فرط الحب 2
الفصل السادس:
دخل ريان إلى الشرفة وتابع في صمت وانتصار خروج ريم مع صغيره عمر من المبني، فقد نجح الصغير المحتال في اتمام مهمته على أكمل وجه بتمسكه بالخروج مع ريم والتحجج باشتياقه إليها وتأكيده بأن البقاء مع ابيه يقتله من الملل.
جز على أسنانه فقرار تركها تذهب للعمل في وجود ذلك الحقير يفور الدماء في عروقه ولكن الوقت ليس مناسب لفرض سيطرته عليها وشيء داخله يؤكد له بأنها لن تقبل.
ارتفع جانب فمه في فخر فعلى الأقل سينعم بالراحة والسلام لوجود طفله بينها وبين البغيض في مكان العمل.
خرج من افكاره على رنين هاتفه وانكمشت ملامحه في بُغض وهو يرى اسم شقيقته يتوهج من الشاشة الصغيرة كعادتها كل صباح منذ علم بكذبتها التي قلبت حياته رأسًا على عقب فبعد ثلاث أشهر أجبرتها معاناته ومعاناة صغيره على الاعتراف بفعلتها لتترجاه ان يغفر جنونها وأنها شعرت بالخوف ان يتركها مع بيجاد الغاضب دوما والفاقد للسيطرة على افعاله في حال سفره وانه لم يكن سيحتاجها بوجود ريم في حياته ترعاه وترعى صغيرة.
وقد كان ريان كالقنبلة الموقوتة لكنه لم يستطع ان يفعل معها شيء سوى التعجل في إتمام زواجها من نادر جارة في المبني والتي اخفت شقيقته علاقة حبهما عنه ليتوج مخططها بالنجاح، شعر بغصة مريرة لا يزال غير قادر على مسامحة الأنانية البحتة التي تملكتها وجعلتها تدمر أسرته الصغيرة وتذيق طفله طعم اليُتم مرتين، خيانة لم يتوقعها يومًا من أقرب الاقربون.
لكن حين يتحدث المستقبل والمال تذوب الاربطة وتتحول الدماء إلى ماء، ابتسم بغل ألم يكن هذا مبررها انها خشت على مستقبلها وأحلامها بالاستقرار في الخارج.
هز رأسه باستنكار يكره التفكير في الأمر ثم رفع هاتفه مقررًا اجراء محادثة دولية هامة فأتته الإجابة في الرنة الثانية بترحاب:
-اهلًا ريان عاش من سمع صوتك يا راجل.
-اهلا يا بهاء، انا اسف اني بتصل بيك وانت أكيد في شغلك بس في موضوع مهم عايز اتكلم معاك فيه.
قال ريان في صدق وهو يحوم حول نفسه في الردهة في حيرة وتوتر ليخبره بهاء وهو يتجه لزاوية هادئة بعيدًا عن صخب موقع العمل:
-معاك يا صاحبي، خير؟
-فاكر الظرف اللي بعته معاك لمراتي، كنت عايز أعرف أنت فتحته ؟
-عيب عليك لا طبعا الظرف وصلها مقفول.
اخبره بهاء دون تفكير ليؤكد ريان في جدية:
-انت متأكد يا بهاء الموضوع مهم بالنسبه ليا.
سعل بهاء في خفة ليخبره بخجل طفيف:
-الظرف وصل مقفول ده أكيد،
بس في نقطة صغيرة انا كان معايا علاء صاحبنا بتاع الجامعة فاكره؟
-اللي كان عايز يسافر كندا؟
-عليك نور وسافر فعلًا من أسبوع.
قال بهاء في نبرة متوترة فهتف ريان في قلة صبر:
-ايوة ماله، احكي متقطعش انا مش ناقص وعلى أخري الله يرضى عليك.
-طيب اهدى، اليوم ده كنت متأخر أوي وهو كان معايا ووصلت لحد منطقة بيتك بس كان لازم امشي بسرعة عشان كان عندي معاد تجديد فيزه السفر بسبب شغلي الجديد وانت عارف المشاوير الحكومية ورخامتها فهو عرض عليا يطلعه بدالي.
-تقصد ان علاء فتح الظرف؟
قال ريان في سخط وغضب على صديقه لأنه ائتمن غيره ما ائتمنه بنفسه عليه فقال بهاء في نبرة مرتبكة مؤكدًا:
-لا طبعًا وانا متأكد من ده لأني أكدت عليه ان الظرف يوصل زي ما هو.
ضغط ريان على قبضته وهو يصك على اسنانه كي لا يمطره بوابل من التوبيخ واكتفى بقوله المقتضب:
-طيب لو سمحت يا بهاء اتصل اتأكد منه تاني.
-مينفعش للأسف هو سافر من اسبوع والمفروض انه اول ما يستقر هيتواصل معانا دلوقتي مش معايا اي طريقة للتواصل معاه.
-لما يبقى يتواصل معاك اسأله، في ايه يا بهاء متجننيش يا أخي انت كمان وتقفلها في وشي.
-اهدي يا ريان ايه اللي حصلك، انا بتكلم معاك عادي، على العموم أنا اسف لأني عارف انك زعلت لما اديته الظرف بدالي بس صدقني كان غصب عني.
قرص ريان فوق انفه ثم تنفس بهدوء فصديقه لم يكن مجبر على خدمته من الأساس، فتنهد قبل ان يقول في لهجة ساكنة:
-حصل خير يا بهاء، بس بعد اذنك الموضوع مهم وياريت متنساش تسأله اول ما يكلمك.
-هيحصل ان شاء الله، انت خلاص نقلت شغلك في فرع الشركة اللي في مصر وهتستقر عندك بجد؟
-ايوة يا بهاء وهبدأ بعد شهر الأجازة ما يخلص ان شاء الله.
قال ريان في وجوم فأجابه بهاء بصدق:
-ربنا يرزقك الخير ان شاء الله ويوفقك.
-تسلم، مش هعطلك اكتر من كده مع السلامة.
اغلق ريان الهاتف ما ان ألقى عليه صديقه السلام وانعقد حاجبيه في حنق فكل الامور تتعقد امامه وكأن القدر يعانده، زمجر في غضب كارهًا ان يبقى هكذا حائرًا غير ممسك بزمام الأمور في حياته.
كان عليه ارسال الظرف مع شقيقه والسماح له بتهشيم رأس أحمد قبل ان يفكر الأبلة في اختطاف ريم منه فربما وقتها كان قلبه سيبقى ساكنًا بين اضلعه لا يتلوى بنار البعد والغيرة.
*****
وقف أحمد من مقعده خلف المكتب ما ان دلفت ريم وسرعان ما انعقد حاجبيه وهو يتابع عمر يتبعها من الخلف بهدوء، توجه نحوها ولم يعطها فرصة للحديث متهمًا في حده :
-ممكن اعرف انتي ازاي سمحتي انه يرجعلك تاني؟
رفعت كفها توقف حديثه قبل ان تحادث عمر في حنو زائد:
-روح اقعد هناك يا عمر والعب بالتابلت لحد ما اتكلم مع عمو أحمد.
زم الصغير شفتيه باعتراض صامت ولكنه تزحزح ببطء حين ربتت ريم على كتفه تبعده نحو الركن البعيد وعيناه الشبيهة بعينا والده السوداء تبوح بشراسة رفضة بالابتعاد عن سارق والدته.
نظرت ريم إلي احمد المشتعل بغضبه ما ان ابتعد عمر ورأته يعبث بجهازه الالكتروني لمشاهدة برامجه الكرتونية كالعادة ثم قالت في خفوت:
-اكيد طبعا مش هسمحله يرجعلي من تاني بس في حاجات اكتشفتها قلبت الموازين.
ابتسم في تهكم وعيناه تلتهمها باتهام من اسفلها إلي اعلاها ليردف في نبرة ساخرة:
-قصدك قلبت الموازين في قلبك، رجعتي تحني لريان من تاني بعد كل اللي عمله فيكي،
ازاي رجعتي لضعفك واستسلمتي بالسهولة دي؟
شعرت ريم بغصة تتملكها فوضعت يدها على صدرها في دفاعيه وهمست في حزن:
-أحمد لو سمحت متقلبش عليا المواجع، وأتأكد كويس اوي اني مش ضعيفة واني عمري ما هنسى اللي عمله فيا.
زفر أحمد يلعن انفلات مشاعره وغضبه عليها دون سبب فهو يفكر ويخطط ثم يذهب كالأبلة في الاتجاه المعاكس لإفساد فرصته معها، تنهد قبل ان يخبرها في لهجة يتخللها الهدوء:
-انا متأسف يا ريم مقصدتش اجرحك،
انا بس خايف تنسي وتوقعي نفسك مع الراجل ده تاني صدقيني هو ميستاهلكيش، قوليلي حاجة وحده عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
صمتت ريم في حزن واخفضت وجهها لأسفل لا تجد ما تجيبه به، قاطعتهم صوت عمر:
-ماما انا عايز اشرب.
تصلبت ريم وكلمة “ماما” تخترق مسامعها من عمر الذي وقف يناظرها بكل براءة وتوتر وكأنه اخطأ ويتوقع منها التوبيخ الذي اتاه بالفعل.
-دي مش امك متقولش ماما.
صرخ أحمد في حدة فارتعش الصغير وكاد يبكي في مكانه فهتفت ريم في رفض وقد ناشدت دموعه مشاعر امومتها:
-أحمد انت اتجننت، تعالى يا عمر يا حبيبي.
-ريم اللي بتعملي غلط انتي لازم توقفي الواد وابوه عند حدهم.
نظرت له ريم وكأنه فقد صوابه بينما تميل لحمل عمر بين ذراعيها رغم ثقل وزنه وزمجرت في نبرة معترضة:
-ولد أيه اللي اوقفه عند حده ده طفل وزي ابني، انت جرالك ايه ولا هما كل الرجالة اللي في حياتي اتجننوا فعلًا.
-زي ابنك لكن مش ابنك، متنسيش ان ابوه حكم عليكي ما تخلفيش غير لما ابنه يكبر يعني كان بيستغلك يا هانم عايزك دادة لابنه.
شعرت ريم بالتيه وقد اصطدمت كلماتها الواقعية الحادة بقلبها، التفتت تبحث عن حقيبتها التي القتها على الطاولة الجانبية ما ان دلفت فأخرج عمر لسانه في تشفي نحو أحمد الذي اندفع يحاول امساكها كي لا تذهب قائلًا:
-انا اسف يا ريم بس أرجوكي متخليش عيل صغير يضحك على عقلك ده أكيد تفكير أبوه.
ابعدت يده عن ذراعها ووضعت عمر ارضًا تغطي أذنيه قبل ان توبخ احمد من بين اسنانها:
-واضح ان ريان ايده كانت تقيله شويه وخلى مخك هنج، ده طفل خمس سنين عيب عليك.
ابتعدت خطوتين قبل ان تلتفت اليه وهي تتنفس بهدوء لتمالك أعصابها ثم أخبرته:
– انا كنت جايه أقولك ان ريان رجعني لذمته من غير ما اعرف صحيح احنا اتفقنا على الطلاق قريب،
لكن لحد ما يحصل ماينفعش نفضل مخطوبين احنا لازم نأجل الموضوع ده شويه.
ظهر الارتباك جليًا على وجه أحمد لكنه ابتسم في حزن ليذكرها:
-وشرط أبويا ولا نسيتيني أنا كمان ؟
-انت لسه قدامك ست شهور ان شاء الله هيكون الموضوع اتحل، عشان خاطري يا احمد بلاش تضغط عليا أكتر الدنيا ضغطاني خلقه.
اسبلت عيونها في خجل لا تصدق انها في ذلك الموقف فاستطردت في أسف:
-انا متأسفة بس انا مغلوبة على أمري ومقدرش أعمل حاجة.
اقترب منها يحاول ملامستها وجزء كبير داخله يرتجف بخوف من خسارتها فقال مستعطفًا إياها:
-انا اللي متأسف ورحمة امك ما تزعلي مني، انا أحمد اخوكي مهما حصل ومش مهم اي حاجة في الدنيا.
