رشدي وسما

“الآنسة زي الفل وأنا اتأكدت بنفسي كذا مرة، تقدروا تتفضلوا.”
رد عليها وصوته متحشرجًا: “ألف شكر، مع السلامة يا دكتور.”
وفي لمح البصر لم يجد سما، فأسرع راكضًا إليها وأمسك بذراعها وقال بكل أسف وخجل وهو ينظر للأسفل: “أنا أسف يا سما، حقك عليا، أنا مش عارف عملت كده إزاي! يوم بتتمناه كل بنت… أنا هروح وألم حاجاتي ونتطلق بالمعروف، وأوعدك مش هحكي حاجة لحد.”
رد عليها بوسط هدوئه: “طيب هوصلك، بس عشان محدش يلاحظ حاجة من سكان العمارة وكل واحد راجع لوحده، وسمعتك تتضرر.”
فكرت سريعًا في كلامه وردت عليه قائلة: “طيب، بس يا ريت بسرعة.”
رشدي: “حاضر، أنت تؤمري.”
وبعد القليل من الوقت، دلفا إلى الشقة سويًا. وأسرعت سما تلملم أشيائها في الحقيبة، وفي نفس التوقيت أسرع رشدي ليجري اتصالًا مع والدته حتى ترشده ماذا يفعل معها.
فردت عليه والدته سريعًا وقالت: “ألو يا حبيبي، صباحية مباركة يا عريس! كل ده نوم؟ ده أنت كنت متفق معايا تكلمني الصبح تطمني وتحكيلي على كل حاجة.”
رد عليها بتوتر: “أمي اسمعيني كويس، مش وقته الكلام ده!”
ردت عليه بعصبية: “رشدي! أجرَي يا رشدي.”
رشدي: “طيب طيب يا أمي، سلام دلوقتي.”
ثم أسرع وأغلق الغرفة عليها من الخارج. وبعدما انتهت من حزم أمتعتها، أدارت الباب لتفتحه فوجدته مغلقًا، وظلت تنادي على رشدي كثيرًا ليفتح ولكن لا حياة لمن تنادي! وظلت تصرخ حتى نَبَحَ صوتها، ورغم ذلك لم يرد عليها.
وبعد القليل من الوقت، جاءت أمه وأدخلها الشقة، وقالت له لاهثة: “هي فين دلوقتي؟ أوعى تكون سبتها تمشي!”
رشدي: “لا لا، هي جوه في أوضة النوم، بس تعبت من كتر الصريخ عشان كده ساكتة.”
“دي صدعتني يا شيخة!”
ردت أمه قائلة: “طيب كويس أوي، هاتلي حبل متين وتعالى.”
رد عليها باستغراب: “ليه يا أمي؟ هنعمل إيه بالحبل؟”
ردت بعصبية: “هاته بسرعة يا خايب، نصلح اللي أنت معرفتش تعمله، يلا انجز!”
رشدي: “حاضر، حاضر.”
دخلا سويًا إلى الغرفة، وعندما دخلا هَبّت سما مسرعة لتخرج من الغرفة، إلا أن رشدي كان أسرع منها وأمسكها. حاولت ركله عدة مرات حتى يتركها، ولكنها صرخت: “يا رشدي، أنا مش هحكي حاجة لحد! هقول إن أنا اللي طلبت الطلاق… سيبني بقى أبوس إيدك!”
ضحك رشدي بسخرية وقال: “اضحكي على حد غيري بالكلام ده!” ثم وجه حديثه لأمه وقال: “يلا يا أمي بسرعة عشان ننجز.”
ردت عليه أمه وقالت: “خلاص كده يا حبيبي، أنت عملت اللي عليك، هعمل أنا بقى اللي عليا.”
وبعدما وضع يده على فمها، رفعت يدها… أصابتها الصدمة مما فعلته يدها!
رد عليها برهبة وتوتر: “هاتي الحبل ده هنرميه، وهنغطيها ونمشي بسرعة قبل ما حد يكتشف ونروح في داهية!”
هرعا إلى الخارج سويًا، ومن كثرة الخوف نزلا ركضًا على السلم ولم يستخدما المصعد. وفي أثناء خروج رشدي وهو ووالدته من مدخل العمارة، صُدم بجسد صلب جعله يرتد للخلف! هربت الدماء من وجه رشدي، فلم يجد القدرة على الحديث.
فكان فارس أول من بدأ الحديث، فقال بقلق وريبة: “مالك يا رشدي بتجري كده ليه؟ في حاجة؟ سما كويسة ولا تعبت تاني؟”
استرد رشدي أنفاسه وحاول بقدر الإمكان أن يخرج صوته طبيعيًا وقال: “ده أمي السكر علي عليها فجأة، فنارايح أكشف عليها.”
رد عليه بشك: “طيب، ألف سلامة، لو عايزين مساعدة أنا في الخدمة.”
رد عليه مسرعًا: “لا لا، مش عاوز أتعبك، أنا هوديها بالعربية، سلام.”
فارس بعدم اقتناع: “سلام… وألف سلامة على الوالدة.”
ردت عليه والدة رشدي مصطنعة الألم: “الله يسلمك يا ابني.” ثم تابعت: “يلا يا رشدي بقى اتأخرنا.”
رشدي: “يلا يا أمي.”
بعد خروجهم، شعر فارس بوخزة في قلبه، فأسرع واستقل المصعد ليطمئن على سما؛ فمنظر رشدي ووالدته أثار الشك بداخله. وعندما وصل إلى الشقة، طرق الباب كثيرًا ولم يجد ردًا، فزاد القلق في قلبه، فقام بكسر الباب.
وعندما دخل إلى الشقة وجد هدوءًا تامًا، ثم قام بفتح جميع الغرف حتى وجدها في آخر غرفة لم يبحث فيها. وعندما رآها على هذا الوضع أصابته الصدمة والرعب!
تجمد فارس في مكانه وكأن الدم انسحب من عروقه فجأة، اقترب منها بخطوات متقطعة، يده ترتجف وصوته يتهدج: “سما… سما قومي بالله عليكِ قومي!”
