سطور عانقها القلب ٤
أخذت تدور في كل ركن من أركان المنزل ،وبعدما اعدت ادوات تنظيفها تحت نظرات خادمتها المذهوله
بدأت تتأمل هيئتها برضي وهي تقف بأحد الثياب الخفيفة المؤهلة للمسح والتنضيف .. ، لملمت خصلات شعرها في كومه واحده بمشبك مثبت .. وبدأت مهمتها المهلكة وهي مطمئنه بأن وقت قدومه مازال طويلا .. وستُسلي نفسها
مر الوقت دون أن تشعر به ، وقد أهلكتها فكرتها الحمقاء ، وبدء جسدها يؤلمها، فالبيت واسع ومكون من طابقين ..
حملت أدوات التنظيف ثانية وهبطت نحو الأسفل ، مقررة إكمال مهمتها في الطابق الارضي ، واول حجره فكرت بها في هذا الطابق .. ، كانت حجرة مكتبه و ليتها لم تفكر .. و ليتها سمحت لخادمتها بتلك المهمه بعدما طلبت منها ان تساعدها
كانت قد انتهت من تنظيف الغرفه ومسحها ولم يتبقي لها سوى مرحلة تلميع الزجاج والاسطح .. ، تأملت تلك اللوحه الهندسيه المرسومه بدقه وملونه أيضا حسب مساحات الخُضره , ومساحات المياه التي ستحيطها ، مالت فوق الرسمه بفضول وأعين منبهرة ، تُحدق بها بالطبق الذي وضعت داخله الماء والصابون ومنشفتها الموضوعه على احد كتفيها ..
وقد أخذ الطبق المملوء بالمسحوق يتمايل بخفه بين يديها ، وهي ما زالت تُطالع اللوحة اللوحه الهندسيه بفضول ، وكيف سيتم تنفيذها علي أرض الواقع ، لم تكذب يوما والدتها عندما كانت تخبرها بلقب المساطيل الحمقا
وها هي تري اللقب يتجسد أمام عينيها ، وقد اتسعت حدقتاها ذعراً ، وهي تري الطبق ينسكب محتواه فوق اللوحة .. ف اللوحة الجميله قد تشوهت معالمها وأصبحت الخطوط جميعها داخل اللوحه متداخله ..
فشهقت بفزع وهي تري تشوه اللوحه الجميله :
– ماهو السبب في حد يحط شغله كده ، هو اللي مهمل
واسرعت في وضع يدها فوق شفتيها تهتف ببؤس علي حالها :
– هعمل ايه أنا دلوقتي.. ، أنا مهندسه كمبيوتر ..، وصحيح شاطره في تقليد الرسومات ، لكن مش بارعة والموضوع هواية
أحتلي التفكير ملامحها ، لعلها تجد حلاً يُخلصها من الأمر
– هحاول اقلدها براحه
وسرعان ما كانت عيناها , تلتقط احدي اللوحات الفارغه المُلقى جانبا وبدأت تنفذ فكرتها الحمقاء ، تدعو الله أن توفق في موهبتها
مرت ساعه واثنان وثلاث .. ومازالت المحاولة مستمره حتي غفت على اللوحه بعدما انهكها جسدها
وكعادته كل يوم يأتي من عمله بالشركه ، يدلف حجرة مكتبه اولاً .. ، تجمدت عيناه نحوها ، وهو يراها غافية علي سطح الطاوله التي يضع عليها رسوماته وتجلس علي المقعد خاصتها ، التقطت عيناه القلم القابع في يدها ، واللوحه القديمه التي تشوهت ، وتلك اللوحة التي تضع رأسها فوقها
ورغما عنه كان يبتسم ، وهو يرمقها متفحصاً علي شئ بها .. ، أنحني برفق نحوها يتحسس وجهها وبصوت هامس اخذ يتمتم وعيناه غارقة في تفاصيلها الناعمه :
– صفا ، اصحي نامي في أوضتك
كرر هتافه بها ولكن كان النعاس يثقل جفنيها ، ضحك وهو يحملها فوق ذراعيه .. لتستقبله الخادمه راكضه نحوه ، تشرح له كل مافعلته سيدتها اليوم
صعد الدرج وقد تجاهل حديث الخادمه ، ودء يشعر برأسها تُدفن أكثر في تجويف عنقه ..، وقد تعالت وتيرة أنفاسها وأنفاسه أيضاً
وضعها برفق فوق فراشها بعدما دلف غرفتها ، وشيئاً فشئ كانت أبتسامته تتسع وهو يراها تتماطئ فوق الفراش ..، تبحث عن وسادتها دون أن تفتح عيناها وتضمها لأحضانها
بدأت الرؤية تتضح إليه، وقد علقت عيناه بردائها القصير الملتصق بجسدها إلى حد ما , وشعرها الذي تساقطت منه عدت خصلات متمرده
عادت وتيرة أنفاسه ترتفع ، يصحبها حرارة جسده ، فجلس جانبها يتحسس ذراعيها العاريين بدافئ بهمس بأنفاس راغبة لا يعرف كيف ومتي أصبحت تُشعلها داخله :
– صفا اصحي طيب غيري هدومك بدل ما تتعبي …
تلملمت في الفراش بنعاس ، تُحاول فتح عينيها بصعوبه , تهتف بتذمر كالأطفال..، بعدم رغبتها في الأستيقاظ ..، ولكن سرعان ما كانت تنتفض من غفوتها ، بعدما تداركت أين هي
– اللوحه راحت فين ، انا كنت قربت اخلصها
ونهضت من فوق الفراش وما زالت غافية علي روحها ، تقص عليه احداث اليوم بأكمله إلى أن زفرت أنفاسها تسأله :
– انت مش هتزعقلي صح ، ولا هتضربني ولا هتطردني
تعالت ضحكاته ، وهو يري تسارع أنفاسها بعد الحديث الكثير الذي أخبرته به ، أقترب يقبض فوق كتفيها برفق ..، يتأملها بأنفاس مسلوبه ، وأعين تشتعل بهم الرغبه .. ولكن تمالك نفسه وهو ينظر في عينيها الناعستين ، ويربت على احدى وجنتيها بخفه ورفق
– في نسخه تانيه من الرسمه في الشركه يا صفا ، ديه النسخه اللي بعدل فيها مش اكتر ..
ارتسم الأرتياح فوق شفتيها ، وزفرت أنفاسها براحه ، ابتسم وهو يراها كيف التمعت عيناها
: ومش هزعق ، ولا اطرد ولا اشتم
اتسعت ابتسامتها ، رغم نعاسها وهي تستمع لعبارته ، وبرغبة اصبحت تحرقه وهو لا يري فيها إلا صورة تلك التي رحلت عن عالمه ..، كانت يقترب
ارتجف جسدها وهي تري انعدام المسافه بينهم ، وقد أخذت أنفاسه تُداعب عنقها ..، تراجعت للخلف وهي تشيح عيناها عنه ، فعاد يتقدم منها ولكن تلك المرة كان يفيق من سحرها أخيراً ، و مال نحو أحد خديها يلثمه ، رغم توقه لتذوق شفتيها .. أنتفض جسدها من فعلته ، فاسرع في الأبتعاد عنها يتمتم قبل أن يُغادر غرفتها هارباً
– غيري هدومك عشان متبرديش
أغلق باب الغرفة خلفه ، لتهوي بجسدها فوق الفراش تضع بيدها فوق قلبها ، تلهث أنفاسها غير مصدقه قربه منها وقبلته التي حطت فوق خدها
………………………
نظرات قاتلة منه كان يرمقها بها ، فقد ضجر وتعب منها ولم يعد يستطيع تحملها طيشها ، ولم يعد راغب بإذاقها المزيد من عنفوانه ، جلس اخيراً فوق فراشه بإرهاق ..، يضع رأسه بين راحتي كفيه
: واقفه قدام الرجاله ، وكأنك راجل قدامهم
وببطئ كان يعود ويرفع عيناه بها ، بعدما زفر أنفاسه متنهداً ..، ارتجف جسدها في خوف ..، تنتظر سماع المزيد منه
– البلد كلها زمانها دلوقتي بتتكلم عن شجاعتك العظيمه
أرادت الحديث ، ولكنه نهض من فوق الفراش واقترب منها .. بعدما فارت دمائه ، وهو يتذكر المشهد وكيف رفع أحد رجاله يده كي يصفعها أمام الجميع بعد تبجحها فيه كما وصله من الواقفين
– ولا كلمه ، مش عايز أسمع صوتك
وبعند كانت تهتف
– أنا عملت كده ، لما شوفته بيضرب الولد الصغير
– وأنتِ مالك؟
وببساطه كان يُعطيها جوابه مستطرداً
– شايفه حاجه مش عجباكي ، احكي لفاخر أخويا أو أحكيلي أنا
– أحكيلك أنت
هتفت عبارتها بمرارة ، فعن أي شخص يُخبرها أن تتحدث معه ..، عن شخص يتجاهلها وكأن لا وجود لها
حدق بها وهو يري الدموع تتعلق بأهدابها ، و تتمالك دموعها أمامه ..، فزفر أنفاسه بحنق فلم يعد يُريد صداع الرأس الذي بدء يشعر إنه سيناله من وراء أفعالها ، وبهدوء كان غريب عليه ، كان يجعلها تقف مدهوشة الملامح تستمع لعباراته المُهينة :
– لولا انك بنت عمي في الاول والاخر .. كنت رميتك في الشارع من اول يوم اتجوزتك فيه بس للأسف بنت عمي حتي لو متجوزك غصب
فتتجمد عينيها من كلماته الجارحه ، واحتقنت ملامحها هاتفه بقوة ، دون أن تخشي غضبه :
– وانا كمان مغصوبه عليك ، هو انت حد يقدر يستحمل يعيش معاك يوم
تصلبت ملامحه ، وغلت الدماء بعروقه .. يرمقها بمقت وأقترب منها يقبض فوق ذراعيها بقوه :
– شكل عمي معرفش يربيكي
شعرت بقبضته تتحجر فوق ذراعيها ، فاغمضت عينيها بألم تسمع سبابه ولعناته
جنه : وانت بقي اللي هتربيني
وسرعان ما كانت تنفض ذراعيها عنه وقد استعادت قوتها :
– اخلص مني وطلقني ، واه اريحك مني خالص
لم يرحمها منه سوى رنين هاتفه الذي أهدأ من غضبه قليلا بل اكثر
ليلتف إليها بعدما انهي مكالمته ، وعاد يحملق بها بضيق :
– طلاق ومش هطلق غير بمزاجي ، واللي حصل النهارده عارفه لو اتكرر تاني .. متلوميش غير نفسك ياجنه
التفت بجسدها مبتعده عنه غير عابئة بالشر الذي يتطاير من عينيه .. ، وقفت مكانها وعادت تطالعه مرة أخري ولكن ببتسامه هادئه
جنه : كان شكلك حلو اووي وانت بتساعد الطفل ، طلع في قلبك رحمه يا أبن المنشاوي
وبتهكم كانت تردف قبل أن تفر هاربة من أمامه ، وعلي وجهها أبتسامه واسعه
– رغم الرحمه بتيجي عندي أنا ..، وتتحول لقسوة
وبملامح محتقنه ، كان يتحرك داخل غرفته ..يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن ردودها ، بل ومن مشاعره التي بدأت تتغير نحوها
…………………..
أرتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوه داخل مكتبه بعدما سمحت إليها سكرتيرته أخيراً بالدلوف
أستجمعت شجاعتها وهي تعيد كل ما ستقوله له من رجاء بأن يتركها بحالها ، فهي يكفيها ما عاشته وتعيشه ..فرجل مثله لن يتزوجها إلا من أجل غرض في نفسه
طالعت كل جزء من أركان مكتبه الفخم ، تبحث عنه ولكن الحجرة كانت فارغة
– أتأخرت عليكي
هتف عبارته وهو يقف يُحدقها بنظراته ، بعدما خرج من المرحاض القابع بابه في ركن من أركان غرفة مكتبه الواسعه
انتفض جسدها على أثر صوته ،والتفت إليه ببطئ ..، تُحاول إلتقاط أنفاسها
فاتسعت عيناها من هيئته.. ، فاخذ يُجفف شعره ووجهه من الماء ، واكمام قميصه مطوية لأعلى ، وازرار قميصه العلوية مفتوحه للمنتصف .. هيئته كانت عابثة بجدارة مما جعلها تخفض عينيها تهتف بتعلثم
– مش هينفع نتكلم وأنت كده
وهنا كان تنفرج شفتي “عامر” بضحكة مستمتعه ، فكل يوم يتأكد هي العروس المناسبة له ولمخططه
تخلي عن منشفته الصغيره ، واعاد فرد أكمام قميصه وغلق أزراره ببطئ وتمهل وهو يرمقها بتقيم ..، ينظر نحو هيئتها المرتبكه ، وعيناها تُسلطهما بعيداً عنه ..، حتي يفرغ من هندمة هيئته ، وبجمود كان يتحرك نحو مكتبه يجلس عليه متمتماً بعدما عاد لعامر السيوفي
– أتفضلي أقعدي ..، أنا سامعك
استغربت من سرعة تحولها ، فازدردت لعابها وهي تُطالع نفس الراجل الذي التقط به من قبل ..، وقد شعرت بسطوته وهيمنته
ودون أن تقبل دعوته ، هتفت وهي تُطالعه بقوة واهية
– رجب اخويا قالي إن انت اللي دفعت فلوس الشيكات لمسعد ،انا جيت اشكرك على اللي عملته معانا .. واطلب منك انك تكمل كرمك وتسبنا في حالنا
تعالت قهقهته التي صدمتها ، وقد عاد ينهض من مكان جلوسه مقترباً منها ، يمنحها الجواب دون مراوغة
– عامر السيوفي مبيسبش حاجة عايزها يا حياة
ألجمتها عبارته ، فتجهمت ملامحها وقد أعجبه الأمر وشعر برغبة قوية في أن يجعلها زوجته اليوم ، فهي المزيج الذي يُريده بحياته ، وسرعان ما كان يمدّ كفه نحوها بجراءة وكاد أن يلمس وجهها ولكنها أنتفضت مبتعده وفاقت من صدمتها
– أنا مش أنتيكة تقدر تشتريها يا عامر بيه ، واحب أبلغك إني مش موافقة
اعاد ذراعه جواره ، ينظر إليها وقد زاده الامر لوعة ورغبة ..، فنوع حياة جديداً عليه وهناك شئ يُحركه نحوها أعمق من أنتقامه من الاخري ومن والدها ، أو حتي إنجاب الوريث
– ومين قال إني شايفة أنتيكه يا حياه ، أنا عايزك زوجه فعلية ، و زي ما قولتلك مش هتنازل عنك
بهتت ملامحها ، وقد علقت عيناها تهز رأسها برفض
وبتملك وتجبر كان يردف وهو يُعطيها ظهره ، وكأنه ينهي هذا الحديث
– أنا اتفقت علي كل حاجه مع رجب أخوكي ، واختاري أنتي بين سجن أخوكي وتشرد ولاده وبين جوارزه هتكوني أنتي فيها الكسبانه
وبعينين جامدتين ، عاد يُحدق بها يري صدمتها وحيرتها ، ورغبتها في الحديث ..، ولكن كل شئ أرادت الصراخ به كان يقف علي طرفي شفتيها وهي تتذكر توسل شقيقها إليها ، وقد ظنت أن هذا الرجل سيصرف أمر الزيجة بمجرد أن يعلم برفضها له
التقط سماعه الهاتف من فوق سطح مكتبه، يلقي بأمر لسكرتيرة مكتبه
– خلي السواق يجهز العربيه ، عشان يوصل انسه حياه .., يا هالة
……………….
أزداد جنونه وهو يتأملها وصوت ضحكاتها يتعالا هي وشقيقته ، فحدق بهما بقوة قبل أن تقذف هي بأحدي الزجاجات على غريمتها أروي .. ليتلقاها صدره فيرمقها بجمود ، فشهقت بفزع وخلفها اروي ضاحكه وهي تتأمله واقف امام غرفة مكتبه يستشيط غضبا
فتنحنحت أروي حرجاً وهي تتمتم :انا بقول الوقت اتأخر ،ولازم اروح
وما كان من جنه سوي ان جذبتها من معصمها : هتبعيني ياأروي
فتأملت الاخري عينين أخيها الجامدتين فتهتف ضاحكه : راجل ومراته انا مالي بيهم ، سلام بقي وهبقي اطمن عليكي
وركضت تلك الجبانه كعادتها ، و للمرة الثانية تفر هاربة وتتركها لبطش أخيها بمفردها
اقترب منها جاسر ، بعدما شيع شقيقته بنظرات قاتمة , ولكنه لن يُلقي بغضبه إلا علي تلك الواقفه:
– هو انا متجوز طفله في البيت ، ولا ايه ياهانم
فارتجفت هي من سماع صوته ، ولكن سرعان ما رفعت عيناها بكبرياء قد استشاط هو منها بالفعل
جنه: ألعب في الشارع يعني
القت عبارتها ، وقد أشتغل الغضب داخله ، ضاقت عيناه وهو يرمقها متجاهلاً عبارتها الطفولية التي تمت للنساء بصلة :
– لاء وعلي ايه ألعبي هنا ،بدل ما تفضحيني
واقترب منها ، حتي أنعدمت المسافه بينهم ، يمدّ كفه نحوها ، يربت علي أحد وجنتيها ساخراً وهو يري نظرات القلق في عينيها
– اجلي اللعب يا شاطرة ، لحد ما تبقي في البيت لوحدك ، لاني مبحبش جو الهبل والعيال الصغيره
………………..
ليله طويله قد قضاها بجوارها يتحسس سخونة جبهتها ، ليتنهد بأرتياح بعدما وجد حرارتها بدأت تنخفض ، ولكن نبضات قلبه وهو يعيد بذهنه شريط اعترافها بحبه مازال يعصف داخله .. فتنهد بألم لما فعله بها فقد أحبته حتي اصبح اسمه محفورا بداخلها
فتمتمت بتعب ومازالت أثار الحُمي عليها
صفا : احمد انا بحبك ، مش بحب مراد زين
فتجمدت ملامحه وهو يستمع لباقية اعترافاتها فهي تعلم بحقيقة مراد زين ، فلا بد بأن عامر قد اخبارها بذلك
وتابعت بحديثها الذي تطويه داخل قلبها قائله بأنفاس تحمل معها السخونه :
– متسبنيش يا احمد ، بابا وماما سبوني اوعي انت كمان تسبني
ويالها من كلمات قد جعلته ينتفض من جوارها ، ينظر إليها وقد اصابته كلماتها الراجيه ، فهي تطلب منه أن يظل جوارها وألا يتركها كما تركها والديها
عاد ينحني بجسده نحوها ثانيه ، بعدما تمالك مشاعر وتحكم في صراعه بين قلبه وعقله، أخذ يتحسس وجنتيها وجبتها مجدداً ، وقد أرتسمت الراحه فوق ملامحه ، يهمس لها بنبرة حانية لم يشعر بها سوي قلبه:
– صفا ، صفا فوقي
استمعت لصوته وكأنه يأتي من أميال عنها ، وبصعوبه فتحت عينيها , تُقاوم ثقل جفنيها تتأمل ملامحه القريبة منها بابتسامه ظلت مرتسمه فوق ملامحها المرهقة .. رغم عودتها لأغلاق عيناها مجدداً ، تطلب منه بهمس خافت ما جعل ملامحه تتصلب وتتسارع دقات خافقة
صفا : احضني
أسرع في ضمها إليه بعدما نفض أي شعور داخله ، شعر بأحتياجها القوي إليه , فمنحها ما أرادت مرحباً
برفق أخذ يمسد فوق ظهرها، لا يُصدق ما عاد يفعله معها ..، فهو يغمرها بذراعيه وقد كان يوماً واحده فقط من تحتلهما ، تنهد بوجع مشفقاً عليها ، فقد أحبته “صفا” لقد وقعت في الشرك الذي حذرها منه ، احبت شخصاً أسير الذكريات ..، لا يرغب بمنح أمرأة قلبه ثانية ، سيكون اكبر كاذب إذا أستمر في تعليقها به .. ، سيمنحها جرعات من الحب ثم سيتخلي عنها ، وعندما راودته تلك المشاعر , كان ينتفض عنها كالملسوع ..، ينظر إليها بعدما غفت ولم تعد تشعر به ..، متأملاً تعرقها وشحوب وجهها .. فهو اكثر من يعرف مرارة الحب ، فكيف يذيقها حبه ثم يتخلي عنها ؟
– أنا قفلت علي قلبي خلاص يا صفا ، قلبي ملكته ست زمان ..، ومش مستعد أتجرع مرارته من تاني
وبهمس كان يعود لوعده لتلك الحبيبه ، التي سيظل يراها بصورة ناقيه مهما حدث
– منستش وعدي ليكي يا مها ، هدفن نفسي في الذكريات .. زي ما دفنتك في قبرك يا حببتي
ولم تكن هي إلا غافية في أحلامها الجميله ، تظن نفسها بأنها ما زالت بين ذراعيه وتتوسد صدره .