ابتسمت له في امتنان ليقابلها بابتسامه مجبرة قبل ان يقطع لحظتهما عمر وهو يتذمر شاعرًا بالتهديد من كلمات أحمد:
-عايزة اروح يا ماما يلا بينا أنا تعبان.
ابتسمت ريم لعمر منهيه بذلك لقائها وهي تعبث بخصلاته قبل ان تلقي السلام على أحمد وتجذب الصغير للخارج ولكن لم يفت أحمد همسها الامومي الحاني:
-حاضر يا عيون ماما.
اسودت عينا أحمد في حقد وألم داخلي لأسباب مختلفة بينما هناك عينان أشد سوادًا تتابع في تشفي وانتصار ما يحدث من بعيد.
*****
بعد المغرب صعد ريان إلى المنزل بعد ان ذهب لشراء بضع المشتريات، تنفس الصعداء ونبض قلبه في اضطراب حين دلف إلى المنزل وسمع ضحكات ريم من الداخل تلتها ضحكات عمر الموسيقية، وتساءل كيف تخلى عنها بسهولة؟
سؤال صعب لا يدري إجابته كيف اعماه غروره وظن انه سيستطيع تخطيها والابتعاد عنها، ركضت ريم للخارج وتوقفت ضحكاتها حينما وجدته امامها، انتقلت عيناها إلى الأكياس بيديه ولكنها سرعان ما التفتت نحو الصغير الذي اصطدم بها يمسكها وسط ضحكاته قائلًا:
-مسكتك مش هتهربي مني ابدًا ابدًا.
وضع ريان الأكياس ببطء فوق الأرض وهو يتابع بمشاعر ثائرة وحدهما عمر وريم قادران على دسها داخله، ابتسمت ريم وهي تبعثر خصلاته وعادت تناظر ريان لكنها شهقت في انزعاج وأعين متسعة حين لاحظت الماء المنساب على سجادها فهتفت:
-شيل الكيس ده بسرعة، حرام عليك انت مش بتتغير.
-اسف نسيت.
همس ريان بحرج لكنه يتقبل ملامحها المنزعجة عن الأخرى التي تصرخ ببغضها له، اتجهت للمطبخ تحضر منشفه صغيرة وخبطتها بعنف في صدر ريان وعنفته بحده:
-نضفها أنت، انا مش شغالة عندك!
رمش ريان وهو يزم شفتيه يحاول تمالك أعصابه قبل ان يتقبل المنشفة من يدها بهدوء متعمدًا ملامسة اصابعها الرقيقة فابتعدت عنه بملامح معقودة بانزعاج، ليقول بابتسامه جافة تظهر أسنانه:
-من عينيه، تؤمريني بحاجة تانية؟
ارتعش قلب ريم وعضت شفتيها بحقد على الذات لأنه يستطيع هز حصونها بابتسامه ساخرة، عقدت حاجبيها ولم تجيب ثم التفتت نحو عمر قائلة:
-يلا عشان تاخد شاور.
جثى ريان بنصف جسده يجفف الأرض وعيناه تلمع بترقب بينما يتابع اختفاءهما، ما ان انغلق الباب حتى رمى المنشفة واتجه بخطوات صارمة لغرفة عمر يبحث عن جهازه الالكتروني، جذبه حين وجده ملقى على الفراش واتجه لغرفة النوم الخاصة به وبريم يغلقها خلفه بعنايه قبل ان يعبث بشاشة الجهاز ويصل إلى مبتغاه لينبعث صوت خافت مسجل وتوالت الاصوات والخربشات حيث ظل يجري بمؤقت التطبيق حتى انتهت به الأصوات لصوت ريم وأحمد.
وضع سماعات الأذن ودأب يسمع بحرص ما دار بينهما، اسودت عيناه بغضب وهو يستمع لتحذيرات أحمد المقيتة ومحاولاته من أجل ابعادها عنه، جز على أسنانه يحاول التركيز فالأصوات بعيدة بالكاد يسمعها لكنه يفعل لأن الغبي يصرخ في ريم، زاد عضبه حين سمع سؤال أحمد:
-قوليلي حاجة وحدها عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
انعقدت ملامحه وعلت انفاسه منتظر الإجابة ولكنه تلاقى بالصمت من جهة ريم، مر الحوار سريعًا لتدخل أبنه وشعر بغضب وغل حين سمع اتهام أحمد له بانه لم يرغب بطفل منها يومًا.
حاول تمالك أعصابه حتى انتهى الموقف فاغلق الجهاز واتجه بانفعال يشعل إحدى سجائره، أحمد على حق بشأن الإنجاب فالذنب الوحيد الذي يندم عليه هو انه لم يمنحها طفل من صلبه يخرج من احشائها ويربطها به والا لما كان من السهل عليها التخلي عنه من أجل أحد.
نبهته أصواتهما بالخارج بأنهم انتهيا لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالخروج وإكمال خططه، جذب دخان السيجارة وابتلعه داخل صدره يتمنى لو يذيب تلك الكتلة المشتعلة بمشاعره المتأججة داخل صدره.
هل فعلًا لم يفعل أمر يثبت لريم إنه يحبها؟
لم يفكر يومًا في الأمر كان اعتيادي فزواجهم كان غريب وسريع ولم يتخيل ان صمته عن كلمات الحب قد يؤلمها أو يؤثر فيها فمن تجربته السابقة مع زوجته رحمها الله لم يختبرا تلك المشاعر ولم تكن زوجته تطالب بها او تعلن عنها حتى، لقد كان زواج عقلانيًا مخطط بلا حب ولا روح فيه.
زواج عكس زواجه من ريم التي كانت كالطفلة المراهقة تتنقل حوله كالفراشة تغرد بعشقها وحبها له وتبتسم حين يحتضنها، بل انه تعمد تقبيلها كلما اخبرته بحبها الأمر الذي كان يتطور لأكثر من قبله بكثير، ألا يعد ذلك اعتراف بالحب من وجهة نظرها؟
ضرب بيده فوق ساقه يكره عملية تحليل المشاعر تلك خاصة حين تتعلق بامرأة فهم مختلفون ومتمردون وسريعون التقلب في المزاج.
-بص للجانب الإيجابي هي اختارت أبنك على أحمد، ده في حد ذاته حب حتى لو هي فاكره انها مبقتش بتحبك.
قال وهو هز رأسه يحاول اقناع قلبه بتلك الكلمات، فكر في الاتصال ببيجاد لكنه يكره الظهور بالضعف أمام أخيه الذي سيتفنن بدعك اخطاءه في وجهه دون خجل، فهو معترف بأنه أخطأ ويعلم ان كل أفعاله الغاضبة خاطئة فريم تحملت الكثير والكثير لكن هذه هي طبيعته في الأزمات تهتاج مشاعره حين تنفلت منه الأمور ويكره ان يسيقه أحد أو أمر ما.
كما ان ريم لا تعطيه فرصة لتصليح اخطاءه وتصر على الانفلات من بين اصابعه، الأمر الذي يفقده صوابه ويجعله غاضب وتخرج تصرفاته بشكل أسوأ وأسوأ فرك عيناه ثم حرك كتفيه ورقبته يحاول الاسترخاء فعليه الاسراع والتفكير كي لا يفقدها بشكل نهائي.
ساد الصمت فخرج يبحث عنها دون ان يصل لبداية الخيط في علاقتهما ليجدها تمشط شعر عمر وأحس بقلبه ينقبض وينبسط بين أضلعه دون هوادة، اقترب منها وحمد الله انها لم تنتبه لوجوده بعد فيتسنى له سد شوق يتملكه ليقترب منها.
-انا آسف.
خرج صوته منخفض بدون أدنى سيطرة منه على ما يخرج من فمه، فتسمرت ريم في مقعدها وتوقفت عن تمشيط شعر الصغير وساد الصمت بينهم فقط عيون عمر الحائرة تنتقل بين والده وريم.
-اطلع برا يا عمر، شويه وهندهك.
قبض عمر على طرف ملابس ريم وهمس في تردد وبعد تفكير:
-لا.
-لا؟
قال ريان في تعجب فانعقدت ملامح عمر وهو يحتضن جانب جسد ريم ويعلن في استنكار طفولي:
-اه انت هتقولي امشي يا عمر و بعدين تقول حاجات وريم تفضل تعيط بعدها.
-عمر!
احمرت وجنتي ريم وهي تقول مؤكده:
-مكنتش بعيط قولت عيني كانت ملتهبه انا مش بعيط غير على الناس اللي تهمني.
انتقلت انظار عمر بغضب نحو والده وكأنه يعاتبه على فشله فزفر ريان وقال في حده:
-هنتكلم بعدين يا عمر، اطلع دلوقتي وخليك مؤدب.
قلده الصغير وهو يزفر واتجه نحوه يشير له للهبوط لمستواه ففعل ليهمس الصغير في اذنه:
-لو هتخليها تعيط مش هكلمك وابوسك ابدًا ابدًا.
رفع ريان عيونه للصغير قبل ان يبتسم ويقبل رأسه مؤكًدا.
-ما تقلقش.
خرج عمر فأستكمل ريان قبل ان يتحول من رزانته لغضبه الذي لا أصبح عاجز عن السيطرة عليه:
-احنا محتاجين نتكلم زي الناس.
ابتسمت ريم في سخريه وهي تنهض وتخبره:
-ونتكلم زي الناس ليه انت عيان؟
عض على لسانه كي لا يقول ما يغضبها أكثر وتجاهل كلماتها بقوله:
-انا مقصدتش اني اتعصب عليكي، انا عارف اني غلطان وغلطي كبير بس….
قاطعته ريم وهي تتجه لتتخطاه في حده:
-انا اللي اسفة حقيقي مش عايزة اسمع منك كلمة واحدة.
امسك ذراعها يمنعها من الخروج وقال من بين اسنانه:
-حقك، بس على العموم مكنتش بعتذر على اللي عملته سابق، انا بعتذر على الكلام اللي قولته الصبح وبتمنى انك تنسيه.
ابعدت ذراعها بحده واستطردت وهي تبعد خصلاتها للخلف:
-وانساه ليه؟
بالعكس الكلام مناسب اوي مع حالتنا.
ابتعدت نحو الباب لكنها توقفت والتفت نحوه تدرس حالته ووقفته المشنجة تعلم جيدًا انها تتراقص على حبال غضبه، ولكنها تتصيد الانتقام لكسر غروره للآلاف من القطع، رفعت انفها بشموخ وهي تلتقط نظراته وقالت في جفاء:
-على العموم قبل الأجازة ما تخلص… العروسة هتبقى عندك.
وبذلك تركته وخرجت، صك ريان على أسنانه وقبض على يديه كي لا يخرج خلفها ويندلع الجحيم وظل يذكر نفسه بأنه المخطئ وان الطريق لازال في بدايته وعليه التحمل أكثر من ذلك بكثر إذا أراد استعادتها.
” فرطِ الحب ”
الفصل الثامن:
أغلق أحمد محل الملابس الخاص به ما أن حَلّ الليل رغم ذلك الشعور الذي يدفعه للبقاء حتى الصباح هربًا من الافكار التي تهاجم وحدته في المنزل، دلف إلى سيارته وتنفس الصعداء حين رن الهاتف ولمَح اسم شقيقته ليجيبها سريعًا:
– لُبنى عامله ايه يا حبيبتي مش بتردوا عليا ليه قلقتوني؟
– إحنا الحمدلله يا احمد متقلقش بس مكنتش عارفه ارد عليك، أبوك منزلش من البيت من امبارح.
أغمض احمد جفونه يحاول ابتلاع غصه تتملكه فسأل في تعجب:
– هو منعكم تكلموني تاني ليه، مش أنا خطبت وهتجوز زي ما هو عايز؟
ارتبكت شقيقته ذات السابعة عشر عام ولكنها اجابته بصدق:
– انا سمعته بيقول لأمي انه مش مصدقك عشان مرضتش تجبها البلد لما قالك.
