لمن القرار بقلم سهام صادق ج 15
الفصل السبعون(1)
****
تعلقت عيناها بالمنزل الذي حمل بين جدرانه ذكريات ظنت أن الزمن أخمدها
اغمضت عيناها كما اغمضتها كلما أتت لهذا المكان ، كلما أجبرتها الذكريات أن تعود لهنا حتى تشبع عيناها بكل زاوية من أركان هذا المنزل وتتذكر صورتها الضعيفة فيزداد كرهها لحامد ويزداد إصرارها في رؤيتها له يخسر جميع أمواله.
سنوات سعت فيها للأنتقام منه بأكثر الأشياء حبً له ” المال”، دفعته ليتورط في الكثير من الأمور الغير المشروعة.. صبرت سنوات حتى ترى حصاد إنتقامها ولولا أن نهاية إطاحته ليست بيدها لكانت انهت عليه منذ أعوام.
اكثر من عشرون عاماً مر على ذلك اليوم الذي أتت بها صافي والده سليم لهنا بعدما عدلت عن قرارها في أخذها لمزرعة والدها ويعلم صفوان بالحكاية ويزوجها لهذا الرجل غصبًا فتعيش عمرها زوجة لمغتصب
– أنا مش عارف ليه مازلتي محتفظة بالمكان ده يا خديجة
تمتم بها الواقف خلفها، شقيق أحدى صديقاتها.. ذلك المراهق الذي كبر أمام عينيها بحكم صداقتها مع شقيقته
استدارت إليه تُقاوم شعورها بالرجفة، فاردف حانقًا من صعوبة إقناعها
– كنتِ خلتيني أشوفلك مكان أفضل من هنا، أو على الأقل حد يجي يقعد معاكِ
– أنا هكون مبسوطه وانا بعيد يا رحيم
دارت عيناه بالمكان وبموقع المنزل، فرغم وجود عدة منازل قريبة إلا أن اغلب من يسكن هذه المنازل يأتي في الأجازات الصيفية
– خديجة حالتك متسمحش تفضلي لوحدك.. أنتِ ناسية الوضع اللي أنتِ فيه
عيناها انتقلت تلقيائيًا مع حركة كفها نحو بطنها، طفلها سيُحارب من أجلها وسيأتي للحياة، هى بحاجة إليه..
لن ترفضه كما رفضت الاخر من قبل لأنه كان نبته حرام من رجل مغتصب
ترقرقت عيناها بالدموع تُقاوم ذرفها، صغيرها صار يسمع حديثها معه كل ليلة.. بات يعرف أسرارها وألامها
– متخافش عليا يا رحيم.. أنا لو احتاجت حاجة هكلمك
وبنظرة حملة الأمتنان، فهو قطع اجازته من أجلها وعاد لمقر عمله بمحافظة البحر الأحمر قبل إنتهاء أجازته
– شكرا يا رحيم.. وسامحني على اجازتك اللي اقطعتها، وارجوك محدش يعرف بمكاني لحد ما أنا أقرر أظهر
ورغمًا عنه استسلم لقرارها، هو خاض تلك المشاعر المُبعثرة عند إنفصاله عن زوجته بعد قصة حب جمعتهم
غادر رحيم بعدما أكد عليها أن تهاتفه دون خجل إذا احتاجت لشئ وإنه سيبعث لها بمن تنظف المنزل وعليها ألا تعترض
علقت عيناها بالسيارة وهى تبتعد, تضم سترتها حول جسدها بعد شعورها بتلك النسمات الخفيفة.. تُغمض عيناها هذه المرة باسترخاء دون ذكريات, تُحرك يدها بخفة فوق بطنها
– أنت بطل يا حبيبي، هتيجي الدنيا عشان تكون معايا وتحميني.. أوعى تتخلى عني
….
غادرت السيدة ألفت غرفة المكتب تطرق رأسها أرضًا في خزي بعدما كشفت له عما حدث أمس في غيابه..، هو أعتاد منها أن تكون عيناه في منزله
اقتربت منه الصغيرة بخوف ارتسم فوق ملامحها تنظر إليه, تنتظر منه أن ينتبه لقربها ولكنه كان غارق في أفكاره
هو يعلم عمته لا تبتعد إلا إذا ارادت العزلة ولكن الأمر صار مقلق بعدما دخل حياتها هذا الشاب الذي لا يراه إلا عالة ولولا كاظم النعماني ونزاهته ما كان شارك هذه العائلة؛
فجودة النعماني رجل فاسد ولولا المرض لكان استمر في اعماله الغير مشروعة، جودة النعماني هذا الرجل الذي كان يُخبره عنه جده عظيم, إنه رجل جائع خدع ارملة احد التجار وتزوجها, والأرملة لم تكن إلا والدة كاظم
– بابي
خرج صوت الصغيرة في همس وقد تقطرت الدموع فوق خديها، انتبه سليم أخيرًا على قربها منه وسرعان ما كان ينتفض من فوق مقعده لا يُصدق أن صراخه اليوم بالخدم والحارس ومكالماته الهاتفيه التي تعالا صياحه فيها كل هذا تحت أنظار صغيرته
– ديدا، أنتِ بتعيطي يا حببتي
رفعت الصغيرة عيناها نحوه بعدما دنى منها يمسح دموعها، هو لا يتحمل رؤيتها هكذا.. يكفيه ما تعيشه صغيرته من حياة باتت مشتتة
اماءت برأسها تُخبره بنبرة خرجت مهزوزة من الخوف
– أنت بقيت زي مامي عصبي يا بابي
تجمدت ملامح سليم وهو يسمعها، يُحاول أن يلين من ملامحه
– أنا مبحبش خالو حامد.. هو السبب في عصبية مامي
ازدرد سليم لعابه بعدما حملها وتركها تُخبره عما كانت تُخبئة لها من أسرار
– مامي علطول بتعيط يا بابي.. وخايفه إنك تخدني منها بسبب خالو حامد
ضاقت عينين سليم في حيرة، هو بالفعل يُريد أخذها من شهيرة فلم يعد يطيق فكرة بعدها عنه ولولا رغبة صغيرته واختيارها للبقاء معها لكن حسم الأمر بينه وبين شهيرة بالمال
– بابي أنا بحبك أنت ومامي أوي.. نفسي نعيش سوا زي ما اصحابي عايشين مع بابي ومامي بتوعهم.. حتى كريم ابن طنط سوزان عايش مع طنط سوزان وعمو خالد, ليه أنت ومامي كل واحد فيكم عايز يعيش بعيد وانا عايزه اعيش معاكم أنتوا الاتنين
وكلمات صغيرته لم تكن إلا كنصل سكين ينغرز في فؤاده، هو السبب في كل ما تعيشه صغيرته وليست شهيرة.. ولو كان من قبل يلومها لأنها اختارت أن تُنجب منه قبل أن يضيع العمر منها الان لم يعد يلومها, فعمته فعلت الأمر مثلها
– فتون كمان خليها تعيش معانا، هي طيبة أنا بحبها بس مش بحبها زي مامي ولا زيك يا بابي
توقفت فتون بالقرب منهم تستمع لحديث الصغيرة تمسح دموعها دون قدرة على مقاومة ذرف المزيد.
تعالا رنين هاتفه مع رنين جرس المنزل وانتباه على وجود فتون وتلك الدموع التي تغزو مقلتيها.
…..
