جواد بلا فارس٣
قال “آدم” بتحدى صا.رخ :
– أعلى ما فى خيلك اركبه يا “عاصى” .. انا أدك انت وأبوك .. وهوقعكوا زى ما وقعتونى
قال “عاصى” صارخاً وهو يدفع “آدم” فى كتفه :
– اجرى العب بعيد يله
لم يتحرك “آدم” بل تحرك حراسه .. ثلاث رجال مفتولى العضلات بمجرد أن رؤا يد “عاصى” وهى تدفع “آدم” أسرعوا بالإحاطة بـ “عاصى” .. نظر اليهم “عاصى” فى توتر فابتسم “آدم” ساخراً وهو يقول :
– أصلى كنت عارف انك جاى فجبتهم يرحبوا بيك
نظر اليه “عاصى” بغبط وقال :
– ليك يوم يا “آدم” كلامنا منتهاش .. هنكمله بعدين
قال “آدم” ضاحكاً :
– فى أى وقت تحبه .. انت تؤمر
رحل “عاصى” وعينا “آدم” تتابعه بإستمتاع .. قالت الفتاة وهى تقترب منه :
– ياه ده انت جامد أوى
ابتسم “آدم” فقالت بلال وهى ترمقه بنظراتها الجريئة :
– مش هتوريني الشاليه بتاعك بأه
توجه “آدم معها خارج الحفل الذى أوشك أن ينتهى .. أوقفه “زياد” وهو يرمق الفتاة شزراً :
– رايح فين يا “آدم” ؟
قال “آدم” بهدوء :
– خلاص الحفلة خلصت .. شوف انت لو حد احتاج حاجه .. سلام
شعر “زياد” بالضيق من رحيل صديقه مع تلك الفتاة التى تكشف من جسدها أكثر مما تستر
************************************
شعرت “أسماء” أثناء نومها بشئ حار يسبح فوق جسدها .. أحكمت وضع الغطاء عليها .. وغطت فى النوم مرة أخرى .. أفاقت وهى تشعر بضغط على أجزاء متفرقة من جسدها .. فتحت عينيها لترتطم بوجه “هانى” .. هبت جالسه فى فراشها وهى تقول بفزع :
– انت بتعمل ايه فى أوضتى ؟
أشار “هانى” بإصبعه الى فمه قائلاً :
– ششششش وطى صوتك
أمسكت “أسماء” الغطاء الذى كشفه عنها وغطت به جسدها حتى ذقنها وقالت وهى تنظر اليه برعب :
– اطلع بره بدل ما أصرخ وأفضحك
قال “هانى” بسخرية :
– مش هتقدرى
قالت بتحدى وقد شعرت بأن حركتها قد شلت من الرعب :
– لأ أقدر
فجأة انطلقت تغادر الفراش وتنطلق فى اتجاه الباب فتحته وتوجهت الى غرفة خالتها تطرق الباب بعنف .. أسرع “هانى” بالخروج من غرفتها والتوجه الى غرفته والنوم على فراشه متظاهراً بالنوم .. فتحت خالت “أسماء” الباب وهى تقول :
– ايه فى ايه حد خبط على حد كده
قالت “أسماء” باكية :
– “هانى” كان فى أوضتى يا خالتو
قالت خالتها بإستنكار :
– “هانى” ابنى
استيقظ الجميع على تلك الأصوات المرتفعه اقتربت منها أمها قائله :
– ايه فى ايه يا “أسماء”
قالت “أسماء” باكية وهى تنظر الى أمها وخالتها :
– “هانى” كان فى أوضتى لقيته واقف جمب السرير وشال الغطا من عليا وقالى اسكتى ومتتكلميش
صاحت خالتها قائله بغضب :
– ابنى متربي يا “أسماء” ايه اللى انتى بتقوليه ده
خرج “هانى” من غرفته وهو يتظاهر بالنعاس وقال :
– ايه فى ايه ايه الدوشة دى
قالت أم “أسماء” :
– انت كنت نايم
قال وهو يفرك عيناه :
– أيوة صحيت على صوتكوا
قالت “أسماء” باكية :
– كذاب ده له طالع من أوضتى دلوقتى
أمسكتها خالتها من ذراعها قائله :
– انت بنت مش متربية وقليلة الأدب وكمان بتتبلى على ابنى .. أفهم ايه من التمثيلية اللى انتى عملاها دى .. بترسمى على الواد يعني ولا ايه
انفجرت “أسماء” فى بكاء حار وهى تمتم :
– والله العظيم كان فى أوضتى
جذبتها أمها من ذراعها بعدما اعتذرت الى أختها وقالت لأسمها بصرامة :
– اعتذرى لخالتك
نظرت “أسماء” الى خالتها وقالت :
– آسفة يا خالتو .. بس والله …….
جذبتها أمها قبل أن تنهى كلامها وتوجهت الى غرفتها وأغلقت الباب ثم قالت بقسوة :
– انت ايه معندكيش احساس .. بقولك مش عايزه مشاكل وانتى راحه فاضحة نفسك فى نص الليل وتقولى الواد دخل أوضتك
قالت “أسماء” :
– يا ماما …….
قالت أمها بعنف :
– اخرسى .. ومش عايزه أسمع أى كلمة فى الموضوع ده .. ولو عملتى مشكلة تانى يا “اسماء” يبقى ترجعى بيت أبوكى أحسن وتعدى مع المحروسة بتاعته
قالت ذلك ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها .. جلست “أسماء” خلف الباب وهى تدفن وجهها بين قدميها وتبكى وشعور بالقهر والظلم يغمرها
*************************************
دخلت “آيات” الى المستشفى بصحبة دادة “حليمة” وهى تهرول وتسأل كل من تقابله بأعين دامعه :
– بابا فين .. “عبد العزيز حسان اليمانى”
أشارت لها احدى الممرضات أن تتوجه الى مكتب الاستقبال ففعلت وقالت بصوت باكى :
– لو سمحتوا بابا جراله ايه قولولى بابا جراله ايه اسمع “عبد العزيز حسان اليمانى”
قال لها الرجل :
– الاستاذ “عبد العزيز” فى العناية المركزة بالدور الرابع
هرولت “آيات” وهى تضع يدها على قلبها وتتمتم :
– يارب يارب
طمأنتها “حليمة” قائله :
– متقلقيش يا بنتى ان شاء الله خير
رات محامى والدها واقفاً فى الممر فجرت ليه قائله بلهفه :
– بابا فين يا عمو ؟
قال لها المحامى بأسى :
– فى العناية المركزة يا ابنتى
انفجرت باكية وهى تقول :
– ايه اللى حصل .. ايه اللى حصله ؟
قال المحامى وهو يتنهد بحسره :
– جاله خبر خسارة كبيرة اتعرضلها بعدها جتله أزمة وجبته على هنا على طول والدكاتره دخلوه العناية المركزة
انهارت باكية على أحد المقاعد وهى تقول بصدق :
– مش مهم أى حاجه المهم انه يبقى كويس .. أى خساره ممكن تتعوض لكن هو لأ .. مش ممكن اعوضه أبداً
ثم قالت من أعماق قلبها :
– يارب اشفيه يارب .. يارب احفظه يارب
*************************************
تجولت الفتاة فى الشاليه وهى تنظر اليه بإعجاب .. فقال لها “آدم” مبتسماً :
– عجبك ؟
قالت وهى تتأمل “آدم” بإعجاب :
– جميل جداً .. وانت كمان جميل جداً
ابتسم “آدم” مجاملاً ثم نظرت اليه قائله بمرح :
– عندك درينك ؟
قال “آدم” وهو يهز رأسه نفياً :
– لا للأسف مش عندى غير شاى ليكي فى الشاى
ابتسمت وهى تقترب منه بدلال قائله :
– لا خلاص مش مهم
أحاطته بذراعيها والتقت نظرات عيونها الجريئة بعيونه التى تتلاطم نظراتها كتلاطم الأمواج فى بحر هائج مظلم حائر لا تدرى كل موجه فى أى وجهة تذهب فترتطم فى طريقها بموجة أخرى لتمتزج معها وتختفى بداخلها وهكذا حتى تصل الى الشط بهدوء وقد سكنت ثائرتها واطمئنت ذراتها بوصولها أخيراً الى بر الأمان .. لكن عيناه بحثت عن الشط فلم تجده !
الحلقة ( 15 )
تؤمّلُ أنك يوماً تتوبْ !
وتشكو الذنوبَ .. وأنتَ الذنوبْ!
وفي كل يومٍ تبوء بذنبٍ
وعيبٍ يُضاف لباقي العيوبْ
تؤمّل أنك تحيا طويلا ً
وشمسك مالت وحان الغروبْ !
أتهجرُ دربَ الهدى والصلاحِ
وترحل في مُهلكات الدروب ؟!
تؤجّل توبَك دوماً ! ولستَ
تؤجل يوماً لقاء الذنوبْ !
قال “آدم” وهو يهز رأسه نفياً :
– لا للأسف مش عندى غير شاى ليكي فى الشاى
ابتسمت وهى تقترب منه بدلال قائله :
– لا خلاص مش مهم
أحاطته بذراعيها والتقت نظرات عيونها الجريئة بعيونه التى تتلاطم نظراتها كتلاطم الأمواج فى بحر هائج مظلم حائر لا تدرى كل موجه فى أى وجهة تذهب فترتطم فى طريقها بموجة أخرى لتمتزج معها وتختفى بداخلها وهكذا حتى تصل الى الشط بهدوء وقد سكنت ثائرتها واطمئنت ذراتها بوصولها أخيراً الى بر الأمان .. لكن عيناه بحثت عن الشط فلم تجده !