– يا سلام وابوكي عايزني اجيب واحده مش مراتي معايا البلد عادي كده،
دي مجرد خطيبتي هجيبها معايا ازاي ولا ابوكي ممشي الأصول على مزاجه!
ارتبكت لُبنى وهي تعض على أظافرها بتوتر وردت بلا حيلة:
– مش عارفه والله يا احمد، إنت بتزعقلي انا ليه؟
تنفس احمد من انفه يحاول تمالك مشاعره قبل أن يسأل في تهكم:
– معقول خالتي مكلمتكوش وقالتلكم إني حضرت الفرح مع ريم خطيبتي؟
– قالت طبعا بس إنت عارف دماغ ابوك مش بيصدق حاجة.
ردت شقيقته في نبرة ساخرة فضغط احمد على أسفل رقبته وللحظة شعر بالاختناق وبرغبة كبيره في البكاء، لكنه تحامل على ذاته وسأل في شوق:
– طيب اديني أمك اسمع صوتها.
وصله الصمت قبل أن تهمس لُبنى في خجل وحسرة:
– ماما …اصل… أصل … ماما نايمه.
لم يَفت عليه الاهتزاز في صوتها فسأل في قلق:
– فيه ايه بالظبط يا لُبنى، هي امي جرالها حاجة، انطقي ومتكذبيش عليا.
عضت داخل فمها في حرج قبل ان تخبره بصدق:
– اطمن مفيش حاجة ماما بألف خير، بس ابوك حالف عليها يمين طلاق لو كلمتك في التليفون.
انحسرت أنفاسه داخل صدره وكأن والده يجذب بقايا أدميته، فساد الصمت حتى اتاه صوت والدته المنادي بتحذير:
– بت يا لُبنى ابوكي طالع تاني، اياكي تمسكي التلفون قدامه عدي يومنا على خير.
هربت دمعه حارة على وجنته ما إن اتاه صوت والدته الخائف، فأغلق الهاتف سريعًا ومسحها في عنف وغضب مخنوق، ضغط على عينيه بكفيه يرفض الضعف فقد أظهر ما يكفي منه طوال حياته، حتى أصبح كالمجند الذي تربى على الضعف والمهانة بحجة تقويته ليكون أقوى الرجال.
خرجت منه ضحكة ساخرة مختلطه بزمجرة حاقده فحتى كلمة رجل مسحت من قاموسه وانتهى به الأمر كالحيوان المساق لا يقدر على فتح فمه وإلا كان العقاب ليطوله ويطول معه والدته قبل اشقائه فقط لإثبات قوة مظلمة.
والمبرر كان إن القسوة تربي الرجال ولكن الأمر كان أشبه بتكتيك إرهابي مريض أفقده كل ما يملك من مشاعر فصار كالفأر يختبئ في كل مكان يخشى إلقاء الضوء عليه حتى بين أصدقاءه كان وحيد صامت يخشى العقاب.
واخيرًا حين آتته الجراءة واتجه للتجارة كمرمى للابتعاد عن والده لم يصدق الحظ الذي حالفه ورماه من قريته الصغيرة إلى القاهرة ليمتلك دكانهُ الصغير ويبدأ تجارته ولكن كما يقال الحلو دائمًا لا يكتمل.
فقد ظهر والده في الصورة بسلاح الأصول والاحترام فيمضي على عقد احلامه وممتلكات ما شقى به باسمه، وقتها كاد يثور وينتفض بأنانية امتلاك ما هو حقه وقد عثر اخيرًا على ذاته ولكنه الأكثر دراية بالعقاب، فصمت كالعادة خوفًا على والدته واشقائه من بطش والده.
تنهد في أسى واشعل محرك السيارة، لا يزال يتذكر حين رفض الزواج من ابنة صديقه فثار والده ولكنه صمت، شعر وقتها “أحمد” بالانتصار وبأنه اخيرًا استطاع الابتعاد وكسر الحاجز وبأنه أصبح قادر على فعل ما يمليه عليه قلبه حتى انه ذلك اليوم استطاع النوم دون دواءه الذي يلازمه منذ كان في السادسة عشر من العمر.
ليتفاجأ بعد شهرين بأن والده منع شقيقته من إكمال سنتها الدراسية مقررًا انهاء رحلتها التعليمية كعقاب خفي تلقّاه هو، لتنهار كل احلامه ويزول شعوره الوهمي بالانتصار فينكسر أكثر وأكثر.
وأين صار به الحال؟
صار شابًا في التاسعة والعشرون من العمر عازب غير قادر على الزواج أو بناء أسرة ولا يزال مرهونًا برغبات ومتطلبات والده حتى عائلته لا يستطيع التواصل معها حتى يتزوج وان لم يفعل سيأخذ والده المحل بشكل قانوني ويقطعه من الأهل للأبد، جالت ريم في عقله فكل ما يحتاجه الآن هو الاستماع لصوتها قبل أن يجن، رفع هاتفه يحادثها وانتظر قليلًا حتى أتاه الرد فلم يمهلها وقال في كسره:
– أبويا حالف طلاق على أمي انها متردش عليا ومش مصدق اني خطبتك من الأساس،
مش عايزك تردي او تديني حل عايزك تسمعيني وبس.
ابتلعت “ريم” اجابتها وصمت هو في حسرة قبل ان يخبرها في صوت مهتز المشاعر جريح:
-أنا بحبك رغم اني انسان مش سوي ومريض نفسي بس انا والله العظيم بحبك متتخليش عني يا ريم عشان صدقيني هتبقي القشة اللي كسرت ضهر البعير.
– أحمد انت سايق العربية ليه وانت في الحالة دي ممكن تركن عشان نعرف نتكلم.
سألت ريم باضطراب وصوت منخفض وقد تأهبت حواسها للأصوات من حوله فأجابها بتهكم:
– خايفه على ايه ياريت اموت وارتاح من الهم اللي انا فيه ده.
– انا مش هقدر اساعدك طول ما انت راعبني عشان خاطري وقف العربية دلوقتي.
تشنج جسد ريم وهي تضغط على طرف ثوبها في خوف حتى سمعته يفعل ما تريد فهمست:
– متشكره يا احمد، ممكن بقى تسمعني أنا كمان؟
– إتكلمي انا سامعك.
– اولًا انت مش مريض نفسي انت أحسن إنسان في الدنيا،
ثانيًا قريب اوي مشكلتك مع والدك هتنتهي انت لسه معاك ست شهور قبل ما تكمل التلاتين سنة يعني المحل لسه في أمان.
ضحك أحمد في سخرية قائلًا:
– أمان … ايه الكلمة الغريبة دي؟
– احمد مش وقت تهريج.
قالت من بين اسنانها فاستكمل في حدة:
– التهريج بجد اني خليته يكسرني لما كتب أكل عيشي باسمه وسمحتله يهددني بيه لو ماتجوزتش وكل ده عشان عايز حفيد،
متخيلة الراجل اللي من غير مشاعر وميعرفش معنى الأبوة عايز حفيد!
قاطعت ريم في لهجة مستنكره:
– تفكير ابوك وتصرفاته المجنونة مش ذنبك.
– لا ذنبي لإني كنت ولازلت ضعيف قدامه، كان هيجرى ايه لو سبتهم كلهم يولعوا،
ده حتى أمي معندهاش الشجاعه تكلمني.
– ما تلومش عليها يا احمد أمك ست وضعيفة وابوك مفتري طول عمره.
– انا بكره كلمة أبوك أو كلمة أب.
صمتت ريم عاجزه عن الإجابة ومر صمت مريح بين كلاهما قاطعته هي بحنو:
– احسن دلوقتي؟
– الحمدلله، أنا آسف اني بزعجك كل شوية بس كل ما بحس ان الدنيا بتضيق عليا واني بتخنق مش بلاقي غيرك اكلمه.
– اخص عليك متقولش كده إنت تكلمني أي وقت، يلا روّح على طول وسوق كويس وابقى طمني لما تروّح.
قالت ريم وابتسامة صغيرة ترتسم على فمها بينما تعود للاستلقاء بجوار عُمر النائم لكنها اختفت ببطء حين سأل أحمد بخفوت:
– متخليش ريان يخدعك من تاني، هو عايز يستغلك مش أكتر عشان ابنه ومتنسيش انه مكنش عايز يخلف منك…
– احمد ارجوك متندمنيش اني حكيتلك تفاصيل خاصة عن حياتي في لحظة ضعف وحزن،
موضوع الاولاد ده كان قراري قبل ما يكون قرار ريان فأرجوك انساه ومتقلقش انا أقوى مما تتخيل، ريم بتاعت زمان انتهت.
قاطعته ريم في حنق فوصلتها ضحكة خفيفة تخالط تنفسه وهو يؤكد لها:
– ريم عمرها ما هتنتهي ريم بتاعت زمان خايفه ومستخبيه جوا لحد ما يجي اللي يقدّرها.
تنهدت بقوة وأسى قبل ان تقول بصوت منخفض:
– تصبح على خير يا احمد.
– وإنتِ من أهل الخير.
اغلقت الهاتف وظلت تطالعه في صمت ووجوم ف ريم المختبئة داخلها تحاربها ولا تنتظر من يقدّرها بل تنتظر من امتلكها ليأتي ويختطفها من جديد.
-عشم إبليس في الجنة يا ابن بياعة الجزر.
قالت في نبرة هادئة متوعدة فأجفلها صوت “عُمر” بجوارها:
-مالك يا ريم؟
-مفيش يا حبيبي كمل نومك.
قالت وهي تستلقي بجواره وتقبل جبهته فأبتسم مطالبًا:
-طيب ممكن تغنيلي قلبي سعيد.
ابتسمت ريم وهمست في طفولية:
-من بين كل الأغاني دي بس اللي دماغ حضرتك فكراها انت قديم زي ابوك ليه كده يا واد انت.
خرجت همهمات ضاحكة من بين شفتي عمر الذي تعلق بأحضانه يخفي رأسه في صدرها مؤكدًا:
-بحب صوتك فيها.
قابلته ريم بصوتها الحنون المليء بالشجن وهي تسترسل في غناء أغنية “وردة” المحفوظة عن ظهر قلب في مخيلتها بصوت والدتها رحمها الله، غير منتبهه لذلك الظل القابع خلف باب الغرفة يستمع في شوق إلى ألحان صوتها المغرد على أمل ان ينطفئ الصراع النفسي داخل صدره ما أن سمعها تحادث أحمد.
وقف “ريان” في مكانه فاقد القدرة على التنفس يميل به صوتها الخافت المتراقص بالأنغام فوق الزمان حتى تدرج في خفوت بعد دقائق دامت طويلًا وساد السكوت بنومها.
ابتعد في بطء وهم العالم أجمع فوق أكتافه متجهًا إلى غرفته فجلس فوق فراشه ثم جذب إحدى سجائره ينفس فيها غضبه واشواقه وعقله مشتت بين يساري متفتح يحثه على منحها مساحتها لاكتساب ثقتها الذي فقدها بخبث ويميني متطرف يصرخ كالشيطان في اذنه كي يهشم رأسها وعظامها فلا تحادث رجل غيره.
ضرب على صدره يشعر باختناق متسائلًا كيف انتقل من شخص استحواذ على كل تفكيرها إلى انسان لا تطيق لمح طيفه، تذكر وقت كانت تنتظره بالساعات حين كان يتأخر في العمل أثناء مهمته بمتابعة إنشاء الفرع الجديد كمهندس له منصبه الإداري داخل الشركة وتطوعه لهذه المهمة المنسوجة على أرض الوطن على أمل تطبيع صغيره بأهل بلده كي لا ينشأ كالغريب في الخارج بلا فهم لأصول حياتهم في مصر.
مهمة يشعر بالامتنان لها لأنها سمحت له بالانتباه إلي ريم تلك الشابة التي كانت تجول حوله وحول صغيره حتى خلبته قلبه وسرقت صوابه، ابتسم متذكرًا غنجها وابتسامتها الرائعة المشاكسة كلما علد من العمل.