زفر كاظم أنفاسه بقوة بعدما يأس من إقناعها في عدم الذهاب إلى منزل سليم النجار واختيار هذا التوقيت،
فالرجل يتهم شقيقه بإختفاء عمته رغم عدم علم شقيقه بإختفاء خديجة النجار وعليه ألا يعلم
– فتون محتاجاني يا كاظم، صوتها كان منهار.. فتون مش هتستحمل حد يفكرها بأسوء أيام عاشيتها مع حسن.. عارف يعني إيه طفله مكملتش ١٦ سنه تتجوز راجل سادي ميعرفش الرحمة، شغلها خدامة عند سليم النجار خلاها تجهض بطريقة بشعة .. دمر طفولتها وشوهها
وكاظم لم يكن مصدوم مما يسمعه، لأنه عاش طفوله علمته أن يشبّ قبل الأوان
لم ترى التأثر فوق ملامحه سوى تلك التقطيبة التي رسمت فوق جبينه
– لو دورتي حواليكي يا جنات هتلاقي أطفال كتير طفولتها بتتوأد، صاحبتك محظوظه لأنها لقيت اللي يقف جانبها عمرها كله مضعش وهى بتدور على حد يمدّ أيده ليها.. اغلب القرى الفقيرة البنات فيها بتواجه المصير ده وكل واحده وحظها
ضاقت عينين جنات تنظر له وهو يُحادثها بهذا الهدوء بل وعاد لمطالعة أوراقه
– أنت بعد ما اتطمنت إن أخوك ملهوش علاقه بإختفاء خديجة النجار، فمش فارق معاك الموضوع.. بقولك بيهددها بفيديو وأنتِ بتقولي محظوظه
– هتلاقي طمعان بشوية فلوس من سليم النجار، متقلقيش سليم النجار معاه يدفع يا جنات
حجظت عيناها بعدم تصديق، كاظم يتحدث عن مشكلة فتون دون إهتمام وكأن الأمر لا يعنيه .. الأمر بالفعل لم يكن يعنيّ في شئ ليشغل باله به ولكن فتون صديقتها.. ومن يخصها عليه أن يهتم لأمره, هكذا هى ترى
احتدت عيناها تُطالعه وهو يضع تركيزه في عمله يُخبرها أن مكتبها أوشك تجهيزه على الانتهاء
– كاظم.. فتون أختي الصغيره.. يعني همها هو همي
– والمطلوب مني أقف في حكاية مش فاهم تفاصيلها لا وكمان تخص مرات سليم النجار..الراجل اللي معطل شغلنا بسبب جواز عمته من اخويا
– أنت يا كاظم حاقد على فتون بسبب سليم.. مع انك أنت وسليم امبارح كان اللي يشوفكم يقول قريبًا العائلتين هيعلنوا نسبهم ببعض
اتجهت نظرات كاظم نحوها، جنات تسخر منه.. تعقد ساعديها أمامها تنتظر أن تسمع جوابه عن سخريتها
– عايزة إيه يا جنات من الاخر ومتقوليش اروح بيت سليم النجار، مش مستعد أسمع إهانة تاني ليكي
– فتون محتاجاني يا كاظم.. خايفة عليها الزعل يأثر على الطفل.. منه لله مسعد الزفت ضيع عليها فرحتها
– يعني أنتِ خايفة على كل الناس، وابني مش مشكله
بابتسامة واسعة أسرعت في وضع يديها فوق بطنها
– ابن كاظم النعماني محارب قوي..
توقف الحديث على طرفي شفتيها تستمع لسخريته هذه المرة وتلك النظرة التي يحدقها بها
– هيخلص العالم من الاشرار ويجمع الأحبه
اقترب منها بنظرات ماكرة ومع اقتراب خطواته.. كان يرى الحنق يرتسم فوق ملامحها, يجذبها إليه مداعبًا خصرها يلصقها به مستطردًا حديثه هذه المرة بجدية
– عشان كلمة ابن كاظم النعماني ومحارب قوي.. هوصلك بنفسي بيت سليم النجار
ابتلعت حديثها المتذمر عن سخريته التي صارت تُدرك إنها من طباعه
– كاظم النعماني هيوصلني بنفسه.. أنت راضي عني أوي يا كاظم النهاردة
داعبت شفتيه ابتسامة واسعة سرعان ما تحولت لضحكة قوية
– كلامك في إهانة مش مقبولة يا جنات
شاركته الضحك مستمتعه بلمساته المداعبة ، ترفع كلا ذراعيها نحوها
– هتوصلني بنفسك ولا السواق هيوصلني
ابتسامة مشاكشة ارتسمت فوق ملامح جنات تكتم صوت ضحكاتها وهى ترى المقت مرتسم فوق ملامحه، كاظم يتلاعب بها
فك حصار ذراعيه عنها حانقًا منها ومن إصرارها للذهاب لمنزل النجار، ف الخلافات بينهم لا تنتهي ولم يعد أحد من الطرفين يقبل حديث الأخر
انفتح الباب ولم يكن إلا جلال صديقه الذي اعتاد على الدلوف غرفته دون اذن متمتماً في تساؤل
– هى فين سارة السكرتيرة يا كاظم، بحب اصطبح على وشها الجميل..
ابتلع جلال بقية حديثه وهو ينظر نحو كاظم بعدما انتفضت جنات مبتعدة عنه تخفض رأسها في خجل
الصدمة ارتسمت فوق ملامح جلال قبل أن يُسرع في مغادرة الغرفة غير مصدقًا أنه رأي كاظم في وضع كهذا..بل وبهذا الشغف وهو يدنو من زوجته ليُقبلها
– اكلت عقلك خلاص يا كاظم، ضعفت لست بعد ما كنت بتحذرني من سمهم
…..
توقفت سيرين عن سرد تفاصيل رحلة العمل وكم كانت تتمنى أن ينهي هو بنفسه الصفقة ولكن نجاح الصفقة قد تم
تعلقت عيناها بتلك اللهفة التي احتلت عيناه ثم إلتقاطه للهاتف بعدما تعالا رنينه والتقط اسم المتصل
– خليني اكلمها يا داده
تركزت نظرات سيرين نحوه، فمن التي يُريد أن يُحادثها.. بسمة زوجته بالطبع لاء، تلك الفتاة صارت تعلم أن زواجهم به شئ غريب.. زواج غير متكافئ لم تراهم يومًا سوياً في أي مناسبه..
– بسمة
تجمدت ملامح سيرين بعدما التقطت أذنيها اسمها، هذه اللهفة كانت من أجل زوجته
– ما هو لو مسمعتيش كلام دادة سعاد واكلتي مش هنسافر لملك
ضاقت عينين سيرين في حيرة بعدما التقطت أذنيها حديثه رغم خفوت صوته
صوت أنفاسه خرجت بقوة يبتعد ببضعة خطوات أخرى تحت نظراتها المصوبة نحوه وشعور الألم ينهش قلبها, فعن أي أنفصال زفته إليها شقيقتها سيحدث قريبًا بينه وبين زوجته، إنه يُحادث زوجته في لهفة حقيقية
– بسمه لازم تكلي عشان العلاج.. وعشان خاطر ملك
اغمضت سيرين عيناها في حسرة.. رغم أن الحديث لم تعد أذنيها تلتقطه تُقاوم ذرف دموعها، ف رقية شقيقتها جعلتها تحلم بأن يكون هذا الرجل لها يومًا
عاد جسار لمكتبه يغلق حاسوبه ويلتقط عدة ملفات فوق سطح مكتبه
– معلش يا سيرين.. أنا مضطر أمشي.. حقيقي وجودك معانا مكسب لينا
رغم كلمات مديحه، إلا أن عيناها تعلقت به وهو يتحرك في عجالة تزدرد لعابها تسأله في فضول
– هى المدام فيها حاجة
– تعبانه شويه
تمتم بها جسار وغادر بعدها، فوقفت في منتصف الغرفة تعض فوق شفتيها تمنع بكائها وقد سقط الملف الذي كانت تحمله
– معقول تكون حامل
…..