لكم غرق من قبل بين الأمواج العالية تأخذه وتجذبه الى حيث أرادت لكن هذه المرة شعور بالنفور لازمه .. أين هو من تلك الفتاة البريئة التى بكت أمامه عندما استشعرت أمام خالقها شعور عظيم بالذنب من أجل .. قبلــة .. تذكر عبراتها التى انهمرت وهى تدفن وجهها بكفيها وتخبره بأنها ظلت طوال الليل تشعر بالذنب مما حدث بينهما .. خشت من خالقها من أجل تلك القبلة وهو ينتهك حرمـ,ـات الله وتحت ناظريه .. أين تلك الفتاة التى معه الآن من الفتاة النقية التى أوقفت خاطبها عند حده وكرهت تجاوزاته التى تغضب ربها رغم شدة حبها له .. أين هى من تلك الفتاة العفيفة التى لم تقبل أن يمسها رجلاً آخر غير زوجها حتى ولو كان خطيبها .. نظر الى الفتاة التى معه يحاول أن يتناسى تلك الأفكار التى تراوده .. لكن كلما غاص فى البحر أكثر .. كلما شعر بالنفور بداخله يكبر .. حتى .. نهض عنها .. نظرت اليه بغضب قائله :
– فى ايه ؟
عدل ملابسه وقال بهدوء :
– بعد اذنك اخرجى
نظرت الفتاة اليه بغضب شديد وهى تسب بلغتها .. انتظرها “آدم” خارج الشاليه حتى خرجت وهى ترمقه شزراً .. أغلق “آدم” باب الشاليه وأخذ يحث السير وكأنه يهرب من شئ مخيف بشع .. أخذ يسير بغير هدى فى اتجاه البحر حتى علم بأن هذا الشئ المخيف البشع الذى أراد الهروب منه إنما بداخله هو .. لكن كيف السبيل الى الهرب .. كيف النجاة .. ركل الأرض بطرف حذائه بقوة فتناثرت حبات الرمل أمامه كموجة غاضبة .. جلس على الرمل ينظر الى البحر الثائر كثوران نفسه .. تنهد بقوة وهو يستشعر مدى الإنحدار الذى أوصله اليه عقله .. تذكر نظرات “آيات” يوم أن علمت بحقيقته .. نظرت اليه بتقزز ثم أغمضت عينها حتى تتجنب رؤياه .. وصمت أذنيها لتتجنب سماع صوته .. شعر الآن بما كانت تشعر به وقتها.. فها هو يشعر بالتقزز من نفسه ومن كل شئ فيه .. يشعر بأنه غارق فى مستنقع لزج كلما حاول النهوض جذبه اليه مرة أخرى حتى استسلم له تماماً .. ظل صوت يهتف بداخله .. انهض يا “آدم” .. انهض .. فصاح صوت آخر .. أمثلى يستطيع النهوض ؟! .. لقد أغرقنى المستنقع بقذارته حتى لم أعد أشتم الا تلك العفونة المنبعثة منى .. لن أستطيع النهوض .. لكنى رغماً عنى .. لم أعد أطيق تلك الرائحة التى أصبحت تصيبنى بالغثيان .
***************************************
جلست “آيات” تبكى وتتضرع الى الله أن ينقذ والدها وأن يحفظه لها .. أخيراً خرج الطبيب المسؤل عن حالته فهبت واقفة وهى تنظر اليه بخو…ف وقلق قائله :
– بابا عامل ايه دلوقتى .. ممكن أشوفه
قال الطبيب وعلامات الإشفاق على وجهه :
– للأسف .. عضلات القلب ضعـ,ـيفه وفى صمام تالف لازم عملية تبديل صمام فى أقرب وقت
أجهشت “آيات” فى البكاء .. فأحاطتها “حليمة” الباكية بذراعيها .. فقال الطبيب :
– المشكلة ان العملية أصلاً فيها خطورة عليه لان زى ما قولت عضلات القـ,ـلب ضعيفه .. بس فى نفس الوقت مينفعش نتنى على العملية أكتر من كده
قالت “آيات” من بين شهقات بكائها :
– يعني نعمل ايه ؟
قال الطبيب :
– بصى يا بنتى الحالتين فيهم خطورة سواء انتظرنا أو عملنا العملية .. بس رأيى الشخصي اننا نعمل العلمية ونتوكل على الله
ثم قال :
– طبعا لازم موافقة حد من أهله
قالت “آيات” وهى تحاول أن تتمالك نفسها :
– طيب هرد عى حضرتك النهاردة وأقولك عنعمل ايه
قال الطبيب :
– معاكى لحد اسبوع لان مينفعش ندخله العلميات دلوقتى .. لما حالته تستقر شويه
انصرف الطبيب وترك “آيات” غارقة فى حيرتها وخوفها
***************************************
كانت “إيمان” فى طريقها الى عملها عندما استقلت الحافلة وجلست بجواء الشباك تتطلع منه الى الطريق بعقل نصف منتبه .. كان الشرود بادى عليها وهى مستغرقه فى التفكير .. لكنها انتبهت فجأة على ضحكات عاليه من المقعد خلفها .. سمعت شاباً يقول لآخر :
– أهى واقفة مش لاقيه حته تعد فيها
فقال الآخر ضاحكاً :
– طبعاً يا ابنى ودى يجبولها كرسى يكفيها ازاى دى
نظرت “إيمان” أمامها لتجد سيدة بدينة للغاية تقف وهى تتمسك بأحد المقاعد وحبات العرق تتصبب فوق جبينها فتسمحها بمنديلها وتعود لتتمسك بيديها فى المقعد .. سمعت الشاب يقول :
– حد يقولها تقف فى النص بلاش تركن أوى على الجمب اليمين أحسن الأتوبيس يتقلب بينا
ضحك زميله وهو يقول :
– أو ممكن نجيب فيل ونحطه الجه التانية عشان يبقى فى توازن
شعرت “إيمان” بالعبرات الساخنه تتساقط فوق وجهها وهى تستمع الى سخرية الشابين من تلك المرأة .. لم تكن “إيمان” فى مثل بدانتها لكنها شعرت بكلمات الشابين كالخناجر تطعن فيها هى .. وكأن كلماتهما موجهة اليها .. ألقت نظرة شفقه على تلك السيدة وهى تحسبن على الشابين فى الخلف .. ألا يعلم مثل أولئك النهى الربانى فى سورة الحجرات : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ” .. ألا يعلم أولئك الجهال أن الله لا ينظر الى الأجساد لكنه ينظر الى عمل تلك الأجساد : ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ” .. ألا يعلمون أن الإنسان كرمه الله عز وجل وأسجد له ملائكته وعلمه من علمه لذلك وجبت المحافظة على كرامته مصانه غير مهانه .. ألا يعلم أولئك الذين يسخرون ويستهزأون من غيرهم من ذوى البدانة أن أحياناً تكون تلك البدانة أمراً وراثياً لا دخل للإنسان فيها .. كلون عينيه و لون شعره ولون بشرته وشكل أنفه و طوله وقصره .. كيف تلوم انسان أن لون عينيه أسود ؟! .. كيف تلومه لأنه قصير القامة ؟! .. كيف تلومه لأن أنفه كبير ؟! .. هو لم يخلق نفسه بل الله خلق والله جميل يحب الجمال لا يخلق شيئاً قبيحاً أبداً .. لكن لا يوجد انسان كامل فالكمال لله وحده فقط .. ومقاييس الجمال والدمامه نسبيه من شخص لآخر .. قد يفضل رجل الشقراوات وآخر يفضل السمراوات .. قد يفضل رجل النحيلات ويفضل آخر البدينات .. لكن الغير مقبول هو الاستهزاء بما لا يروق لك .. ودت إيمان” لو صرخت فى وجوه الشابين قائله ألم تعلموا بأن الله أعد عذاباً شديداً وهلاكاً ودماراً لكل من يستهزئ بغيره ويعيب فيهم ويغتابهم “وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ” .. وفى أحد التفسيرات أن “الويل” هو وادى فى جهنم .. مسحت “إيمان” عبراتها المتساقطة وهى تتذكر أن الله عادل لا يظلم أبداً ولذلك أعطى تلك المرأة من حسنات هاذين الشابين ما الله به عليم .
