رهينة القصر الأسود مايا خالد

رهينة القصر الأسود مايا خالد حصري تسللت تيا إلى الغرفة بخطوات مرتجفة، أنفاسها متوترة تلاحق دقات قلبها التي قرعت ص.درها كطبول الحرب. استغلت خلوّ المكان من الحراس ومنه، لتقوم بمهمة ظنتها بسيطة: إعادة معطفه الثقيل الذي طوق كتفيها به في ليلة باردة، وكأنه يطوق حريتها بملكيته. وضعت المعطف على طرف الفراش الفاخر بلمسة مرتجفة، وهمت بالالتفاف للفرار، لكن الباب لم يعد مخرجاً، بل صار إطاراً لقامة قاسم الطويلة التي سدت النور عن الغرفة. كان يستند بكتفه على الإطار، وعيناه الصقريتان تخترقان ارتباكها ببرود مرعب. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره صوته الأجش وهو يتقدم نحوها ببطء مدروس: — قاسم: “إيه اللي بتعمله رهينتي المتجولة في أوضتي؟ مش غريبة شوية إنك تدخلي وكر الديب برجليكي يا تيا؟” — تيا: “كنت… كنت برجعلك الجاكيت بتاعك، مكنتش عايزة حاجة تفكرني بيك أكتر من كدة.” ضحكة خافتة، خالية من أي مرح، ص.درت عنه وهو يحاصرها بين جسده وبين جدار الغرفة البارد. رفع يده ليزيح خصلة تمردت على وجهها، فلامست أصابعه بشرتها كقطعة جمر. — قاسم: “تفكري فيا؟ إنتي شكلك نسيتي إنك ملكي، يعني مفيش سم في جسمك ولا فكرة في دماغك متبقاش تخصني. وبعدين.. اللي بيدخل هنا بمزاجه، مبيخرجش غير بإذني.” — تيا: “أنا مش ملك حد يا قاسم! أنت قولت إنك هتحميني، مش هتحبسني!” — قاسم: “والحماية في عالمي يعني السجــ,,ـن في حضــ,,ـني. المعطف ده رجع مكان ما كان، بس إنتي.. إنتي لسه مدفعتيش تمن الزيارة دي.” تحركت يده من ذقنها ببطء شديد، لتستقر أصابعه الباردة على عنقها، لم يكن يضغط، لكن ملمس يده كان كافياً لتعطيل تفكيرها. ارتجفت شفتها السفلى وهي تحاول استجما.ع شتات نفسها، بينما كان قاسم يستمتع بانهيار حصونها الواهنة أمام عينيه. مال برأسه أكثر حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها المتهدجة، وهمس بنبرة هادئة مرعبة: — قاسم: “خايفة ليه؟ مش إنتي اللي دخلتي برجليكي؟ الرهينة اللي بتلعب بالناــ,,ـر لازم تستحمل لسعتها.. وإنتي النهاردة اتخطيتي حدودك أوي.” — تيا: “أنا مش خايفة منك.. أنا بس قرفانة من الطريقة اللي بتعاملني بيها كأني جماد ملكك!” ضحك بصوت منخفض، ضحكة رجولية هزت ص.دره القريب منها، ثم اقترب من أذنها لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه تحرــ,,ـق جلدها. — قاسم: “قرفانة؟ تمام.. خلينى أشوف هتقدري تقاومي الريحة اللي بتخنقك دي لحد فين.” فجأة، وبحركة خاطفة لم تتوقعها، قبــ,,ـض على رسغيها بيد واحدة ورفعهما فوق رأسها، ليلصق ظهرها بالحائط تماماً، فشهقت بصدمة وقد تجمدت أطرافها. — قاسم: “الليلة دي مفيش رجوع لأوضتك يا حلوة. هتقعدي هنا، قدام عيني، عشان تتعلمي إن مفيش خطوة بتخطيها في البيت ده إلا وأنا عارفها قبل ما تفكري فيها.” — تيا: “إنت مجنون! سيب إيدي.. إنت عايز مني إيه؟” ثبت نظراته في عينيها بعمق، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر ظلــ,,ـمة وتملكاً: — قاسم: “عايزك تعرفي إنك حتى وإنتي نايمة، ملكي. والجاكيت اللي رجعتيه ده؟ هلبسهولك تاني غصب عنك لو فكرتي تهربي.. بس المرة دي هربطك بيه عشان متتحركيش من مكاني.” ترك رسغيها فجأة، لكنه لم يبتعد، بل ظل يراقبها وهي تتنفس بصعوبة، وكأنه يراقب فريسة تحاول استيعاب حجم الفخ الذي وقعت فيه. ثم أشار بيده نحو أريكة جلدية في ركن الغرفة المظلــ,,ـم. — قاسم: “اتفضلي اقعدي.. الليلة لسه طويلة، وأنا عندي أسئلة كتير محتاجة إجابات، وإنتي شكلك عندك طاقة للكلام.” ظلت تيا واقفة في مكانها، أنفاسها تتسارع وكأنها تركض في مضمار لا ينتهي. نظرت إلى الأريكة ثم إليه، وشعرت بمرارة العجز تملأ حلقها. لم تتحرك، بل ظلت متمسكة بمكانها خلف الجدار وكأنه درعها الأخير. خطا قاسم نحوها ببطء، وانتزع سيجارة من علبة معدنية على الطاولة، أشعلها بهدوء وهو يراقب ارتعاش يديها، ثم نفث الدخان بعيداً عنها لكن عينيه لم تفارق وجهها. — قاسم: “قربي يا تيا.. مش بحب أعيد كلامي مرتين. الكرسي مريح، والكلام لسه مدخلش في الجد.” — تيا: (بصوت يرتجف) “مش هقعد.. أنا عايزة أمشي. إنت قولت إنك هتحميني من أهلي ومن اللي كانوا بيطاردوني، محستش إن الحماية دي معناها إني أتحول لدمية في إيدك.” رمى قاسم السيجارة في المنفضة قبل أن ينهيها، واقترب منها مجدداً، لكن هذه المرة لم يحاصرها، بل وقف أمامها مباشرة بص.دره العريض، وعيناه تحملان لمعة غامضة تجمع بين الغضب والحزن المكبوت. — قاسم: “أهلك اللي بتسألي عليهم هما اللي باعوكي يا تيا. قبــ,,ـضوا تمن حريتك كاش.. وأنا اللي دفعت. يعني إنتي دلوقتِ استثمار، وأنا مبهملش في استثماراتي.” — تيا: (بصدمة) “إنت كداب! أهلي مستحيل يعملوا كدة.. إنت اللي خطفتني وعامل المسرحية دي عشان تكسرني!” بسرعة البرق، أمسك بفكها وضغط عليه برفق جعلها تنظر لعينيه مباشرة، وقال بنبرة تقطر قسوة: — قاسم: “لو كنت عايز أكسرك كنت عملت ده من أول ليلة دخلتي فيها البيت هنا. بس أنا لسه صابر.. صابر عشان عايزك تعرفي إن مفيش حد في الدنيا دي باقيلك غيري. الريحة اللي بتقولي إنها بتخنقك؟ هي دي اللي هتحسسك بالأمان لما الكل يبيعك.” ترك وجهها فجأة وابتعد خطوتين، ثم أردف ببرود: — قاسم: “اقعدي بقا.. عشان أوريكي الورق اللي أهلك وقعوا عليه وهم بيسلموكي ليا.. وعشان تقرري الليلة دي، هتفضلي رهينة خايفة، ولا هتكوني شريكة في اللي جاي.” تجمدت تيا في مكانها، الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. هل فعلاً باعها أهلها؟ هل هذا الوحش الواقف أمامها هو المنقذ الوحيد المتبقي لها في هذا العالم المظلــ,,ـم؟ سقطت الكلمات على مسامع تيا كأنها شظايا زجاج مزقت ما تبقى من ثباتها. تراجعت خطوة للخلف، واصطدمت بحافة الطاولة، بينما كان قاسم يراقب انهيار عالمها ببرود يشوبه تملك مرعب. لم يتحرك لمواساتها، بل ظل واقفاً كتمثال رخامي، يستمتع برؤية الحقيقة وهي تلتهم روحها. — تيا: (بهمس مشروخ) “أوراق إيه؟ إنت أكيد بتضحك عليا.. هما مستحيل.. مستحيل يبيعوني ليك!” — قاسم: (بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة) “المستحيل ده كلمة الضعفاء اللي زيك يا تيا. في عالمي، كل حاجة ليها تمن.. وأهلك كانوا مديونين ليا بمبالغ مش هيقدروا يسددوها في عشر سنين. الحل كان بسيط.. إنتي.” مشى بخطوات واثقة نحو مكتبه الصغير في زاوية الغرفة، وفتح درجاّ سرياً ليخرج منه ملفاً جلدياً أسود. ألقاه على الطاولة أمامها بقوة أحدثت صوتاً جافاً.