تعالا صوت سليم بغضب بعدما أستمع لتبجح تلك السيدة في وصف عمته
خديجة النجار صارت توصف بأنها أمرأة لعوب.. تتلاعب بالرجال من أجل حاجتها.. والحاجة ما هى إلا علاقة جسدية ارادتها مع شاب صغير تكبره بسنوات عديدة حتى يمنحها شعور لذه لن تجدها مع رجل في عمرها او يكبرها
– أنتِ واخدة بالك بتقولي إيه يا ست أنتِ، كلامك ده هعرف أحاسبك واحاسب ابنك عليه كويس
التوت شفتي منال في تهكم، فعن أي حساب يتحدث هذا الرجل وصار بينهم طفلاً، حفيدها الذي أزاد من ذلك الترابط وسيُخضع هذه العائلة
– وهى في ست محترمه تضحك على جوزها برضوه، وفكرانا مش هنعرف بالطفل.. لا يا ابن الذوات عيلة النعماني مش بيسيبوا ولادهم
تجاهل سليم حديثها حتى لا يلقيها خارج منزله بطريقه مهينة
– فين ابنك الراجل، ابنك اللي زمان طلعته من قضية نسب..ولا هو لسا بيتحامى في غيره وبيحب بس يدخل بيوت الناس زي الحراميه، عارفه انا ممكن اودهولك في داهية
– أنا أه واقف قدامك يا سليم باشا
استدار سليم بجسده نحو أمير الواقف خلفه
– فين مراتي ، مش الزوجة برضوه مكانها في بيت جوزها
….
تعلقت عينين جسار بذلك الواقف أمامه بعدما خرج من سيارته الصغيرة ودارت عيناه بالمكان متعجبًا، ف فتاة ك بسمة ببساطتها وتعليمها كيف لها أن تعيش في منزل كهذا
– أنا محمود مهندس كمبيوتر وبدَّرس في المعهد لاستاذه بسمه
مدَّ محمود بيده بعدما اخبره عن هويته في تعلثم وقد عادت عيناه مرة أخرى تدور بالمكان الذي لا يدل إلا على ثراء أصحابه،
بعض المعلومات التي جمعها عنها إنها تعيش في منزل أحد أقاربها
صافحه جسار في جمود يجليّ حنجرته قبل أن يخرج صوته بقوة أصابت الواقف فزعًا
– أهلا يا بشمهندس، ممكن اعرف سبب زيارتك
طالعه الواقف ببعض التوتر، فهيئته لا توحي إلا بمكانته المرموقة حتى سيارته المصطفة قبالة سيارته الصغيرة
– حضرتك قريبها
لم يكن جسار يطيق صبرًا حتى يعرف سبب هذه الزيارة
– خير يا بشمهندس لأن بدأت اقلق من سبب الزيارة
أسرع محمود بالهتاف بعدما تمالك توتره
– خير طبعا يا فندم .. هو أحنا هنفضل واقفين كده
زفر جسار أنفاسه بضجر وقد اقتحم حديث السيد سعاد ذاكرته عن ذلك المحاضر الذي كان يهتم ب بسمة وكانت تُخبرها عنه
أشار له جسار بالتقدم منه حتى يسمع ذلك الحديث الذي أتى من أجله
– اتفضل
اشغل جسار سيجارته، بعدما ضاق ذرعًا من صمته
– بشمهندس محمود أنا مستني أسمعك
سعل محمود بشدة من دخان السيجارة وقد صارت عيناه هذه المرة تتأمل فخامة المنزل من الداخل ثم تلك المرأة التي تقدمت منهم تحمل فنجاني القهوة
انصرفت السيدة سعاد ولم تكن تعلم أن الجالس هو الشاب الذي كانت تثرثر لها عنه بسمة
– ممكن تطفي السيجارة لأن مبحبش ريحتها يا فندم
– نعم
خرج صوت جسار في تذمر واعتدل في جلسته يُحدق به بنظرات قوية
– خلاص يا فندم مافيش مشكله
حدقه جسار بنظرات أشد قوة قبل أن يطفئ سيجارته في المنفضة منتظرًا الحديث الهام الذي أتى من أجله
– بشمهندس محمود ممكن أعرف سبب زيارتك وسؤالك عن بسمه
– بسمة بقالها مدة مبتجيش المعهد، بصراحه قلقت عليها
نظرات جسار أزداد وجوم ينتظره أن يُكمل حديثه
– هى بخير
ملامح جسار الجامدة جعلته يشعر بالتوجس، يتسأل داخله لما هذا الرجل ينظر إليه هكذا
– بصراحة يا فندم زيارتي ليها سبب تاني بعد طبعا ما اتأكدت من مشاعري
عينين جسار علقت به مُشيرًا إليه أن يستمر في حديثه
– وبصراحة أكتر اكتشفت مشاعري ناحية استاذه بسمة مشاعر إعجاب وممكن بعد الخطوبة والتقارب ما بينا يزيد تتحول لمشاعر حب..
– خطوبة مين؟
ازدادت ملامح جسار جمودًا مستفهمًا عما سمعه
– ما أنا جاي النهاردة لحضرتك عشان اعرف اتكلم مع مين بالظبط عشان أتقدم لاستاذه بسمة، أنا مأخدتش الخطوه ديه غير لما حسيت إنها ممكن تكون بتبادلني نفس المشاعر
– ممكن تعرفني بحضرتك يا فندم، أنا لحد دلوقتي معرفش تقرب إيه لأستاذه بسمة
والحديث هذه المرة كان يخرج منه بغيرة اندلعت في فؤاده، ينتفض من فوق مقعده
– عايز تعرف استاذه بسمه تقربلي إيه.. مراتي
….
علقت عينين جنات بمقطع الفيديو بعدما استطاعت أن تنفرد ب فتون داخل احدى الغرف
أنحبست أنفاسها مما ترى، فلم يكن المقطع الذي أمامها إلا صورة مصغرة لما عاشته فتون مع هذا القذر
– كان بيعمل فيكي كده
تسألت جنات في صدمة لا تستوعب أن هناك رجال بهذه القذارة، لم تتحمل جنات رؤية المزيد واسرعت بوضع يدها فوق فمها حتى لا تتقيأ
انسابت دموع فتون، جنات لم تتحمل لتراها هكذا.. فكيف لسليم أن يراها عارية يُناديها حسن بالعاهرة ويعبث بجسدها بكل الوضائع التي كان يشاهدها ويجعلها تُشاهدها معه
– سامحيني يا فتون، مكنش قصدي.. أنا بس مستحملتش المنظر
اقتربت منها جنات تحتضنها، تُلعن ذلك الذي عاد لحياتها.. يذكرها ببشاعة ما عاشته منذ سنوات
– حاسه إني بتخنق يا جنات، أنتِ مستحملتش تشوفي المقطع.. سليم مش هيستحمل هو كمان.. سليم هيفهم السبب اللي بيخليني معاه احيانا غصب عني باردة مش متجاوبة.. هو بيحاول يتقبل إن حسن اذاني نفسيًا .. لكن لو شاف إزاي كان حسن بيعاشرني كأني..