**************************************
جلس “آدم” فى مكتبه يطالع حاسوبه ويطمئن على سير العمل فى القرية .. شعر بالسعادة عندما وجد الإقبال على قريته فى يومها الأول بعد الإفتتاح فاق توقعاته .. شعر بأنه سيصل الى حلمه بأسرع مما ظن .. دخل “زياد” مكتبه وعلى وجهه علامات العبوس .. قال له “آدم” مبتسماً بسعادة :
– شوفت كام نزيل فى القرية ومن أول يوم
قل “زياد” واجماً :
– أيوة شوفت
نظر اليه “آدم” يرقب تعبيرات وجهه برهه ثم قال :
– ايه فى ايه يا “زياد” .. فى مشاكل ولا حاجه
نظر اليه “زياد” بعتاب قائلاً :
– البنت بتاعة امبارح باتت معاك يا آدم ؟
ظهر على “آدم” علامات التبرم .. فقال “زياد” بحده :
– شوفتكوا وانتوا رايحين جهة الشاليه بتاعك .. باتت عندك مش كده
نظر اليه “آدم” قائلاً ببرود :
– لأ .. ارتحت
نظر اليه “زياد” متفرساً ثم قال :
– يبقى كنت ناوى بس فى حاجة منعتك
زفر “آدم” بضيق فقال “زياد” :
– لو مكنتش صحبى وبحبك مكنتش اهتميت وكنت قولت يولع هو وهيا وأنا مالى .. بس أنا خايف عليك يا “آدم”
قال “آدم” بضيق :
– متخافش يا “زياد” .. وبعدين متعكرش مزاجى أنا فرحان وسيبنى أشوف شغلى بمزاج
قبل أن ينصرف “زياد” قال له “آدم” :
– آه “زياد” .. جهز نفسك النهاردة عشان افتتاح الملهى الليلى
قال له “زياد” بتبرم :
– مش عارف ايه لزمتها
قال “آدم” بحزم :
– لازمتها اننا بنجذب السياح وبنجذب المصريين اللى عايزين قرية سياحية كاملة من كله .. خاصة بأه ان قرية الفيروز مفيهاش ملهى ليلى ولا فيها مساحة ينفع يتعمل فيها ملهى ليلى ولا حتى فيها ترخيص ملهى ليلى
قال “زياد” بضيق :
– يعني مينفعش نجذب الناس للقرية بتاعتنا غيرب الكباريه ده
قال “آدم” بحده :
– ماسموش كباريه .. ده مكان فيه رقص وشرب مش أكتر من كده متحسسنيش انى هفتح بيت دعارة فى القرية
قال “زياد” متبرماً :
– طيب انت حر .. مع انى مش مستريح للموضوع ده .. لان نوعية الناس اللى هتدخله مش هتبقى مظبوطة
قال “آدم” بنفاذ صبر :
– اللى مش مظبوط نظبطه أمال البودى جاردز اللى أنا جايبهم دول جايبهم ليه
أومأ “زياد” رأسه بعدم اقتناع ثم غادر المكتب
***********************************
توجهت “آيات” الى مكتب محامى والدها بالشركة .. لتسأله عن كيفية سحب أموال من حساب والدها تكفى للعملية .. فليس لها حساب خاص بها .. لكن المحامى صدمها بشدة عندما قال فى أسف :
– أنا عارف انها هتبقى صدمة بكيرة عليكي بس أنا مضطر أصارحك .. باباكى اتعرض لخسارة جامدة جداً .. الأرصدة كلها اتجمدت واتحجز على الفيلا والشركة وكل حاجة بإسم “عبد العزيز” بيه
نظرت اليه “آيات” مصدومة وقد فغرت فاها .. فاكمل قائلاً :
– لو ابتاعت الشركة بالفيلا بكل مشتملاتهم يدوبك هتقضى الدين اللى على باباكى لأن حجم الاستثمارات كان كبير جداً وللأسف سهمنا نزل جامد فى البورصة وكل يوم بينزل عن اليوم اللى قبله
غارت عيناها وقد عُقد لسانها من الصدمة لا تدرى ما تقول .. فقال المحامى :
– أنصحك يا آنسة “آيات” ببيع كل شئ عشان تسديد الديون .. لان كل ما اتأخرتى فى البيع كل ما السهم نزل أكتر
قالت “آيات” بنظرات دامعة :
– يعني ايه ؟ .. مفيش فلوس يعمل العملية ؟
قال المحامى :
– ممكن تستأذنى حد من أصحاب الدين انك تتأخرى شوية فى السداد .. بس لازم البيع فى أقرب وقت
قالت “آيات” بحيرة وأسى :
– ازاى يعني هبيع أنا مفيش حاجة بإسمى كل حاجة بإسم بابا
قال المحامى :
– أنا معايا توكيل منه .. بس محتاج آخد موافقتك .. على فكرة قبل ما والدك يدخل المستشفى كنا بنتكلم فى القطة دى وأكيد كان هيوافق على البيع
فكرت “آيات” بعقل مشتت .. لم تجد غير أن ستتمع الى كلام المحامى .. فقالت بأعين دامعة :
– خلاص حضرتك اتصرف .. المهم يكون معايا فلوس فى اقرب وقت عشان عملية بابا هتتكلم جامد
طمأنها المحامى قائلاً :
– متقلقيش ان شاء الله البيع ينتهى بسرعة .. بس ياريت تعملى حسابك وتفضى الفيلا فى اليومين الجايين
شعرت “آيات” بالحزن والألم والقهر لكنها تمتمت :
– انا لله وانا اليه راجعون اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها
خرجت “آيات” من مكتب المحامى لتركب سيارتها بآلية .. وصلت الى المستشفى وجلست فى الخارج بعدما رفض الطبيب السماح لها بالدخول .. جلست على أحد المقاعد تنهمر العبرات من عينيها فى ألم ولسانها لا يفتر عن الدعاء لوالدها والتضرع الى الله بشفاءه
********************************
خرج “آدم” من مكتبه ليجد “ساندى” تتشاجر مع احدى الموظفات .. ثم أقبلت على “آدم” قائله بحدة :
– “آدم” البنت دى تطرد فوراَ
نظر “آدم” الى الفتاة الواقفة وقال :
– ملها عملت ايه ؟
قالت “ساندى” بتعالى :
– مش عايزه تسمع الكلام .. بقولها تدينى حسابات النزلاء عشان أراجعها رفضت .. بنت قليلة الأدب لازم تطردها
أمر الفتاة بالإنصراف ثم نظر “آدم” بغضب الى “ساندى” قائلاً :
– أنا هنا اللى اقول مين يمشى ومين يستنى .. وبعدين انتى عايزة الحسابات تراجعيها ليه ؟ .. مالك انتى ومال الحسابات .. انتى وظيفتك هنا فى العلاقات العامة وبس
قالت “ساندى” بحده :
– دى قرية بابا وأعلم فيها اللى أنا عايزاه
قال “آدم” بصرامة :
– اسمعى يا “ساندى” .. هتلتزمى بشغلك هنا وتبعدى عن طريق يبقى تمام ومفيش مشاكل .. أما لو فضلتى تدخلى فى اللى ميخصكيش يبقى تروحى تشتغلى فى شركة باباكى اللى فى القاهرة احسن
نظرت اليه “ساندى” بغيظ وقالت بحده :
– اظاهر ان انت نسيت ان دى قرية بابا وانت شغال عنده
قال “آدم” بعنف :
– لا دى قريتي زى ما هى قريته أنا شريكه مش شغال عنده
رمقها بنظرة غاضبه قبل أن يتركها وينصرف .. شعرت “ساندى” بالغضب الشديد .. فما كانت تتوقع تلك المعاملة من “آدم” بعدما ساعدتها على اقناع والدها بمشروعه
******************************
جلست “سمر” فى حجرة المعيشة أمام التلفاز .. سمعت صوت الباب يفتح خلفها .. دخلت والدتها وألقت السلام ثم قالت :
– فى غدا ؟
قالت “سمر” :
– أيوة يا ماما .. أقوم أسخنهولك
قالت والدتها :
– لا خليكي
دخلت والدتها وبدلت ملابسها ثم توجهت الى المطبخ .. تبعتها “سمر” ووقفت على باب المطبخ تنظر الى أمها .. فالتفتت اليها قائله :
– أخبار شغك ايه ؟
قالت “سمر” بخفوت :
– تمام الحمد لله
قالت والدتها :
– اتغديتي ؟
قالت “سمر” :
– أيوة من شوية
صمت كلاهما لفترة قبل أن تقطع “سمر” هذا الصمت قائله :
– ماما .. هو انتى متعرفيش أى حاجة عن بابا ؟
وقع الطبق من يد والدتها ليتفتت الى أشلاء .. حاولت جمعه فانجرحت يدها .. أسرعت “سمر” بمساعدة أمها قائله :
– خليكي .. انا هشيله
نظفت “سمر” مكان الطبق المكسور .. ثم نظرت الى والدتها التى علا الغضب وجهها .. ثمق الت :
– ايدك كويسه
قالت أمها :
– أيوة
ثم التفتت اليها قائله بحزم :
– مش عايزه أسمع سيرة الراجل ده تانى .. ماشى يا “سمر” ؟
قالت “سمر” بألم :
– أنا بس عايزه أعرف هو ليه مبيسألش عننا يني خلاص نسانا
صاحت امها قائله :
– أيوة نسانا ومعدناش لازمينه .. ومش عايزه أسمع كلمه واحده عنه بعد كده
خرجت أمها المطبخ مسرعة لتدخل غرفتها باكية .. تبكى شعوراً لا يوصف بالظلم والقهر والخيانة .. يااه ما أقسى الخيانه .. عندما تأتى من أقرب الأشخاص اليك .. تكون مرارتها كالعلقم .. وألمها كحد السكين .
************************************
جلست “آيات” مع “أسماء” فى الفيلا .. قالت “أسماء” تواسيها :
– معلش يا “آيات” .. ربنا يقوم عمو بالسلامة
قالت “آيات” باكية :
– أنا مش عايزه غير كده .. مش مهم أى حاجه خالص .. المهم هو يقوم بالسلامة
ابتسمت “أسماء” مشجعة وقالت :
– ان شاء اليه هيقوم بالسلامة
ثم قالت :
– هتعملى ايه فى فلوس العمليه
قالت “آيات” بحزن وأسى :
– المحامى هيبيع كل حاجة ونستأذن حد من أصحاب الدين انى أأجل الدفع شويه .. مع انى خايفه أوى يرفضوا
قالت “اسماء” :
– وليه متطلبيش دهبك من دكترو “آدم” ؟
خفق قلب “آيات” بقوة وهى تستمع الى اسمه .. ثم ما لبثت أن شعرت بالضيق .. فقالت “أسماء” بحزم :
– انت محتاجة كل مليم واكيد دهبك ده هيفك ضيقه .. اطلبيهم منه
صمتت “آيات” قليلاً ثم قالت بحزن وتهكم :
– تفتكرى لو طلبتهم منه هيرجعهملى
قالت “أسماء” بحده :
– اطلبيهم يا “آيات” .. ولو مرجعهمش يبقى منه لله بجد
تنهدت “آيات” وهى تشعر بالحيرة ثم قالت بوهن :
– مش قدامى فعلاً غير كده .. مع انى حسه انه مش هيرجعهملى
قالت “أسماء” مشجعة :
– كلميه دلوقتى
أمسكت “آيات” هاتفها وهى تشعر بالإضطراب والتوتر .. هل هى ستسمع صوته بعد كل تلك المدة .. لولا ضيقتها ما فكرت فى الإتصال به قط .. فآخر ما تريده هو سماع صوته .. أو التحدث معه .. اتصلت فلم يجب أحد .. عاودت الإتصال فلم يجب .. تنهدت بحسرة وهى تقول بمراراة :
– أكيد عارف انها أنا وانى هطلب دهبى .. قولتك مش هيرجعهم
قالت “أسماء” وهى تخرج هاتفها :
– طيب كلميه من رقمى
انتظرت “آيات” لبعض الوقت ثم حاولت الاتصال به من هاتف “أسماء” ثم قالت :
– برده مبيردش
قالت “أسماء” وهى تنهض :
– ان شاء الله يرد .. أنا همشى بأه يا “آيات”
وقفت “آيات” قائله بوهن :
– طيب يا “أسماء” وأنا هطلع أنام شوية وآخد دش وبعدين هنزل أروح المستشفى أبات مع باباها هناك يمكن يفوق ولا حاجه
