رشدي وسما

لم تتحرك… انخفض بجوارها، لمس وجنتها الباردة، شعر ببرودة الموت تلفه هو قبلها! ثوانٍ فقط وكانت دموعه تتساقط فوق وجهها الشاحب، رفعها بين ذراعيه وهو يصرخ: “مين عمل فيكي كده يا سمااا؟!”
وبينما كان يحاول إنعاشها، لمح صدرها يرتفع بنفس خافت ضعيف؛ نبضة واحدة ثم أخرى… صرخ بلهفة: “لسه عايشة! الحمد لله لسه عايشة! اصبري بس يا سما هتعيشي!”
حملها بين ذراعيه جريًا إلى خارج الشقة، نزل السلالم يقفز قفزًا وهو يصرخ بطلب النجدة. في مدخل العمارة لمح البواب، فهتف: “هاتلي عربية، أي عربية! لازم المستشفى حالًا!”
لم يضيع الرجل ثانية وخرجوا يركضون في اتجاه الشارع، حتى وقف أحد الجيران بسيارته ونقلوها.
بعد نصف ساعة، داخل غرفة الطوارئ خرج الطبيب وجهه ممتقع وقال: “مين معاها؟”
تقدم فارس بصوت مبحوح: “أنا… هي بخير؟”
تنفس الطبيب ببطء ثم قال: “البنت في حالة خطيرة جدًا وصدمة عصبية، لكن لحقناها في آخر لحظة. لو كنت اتأخرت خمس دقايق كانت فقدت حياتها.”
شعر فارس وكأن قدميه لن تحملاه، جلس على الأرض ودفن وجهه بين كفيه يردد: “الحمد لله… الحمد لله، سما هتعيش.”
نظر إليه الطبيب نظرة جادة: “لازم تعرف إن اللي اتعمل فيها ده مش حادث عادي.”
رفع فارس رأسه وعيناه تمتلئان بالدموع والغضب: “الشرطة هتيجي، وأقسم بالله حقي وحقها مش هيضيع!”
بعد ساعتين حضرت الشرطة، حكى فارس كل ما رآه، كل شك شعر به، وصف اندفاع رشدي ووالدته… كل شيء. تم أخذ أقواله رسميًا وتوجهت قوة إلى منزل رشدي، لكن المفاجأة أن رشدي ووالدته لم يعودا إلى البيت! الجيران رأوهم يغادرون ومعهم شنط… هربوا!
في اليوم التالي استيقظت سما، فتحت عينيها بصعوبة. كل شيء حولها أبيض؛ رائحة المستشفى، صوت الأجهزة… أحست بيد تمسك يدها برفق، التفتت فوجدت فارس يجلس بجوارها وعيناه محمرتان من البكاء والسهر.
قالت بصوت متقطع: “فارس… أنا… أنا مش مصدقة اللي حصل! كرهت حياتي.”
أجابها بصوت ثابت رغم الألم: “أنتِ ضحية يا سما، ضحية ناس عديمي الرحمة، واللي عملوه فيكي مش هيفضل سر ومش هيعدي.”
انفجرت بالبكاء، فاقترب أكثر: “أنا هنا ومش هسيبك، وعد لحد ما تاخدي حقك كامل، وأنا وراكي لآخر الطريق.”
أمسكت يده بقوة وكأنها تتمسك بالحياة نفسها.
بعد أسبوع، تم القبض على رشدي ووالدته عند الحدود وهما يحاولان الهرب لمدينة ساحلية، وتم تحويلهم للنيابة بتهمة احتجاز بالقوة، والضغط والإكراه. لم يستطع رشدي الكلام حين رأى فارس يدخل المحكمة ممسكًا يد سما. نظرت سما إليه نظرة واحدة، نظرة لم تحمل خوفًا، بل وجعًا تحول إلى قوة.