بترت كلماتها تكتم صوت شهقاتها في حضن جنات التي رغمًا عنها بكت معها
– مش هيستحمل يا جنات.. مش هيقبل تكون واحده زي أم لابنه
شعرت جنات بقلة الحيلة، فهى بالفعل لم تتحمل رؤية المقطع.. فكيف سيكون شعور سليم وهو يرى زوجته مع رجل نذل لا يعرف الشرف كان زوجها قبله
ابتعدت جنات عنها تُدلك جبينها لعلها تجد أي خيط مع هذا الرجل
عادت عيناها تتعلق ب فتون ثم بالهاتف المُلقى فوق الفراش .. فاسرعت في التقاطه مرة أخرى
الفصل السبعون (2)
****
تعلقت عينين جنات رغمًا عنها بالمقطع، فرغم صعوبة ما ترى إلا إنها كانت تبحث عن شئ واحد سيؤكد لها ما تبغاه
الوجوه مشوشة والصوت الذي يخرج من الفتاة لم يكن إلا همهمه أمرأة مستمتعة راغبة وليس أمرأة مجبورة يضربها زوجها قبل أن ينالها دون رحمة
توسعت عينين جنات شيئاً فشئ وهى ترى ما تبحث عنه.. تلك الوحمة التي خلت من جسد الفتاة قريبة التشابه من جسد فتون وتعقد الضفائر مثلها، هذا الرجل كان بالفعل مهوس بتلك الأمور، يبحث عن متعته في أجساد المراهقات
– ابن… كان بيخونك الحقير على سريرك ومشغلك خدامه وبيضرب ويحرق فيكي
تردد حديث جنات صداه على مسمعيها تنطق بصوت يكاد يخرج من شفتيها
– بيخوني، يعني اللي في الصورة مش أنا
أسرعت جنات بالاقتراب منها تعطيها الهاتف لتنظر لما لفت انتباهها
– فتون أنتِ فيكي وحمة في ضهرك.. البنت فعلا في نفس هيئتك وتفاصيل جسمك لكنها مش أنتِ.. حسن كان مريض نفسي وصاحبه زيه لكن حسن مات اما صاحبه أكيد عايزك في حاجه في نفسه.. ، السؤال هنا ليه الفيديو ظهر دلوقتي
حاولت جنات أن تبحث عن جواب ولكنها عجزت عن إيجاده تنظر لملامح فتون الشاحبة ومحاولتها في ابتلاع لعابها لترطب حلقها تهتف بصعوبة
– اكيد عايز يدمر حياتي زي ما دمرها حسن، أنا كنت فاكره إني نسيت كل ذكرى عيشتها مع حسن يا جنات
خرجت بقية الكلمات منها في ثقل ولم تشعر بعدها إلا بصوت جنات وكأنه يأتيها من بعيد
….
احتدت عينين سليم وقد وقف كاظم متأهبًا يدور بعينيه بينهم يزجز شقيقه بقوة حتى يُغادر، فالأمور تتعقد وكلاهما يلقي على الأخر بالاتهامات
– اوعى تفتكر إني خايف منك، ومراتي هعرف اوصلها كويس
ازدادت نظرات سليم قتامة، واللكمة التي اراد أن يلكمه بها منذ وقت .. ها هو وقتها أتى
ترنح أمير للخلف تحت نظرات كاظم المصدومة من فعلت سليم، يقف بينهم بعدما تعلقت عيناه بشقيقه يرى الدماء تسيل من أنفه
– الرجوله اخدتك اوي لما اتكلمت عن طليقتك..
اندفع سليم نحوه وقد أثار حفيظته، ولكن كاظم وقف كحائل بينهم
– ام بنتِ يا حيوان، سيرتها متجيش على لسانك
– انا مش زيك راجل بتاع ستات.. بعد ما ازهق ادور على واحده أصغر ترجعلي شبابي
جحظت عينين كاظم من شدة ذهوله, وهو يرى حاله فوق الاريكة بعدما اطاح به سليم بعيداً عنه يلتقط أمير من ملابسه يطرحه ضربًا والأخر هذه المرة يُدافع عن حاله غير عابئ بما سينتهي به شجارهم
توقفت جنات تلتقط أنفاسها تنظر لما يدور داخل الغرفة, وسرعان ما كانت تتسع عيناها في صدمة وهى ترى المنفضة تطير بالهواء لتنصدم بجبهة كاظم بعدما دفع بها أمير قاصدًا من هدفه سليم.
….
احتلت الصدمة ملامح السيدة سعاد وهى تحملق بذلك الشاب وهو يركض للخارج يُهندم من قميصه ويُهمهم بحديث تمنت لو سمعته لتعرف سبب أصواتهم التي تعالت فجأة ثم فراره
اطرقت رأسها نحو الطبق الذي تحمله وبه بعض قطع الكعك، فلم يعد لهذا الشاب نصيب من تذوق كعكتها الشهية
– خسارة ملحقش يدوق عمايل ايديا..
تمتمت بها السيدة سعاد بعدما عادت تصوب عيناها نحو قطع كعكتها واستطردت في حيرة متسائلة
– يا ترى ليه صوتهم كان عالي.. شكلك يا سعاد كبرتي وعجزتي زي ما جميل بيقول ومبقتيش تسمعي كويس..
– داده سعاد
انتفضت السيدة سعاد من مكانها على صوته وهى تراه يتقدم منها بأوداجة منتفخة وحواجب معقودة، الذعر تملك منها تنظر إلى نظراته التي صوبها نحو قطع الكعك
– في حاجة يا بني حصلت
عيناه تعلقت بما تحمله السيدة سعاد وقد أصابه القليل من الشك في معرفة السيدة سعاد بهذا الشاب
– بسمة حكتلك إيه عنه
ضاقت عينين السيدة سعاد في حيرة أشد
– حكتلي عن مين؟
بصوت جهور هتف اسمه لا يستوعب حتى هذه اللحظة إنه عاش شئ كهذا
– بشمهندس محمود
” بشمهندس محمود” رددت السيدة سعاد الاسم تُحاول تذكر صاحبه
– بشمهندس محمود، هو أنا اه فاكره بشمهندس حسام أصله جيه امبارح يسأل عنها ونسيت ابلغك يا بني، يا سعاد افتكري ومتلغبطيش الاسامي ببعضها
– حسام، هو كمان في حسام..
تراجعت السيدة سعاد للخلف بعدما كاد الطبق يسقط منها
– كام واحد هيظهر من معجبين الهانم وأنا معرفش
ارتسم الذعر فوق ملامح السيدة سعاد وسرعان ما كانت ملامحها تسترخي تحكي له عنه بسجيَّة
– يا بني بشمهندس حسام.. مديرها في شغلها وميادة هانم هى اللي بعتته يسأل عنها، قولتله إنها تعبانه شويه ونايمة والراجل شرب قهوته ومشي، بس شكله عينه من ميادة هانم..أنا أه كبرت وعجزت لكن نظرتي مبتخيبش
ابتعد جسار عنها حتى لا تخونه الكلمات ويخرج حديث بذئ منه، دار حول نفسه ينظر نحو الدرج.. إنه يقاوم ذلك الشعور الذي يدفعه للصعود إليها
– بشمهندس محمود مدرس بسمه في المعهد..