الفصل الخامس والعشرون
*********
أصبحت شغلتها كل يوم ان تراقب ذلك اللص الصغير الذي يتسلل برشاقة وجسمه الضئيل ويعبر داخل حديقة منزلهم ، ليسرق من شجرة المانجه ما يحب .. فضحكت وهي تراه قادم بعباءته الصغيره وقفطانه المتسخ من الطين ، واقترب من شجرته المفضله ووقف يطالع ثمارها الناضجة قبل ان يحسم قراره ويتسلقها بخفه ، ثم يبدء بالتهام الثمار حتي يشبع اولا ، وبعدها يأخذ ما يكفيه و يغادر قبل أن يلتقطه حارس هذا المنزل.
هبطت “جنه” الدرج راكضة ، تلمع في عينيها الشقاوة وكأنها طفله صغيره .. تعلقت عيناها به وهو يصعد الشجر بسرعة قصوي بعد أن القي بنظره خاطفه حوله ، تقدمت من الشجرة المقصوده بخفه ، تتحرك بخطوات لعوبة نحو هدفه ، وهي تنوي بأن اليوم سيصبح الارنب الذي ستصطاده ، ضحكة علي أفكارها الطفولية وقد اصبحت أخيراً اسفل الشجرة
شهقت بفزع ، تكتم صوت شهقتها بعدما سلطت عيناها للأمام
– عش دبابير
وصلت شهقتها للصغير ، وعندما ألتقطت اذنه ما هتفت بها ، لم يتحكم في توتره وسقط علي الفور من فوق جزع الشجره وثمرة المانجه بين أسنانه يقضمها ، وقد وضعها للتو داخل فمه
تعالت ضحكتها رغماً عنه من المشهد ولم تكن تقصد سقوطه ، فزحف الصغير بجسده المنبطح أرض وهو يُشعر بالأم ، يُحدقه بفزع :
– مش هعمل كده تاني والله ، بس ما تقوليش للراجل ابو شنب كبير يضربني
فضحكت جنه اكثر وهي تعلم بمن يقصد ، فلا يقصد سوا بغفير بيتها ، قطبت ما بين جبينها ، تحك أنفها تُفكر في طلبه ، وقد أنتظر سماع جوابها وهو يُحاول الوقوف حتي يهرب من أمامها:
– مش أنت سرقت لازم تتعاقب
انصدم الصغير من عبارتها ،وهتف برجاء :
– أخر مره والله ..، مش هعمل كده تاني ومش هسرق حاجة بعد كده
فنظرت اليها جنه بدعابه اكثر : أنت لص ولازم تتعاقب
احتدت ملامح الصغير وهو يسمع عبارتها
– أنا مش لص ، وأنتوا عندكم شجر كتير ومانجه كتيره ، حرام تاكلوها لوحدكم
ارتفع حاجبي “جنه” ذهولاً ، فقد جعل لحاله الحق في السرقه :
وكمان لمض الله الله
كشر الصغير، وقد اعتدل من سقوطه وأخذ يُنفض ثيابه ، ثم قذف إليها ما التقطه متمتماً :
– خدي مانجتكم أهي ، مالكيش حاجة عندي خلاص
سار بخطوات عرجاء من أمامها ، وبشجاعة أدهشتها ..، فهو لم يخاف منها بل جعلها هي المخطأه ، ارتسمت فوق شفتيها أبتسامة واسعه تسأله وهي تسير خلفه
– طب والمانجه اللي سرقتها قبل كده فين
التف الصغير نحوها ، قبل أن يُسرع في خطواته حتي يتخلص من ثرثرتها التي تُعطله عن هربه ، فيكفيها إنها أضاعت ثمارها وجعلته يسقط أرضاً :
– كلتها ، افتحلك بطني يعني عشان تاخديها
استمعت لعبارته قبل ركضه ، فاتسعت حدقتيها ذهولاً ..، وسرعان ما كانت تفيق من دهشتها تهتف بعلو وقد صدحت ضحكاتها
جنه : تعالا خد اللي انت عايزه ، بس متسرقش تاني لان ديه سرقه والسرقه حرام
توقف الصغير مكتنه ، والتف نحوها ببطئ .. ينظر في عينيها لعله يجد الصدق بهما ، عاد الصغير اليها مهرولاً ، حتي ينال كل ما يريده من حديقه هذا المنزل بعدما سمحت له ، وبانفاس لاهثه أخذ الصغير يُخبرها عن سبب سرقته :
محمود صاحبي قالي ان ديه مش سرقه ، عشان أنتوا ناس اغنيه ومش هتفرق معاكم المانجه اللي هاخدها
أشفقت علي حاله ، وقد علقت عيناها للتو برثة ثيابه ..، جثت فوق ركبتيها أمامه ، تمسك يديه بحنو وعطف
– طب هو اللي مش بيسرق ، بيدخل من علي السور خايف ولا بيدخل لأصحاب البيت من الباب
فحرك الصغير رأسه بتفهم ، يتمتم بنبره قد جعلتها تحتضنه بقوه :
– ما انا لو مسرقتش المانجه مش هاكلها خالص ، وانا بحب المانجه
التمعت عينين “جنه” بالدموع ، وقد ذكرها بطفولته .، فرغم ثراء أهل والدها إلا إنها لم تكن تحيا إلا حياة البسطاء كحال الكثير من الناس ، يجلبون الضروريات وينسون شئ يُسمي بالرفهيات ، نهضت من امامه بعدما مسحد فوق خديه برفق :
– تعالا كل يوم اديك المانجه اللي أنت عايزها ، فرحان بقي يا سيدي
ليتهلل اسارير الطفل ، متسائلاً بعدما أنحني نحو ثمار المانجة التي سقطت منه أثناء سقوطه يلتقطها ويمسحها بثوبه:
– ينفع أجيب محمود صاحبي معايا
اماءت له برأسها ، لتتسع عينين الصغير بسعاده ، وركض من امامها بعدما حصل علي ما أراده.
……………………..
أخذ لقاءها به يقتحم عقلها دون هواده ، تتذكر حديثه ونظراته ولم تكن غبية في أن تظن أن هذا الرجل ..، ارادها زوجة دون أي نوايا أخري ..، دفعه لشقيقها المال ووضع المساومه ، فاما تركه ليتم سجنه أو مساعدته من اجل خلاصه
زفرت أنفاسها بثقل ، تُغمض عيناها بأرهاق ..، فلو كانت تعلم أن حينما سجدت داعية الله ان يخلصها من حياتها التي انهكتها ، كان دعاءها مسموعاً وسيستجيب الله دعاءها , خرجت من زيجة لتدلف مرغمة زيجة أخري ،وليست زيجتها بالرجل أخر كحال زيجتها من مسعد ..، إنه “عامر السيوفي” ذلك الرجل الذي لا تُناسبه بتاتاً لا هي ولا عائلتها
اقتحمت المخاوف عقلها ، بالتأكيد هي نزوة ليست إلا ، وسينالها ثم يُطلقها وتحمل لقب مطلقة
أشتد الألم داخل رأسها ، تستمع لصوت زوجة اخيها السعيد بتلك الزيجة التي بالتأكيد ستعود عليها وعلي أولادها بالنفع ، تعالت زغروطتها وقد تم كل شئ واصبحت زوجة لهذا الرجل في ظرف يومين، وكما أخبارها إنه لا يترك شئ يُريد ..
– مبرووك ياحياه ولا وبضتلك في القفص واتجوزتي واحد مالي مركزه ومعاه فلوس متتعدش
القت “سناء” عبارتها ببعض الحقد ، سقطت دموع “حياه” وهي تقبض فوق فستانها الأبيض واقتربت من الشرفة ، تنظر نحو مدخل حارتها ..، فقد زين لها شقيقها الشارع بالأنوار حتي يُشعرها بكونها عروساً
– جوزك مستنيكي يا حياه
تمتم بها “رجب” الذي دلف للتو ، يطرق عيناه أرضاً ، يقتحمه شعور الذنب لأنه أجبرها علي هذا الزواج حتي تُخلصه من السجن
التفت نحوهم ببطئ ، بعدما جففت دموعها ..، فلم يعد لبكائها داعي ، فقد أصبحت زوجته وأنتهي الأمر ، تحركت نحو باب الغرفه ترفع فستانها بيديها ، تسير بملامح باهته وأعين يحتلهما الخواء ، تلاقت عيناها بعينين شقيقها ، فعاد يطرق “رجب ” راسه يهتف باسف وندم ..، مما جعل “سناء” ترمقهم بنظرات ممتعضه علي تلك الدراما التي تراها ..، فلو كانت مكانها لطارت من السعاده لزواجها من رجل كهذا ..
