حلوين إزاي ؟
توتة بعدم فهم : ناس مين ؟ كاد أدهم أن يتكلم لكن تالا تحدثت قائلة : الناس أصلا عملت كده عشان هي عايزة تعمل كده و عينيها وجعتها فعشان كده مسحته .. أردفت قائلة لتوتة : طب شوفتي الناس اللي كانت هتمد إيديها علي ناس تانية و هما معملوش حاجة توصل الناس الأولانية إنها تمد إيديها علي الناس التانية
نظر لها بضيق ثم وجه نظره لتوتة قائلا : أصل الناس التانية ديه يا توتة كانت كعادتها بتفكر بطريقة غبية و بتقول كلام مينفعش يتقال أصلاً فالناس الأولانية فقدت أعصابها على الناس التانية
وجهت نظرها له قائلة بانفعال بسيط : غلطت في ايه ؟؟ قولي غلطت عشان قوتلك إنك كنت مركز معها و لا عشان قولتلك إنها مش هتفرق معاها لما حتة تانية تبان و لا عشان قولتلك إن الشو اللي عملته عجب كل الموجودين خاصة البنات و لا غلطت لما قولتلك إن كان الفرح كله رجالة غيرك ممكن يعملوا كده .. وجه نظره لها قائلاً : غلطتي لما فكرتي إني ممكن معملش الصح و أستني غيري يعمله و يا يعمله يا ميعملهوش عشان حضرتك بتغيري و غلطتي لما فكرتي إني عملت كده شو عشان ألفت نظرها و أنت عارفة إني مش بتاع الكلام ده أصلاً و مليش فيه و غلطتي أكتر إنك حكمتي عليها بلبسها زي ما أنا حكمت عليكي و علي أسيل زمان من المظهر الخارجي بس .. مكنش يهمني هي يهمها أو ميهماش إن حتة زياده تظهر منها و مكنش يهمني إذا كانت هي أو واحدة غيرها لأني ولا أعرفها و لا أعرف غيرها .. كل ده مهمنيش أهم حاجة إني شوفت حد محتاج مساعدة و ساعدته .. و مش ندمان علي اللي عملته .. لا ده أنت اللي المفروض تندمي علي اللي قولتيه .. أنزل توتة و قام و أخذها ليترك تالا وحيدة تفكر بكلماته .. ظلت تتابعه بعينيها و هو يرقص مع توتة و أصدقاء أسر و أسر الذي ترك أسيل لبعض الوقت و قام ليرقص معهم .. كم كان فاتناً جذاباً و هو يمرح معهم و يرقص .. لأول مرة تعلم أنه يجيد الرقص بهذا الشكل الرائع .. قطع متابعتها لأدهم الفتاة التي ساعدها .. نظرت لها لتلاحظ أنها واقفة أمامها بفستان مختلف .. مدت الفتاة يدها لتالا لتسلم عليها قائلة بابتسامة : قاللولي إن حضرتك مرات أستاذ أدهم .. أردفت معرفة نفسها : أنا بنت عمة أسر
سلمت عليها تالا من تحت الضرس كما يقولون لتقول الفتاة بابتسامة : ممكن تشكريلي أستاذ أدهم علي موقفه الشهم معايا .. كنت عايزة أشكره وجهاً لوجه بس للأسف .. حولت نظرها لأدهم و هو وسط الحشد لتقول : هو مش فاضي فقولت أجي أشكرك أنت و حضرتك توصليلوا شكرى
ابتسمت تالا ابتسامة صغيرة و اؤمأت برأسها .. قامت الفتاة و كادت أن تذهب لكن تالا أوقفتها قائلة و هي تنظر للجاكت الموضوع علي يدها : أعتقد إن في حاجة بتاعتي معاكي
نظرت الفتاة لما تنظر له تالا قائلة بحرج : أسفة جداً مخدتش بالي .. كادت أن تعطيها لها لكنها وجدت أدهم يقف بجانبها .. متي و أين و كيف لا يعلم أحد هذا الجواب غير أدهم الذي جاء سريعاً عندما رأها تقف مع تالا .. لم يكن يخاف علي تالا من الفتاة بل العكس .. مدت يدها لتسلم عليه و تشكره ليظل أدهم ينظر لها لبعض الوقت و هو متردد .. لا يسلم علي نساء و لا يرغب بإحراجها بنفس الوقت .. ماذا يفعل !! يكره الوقوع بتلك المواقف التي لا يعرف كيف يتصرف بها .. كانت هي تتابع ما يحدث و هي تتوعد له لو سلم عليها و وضع يده بيدها .. هي تعلم جيداً انه لا يسلم علي النساء لكنها تري التردد بعينه الأن .. يجب أن تتصرف بسرعة و تستخدم كيد النساء خاصتها .. وضعت يدها علي أحشائها قائلة بألم مصطنع : اااه يا أدهم .. بطني بتوجعني أوي
بالفعل حدث مبتغاها .. أنزلت الفتاة يدها و ألتفتت لتالا بعدما هرع أدهم بتجاهها و سألها بقلق : مالك ؟
نظرت له قائلة بألم مصطنع استطاع أن يميزه عندما قابلت عيونه عيونها المتوترة : مش عارفة بطني وجعتني فجأة بس خلاص الألم راح .. فهم على الفور ما كانت تحاول فعله .. اؤمأ برأسه قائلاً و هو ينظر لها نظرة ذات مغزي يعرفها بأنه فهم ما تفعله و كشف خدعتها : اااااه قولتيلي بطنك وجعتك فجأة .. أردف قائلاً : عادي يا حبيبتي عشان حامل مش أكتر
ابتسمت الفتاة لها قائلة : ربنا يقومك بالسلامة إن شاء الله
مدت يدها بالجاكت لأدهم قائلة بامتنان : شكراً ..كادت أن تذهب لكنها أردفت قائلة بتساؤل : ممكن بس تقولي أسم البيرفيوم عشان ريحته تجنن
كاد أدهم أن يتكلم لكن تالا نظرت لها نظرة جامدة و قالت بضيق لمسته الفتاة : أنا اللي كنت جايباه و ناسيه أسمه دلوقتي
ابتسمت الفتاة بجرج و ذهبت بعدما اعتذرت لهما علي الإزعاج لتجذب تالا الجاكت من يد أدهم و تقول بضيق : أنا عارفة إنك بتحب جاكت البدلة ديه بس انساها خالص من انهارده و البيرفيوم ده تغيروا عشان بقي يضايقني
حرك أدهم رأسه باستنكار قائلا : لا و الله
نظرت له بابتسامة تحدي قائلة : أه و الله
كاد أن يتكلم لكنه وجد أحد الأشخاص يربت علي كتفه و هو يخبره بأنه يريد أن يتحدث معه علي انفراد و بالفعل تركها أدهم و ذهب و هو يخبرها أن تضع عينيها علي توتة الجالسة بجانب أسيل حتي تأتي سارة و أمه .. أخذه أدهم للخارج بعيداً عن صخب المكان .. نظر له أدهم قائلا بتساؤل : اتفضل أنا سامعك
نظر له الشاب بتوتر لكنه لملم شتات نفسه قائلاً : أنا شريف عندي 28 سنة .. رائد و صاحب أسر العريس .. والدتي متوفية و عندي 3 أخوات بنات .. قاطعه أدهم قائلا بعدم فهم : و أنا مالي بكل الكلام ده ؟
تنحنح قائلا : الصراحة أنا لسة جاي الفرح من نص ساعة بالظبط و شوفت الأنسة أخت حضرتك اللي كنت واقف معاها
نظر له أدهم باستنكار ثم قال بسخرية : الأنسة أخت حضرتي !!