سكنت ملامح وجهه وقد تهللت اسارير السيدة سعاد بعدما تذكرت أخيراً هذا الرجل
– مش قولتلك يا بني عينه من بسمة، شوف عشان غابت عن حصصها أسبوعين جيه يسأل عنها ومستحملش غيابها
تجمدت السيدة سعاد في وقفتها تراه وهو يصعد الدرج بخطوات عجولة دون أن يهتم ببقية حديثها
…..
توقف مكانه ساكن الحركة يزفر أنفاسه رويداً رويداً بعدما فتح باب الغرفة
انخمدت تلك النيران المشتعلة داخله، فعن أي وعيد يتوعده لها.. وهو من كان يُخبرها أن حياتها الخاصة ملك لها وأن زواجهم ما هو إلا فترة مؤقتة
هل اهتم يومًا أن ينظر في اصبعها الخالي من خاتم الزواج، هل فكر أن يعرف بماذا تُخبر الناس عن حياتها، بسمه الفتاة أم بسمة الزوجة المؤقتة في حياة رجل يرفضها في عالمه ،
هل جاء اليوم ليبحث عن حقه فيها، وأين كان حقها هى؟
اطبق فوق جفنيه لعلا يمنح عقله السلام من ذلك الصراع الذي صار يعيشه بعدما زالت الغشاوة عن عينيه وقلبه
استدارت إليه بعدما انتبهت على وجوده بالغرفة وعادت تنظر للمرآة تُكمل تمشيط شعرها الرطب بفتور
أصوات أنفاسه الهادرة اخترقت أذنيها ولكنها ظلت مثله واقفة مكانها تمشط شعرها فى شرود.
فتح جفنيه بعدما هدأت عاصفة أفكاره وقد التقطت عيناه حركتها نحوه، بخطوات تحمل الفتور اقترب منها وهو يرى عدم قدرتها على تمشيط خصلاتها المجعدة ..
– خليني اسرحهولك يا بسمه..
لم ينتظر منها أن تمنحه قبولها بل بادر بأخذ المشط منها.. وببطئ اخذ يُحرك المشط الذي تشابك مع خصلاتها
عيناها تعلقت بأنعكاس صورته وقد ازداد قربه منها حتى يتمكن من تمشيط خصلاتها
– شعري وحش
خرجت الكلمات منها بالصعوبة تُغمض عيناها تتذكر سخرية فتحي الدائمة عن شعرها المجعد
توقف يده عن عملها ينظر إلى عينيها المغلقتين وضغطها بقوة على طرفي شفتيها حتى تمنع ارتعاشهم
– مين قالك إن شعرك وحش يا بسمه، بالعكس شعرك جميل وطويل..أنتِ جميله يا بسمة بجمال خاص بيكِ لوحدك
احتضن كفه خصلات من شعرها يرفعهم نحو أنفه يستنشق رائحة الغسول المنبعثة منه
صوت فتحي بدء صداها يتلاشى عنها بعدما اخترق صوت اخر أذنيها، صوت دافئ انتشلها من صراعها مع لمسات حانية، هى في حلمها الجميل مع ذلك الرجل الذي نسجه عقله لها
فتحت عيناها لترى صورة الرجل الذي اقتربت أنفاسه منها، لتتجمد عيناها وهى تراه واقف أمامها
أصابه الجمود من شدة الصدمة وهو يراها تنتفض مبتعدة عنه وكأنها فاقت للتو من تلك الغيبوبة التي يأخذها إليها عقلها
عاد الخوف يحتل عيناها، تنظر حوله تبحث عن طيف هذا الرجل
– هو راح فين
بنبرة متعلثمة مهزوزة خرج الحديث من شفتيها، تدور بعينيها هنا وهناك
– كان شبهك، صوته زي صوتك لكن مكنش أنت
إنها عادت تتحدث، تتحدث بكلمات أدمت قلبه..
– مافيش غيرنا في الأوضة يا بسمة..
اقترب منها يقاوم تلك الرجفة التي اخترقت فؤاده، فاخذت تتراجع مبتعده عنه وقد علقت عيناها بالمشط الذي قبض عليه بيده المجروحه
ازدرد لعابه في مرارة، فعيناها النابضتين بالحياة انطفئ بريقهم..
– أنا خذلتك زيهم لكن غصب عني، أنتِ دخلتي حياتي في الوقت الغلط.. كنت بنتقم فيكي من نفسي ومن جيهان.. جيهان اللي دفعها رسلان في حياتي عشان يرجع ملك ليه.. جيهان كانت شبه مراتي يا بسمه، حاولت اعيش معاها اللي كان نفسي أعيشه مع ريماس.. كل حاجه في حياتي خسرتها لكن المرادي مش هخسر تاني يا بسمه.. انا فعلا غبي لأني فاكر ديما عقلي هو اللي صح في اختياراته..
تسارعت أنفاسه، فتوقف عن الحديث يلتقط أنفاسه ينظر إليها بعدما باتت حركتها ساكنة
– جسار ابن عبدالرحمن الراجي لازم يختار كل حاجه مميزة، يدخل الشرطة عشان يفضل اسم العيلة ديما مرموق ويبقى زي باقي أفراد العيله، اختياره للزوجة لازم يكون مميز ما هو مش أي حد, هو جسار الراجي..عقلي رفضك يا بسمة، رفضك في كل مرة كان قلبي بيحركني ليكي.. قلبي شايفك البنت الشريفه، بنت كبرت قبل أوانها، بنت بتحلم تلاقي ابسط حقوقها في الحياة، اختارتي ليه واحد زي يا بسمه يدمرك بغروره
انسابت دموعها وهى تراه يُغادر الغرفة ، تتهاوى بجسدها فوق الفراش تنظر ليديها الخاويتين، هى لا تحمله ذنب ما عاشته..هى من اختارت دخول حياته.. تمنته ليالي طويلة في أحلامها.. تمنت أن تكون له حتى لو لمرة واحده ثم تغادر بعدها حياته, وهاهو الحلم صار حقيقة لكن حقيقة مؤلمة
….
دفعها كاظم داخل السيارة يغلق الباب بقوة لا يُريد سماع كلمة أخرى منها
– صوتك مسمعهوش يا جنات، سامعه
ابتلعت حديثها بصعوبة ترى الدماء تنساب من فوق جبينه، لا تصدق ما حدث بالداخل..
– طيب خليني أسوق بدالك
انطلق بسيارته بعدما زجرها بنظرات قوية ، فازدردت لعابها تستمع لسبابه
– أنا فعلا استاهل قلة القيمة عشان بقيت بمشي ورا الستات، والأستاذ تاني يحل مشاكله لوحده بعد كده.. علاقه فاشلة حطيني فيها..
حاولت جنات أن تمدّ يدها بالمنديل حتى تمسح قطرات الدماء ولكنها عادت تلتصق بمقعدها ذعرًا
– أنتِ تخرسي خالص
ابتلعت لعابها خوفًا فهى لم تتفوه بشئ
– أنا متكلمتش يا كاظم، جرتني وراك قبل ما اطمن على فتون ومعترضتش..