***
ولج “ريان” إلى المنزل بعد العشاء يشعر بالإرهاق والألم الجسدي من الوقوف طيلة اليوم في مقر العمل، تنهد في راحة وهو يلقي بأغراضه ويخلع قميصه ثم ابتسم حين انتقلت عيناه لتلك الراكضة في حماسه كالفراشة نحوه وذلك المشاغب الراكض من خلفها.
-وحشتنا يا بابي.
خرجت انفاسه من صدره في رضا ودفئ بخروج كلمة “بابي” منها وهو يلتقط جسدها ويضمها نحوه مقبلًا عنقها مجيبًا إياها في نبرة صادقة مهلكة:
-وانتوا كمان وحشتوني.
مال يساعد صغيره على التسلق فوق جسده فيضم كلاهما في آن واحد قبل أن يتساءل:
-أيه الريحة الحلوة دي؟
-دي ريحة الغدا، يلا عشان هنموت من الجوع.
تركها تمسك ذراعه وتدفعه للداخل نحو الطاولة بينما يحمل الصغير جيدا فوق ذراعه ثم قال مستنكرًا:
-غدا؟
انا مش قولت قبل كده متستننيش على الأكل، بتجوعي نفسك ليه؟
احمرت وجنتها في خجل وهزت كتفها في لا مبالاة هامسة:
-عادي مش بعرف أكل لوحدي.
شعر بعيونها تنطفئ وهي تحاول الانفلات من اصابعه والجلوس فجذبها خطوة نحوه ليستقر بشفتيه فوق جبينها هامسًا في خشونة محببة لقلبها:
-أنا كمان بحب أكل معاكي بس بطلي دلع ولما اتأخر متستننيش تاني،
ولا الهانم عايزة الناس تقول اتجوزتك عشان اجوعك.
ضحكت في خفوت وهي تحارب خجلها اللامتناهي وتمد ذراعيها لحمل عمر كي تضعه في مقعده جوارها وهمست في دلال:
-هنشوف.
كانت كشعلة نشاط متوهجة اصابعها تتطاير على طول المائدة بين اطعامه واطعام نفسها وطفله، كانت طفلة تُسكنه قلبها وتفوح منها رائحة العائلة والحميمية.
ارتفع جانب وجهه في ابتسامة راضية تلتها غمزة مشاكسة حين اشتعلت وجنتيها في خجل وترقب لما تخبرها به اللمعة في حدقتيه السوداء وحين انتهى العشاء أخذ “ريان” وقته لينهي حمامه الدافئ على أمل ان ينام عمر المتطلب لبقائها في احضانه الليلة كي يملي شوقه من طفلة الريم خاصته.
خرج عاري الصدر مرتدي سرواله القطني فقط بينما يمسح فوق رأسه بالمنشفة واستقر على نهاية الفراش منتظرها ولكن انتظاره لم يدم طويلًا حين دخلت “ريم” بابتسامتها الخلابة والحمرة المشتعل في وجنتيها تحايله وقالت في ارتباك:
-عمر نام خلاص، هتنام انت كمان؟
ترك ما بيده واتجه نحوها في خطوات ثابتة رغم اللهفة التي تغمر صدره، رفع كفه يحاوط جانب وجهها في حب ومال يقبل جبينها في شغف، ابتعد يناظر عيناها الواسعة ببراءة قاتلة وكالعادة سرقت نبضاته من جديد حين همست في تضرع:
-بحبك.
أغمض جفونه مستمتع بتخدر أوصاله بكلمتها تلك ودون كلمة أخرى مال يقضى على المسافة بين وجهيهما ويعبر عن حبه في قبلة ضارية حميمة نسى فيها الخدر ونست هي فيها الخجل.
***
عاد “ريان” من ذكرياته على صوت أنفاسه المضطربة فأغمضت عيناه بقوة قبل أن يلقي بجسده للخلف فوق الفراش ويهمس للهواء في لوعة:
-بحبك….
لدرجة ان قلبي بيتحرق طول اليوم ويرجع يستنى الليل يداويه عشان يقدر يتحرق في حبك من تاني.
كلما عاد تفكيره لما اخبرها به أحمد يسأل نفسه كيف لم ينتبه لحاجتها لكلماته بل كيف لم ينتبه انه لم يترجم تلك المشاعر على لسانه يومًا ولكن كيف سيفعل وقد كانت ترسم له حياة سعيدة وردية تخطها بأناملها وتغدقه بمشاعرها فلما تفعل وإن كانت تشك في محبته لها.
كان يخجل من الاعتراف بمشاعره نعم يعترف انه كان بلا خبرة تُذكر في عالم الحب وقد كانت ريم امرأة بروح طفلة عاشقة للحياة ولا تعرف معنى القيود فكان يخشى الانسياق في عالمها المنسوج بالمشاعر ونسيان واقع ان عليه لعب دور الأب قبل دوره كزوج لها.
وبذلك تقلب على يمينه يتمنى النوم وهو يحتضن وسادتها التي أصبحت تخلو من رائحتها بقلب ينتفض شوق ولوعة بين ضلوعه.
******
في ذات الوقت بإحدى دول الخليج جلست “ليان” داخل منزلها تشارك صديقتها حسائها الساخن فقاطعت رويدا الصمت بسؤالها:
-بس مش غريبة اخوكي يطول في خصامه كده ما انتي اعتذرتي وعرفتي غلطك من زمان.
رفعت ليان الوعاء من على فمها وبانزعاج لجأت لعلبة سجائرها على الطاولة منهيه وجبتها مجيبة إياها في سخرية:
-هيعمل ايه الاعتذار مع ريان انتي متعرفيش اخواتي مش بيسامحوا بسرعة!
-ليه يعني؟
زفرت ليان الدخان في غضب قائلة في ضيق:
-بطلي اسئلة تقهر فيا كفاية الهم اللي انا فيه.
لوت “رويدا” شفتيها بفضول وهي تجذب السيجارة من يدها تنفخها فقالت ليان في تهكم:
-انتي بتشربي سجاير من امتى؟
-مش بشرب لقيتها في ايدك قولت اجرب.
قالت رويدا في صدق فجذبتها ليان من بين أصابعها بشيء من الحدة مستنكرة:
-بطلي فضولك ده، انتي ايه مش بتتعلمي مني ومن فضولي؟
اديني قدامك شوفي فضولي مشاني ورا واحد ضحك عليا واستغل سذاجتي وعلمني السجاير وعرفني الشرب.
لوت رويدا شفتيها مرة أخرى وقالت موبخه:
-على فكرة بقى مش ذنبك انه طلع ندل انتي كنتي بتحبيه عشان كده عملتي كده.
ضحكت ليان في مرارة وخرج منها نفس حارق وهي تخبرها:
-يا ريت كنت بحبه انا كنت واهمه نفسي بكده وبقنع نفسي ان كل حاجة ماشية صح،
والنتيجة ايه مصدقتش قلبي وسيبته يضحك عليا بكلامه وان ريم مرات ريان مش هتخلي يرجعني هنا تاني واني هفضل مع بيجاد طول العمر .
انهت ليان جملتها وتفكيرها يعود لذلك الأسمر الذي سرق قلبها من زمن بعيونه المكحلة بالغموض.
-انا أموت وأعرف بقى ليه بيجاد عاملك بعبع في دماغك؟
رمشت ” ليان” ونظرت لصديقتها قبل ان تفرك وجنتها وقد تذكرت صفعت “بيجاد” لها حين كانت تبكي وترثي والدها محذرًا إياها بإظهار ضعف أمام الناس القادمون لتأدية واجب العزاء يومها خلق داخلها شعور غريب نحو الجميع شعور مرعب، جذبت نفس أخر وزفرت في حدة وهي تجيب:
-بيجاد اخويا طيب بس مجنون، لو عاشرتيه هتعرفي ان اللي يعيش معاه يبقى لازم يشيل كفنه على ايده.
مالت صديقتها نحوها تجذب السيجارة من اصابعها وتطفأها في تحدي قائلة:
-مش عايزة اشوفك بتشربيها قدامي بتفكرني بجوزك المقرف، كملي وعملك ايه بيجاد لما ريان سافر اول مرة.
ارتفع جانب وجهها في تهكم فلو علمت صديقتها ما اراده نادر ان تفعل لاقتلعت عيناه بيدها، تنهدت ليان ثم أكملت ساخرة:
-زي ما تقولي كده كنت بخاف اتنفس في البيت وانا لوحدي من غير ريان،
ولو حد عاكسني في المنطقه وبيجاد عرف كان بيكسر عضمه يعني باختصار كان مربيلي الرعب وحاسه انه يا هيموتني يا هيوقف حالي طول ما انا جنبه.
حركت رويدا فمها لليمين واليسار بعدم رضا متشدقه في نبرة متعجبة:
-ده ربنا يكون في عون مراته.
طأطأت “ليان” بنفي وهي تعتدل بأريحيه على اريكتها مخبرة إياها بتأكيد:
-لا خالص، وسام دي طول عمرها خط أحمر عند بيجاد ده بيعشق تراب رجليها.
-سبحان الله، عقبالك وعقبالي.
-عقبالك أنتي، كفاية اللي خدته وسففني التراب.
قالت ليان ساخرة وهي ترفع كفيها في الهواء باكتفاء فضحكت رويدا وأكدت:
-لا ان شاء الله تلاقي اللي يهنيكي ويسعدك يا بنتي.
هزت ليان رأسها دون جدال فسألت “رويدا” في خفوت:
-هو فاضل قد ايه وعده طلاقك تخلص؟
-اسبوع وورقتي هتكون عندي الباشا مستني اديله المبلغ اللي عايزة الأول.
قالت ليان وهي تستقيم وتحمل الأطباق للمطبخ فاتبعتها رويدا واستطردت:
-ايه ده انتي عرفتي تجمعي الفلوس؟
-لا طبعا استلفتهم من حد واتفقت ارجعهم على مهلي زي قرض كده.
قالت “ليان” في حسرة فضربت “رويدا” كف على الأخر وقالت في استنكار:
-يا بنتي كلمي اخوكي وخلي يساعدك بدل الهم ده بلاش عناد.
-عناد ايه يا رويدا هو بيرد عليا اصلا!
هتفت “ليان” في حده فوقفت “رويدا” امامها ويداها فوق خصرها قائلة:
-لو بعتيله رسالة انك في ضيقه ومحتاجه اكيد هيرد، اخوكي مش هيتخلى عنك صدقيني مهما كان زعلان.
-انا مش هطلب حاجه منه يا رويدا كفاية اللي حصل، سيبيني اتقبل العقاب على ذنوبي من سكات.
-ذنوبك مرة واحدة، فوقي يا ماما انتي كنتي مجرد واحده لا ليكي اب ولا أم وخايفة من الدنيا،
دي غريزة الحياة اللي وصلتك لكده والحاجة الوحيدة اللي اذنبتي فيها انك وقعتي بين رييان ومراته غير كده لا.
-اسكتي يا رويدا ارجوكي.
همست “ليان” فزفرت “رويدا” في اعتراض وكادت تمطرها بوابل من التوبيخ فأوقفتها “ليان” محذرة بصوت منفعل:
-اقفلي الموضوع والا هرجعك سكنك تاني، انا اللي ضربني في دماغك واقولك اشتركي معايا في السكن يا بت انتي!
-ماشي يا ليان هعدهالك انهارده عشان ورانا شغل بدري انجري قدامي واتخمدي يا أم عقاب.