– سامحيني يا حياة
…………………….
دلفت من باب المنزل بتوتر ، وهي تُطالع نظرات الخدم الذيم وقفوا مترقبين رؤية العروس الجديدة الثانية لسيدهم ، الكل كان متعجب من زيجته الاخري السريعه ..، ولكن لا أحد يستطيع التحدث بشئ ..، بل الجميع أبتلع تساؤلاته وأنتظروا العروس الجديده
ارتجف جسدها تنظر نحو كفه بعدما قبض فوق ذراعها يحركها برفق جواره ، طالع أرتجافها يرمقها بحده ..، فابتلعت لعابها وأخذت أنفاسها تعلو وهي تشعر بالخوف مما هو قادم
اتجه بها نحو سيدة تجلس باستقراطية فوق مقعدها ، ومن هيئتها علمت إنها والدته
– ناهد هانم ، والدتي يا حياه
نهضن “ناهد” عن مقعدها ، بعدما ساعدتها مرافقتها ، فمدّت كفيها تتحسس وجهها بيديها ، و رغم صعوبة ما يحدث لها إلا إنها تقبلت فعلتها برحابة صدر ..، تنتظر تقيم السيده الكبيره لها
– مبرووك !
هتفت بها “ناهد” بجفاء بعدما فرغت من ملامسة كل أنش بوجهها ، ثم اشاحت عيناها عنها ..، كأنها تُخبرها أن وجودها لا تُحبذه في بيتها ولم تنال إستحسانها ،
ابتلعت غصتها في ألم ..، والدته لا تطيقها ..، بالتأكيد لأنها ليست من مستواهم ولا تليق بهم ، هذه كانت الافكار التي عادت تقتحم عقلها
ألتفت نحو الواقف خلفها بهيئته الجامده يطالعهما حتي قال هو أخيراً ، بنبرة جامده بعدما رأي عدم ترحيب والدتهم بها :
– ” حليمه” خدي ناهد هانم علي أوضتها عشان ترتاح
اسرعت المرافقه ، في تلبية أمره .. فاتجهت “ناهد” بعينيها صوبه ..، ليري في والدته نظرت كان يعلمها ..، شيعها بعينيها وهي تسير جوار مرافقته يقسم داخله إنه سيروض الزوجة الجديده علي طباعها ..، سيجعل من حاله قصة جديده
“للسيد والزوجة التي لا تهتف إلا بكلمه نعم ”
أخفضت “حياة” تلك المسكينه عيناها ، بعدما عد ذلك الثقل يجثم فوق روحها المنهكة
أقترب منها الواقف أخيراً ، بعدما أسرع الخدم أيضاً بالأنصراف والعودة إلي أعمالهم:
– الهانم كبيرة طباعها صعبه شويه ، ومش بتتقبل الناس بسهوله ..
وبصوت خالي من المشاعر وقف يأمرها ، بعدما رفع وجهها نحوه ، وقد أصبح يشعر بالضيق من حركتها هذه حينا يُحادثها
– اتمني مسمعش شكوي من حد فيكم ، ونعيش بسلام في البيت ..، لاني حياتي مش فاضيه لسماع المشاكل
و وقف يخبرها عن نظام حياته ، وما يُحبه ولا يحبه .. وهي تستمع لكلماته ..، فركت كفيها بقوة ..، تشعر برغبة قوية في البكاء ..، ولكنها تمالكت بؤسها ووقفت تسمعه
– مسمتعش كلمة حاضر أو مفهوم ..، ولا كلامي مش واضح
وبجمود حاول إظهاره في صوته تسأل ، وقد أخذت عيناه تتفرس ملامحها الشاحبة
– حاضر
منحته الكلمة التي أرادها ، فارتسمت أبتسامته وسرعان ما كان يمحيها من فوق ملامحه ..، يشعر بالزهو والسلطه
– طول ما أنتي مطيعة يا حياه ، هلاقيني معاكي راجل تاني .. لكن
وقبل أن يُكمل عبارته ، هتفت بألم
– متقلقش يا عامر بيه
– عامر و بس يا حياه ..، متنسيش إنك مراتي
والتقط يدها يصعد بها نحو غرفتهما ، بعدما طال وقوفهم بالأسفل ، توقفت خارج الغرفه تلهث بأنفاسها وقد شعرت بقرب اللحظه التي ستصبح فيها زوجته بالفعل
وبخوف تسألت :
– هي ديه أوضتنا
التمعت عينين “عامر” بخبث يمنحها الجواب :
– تفتكري هتكون إيه يا حياه
ابتلعت لعابها ، وهي تراه يضع بيده فوق مقبض االباب ، ابتعد قليلاً يمنحها المرور أولاً ..، طالعته وقد علقت عيناها به برجاء
– أدخلي يا حياة
واخر شئ كان يظنه أن يسمعه هذه الليله ، هو كلمة لا منها عندما أراد الأقتراب منها والحصول علي حقه
– لا ، متلمسنيش
…………………..
تأملت هطوول الأمطار بألم ، وهي تتذكر قسوته التي أزادت من قمم جليده معها ، فمنذ ان تعافت من وعكتها الصحيه .. أصبح شخصاً اخر لا تعرفه شخصاً اصبح ينفرها
شردت برجفة أحتلت سائر جسدها ، وقد عادت كلماته اللاذعه تقتحم عقلها ، لقد أخبرها بكل قسوة ، ألا تحلم بأن تكون حبيبته يوما
خرجت زفراتها مثقلة بالخيبة والكسره ، فقد احبت رجلا أسير الذكريات ، رجلاً كلما شعرت إنها وصلت لقلبه ..، لم تجد إلا السراب والخواء
أغلقت نافذتها ورغبه مُلحة تدفعها للركض ، خارج المنزل حيث سقوط الأمطار لعلها تغسل أوجاعها
لا تعلم كم أستمرت من الوقت وهي تستمتع بسقوط المطر فوق جسدها ، ولكنها بدأت تشعر بتخدر جسدها ..، انتبهت علي صراخه باسمه ، ثم اندفعه صوبها
احمد : انتي مجنونه
سحبها خلفه ، عائداً بها نحو الداخل ، ولكن وجدها تنفض ذراعيها عنه بقوه ، وتعود لوقفتها أسفل الأمطال
عاد لجذبها ثانية ، ينظر إلي ملامحها التي بدأت تشحب وقد ثقلت أنفاسها واحمرت وجنتيها
– ايوه مجنونه ، مجنونه عشان شيفاك حلم جميل نفسي أحققه
هتفت عبارتها ، فابتعد عنها مصدوماً ..، صرخت بكل ما تحمله داخل فؤادها له ، وهو وقف يسمعها ببهوت وصمت
– انا أسف ياصفا ، مكنش قصدي أذيكي بس مينفعش تحبيني ، لازم تفوقي من أوهامك .. انا كنت بعملك كضيفة مش أكتر ، مسيرنا في يوم هنفترق
……………………..
نظرت الي بعض الأطفال حولها ، وصغيرها اللص الذي اصبحت تعشقه .. رفعت بسبابتها محذره له خصيصاً
جنه : محدش يحاول يغش من التاني
ليلتف كل منهما نحو زميله الأخر ، محاولين اللجوء للغش .. وكان اولهم في المحاولة صغيرها اللص ، فتستخدم سلاحها في تحذيره
– مافيش مانجه ولا عنب كمان
وتنهدت بتعب بعدما أدركت انهم مازالوا لا يستوعبون شرحها ، بل لا يرغبون إلا بالركض في حديقة المنزل
……………………
كان يسير بشموخه وقامته المرتفعه وسط بعض ضيوفه ، فانتبه أحدهم علي شيئاً و وقف يتسأل متعجبا مما يري ويتمتم ضاحكا وهو لا يُصدق أن “جاسر المنشاوي” يستغل حديقة منزله مقرأة لأطفال البلده :
– أنت فتحت حضانه هنا ياجاسر بيه ولا إيه
فامتقع وجه “جاسر” من حديثه الساخر ، وهو يُحدق بما وقف ضيوفه يُسلطون عيناهم نحوه
التقطت عيناه جسدها الضئيل وهي تجلس في المنتصف ، ويلتف حولها أطفال لا يعرف من أين أتت بهم ، أغمض عيناه بضيق.. يقبض فوق كفيه وهو يستمع لعبارات ضيوفه ، سيطر علي غضبه بصعوبه ، وعاد يلتف اليهم يجذب نظراتهم نحوه ، يرسم علي محياه أبتسامه بسيطه مصطنعه وهو يقودهم لداخل المنزل :
– اصل زوجتي بتحب اطفال البلد اووي ، وعندها أهداف إنها تمحي الجهل من البلده وتساعد الأطفال
تمتم بها وهو يُحاول أن يُداري خلف حديثه مقته ، من تصرفاتها الهوجاء دون الرجوع إليه بشئ ، أماء كبار البلده بروؤسهم وقد أعجبتهم الفكره
قادهم نحو الحجرة التي أعتادوا الجلوس فيها ، ومناقشة مشاكل بلدتهم وحل الأمور العالقة ، اغلق باب الغرفه ..، وحاول التقاط أنفاسه وهو يتحرك بخطوات متوعده ..، يسرع باسم الخادمه التي بعثتها إليهم عمتها
– انتي يازفته يا روحية
هرولت الخادمه نحوه ، وقد احتلي الخوف ملامح وجهها
– مش قولتلك تقولي للهانم ، اني جاي ومعايا ضيوف مُهمين ، وتروح بيت العيله
أسرعت الخادمه في طرق رأسها أرضاً ، تُخبره إنها نفقذت أوامره بالفعل
– قولتلها والله ياجاسر بيه
أحتدت ملامح وجهه وقبض علي كفيه بقوه وهو يلعن عنادها معه واخراج غضبه بأستمرار ، اسرع في خطاه خارج المنزل بنظرات متوعده
فوجدها تودع الاطفال ببشاشه ، وتخبرهم إنها تنتظرهم الحصة القادمة ، اقترب منها بطوله الفارع وجسده القوي بحنق .. يجتذب ذراعها ويتجه به نحو المنزل :
– عايزه تحرجيني قدام ضيوفي ياجنه
ازدردت لعابها ، وهي تري نظراته التي أرجفت أوصالها ، وسرعان ما كانت حيلة من حيالها التي تعلمتها مؤخراً تلمع في عينيها ، ترفع أناملها نحو وجهه المتصلب تمسح فوق خده وقد شبت قوق أطراف أصابعها حتي تستطيع الوصول إليه
جنه : نسيت إن النهارده جاي لينا ضيوف مهمين ، المرة الجايه أوعدك مش هنسي يا حبيبي
القت كلماتها ، وتركته في ذهوله من كلمتها الأخيره التي نطقتها ..، علقت عيناه بها وقد التفت نحوه وما زاده دهشة ..، إنها تمنحه ابتسامه واسعه ، صحيح يري داخل عينيها التلاعب ولكن ليس إلا تلاعبً قد بدء يُحرك فيه غريزته
وبأعين قاتمه ، كان يضغط فوق شفتيه متمتماً
– بتلعبي بالنار يا جنه !