ازدادت سرعة السيارة، فاسرعت في تكميم فمها حتى لا يخرج حديث منها لا يعجبه،
الصمت كان أفضل حل لهم إلى أن وقفت السيارة أخيراً ، فأسرعت في مغادرة السيارة تلتقط أنفاسها الهادرة لا تصدق إنها خرجت من هذه السيارة بسلام
عيناه علقت بها وهى تهرول وقد فارت دمائه يتذكر ما حدث في منزل سليم النجار
اندفع خلفها، فسقط الهاتف منها قبل أن تضغط على زر الاتصال وتُهاتف فتون لتخبرها أن لا تهتم بأمر هذا الرجل وتتركه إليها
– لو كان في إحترام ليا.. كنت اول ما قولتلك نمشي.. كنا مشينا.. لكن لازم تقفي وتجادلي..، الكلمه اللي اقولها بعد كده تمشي من غير جدال
تراجعت للخلف في توجس، تُحاول إلتقاط أنفاسها
– ردي
– حاضر يا كاظم
– حوار أمير والاميرة خديجة النجار ملناش دعوة بي يحلوا مشاكلهم بنفسهم، ولا لينا دعوه بسليم النجار ومراته
التصقت جنات بالجدار خلفها، تُصارع خوفها من هيئته المرعبة.. تنظر لكدمة جبهته
– مشكلة فتون اتحلت…
ابتلعت بقية حديثها، تغمض عيناها بقوة بعد صراخه
– أنا قولت إيه
– قولت ملناش دعوه بحد
فتحت عيناها لتطالع نظراته القاتمة نحوها، استدار بجسده راغبًا أن يُخرج حنقه بشئ أخر ولكن توقف مكانه ينظر إليها بعدما ألتقطت ذراعه
– خليني احطلك حاجه على الكدمة
لانت ملامحه قليلًا وهو يرى اهتمامها به بعدما تحركت اناملها بخفة نحو كدمته
– خفت شوية
زفر كاظم أنفاسه بقوة، فكيف له أن يذهب لعمله غدًا ويجتمع بموظفينه بتلك الكدمة
اشاح وجهه عنها، فاقتربت منه أكثر بعدما أزالت علبة الإسعافات الأولية من جانبها
– طيب قولي اصالحك إزاي
رمقها بنظرة خاطفة قبل أن ينهض من فوق الفراش ويترك لها الغرفة
– أنا مكنتش عارفه إن كل ده هيحصل.. أو إننا هنقابل الست ديه هناك..
احتقنت ملامح كاظم، فها هى عادت تذكره برؤية منال، وكيف علقت عيناها بهم بأستخفاف
– عجبك بقيت زوج الست ، بقيت في وضع سخيف..،قولتلك خلينا نبعد عن الطرفين.. لكن أنتِ طبعا لاء
أراد الرحيل حتى يهدء قليلًا، فلم تشعر إلا بالذنب لأنها كانت الوحيدة من رأت تلك النظرة المستهزءة التي رمقته بها تلك المرأة بعدما رأتهم معًا
وقفت أمامه تمنع خروجه تشبّ فوق اصابعها تلثم كدمته في هدنة دون جدال، دون ان تخبره عن أحد..
– أنا اسفه
عيناه علقت بها يسمع اعتذارها ينظر نحو كفيها بعدما احتضنت بهم وجهه
– تفتكر أبننا هياخد قوتك وحنانك يا كاظم
ارتفع حاجبه في تعجب، هل تتلاعب به هذه المرأة التي صارت تتوغل داخله فأصبحت داء و دواء قلبه
– وأنا برضوه حنين يا جنات
– أنت قلبك كله حنية يا كاظم
التوت شفتيه في سخريه من كذبتها التي لا يستطيع ابتلاعها
– مش مصدقني يا كاظم
عادت تشبّ فوق اصابعها،تخبره ان ينظر في عينيها
– شوف عينيا وهيقولولك الحقيقة
والحقيقة كان يُخبرها بها بنظرات عابثة.. يطوق خصرها بذراعيه ويجذبها إليه
– عيونك بتقول إنك بتكذبي يا حببتي
– أبدًا أبدًا
تلوت بين ذراعيه في دلال، وهو كان غارق عاطش لدلالًا كهذا..
– أبدًا أبدًا
حركت رأسها وقد ازاد التصاقه بها، لم يتركها لتنطق بالمزيد.. فالحديث قد ابتلعه في جوفه من شفتيها
انهارت حصونه وهو يزيد من التصاقه بها ويعمق قبلته..
سلام يعيشه بين ذراعيها كما تعيش هى معه بهذا السلام.
وبعد وقت كانت تتعالا ضحكاته وهو يراها تدفن رأسها في صدره العاري متلذذًا بفعلتها وتحولها لقطة وديعة
احتضنها بقوة يُخبره بما يعلم إنه سيسعدها ويُريحها
– اعرفي من فتون اسم مسعد بالكامل او صوره ليه.. وسيبي الموضوع عليا
….
– فيكِ حاجه مش طبيعيه، مخبيه عني إيه يا فتون
انتظر أن يسمعها، فلم يعد الأمر مقتصر عن تلك الفعلة التي تآمرت بها مع جنات.. هناك شئ خفي سيكتشفه
– كل ده عشان عايزه اروح لاهلي، أنت وعدتني
عادت تردد نفس عبارتها، وعلى ما يبدو أنها قررت أن تفعل ما فعلته عمته
– الفكره في التوقيت يا فتون، أنتِ مسمعتيش الدكتور قال إيه.. الحمل ضعيف يعني ممكن ينزل في اي وقت.. وحضرتك واقفه تجادلي معايا
انسابت دموعها دون شعور، فلم تعد تطيق كل شئ حولها.. لقد عادت الذكريات تحتل عقلها رغمًا عنها، عادوا بها لتلك الليالي الموحشة
– ارجوك يا سليم، أنا عايزه اروح لأهلي هو أنا مش من حقي اشوفهم
لم يتحمل رؤية دموعها، يقسم داخله إنه سيعرف الحقيقة غداً..، لقد اطمئن على عمته ومكان وجودها حتى لو لم تعلم أنه علم بمكان اختفائها
امتدت انامله يمسح دموعها لا يستوعب ما صار يعيشه هذه الأيام
– هخليهم يجوا ليكي, بيتنا مفتوح ديما ليهم يا فتون
– أنا عايزه اروح ليهم يا سليم، عايزه بيتنا البسيط..ليه عايز تحرمني من أبسط حقوقي..
عيناها حملت الألم تنظر إليه لعله يفهمها لمرة واحدة، يفهم فتون تلك الفتاة التي أتت من قريتها متعلقة بذراع رجل أخبروها إنه زوجها، رجل ذبح طفولتها.. ورسخ داخلها ذكريات ظنتها اخمدها ما صار يمنحه هو لها..
– أنا مش عايزه اعيش معاك ولا عايزه اكون فتون مرات الباشا ، أنا عايزه فتون.. فتون عبدالحميد
…..
فتح عيناه يبحث عنها جواره، اجتذبه ذلك الضوء الاتي من المرحاض, فنهض من فوق الفراش يفرك عينيه لعله يطرد النعاس عن جفونه
توقف خلفها فعلقت عيناها بصورته المنعكسة
– شوفت ناهد في الحلم ومها بتصرخ.. بتقولي سامحيها وسامحيني يا ملك
عادت دموعها تنساب رغمًا عنها، كل أحلامها صارت تراهم فيها يُطالبونها بالسماح..