اؤمأ الشاب برأسه و هو مستغرب من لهجته الساخرة فقال : أه ايه الغريب في كده
أشار له أدهم بيده ليكمل فتابع الشاب كلماته قائلاً : عجبني فيها لبسها و إنها غير أي واحدة في الفرح حسيت إنها محترمة بجد و تنفع أم لعيالي و جمالها الطبيعي و هي مش حاطة ولا نقطة مكياج في وشها و غير ده كله حسيتها هادية كده
رفع أدهم حاجبيه قائلا و الغيرة تستعر به قائلاً : و ماله و ماله و ايه كمان ؟
أكمل قائلاً بحرج من أسلوب أدهم : معرفش بس حسيت إني اتشدتلها أوي فقررت أدخل البيت من بابه و أتقدملها فممكن تاخد ميعاد مع والد حضرتك عشان أجيب أهلي
ضحك أدهم بسخرية و قال بتوعد : هو من ناحية إن أهلك ييجوا فهما فعلا هييجوا عشان يستلموا جثتك من تحت إيدي بإذن الله
قطب الشاب جبينه قائلاً بانفعال : هو ده جزاء اللي يدخل البيت من بابه
تنهد أدهم بغضب ثم صدمه بما قاله : أه جزاءه لما يتقدم من باب جوزها .. أردف قائلا : مالاحظتش خالص الدبلة اللى في إيديها طب سيبك من ديه مسألتش احنا مين أو هي تقربلي ايه اصلا ؟ ولا جيت زي الطربش كده تقول أي كلام ملوش أي تلاتين لازمة
تلون وجه الشاب علي الفور لألوان الطيف .. أفاق من صدمته سريعاً و تأسف قائلاً : أنا أسف جداً و الله مكنتش عارف أنا افتكرتها أختك زي ما قولت في الأول خصوصاً انكم فيكوا شبة كبير من بعض .. حاول رسم ابتسامة قائلاً : ما شاء الله لايقين علي بعض لدرجة إني أفتكرت إنك أخوها .. أنا بجد بعتذر مرة تانية
تنهد أدهم بنافذ صبر و تركه و ذهب و هو يتمتم قائلا : كانت نقصاك هي
دخل ليجلس علي الطاولة المتجمع عليها أفراد عائلته لينظر لتالا و هو يقول بسخرية : مبروك جالك عريس يا مدام
نظرت له بعدم فهم ليمسك يدها الشمال القابعة بها الدبلة و هو يقول بجدية : ابقي فكريني أغيرلك الدبلة ديه عشان صغيرة مش بتبان .. أردف قائلا : بصي أنا هقوم عايز لما عيني تيجى عليكي ألاقيكي يا حاطة إيديكي ديه تحت خدك عاملة نفسك بتفكري يا بتكلي ضوافرك حتي لو وصلت إنك تحطي إيديكي في بوقك زي العيال الصغيرة اعمليها.. توعد لها قائلاً : و لو لقيتك منزلة إيدك هنكد عليك يا بنت أحمد أظن كلامي واضح و قدامهم كمان .. قام و هو يقول : ال أنسة أختك ال .. مش عاجبه أنا ولا ايه ؟
بدأت تفهم ما يدور .. فعلت كما طلب منها بالحرف فقد كانت سعيدة للغاية .. لقد غار .. غار عليها .. كم تعشق أسر و أسيل اللذان كانا السبب في تكلمه معها طوال اليوم و غيرته عليها .. عندما رأت منال الإبتسامة دعت لهما أن يصلح الله حالهما و يرزقهما بالسعادة الدائمة
الفصل الأخير – الجزء الثالث ج4
كانت جالسة تبكي أمام صابرين علي ابنها الوحيد الذي حكم عليه القاضي بالحبس سبع سنوات جراء القت,ل الخطأ الذي ارتكبه .. صاحت بها صابرين قائلة : لو هتفضلي تعملي كده يا هالة يبقي خدي نفسك و روحي علي بيتك أنا مش ناقصة نكد و غير ده كله لميس كل أما تنام أنت تصحيها
بكت هالة و صاحت بها : مش هتحرميني من بنت ابني زي ما حرمتيني من ابني .. أردفت قائلة : أكيد أنتِ طبعا مستريحة دلوقتي عشان ابني بقي في السجن و خدتي حق بنتك زي ما كنتِ عايزة
صاحت بها صابرين قائلة : تفتكري سبع سنين ممكن يشفو الغليل اللي جوايا علي بنتي و بنت بنتي .. أردفت قائلة : حتي السبع سنين دول حساهم قليلين أوي علي اللي أبنك عمله في بنتي و انت كنت أكتر واحدة شاهدة علي اللي كان بيعمله معاها
نزلت دموع هالة قائلة : بس علي الأقل كان يربي بنته .. أنا عارفة إن ابني غلط في حق بنتك بس هو من ساعة موتها و هو مكسور .. كسرته أكبر بكتير أوي من كسرتنا يا صابرين
مسحت صابرين دموعها قائلة : نصيبه كده و بنته أنا و أنتِ هنربيها أحسن تربية .. هنربيها تربية عكس اللي اتربت أمها عليها و اتربينا أحنا كمان عليها .. الزمن بيتغير يا هالة و يمكن ده اللي مخدتش بالي منه و أنا بربي لميس بنتي ربيتها علي زمن أمينة و سي السيد بس التربية ديه هتتغير دلوقتي .. هنربيها علي الإيجابية مش السلبية .. هنربيها إنها بالأدب و الأخلاق تقدر تاخد حقها من أتخنها تخين و بالعلم تقدر تكون أحسنها بنت و أثقفهم .. موافقة يا هالة .. صمتت قليلاً قائلة : مقدامكيش غير إنك توافقي و أنا مقداميش غير إني أعمل كده يمكن أكفر عن ذنبي قدام بنتي
نزلت دموع هالة قائلة : عندك حق معنديش حل غير إني أوافق و أحاول أعمل اللي أقدر عليه معاكِ في تربيتها .