………………….
أغمض عيناه بتعب بعدما أنتهي من أجتماعه الذي استمر طويلا ، فظهرت صورتها أمامه ف ارتسمت ابتسامة على محياه ، سرعان ما أزالها ..، فمهما منحته الطاعه وتوسم فيها الزوجة الصالحه ، لن يراها إلا أداه لتحقيق ما يرغب ..، و رغم إنه لم ينالها وما زال زواجهم حبراً علي ورق ..، ولكنه أراد منحها فرصه
رمقه أكرم بعدما التقط ابتسامته يهتف بمزاح حتي يُضايقه قليلاً :
وحشتك ولا ايه ياعريس
تجهمت ملامح “عامر” يرمقه بضيق من مزاحه الفظ الذب لا يستهويه
– ياراجل في حد يسيب عروسته بعد يومين جواز ، انت بصراحه جبار ياعامر
– أكرم
صرخ بها بحده ، بعدما تجاوز “أكرم” حدوده معه ..، فحرك أكرم يأسه بيأس منه
– بلاش تضيع حياتك يا عامر ، عشان أفكار عقيمه عايشه في دماغك ..، مش كل الستات شبه بعضها
تمتم بها “أكرم” قبل أن ينسحب من غرفته ، فتنهد “عامر” ضجراً ..، لقد أصبح يخرج حنقه فوق روؤس ناس ليس لهم ذنب بما يعيشه
دلك عنقه ، وزفر أنفاسه بأرهاق وهو ينهض عن مقعده ، يتذكر تلك الورقة التي دستها في سترته قبل ذهبه ..، وقد تناسي أمرها ومعرفة ما بها ..، التقط سترته ليخرج منها الورقة ، ينظر إلي ما سطرته بيدها وقد تجمدت ملامحه وهو يقرأ دعوتها له ، وتوصيتها في عدم تجاهله لفروضة ، وأنها تنتظره ليتناولوا وجبتهم معاً
وشئً واحد كان يقتحم عقله ، يخبره أن هذه المرأة غريبة الأطوار
………………………..
وقفت أمامه ببرود أصبحت تجيده منذ تلك الليله ، ثم رفعت وجهها نحوه , تطالعه وهو منهمك في غرفة مكتبه ، منكب بين روسامته الهندسيه
صفا : ممكن تليفونك
هتفت بها “صفا” ، فانتبه علي وجودها ..، يستعجب طلبها ..، رأها تلتف بجسدها بعدما استنبطت من نظراته إنه ليس راغب في إعطاء هاتفه
– رايحه فين ، مش هتاخدي التليفون
التفت نصف إلتفافه نحوه ، تبتلع غصتها وهي تُجيبه
– شكلك محتاجه ، مافيش مشكله خلاص
رمقه بتدقيق ، يستعجب حالتها الجديده ، ولكن نفض ما يُفكر به ..، فهذا هو ما أراده منها
تقدم منها ، يمدّ لها بكفه متسائلاً بفضول
– هتتصلي بي مين
التقطت منه الهاتف ، وهي تُحرك رأسها نافيه ..، تجيبه عن سؤاله
: مش هتصل بحد ، هدخل علي النت لأني زهقت من القعده لوحدي وبقيت حافظه كل اللي بيتعرض علي التلفزيون ، حتي صوفيا زهقت مني
منحته الجواب ، الذي أراد معرفته ..، فشعر بالضيق من حاله ..، فهي بالفعل تعيش حياة خالية من كل شئ ..، لا خروج إلا لو كان حفل دعاه إليه أحداً وقبل هو الدعوه .. غير ذلك لا يمنحها أي شئ .. لا هاتف ولا حاسوب ..، حتي نسي أن يسألها يوماً أين هو هاتفها
تركته في شروده ونظراته التي كان يرمقها بها ، وكأنه يلوم حالها ..، وجدها تلتقط حاسوبه تسأله وهي تنتظر قبوله أيضا ..، تشعر بأحقيتها في أشياءه ما دام لا يمنحها حبه ولا يُريد منح قلبه لها
– ممكن استعير لابك شويه
فاق من شروده ، وقد اتسعت أبتسامته شيئاً فشئ ، يسلط عيناه عليها وهي تضم حاسوبه إليها وكأنها تُخبره إنها لن تنتظر موافقته ، وبمرح أخذ يهتف :
– هتستولي علي حاجتي ولا ايه ياصفا !
تقبلت مزاحه بملامح جامده: شكرا خلاص
حدق بجسدها بعدما أنصرفت بحاسوبه وهاتفه ، وسرعان ما كان يفوق من ذهوله ، يلتقط ذراعها يُقربها إليه وقد ضجر من برودها وحالة الصمت التي اصبحت عليها
– مش معقول هنكمل حياتنا كده يا صفا
– حياتنا !
تجاهل نطق كلمتها ، غير عابئ بمحاولتها في التخلص من قبضته ..، عانقت عيناه عينيها يسألها بارادة مسلوبه
: مش هتسهري معايا شويه ياصفا
أبتسمت بتشفي وهي تراه لا يستطيع السيطرة علي مشاعره ، التي يُحاول جاهداً في إخفاءها ، فها هو يطلب قربها بعدما دفعها عنه ونبذ قربها وحبها :
– ماليش مزاج اسهر مع حد ، انا بحب اقعد لوحدي بعشق الوحده وأوضتي
اذهلته عبارتها ، فهو يطلب قربها الذي أنتظرته ، ويقاوم مشاعره المضطربه ، تخلي عن جموده وصعوبة الكلمات وهي ينطقها ، وقد أسرت عيناه عينيها :
محتاجك اووي ياصفا
وأنحني بجسده كي يقبلها ، ولكن أسرعت في أشاحت وجهها عنه ، فسقطت قبلته قرب ثغرها
– صفا
أبتعدت عنه ، بعدما شعرت بعدم قدرتها علي صده أكثر ، فقد أحرقتها أنفاسه ، وازدادت دقات قلبها :
– ممكن تسيب دراعي
تجاوز مقته ، ورغبته في الهرب منه ..، تجاوز كل شئ بتناقض عجيب عليه يُخبرها تلك المرة بمراوغة جديده عليه
– هسيبك بس بشرط يا صفا
حدقته بتذمر ، تمط شفتيها للأمام ..، تنتظر سماع شرطه ، فتمتم ضاحكاً وهو يري عبوسها
– تقعدي معايا هنا وأنا بشتغل
……………………
أرتفع صرخاه بها وهو يرمقها بنظراته القاسيه ، فأنتفضت من نومتها فزعا وهي تراه يطالعها بعينين لا توحي إلا بالهلاك ، ونهضت من فوق أريكتها مذعورة ، تُحدق بعينيه وقد أخذ الشر يتطاير من داخلهما
– عايزه أطفال ياجنه ، وبتشتكي لعمتي
بهتت ملامحها من عبارته ، تزدرد لعابها من شده قربه منها وتخلصه من عباءته :
– ابدا انا مقولتش حاجه ، هي سألتني وانا بلاعب ابن فاخر بحب الاطفال ولا لاء .. وقولتلها هو في حد مبيحبهومش
وتابعت حديثها بخوف ، وهي تري نظراته وقد أندلعت منها الرغبة
جنه : أنت بتقرب مني كده ليه ؟
وشهقت خرجت منها وهي تراه يلقفها بين ذراعيه يتجه بها صوب فراشه بإصرار عما يعزم عليه
– هاخد حقوقي .. لتفتكري إني مش راجل يا هانم
تعالت صرختها ، وهي تري ينقض عليها كالذئب الجائع .. تهتف راجيه :
لا لا ياجــــــــاســــــــــــر !!