– أنا سامحتهم، سامحتهم..
تركها تخرج ما يجثم فوق روحها، كلما عادت تلك الأحلام إليها..
البكاء يُرحيها، ولا يهنأ لها بال إلا إذا نهت كل لقاء حميمي بالبكاء حتى الصباح كما صار مؤخرًا يُخبرها ليُشاكسها
– حلم حياتي اصحى من النوم على ابتسامة حلوه، بوسه تفتح النفس.. حضن جميل.. لكن طول عمري محظوظ
ابتعدت عن حضنه تمسح دموعها، فهو بالفعل محظوظ بالزواج من امرأة ليس لديها في حياتها إلا الكوابيس او الحكايات التي لا تحمل إلا المرارة
– للأسف طلعت محظوظ في كل حاجه في حياتك يا دكتور إلا الجواز
التوت شفتيه في تهكم، الحمقاء تظن نفسها إنها ليست أجمل حظوظه في الحياة
– نفسي اعرف ليه بتقولي كلام على لساني، مين قالك يا هانم إني مش محظوظ
عيناها الضاحكتين كانوا يخبروه كم هو رجل محظوظ بها
– لو الألم ينفع يتاخد من القلوب.. كنت اخدت كل الألم من جواكي وحطيته في قلبي
قاومت ذرف دموعها تأخذ حديثه بمزاح حتى لا تبكي مجددًا
– كلامك طرب يا دكتور
دفعها برفق بعد مزحتها، هى تتعمد أن تخرجه من حالة هيامه بها
– خلينا ننام يا ملك، خلينا ننام عشان انسى إن بعد ساعات هشوف طليقك يا بتاعت الطرب يا عديمة المشاعر
ضحكاتها الجميله تعالت بصخب تشق السكون فيتردد صوت صداها
اجتذبها إليه يُخبرها إنه بحاجة لرشوة حتى يتحمل رؤية طليقها في منزله.. فهو ليس برجل متحضر ولكنه يُحاول من أجلها وعليها تقديم العربون
…..
انتفضت الغافية أرضًا فوق تلك الفرشة التي افترشتها كما أمر هو, تنظر إليه وهو جاثي فوق ركبتيه قربها يرفع طرف ثوبها ويُكمم فمها قبل أن يخرج صراخها
– صوتك لو خرج.. هقطع عيشك وهشردك أنتِ وأهلك سامعه
أسرعت فرحه في تحريك رأسها لا تفهم شئ، تراه يُكمل رفع ثوبها لتجحظ عيناها بقوة بعدما سارت يده نحو مبتغاها
الفصل الواحد والسبعون
****
أشرق الصباح ينسج خيوط نوره، وها هو مازال واقف مكانه ينظر للاشئ شارد الذهن يغمض جفنيه بقوة كلما عادت عباراتها تخترق صداها أذنيه
فهل كان بتلك الصورة التي شبهته بها رغم كل ما فعله معها، اختارها عن دون النساء وفي النهاية كان في صورة السجان
” عايزني اكون في عالم سليم النجار لكن سليم النجار يكون في عالم فتون بنت عبدالحميد بنت الفلاح اللي بقى عايش في خيره هو و ولاده طبعا لاء”
” ضحيت بطفولتي عشان اكون ام لاخواتي، اتجوزي يا فتون عشان الحِمل يخف، اسكتي ومتتكلميش عشان الست مينفعش تتكلم.. اتجاوزي يا فتون كل اللي حصلك،
الاستسلام للناس الضعيفه لكن أنتِ قوية، لازم تكوني سيدة مجتمع أنتِ بقيتي خلاص مرات راجل مهم، خدامة اختارها الباشا.. يبقى لازم الباشا يرضى عنك.. لازم تكوني شبههم.. وفتون بتحاول تكون زيكم.. تلبس وتتكلم وتتصرف كأنها منكم وتنسى كل اللي حصل معاها.. وإزاي متنساش هى اصلا متملكش قرارها، متملكش قرارها ولا حياتها.. فتون مينفعش متقولش غير حاضر ونعم ”
تسارعت أنفاسه في تخبط، يفتح جفنيه المغلقين..وحقيقة واحدة تقتحم عقله، لا يثور المرء ويعود لنقطة البداية إلا وإذا عادت الذكريات تقتحم حاضره، تقتحمه لتُخبره أن لا شئ مضى
رفعت عيناها نحوه بعدما دلف الغرفة وقد قضت ليلتها مثله في سهاد، لم ينظر إليها رغم يقينه إنها مستيقظة واتجه نحو المرحاض
اغمضت عيناها بأرهاق يصحبه صداع الرأس تلمس موضع جنينها تخشى فقده كما فقدت الآخر من قبل..
دموعها انسابت رغمًا عنها ، اقنعوها أن جروحها التئمت وأصبحت الذكريات من الماضي والحاضر لديها يفتح لها ذراعيه ولكنها عادت لنقطة البداية.
كل شئ عاشته مع حسن عاد يقتحم ذاكرتها دون رحمه حتى هذا الرجل الذي طمع بها يومًا عاد بشره
تعلقت عيناه بها بعدما غادر المرحاض يجفف خصلاته ومازالت شاردة الذهن، فزاده الأمر يقينًا أن ما تخفي عنه ليس بهين ولن يخرج عن شخص واحد حذره كثيرًا أن يبتعد عن طريقه وطريقها
عيناها توسعت في صدمة تنظر لهاتفها الذي صار في قبضته رغم فحصه له ليلة أمس فلم يجده إلا خالي من أي رسائل أو أرقام غريبة ولكنه على يقين أنه يحتوي على شئ قد ازالته
– لأخر مرة يا فتون هسألك عن السبب، لاخر مرة هقولك إني متقبل أي شئ هتحكي ليا حتى لو كان خاص بالماضي
قتمت عيناه وهو يراها تتحاشا النظر إليه تبلل شفتيها الجافتين بطرف لسانها، فهى اختارت الصمت..
تحولت نظراته القاتمة بأخرى متوعدة يُغادر الغرفة كالأعصار، سيعرف ما اخفته عنه.
….