مرت سبع سنوات كاملة بسرعة البرق .. خرج ذلك الرجل من السجن و هو غير الرجل الذي دخله .. لقد تغير به الكثير ظاهرياً و باطنياً .. فرد ذراعيه علي أخرهما لتنعم رئته ببعض هواء الحرية .. كم هو جميل طعم الحرية .. يتوق شوقاً ليشاهد أبنته الصغيرة ذات السبع سنوات .. كان يشاهد صوراً كثيرة لها من و هي صغيرة و يسمع عنها الكثير .. الكثير و الكثير من أمه قبل أن يتوفاها الله منذ سنة تقريباً .. ابتاع الكثير من الهدايا و الفساتين لها من نقوده و نقود ورثه الذي ورثه عن والده التي كان يدخرها بالبنك .. وصل لمنزل صابرين لتنزل دمعة منه فهو لن يجد لميس حبيبته بالداخل كذلك أمه .. مسحها سريعاً فهو لن يري لميس حبيبته و أمه لكنه سيري لميس أبنته .. دق الباب لتفتح له تلك السيدة المسنة التي يحفظ ملامحها مهما تغيرت .. ظلا يتبادلان النظرات لبعض الوقت ثم اقترب منها و انحني ليقبل يدها بتوتر و خوف أن تردعه لكنه وجدها تسحبها لها و تحتضنه قائلة : حمد لله علي السلامة
لاحظ تلك الفتاة الصغيرة التي أتت من الداخل راكضة و اختبأت وراء صابرين و تمسكت بثيابها و هي تتطلع لهذا الغريب التي تحتضنه جدتها .. ابتعد عن صابرين و جثي علي ركبته حتي يصبح بمستواها .. حاول أن يراها لكنها كانت تختبئ وراء صابرين .. مد يده لها لتنظر لها لبعض الوقت بحيرة ثم ترفع عينيها لصابرين لتحثها صابرين على الإقتراب و الإطمئنان و الدموع بعينيها .. خرجت من مخبأها و وقفت أمامه و هي تتطلع له منتظراه أن يعرفها هذا الغريب عن نفسه فيبدو أن علاقته قوية مع جدتها حتي تحتضنه كهذا .. أما هو فما إن وقفت أمامه و هو لا يري غير لميس .. نظر حوله و هو يحاول أن يستوعب هل مازال بالحاضر أم رجع للماضي مجدداً و ها هي الفتاة ذات السبع سنوات التي يعشقها و هو الولد ذو الأربعة عشر عاماً .. أخرج الهاتف الذي ابتاعه لتوه و نظر لشاشته التي عكست صورته ليري أنه لم يعد ذلك الولد المراهق .. حول نظره لصابرين ليجدها لم تعد تلك الشابة أيضاً .. هما بالحاضر و ليسا بالماضي و لكن كيف تكون هناك لميس صغيرة و هما بالحاضر .. هل ابنته تشبه أمها لهذا الحد الكبير .. اقترب منها و سحبها إلي أحضانه و احتضنها بقوة و هو يبكي .. انتشلت الفتاة نفسها منه قائلة : حضرتك مين ؟
جذبها لأحضانه مجدداً و قال و هو علي نفس حالته : بابا .. بابا يا حبيبتي
انتشلت نفسها منه قائلة بضيق : أوعي كده أنا زعلانة منك .. زعلانة أوي
نظر لها بدهشة قائلاً بتساؤل : زعلانة مني ليه يا حبيبتي ؟
ربعت يدها أمام صدرها قائلة بضيق : لما مامي ماتت و راحت عند ربنا و هي بتولدني أنت سافرت بره و سبتني هنا مع نينة و مكنتش بتسأل عليا خلاص .. كل اللي كنت بتعمله إنك تبعتلي لعب و تجبلي حاجات حلوة و بس .. نزلت دموعها قائلة : و كنت كل أما أقول لنينة إني عايزة أكلمك كانت تقول بابي مشغول و لما يفضي هيكلمك بس أنت مش كنت بتفضي أبدا
ضمها إليه بقوة قائلاً : أنا أسف .. أسف يا حبيبتي مكنش قصدي أهملك بس كنت بشتغل عشان أجيبلك اللعب و اللبس .. أردف قائلاً بعدما أبعدها عنه قليلاً و ربت علي كتفها قائلاً : أنا رجعت أهو و هعيش معاكي و مش هسيبك تاني أبدا بإذن الله
حركت رأسها نافية و هي تقول : لا أنت بتكدب عليا
ربت علي وجهها بحنو قائلاً بجدية : لا مش بكدب عليكي أنا فعلا مش هسافر تاني بإذن الله .. أردف قائلاً : حتي اسألي نينة
نظرت لصابرين لتشاهد رد فعلها علي ما يقوله لتطمئنها و تصدق علي كلماته .. بدأت تطمئن و تبث السكينة بروحها فابتسمت ابتسامة صغيرة و هي تقول : طب أنا عايزة أروح الملاهي
ابتسم مروان قائلاً : بس كده .. عيوني لحبيبة قلبي .. اقتربت منه لميس و احتضنته لتقول صابرين : ممكن تتغدوا الأول و بعد كده تبقوا تروحوا مطرح ما انتو رايحين
اؤمأت لميس برأسها و قالت : موافقة يلا اساعدك عشان نخلص بسرعة ابتسمت لها صابرين و ربتت علي كتفها قائلة : شطورة يا حبيبتي .. يلا روحي و أنا هاجي وراكي
بالفعل ذهبت إلي المطبخ لتقول صابرين له بنبرة محذرة : أنا لتاني مرة هثق فيك يا مروان .. هي أه مش هتبقي ثقة كاملة بس هي بنتك و أنا مقدرتش أبعدها عنك و لا أبعدك عنها خوصوصاً إنها محتجاك في حياتها و أنا مش هعيشلها كتير
اؤمأ مروان برأسه قائلاً : اللي شوفته علمنى كتير .. ديه بنتي من لحمي و دمي و محدش هيخلي باله منها أدي و شكراً إنك مقولتلهاش الحقيقة
اؤمأت برأسها قائلة : عشان نفسية البنت مش أكتر صدقني و يا رب يكونوا السبع سنين غيروا فيك و علموك فعلا زي ما بتقول ..أردفت قائلة بعدما باغت سؤالها عقلها : هتشتغل ايه ؟
مروان بجدية : هعمل مشروع بالفلوس اللي في البنك عشان زي ما أنت عارفة مش هقدر أشتغل شغلنتي تاني
كادت أن تتكلم لكن أوقفها صياح لميس من الداخل و هي تناديها لتأتي حتي تحضر الطعام حتي تأكل و تخرج مع والدها مثل باقي أصدقاء صفها التي كانت تراهم دائماً برفقه والديهما التي حرمت هي من حنانهما لسبع سنوات كاملة .
في مكان أخر بأحداث مشابهة إلي حد ما لأسرة أصبحت مشتتة منذ سبع سنوات .. جلس هذا الأب برفقة تلك الفتاة المسماة بتالا التي تملك من العمر تسع سنوات تقريباً و ابنة أخري تمتلك من العمر سبع سنوات فنيفين أكتشفت أنها تحمل بأحشائها طفلاً بعد طلاقها من ماجد .. ربت علي شعر ابنته الصغيرة بحنان لتنظر له و تقول بتساؤل : بابي هو أنت ليه مش عايش معانا احنا و ماما زي صحابي و سايبنا قاعدين عند تيتة