الفصل السادس والعشرون
**********
كان كالمغيب وهو يمزق ثيابها ، يقبلها بشراسة ..، يفترسها بين ذراعيه وهو لا يري إلا صورة واحده أمام عينيه ، صورة تلك الخائنة التي غدرت به يوماً ..، ملوحة دموعها كان يلتقفها كلما عاد يُقبلها ، ولم يكن إلا صوت بكاءها وحده يسمعه ، حتي فاق أخيراً من ذلك الجرم الذي سيفعله بها فهو ليس مغتصب .. لينال زوجته كرهاً
هدأت شعلة جنونه ، وقد بدء عقله يسبح معه في بحور ذكرياته .. عاد صوت نحيبها وشهقاتها يخترق أذنيه بخفوت ، حتي بدء يتلاشي تدريجياً و لم يعد يسمع لها صوتً ..فلم تعد تمتلك قدرة لتُحارب ضراوته ولا ثقل جسده وقبضته القويه التي يأسر بها ذراعيها
ابتعد عنها أخيراً ، يميل بجسده متسطحاً جوارها ، فانكمشت علي حالها باكية لا تُصدق إنه قد تركها
عاد الماضي يخترق حصونه ، حصون عتية وضعها حول قلبه وعقله ..، استمع لنحيبها الذي كان يصل إليه وكأنه يأتي من بعيداً ، فالتف إليها ليراها تُلملم ثوبها ودموعها تغرق خديها وعلاماته القاسية قد دمغت عنقها ونحرها
اغمض عيناه بقوة وقد عاد أقسي ما سمعه يوماً يخترق فؤاده ، عاد الشئ الذي جعله يصبح هكذا ..، رجلاً قاسياً ، زير نساء .. لا يتزوج النساء إلا ليجعلهن يُدركون قيمة أنفسهن ..، إنهم ليسوا إلا متعة للفراش
” كان لازم أخونك ، ازاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش .. انت عقيم ياجاسر ، وأنا عايزه طفل حتي لو هنسبه ليك وهو مش منك”
قتلته الذكري ، كما قتلته من قبل ، نغز الألم قلبه ..، فلم يشعر إلا وهو يصرخ بها ، حتي يخرسها عن نحيبها الذي لا يزيده إلا إنغماساً في حقده وكرهه
– اطلعي بره ، مش عايز أشوفك قدامي
هتفها بصراخ ، وهو يرمقها ..، فهرولت من أمامه بعدما لملمت ثوبها بأحكام وسارت راكضه نحو مكان تحتمي به منه
اندفعت نحو احدي الغرفه ، وتهاوت أرضاً وما زالت تشعر بأنفاسه ولسعات قبلاته فوق جسدها
لم يكن حاله مختلفاً ، فقد عاد ظلام الماضي يصحو داخله ، ظلام ظن إنه يطفئه كلما تزوج من أمرأه جعلها تحبه ثم تركها بقايا امرأه محطمه
نهض من فوق الفراش ، وهو يشعر بثقل يحتل قلبه .. واتجه نحو الشرفة الواسعه عاري الصدر ، يطالع ظلام الليل وقد عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه ، يضغط فوق شفتيه بقوة، يهتف داخله لو عاد به الزمن لكان قتلها بيديه دون رحمه
وها هي صورة أخري تقتحمه ، ومن سواها ..تلك التي دلفت لحياته وظلامه ، تزوجها مجبراً لا هو يستطيع دمغها باسمه وكشف سره ، ولا هو قادر أن يظل يُكرهها بعيشتها معه ..، فقد فعل المستحيل لكي ترحل ولكنها أعتادت علي قسوته ..، وبهمس كان يخرج من شفتيه
– هتتحرقي بنار قسوتي يا جنه ، لو مخرجتيش من حياتي !
……………………
وقفت أمامها بأمل ، ثم تعلقت عيناها بجمالها رغم مرور الزمن .. تنهدت بعمق وهي تري عبوس ملامحها ، عندما علمت من مرافقتها بأنها موجوده الان معهم
– ايه اللي جايبك أوضتي ، قولت مش عايزه اشوفك
سقطت دموع “حياة” قهراً ..، فيكفيها ما تعيشه مع قسوة أبنها ، وبقلق أقتربت منها وجثت فوق ركبتيها جوار فراشها
– ارجوكِ متكرهنيش ، صدقيني انا مش وحشه ..، متقبيش زيه قاسيه
تجمدت ملامح “ناهد” وهي تستمع لعبارتها الاخيره ، صحيح إنها أصبحت تعلم أن ولدها يغفو بغرفة منفصله عنها ، وقد أخبرتها الخادمه إنه تركها ليلة الزفاف وهو حانق بعدما سمع كل من بالقصر صراخه عليها ..يُخبرها أن صبره لن يطيل عليها وأنه دفع المال فيها ، كما إنها ليست بالفتاه التي تليق بشخصاً ك “عامر السيوفي”
صور كثيرة لهذا الزواج قد افترضتها “ناهد” بعدما أصبحت لا تفهم سبب لوجود هذه الفتاه هنا ، خاصة بعد طلقه السريع والعودة لجموده وقسوته
– عامر أتجوزك أزاي
تسألت بها “ناهد” بعدما أدركت أن الجواب ستعلمه منها ، بهتت ملامح “حياه” وهي تستمع لسؤالها وهي تتذكر تهديده لها بعدم إخبار أحداً لطريقة زواجه منه وخاصة والدته
– لو مش هتتكلمي ، اطلعي من أوضتي عايزه أرتاح
تعلقت عينين “حياة” بها ، وبصعوبة كانت تتحرك ولكن توقفت مكانها تطرق عيناها
– هحكيلك ، بس خلينا لوحدنا
انتبهت “ناهد ” علي وجود مرافقتها ، فهتفت بتلك الواقفه وقد كان لديها فضول لتعرف سبب زيجة السيد الكبير بفتاة كهذه لا تليق بمستواه
– سبينا لوحدنا يا حليمه
خرجت الخادمه مرغمه ، فوقفت “حياة” مكانها ..، تفرك يديها بقوة حتي ضجرت ناهد من صمتها
– هتحكي ولا خايفه منه
ورغماً عنها كانت تخبرها بتفاصيل زيجتها من أبنها ، بداية من لقاءتهم المتفرقة ..، ثم دفعه المال لشقيقها وعرضه عليه مقابل المال
استمعت ليها “ناهد ” بانصات ، وشئ واحد كانت تشعر به ..، إن ولدها لم يختار هذه الفتاة إلا ليضع عليها تجبره وسطوته
– عامر قرب منك
ألجمها سؤالها ، فازدردت لعابها ..، لتهتف بها ناهد
– يبقي مقربش منك ، لو عايزه تنجحي في جوازك من أبني ..، اوعي تبقي ضعيفه وتستسلمي ليه ..، لو استسلمتي ليه هتعيشي طول عمرك معاه علي الرف
شحبت ملامحها وهي تستمع لحديثها ، وسرعان ما كانت تزداد صدمتها
– أو هيستني تخلفي ليه طفل ، وبعدين يخرجك برة حياته ..
كان هذا أكبر مخاوفها ، فلم تسمع عن الأثرياء إلا الغدر ..، فهم يندمون بعدما تضيع الزهوة ويكتشفوا سوء أختيارهم
– أنا عارفه إن كلامي صعب عليكي ، لكن أبني بيحسب كل حاجة بعقله
وبحقد نحو تلك التي أعادت غضبه ، وجعلته يعود لصورتها القديمه بعدما كانت تشعر بتحرك قلبه
– عامر ، لسا مطلق مراته من شهرين
ولو كان ما علمته منذ لحظات صدمها ، لكن عبارة “ناهد” الأخير جعلته تترنح في وقفتها وقد اتسعت حدقتيها ..و “ناهد” تتمم عبارتها بملامح حزينه
– طلقها بعد جوازه منها بشهرين
والحقيقة الوحيده التي بدأت تصل إليها ، إنها ليست بالفعل إلا نزوة ..او غرضاً سينال منه شيئاً ثم سيلقيها خارج أسوار قصره
– لو عرفتي تكسبي قلب عامر يا حياة ، هتعيشي أسعد ست في الدنيا ..، لكن لو خسرتيه زي اللي قبلك .. هتطلعي أنتي الخسرانه
طالعتها “حياة” بملامح مشوشة ، تلتقط أنفاسها بصعوبه ..، فهي لم تكن تُريد إلا زوجاً يُخلصها من حقد زوجة أخيها ، بيتً دافئاً صغيراً وأطفال حولها ، شعرت “ناهد” بالشفقة عليها .. فهتفت برفق وسماحة
– قربي يا حياة
أنتبهت علي صوتها ، وقد علقت عيناها بها وهي تعتدل فوق فراشها .. تمدّ لها ذراعيها
– هخليكي تعرفي توصلي قلب أبني يا حياه
……………………..
تنهدت بألم وهي تري لمعان الحب في عين أروي وهي تقص عليها حكاية حبها وعشقها لهاشم أبن عمها
فارتسمت أبتسامه شاردة فوق ملامحها ،.. ولا تعلم لماذا شرودها أصبح بهذا الرجل رغم كل ما فعله بها .. ،وخاصة تلك الليلة التي كاد يغتصبها فيها ، وسرعان ما كانت ابتسامتها تتلاشي ..، فق هجرها وسافر دون أن يهتم لأمرها وكالعاده لا تعلم بخبر سفرته إلا من العائلة
اردات البكاء ، ولكنها تمالكت حالها ..وعادت تنتبه علي حديث “أروي”
– انا مش مصدقه إنه بيبادلني مشاعر الحب يا جنه
وبحالمية أردفت وهي تغمض عينيها
– ده أنا قولت هنقضيها نظرات لحد ما نعجز
ورغماً عنها كانت تضحك علي حديث أبنة عمها ، لكن اختفت ضحكتها وهي تستمع لسؤال “أروي”
– حبيتي جاسر يا جنه
سؤالاً كان جوابه صعبً عليها ..، فلو أحبته هي ، هو لن يُحبها ،خرجت تنهيده عميقه من أعماقها ، وهي تتخيل لو كان جمعها الحب هي وجاسر لكانت تحيا حياة سعيده ، كتلك الحياة التي عاشتها زوجته الأولي معه
– أخوكِ عمره ما هيحبني يا أروي ، هيفضل طول عمره شايفني الزوجه اللي اتجوزها إجباراً من العيلة
شعرت “أروي” باألامها ، ومدّت كفها تمسح فوق كفها برفق , لعلها تُخفف عنها
– جاسر اخويا كان حنين اوي وكان الحب ده من اول الحاجات اللي بيؤمن بيها ، واتحدي العيله والدنيا كلها عشان يتجوز مرام .. حتي نيره رغم انهم ديما كانوا بيقولوا عليهم في العيله انهم لبعض بس مفرقش معاه ، ومن سبع سنين بس كل حاجه اتقلبت أخويا مبقاش هو
هتفت بها أروي وهي تشعر بالمرارة علي حال شقيقها
– هي مرام راحت فين يا أروي
تسألت بفضول ، ولكن أروي أنشغلت عنها في مطالعة هاتفها ، بعدما صدح رنينه تُتمتم ضاحكة
– ديه نيره ، اه لو عرفت اننا قاعدين سوا وبندردش دلوقتي
طالعتها “جنه” بيأس ، فلم تحصل علي جواب منها يُريحها ويُريح قلبها ، صرخت اروي بسعاده ..، مما جعلها تنتفض من فوق مقعدها فزعاً ، لتقترب منها أروي وتضمها بقوة هاتفه والفرح يحتل ملامحها ، وهي لا تُصدق ما أبلغتها به نيرة
– جاسر وافق علي هاشم ،وهيرجع من سافره يوم الخطوبه يا جنه .. انا مش مصدقه نفسي ، أخيراً هلبس دبلة الانسان اللي بحبه يا جنه
ورغم سعادتها ، لتلك الفرحه التي تراها تلمع في عينين أروي ، إلا إنها ابتلعت غصتها بمرارة ، وهي تري نفسها لا شئ بحياته ، فلو كانت زوجه حقيقية بحياته لكانت هي من زفت الخبر لأروي ، وليست نيرة
وبصعوبة تسألت
– هي نيرة بتشتغل مع جاسر
و أروي منحتها الجواب بسهوله ، لا تُصدق إنها لا تعرف أن “نيرة” تعمل سكرتيرة لجاسر
نيره سكرتيرة جاسر ياجنه ، هو أنتِ متعرفيش
…………………….