قالت رويدا وهي تدفعها نحو الغرفة، حركت ليان رأسها بقلة حيلة وسبقتها للنوم متمنيه ان يأتيها بالفعل
” فرطِ الحب ”
الفصل الثامن:
أغلق أحمد محل الملابس الخاص به ما أن حَلّ الليل رغم ذلك الشعور الذي يدفعه للبقاء حتى الصباح هربًا من الافكار التي تهاجم وحدته في المنزل، دلف إلى سيارته وتنفس الصعداء حين رن الهاتف ولمَح اسم شقيقته ليجيبها سريعًا:
– لُبنى عامله ايه يا حبيبتي مش بتردوا عليا ليه قلقتوني؟
– إحنا الحمدلله يا احمد متقلقش بس مكنتش عارفه ارد عليك، أبوك منزلش من البيت من امبارح.
أغمض احمد جفونه يحاول ابتلاع غصه تتملكه فسأل في تعجب:
– هو منعكم تكلموني تاني ليه، مش أنا خطبت وهتجوز زي ما هو عايز؟
ارتبكت شقيقته ذات السابعة عشر عام ولكنها اجابته بصدق:
– انا سمعته بيقول لأمي انه مش مصدقك عشان مرضتش تجبها البلد لما قالك.
– يا سلام وابوكي عايزني اجيب واحده مش مراتي معايا البلد عادي كده،
دي مجرد خطيبتي هجيبها معايا ازاي ولا ابوكي ممشي الأصول على مزاجه!
ارتبكت لُبنى وهي تعض على أظافرها بتوتر وردت بلا حيلة:
– مش عارفه والله يا احمد، إنت بتزعقلي انا ليه؟
تنفس احمد من انفه يحاول تمالك مشاعره قبل أن يسأل في تهكم:
– معقول خالتي مكلمتكوش وقالتلكم إني حضرت الفرح مع ريم خطيبتي؟
– قالت طبعا بس إنت عارف دماغ ابوك مش بيصدق حاجة.
ردت شقيقته في نبرة ساخرة فضغط احمد على أسفل رقبته وللحظة شعر بالاختناق وبرغبة كبيره في البكاء، لكنه تحامل على ذاته وسأل في شوق:
– طيب اديني أمك اسمع صوتها.
وصله الصمت قبل أن تهمس لُبنى في خجل وحسرة:
– ماما …اصل… أصل … ماما نايمه.
لم يَفت عليه الاهتزاز في صوتها فسأل في قلق:
– فيه ايه بالظبط يا لُبنى، هي امي جرالها حاجة، انطقي ومتكذبيش عليا.
عضت داخل فمها في حرج قبل ان تخبره بصدق:
– اطمن مفيش حاجة ماما بألف خير، بس ابوك حالف عليها يمين طلاق لو كلمتك في التليفون.
انحسرت أنفاسه داخل صدره وكأن والده يجذب بقايا أدميته، فساد الصمت حتى اتاه صوت والدته المنادي بتحذير:
– بت يا لُبنى ابوكي طالع تاني، اياكي تمسكي التلفون قدامه عدي يومنا على خير.
هربت دمعه حارة على وجنته ما إن اتاه صوت والدته الخائف، فأغلق الهاتف سريعًا ومسحها في عنف وغضب مخنوق، ضغط على عينيه بكفيه يرفض الضعف فقد أظهر ما يكفي منه طوال حياته، حتى أصبح كالمجند الذي تربى على الضعف والمهانة بحجة تقويته ليكون أقوى الرجال.
خرجت منه ضحكة ساخرة مختلطه بزمجرة حاقده فحتى كلمة رجل مسحت من قاموسه وانتهى به الأمر كالحيوان المساق لا يقدر على فتح فمه وإلا كان العقاب ليطوله ويطول معه والدته قبل اشقائه فقط لإثبات قوة مظلمة.
والمبرر كان إن القسوة تربي الرجال ولكن الأمر كان أشبه بتكتيك إرهابي مريض أفقده كل ما يملك من مشاعر فصار كالفأر يختبئ في كل مكان يخشى إلقاء الضوء عليه حتى بين أصدقاءه كان وحيد صامت يخشى العقاب.
واخيرًا حين آتته الجراءة واتجه للتجارة كمرمى للابتعاد عن والده لم يصدق الحظ الذي حالفه ورماه من قريته الصغيرة إلى القاهرة ليمتلك دكانهُ الصغير ويبدأ تجارته ولكن كما يقال الحلو دائمًا لا يكتمل.
فقد ظهر والده في الصورة بسلاح الأصول والاحترام فيمضي على عقد احلامه وممتلكات ما شقى به باسمه، وقتها كاد يثور وينتفض بأنانية امتلاك ما هو حقه وقد عثر اخيرًا على ذاته ولكنه الأكثر دراية بالعقاب، فصمت كالعادة خوفًا على والدته واشقائه من بطش والده.
تنهد في أسى واشعل محرك السيارة، لا يزال يتذكر حين رفض الزواج من ابنة صديقه فثار والده ولكنه صمت، شعر وقتها “أحمد” بالانتصار وبأنه اخيرًا استطاع الابتعاد وكسر الحاجز وبأنه أصبح قادر على فعل ما يمليه عليه قلبه حتى انه ذلك اليوم استطاع النوم دون دواءه الذي يلازمه منذ كان في السادسة عشر من العمر.
ليتفاجأ بعد شهرين بأن والده منع شقيقته من إكمال سنتها الدراسية مقررًا انهاء رحلتها التعليمية كعقاب خفي تلقّاه هو، لتنهار كل احلامه ويزول شعوره الوهمي بالانتصار فينكسر أكثر وأكثر.
وأين صار به الحال؟
صار شابًا في التاسعة والعشرون من العمر عازب غير قادر على الزواج أو بناء أسرة ولا يزال مرهونًا برغبات ومتطلبات والده حتى عائلته لا يستطيع التواصل معها حتى يتزوج وان لم يفعل سيأخذ والده المحل بشكل قانوني ويقطعه من الأهل للأبد، جالت ريم في عقله فكل ما يحتاجه الآن هو الاستماع لصوتها قبل أن يجن، رفع هاتفه يحادثها وانتظر قليلًا حتى أتاه الرد فلم يمهلها وقال في كسره:
– أبويا حالف طلاق على أمي انها متردش عليا ومش مصدق اني خطبتك من الأساس،
مش عايزك تردي او تديني حل عايزك تسمعيني وبس.
ابتلعت “ريم” اجابتها وصمت هو في حسرة قبل ان يخبرها في صوت مهتز المشاعر جريح:
-أنا بحبك رغم اني انسان مش سوي ومريض نفسي بس انا والله العظيم بحبك متتخليش عني يا ريم عشان صدقيني هتبقي القشة اللي كسرت ضهر البعير.
– أحمد انت سايق العربية ليه وانت في الحالة دي ممكن تركن عشان نعرف نتكلم.
سألت ريم باضطراب وصوت منخفض وقد تأهبت حواسها للأصوات من حوله فأجابها بتهكم:
– خايفه على ايه ياريت اموت وارتاح من الهم اللي انا فيه ده.
– انا مش هقدر اساعدك طول ما انت راعبني عشان خاطري وقف العربية دلوقتي.
تشنج جسد ريم وهي تضغط على طرف ثوبها في خوف حتى سمعته يفعل ما تريد فهمست:
– متشكره يا احمد، ممكن بقى تسمعني أنا كمان؟
– إتكلمي انا سامعك.
– اولًا انت مش مريض نفسي انت أحسن إنسان في الدنيا،
ثانيًا قريب اوي مشكلتك مع والدك هتنتهي انت لسه معاك ست شهور قبل ما تكمل التلاتين سنة يعني المحل لسه في أمان.
ضحك أحمد في سخرية قائلًا:
– أمان … ايه الكلمة الغريبة دي؟
– احمد مش وقت تهريج.
قالت من بين اسنانها فاستكمل في حدة:
– التهريج بجد اني خليته يكسرني لما كتب أكل عيشي باسمه وسمحتله يهددني بيه لو ماتجوزتش وكل ده عشان عايز حفيد،
متخيلة الراجل اللي من غير مشاعر وميعرفش معنى الأبوة عايز حفيد!
قاطعت ريم في لهجة مستنكره:
– تفكير ابوك وتصرفاته المجنونة مش ذنبك.
– لا ذنبي لإني كنت ولازلت ضعيف قدامه، كان هيجرى ايه لو سبتهم كلهم يولعوا،
ده حتى أمي معندهاش الشجاعه تكلمني.
– ما تلومش عليها يا احمد أمك ست وضعيفة وابوك مفتري طول عمره.
– انا بكره كلمة أبوك أو كلمة أب.
صمتت ريم عاجزه عن الإجابة ومر صمت مريح بين كلاهما قاطعته هي بحنو:
– احسن دلوقتي؟
– الحمدلله، أنا آسف اني بزعجك كل شوية بس كل ما بحس ان الدنيا بتضيق عليا واني بتخنق مش بلاقي غيرك اكلمه.
– اخص عليك متقولش كده إنت تكلمني أي وقت، يلا روّح على طول وسوق كويس وابقى طمني لما تروّح.
قالت ريم وابتسامة صغيرة ترتسم على فمها بينما تعود للاستلقاء بجوار عُمر النائم لكنها اختفت ببطء حين سأل أحمد بخفوت:
– متخليش ريان يخدعك من تاني، هو عايز يستغلك مش أكتر عشان ابنه ومتنسيش انه مكنش عايز يخلف منك…
– احمد ارجوك متندمنيش اني حكيتلك تفاصيل خاصة عن حياتي في لحظة ضعف وحزن،
موضوع الاولاد ده كان قراري قبل ما يكون قرار ريان فأرجوك انساه ومتقلقش انا أقوى مما تتخيل، ريم بتاعت زمان انتهت.
قاطعته ريم في حنق فوصلتها ضحكة خفيفة تخالط تنفسه وهو يؤكد لها:
– ريم عمرها ما هتنتهي ريم بتاعت زمان خايفه ومستخبيه جوا لحد ما يجي اللي يقدّرها.
تنهدت بقوة وأسى قبل ان تقول بصوت منخفض:
– تصبح على خير يا احمد.
– وإنتِ من أهل الخير.
اغلقت الهاتف وظلت تطالعه في صمت ووجوم ف ريم المختبئة داخلها تحاربها ولا تنتظر من يقدّرها بل تنتظر من امتلكها ليأتي ويختطفها من جديد.
-عشم إبليس في الجنة يا ابن بياعة الجزر.
قالت في نبرة هادئة متوعدة فأجفلها صوت “عُمر” بجوارها:
-مالك يا ريم؟
-مفيش يا حبيبي كمل نومك.
قالت وهي تستلقي بجواره وتقبل جبهته فأبتسم مطالبًا:
-طيب ممكن تغنيلي قلبي سعيد.
ابتسمت ريم وهمست في طفولية:
-من بين كل الأغاني دي بس اللي دماغ حضرتك فكراها انت قديم زي ابوك ليه كده يا واد انت.
خرجت همهمات ضاحكة من بين شفتي عمر الذي تعلق بأحضانه يخفي رأسه في صدرها مؤكدًا:
-بحب صوتك فيها.
قابلته ريم بصوتها الحنون المليء بالشجن وهي تسترسل في غناء أغنية “وردة” المحفوظة عن ظهر قلب في مخيلتها بصوت والدتها رحمها الله، غير منتبهه لذلك الظل القابع خلف باب الغرفة يستمع في شوق إلى ألحان صوتها المغرد على أمل ان ينطفئ الصراع النفسي داخل صدره ما أن سمعها تحادث أحمد.
وقف “ريان” في مكانه فاقد القدرة على التنفس يميل به صوتها الخافت المتراقص بالأنغام فوق الزمان حتى تدرج في خفوت بعد دقائق دامت طويلًا وساد السكوت بنومها.
ابتعد في بطء وهم العالم أجمع فوق أكتافه متجهًا إلى غرفته فجلس فوق فراشه ثم جذب إحدى سجائره ينفس فيها غضبه واشواقه وعقله مشتت بين يساري متفتح يحثه على منحها مساحتها لاكتساب ثقتها الذي فقدها بخبث ويميني متطرف يصرخ كالشيطان في اذنه كي يهشم رأسها وعظامها فلا تحادث رجل غيره.