نظرت لها تالا نظرة ناية و هي تنهرها من خلالها فأمها حذرتهما من التحدث بهذا الموضوع أما هو اطرق رأسه أرضا و لم يستطع الرد عليها فهو لا يجد رد مناسب لما فعله بالماضي .. هل يخبرها أنه بسبب غبائه استغني عن زوجته التي تعشقه في سبيل أنانيته .. هل يخبرها أنه حتي الأن يترجي نيفين حتي تعود زوجة له و ليست أما لأولاده فقط .. هل يخبرها أن الإنسان كائن غبي لا يدرك قيمة الشئ إلا عندما يفقده و يضيع من بين يديه .. تذكر منذ سنوات عندما بدأ يستعيد صحته من جديد بعد شهور مما فعله معه أدهم .. تذكر عندما كان يتجول بإحدي ردهات المشفي كما طلب منه الطبيب ليجدها أمامه تقف مع الممرضة و لكنها ركضت و اختفت عندما رأته .. تذكر عندما حاول استجواب الممرضة التي لم تنطق بحرف إلا عندما أعطاها إكرامية لتخبره بعدها أنها تأتي كل يوم و تسأل عن صحته و ما الذي يتجدد بحالته .. منذ ذلك الحين و أحس قلبه بها .. أحس بها أخيراً و لكن بعد فوات الأوان .. بعدما أصبحت كالنجوم يراها لكنه لا يستطع لمسها إلا بأحلامه و مخيلته .. لثاني مرة علي التوالي يضيع المرأة التي تحبه بغبائه و حماقته .. تتردد عبارتها دائماً بعقله ” هيجي يوم و ينكسر فيه قلبك قبل نفسك ” كانت محقة .. كم هو أحمق و يستحق كل ما حدث معه بل أكثر و أكثر .. لماذا لم يقت,له أدهم بتلك الليلة حتي يتخلص من أعباء و مشاق الحياة التي عاشها و يعيشها .. ليته قت,له وقتها .. ليته قت,له .. أفاق علي صوت جرس الباب و بعدها غلقه فيبدو أن الطارق قد فتح بمفتاحه الخاص .. سمع صوت نيفين و هي تصيح قائلة و صوتها ينم علي الفرحة : فيفي حضري الأكل بسرعة و صحي ماما عشان عندي ليها خبر يجنن .. صاحت قائلة كالأطفال : اترقيت في الشغل انهارده .. نعم فبعدما تطلقت من ماجد انتظرت شهور حملها أن تنتهي لتضع مولودتها و بعدما أحست أن ابنتها لم تعد بحاجة لها عملت و حققت نجاحاً كبيراً في مجالها فقد استطاعت نيفين أن تفعل ما خشيت لميس رحمها الله أن تفعله .. دخلت لتتفاجأ بماجد يجلس مع بنتيها فألقت السلام باقتضاب و كادت أن تدخل لكنه انتفض من مجلسه و وقف أمامها قائلاً : مبروك يا نيفين
اؤمأت برأسها بضيق قائلة و هي علي نفس حالتها : الله يبارك فيك .. عن إذنك
أوقفها قائلا بتساؤل : نيفين ممكن أتكلم معاكي
حركت رأسها نافية و هي تقول : مفيش يبنا كلام يا ابن خالتي .. ولادك و بسمحلك تشوفهم يبقي عداني العيب
ماجد بجدية : اديكي قولتي يا ابن خالتي
قاطعته ضاحكة بسخرية و هي تقول : هو انت متعرفش ولا ايه ؟ خالتي و خالتك و اتفرقت الخالات و القرابة ديه أسم مش أكتر
ماجد برجاء : نيفين أسمعيني أنا من بعد اللي حصل لمروة اتغيرت و الله اتغيرت و بقيت بحبك .. من ساعة ما جبت الكلب اللي اسمه عمرو ده و خليته يكتب عليها و يطلقها و أنا بتحايل عليكي ترجعيلي .. صدقيني حسيت بيكي يا نيفين و عايز أعوضك عن كل حاجة حصلت زمان .. أنا ندمان ندمان أوي .. نظر لأطفاله قائلاً : عايزين نربيهم مع بعض عشان ميحسوش بالنقص و إن في حد أحسن منهم .. خلينا نرجع عيلة واحدة تاني و صدقيني هعوضك عن كل حاجة عملتها زمان
أمرت أطفالها بالدخول لأنها تريد التحدث معه على انفراد لتتهلل أساريره فهو طوال السنين الماضية و هو يحاول أن يجعلها تقف وقفتها تلك للتحدث معه .. كان يظن أنها ستجلس لكنها ظلت واقفة و قالت بعدما فرت دمعة من عينيها : تفتكر إني ممكن أقدر أستأمن نفسي معاك تاني بعد ما كنت بتحلل لنفسك جسم واحدة تانية .. تفتكر إني ممكن أرجعلك و أنا مطمئنة علي نفسي معاك و أغمض عيني و أنا في بيتك ؟
ماجد بجدية : أنا أتغيرت والله و نسيت تالا خالص و غير ده كله أنا عارف إنك لسة بتحبيني فهتقدري
حركت رأسها نافية و هي تقول : حتي لو في لسة في قلبي اللي دمرته شوية حب فاضلين ناحيتك فأنا أسفة مش هقدر أرجع و ياريت متتكلمش في الموضوع ده تاني .. التفتت و تركته لتدخل لغرفتها لتسمعه يقول بصوت عال من الخارج : مش هيأس يا نيفين و هعمل أي حاجة لحد أما تقتنعي إني اتغيرت و بحبك .. كل أما أشوفك هترجاكي عشان ترجعيلي .. أنت اترجتيني زمان و جه الوقت اللي أرد فيه اللي عملته فيكي .. صدقيني مش هيأس و هفضل أحاول معاكي لحد أخر نفس في عمري .. بعدما تغلغلت كلماته أذنها ابتسمت بغموض !! و لا أحد يعلم سر هذه الإبتسامة الغامضة أو حتي نوعها غيرها هي .. فهل ابتسمت لأنه ذاق المر كما أذاقها اياه قديماً و انتقم منه ربها أم ربما لأنها ستعطيه فرصة جديدة أم ربما لأنها لم تكن تتخيل أن يفعل ماجد ما يفعله معها الأن في يوم من الأيام .. أم ربما لأنها سعدت كأي امرأة عندها مفتقرة لعاطفة لتمسك رجل لم تكن تحلم بتمسكه بها أم لسبب غير كل هؤلاء ! لا أحد يعلم .. لا أحد يعلم ما تطمره العقول و القلوب غير الله .
الفصل الأخير – الجزء الثالث ج5 والاخير
كانت جالسة علي الأريكة تتابع التلفاز بشغف و هي تأكل قطعة كب كيك بالتأكيد عرفتموها أنها أسيل و لكن أجزم لكم أنكوا ستعيدون النظر إذا كانت هي أسيل بالفعل ام أنه مجرد تشابه اسماء و أننا دخلنا بالبيت الخطأ .. و بالنسبة للحلوي التي تأكلها يمكن لأي واحدة أسمها أسيل أن تأكل الكب كيك .. قالت دون أن تنظر لأبنها ذو السنة الخامسة من عمره الجالس يمسك تاب بيده و يتصفحه بتركيز : باسل يا حبيبي .. باسل .. لم تلق أي رد فقالت بضيق : باسل .. انت يا زفت .. يا نيلة يا باسل .. وضعت طبق الكب كيك جانباً و نظرت له بحدة قائلة : أنت يا الزفت يا اللي أسمك باسل أنا بنادي عليك
ألقي التاب من يده قائلاً بضجر : نعم نعم .. خسرت اللعبة بسببك
نظرت له بحدة قائلة : ايه الطريقة اللي بتكلمني بيها ديه .. لما ييجي أبوك بس و الله العظيم لقوله
سمعت صوت أسر و هو يقول : أبوه جه أهو .. نظر له قائلاً بتساؤل : هببت ايه ؟
انكمش بنفسه و هو يرتجف قائلاً بخوف : مش هببت
أسيل بضيق : لا يا أسر بنادي عليه بيطنشني
باسل بضيق : ماهي بتندهلي و أنا مشغول و بلعب في اللعبة
أسر بنافذ صبر : قول لماما أنا أسف و لما تنادي عليك تسيب أي حاجة في إيدك و ترد علطول فاهم
اؤمأ باسل برأسه بخضوع قائلاً و هو ينظر لأسيل : أسف … أخذ التاب و غادر لغرفته لينظر أسر لأسيل و يغمز لها قائلاً : عجبتك
أرسلت له قبلة طائرة في الهواء قائلة : جداً و بعدين ما أنت عارف إنه بيخاف منك عشان شنبك ده
وضع يده علي شاربه قائلاً بفخر : الحمد لله إنك أخيرا اعترفتي أنه بيعمل هيبة .. أردف قائلا : يوم ما حلقته في كتب كتابنا و أنا معملتهاش تاني و مش هعملها