عانقتها “أسماء” قائله :
– متخفيش ان شاء الله هيقول بالسلامة
تنهدت “آيات” بعمق قائله :
– يارب يا “أسماء” يارب
*************************************
كانت “أسماء” جالسه فى فراشها شاردة تفكر فى حالها وفى وضعها هى و “آيات” .. أرهقها التفكير فقامت واغلقت المصباح وتمددت على فراشها تحاول النوم .. فجأة “هانى” يدخل عليها الغرفة ويغلق الباب خلفه .. صاحت قائله :
– امشى اطلع بره
أشار “هانى” الى فمه بإصبعه وقال مهدداً :
– لو صرختى زى المرة اللى فاتت هقول ان انتى اللى طلبتى آجيلك أوضتك
فكرت “أسماء” فى كلامه .. لو فعل ذلك فستطرد من البيت شر طرده .. بكت قائله :
– حرام عليك سيبنى فى حالى بأه
اقترب من الفراش فانزوت به أكثر .. قال وعينيه تلمعان فى ظلام الغرفة :
– أسيبك ايه هو أنا عبيط .. حد يشوف الحلاوة دى كلها أدامه ويسيبها
شدت “أسماء” الغطاء عليها أكثر .. لكنه جذبه وأزاحه عنها .. بكت قائله :
– حرام عليه ده أنا بنت خالتك
قال بغلظة وهو يتلمسها بيده :
– مبلاش تمثيل بأه منتى لو واحدة محترمة مكنتيش أعدتى بلبس زى ده فى بيت فيه شابين
نظرت “أسماء” الى البنطلون والبادى نصف الكم الذى ترتديه وتتجول به فى البيت بلا حرج وهتفت باكية :
– أنا لابسه عادى مش وحش .. وانتوا ولاد خالتى مش حد غريب .. حرام عليك
لم يعبأ ببكائها ولا بتوسلاتها وقال بتهكم :
– متخفيش مش هأذيكي .. ده ان كنتى لسه سليمة أصلاً
شعرت بأنفاسه الكريهة المعبأة برائحة الدخان تلفح وجهها وتكتم أنفاسها وشهقات بكائها المرير .. شعرت بالعجز والضعف وقلة الحيلة وهى تعلم أن مصيرها ان لم تطيعه هو الطرد من البيت بفضيحة تشوه سمعتها أمام الجميع .. شعرت بالنفور والتقزز منه ومن نفسها بكت وتوسلت وترجته أن يتركها .. لكنه ظل يعبث بها الى ان اكتفى .. شعرت “أسماء” برغبة شديدة فى التقيؤ فلم تستطع أن تكبح جماح نفسها فمدت رأسها بجوار الفراش لتأتى بكل ما فى بطنها المضطرب .. قال “هانى” بتقزز وهو يغادر :
– قرفتيني الله يقرفك .. وبعدين زى ما وعدتك أهو صاغ سليم
خرج من غرفتها ليتركها باكية بحرقة وهى تكاد تختنق وتغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الدقائق الكريهة وما حدث فيها .. نهضت مسرعة الى دولاب ملابسها وارتدت على عجالة وأخذت ما استطاعت أن تصل اليه يدها من ملابسه وخرجت من البيت مسرعة دون أن تهتم بإيقاظ والدتها وابلاغها برغبتها فى الرحيل
******************************************
فى وسط الإحتفال فى الملهى الليلى الجديد الملحق بقرية جولدن بيتش .. قال “زياد” لـ “آدم” بصوت مرتفع حتى يتمكن من سماعه :
– كله تمام ومفيش مشاكل
ابتسم “آدم” قائلاً :
– كويس وأنا شايف ان معظم اللى هنا مش نزلاء القرية .. بس أكيد هيبقوا نزلاء من بكرة
قال “زياد” مبتسماً :
– شكلنا فعلاً هناكل السوق هنا
ضحك “آدم” قائلاً :
– طبعا يا ابنى كلها فترة صغيرة وميبقاش فى العين السخنة الا قريتنا
ثم قال بحماس :
– ولسه كمان لما الاعلانات الجديدة تنزل فى التى فى
قال “زياد” وهو يحتسى كوب عصير :
– هتنزل امتى
قال “آدم” بحماس :
– من الاسبوع الجاى ان شاء الله ده غير العروض اللى عاملينها للعائلات .. ان شاء الله فى أقل من شهر القرية هتكون كومبليت
ابتسم “زياد” قائلاً :
– أنا كمان متوقع كده
قال “آدم” وهو يبحث بيعينه عن “شكرى” :
– أمال فين “شكرى”
قال “زياد” :
– كان هنا من شوية
أخرج “آدم” هاتفه ليتصل به .. لكنه تجمد فى مكانه وقد تعلقت عيناه بالهاتف .. ترك من كوب العصير الذى كان ممسكاً به وهو لا يبعد نظره عن الهاتف .. انتبه “زياد” لنظراته فقال بقلق :
– ايه فى حاجه ؟
لم يجيبه “آدم” بل أسرع لمغادرة الملهى وابتعد عن الضوضاء .. أخذ ينظر الى اسم “آيات” بهاتفه وقلبه يخفق شوقاً وخوفاً ورهبة .. تُرى لماذا اتصلت به .. أعاد الاتصال بها بلهفة وشوق .. خرجت “آيات” من الحمام وهى تلف منشفتها حولها وأسرعت بإلتقاط هاتفها الموضوع على الفراش .. نظرت الى رقم “آدم” وهى تشعر بتو..تر بالغ واضطرب تنفسها .. جلست على فراشها وهى تحاول أن تنظم تنفسها لتستطيع التحدث معه .. انتهى الرنين .. وعندما أوشكت على الاتصال به وجدته يتصل .. أخذت نفساً عميقاً ثم ردت قائله :
– ألو
ابتسم “آدم” بسعادة عندما سرى صوتها الرقيق الى أذنه .. قال بلهفه :
– ازيك يا “آيات” ؟
حاولت “آيات” التحدث بصوت طبيعي واخفاء توترها واضطرابها .. قالت بسرعة حتى لا تهـ,ـرب الكلمات منها :
– الحمد لله .. أنا كنت بتصل عشان الأمانه بتاعتى اللى عند حضرتك
أخذت “آيات” تضم أصابع يدها بقوة الى قبضتها .. كانت تشعر بتوتر بالغ .. يالله لكم تحتاج الى ذهبها الآن لتستطيع جمع المال من أجل العملية الجراحية التى تتوقف عليها حياة والدها .. خافت بشدة .. خافت أن يرفض اعادتهم اليها .. اضطرب تنفسها عندما صمت .. طال صمته .. تجمعت العبرات فى عينيها وأخذت بالتساقط .. ماذا ينتظر .. أينتظر أن تترجاه أن يعيدهم اليها .. ان كان هذا ما يريده فستفعل .. من أجل أن تنقذ والدها .. همت بالتحدث لترجوه ان يعيدهم اليها فهى فى أمس الحاجة اليهم .. لكنه سبقها قائلاً بصوته الرخيم :
– أكيد طبعاً
لم تصدق أذنها .. أكمل قائلاً :
– أنا مكنتش عارف أرجعهملك ازاى .. من يوم اللى حصل وأنا معرفتش أشوفك وكمان خفت أديهم لوالدك عشان ميعرفش اللى انتى عملتيه .. خفت يأذيكي لما يعرف انك اديتيهملى
تنهدت “آيات” براحة ومسحت عبراتها .. فأكمل “آدم” قائلاً :
– انا دلوقتى فى العين السخنة مش فى القاهرة
قالت “آيات” بسرعة :
– مفيش مشكلة ابعتهملى مع أى شركة شحن
صمت “آدم” يفكر .. شعر بأنه لا يريد أن يضيع تلك الفرصة .. الفرصة الوحيدة التى من الممكن أن يلتقى فيها بـ “آيات” .. والتحدث معها ورؤيتها .. لم يكن أبداً ليضيع تلك الفرصة من يده .. قال “آدم” :
– أنا جاى بكرة القاهرة .. هديهملك بنفسي
قالت “آيات” وهى تشعر بالتوتر :
– مفيش داعى ابعتهم مع أى شركة أو حتى بالبريد السريع
قال “آدم” وهو يبحث عن حجه :
– لا طبعاً مينفعش ده دهب افرضى الطرد ضاع أو حد سرقه
قالت “آيات” بإستسلام :
– طيب خلاص
قال “آدم” برقه :
– خلاص أنا جاى بكرة وأول ما أوصل القاهرة هكلمك
قالت بهدوء :
– ماشى .. مع السلامة
انهت “آيات” المحادثة وهى تشعر وكأن حملاً ثقيلاً زيح عن صدرها .. أسرعت بإرتداء ملابسها والذهاب الى المستشفى حيث والدها المريض
**************************************
طرقت “أسماء” بيت والدها بلهفة .. الى أن فتحت لها زوجته وهى تقول بغضب :
– ايه فى ايه يا بنت انتى فى حد يخبط على حد فى نص الليل ؟
قالت “أسماء” الباكية :
– فين بابا ؟
همت بالدخول فأوقفتها زوجته وهى تقول :
– عندك عندك فى ايه هو أنا سمحتلك تدخلى
صاحت “أسماء” قائله :
– بقولك فين بابا
ثم نظرت الى الداخل وهى تهتف :
– بابا .. بابا .. بابا
قالت زوجته بحده :
– باباكى مش موجود .. باباكى مسافر .. وكفاية قلة أدب بأه هتصحى الجيران .. اتفضلى امشى من هنا
أغلقت الباب فى وجهها .. فظلت “أمساء” تطرق الباب دون أن تجيبها .. أخرجت “أسماء” الهاتف لتتصل بوالدها لكنها وجدت الخط مشغول .. كان والدها فى تلك اللحظة يتحدث مع زوجته التى اتصلت به قائله :
– شوفت بنتك عملت ايه .. جايه تفضحنى وسط العمارة وعماله تزعق وتشتم وآخر سفالة وقلة أدب
قال زوجها بحده :
– هى فين
قالت زوجته بصوت باكى :
– خفت منها افلت الباب عليا .. شكل أمها هى اللى قايلالها تعمل كده قولتلك مش هتسيبنا فى حالنا .. طلقها بأه خلينا نخلص من القرف ده
صاح زوجها بغضب :
– مش هطلقها وأعلى ما فى خيلها تركبه .. اقفلى دلوقتى
جلست “أسماء” على السلم تتصل بوالدها كل دقيقة الى أن وجدته يتصل بها .. قالت بلهفه :
– بابا أنا ………
قاطعها والدها وهو يصرخ بغضب :
– انتى ازاى يا بنت انتى تروح لمراتى وأنا مش موجود وتزعقيلها كده
قالت “اسماء” باكية :
– أنا مزعقتش أنا كنت بنادى عليك كنت فاكراك جوه
هتف والدها بعنف :
– روحى قولى لأمك الكلام ده ميجيش معايا .. ومش هطلق وخليها كده زى الكلبه
قالت “أسماء” وقد تعالت شهقات بكائها :
– مش ماما اللى بعتانى والله .. أنا اللى جايه لوحدى
قال واحدة بغلظة :
– طيب ارجعى لأمك تانى واياك أشوفك بتهوبى نحية مراتى تانى
لم يعطيها فرصة للرد أنهى المكالمة وأغلق الهاتف .. أخذت أسماء” تيكى الى أن أجهدها البكاء .. نهضت بتثاقل حاملة حقيبتها .. سارت فى الشارع الخالى المظلم وهى لا تدرى ما تفعله .. فها هى صديقتها “آيات” تمر بظروف صعبة هى الأخرى .. وعلى وشك الطرد من بيتها بعد أيام .. ووالدها ملقى فى المستشفى لا تستطيع أن تدبر تكلفة علاجه .. لمن تذهب .. بمن تلجأ .. سارت لا تعرف وجهتها .. الى أن قابلها أحد الرجال الذى نظر اليها بطريقها أشعرتها بالخو…ف الشديد و بالنفور .. تذكرت نظرات “هانى” الخبيثة وأنفاسه الكريهة .. وقفت بجوار أحد الأعمدة لتأتى بما فى معدتها من جديد .. تساقطت العبرات فوق وجهها وهى تشعر بأن ليس أمامها سوى العودة الى بيت جدها .. إما بيت جدها .. وإما الشارع .. حيث الكلاب المسعورة فى كل مكان !