ضرب على صدره يشعر باختناق متسائلًا كيف انتقل من شخص استحواذ على كل تفكيرها إلى انسان لا تطيق لمح طيفه، تذكر وقت كانت تنتظره بالساعات حين كان يتأخر في العمل أثناء مهمته بمتابعة إنشاء الفرع الجديد كمهندس له منصبه الإداري داخل الشركة وتطوعه لهذه المهمة المنسوجة على أرض الوطن على أمل تطبيع صغيره بأهل بلده كي لا ينشأ كالغريب في الخارج بلا فهم لأصول حياتهم في مصر.
مهمة يشعر بالامتنان لها لأنها سمحت له بالانتباه إلي ريم تلك الشابة التي كانت تجول حوله وحول صغيره حتى خلبته قلبه وسرقت صوابه، ابتسم متذكرًا غنجها وابتسامتها الرائعة المشاكسة كلما علد من العمل.
***
ولج “ريان” إلى المنزل بعد العشاء يشعر بالإرهاق والألم الجسدي من الوقوف طيلة اليوم في مقر العمل، تنهد في راحة وهو يلقي بأغراضه ويخلع قميصه ثم ابتسم حين انتقلت عيناه لتلك الراكضة في حماسه كالفراشة نحوه وذلك المشاغب الراكض من خلفها.
-وحشتنا يا بابي.
خرجت انفاسه من صدره في رضا ودفئ بخروج كلمة “بابي” منها وهو يلتقط جسدها ويضمها نحوه مقبلًا عنقها مجيبًا إياها في نبرة صادقة مهلكة:
-وانتوا كمان وحشتوني.
مال يساعد صغيره على التسلق فوق جسده فيضم كلاهما في آن واحد قبل أن يتساءل:
-أيه الريحة الحلوة دي؟
-دي ريحة الغدا، يلا عشان هنموت من الجوع.
تركها تمسك ذراعه وتدفعه للداخل نحو الطاولة بينما يحمل الصغير جيدا فوق ذراعه ثم قال مستنكرًا:
-غدا؟
انا مش قولت قبل كده متستننيش على الأكل، بتجوعي نفسك ليه؟
احمرت وجنتها في خجل وهزت كتفها في لا مبالاة هامسة:
-عادي مش بعرف أكل لوحدي.
شعر بعيونها تنطفئ وهي تحاول الانفلات من اصابعه والجلوس فجذبها خطوة نحوه ليستقر بشفتيه فوق جبينها هامسًا في خشونة محببة لقلبها:
-أنا كمان بحب أكل معاكي بس بطلي دلع ولما اتأخر متستننيش تاني،
ولا الهانم عايزة الناس تقول اتجوزتك عشان اجوعك.
ضحكت في خفوت وهي تحارب خجلها اللامتناهي وتمد ذراعيها لحمل عمر كي تضعه في مقعده جوارها وهمست في دلال:
-هنشوف.
كانت كشعلة نشاط متوهجة اصابعها تتطاير على طول المائدة بين اطعامه واطعام نفسها وطفله، كانت طفلة تُسكنه قلبها وتفوح منها رائحة العائلة والحميمية.
ارتفع جانب وجهه في ابتسامة راضية تلتها غمزة مشاكسة حين اشتعلت وجنتيها في خجل وترقب لما تخبرها به اللمعة في حدقتيه السوداء وحين انتهى العشاء أخذ “ريان” وقته لينهي حمامه الدافئ على أمل ان ينام عمر المتطلب لبقائها في احضانه الليلة كي يملي شوقه من طفلة الريم خاصته.
خرج عاري الصدر مرتدي سرواله القطني فقط بينما يمسح فوق رأسه بالمنشفة واستقر على نهاية الفراش منتظرها ولكن انتظاره لم يدم طويلًا حين دخلت “ريم” بابتسامتها الخلابة والحمرة المشتعل في وجنتيها تحايله وقالت في ارتباك:
-عمر نام خلاص، هتنام انت كمان؟
ترك ما بيده واتجه نحوها في خطوات ثابتة رغم اللهفة التي تغمر صدره، رفع كفه يحاوط جانب وجهها في حب ومال يقبل جبينها في شغف، ابتعد يناظر عيناها الواسعة ببراءة قاتلة وكالعادة سرقت نبضاته من جديد حين همست في تضرع:
-بحبك.
أغمض جفونه مستمتع بتخدر أوصاله بكلمتها تلك ودون كلمة أخرى مال يقضى على المسافة بين وجهيهما ويعبر عن حبه في قبلة ضارية حميمة نسى فيها الخدر ونست هي فيها الخجل.
***
عاد “ريان” من ذكرياته على صوت أنفاسه المضطربة فأغمضت عيناه بقوة قبل أن يلقي بجسده للخلف فوق الفراش ويهمس للهواء في لوعة:
-بحبك….
لدرجة ان قلبي بيتحرق طول اليوم ويرجع يستنى الليل يداويه عشان يقدر يتحرق في حبك من تاني.
كلما عاد تفكيره لما اخبرها به أحمد يسأل نفسه كيف لم ينتبه لحاجتها لكلماته بل كيف لم ينتبه انه لم يترجم تلك المشاعر على لسانه يومًا ولكن كيف سيفعل وقد كانت ترسم له حياة سعيدة وردية تخطها بأناملها وتغدقه بمشاعرها فلما تفعل وإن كانت تشك في محبته لها.
كان يخجل من الاعتراف بمشاعره نعم يعترف انه كان بلا خبرة تُذكر في عالم الحب وقد كانت ريم امرأة بروح طفلة عاشقة للحياة ولا تعرف معنى القيود فكان يخشى الانسياق في عالمها المنسوج بالمشاعر ونسيان واقع ان عليه لعب دور الأب قبل دوره كزوج لها.
وبذلك تقلب على يمينه يتمنى النوم وهو يحتضن وسادتها التي أصبحت تخلو من رائحتها بقلب ينتفض شوق ولوعة بين ضلوعه.
******
في ذات الوقت بإحدى دول الخليج جلست “ليان” داخل منزلها تشارك صديقتها حسائها الساخن فقاطعت رويدا الصمت بسؤالها:
-بس مش غريبة اخوكي يطول في خصامه كده ما انتي اعتذرتي وعرفتي غلطك من زمان.
رفعت ليان الوعاء من على فمها وبانزعاج لجأت لعلبة سجائرها على الطاولة منهيه وجبتها مجيبة إياها في سخرية:
-هيعمل ايه الاعتذار مع ريان انتي متعرفيش اخواتي مش بيسامحوا بسرعة!
-ليه يعني؟
زفرت ليان الدخان في غضب قائلة في ضيق:
-بطلي اسئلة تقهر فيا كفاية الهم اللي انا فيه.
لوت “رويدا” شفتيها بفضول وهي تجذب السيجارة من يدها تنفخها فقالت ليان في تهكم:
-انتي بتشربي سجاير من امتى؟
-مش بشرب لقيتها في ايدك قولت اجرب.
قالت رويدا في صدق فجذبتها ليان من بين أصابعها بشيء من الحدة مستنكرة:
-بطلي فضولك ده، انتي ايه مش بتتعلمي مني ومن فضولي؟
اديني قدامك شوفي فضولي مشاني ورا واحد ضحك عليا واستغل سذاجتي وعلمني السجاير وعرفني الشرب.
لوت رويدا شفتيها مرة أخرى وقالت موبخه:
-على فكرة بقى مش ذنبك انه طلع ندل انتي كنتي بتحبيه عشان كده عملتي كده.
ضحكت ليان في مرارة وخرج منها نفس حارق وهي تخبرها:
-يا ريت كنت بحبه انا كنت واهمه نفسي بكده وبقنع نفسي ان كل حاجة ماشية صح،
والنتيجة ايه مصدقتش قلبي وسيبته يضحك عليا بكلامه وان ريم مرات ريان مش هتخلي يرجعني هنا تاني واني هفضل مع بيجاد طول العمر .
انهت ليان جملتها وتفكيرها يعود لذلك الأسمر الذي سرق قلبها من زمن بعيونه المكحلة بالغموض.
-انا أموت وأعرف بقى ليه بيجاد عاملك بعبع في دماغك؟
رمشت ” ليان” ونظرت لصديقتها قبل ان تفرك وجنتها وقد تذكرت صفعت “بيجاد” لها حين كانت تبكي وترثي والدها محذرًا إياها بإظهار ضعف أمام الناس القادمون لتأدية واجب العزاء يومها خلق داخلها شعور غريب نحو الجميع شعور مرعب، جذبت نفس أخر وزفرت في حدة وهي تجيب:
-بيجاد اخويا طيب بس مجنون، لو عاشرتيه هتعرفي ان اللي يعيش معاه يبقى لازم يشيل كفنه على ايده.
مالت صديقتها نحوها تجذب السيجارة من اصابعها وتطفأها في تحدي قائلة:
-مش عايزة اشوفك بتشربيها قدامي بتفكرني بجوزك المقرف، كملي وعملك ايه بيجاد لما ريان سافر اول مرة.
ارتفع جانب وجهها في تهكم فلو علمت صديقتها ما اراده نادر ان تفعل لاقتلعت عيناه بيدها، تنهدت ليان ثم أكملت ساخرة:
-زي ما تقولي كده كنت بخاف اتنفس في البيت وانا لوحدي من غير ريان،
ولو حد عاكسني في المنطقه وبيجاد عرف كان بيكسر عضمه يعني باختصار كان مربيلي الرعب وحاسه انه يا هيموتني يا هيوقف حالي طول ما انا جنبه.
حركت رويدا فمها لليمين واليسار بعدم رضا متشدقه في نبرة متعجبة:
-ده ربنا يكون في عون مراته.
طأطأت “ليان” بنفي وهي تعتدل بأريحيه على اريكتها مخبرة إياها بتأكيد:
-لا خالص، وسام دي طول عمرها خط أحمر عند بيجاد ده بيعشق تراب رجليها.
-سبحان الله، عقبالك وعقبالي.
-عقبالك أنتي، كفاية اللي خدته وسففني التراب.
قالت ليان ساخرة وهي ترفع كفيها في الهواء باكتفاء فضحكت رويدا وأكدت:
-لا ان شاء الله تلاقي اللي يهنيكي ويسعدك يا بنتي.
هزت ليان رأسها دون جدال فسألت “رويدا” في خفوت:
-هو فاضل قد ايه وعده طلاقك تخلص؟
-اسبوع وورقتي هتكون عندي الباشا مستني اديله المبلغ اللي عايزة الأول.
قالت ليان وهي تستقيم وتحمل الأطباق للمطبخ فاتبعتها رويدا واستطردت:
-ايه ده انتي عرفتي تجمعي الفلوس؟
-لا طبعا استلفتهم من حد واتفقت ارجعهم على مهلي زي قرض كده.
قالت “ليان” في حسرة فضربت “رويدا” كف على الأخر وقالت في استنكار:
-يا بنتي كلمي اخوكي وخلي يساعدك بدل الهم ده بلاش عناد.
-عناد ايه يا رويدا هو بيرد عليا اصلا!
هتفت “ليان” في حده فوقفت “رويدا” امامها ويداها فوق خصرها قائلة:
-لو بعتيله رسالة انك في ضيقه ومحتاجه اكيد هيرد، اخوكي مش هيتخلى عنك صدقيني مهما كان زعلان.
-انا مش هطلب حاجه منه يا رويدا كفاية اللي حصل، سيبيني اتقبل العقاب على ذنوبي من سكات.
-ذنوبك مرة واحدة، فوقي يا ماما انتي كنتي مجرد واحده لا ليكي اب ولا أم وخايفة من الدنيا،
دي غريزة الحياة اللي وصلتك لكده والحاجة الوحيدة اللي اذنبتي فيها انك وقعتي بين رييان ومراته غير كده لا.
-اسكتي يا رويدا ارجوكي.