تنهد بعمق وهو يري سعادتها بالهاتف والحاسوب الجديد ، فلمعت عيناه لشدة افتقاده لمرحها..
أبتعادها عنه أصبح يزداد كل يوم لدرجة جعلته يشتاق إليها وهو لا يعلم كيف يشتاق لها هو من يطردها بعيداً عن حياته ،رغم إنها صارحته بحبها
انتبه علي سؤالها ، وقد أخرجته من شروده الذي أصبح يُلازمه كلما أصبحت قربه
– طيب أشغل التليفون ده ازاي ، مش عارفه افتحه
ابتسم “احمد” وهو يري أستياءها ، فاقترب من فراشها وجلس عليه ، يُخبرها وهو يُحدق بملامحها الجميلة وبرائتها التي باتت تُرهقه
– تعالي ، أوريكي بيشتغل ازاي
اقتربت منه بتوتر ، لتجلس قربه تتسأل بأرتباك وهي تتحاشي النظر إليه :
– لو مفهمتش فيه هاخد تليفونك
دفعته عبارتها ، للضحك بقوة .. لا يُصدق إنها طامعة بهاتفه
احمد : ده انتي طلعتي، حاطه عينك علي تليفوني بقي ، طيب ايه رأيك ان تليفونك احدث من تليفوني بمراحل
فنهضت متذمره من جوارها ، تضع بيديها فوق خصرها ، ارتفعت تنورتها القصيرة بعض الشئ، فما كان منه إلا أن علقت عيناه بساقيها وقد سلبت شقاوتها أنفاسه، جذبها إليه فسقطت فوق ساقيه ، لتشحب ملامحها وهي تري حالها قريبة منه لهذه الدرجة ، وقبل أن تعترض كان يُخبرها صراحة
– مش هشرحلك التليفون بيشتعل إزاي ، إلا وأنتِ كده ومش عايز أسمع أعتراض
– نعم
وبأعتراض كانت تهتف ، فلمعت عيناه بخبث وهو يراها تُحاول الخلاص من قبضته حول خصرها
– ممكن تبعد عني
وبأنفاس مسلوبه ، كان يهتف دون شعور
– مش قادر أبعد عنك يا صفا
ارتفعت أنفاسها ، وهي تسمع عبارته ..وتري توقه إليها ، ولكن سرعان ما أنتبهت علي حالها وهي تشعر بملمس يديه فوق ساقيها ..، لتُدرك أن ما يدفعه نحوها ليس إلا رغبة
– الاصدقاء في بينهم حدود ، ولازم مانتجاوزش الحدود ديه
انتفضت عنه ، بعدما هتفت بعبارتها التي ألجمته ، ولم تكن عبارتها إلا حديثه الذي أخبرها به من قبل
– صفا ..أنا
وقفت الكلمه علي طرفي شفتيه ، لو كان قالها لكانت منحته نفسها مرحبة ..، رأت الضياع والتردد في عينيه .. فتأكدت إنها ليست إلا أمرأه تُحرك غريزته ، وها هو يخذلها مرة أخري..
وسرعان ما كانت تخرج من الغرفة راكضه ، تخفي دموعها التي علقت بعينيها
…………………….
أتسعت أبتسامة عمتها وهي تراها بكل هذا الجمال ، وبفستانها الذي قد اظهر كل شئ من أنوثتها .. وقد زادها جمالاً فوق جمالها
– أه لو كان جاسر هنا دلوقتي ، وشاف قد إيه هو محظوظ بالجمال ده كله
ألمها حديث عمتها ، فاغمضت عينيها تمنع هبوط دموعها ، فابتعدت عنها “منيره” تضم وجهها بين كفيها :
– أنا عارفه اني بتدخل في حياتكم اوي يابنتي ، بس صدقيني من حبي ليكم .. ومتأكده إن في يوم هشوف الفرحه بتلمع في عينيكي ، وهتشكروني انتوا الاتنين
حاولت تمالك دموعها ، فعن أي فرحه و أمل تتحدث عمتها .. ، جاسر لا يُحبها بل هي من تورطت وأحبته
تعالت أصوات الزغاريط وطلقات النار ، فتهللت أسارير منيره :
– أكيد كتبوا كتب الكتاب ، هروح أشوفهم واشوف جاسر ، وانتي أدخلي للبنات وفرحيهم يا بنتي
مسحت “جنه” تلك الدمعه التي أنسابت فوق خديها ، واسرعت بالدلوف نحو الحجره الواسعه التي تضم معظم نساء وبنات عائلتهم والعائلات الاخري أحتفالاً لهذه المناسبه السعيده ، واقتربت من أروي تحتضنها بقوة تُهنئها:
– مبروك يامدام أروي قولاً بس وليس فعلا
تخضبت وجنتي أروي خجلاً وهي تستمع لعبارتها ، فقرصتها جنه فوق ذراعها غامزه تُشاكسها
اقتربت منهما نيرة ، وهي تشعر بالحقد ، خاصه وهي تري جميع النساء يمدحون جمالها ، وحظ كبيرهم في الزواج منها:
– عقبال لما تبقي انتي كمان مدام فعلا مش بالأسم بس
احتقنت ملامح “جنه” غضبا من وقاحتها ، فحدقت بهم أروي بغرابه، وخاصه وهي تري أحتقان ملامح جنه ..، اسرعت في جذبها بعيداً عن نيرة ، حتي تنهي تلك النيران التي تطاير من نظراتهم نحو بعضهم :
– هنرقص انا وانتي صح ، اوعي تنسي وعدك ليا
فصدحت ضحكات نيره وهي تستمع لحديث أروي :
– وانتي إنها بتعرف ترقص ، بلاش تخليها تكسفنا قدام الناس..
وتابعت حديثها وهي ترمقها بغيظ : أقعدي بقي ياأروي وبلاش فضايح قدام الناس
ابتلعت “جنه” عبارتها ، وقد التمع التحدي في عينيها ، تجذب ذراع أروي في وسط الغرفة
– معندناش عروسه تقعد ، وبما أننا بنات وسط بعض .. فهنعمل اللي يعجبنا
لتحتقن ملامح نيرة ، وهي تراها ترقص ببراعة وأعين الجميع حولها ، يتهامسون بين بعضهم عنها ، يتسألون هل ترقص كل ليلة أمام كبيرهم
…………………….