**************************************
فى اليوم التالى استعد “آدم” للسفر وأخبر “زياد” بضرورة توجهه الى القاهرة لإعادة مصوغات “آيات” اليها ثم قال بلهفه :
– ادعيلي يا “زياد” ان المقابلة دى تكن نتيجتها حلوة
قال “زياد” :
– بصراحة مش متفائل بس يارب
قال “آدم” وهو يعدل من ربطة عنقه :
– تفتكر دى حجة عشان تكلمنى .. يعنى هى فعلاً لو عايزه الدهب بتاعها كانت خلت باباها يكلمنى ويطلبه .. مش هى تكلمنى بنفسها مش كده ؟
قالت “زياد” مفكراً :
– يمكن خافت تقول لباباها انها ادتلك دهبها
قال “آدم” :
– تفتكر يا “زياد” ممكن نرجع أنا وهى لبعض تانى ؟
قال “زياد” بحزن :
– مش عايز أحبطك بس أنا شايف ان ده مستحيل
قال “آدم” وهو ينظر الى “زياد” :
– بس هى بتحبنى أوى يا “زياد” .. انت متعرفش “آيات” بتحبنى ازاى .. ولا أد ايه هى طيبة وحنينة
صمت ولاحت ابتسامه على شفتيه وهو يقول :
– وحشتنى أوى .. مش مصدق انى أخيراً هشوفها
أسرع “آدم” متوجهاً الى سيارته التى انطلق بها فى طريقه الى القاهرة .. بمجرد وصوله اتصل بـ “آيات” قائلاً :
– أنا وصلت يا “آيات” تحبي نتقابل فين ؟
قالت “آيات” :
– تعالى الفيلا
صمت “آدم” قليلاً ثم قال :
– مينفعش نتقابل فى مكان بره
قالت “آيات” بحزم شديد :
– لأ
ثم قالت :
– لما توصل الفيلا رنلى
أنهت “آيات” المكالمة وهى تنظر الى الشرفة فى انتظاره .. بعد ما يقرب من النصف ساعة رأت سيارته تقترب من الفيلا .. شعرت بقلبها يخفق بشده داخل صدرها .. أسعرت الى الداخل حتى تتجنب رؤياه ثم نادت دادة “حليمة” وقالت لها :
– وصل يا دادة
همت “حليمة” بالخروج فأسرعت “آيات” قائله :
– دادة زى ما فهمتك
قالت “حليمة” :
– متقلقيش يا بنتى
توقف “آدم” أمام بوابة الفيلا وهو ينظر اليها .. نزل من سيارته وهو يتصل بـ “آيات” التى لم تجيب .. رآى “حليمة” مقبلة تجاهه .. توقفت أمامه قائله :
– الآنسة “آيات” بعتتنى آخد الأمانة بتاعتها
نظر “آدم” اليها بضيق ثم القى نظرة على الفيلا وقال :
– طيب هى مينفعش تخرج تاخدها بنفسها
ٌقالت “حليمة” بحزم :
– لا مش هينفع
شعر “آدم” بالضيق الشديد فقد كان يمنى نفسه برؤياها وبالحديث معها .. توجه الى سيارته وأحضر العلبة وأعطاها الى “حليمة” وما كادت لتتلفت لتغادر حتى أوقفها قائلاً :
– “آيات” كويسة ؟
نظرت اليه “حليمة” بحزم وقالت بترفع :
– أوية كويس .. كويسة أوى
دخلت “حليمة” الى الفيلا فهبت “آيات” واقفة وقالت بلهفه :
– ها يا دادة ادهالك ؟
أعطتها “حليمة” العلبة فتتحتها “آيات” بلهفة تتمم على محتوياتها ثم ابتسمت قائله :
– الحمد لله كل حاجة موجودة
قالت “حليمة” بتردد :
– سألنى عليكي
نظرت اليها “آيات” قائله :
– وقولتيله ايه ؟
قالت “حليمة” :
– قولتيله زى ما نبهتى عليا .. انك كويسة ومجبتلوش سيرة عن أى حاجة خالص
أومأت “آيات” برأسها .. قالت “حليمة” بطيبة :
– ليه ما قولتيلوش انك فى ضيقة يا بنتى ؟
نظرت اليها “آيات” بحده قائله بمرارة :
– أقوله عشان يشمت فيا .. ده واحد بيكرهنى أنا وبابا يا دادة .. لو عرف اللى حصلنا هيشمت فينا
نهضت تنظر من باب الشرفة النصف مفتوح .. رأته مازال واقفاً أمام سيارته ينظر فى اتجاه الفيلا .. رجعت الى الخلف بسرعة حتى لا يراها .. بعد عدة دقائق سمعت صوت السيارة .. نظرت من جديد لتراه يرحل ويبتعد من أمام ناظريها .. تابعته بعينيها الحزينتين الى أن اختفى من أمامها .. ثم توجهت الى خارج الفيلا وقادت سيارتها الى حيث محل الذهب لبيع كل ما تملكه من هذه الدنيا من أجل انقاذ والدها
****************************************
انطلق “آدم” بسيارته فى شوارع القاهرة وهو يشعر بالحزن والأسى .. ألهذه الدرجة تكره رؤيته .. لماذا لم تدعه يراها ويتحدث اليها .. لماذا لا تسمع منه مثلما سمعت عنه .. شعر بالضيق الشديد لأنه شعر بأنه فقد كل الخيوط التى توصله اليها .. توجه “آدم” الى بيت والدته .. تلك المرأة الطبية التى تحملت منه الكثير والتى يشعر بأنه ظلمها بشدة .. نظر الى البيت بشوق .. صعد الدرجات الى أن وصل الى الباب المكسور .. شعر بالدهشة وهو يفتح الباب الذى لم يكن مغلقاً .. رآى علامات الكـ,ـسر على الباب ومحتويات البيت المبـ,ـعثرة .. أخذ ينادى على والدته بفزع :
– ماما .. ماما
لم يجدها .. لا اثر لها .. هاله الد……ماء التى كانت تغطى أرض غرفة والدته .. وأرض الصاله .. كاد أن شجن .. أسرع بطرق باب الشقة المقابلة بلهفة وخو..ف وجزع .. فتحت جارته فقال لها :
– أنا “آدم خطاب” متعرفيش فين ماما ؟
قال ذلك وهو يشير الى شقة والدته .. فقالت المرأة بأسى :
– واحد ابن حرام طلع عليها بالليل وسرق كل اللى حيلتها وشكلها كانت هتصوت وتفـ,ـضحه فخبطها على دماغها ونقلوها على المسشتفى
شعر “آدم” بفزع وخو..ف شديد قال بلهفه :
– هى فين .. مستشفى ايه ؟
ٌقالت المرآة :
– والله يا ابنى معرف .. اسأل اسطة “عبده” المكوجى هو الى طلبلها الاسعاف .. وهو نازل من فوق شاف باب الشقة مكسور ولما دخل لقاها غرقانه فى دمها
أسرع “آدم” بالتوجه الى الرجل الذى قال بغضب :
– كنت فين يا ابنى وأمك مرمية لوحدها كده .. لا حول ولا قوة الا بالله .. خلاص معدش فى قلوبكوا رحمه
قال “آدم” بأعين دامعة وصوت أجش :
– هى فين .. وديتها مستشفى ايه ؟
أخبره الرجل عن المستشفى الحكومى التى نقلت سيارة الإسعاف أمه اليها .. أسرعب التوجه الى المستشفى والعبرات تغطى وجة المتألم .. أوقف السيارة ودخل مسرعاً يبحث عنها .. الى ان وجدها نائمة على احد الأسرة وقد عصبت لفافة بيضاء حول رأسها .. اقترب منها يبكى بحرقة وهو يتحسس رأسها ويدها .. حاول منادتها فلم تستجب .. التفت الى احدى الممرضات قائلاً بلهفه :
– لو سمحتى .. عايز الدكتور اللى متابع حالتها
قالت الممرضة ببرود وهى تلوك اللبان فى فمها :
– الدكتور مشى
قال “آدم” بحده :
– طيب أنا عايز أعرف حالتها أسأل مين هنا
نظرت الممرضة الى الأوراق المعلقة على طرف فراشها بلامابلاة ثم قالت :
– متقلقش ان شاء الله هتبقى كويسة
قال “آدم” بحزم :
– لو سمحتى أنا عايز أعرف حالتها بالظبط
قالت الممرضة بحنق :
– شايفنى دكتورة أمامك .. أنا ممرضة يا اخويا .. قولتلك هتبقى كويسة .. لما يبقى الدكتور يفوت بكرة ابقى اسأله
نظر اليها “آدم” بغضب وهى تبتعد .. لم ينتظر أكثر بل أزاح الغطاء عن والدته الذى انبعثت منه رائحة كريهة .. وحملها مسرعاً وتوجه بها الى الخارج .. صاحت احدى الممرضات :
– انت يا أفندى واخدها ورايح بيها على فين ؟ .. ده مجنون ده ولا ايه
لم يعبأ “آدم” لكلامها وتوجه الى السيارة وانطلق بها الى احدى المستشفيات التى يعرفها .. دخل المستشفى فأسرعت الممرضة بإحضار الترولى وتوجهت بها الى غرفة الفحص .. دخل “آدم” غرفة الفحص وقال للطبيب بصوت مضطرب للغاية :
– قالولى ان حرامى خبطها على دماغها وودوها المستشفى بس معرفتش حالتها هناك ومحدش كان متابعها فجبتها وجيت على هنا
طمأنه الطبيب وطلب من الممرضة آشعة لمعرفة هل تعانى من كسور بالجمجمة أم لا .. وبمدى خطورة حالتها
جلس “آدم” خارج الغرفة وهو يسند جبينه الى قبضتيه وهو يغمض عينيه بقوة .. حاول أن يدعو الله لها .. لكن توقفت الكلمات على لسانه وأبت أن تخرج .. هتف صوت بداخله .. كيف ستدعوه يا “آدم” .. كيف ؟! .. أوتظن أنه سيستجيب لك ؟!