همست “ليان” فزفرت “رويدا” في اعتراض وكادت تمطرها بوابل من التوبيخ فأوقفتها “ليان” محذرة بصوت منفعل:
-اقفلي الموضوع والا هرجعك سكنك تاني، انا اللي ضربني في دماغك واقولك اشتركي معايا في السكن يا بت انتي!
-ماشي يا ليان هعدهالك انهارده عشان ورانا شغل بدري انجري قدامي واتخمدي يا أم عقاب.
قالت رويدا وهي تدفعها نحو الغرفة، حركت ليان رأسها بقلة حيلة وسبقتها للنوم متمنيه ان يأتيها بالفعل
“فرط الحب”
الفصل العاشر:
– يخربيت دماغك جننتي الراجل.
أبرتها وسام في ذهول فابتسمت ريم في رضا مؤكده:
– هو لسه شاف جنان، ده يا ويله مني!
– يلا مش خسارة فيه عشان يتربى ويعرف ان الله حق بعد كده، بس خدي بالك احسن ينفجر في وشك انا عارفة المجانين اللي عندنا.
انهت وسام جملتها محذرة فردت “ريم” في سرعة:
– لا إنتِ فاهمه غلط مفيش بعد كده، انا بربيه بس لحد ما يطلقني.
– شوف إزاي، بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟
سألت “وسام” في هدوء ماكر، فعضت ريم شفتيها وهي تجيبها في عناد:
– قصدك إيه؟
اجابتها وسام في ثقة وسرعة:
– قصدي انك بتحبي ريان ومش هتقدري تبعدي عنه لا هو ولا عُمر، صح ولا لا؟
– بس هو قدر يا وسام، خلاص حتى لو صح معدش ينفع ابقى معاه.
غامت عيون ريم في حزن ما ان انهت جملتها فتنهدت “وسام” مردفه بشكل صريح:
– اقولك الصراحة متزعليش مني؟
هزت ريم رأسها انها لن تراها وهمست:
– مش هزعل قولي.
– إنتِ اللي غلطانه.
– انا اللي غلطانه؟ بعد الحب اللي حبتهوله ده كله وانا اللي غلطانة يا وسام.
– يا بنتي افهمي .. الرجاله دول كائنات متوحده معندهاش قدرة على الاستيعاب وفكرهم ان الحياة دايمًا عادي وسهل،
وإنتِ كنتي بتحبي ريان بدون اي مقابل وده في حد ذاته غلط لأنك كده بتبوظي الراجل بفرط تدليلك زيه زي العيل الصغير بالضبط مهما كانت طبيعة الراجل اللي معاكي دي ايه.
رمشت ريم عدة مرات واعتدلت في جلستها تحاول استيعاب ما تخبره به وسام:
– تقصدي إيه، اني حبيته بزياده وهو مش بيحبني؟
– لا يا غبية، الفكرة انك اديتي ومستنتيش مقابل، خلاص حُبك بقى شئ مضمون وتلقائي هو متوقعه منك ومش حاسس بتهديد او انه لازم يعافر عشان يحافظ عليه،
لعلمك ريان بيحبك وبيموت فيكي كمان لانه لو مش بيحب مش هيسمح انك تبيعي وتشتري فيه كده.
تنهدت ريم تخرج مكنونات صدرها في قهر متسائلة:
– وسام اوعي تكوني بتلعبي بعقلي عشان خاطر ريان.
– يووه عيب عليكي مكنتش هاجي واقولك من الأول ان ريان هيتجنن واصالحكم،
طيب فكري فيها كده إنتِ شوفتي ريان سكت لحد على حقه قبل كده؟
اه مش بيجيبه بدراعه بس بردو بيلف يلف وبيرجع يجيب حقه صح ولا ايه؟
حركت ريم رأسها برفض وقالت بنرة خفيضة:
– انا مش عايزه أعيد غلطتي تاني يا وسام حتى لو بحبه، انا واخده قراري اني هكمل مع احمد.
– بس إنتِ كده هتظلمي أحمد معاكي لان قلبك مع ريان!.
– احمد عارف ومعندوش اي مشكلة.
اخبرتها ريم وهي تستقيم تحاول السيطرة على ثوران قلبها المتدفق داخل صدرها مطالب اياها بالمسامحة فهتفت وسام في حده:
– أفندم؟
ارتبكت ريم لكنها أجابت في جدية:
– بصي الموضوع صعب تفهميه، بس انا واحمد أقلمنا نفسنا ده غير انه محتاجني ومقدرش اتخلى عنه.
ضحكت وسام في تحكم وقالت ساخرة:
– احنا هنخيب ولا ايه؟
ريم مش معقول هتخسري نفسك وجوزك عشان أحمد ومش هقول حرام تفكيرك ده اصلًا لأن الظروف اللي وصلتك لكده بس اللي يرضى يتجوز واحده وعارف ان قلبها مش معاه يبقى لامؤاخذه مش راجل.
– وسام قفلي على موضوع أحمد لو سمحتي.
تنهدت وسام لكنها قالت مؤكده:
– انا مش هضغط عليكي، بس نصيحتي ليكي متدمريش حياتك عشان ظرف وعدى الانسان كله اخطاء،
هما مش بيقولوا بردو العبرة في النهاية بصي نهاية ريان فين بعد الظرف ده وفكري في كلامي كويس.
اغمضت ريم جفونها وهمست في نبرة متوجعة:
– وجعتي قلبي تاني يا وسام حرام عليكي.
– سلامة قلبك يا حبيبتي، انا مش بتمنى غير انك تعيشي سعيده وسعادتك مع ريان وعُمر مهما حاولتي تهربي منها، اسيبك بقى قبل ما تقفلي في وشي مع السلامة.
أنهت وسام جملتها بضحكه خفيفة صادقة تخفف صدى كلماتها في روح صديقتها فأجابتها ريم في نبرة محبطة:
– مع السلامة.
تنهدت ريم في حرارة، لما لا تعيش كباقي الخلق دون اي أحداث دراماتيكية او تعقيد، فمن جانب تحارب لنسيان ريان الذي يعبث في دواخلها دون هوادة ومن جانب آخر ضميرها معلق بأحمد الذي قدم لها الكثير ويستحق منها الكثير والكثير.
أغمضت عيونها بإصرار فعليها الثبات مهما اهتزت الأشياء من حولها فما تفعله الان سواء عادت ام لم تعد يصب في حق ذاتها،
فكلمات وسام حقيقية لقد اهملت حقها في الحصول على ما امتلكته وتنازلت عن رؤية لوعته تجاهها وقتها، ولكن لا مزيد من ذلك فقد حان وقت المحاربة كي تعتز بذاتها، لتقف في يوم من الأيام تصرخ بأنها روح مقاتلة وصلت وحدها لأقصى درجات الثقة.
*****
بعد منتصف الليل وقف ريان أمام باب غرفة عُمر الذي ينعم بالنوم مع زوجته يصارع ذاته كي لا يقتحمها في جنون ويدخل كلاهما في حالة من السرع يستحقانها بشدة لما يفعلاه به.
– ماشي يا عُمر نام.
الندم .. شعور قاسي متحجر لم يعهده من قبل وأكثر ما يندم عليه هو انه حرم نفسه بأفعاله من حقه في التبرير، فينتهى به الحال غير قادر على الدخول في حوار مباشر معها دون ان تتصدى له متعمدة ايلامه، بل أحقر من ذلك فقد انتهى به الحال يقف على باب غرفة طفل لم يبلغ الخامسة من العمر بعد منتظر اشارة ومصيره شبة ملقى تحت رحمته.
استدار للمغادرة وقد هاجمته تداعيات الإحباط والقهر حين استوقفه صوت أنين صغيره المتألم للحظة كاد ينسى اتفاقهما ويقتحم الغرفة في هلع لكنه تدارك الموقف وهرول عائدًا إلى غرفته كي يتصنع الغرق في النوم.
وكما ظن دقيقة وشعر بالباب يُفتح وبضربات قدمها الصغيرة تقترب من غرفته، اخفى ابتسامه وحاول تمالك دقات قلبه حين اشغلت الضوء واقتربت تهز جسده في قلق قابله بوضوح على وجهها ما ان فتح عينيه يطالعها ولكن مناداتها البسيطة تؤكد له بأنها تخشى ان تفزعه على صغيره…
طفلته رقيقة القلب، كم يهواها…
رمش عيناه ببطء وهمس في صوت اجش يرافقه عندما يصحو فبرع في تأديته:
– مالك يا ريم.
– متتوترش بس عُمر بطنه وجعاه وعايزك تروحله.
اتسعت عيناه وهو يرسم ملامح الهلع قائلًا:
– ايه … عُمر ابني حبيبي تعبان!
هتف بنبرة مرتعبة ثم قذف الغطاء وركض خلفها ككتله مشتعلة تتناثر بالسعادة الخفية والترقب، جلس بجوار طفله الممسك ببطنه قائلًا:
– مالك يا عُمر يا حبيب بابا؟
ضيق عُمر عيناه وهمس في نبرة متعبة:
– بطني بتوجعني يا بابي وعايزك تفضل جنبي.
– طيب عشان خاطري خد الحقنة دي وهتبقى زي الفل.
قاطعت ريم المشهد الأسري ذا الطابع المسرحي المميز وهي تمد اصابعها بحقنة ممتلئة بدواء للمعدة فلكز عُمر المرتعب والده الذي تشدق في ارتباك:
– لا استني.. اصل… اه هو انتي متعرفيش ؟
الحقنة دي عُمر عنده حساسيه منها وبيني وبينك بلاش، دوا افضل عشان يكتسب مناعة دلوقتي هيخف لوحده.
قال ريان في سرعة وهو ينظر إلى اسم العلبة المرمية فوق الطاولة بجدية فنظرت لهما ريم ببلاهة ثم نظرت للإبرة المدببة قبل ان تجيب بإصرار:
– حساسية ايه يا ريان ما انا طول عمري بدهاله.
– حساسية جديده جاتله لما سافرنا اخر مره.
وضعت ريم الدوا جانبًا ورفعت ذراعيها في الهواء موبخه في انزعاج:
– طيب اتفضل اتصرف انزل هات للولد دوا بطنه بتوجعه أوي.
– لا انا حاسس ان الوجع خف شويه صح يبابي؟
– صح طبعا، شوفتي اهو صح اهوه.
استطردت ريان وهو يحرك كتفيه ورأسه بتعجب فانكمشت ملامح ريم في استنكار ومالت بجوار الصغير من الناحية الموازية لوالده سائلة:
– عُمر إنت متأكد انك خفيت شويه إنت كنت موجوع جامد من شويه؟
– اه انا بس عايز بابا ينام جنبي انهارده.
شعرت ريم بشعره غيرة تتملكها لكنها ابعدتها سريعًا وهي ترمق ريان بطرف عيناها قائلة في نبرة هادئة حنونه :
– ماشي يا حبيبي لو احتجتت حاجة ناديني.
استقامت للمغادرة فنفض ريان صغيره الجلوس يحثه بعينيه على الحديث فأطاعه الصغير الذي هتف في نبرة عالية نسبيًا:
– متسبنيش… اقصد خليكي انتي كمان جنبي.
أنهى جملته بنبره اخف حده ممسكًا معدته بينما يناظرها بكل براءة وألم، شعرت ريم بالاضطراب وتوقفت تجذب عده أنفاس فقطع صوت ريان عجلة افكارها:
– حرام لما بيتعب بيبقى عايزك جانبه.
حدقته ريم بنظرة مريبه وهي تنقل نظراتها بين ريان وعُمر تشعر بأمر غريب لكنها استسلمت وهي تتجه نحو الفراش ليستقر عُمر في أحضانها يمسك بخصرها بينما يحاول ريان البقاء على الطرف البعيد محاولًا الظهور أقل تهديدًا بجسده الضخم مستحضرًا كامل سكونه في براءة رعناء.
كان يشعر بتصلب عضلات جسدها الرقيق من مكانه، وقف من مكانه فانتفضت نصف جالسة تطالعه بعيون متسعة وكأنها تتوقع انقضاضه عليها، لكنه تجاهلها متعمدًا عدم النظر نحوها واتجه بهدوء يغلق الضوء ويعود لمكانه من جديد مستكملًا حيلته التمثيلية.