أسيل بضجر : مش عارفة ليه مش بتحلقه و الله بيبقي شكلك كيوت
وضع أسر يده علي أذنه قائلا : كـــ..ايه ياختي ؟؟؟ أنا مش قايلك الكلام المايع ده ممنوع في البيت ده ؟
ابتسمت أسيل قائلة : خلاص ولا أكنك سمعت حاجة يا برنس قولي المفيد و تعالى أحكيلي القضايا الجديدة اللي جاتلك
جلس أسر بجانبها لتقول أسيل بتساؤل : ها قول
بدأ أسر يقص لها بعض القضايا التي كانت تخيفها بشدة قديماً حتي أنه كان يستغل تلك النقطة حتي يسخر منها .. الأن لم يعد شئ يؤثر بها من تلك القواضي .. تنهدت بملل قائلة : أسر الناس ديه قديمة قوي بجد .. ليه المجرمين بقوا اسنطبة واحدة و مبيجددوش من نفسهم و أفكارهم .. أردفت قائلة : بقولك ايه معندكش طريقة جديدة لواحدة عايزة تقت,ل جوزها و ابنها عشان قرفنها في عيشتها ؟
أسر باستنكار : معندكش طريقة ؟؟ محسساني إنك بتطلبي مني طريقة عمل الكنافة .. أردف قائلاً بتوعد : و بعدين أنا و الواد الغلبان ده قرفينك في ايه إن شاء الله ؟ .. اقترب منها و قبض يده أمام وجهها : انطقي بدل ما أعملك وشك اللي زي القمر ده خريطة
ابتسمت قائلة : ده أنا بهزر معاك يا أسورتي هو أنا أقدر برضه
ضحك قائلاً بتوعد : بحسب
جذبته من شاربه قائلة : لا تحسب ايه مفيش الكلام ده يا برنس
قرصها من وجنتها قائلاً : بحبك والله يا بت أنتِ
أبعدت يده و ضربته بكتفه قائلة بضيق : وجعتني علي فكرة و ده مش تقدير
أمسك كتفه بتوجع قائلاً : تصدقي أنا بقيت أخاف منك بقيتي شرسة و مفترية .. أبوس إيدك ارجعي تاني أسيل البت البسكوتة الرقيقة بتاعت زمان
ضحكت بسخرية قائلة : قول للزمان أرجع يا زمان يا قلبي
نظر لها بدهشة قائلاً: لا بجد فعلاً بقيت أخاف منك .. ده أنا أخاف أكلمك أو ازعقلك تطلعيلي موس من بوقك .. اهدي يا ماما علي نفسك شوية .. وضع يده علي كتفها و ضمها إليه قائلاً : هاتي الريموت ده اما نقلب علي حاجة تانية بدل برامج الطبخ اللي قرفانة بيها ديه .. مدت أسيل يدها بالريموت ليحول القناة .. اتي باحدي الأفلام الاجنبية و اخذ يشاهده هو و هي .. تطلع بالبطلة و غازلها لتضربه أسيل بغيظ بكتفه قائلة بنافذ صبر : مش هتتغير أبدا هتفضل زي ما أنت
وضع أسر يده علي كتفه قائلاً : ايه بعكسها قدامك مش أحسن ما أعاكسها من وراكي و بعدين تفتكري واحدة زي ديه ممكن تبصلي
رفعت حاجبيها بترفع قائلة : حاجة عادية إن واحدة زي ديه تبصلك مدام نولت الشرف و أسيل هانم عبد العزيز بصتلك و أتجوزتك
حرك رأسه باستنكار قائلاً بتوعد : بقي كده
حركت رأسها بايجابية قائلة بفخر : أه هو كده و لازم يعجبك كمان
حرك رأسه بتوعد لها و أنقض عليها و هو يدغدغها ليثير ضحكاتها حتي سالت دموعها من عينيها و هي تقول برجاء من بين ضحكاتها : خلاص يا أسر .. خلاص يا أسر ربنا يخليك حرمت ..خلاص بقي و الله بغير
في النهاية معاشرة أسر لها و بقائها معه تحت سقف واحد غيرتها بكل شئ إلا حب الطعام خاصة الكب كيك .. فمازالت أسيل مفجوعة روايتنا !
كانت جالسة علي أحد الكراسي الخاصة بمصحة نفسية و بجانبها تلك الفتاة مشوشاً تفكيرها .. ربتت علي كتفها قائلة : أنت ليه رافضة يا مروة ده دكتور قد الدنيا و بيحبك و عايز يتجوزك
هزت مروة رأسها نافية و هي تقول : مينفعش مينفعش يا صافي .. أنا مش هتجوز و أنت عارفة بعد اللي حصل إني هجرت الجواز و فضيت نفسي لمساعدة الناس و بس .. أنا اه رغم اني خرجت من المصحة بس بحب أجيها عشان أساعد الناس زيك بالظبط
تنهدت صافي قائلة : ايه اللي منفعوش بس .. هو بيحبك و أنت بتحبيه و عارف مشكلتك زمان و جوازك اللي قبل كده و مع ذلك موافق
حركت رأسها نافية و عبثت بأصابعها بتوتر قائلة : مش هينفع صدقينى
زفرت صافي قائلة بانفعال : ليه مينفعش !! قوليلي حد كان يصدق أبقي كده .. حد كان يصدق إني أحب و أتجوز و إن جوزي اللي بحبه و بيحبني .. الشخص اللي أذاني و أذيته و كنت بكرهه و هو بيكرهني ! قوليلي حد كان يصدق إن صافي اللي كانت مدمرة و فقدت النطق و فقدت ثقتها بالناس و بنفسها حتي إنها كانت رافضة كل حاجة حواليها تبقي هي اللي قاعدة قدامك دلوقتي .. فاكرة من سبع سنين تقريباً لما جيتي المصحة و صداقتنا بدأت في المكان ده .. فاكرة أنا حالتي كانت عاملة ازاى يا مروة ؟ .. هي أه مكنتش تتخير عن حالتك بس كانت سيئة .. سيئة جداً .. قوليلي مين كان يصدق إن حاتم بذات نفسه ييجي يزور ألد أعداءه في المصحة و غير ده كله من غير ما يشمت فيها .. أه ساعتها كنت شايفة الشفقة في عينيه بس كانت بالنسبالي أحسن من إني أشوف نظرات الشماتة و هو شايفني و أنا بالحالة ديه .. حاتم بذات نفسه يفضل يزورني و يهتم بيا الإهتمام اللي محدش اهتمه بيا قبل كده طول المدة اللي فاتت ده أنا أكيد بحلم .. كنت شاكة في الموضوع الأول بس بعد كده بدأت أحس إنه فعلاً انسان جميل .. بدأت أحبه و أفتقده لما يغيب عني .. نزلت دموعها قائلة : مين يصدق إن صافي و حاتم يجمعهم الحب بعد ما كان بيجمعهم الحقد و الكره و غير كده إني أوافق أتجوزه .. من ساعة جوزاي منه و أنا عمري ما ندمت لحظة علي قراري ده .. أنا بجد مكنتش عارفة أنا ازاي كنت بكره راجل حنين زي حاتم مش بيزعلني أبدا .. حاتم فعلاً كان هو الرجل المناسب ليا يمكن عشان مر بظروف تشبه ظروفي من أب بعيد عن أم .. بدعي دايماً إن ربنا يحفظهولي و يخلهولي عشان أنا بحبه أوي و مش متخيلة حياتي من غيره .. كل اللي محتاجاه من ربنا بس هو بيبي صغير يملي دنيتنا ونعوض اللي اتحرمنا منه ويعيش وسط باباه ومامته مش زي ما أنا وحاتم عيشنا وسط أب و أم منفصلين .. قاطعتها مروة قائلة : إن شاء الله ربنا هيرزقكوا بأطفال كتير تربوهم مع بعض
ابتسمت صافي لكلماتها و أردفت قائلة : مروة مش من ست شهور بالظبط كنا قاعدين نفس قعدتنا ديه و انتِ اللي كنت بتشجعيني إني أوافق أتجوز حاتم و قاعدتي تقوليلي ده بيحبك و أدي نفسك فرصة جديدة و أنسي اللي فات و ابدأي من جديد .. مش كنت بتقوليلي كده