*****************************************
توجهت “آيات” الى المستشفى بعدما تمكنت من بيع مصوغاتها الذهبية ودفعتهم تحت حساب العملية .. ما كادت تتوجه الى غرفة والدها بالعناية المركزة حتى قالت لها الممرضة :
– والدك تعب أوى .. وحولنا نتصل بيكي مردتيش
صاحت “آيات” بأعين دامعة :
– ايه ؟ .. موبايلى نسيته فى البيت .. حصله ايه ؟
خرج الطبيب فأسرعت تقول بلهفه :
– بابا ماله يا دكتور
قال الطبيب :
– لازم العملية تتعمل النهاردة خلاص معدش ينفع انتظار اكتر من كده
قالت “آيات” باكية :
– أنا دفعت مبلغ تحت الحساب دلوقتى وان شاء الله هجيب باقى الفلوس
أعطاها الطبيب ورقة لتمضى عليها قائلاً :
– طيب امضى على موافقتك اجراء العملية
أغمضت “آيات” عينيها تستخير ربها عز وجل .. ثم .. مضت الورقة وسملتها الى الطبيب .. جلست “آيات” على أحد المقاعد وهى تهتف من أعماق قلبها المكلوم :
– يارب اشفيه يارب .. انت قادر على كل شئ .. يارب استجبلى واشفيه يارب
الحلقة ( 16 )
بعد فترة طويلة من الإنتظار شعر “آدم” بالتوتر الشديد مد يده الى جيبه ليشعل احدى سجائره .. إلا أنه تذكر وجوده فى المستشفى فأعاد العلبة الى جيبه مرة أخرى .. نهض من مقعده وهو يدور حول نفسه كالطير الجريح .. كان التوتر قد أخذ منه مبلغه .. وأخيراً انفتح الباب .. وخرجت والدته من حجرة الآشعة على الترولى .. كانت قد بدأت فى الإفاقة قليلاً .. قال “آدم” للطبيب بلهفة :
– خير يا دكتور ؟
قال الطبيب :
– لا اطمن ان شاء الله بسيطة .. بس المسكن اللى خدته مكنش كافى ففقدت وعيها من شده الألم
شعر “آدم” بالألم وهو يقول بندم شديد :
– أنا السبب
ثم نظر الى الطبيب قائلاً :
– طيب والآشعة اللى حضرتك عملتها على راسها ؟
قال الطبيب :
– لا متقلقش الحمد لله الوضع مطمئن .. بس أهم حاجة ترتاح كويس الفترة اللى جايه
قال “آدم”
– حاضر يا دكتور
توجه “آدم” الى غرفة والدتها .. رآها وقد فتحت عيناها وتدور بهما فى الغرفة .. اقترب منها ببطء .. فالتفتت تنظر اليه .. ما كادت العبرات تقفز الى عينيها حتى قفزت الى عينيه هو الآخر .. اقترب منها وجلس بجوارها وقبل رأسها المضمد ويديها ودموعه تغرقهما وهو يقول بصوت مرتجف :
– أنا آسف يا ماما .. بجد آسف
بللت العبرات وجهها وشهقات بكائها تمزق قلبه فنظر اليها بتأثر قائلاً :
– أنا عارف ان أنا ابن عاق .. ادعيلى ان ربنا يهديني
تحدثت أمه بصوت واهن وهى تقول :
– بدعيلك يا “آدم” .. بدعيلك يا ابنى ان ربنا يهديك ويكفيك شر نفسك
قبل يديها مرة أخرى ثم مسح العبرات المتساقطة فوق وجهه قائلاً بحزم :
– بمجرد ما صحتك تتحسن .. هاخدك تيجي تعيش معايا .. مش ممكن أسيبك هنا تانى
ابتسمت أمه وأجهشت فى البكاء وهى تقول :
– وحشتنى أوى يا “آدم”
شعر “آدم” برغبة قوية فى البكاء .. رغبة لم تجتاحه من قبل كما هى الآن .. شعر بشئ محبوس بداخله يخنقه ويتمنى أن يخرج .. وضع رأسه فوق كتف والدته وأجهش فى البكاء .. ربتت أمه بيدها على شعره وهى تلف ذراعيها حوله كالطفل الصغير .. علت شفتيها ابتسامه من بين دموعها وهى تضمه اليها بشدة خشية أن يبتعد عنها مرة أخرى .. قالت أمه بصوت مرتجف :
– ربنا يهديك يا “آدم” .. ربنا يهديك
رفع “آدم” رأسه ونظر اليها بوجهه الباكي قائلاً :
– مسامحانى ؟
نظرت أمه اليه بحنان قائله :
– لما تبقى أب هتعرف ان ابنك ده حته منك مينفعش تغضب عليه عشان رضاك عليه من رضا ربنا فمش هيجيلك قلب تفضل غضبان عليه .. وهتسامحه وتاخده فى حضنك .. ومهما عمل فيك هتفضل تحبه وتدعيله
قبل “آدم” رأسها برفق وقال بتأثر :
– أنا مستهلكيش على فكرة
أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بحزم :
– لا تستاهل .. بس ارجع “آدم” ابنى .. وسيبك من الطريق اللى انت ماشى فيه ده
تنهد “آدم” بحزن .. ثم نظر اليها قائلاً برقه :
– نامى دلوقتى .. الدكتور قال انك محتاجه راحه .. ومتقلقيش هفضل جملك لحد ما تقومى بالسلامة وأخدك معايا
ابتسمت أمه بسعادة وهى تنظر اليه وتتأمله .. تشبع شوقها اليه طوال الفترة السابقة
**************************************
ظلت “آيات” تدعو وتستغفر الله عز وجل وهى تنتظر خروج والدها من حجرة العمليات .. مرت ساعة وراء ساعة ونار الإنتظار تأكلها وتنهش فيها .. تنظر الى الباب المغلق وتتمنى أن يتحرك ويُفتح .. ظلت تنظر اليه تأمره بعينيها أن ينفتح .. الى أن استجاب لها .. خرج الطبيب فنهضت بلهفة تسأله وعيناها حمراوين من شدة البكاء .. قالت بصوت مبحوح :
– بابا عامل ايه دلوقتى يا دكتور ؟
التفت الطبيب حوله ثم قال :
– انتى مفيش حد من قرايبك معاكى ؟
هزت “آيات” رأسها نفياً وهى تقول بضعف :
– لا أنا مليش حد غير بابا
نظر اليها الطبيب بشفقة .. فقالت تحثه على الكلام وهى تمسح الدموع التى تبلل وجهها :
– هو كويس ؟ .. هيخرج امتى ؟
تنهد الطبيب وقال بحنو :
– معلش يا بنتى .. البقاء لله
تسمرت “آيات” فى مكانها .. تنظر الى الطبيب وقد حبست أنفاسها .. بدت عيناها كبئرين ماء امتلآ على آخرهما .. تمتمت قائله :
– ايه ؟
نظر اليها وقد أشفق على حالها فقال بأسى :
– قلبه متحملش العملية .. للأسف اتوفى
لم ترفع “آيات” عيناها عن الطبيب .. أخذت دموعها تتساقط وهى تكرر :
– ايه ؟
نادى الطبيب احدى الممرضات وقد شعر بالقلق على “آيات” .. قال لها :
– خليكي معاها متسبيهاش
استمرت “آيات” فى النظر اليه ودموعها لا تتوقف عن الإنهمار .. ورددت للمرة الثالثه :
– ايه ؟ .. بتقول ايه ؟ .. فين بابا ؟
اضطرب تنفسها وهى تحاول أن تستوعب ما قاله نظرت الى غرفة العمليات وأخذت تنادى :
– بابا .. بابا .. اخرج يا بابا أنا مستنياك
حاولت الممرضة أن تمسك ذراعيها لتبعدها عن غرفة العمليات .. فنفضت “آيات” ذراعيها منها بقوة وهى تصيح :
– بابا .. بابا اطلع أنا مستنياك
حاولت اقتحام غرفة العمليات لكن الطبيب أمسكها وهو يصيح فى الممرضة :
– هاتيلى حقنة مهدئ بسرعة
أجهشت “آيات” فى البكاء وهى تصرخ بأعلى صوتها :
– بابا .. بابا اطلع .. بابا
قال لها الطبيب وهو يحاول أن يهدئها :
– لا حول ولا قوة الا بالله .. اهدى يا بنتى
خارت قواها على الأرض وهو ممسكاً بها وأخذت تصيح :
– بابا اطلع بأه .. بابا اطلع
التف حولها عدد من الممرضات .. اخذت تبكى بحرقة .. حملوها الى الترولى وأدخلوها احدى الغرف ومازالت صيحات بكائها تشق قلب من يسمعها
*****************************************
أمضت “أسماء” الليل فى غرفتها وهى جالسه فوق فراشها تبكى قهراً .. أزاحت التسريحة ووضعتها خلف الباب حتى لا يتمكن ابن خالتها من الدخول مرة أخرى الى غرفتها .. فى الصباح تخيرت “أسماء” عباءة واسعة ارتدتها وارتدت فوقها حجابا طويلا وخرجت من الغرفة .. تجمعت الأسرة حول طاولة الطعام .. لمحت نظرات السخرية فى عيني “هانى” وهو ينظر الى ملابسها .. تذكرت أحداث الليلة الماضية فلم تجد فى نفسها رغبة فى تناول الطعام .. نهضت وتوجهت الى غرفتها بعدما طلبت من خالتها مفتاح لغرفتها فقالت لها :
– عايزاه ليه ؟
قالت “أسماء” بإرتباك :
– عادى يا خالتو
قالت خالتها بلا مبالاة :
– هبقى أدورلك عليه
دخلت “أسماء” غرفتها وأغلقتها مرة أخرى بالتسريحة .. تعلم بأنه لن يجرؤ على افتحام غرفتها فى وضح النهار لكنها لم يكن لديها استعداد للمخاطرة .. فتحت الشرفة وخرجت تستنشق الهواء الساخن .. الذى ألهب عينيها ففاضت دموعها مرة أخرى .. قالت لنفسها :
– هى مش هتتحل بأه يا “أسماء” !