احمرت وجنتيها وعادت تستلقي بجوار عُمر الذي يطالعها بتساؤل صامت فربتت على رأسه وضمته أكثر، رمشت في الظلام تحاول رسم خطوط جسد ريان وعيونه من بعيد في توجس وفضول وحين فشلت حاولت الاستسلام للنوم متخليه عن شعورها الحارق بأن حدقتاه السوداء تمر فوق جسدها كالحمم البركانية.
ازدردت ريقها وزادت في ضم عُمر إليها مذكره نفسها بوعد القوة انتقلت اصابعها فوق معدته تدلكها بخفه دون شعور ترغب في منحه راحه تلقائية وبعد وقت طويل من اندماج الواقع بالخيال سرقها النوم لتبدأ دوامة من الأحلام بطلها ذلك المستلقي في الركن البعيد،
لقد انتهى الواقع فلماذا لا ينتهي الشعور؟
لم يتحرك “ريان” إنشًا من مكانه لكنه لم يستطع منع عيناه عن التعلق بظلالها المرتسمة في الظلام أمامه فحواسه تتحدى بعضها في الشعور بها بين انفاسها المرتاحه بعمق ثباتها وحركة جسدها الخفيفة بين الحين والآخر.
يشعر بحماسة تتملكه ولأول مرة منذ انفصالهما يجمعهم فراش واحد قد يبدو تفكير سخيف لكنه دافئ للغاية يغذي روحه المشتاقة، حرك جسده يقترب قليلًا منهما حتى التصق بصغيره ثم مد أصابعه بخفه يلامس جسد صغيره ويمررها لتستقر فوق خصرها انغلقت قبضته ثوان أشد من اللازم لكنه بسطها سريعًا كي لا يوقظها وشعور شبه كامل بدأ يتملكه ويخطفه في ثبات عميق، فعليه النوم جيدًا فالخطة على وشك التنفيذ.
*****
في مكان أخر تقلّب أحمد في فراشه يتوسل للنوم دون جدوى نظر لعلبة دواءه من جديد في حيرة لقد تناول ضعف الكمية اليوم دون جدوى فعقله منشغل يرفض التوقف عن التفكير، نظر لهاتفه مرة أخرى وجزء منه يدفعه للاتصال ولكنه يخجل ويخشى عليها.
والجزء الآخر يقنعه بأن لا يخشى وأن يعجّل بتخريب علاقتها بريان، حرك رأسه في رفض فالعلاقة بينهما منتهيه لا محال فقط يعطيها الوقت لتقرر وقلبه يؤكد له بأنها لن تتخلى عنه على الأقل هو لن يسقط دون مقاومة فلا داعي لكشف جميع أوراقه الآن.
تقابلت عيناه بالدواء مرة أخرى ثم زفر يمد أصابعه متذكرًا تحذيرات صديقه منذ زمن طويل حين اقترح عليه ذلك المهدأ كي يتغلب على وساوسه ويتمكن من النوم قرير الأعين كطفل، خرجت منه ضحكة قويه على الجملة التي خرجت من صديقه صاحب الثامنة عشر من العمر
صحيح لم يكن صديقًا مقربًا لكنه كان قريبًا له من ناحية أخرى فكلاهما له شياطينه المؤرقة لحياتهما وكلاهما عاجز عن الحياة والتأقلم الطبيعي بين البشر.
ارتفع جانب وجهه ساخرًا من سذاجته في سن السابعة عشر من العمر فقد انبهر وقتها وصدّق بأن الدواء سيعالجه ويقدم إليه سبيل للهروب والراحة، لن ينكر انه منحه سْكون غريب مؤقت لكنه بمرور الوقت تراجع حتى يكاد ينهار.
حتى انه لجأ للمقولة القائلة بأن استخدام ذات العلاج لأكثر من فترة يُكسب الجسد مناعة واتجه لصيدلي فاسق كاد يقنعه بتركه والاتجاه للمخدر، إلا انه لم يفقد عقله لهذا الحد واقنعه بان يعطيه البديل، ولسخرية القدر لم يفلح معه شيء فبعد شهر دام من العذاب عاد لعلاجه الأول.
وهكذا كلما شعر بجهازه العصبي ينهار يتجه لتغيير العلاج فترة يتحمل قسوتها ثم يعود لعلاجه الأساسي فترضى نفسه وكأنه إدمان من نوع ما لا يجد الراحة في سواه.
– راحة وماله.
همس في الهواء متهكمًا فهو لا يحتاج لهذا النوع من الألم والعذاب اليوم فهو بحاجه لكامل قواه العقلية كي لا يخسر معركته المصيرية لقد ظل خاضعًا طويلًا وحان وقت المحاربة للحصول على ما يريده مرة في حياته، صبرًا صبرًا وسترضى …
طمئن نفسه قبل ان يتناول جرعة ثالثة فداخله يقف ساخرًا أي حياة تخاف عليها فالموت أفضل وأهدأ بكثير.
*****
اقترب أكثر يلحق بدفئها فوصلته ضحكاتها المغردة وهي تنطلق راكضه تلاعبه من بعيد تتحداه للاقتراب، علت أنفاسه وساقه الطويله غير كافيه لكي يمسك بها فكلما اقترب انسابت أكثر كالهواء من بين أصابعه، ركض خلفها في لهفة دون ان يصل إليها فقد كان كالمطرود من الجنة.
دقات قلبه تزداد فصار يسمعها في جسده وليس أذنه فقط، ضربات خفيفة متتالية تزداد فوق صدره، تحركت جفونه قبل أن يرمش مرتين ليستوعب أين هو ولماذا طفله يحملق به ملصقًا رأسه في رأسه؟
رفع رأسه مرة واحده فوضع عُمر إصبعه الصغير فوق فمه ليلزم الصمت، عقد “ريان” حاجبيه في حيرة متسائلًا في همس منخفض:
– فيه ايه ؟
– هو ايه اللي فيه ايه؟
إنت جاي تنام ولا إنت عايز تشلني.
خطف نظرة نحو ريم النائمه ومال يخبر صغيره في صوت يغلب عليه النعاس:
– ما هي نايمة لسه؟
– بابي انا تعبت منك واعتبر اتفاقنا ملغي، انا كنت هاخد حقنة بسببك وإنت بتهرج.
– بهرّج!!
اعادها ريان على لسانه يستطعم التعجب فيها ثم انكمشت ملامحه في انزعاج موبخًا له:
– ماتهددنيش واحسن لك احترمني، انا اللي أبوك هنا.
– طيب يا بابي ممكن اعرف حضرتك هتعمل ايه دلوقتي، اديني دخلتك الاوضه اهو ممكن تصالحها بقى.
– دلوقتي بقيت حضرتك، ياااه فعًلا،
قوم اتفضل اطلع برا وانا هتصرف.
– يعني هتعمل ايه؟
سأل الصغير في اصرار واضعًا يداه حول خصره بانزعاج فجز ريان على أسنانه قائلًا :
– ملكش دعوة، خد التابلت واقعد في الصالة وسيبني هتصرف واياك تدخل.
– بابي متندمنيش اني ساعدتك.
اخبره الصغير في جدية وهو يرفع إصبعه في وجهه فدفع ريان يده في غيظ قائلًا في نبرة خافته يسكنها الحنق والغضب:
– اتكلم لحد ما تصحيها يا عُمر ومش لازم اصالحها النهارده.
زفر الصغير مغمغمًا بعض كلمات لم يفهمها ريان ولكنه لن يوقفه ويسأله بالتأكيد، وقف في هدوء يتابع خروج صغيره من الباب فامسك المقبض محذرًا إياه:
– متتحركش من قدام التلفزيون واوعى تدخل المطبخ او البلك…
قاطعه عُمر محركًا يديه في لا مبالاة مستكملًا في نفاذ صبر:
– عارف عارف مش هتحرك من مكاني، ممكن تخلصنا إنت بقى.
– هخلصك يا ابن الكلب حاضر.
همس ريان لنفسه متسائلًا متى صار عقل الصغير لاذعًا إلى هذا الحد وكأنه رجل صغير، ارتفع جانب وجهه في شبه ابتسامه وهو يحكم اغلاق الباب بالمفتاح لكنها سرعان ما اختفت حين استدار نحو النائمة كالملائكة في سلام.
لعق شفتيه في ترقب واقترب من الفراش بخطوات هادئة يحاول السيطرة على الطبول المشتعلة بين ثنايا صدره.
-شوفتي وصلتيني لايه؟
همس بها في نبرة يملئها اللوم والعتاب ثم خلع نصف بيجامته العلوي وعدل من خصلاته قليلًا فهو يعلم جاذبيته كرجل ولن يخجل في استخدامها فهي سلاحه الوحيد الذي لا يمتلكه غريمه ومركز تفوقه وسيحرص على تفعيله واستغلاله أشد استغلال.
شكر في سره نصيحة بيجاد بأن يفرغ الغصب الذي تملكه السنة الماضيه في الصالة الرياضيه لتزداد بنيته وتصبح هيئته أكثر رياضيه تلهث خلفها الحسناوات ولكن جسده وقلبه كانا منغلقان لا يرغبان سوى بطفلة الريم ذات الشعر المشعث.
عض شفتيه وهو يعود للفراش ويقترب منها أكثر وأكثر حتى صار جسداهما قريبان ووجهيهما متقابلان للغاية فان تحرك شعره سيلاصقها تمامًا أغمض عيناه بينما يجذب الهواء المحمل بعطرها في انفاسه مرات متتاليه.
انفتحت عيناه كي يراقب ملامحها عن قرب، جميلة هادئة مثيرة للسلام بل مثيرة لجميع المشاعر المهلكه، حرك عيناه فوق جسدها في شوق حارق.
خرجت انفاسه من صدره لتلاطم وجنتها فتنهدت وكأنها تستشعر قربه بل أفضل وكأنها تتمنى ذلك القرب، نفخ بخفه فوق وجهها بدون سبب أو مبرر ولكن قلبه يرغب بأن تتنفس هوائه مثلما يرغب هو في غمرها داخل روحه.
-ازاي مقولتش بحبك وجوايا كل دقيقة بقولها؟
همس مصرحًا فتحركت ريم ليتسمر مكانه ولكنه تفاجأ بها تقترب نحو جسده تلتصق به ثم تستقر بأناملها الصغيرة فوق خصره تقربه منها، توقفت دقات قلبه لثواني وظل متأهب في صدمة للمستها التي أججت نيرانه وتلاعبت على أوتار رجولته.
اهدأ كي لا تنهار مخططاتك حاول ان تستجمع افكارك ..
يا إلهي ماذا كانت الخطة من الأساس؟
تبخرت الافكار حين تحركت تتطلب دفئه أكثر وأكثر دون وعي منها فانتهت بوجهها فوق صدره ، عض على شفتيه يحتفظ بشعور ملمس شفتاها فوق قلبه المجنون الساخط، فقط هي تستطيع تحويله لمراهق أبله.
كاد يوقظه هذا التفكير ولكن همسة خفيفة تكاد تكون غير مسموعة انطلقت كالسهام تطيح بعقله وقلبه مفجره شوق عظيم وحنين كالحنين للماء في الصحاري القاحلة.
– ريان.
خرج اسمه اكثر تطلبًا وكأنه استغاثة من بين ثغرها المنفرج قليلًا فلم يشعر بذاته الا وهو يميل ليلثمها بفمه الكبير يلبي نداء يحرق فيه بشغفه الخوف والانكسار … ويبثها بالأمان وال…عشق…
قبله ايقظت داخله بركان من المشاعر المغلقة فصار كالغريق يبحث عن طوق النجاة داخل جوفها يبتلع آهات اجتازت خلاياه لتستقر في جوف صدره، فكلاهما سيسقط من على حافة الهاوية بدون الآخر …
بقلم دينا إبراهيم.