زفرت مروة قائلة : ماشي لو نفع و وافقت تفتكري إن عياله ممكن يحبوني ولا هيحسوا إني دخيلة عليهم .. تفتكري إني ممكن أبقالهم أم كويسة .. نزلت دموعها قائلة : تفتكري إن مش هييجي عليه يوم في لحظة غضب و يعايرني باللي حصل زمان .. أنا كده كويسة و بعدين أديني قاعدة مع ماجد بخدمه بدل ما هو قاعد لوحده مش هيلاقي حد يخدمه .. انتحبت قائلة : أنت عارفة إني ممكن أفدي ماجد بحياتي بسبب اللي عمله معايا .. أنتِ متعرفيش هو اتعذب و اتهان إزاي عقبال ما جاب الزفت اللي اسمه عمرو ده عشان يتجوزني
أمسكت صافي يدها قائلة : صدقيني أخوكي مش هيتضايق لما يشوفك بتتجوزي و عملتي حياة و عيلة بالعكس ده هيفرحلك .. أمسكت حقيبة يد مروة و أخرجت هاتفها و طلبت رقم دكتور سامر و أعطته لها قائلة : يلا ردي عليه و قوليله إنك موافقة
أبعدت مروة الهاتف قائلة بضيق : صافي انت مجنونة ؟
حثتها صافي قائلة و هي تمد الهاتف لها : يلا بقي فتح الخط .. ألقت لها صافي الهاتف قائلة : امسكي بسرعة ردي
أخذت الهاتف و وضعته علي أذنها و هي تتنفس بصعوبة و أنفاسها المضطربة تتصارع و كفيها الصغيرين يرتجفان ارتجافاً و هي تمسك بالهاتف .. سمعت صوته الذي طالما أشعرها بالدفء و الحنان منذ أن أصبح طبيباً معالجاً لها و أخرجها مما هي فيه .. حثتها صافي علي إخباره علي موافقتها بعيون مشجعة و بالفعل أخذت نفساً عميقاً لتخرج به ما يعتمله صدرها .. حاولت أن تهدئ أنفاسها المضطربة العالية التي تجزم أنه سمعها و شعر بها .. جمعت شتات نفسها و عزمت أمرها لتذهب عمياء مغيبة وراء قلبها المتيم به منذ ظهوره بحياتها بعدما ألقت كل مخاوفها وراء ظهرها غير مفكرة بها .. قالت في سرعة حتي لا تتراجع في قرارها و الرجفة تسري بنبرتها المضطربة بعدما سرت بجسدها بأكمله : سامر أنت لو لسه عند رأيك و طلبك يبقي كلم ماجد .. أغلقت الخط سريعاً دون أن تسمع رده .. شردت بقرارها السريع الذي اتخذته بأمر واقع و تشجيع من صافي و انعطاف وراء مشاعرها المتأججة .. سألت نفسها هل ما اتخذته من قرار سيؤدي بها إلي حياة جديدة حتي لو كانت عادية و لم تصل لذروتها من الوردية بعد الكثير و الكثير من الألم و المعاناة التي قاست منهما نفسها و روحها المكلومتين خلال سبع سنوات ماضية .. هل سيكافئها الله علي سنين صبرها و بتر روحها و كذبة هذا الخائن لها لتعود لتحلم من جديد مثل بقية نساء جنسها بعائلة تحاوطها و رجل يصبح سندها و فستان زفاف أبيض يزينها بزفافها أم أنه مجرد انجراف وقتي وراء مشاعرها المضطربة و سيأتي يوم من الأيام يندم أحد منهما علي قراره سواء هي أو هــــــــو !!
أفاقت من شرودها عندما اقتربت منها صافي و قالت بابتسامة و هي تحتضنها : مبروك مقدماً .. احتضنتها مروة و عقلها مازال يدور لتردف صافي قائلة و هي تفكر : تصدقي يا مروة كلامنا عن اللي حصل في الماضي رجعني أفكر في سؤالي اللي كنت خلاص نسيته و هو إن ازاي حاتم عرف بالرغم مع إن بابا كان مكتم علي اللي حصل و نشر إشاعة بإني سافرت أكمل تعليمي بره بعد فترة من الحادثة .. رن هاتف مروة بإسم سامر لتقول صافي بابتسامة : خلاص سيبك من الكلام ده و ردي عليه الراجل هيموت منك في مرة صدقيني
اجفلت مروة قائلة بتوتر : بس هرد عليه أقول ايه ؟
صافي بجدية : الكلام هيجيب بعضه بس انت ردي
أخذت مروة نفساً عميقاً للغاية و هي تدعو ربها أن يقف معها ثم فتحت الخط و هي متوترة و صافي تتابعها .. علي بعد مترات قليلة منهما كان يقف يذرف الدموع بعدما سمع حديثها الرائع عنه الذي يعلم بأنه لا يستحقه .. يمتلك الجواب علي سؤالها لكنه لن يستطع أن يخبرها بإجابته الحقيقية المؤلمة لو فكرت و سألته مجدداً .. لن يستطع أن يخبرها بأنه هو من قادها من البداية إلي تلك الحالة بتلك المصحة .. لن يستطيع إخبارها بأنه عندما عرف من أحد أصدقائه المقربين الذي سمع تخطيطها قرر أن يتغدى بها قبل ان تتعشى بأسيل .. لن يستطيع أن يخبرها أنه هو من دبر لها تلك المكيدة الفجة لتصبح حادثة مقصودة حتي يدمر تلك الأفعي التي تبخ سمها لكل قريب أو بعيد منها .. لن يستطع أن يخبرها أنه بعد أن فضلت أسيل ذلك الظابط عنه تدهورت حالته النفسية و تلوي قلبه ألماً .. لا يعلم لم أتت هي إلي ذاكرته بذلك الوقت لكنه شعر ناحيتها فجأة بالذنب .. شعر أن رفض أسيل له لم يكن إلا عقاباً من الله لما فعله بصافي لكنها كانت ستؤذيها و هو لم يجد حلاً غير هذا .. لن يستطع أن يخبرها أنه زارها في المشفي و اهتم بها لأنه يشعر بأنه السبب لما هي به خاصة أنها لم تكن صافي السامة بل كانت ضعيفة .. ضعيفة للغاية مهشمة .. كما لا ينكر أنه في بادئ الأمر كان يشفق و يمن عليها و تقربه منها لم يكن إلا شعوراً بالذنب .. تقرب منها و هو يريد أن يكون صديقاً لا أكثر يخفف عنها ما بها لكنه أحبها .. أحبها عندما لمس بها جانباً جيداً .. لمس بها جانباً فاقداً للحب و الإهتمام .. لمس فتاة صغيرة خائفة بداخلها تحتاج لمن يقف بجانبها و يأخذ بيدها للنور .. لم تكن كلها سوداء كما كان يظن فقد أدرك هو بقربه الشديد منها نقطة بيضاء وسط تلك العتمة السوداء .. لا يهم كل ذلك السواد مدام هناك نقطة واحدة بيضاء يمكنها أن تنتشر و تكتسح ذلك السواد .. كانت تحتاج لأحد أن يحرك البياض بداخلها و بالفعل استطاع .. لم يحرك النقطة البيضاء بداخلها هي فقط بل حرك النقطة الكامنة به أيضاً .. كانا يساعدان بعضهما علي نشر البياض لعلهما ينجحان في نشر الضوء و إبعاد الظلام .. كل يوم يدعو الله أن يسامحه و يستره لما ارتكبه بحقها .. يدعو الله أن لا تعلم أبداً حتي لا تتركه و هو أصبح متيماً بها .. يدعو الله أن يستطيع هو أن يتناسي ما فعله بحقها .. لو كان يعلم بأنه سيحبها كل هذا الحب لما سلط هؤلاء عليها و كان ق,تلهم قبل أن يقتربوا منها .. مسح دموعه بأنامله حتي يبدو طبيعياً عندما يذهب لها ليصطحبها للبيت و هو مازال يدعو الله بنفسه أن يستره فيكفي شعوره بالذنب اتجاهها .. فهل سيستمع الله لدعائه و يستجيب له !