*****************************************
ساعد المحامى “آيات” فى اجراءات الدفن .. خانتها ذاكرتها فلم تتصل بـ “سراج” لتخبره بوفاة أخيه .. ولا حتى بـ “أسماء” .. كانت فى دنيا غير الدنيا .. ولولا وجود دادة “حليمة” بجوارها لماتت فى بيتها جوعاً أو حزناً دون أن يشعر بها أحد .. سقطت مغشياً عليها مرات عدة فأسرعت دادة “حليمة” بمساعدتها وبمداواتها .. دُفن “عبد العزيز” فى مقابر العائله .. عادت “آيات” الى الفيلا الخالية .. أخذت تنظر الى كل ركن فيها بألم .. فكل مكان بها يحمل ذكرى لها مع والدها الحبيب .. جلست على فراشها متعبة مرهقة .. فقالت لها “حليمة” بإشفاق :
– أجبلك تاكلى يا حبيبتى
هزت “آيات” رأسها نفياُ وهى تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها
مسحت “حليمة” بكفها على شعر “آيات” وهى تقول بحنان :
– طيب نامى دلوقتى يا بنتى ولما تصحى هحضرلك الغدا
لم تجد “آيات” فى نفسها رغبة لفعل أى شئ سوى .. النوم .. حيث تهرب من الواقع الى عالم الأحلام .. لكن واقعها اخترق حلمها بقوة لتقوم فزعة من نومها وهى تصرخ :
– بابا
هرولت “حليمة” من المطيخ قائله :
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. انتى كويسة يا “آيات” ؟
قالت “آيات” بوهن :
– أيوة
جلست “حليمة” بجوارها .. فوضعت “آيات” رأسها على الوسادة مرة أخرى لتتساقط منها عبرات صامته .. مسحت “حليمة” وجه “آيات” المبلل .. ودون أن تشعر .. بكت هى الأخرى
نهضت “آيات” فى منتصف الليل وأمسكت مصحفها تقرأ من كتاب الله وقد فاضت عيناها .. نوت بقلبها اهداء ثواب تلك القراءة لأبيها .. لم تستطع أن تكمل .. قطع عليها بكائها القراءة .. كانت تشعر بألم يمزقها الى أشلاء .. كيف تتحمل فقدان أبيها .. لم يكن فقط أباً .. بل كان كل عائلتها وكل صحبها .. كان شعورها كمن فقد عائلته كلها فى يوم واحد .. أخذت ترفع يديها بالدعاء له بالرحمة والمغفرة
******************************************
أمضى “آدم” الاسبوع بجوار والدته فى المستشفى .. لم يتركها خلاله الا لفترات قصيرة ثم يعود اليها مرة أخرى .. تابع سير العمل بالقرية عن طريق الهاتف .. وتابعه “زياد” بالأخبار أولاً بأول .. كانت أمه سعيدة بهذا التغير وهذا الإهتمام منه .. قالت له فى احدى المرات وهى تنظر اليها متبسمه :
– ياه .. كنت وحشنى أوى يا “آدم”
ابتسم “آدم” فأكملت دامعة العينين :
– كان وحشنى ابنى اللى بيخاف عليا وبيهتم بيا .. كان وحشنى أوى
جلس “آدم” بجوارها قائلاً :
– طيب بلاش عياط علشان خاطرى
ابتسمت وهى تحاول اخفاء تأثرها وقالت :
– حاضر يا ابنى خلاص مش هيعط
ثم نظرت اليه قائله :
– شغلك مش متعطل يا “آدم” ؟
قال “آدم” :
– لا متقلقيش يا ماما أنا متابع كل حاجة بالتليفون .. وكمان “زياد” هناك فعشان كده مطمن
قالت أمه بسعادة :
– ما شاء الله هو “زياد” بيشتغل معاك
ابتسم قائلاً :
– أيوة
قالت أمه بحنان :
– طول عمركوا روحكوا فى بعض .. ربنا ما بيفرق بينكوا أبداً
قال “آدم” بمرح وهو ينظر الى هاتفه :
– أهو بيتصل ياريتنا كنا جبنا سيرة ربع جنيه
رد “آدم” قائلاً :
– أيوة يا “زياد”
قال “زياد” بتوتر :
– أيوة يا “آدم” .. ازى طنط عاملة ايه دلوقتى
قال “آدم” وقد انتبه لتغير صوته :
– أحسن الحمد لله .. ما صوتك .. فى حاجة حصلت ؟
تنهد “زياد” بضيق وبلهفة كما لو كان لا يستطيع الإنتظار أكثر ليخبره بما لديه :
– لازم تيجي تلحقنى بسرعة يا “آدم” فى حريقة فى القرية
صاح “آدم” وقد هب واقفاً :
– ايه .. حريقه ؟
نظرت اليه أمه بجزع وقالت :
– لا حول ولا قوة الا بالله
قال “زياد” بإضطرب :
– أيوة حريقة .. لسه المطافى ماشيه من شوية
صاح “آدم” قائلاً :
– فى حد ما…ت ؟
قال “زياد” بسرعة :
– لا اطمن لا فى حد ما…ت ولا حد اتصـ,ـاب لان الكلام ده حصل بالنهار مكنش فى حد فى الملهى
صاح “آدم” بغضب بالغ :
– الملهى ؟ .. الحرقة كانت فى الملهى ؟
تنهد “زياد” قائلاً :
– أيوة النار مسكت فيه .. وللأسف المطافى جت متأخر وجزء كبير منه اتفحم
قال “آدم” بغضب هادر :
– مفيش غيره .. “عاصى” الكلب هو اللى عملها
قال “زياد” بقلق :
– متتهورش يا “آدم” لو سمحت أنا بلغت البوليس وهو أكيد هيعرف مين اللى عمل كده
قال “آدم” بعنف وبدا وكأنه لم يستمع الى كلمات “زياد” :
– أنا هوريك يا “عاصى” الكلب .. اذا كنت حابب شغل البلطجة معنديش أى مشكله اشرب بأه
كان “آدم” يغلى من الغضب فقالت له والدته بقلق :
– خير يا “آدم”
قال “آدم” بحده :
– مفيش شوية مشاكل فى الشغل متشغليش بالك يا ماما
قالت أمه وهى تنظر اليها بإشفاق :
– طيب يا حبيبى سافر انت متعطلش شغلك بسببى أنا بقيت كويسة
نظر “آدم” اليها بحزم قائلاً :
– مش هسيبك هنا يا ماما .. هتيجي معايا
ثم توجه الى الخارج قائلاً :
– هروح أسأل الدكتور إذا كان ينفع تسافرى ولا لأ
**************************************
صاحت “أسماء” بحده :
– انتى بتستعطبى يا “آيات” بجد زعلتيني منك جداً اسبوع يا “آيات” .. اسبوع وأنا معرفش ان باباكى اتوفى وألفه موبايلك كمان
قالت “آيات” بوهن وهى جالسه فى فراشها :
– معلش يا “اسماء” أنا مكنش عقلى فيا .. مكنتش قادرة أتكلم ولا حتى أشوف حد
قالت “أسماء” وهى تجلس بجوارها :
– بس أنا مش حد يا “آيات”
قالت “آيات” ودموعها تتساقط على وجهها :
– معرفش بأه .. أنا كنت طول الوقت بنام عشان أهرب من التفكير .. وبعدين لما فوقت كلمتك وقولتك
عانقتها “أسماء” قائله :
– يا حبيبتى يا “آيات” .. معلش ربنا يرحمه
بكت “آيات” قائله :
– مش قادرة يا “أسماء” مش قادرة أتحمل فراقه .. مش قادرة أصدق انه خلاص ما..ت .. بنام وبصحى أحس انه هيخبط على بابا أوضتى .. ويقولى تعالى اتعشى معايا .. ويكلمنى عن الرحلة اللى هنطلعها سوا .. ده وعدنى ياخدنى للحج السنة دى .. وهنطلع عمره كل سنة .. مش قادرة اصدق انى خلاص مش هشوفه تانى .. ازاى مشوفوش تانى يا “أسماء” .. ازاى .. ازاى هعيش من غير بابا .. ازاى بابا معدش موجود .. ازاى معدتش هسمع صوته .. يعني هو كده خلاص معدش هيكون موجود تانى .. خلاص كده هفضل عايشه من غير ما أشوفه
انهمرت العبرات من عيني “أسماء” وهى تنظر الى صديقتها فى أسى واشفاق وقالت :
– ربنا يصبرك يا “آيات”
نظرت “أسماء” الى الحقائب التى تملأ الغرفة وقالت :
– انتى هتسيبى الفيلا امتى ؟ .. وهتروحى فين ؟ .. ودفعتى أصلا فلوس العملية ازاى ؟ .. معاكى فلوس ؟
قالت “آيات” وهى تحاول تمالك أعصابها :
– خدت دهبى .. وبعته ودفعت جزء من احساب العملية .. ولما الشركة اتباعت كملت ودفعت باقى حساب المستشفى .. الفيلا كمان اتباعت بكل اللى فيها فى المزاد بس مديني مهلة لآخر الشهر عشان أخرج منها
قالت “أسماء” بإستغراب :
– بس مش المفروض عمك ده اللى بتكرهوه يورث فى باباكى
قالت “آيات” :
– لا .. الميراث مبيتوزعش الا بعد تسديد الديون .. مش ربنا بيقول فى سورة النساء “من بعد وصية يوصى بها أو دين ”
ثم قالت بألم :
– مع انى برده هيبقى عليا أكيد ديون .. لان المحامى قالى ان الفلوس بتاعة الفيلا والعربية مش هتكفى .. فهضطر أبيع عربيتي وللأسف معنديش حاجة تانى أبيعها والفلوس اللى باسم بابا فى البنك كمان راحت
قالت “أسماء” بأسى :
– ده ايه الهم ده