وقف يتأملها وهي تلتهم بقوه وجبة عشائها سرا في مطبخهم المُظلم، لتتسع أبتسامته وهي يراها تتلذذ بطعم الطعام بهمهات مُتلهفه .. فأقترب منها بحزر
أحمد : عشان تحبسي نفسك في اوضتك تاني من غير أكل
لتنتفض فزعا ، تتأمله وهو يقف امامها حتي قال بتنهد : صفا انا مش عايزك تبعدي عني
وجذب بيديها متمتماً برجاء :
– عايز اوريكي تصميم المنتجع الجديد اللي انا صممته وكان بسببه وجودي هنا
فتحركت خلفه مسلوبة الاراده ، وصعدت معه نحو غرفته ، أجلسها فوق فراشه ، فأخذت تطالعه بأرتجاف وضعف وكادت ان تنهض وتهرب من خفقان قلبها الذي أطفئته منذ ان جرحها ورفض حبها بوحشيه .. فجذب ذراعها وأجلسها ثانية وجلس جانبها فوق الفراش وفتح حاسوبه، قبل أن يمنحها فرصة للهرب
– ها ايه رأيك
لمعت عيناها بأنبهار حقيقي ، تُدقق في حاسوبه وقد تناست أي مشاعر اخري
– انت اللي صممت ده
تعالت ضحكاته ، وهو يراها تُشكك في قدراته:
– جوزك مهندس شاطر علي فكره يامدام
ألجمتها عبارته ، فتعالت أنفاسها وقد أخذت كلمته تتردد داخل أذنيها ، تنظر إليه :
– كنت اتمني اني أصمم المشروع ده في مصر
وتابع حديثه بفخر : وجودي في أمريكا ، كان بسبب براعة المشروع ،
بس عارفه ياصفا اجمل حاجه لما تقدري توصلي لأحلامك اللي بتحبيها مش اللي فرضاها لنفسك
حدقته ، وهي تسمع لحديثه ، وقد اتمعت عيناه بعدما علم بأنه يثرثر كثيرا عن نفسه فتسأل حتي يجذبها نحو حديث أخر
أحمد : نفسك تحققي إيه يا صفا من احلامك
وأه لو اخبرته عن حلمها الذي تتمناه ، إنه هو من كان حلمها الذي تمنته ، أنتظر أن تمنحه جوابها ، وعندما طال أنتظاره ، رفع كفه نحو خدها يمسح فوقه متمتماً
– هتاخدنا علاقتنا لحد فين يا صفا ؟
……………………
ألتمعت عين أروي بشقاوة وهي تطالع مقطع الفيديو ، بعدما انتهت حفلة عقد قرانها ،حدقت بشقيقها الذي جلس بهيمنته يتحدث مع فاخر ، ورغماً عنها كان يخرج صوتها عاليا ، فجعلت الجميع ينتبه عليها :
– ديه جنه طلعت أستاذه
طالعها الجالسين ، لا يفهمون مقصدها ، فالتف بوجه نحو شقيقته ، عندما استمع لاسمه من فم شقيقته وقد ترك فنجان قهوته ، ولم يكن غير هدي هي من فهمت حديث أروي ، فهتفت بضيق مستنكرة ما حدث
– كسفتنا قدام حريم العيله ياعمتي ، فضلوا يسألوا مين ديه .. واول ماعرفوا انها مرات كبير عيلة المنشاوي ،معرفناش نخرس ألسنتهم
تعالا صوت صراخ فاخر ، بعدما أنتبه علي ملامح شقيقه
– هدي
فامتقعت ملامح “هدي” ، غير عابئة بصراخه عليها
– مالها نيره أختي عقله وراسيه وبنت اصول
قبض جاسر فوق كفيه وهو ينهض عن مقعده ، وقبل حديثه بشئ ..، كانت “منيرة” تهتف بحده ، وقد أحتقنت ملامحها :
– وبنت أخوي بنت أصول برضوه ياهدي .. خد مرتك يافاخر وعلمها أزاي تعرف تحترم الكُبار
وصرخت بوجه أروي التي انكمشت علي حالها ، بعدما أكتشفت فداحة فعلتها
– وانتي أمسحي المسخره اللي علي تليفونك ديه
– فين جنه ياعمتي
صدح صوته ، بعدما تمالك غضبه وطالع شقيقه الذي شعر بالحرج من عدم إحترام زوجته لأفراد عائلته وعدم إحترامها لتحذيره
– إحتراماً ليك مش هتكلم علي اللي قالته مراتك يافاخر
تقدمت منهم غافلة عما حدث بغيابها ، وتلك النيران التي تتطاير من عينيه ، تهتف بسعاده بعدما أنهت حديثها عبر الهاتف مع والديها :
– بابا وماما بيسلموا عليكوا ، وباركوا لعمي علي خطوبة أروي
ونظرت نحو عمتها هاتفه :
– عمي حسن عايزك فوق ياعمتي عشان تكلمي بابا
حدقتها عمتها بنظرات طويله ، ونهضت عن مقعدها تومئ لها برأسها ..، وقبل أن تتجه نحو الدرج شيعت نظراته نحو الواقف يقضم فوق شفتيه بقوة ..تُطالعه بنظرات راجيه
– مالكم يا جماعه ، ساكتين ليه
وبقسوة كان يجذبها من ذراعها ، يجرها خلفه
– مش عايز أسمع ليكي صوت
شعرت بالأهانه ، من جره لها بتلك الطريقه ..، وبصعوبة حاولت التخلص من قبضته
– براحه ، أنت بتجرني كده ليه
وبحده كان يعود لالتقاط ذراعها مجدداً ، يدفعها تلك المرة أمامه
– قولت مش عايز أسمع صوتك
……………………………
نظرت اليه طويلا وهي تحمل حقيبتها
– انا مش هقدر أكون الست اللي أنت عايزها
ليطالعها هو بجمود ، بعدما فقد كل ذرة تعقل داخله ..، فيكفيه إنه ما زال صابراً عليها ، يمنحها العذر رغم ضيقه :
– هو لعب عيال ، فوقي ياحياه مش معني اني بدأت اعاملك كويس وصابر عليكي يبقي انا ضعيف ياهانم .. بلاش أوريكي قسوتي اللي بجد
حدقته ساخره ، وقد أنسابت دموعها فوق خديها :
– أنت مش عايزني غير ست ضعيفه ، تفضل تحسسها إنك ولي نعمتها ، وأنا مش هفضل طول عمري كده ..، حرام عليكم
لم يتحمل “عامر” حديثها ، واقترب منها يلتقط ذراعها يضغط فوقه بقوة ، مما أزاد إنهمار
– لولا فلوسي أخوكي كان دخل السجن ، أو كنتي أتجوزتي تاجر مخدرات ..، شايفه إزاي أنا ولي نعمتك
دفعها عنه بعدما انهي حديثه ، لتتعالا شهقاتها بعدما صدمتها عبارتها ، فهي ليست نداً مع هذا الرجل ، وبمرارة كانت تهتف
– مش من حقي ادلع صح ، ولا من حقي احب ولا من حقي يسألوني تتجوزي مين ولا من حقي اختار حاجه خالص.. لازم انا بس اللي أضحي وأسامح واتحمل وأتهان وأسكت ..أنا مكنتش عايزه لا قصر ولا فلوس .. أنا كنت محتاجه راجل يحبني
ألجمته عبارتها ، فعن أي حب تنتظره منه ..، وهو أقسم ألا يسمح لأمرأه تُحرك قلبه ..، طالع دموعها وهي تُخبره بأحلامها مع الرجل الذي تمنته ، وبذكاء كان يقترب منها يضمها إليه رغم أعتراضها ، يمنحها ما تُريده كذباً
– وليه متحاوليش معايا يا حياه
توقفت دموعها ، ورفعت عيناها إليه ..، لا تستوعب حديثه
– أنا عارف إني بجرحك بكلامي ، بس أنا من طبعي قاسي ..، ومش بؤمن بالحب ..، لكن ليه متحاوليش معايا
كان يعلم بأنها ليست بالمرأة الذكية اللعوب ، فلو كانت ذكية لكانت طبقت حديث والدته الذي استمع إليه بالمصادفه ، أو كانت أستخدمة صلاحيتها كزوجة ، وتنتهز الفرصه التي منحتها لها الحياة ..، وتعيش حياة الرفاهية ..
– أحاول
وبخفوت كانت تسأله ، تتذكر نصائح ناهد إليه ..، نحو الشد والإرخاء حتي لا يضجر منها ..، شعرت بذراعيه تطاوق خصرها ، يُلمس جسدها بحنو غير تلك الطريقه التي اعتاد فرضها عليها حينما يرغبها وينتهي الأمر ببكاءها
– أنت مبتحبنيش
– ما أنتي كمان مبتحبنيش يا حياه
بمراوغة كان يُجيبها ، حاولت التملص من اسر ذراعيه وسحر عيناه الناعسة
– عشان كده بقولك نحاول
وببطئ كان يقترب منها ، يلثم خدها ثم قرب فكها ..، يتجه بشفتيه نحو عنقها ..، ارتخي جسدها بين ذراعيه ..، فلمعت عيناه بشقاوة ..، فبمجرد كلمات هادئه ..ينال ما أراده ، اتجه بها نحو الفراش.
– هنحاول يا حياة ، هنحاول نحب بعض
هتف بالكلمه التي يعلم إنها ستعيدها لأغماءتها القصيرة معه ..، وبتروي ورفق كان ينالها
وللعجب إنه ظن إنه سيكتفي معها بمرة واحده ، ولكن هيهات كان لا يستطيع الخروج من سحرها وخجلها الفطري ، لقد أشعرته برجولته وبمشاعر لم يشعر بها من قبل ولكنه لن يفسرها .
الفصل السابع والعشرون
******
وقفت أمامه تشعر بأن هناك حديث يُريد إخبارها به ، تلاقت عيناهم في نظرة طويله ..، ولأول مرة تري في نظراته لها نظرت لم تفهمها ، ولكنها كانت أبعد عن تلك النظرة التي أعتاد النظر بها إليها ، لم تري البروده والقسوة بل رأت رجلاَ أخر .. رجلاً يُريد الهرب من مشاعره ..، حللت , أنتظرت وداخلها كان ينبض بالترقب ..، ولكن كل شئ تحول داخلها وهي تستمع لأخر ما توقعته
– أنا أسف ياجنه
وأسفه لم يكن ما يُريد إخبارها به وحده هذه الليله ، اشاح عيناه عنها بعدما رأي نظرتها المتلهفة لحديثه ..، وبدون رحمه كان يُسقطها من سحابتها
– إحنا لازم نتطلق ياجنه !
سقطت العبارة علي أوتار قلبها كالصاعقه ، فأخذ صداها يتردد علي مسمعها ، فالتمعت عيناها بالدموع غير مصدقة ..، إنه يُخبرها بضرورة طلاقهم بعدما شعرت ببصيص من الأمل في نجاح علاقتهما
أبتلعت غصتها اللعينة ، تلوم حالها علي حبها لهذا الرجل .، فكيف سمحت لقلبها بأن يُحبه وهي تعلم بفشل حكايتهم ..، انسابت دموعها وقد وقف يرمقها بنظرات احتلها الخواء ..، أرادت الصراخ به ..، ارادت صفعه وضربه بكل قوتها ..، لعلها تُخرج فيه قهرها ..، ولكن رنين هاتفه جعلها تفيق من أفكارها ..، تنتبه علي الحاله التي أصبح عليها وهو يسأل شقيقه صارخاً
– ايوه يافاخر ، بتقول إيه ؟
ارتجفت يده فوق الهاتف ، وهو يسمع ما يُخبره به شقيقه ، فاقتربت منه وقد أحتلي الذعر ملامحها
جنه : إيه اللي حصل ؟
هرول من أمامها دون جواب ..، فركضت خلفه تصرخ باسمه بعدما شعرت بالخوف من حدوث شئ لعائلتها ..، لتجلس فوق الدرج بأنفاس مسلوبه تنظر نحو الفراغ أمامها ، تهمس أسمه هذه المرة بخفوت