كانت جالسة تحتضن ابنها الصغير الذي سالت دموعه و مازالت تسيل إلي صدرها و هي تربت عليه بحنان قائلة بصوت حنون : يا حبيبي بابي لا يمكن يسيبنا أبداً لازم تبقي متأكد من كده .. أول ما يحس بغيابنا هيرجعلنا علطول كفاية عياط بقي عشان مامي متزعلش منك .. مدت أناملها و مسحت له دموعه ثم ربتت بحنان علي شعره الأسود الفاحم كوالده و هي تشدد احتضانه قائلة بيقين : إن شاء الله هيرجعلنا
نظر طفلها حوله لتلك الصحراء التي تحاوطه من كل مكان و بعض الأضواء القليلة المنبعثة من الأرجاء و هؤلاء الناس الغرباء الذين ينظروا لهما بشفقة و هو يقول بخوف و يزيد تمسكه بثيابها : مامي أنا عايز أمشي من هنا بقي أردف قائلاً بعدما سالت دموعه مجدداً : أنا أسف يا مامي أنا السبب إننا نبقي هنا دلوقتي .. لو مكنتش قولت لحضرتك إني عايز أروح التواليت مكنش الأتوبيس سابنا و مشي
تذكرت منذ ساعة تقريباً عندما توقفوا بتلك الإستراحة في طريقهما من المدينة المنورة إلي مكة ليطلب منها طفلها الجالس بجانبها الذهاب للحمام لتقوم و تنظر لأدهم لتجده ذاهباً في سبات عميق و هو محتضن ابنتها خديجة توأم ابنها أحمد .. لم تشأ أن تزعجه أو تقلق منامه هو و ابنتها لذلك تركته نائماً .. اقتربت من منال حتي تخبرها أنها ستنزل لكنها وجدتها نائمة تماما كحال أدهم فاصطحبت ابنها أحمد و نزلت و لكن لسوء حظها عندما عادت لم تجد الأتوبيس فقد غادر .. تنهدت تنهيدة طويلة للغاية و هي تدعو ربها أن يستيقظ أدهم ليشعر باختفائها هي و ولده .. مر بعض الوقت و وجدت رجلاً مسناً من أصحاب المكان يقترب منها و هو يعطيها غطاءً صغيراً لتغطي صغيرها الذي ذهب بنوم عميق حتي لا يشعر بالبرد خاصة بجو الصحراء القارس ليلاً .. شكرته تالا كثيراً ليبتسم لها الرجل ليذهب بعدها و يعود بعد دقائق و هو يحمل كوباً من الشاي الساخن بيده .. أعطاه لها و مازالت الإبتسامة البشوشة علي محياه و هو يطمئنها بأنهم بالتأكيد سيعودون من أجلهما .. احتضنت ابنها الصغير بيد و أمسكت باليد الأخري كوب الشاي و هي تردد دعائها باستمرار علي لسانها .. تعلم جيدا أن الله سيقف معها و يجعلها تحت رعايته فثقتها بالله كبيرة تفوق كل الحدود .. تعلم جيداً أن أدهم لن يتركها أبداً ففي أكثر أوقات غضبه منها لم يتركها .. مرت ثمان سنوات تقريباً علي زواجهما و هما معاً عائلة واحدة ..كان الجو من حولها ملائماً للغاية لتتذكر حياتها بأكملها معه حتي الأن .. تذكرت قربها منه في بداية الأمر عندما لم تكن تطيقه .. استفزازه لها .. ركضه ورائها و إعلان حبه و رغبته بها .. بالزواج منها .. تذكرت عندما أصبحت زوجته ورقياً .. وقوفه معها و بثه للأمل بداخلها حتي خطت شوطاً كبيراً برحلة علاجها .. تذكرت ليلة زفافهما التي لن تتمناها أي فتاة و تدعي هي ألا تمر بها أي فتاة .. مساندته إياها بعد وفاة والدها و اهتمامه بكل شئ يخصها .. صلحهما و عودتهما معاً .. تذكرت الفترة التي كان يعاملها بها كملكة علي عرش قلبه .. ربما كانت تلك هي فترة هدوء ما قبل العاصفة .. تذكرت بعدها الفترة التي تلتها كانت حقاً من أسوأ الفترات التي مرت بها و عانت فيها نفسياً و صحياً و جسدياً و حتي عاطفياً خاصة أنه قسي عليها بتلك الفترة رغم اهتمامه بها .. كان يهتم بها لكن بقسوة لكنها رغم كل هذا كانت تعلم بأن وراء قسوته تلك رجلاً حنوناً يحبها ربما لذلك تحملته .. ربما لأنها كانت تشعر به فلو كان هو من خان وعدهما لكانت فعلت ما فعله و أكثر .. كانت تظن بأنه سيصالحها و يلين معها بعد غيرته في كتب كتاب أسيل لكنه نفي كل توقعاتها و ظل علي بروده و حالته .. تعرف عدد الأيام و الساعات و الدقائق التي كان غضباناً بها منها .. ستة عشر يوماً و خمس ساعات و عشرون دقيقة .. اما الثواني فللأسف لم تحسبها .. تذكر ذلك اليوم الذي كان أول يوم يدخل عليها الغرفة بابتسامة تشع فى وجهه و تحدث ثقباً به .. تذكر عندما اقترب منها و انحني ليطبع قبلة حانية علي جبينها .. اتسعت حدقة عيناها و تهللت أساريرها فها هو قد حن أخيراً و ربما سامحها .. تذكر ابتسامها الواسعة اللي ارتسمت علي محياها بوقتها لكنها أخفتها .. تذكر عندما جلس بجانبها و أحاط خصرها بيده إلي أن استقرت علي أحشائها ليمررها عليها برفق و هو يقول ” بنتي حبيبتي عاملة ايه دلوقتي ؟ ” .. تذكر عندما وضعت يدها علي يده قائلة بعتاب ” تاعبة مامتها و مغلباها زي ما بابابها عامل بالظبط .. أبعدت يده قائلة : و بعدين إن شاء الله هيبقي ولد أو توأم .. تذكر عندما أحاط خصرها مجدداً و هو يقول ” كل اللي يجيبه ربنا كويس مدام من مراتي حبيبتي ” .. تذكر عندما رفعت حاجبيها باستنكار رغم فرحتها العارمة بداخلها علي أنه أخيراً لان و في طريقه ليعود لأدهم حبيبها ” لا و الله دلوقتي بقيت حبيبتك ” .. تذكر عندما داعب خدودها قائلاً بحب ” وحشتيني ” .. تذكر أنها أبعدت يده وقتها بضيق قائلة بعتاب ” لسة فاكر دلوقتي أوحشك .. ما أنا طول الفترة اللي فاتت ديه قدامك و بحاول أرضيك لكن أنت مطنشني و بتتجاهلني و لا أكني حاجة في حياتك حتي مهمكش إني حامل و غير ده كله افتكرت إنك خلاص هتصالحني و تسامحني و تعرف إني خبيت عليك غصب عني عشان خوفي عليك مش أكتر لكن أنت فضلت برضه بتعاملني وحش لدرجة إني خلاص كنت فاكرة إن كل حاجة بينا انتهت و إنك هتجي في يوم و تقولي أنت طالق ” .. تذكر عندما قال لها ” شوفتي إنى لما أتجاهل وجودك هتضايقي إزاى و هتتحرقي من جواكي بدل المرة ألف مرة .. ده اللي حسيته لما تجاهلتي وجودي في حياتك و خبيتي عليا حاجة مهمة زي ديه و الأكتر من كده خبيتي عليا خبر حملك و مسكتيش لأ كملتيها بطلبك