ثم قالت بحزم :
– بيعي عربيتك وخلى فلوسها ليكي انتى .. انتى أولى بيها وسيبك من موضوع الديون واللى يسألك قولى ممعكيش
نظرت اليها “آيات” بلوم وبألم وقالت :
– انتى تعرفى ان فى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بيقول ” يغفر للشهيد كل شىء إلا الدين” .. وكمان فى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم “أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه” ..يعني الرسول مصلاش على الميت صاحب الدين الا بعد ما حد من الصحابة قال انه هيسدد عنه دينه .. ازاى أسيب بابا من غير ما أسدد دينه
تنهدت “أسماء” بأسى وقالت :
– والله لو كان معايا حاجة يا “آيات” مكنتش اتأخرت عنك
قالت “آيات” وهى تنظر اليها ممتنه :
– عارفه يا “اسماء”
قالت “أسماء” :
– أمال انتى هتعيشي فين بعد ما تسيبي الفيلا ؟
قالت “آيات” بحيرة واسى :
– معرفش .. معرفش
*************************************
أغلق “عاصى” الهاتف وهو يضحك بشدة .. سأله والده الجالس معه فى المكتب قائلاً :
– خير متضحكنا معاك
قال “عاصى” بسعادة :
– مفيش .. “آدم” كان مسافر القاهرة فبعتله هدية صغيرة نستقبله بيها لما يرجع
قال أبوه بإستغراب :
– هدية ايه يا “عاصى” ؟
قال “عاصى” بتشفى :
– ولعتله فى الملهى الليلى اللى فرحان بيه
ضرب “سراج” بقوة على المكتب فإنتفض “عاصى” .. صاح “سراج” بغضب :
– أنا مش قولتلك متعملش حاجة من غير ما ترجعلى يا “عاصى”
قال “عاصى” بغيظ :
– هو اللى بدأ اللعب بالنار .. اللى يلعب بالنار تلسعه
صاح “سراج” بحده :
– غبي يا “عاصى” .. غبي .. انت عارف “آدم” كويس .. مش من النوع اللى يخاف ويكش .. انت عارفه كويس ايه اللى خلاك تتهور كده
قال “عاصى” بحده :
– هيعمل ايه يعنى ولا يقدر يعمل حاجة
هتف “سراج” بحده :
– غور من دامى يا “عاصى” .. وتروح حالا القرية تأمن عليها كويس وتخليك فيها اليومين دول لانى واثق ان “آدم” مش هيسكت .. وأى حاجة جديدة تبلغنى بيها فوراً
ثم صاح محذراً وهو يشير بإصبعه :
– واياك حسك عينك تعمل حاجة من غير ما ترجعلى .. فاهم يا غبي
خرج “عاصى” من مكتب والده وعلامات الغضب على وجهه .. وقف أمام المصعد وهو يتمتم بغضب :
– أكنى عيل صغير اعملى يا “عاصى” .. واياك تعمل يا “عاصى” .. حاجة تقرف
************************************
توجه “آدم” مع والدته الى منزلها يجمع حاجياتها ثم انطلق بها الى العين الساخنة .. كان “آدم” شارداً طوال الطريق يفكر بغيظ فيما فعله “عاصى” بقريته .. فليس لديه أدنى شك بأنه وراء حرق الملهى الليلى .. تلقى اتصالات عديدة من “شكرى” الذى بدا غاضباً لكن “آدم” طمأنه بأن الخسائر ليست كبيرة وبأن الإقبال على القرية لم يتأثر بتلك الحادثة .. لكن “آدم” صمم على تلقين “عاصى” درساً حتى لا يتجرأ مرة أخرى على الإقتراب منه ..أوصل والدته الى الشاليه وتوجه من فوره الى الملهى الليلى .. عاينه بغضب وهو يتفحص الخسار ثم صاح بغضب :
– ابن التييييييييييت
قال “زياد” بهدئه :
– الحمد لله انها جت على أد كده يا “آدم” .. كويس ان محدش اتصاب ولا حد ما..ت والا كانت هتكون فضيحه بجد
خرج “آدم” مسرعاً واجتمع بالحرس الخاص الذى استأجرهم .. و … أمرهم بما يجب أن يفعلوه .. قوبل بالإعتراض فى البداية .. لكن الإعتراض اختفى بعدما لوح “آدم” بالثمن !
***********************************
أثناء الغداء قالت والدة “سماء” :
– أنا خارجه النهاردة مع خالتك وجدك رايحين نزور ناس قريبنا فى البلد وهنرجع متأخر
خشت “أسماء” من البقاء بمفردها فى المنزل فقالت بلهفه :
– لا أنا جايه معاكوا
لم تعترض والدتها حانت منها التفاته الى “هانى” الذى ابتسم لها بسخرية .. قامت وتوجهت الى غرفتها فكانت رؤيته تسبب لها الغثيان .. بعد منتصف الليل عادوا من الخارج والكل متعب مرهق .. توجهت “أسماء” الى غرفتها ووضعت التسريحة خلف الباب كعادتها كلما دخلت الى غرفتها .. ما كادت تلتفت حتى رأت “هانى” أمامها .. كادت أن تصرخ لكنه وضع يده على فمها يكممه قائلاً :
– ششششش لو فتحتى بوقك هتبقى فضيحه وهقولهم انى كنت نايم فى أوضتك لأنها طراوه .. وانتى اللى بتتبلى عليا
بكت “أسماء” وهى تقول له :
– حرام عليك بأه .. أنا بنت خالتك مش واحده من الشارع
كالمرة السابقة لم يعبأ لبكائها ولا لتوسلاتها .. وجذبها الى الفراش .. أخذت تهتف بين شهقات بكائها المرير :
– كفاية بأه
انتهت تلك الدقائق الكريهة كسابقتها وعاد الى غرفته منشياً شاعراً بالإنتصار .. أما “أسماء” فكانت نفسيتها وأعصابها فى الحضيض .. ظلت تتلوى فى فراشها بعدما تقيأت بشدة وأصابها الإعياء .. أغمضت عينيها بشدة وهى لا تتمنى إلا شئ واحد … المــ,ــوت
**************************************
استيقظ “عاصى” على صوت هاتفه .. رد بصوت ناعس :
– أيوة
صاح الطرف الآخر :
– الحق يا أستاذ “عاصى” فى بلطجية دخلوا القرية بعربيات جيب وكسروا الواجهة والازاز اللى فى المدخل .. وولعوا فى الجنينة ومحدش عرف يمسكهم ..
هب “عاصى” واقفا وارتدى ملابسه على عجالة ونزل يرى المصيبة التى أصابت قريته .. وجت النزلاء قد تجمهروا فى الأسفل وهم ينظرون بجزع الى الحريق الكبير المشتعل فى الحديقة والزرع فصاح قائلاً :
– طلبوا المطافى بسرعة
صاح مدير القرية :
– طلبناها يا أستاذ “عاصى”
صاح به “عاصى” بحده وهو يرى الزجاج المحطم والتماثيل المهشمة والنار التى تلتهم كل ما يقابلها :
– وكنت فين حضرتك لما ده حصل وفين الأمن
قال مدير القرية بقلق وارتباك :
– كل حاجة حصلت فجأة .. دلخوا بعربيات جيب ورموا ملوتوف على الجنينة وحجارة على الواجهات وعلى ما جينا نتصرف لفوا ومشيوا بسرعة
صاح “عاصى” بغضب هادر :
– اتفضل قفل حسابك وسلم شغلك وشوفلك مكان تانى ديره .. انت كبيرك أوى تدير حضانة اطفال مش قرية سياحيه
شعر مدير القرية بالمهانة وتوجه الى الداخل مسرعاً بغضب .. وقف “عاصى” ينظر الى ما حوله بغيظ وقد تعالت صيحات الإستنكار من النزلاء فصاح بغضب :
– حد يطلب المطافى
*************************************
توجهت “آيات” الى مكتب محامى والدها .. كانت هذه هى المرة الأولى التى تحتاج لأحد غير والدها .. وتطلب منه شيئاً ما .. شعرت بحرج بالغ .. قالت ورأسها منخفض :
– أنا محتاجة مبلغ صغير وهمضيلك وصولات أمانه
صمت المحامى قليلاً ثم قال متهرباً :
– انا لو كان معايا فلوس مكنتش أعزها عليكي بس أنا حالياً بمر بأزمة مالية خاصة بعد ما شغلى فى شركة والدك انتهى .. يعنى أنا زيي زيك
نظرت اليه بألم وقالت :
– بس أنا مفيش مكان حتى أورح فيه .. محتاجة على الأقل أأجر شقة .. والفلوس اللى اتبقت من بعد بيع العربية مش هتكفي الا ايجار كام شهر .. ده غير الأكل والشرب والمصاريف
قال المحامى بلامبالاة :
– انزلى اشتغلى .. انتى متخرجة ومعاكى شهادة وأكيد هتلاقى شغل كتير
قالت “آيات” بيأس والدموع فى عينيها :
– طيب حضرتك متقدرش تشوفلى شغل فى أى شركة ؟
قال المحامى وهو يمط شفتيه :
– هحاول أشوفلك
خرجت ” آيات” من مكتبه تنظر الى الشارع المزدحم وقد امتلأت عيناها بالعبرات .. نظرت الى المارة فى الشارع بألم وهى تستعد لأول مرة لمواجهة الحياة بمفردها .
رواية جواد بلا فارس.
بقلم الكاتبة / منى سلامة (بنوتة أسمرة).