12 ليلي وعمران بقلم سيلا وليد

“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
خرج عمران من الفيلا مسرعًا، وكأن الأرض تضيق به كلما طال بحثه عنها. قاد سيارته بين الشوارع، عيناه تتحركان في كل اتجاه، وقلبه يضرب بعنف داخل صدره.
حتى لمحها أخيرًا…
كانت تسير على غير هدى، تتخبط بخطواتها، ودموعها تنساب على وجنتيها دون أن تشعر بالطريق من حولها.
وفجأة توقفت أمامها سيارة فارهة.
تراجعت ليلى بجسدها إلى الخلف، وقد دب الخوف في ملامحها حين ترجل منها رجل يطالعها بنظرات لم تطمئنها.
اقترب منها قائلًا بابتسامة مستفزة:
ـ الحلوة محتاجة أي مساعدة؟ المناطق دي خطرة… إيه رأيك نسهر مع بعض؟
تراجعت مذعورة وارتجف جسدها،فجأة صوت فرامل سيارة عمران دوّى في المكان.
توقفت السيارة بجوارهما بعنف، وترجل عمران منها في لحظة، والغضب يشتعل في عينيه.
استدارت ما إن رأته حتى تبدل كل شيء بداخلها.
استدارت نحوه، ثم ركضت بكل ما تبقى لديها من قوة، وارتمت بين ذراعيه وهي تبكي.
ضمها عمران، أحاطها بذراعيه، ثم رفع عينيه نحو الرجل.
لم يحتج إلى كلمة واحدة.
نظرة واحدة من عمران كانت كافية، فتحرك الرجل بسيارته مسرعًا واختفى من أمامه.
ظل عمران محتضنًا ليلى للحظات، ارتفعا أنفاسه مضطربة من شدة الخوف والغضب.
همس بجوار رأسها:
ـ إنتِ كويسة؟
لم تجبه، فقط تشبثت بقميصه أكثر.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يزفر ببطء، محاولًا السيطرة على نفسه.
ـ يلا… تعالي.
ساعدها على الجلوس داخل السيارة، ثم أغلق الباب بنفسه، واستدار إلى مقعد القيادة.
جلس صامتًا للحظات، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه عنها.
كانت تجلس بجوار النافذة، رأسها مستند إلى الزجاج، ودموعها تنساب في صمت.
قبض عمران على عجلة القيادة، ثم قال بهدوء: ـ وديني عند فريد.
التفت إليها للحظة، ثم أدار السيارة دون أن يجيب.
كان غاضبًا منها… نعم.
لكن خوفه عليها كان أقوى من غضبه.
وصل إلى الفيلا خلال دقائق، وأوقف السيارة داخل الحديقة.
التفت إليها، فوجدها ما زالت شاردة، وعيناها غارقتين بالدموع.
قالت بصوت مكسور: ـ مش عايزة أفضل هنا… وديني عند أخويا.
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن كلماتها أصابته في مكان موجع داخله.
ثم تنهد، وفتح باب السيارة، وانحنى يحملها بين ذراعيه.
ـ عمران…
ـ اسكتي دلوقتي.
لم تكن نبرته قاسية، بل كانت مثقلة بشيء يشبه العتاب والخوف.
ضمها إليه أكثر وهو يدخل بها إلى الفيلا.
كانت والدته بانتظاره، وما إن رأته حتى عقدت حاجبيها بدهشة.
ـ عمران…ـــــــــــبقلم سيلا وليد
رفع عينيه إليها، ثم نظر إلى ليلى المنكمشة بين ذراعيه.
قال بهدوء: ـ تصبحي على خير يا ماما.
لم تنتظر والدته تفسيرًا، وظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى أعلى الدرج.
دخل غرفته، أغلق الباب خلفه، ثم أنزل ليلى برفق فوق الفراش.
تأمل وجهها للحظة، ثم قال وهو يتجه إلى الحمام:
ـ يارب أطلع ألاقيكي مشيتي.
جلست ليلى فوق الفراش، وما إن ابتعد عنها حتى عادت دموعها للانهمار.
وبعد دقائق خرج عمران، وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه.
اقترب منها ببطء.
ـ وبعدين معاكي؟ هنخلص من شغل العيال ده إمتى؟
رفعت عينيها إليه، وكان الحزن يغلب كل شيء في ملامحها.
ـ اتجوزتني ليه… لما إنت بتحبها أوي كده؟
توقف عمران أمامها.
ثم أمسك بيديها، وأوقفها حتى أصبحت بمواجهته.
رفع كفيه إلى وجهها، وأحاط وجنتيها بحنان، وأجبر عينيها على النظر إليه.
ـ أنا مبحبش غير ليلى.
ارتجفت شفتاها.
ـ نفسي أصدقك.
لانَت ملامحه، وسحبها إلى صدره، يحتضنها طويلًا.
ـ وأنا نفسي تثقي فيا يا ليلى… مفيش بيني وبين نيفين حاجة. وحياة ربنا مفيش.
رفعت وجهها من صدره، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالخوف.
ـ احلف بحياتي… علشان لو بتكذب عليا أموت.
تغيرت ملامحه، فوضع إصبعه على شفتيها برفق.
ـ متقوليش كده تاني.
ثم مرر أنامله على وجنتها، يمسح آثار دموعها.
ـ وحياة ليلى اللي بعشقها بجنون… أنا بحبك إنتِ.
توقفت أنفاسها للحظة.
فتابع وهو ينظر داخل عينيها: ـ وقربي من نيفين كان لعبة… منها،واضطريت اجاريها علشان أوصل لحاجة معينة. لكن هي، عمرها ما كانت في قلبي.
قطبت جبينها، تحاول فهم كلماته.
ـ يعني إيه لعبة؟
ابتسم عمران، ثم مرر يده على شعرها بحنان.
ـ يعني فيه حاجات هحكيهالك لما الوقت يبقى مناسب. بس أوعديني بحاجة…
ـ إيه؟
ـ متشكّيش في حبي ليكي.
ظلت تنظر إليه بصمت.
اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت:
ـ أنا ممكن أتحمل زعلك، عصبيتك، حتى لسانك الطويل اللي مبيخلصش…
ابتسمت رغم دموعها.
ـ بس مقدرش أشوفك بتعيشي وإنتِ فاكرة إن قلبي لواحدة غيرك.
جذبها إلى صدره، واحتواها بذراعيه.
ـ إنتِ مش بس مراتي يا ليلى… إنتِ الحاجة الوحيدة اللي لما بخاف عليها، بحس إني ممكن أخسر نفسي.
دفنت رأسها في صدره، وتشبثت به كأنها وجدت أخيرًا المكان الآمن الذي تبحث عنه.
همست: ـ أنا بحبك أوي يا عمران.
أغمض عينيه، وابتسم وهو يضمها إليه أكثر.
ـ طيب حبيبتي… نامي بقى. كفاية اللي عملتيه في أعصابي النهارده.
رفعت وجهها إليه، وقالت بدلال طفولي: ـ بقولك بحبك، المفروض تقول وأنا كمان يا روح عمران.
ضحك بخفوت، ثم أمسك وجهها بين كفيه ونظر إليها طويلًا.
ـ وأنا كمان بحبك يا ليلى… أكتر مما تتخيلي.
ابتسمت، وعادت لتدفن وجهها في صدره.
ضمها إليه، وأغمض عينيه للحظات، وكأنه أخيرًا اطمأن أنها بين ذراعيه.
ـ نامي يا طفلتي…
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