للطلاق .. أنا سامحتك من زمان عشان قلبي للأسف مبيعرفش يشيل منك و فاهمك و حافظك.. و كل أما أحاول أقسي عليكِ أوي و ابعد عنك في حاجة جوايا كانت بتلومني و بتعاتبني و تمنعني من ده بس كنت لازم أقرص ودنك شوية عشان تعرفي حجم غلطتك و إن مش كل المواقف تقدري تتصرفي فيها لوحدك و إني في حياتك عشان أشاركك المر قبل الحلو و تعرفي كويس جداً إن قد ايه كلمة الطلاق كلمة صعبة مش زي اللبانة في بوقك أي حاجة تحصل أو مشكلة نواجهها تبقي هي الحل الأسهل و غير ده كله أن الصراحة هي أساس العلاقة السليمة ” .. تذكر عندما ارتمت بحضنه قائلة من بين دموعها ” أنا أسفة .. أنا فعلا ً كان لازم أحكيلك بس كنت خايفة عليك فكنت عايزة أبعد عنك عشان سلامتك مش أكتر .. أنا مقدرش أشوفك بتتأذي يا أدهم .. أنا بحبك لدرجة إني لو هبعد عنك عشان متتأذيش هدبح نفسى بسكينة تلمة و هبعد أهم حاجة إنك تبقي بخير و سعيد ” .. ضربها ضربة خفيفة علي رأسها قائلاً بعتاب ” سلامتي و سعادتي معاك بقربك مش ببعدك عني يا غبية .. أنت متعرفيش أنا بحبك قد ايه و ممكن أعمل ايه عشان تبقي بخير و معايا ” .. اقترب منها بعدها و طبع قبلة علي وجنتها ليبتعد بعدها و يخرج ظرف من جيبه قائلا ” أنا معملتلكيش فرح تاني غير اللي باظ و كنا متضايقين فيه بس قررت إني لازم أعوضك عن كل اللي فات و نبدأ حياة جديدة مع بعض .. قررت إنك هتلبسي الأبيض بس و احنا بنعمل حجة بعد ولادتك بإذن الله أنا و أنت و ماما و اللي ربنا يجيبه ” .. تذكر فرحتها العارمة و دموعها التي نزلت فرحاً بكلماته تلك و هذا الخبر المفرح الذي تمنته بجبعتها منذ زمن .. تتذكر جيداً أنها وقتها احتضنته بشدة حتي كادت أن تخنقه بذراعيها التي التفتت حول رقبته كما أنه من شدة احتضانها له لم يستطع أن يزن نفسه ليقع بظهره علي السرير .. ارتسمت ابتسامة خجلة علي وجهها عندما تذكرت كلماته الخبيثة المشاكسة لها ” وحشتني بركتك .. أنتِ كما وحشتك و لا ايه رأيك ! ” .. من بعد تلك المرة لم تخفي تالا أي شئ عن أدهم حتي أنها كانت تقص له تفاصيل مفصلة لما يحدث معها لأنها لا تحتمل قلبته و تحوله.. تذكرت أن بعد تلك الفترة العصيبة التي مرا بها هدأت العاصفة و بدأ البحر يعود لحالته الطبيعية لا ساكن ولا عاصف .. إنما معتدل .. بعض الوقت ساكن و البعض الأخر مضطرب .. كأي عائلة .. يتشاجران لكنهما سرعان ما يتصافيان و يتصالحان .. تذكرت بعدما وضعت طفليها أحمد و خديجة فقد استجاب الله لدعائهما و رزقهما بتوأم .. تذكرت عندما أخبرها أن الله قد أخذ حقها من ماجد ليقص لها ما حدث بعدها .. حزنت من قلبها حقاً لما حدث لأخته و أخذت تدعي الله أن يسترها و لا يفضحها أبداً لا هي و لا أي فتاة غيرها .. تذكرت عندما أخبرها أنه كتب الجزء الخاص بنصيبه من ورث أحمد قديماً لأولاده كما أسهم بجزء كبير من ماله الخاص ليوسع الشركة لتصبح في وقت قصير من أشهر الشركات المصرية صيتاً .. تتذكر جيداً أنها بقيت أربع سنوات كاملة تحاول أن تمنعه عن ذلك السم المسمي بالسجائر إلي أن استطاعت أخيراً لتحمد ربها أنه أمتنع عنها لأنها كانت علي وشك الإستسلام .. تتذكر جيداً أن تلك كان ستصبح خامس عمرة لها معه و مع أطفالها بعد حجتين .. أنهت كوب الشاي و وضعته جانباً لتحتضن طفلها الصغير و تربت عليه بحنان .. لاحظت ذلك الأتوبيس الذي وقف أمامها بمسافة بعيدة قليلاً و بعدها وجدت فارسها ينزل منه ليأتي بعدها ركضاً بتجاهها .. اقترب منها و وقف مقابلها و عضلات صدره البارزة تعلو و تهبط سبباً لأنفاسه المضطربة المتسارعة .. حمد ربه كثيراً أنها و ولدهه بخير .. نظر لها بحدة قائلاً كعادته عندما يقلق عليها بشدة : ينفع كده ؟ ايه اللي نزلك من غير ما تقولي
لم تجب عليه فهي كانت تحمد ربها بوقتها حركت ابنها برفق ليستيقظ من سباته ليتطلع حوله ليجد أدهم واقفاً أمامه .. انطلق نحوه سريعا و احتضنه قائلاً : الحمد لله يا بابي إنك جيت .. ربت عليه أدهم و حمله لتقوم تالا و تقترب منه بخطوات معتدلة بشكل ملحوظ عما كانت سابقاً .. وقفت أمامه و أخذت تتأمل ملامحه التي تجعلها هائمة به غارقة بعشقه .. تشعر أنها تراه لأول مرة .. لم تكن تحتاج التكلم لتبث حبها له لكنها لم تكتف بنظراتها المحبة المتأملة فخرجت الكلمات من بين شفتيها الرقيقتين لتلمس كل خلية بجسده و صدرها يختلج بداخلها : تعرف إني أسعد واحدة في الدنيا عشان أنت حبيبي و جوزي و أبو عيالي اللي لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي أحن و لا أطيب منه و لا حد يحبني و أحبه زيك .. ألقت بنفسها لتتغلغل بين أحضانه التي تعتبرها وطناً لها يحتويها و يشعرها بالدفء كعادتها ليضمها هو إليه و يربت علي ظهرها بحنان بالغ و هو يهمس في أذنها قائلاً بحب : هفضل أحبك مهما جننتيني و طلعتي عيني و لففتيني وراكي لسابع أرض .. شعرت بابنتهما خديجة التي اقتربت لتحتضنهما معاً و هي تقول ” مامي بابي احضنوني معاكوا ” لترتسم ابتسامة واسعة علي وجهها و هي تحمد ربها علي نعمته الواسعة عليها بتلك العائلة التي تعشقها فمن صبر نال .. زاد اتساع ابتسامتها علي ثغرها و هي تتطلع لملامح أدهم الوسيمة الجذابة الرجولية فهي كانت علي يقين أنه سيعود من أجلها حتي لو كان بأخر الكون فقدرها مكتوب مع هذا الرجل .. هذا الرجل الذي استطاع بكل سلاسة سبــــــر أغــــــــوار قلبـــــــــها و لكـــــــــــــن كادا أن يفترقا عدة مرات لكن بحبهما و قربهما من الله ظلا معاً متحابين يتعاملان بالمودة و الرحمة .. و كما يقولون نفي النفي اثبات .
تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت بحمد الله
و توفيقه