اتسعت عينين جنات خشية, تنظر نحو كاظم الذي خرج للتو من المرحاض وقد وصل إليه ما هتفت به الخادمة قبل انصرافها
ازدردت جنات لعابها، فتعلقت عينين كاظم بها يزفر أنفاسه بصوت مسموع
– خلينا ننزل نشوف عايز إيه
– أكيد عرف يا كاظم بتهديد مسعد لفتون .. أنا لازم اكلم فتون وافهم منها
أسرعت نحو هاتفها تلتقطه.. فارتسم فوق ملامحه الضجر يهمهم بكلمات مقتضبه
– تليفونها مقفول..، معقول يكون عمل في فتون حاجه
التقطت عيناها نظراته المتهكمه ثم اتجه نحو الخزانة ليلتقط ملابسه
– كاظم أنت مبتردش عليا ليه
شرع في ارتداء ملابسه متجاهلاً حديثها ، فاقتربت منه حانقة
– عشان أنا صاحي مزاجي حلو يا جنات ومش هعكره بسبب سليم النجار وعيلته.. يحلوا مشاكلهم بعيد عننا
لم تغفل عن عينيه تلك النظرة التي طالعته بها وكأنها تسأله عن وعده أمس
– وعودي مش بخلف بيها يا جنات لكن هو عرف الحكاية
يبقى الأفضل هو اللي يتصرف في حق مراته
اكمل ارتداء ملابسه تحت نظراتها المحملقة بهاتفها وقد بدء القلق يقتحمها
غادر الغرفة يسبقها لأسفل بخطوات جامدة غير مستعد لتقبل أي شئ أخر من هذا الرجل
وبضيق ارتسم فوق ملامح كاظم رحب به متسائلًا يتجاهل نظرات الضجر المرتسمة فوق ملامحه
– ممكن اعرف السبب المهم اللي مخلي سليم النجار عايز يتكلم مع مراتي في أمر ضروري ومن غير ميعاد
تلاقت نظرات كلاهما وكل منهم بات العداء داخله من الأخر
– ياريت تستعجل المدام يا كاظم باشا
احتدت عينين كاظم ولم يعد يرى إلا أن سليم النجار رجلًا مغرورًا
– والله الكلام المفروض يكون معايا ولا نسيت الأصول يا سليم باشا
ارتسمت السخرية فوق شفتي كاظم وهو يراه يشيح عيناه عنه زافرًا أنفاسه بقوة..، فهو ليس بمزاج يسمح له أن يتجاذب الحديث مع احد
تحسس كاظم كدمته يتذكر ما حدث معه أمس يشعر بالشماته كطفل صغير وهو يرى حيرته، يتمنى لو صار نذلًا منه وجرح كبريائه فيما تخفيه عنه زوجته كأنه لا شئ
– فتون فيها حاجه يا سليم
تبدلت ملامح كاظم التي كانت للتو ملامح شامته إلى ملامح ماقتة وهو يراها تقترب منه وتسأله غير عابئة بوجوده بينهم
– إيه اللي مخبياه عني فتون يا جنات
” جنات و سليم” هكذا لفظ الاثنان اسمهم على مرأى ومسمع منه وكأنه قرطاس يقف بينهم
– مش مخبيه عنك حاجه..
بتوتر أجابت تلتف برأسها نحو كاظم الذي رمقها بنظرات ارجفتها.. فعادت تهرب بنظراتها للجهة الأخرى..
لم يعد يتحمل سليم ذلك التلاعب الذي صار يحدث به، فزجر بضيق ناسيًا تواجد كاظم
– أنتِ أقرب واحدة ليها.. بسهولة ممكن اعرف إيه اللي بيحصل من ورا ضهري، لكن اللي هيحصل بعد كده هيزعلها قبل ما يزعلك
بتوتر طالعته تُقاوم ذلك الصراع الذي يحدث داخلها، هناك شئ يهتف بها أن تُخبره بفعلة هذا الرجل.. وشئ أخر يُجبرها أن تصمت
– أنت جاي تهدد وتعلي صوتك على مراتي
صاح بها كاظم الذي فاق للتو من ذلك المشهد الدرامي الذي وقف يُشاهده متوعدًا لها داخله
– إحترم البيوت اللي بتدخلها يا ابن النجار، وعندك مراتك اسألها مخبيه عليك إيه ، ده حتى عيب اوي محامي قديم زيك ميعرفش مين بيهدد مراته
– كاظم
تعالا هتافها فالتف إليها يرمقها بنظرات محذرة أن تصمت
– أرجوك يا كاظم خليني..
تجمدت نظراتها نحو الذي غادر ثم كاظم الذي عادت الشماته ترتسم فوق ملامحه
…..
احتدت نظراته بعد رؤيته لذلك المقطع الذي يظهر فيه مسعد في ردهة الفندق ويقترب منها.. ينظر إليها بنظرات شامتة بعدما تعلقت عيناها بالهاتف
بملامح قاتمة تلاقت عيناه مع ذلك الموظف الذي ارتد للخلف وغادر الغرفة بعد ان صار ما بحث عنه أمام عينيه.
اقترب منه حازم بعدما تذكر أخيرًا هذا الرجل الذي منحه صديقه المال بعدما أبلغه عن مكان حسن الذي اختار نهايته بنفسه
– قولتلك ساعتها خلينا نخلص منه زي ما خليناه يخلص من صاحبه يا سليم ، سيبته يطمع أكتر واه في الآخر رجع يعض ايدك بعد ما خليته من شحات لباشا
اقتمت ملامح سليم بشدة، فلم يعطي لهذا الحقير الفرص إلا ليجعله يختار نهايته كما اختارها صديقه ..
– الخاين.. طول عمره خاين يا سليم. ويوم ما فكر يطمع.. رجع يطمع في مراتك
– عايز اعرف كان بيهددها بإيه.. عايزه يكون قدامي يا حازم النهاردة بأي تمن
انفتح الباب ليدلف أحدهم الغرفة، فضاقت عينين سليم ينظر لحازم ثم للواقف أمامهم.. فما الذي يأتي بهذا الرجل لهنا
– منور الفندق يا سليم باشا.. اتمنى تكون لقيت اللي عايزه في التسجيلات مع إن الموضوع كان لازم يكون عندي بي علم من الأول بما أني املك أكبر حصه في الفندق
ضاقت عينين سليم ينقل عيناه نحو حازم الذي انتبه هو الأخر على حديثه
– أنت متعرفش إني شريك في الفندق زي زيك
ارتسم الزهو فوق ملامح ماهر بعدما غادر سليم الفندق وقد احتلى الوجوم معالم وجهه
– أظاهر إن في حاجات كتير بقت غايبة عني يا حازم
وحازم صار يرى هكذا ولكنه لم يرغب بالحديث معه، صديقه صار مقيد بالمشاكل سواء مع تلك الزوجة التي مازالت في نظره زوجة ضعيفه ومع ابنته وحبه الكبير لها ومع شهيرة التي ظهرت مؤخرًا بمظهر الأم الحنونه غير عمته وتلك العلاقة التي مازال لا يستوعبها.. خديجة النجار تتزوج بشخص ماضيه حافل بالنزوات ويصغرها بأعوام عدة
– أنت محتاج تفوق يا سليم.. اللي قدامي دلوقتي مش سليم النجار اللي عارفه..
….
شاردة منذ أن اصطحبها هذا الصباح نحو وجهتهما، تنظر من نافذة السيارة دون أن تحيد عيناها عن الطريق مهما حاول خلق حديث معها
من حينًا لآخر أخذت عيناه تختلس النظرات إليها فلم يصيبه من الأمر إلا زيادة بشعور الذنب
– تحبي نقف شوية بالعربية يا بسمة
تُحرك رأسها إليه رافضة، تغمض عيناها راغبة في خلق عالم جديد لها
زفراته خرجت بثقل يُكمل تركيزة بالقيادة يتمنى داخله لو يعلم بما تفكر به ، ولماذا صارت صامته لهذه الدرجة
توقفت السيارة أخيرًا امام البوابة المغلقة يدق بوق السيارة منتظراً انفتاح البوابة
انتفض جسدها فزعًا على أثر الصوت تنظر إليه ثم للمكان حولها، طمئنها بنظراته الدافئة التي باتت غريبة عنها يلتقط كفها حتى يُحرره من الأخر بعدما اخذت تفركهما سويًا بقوة
– أنا مستعد أعمل أي حاجة ومشوفش النظرة ديه في عينك يا بسمة
عيناها الخاويتين حدقته في صمت مصحوب برعشة خفيفة، فلم يكن عليه إلا ليُحرر كفها من قبضته
الدهشة ارتسمت فوق ملامحه وهو يراها تخرج من السيارة نحو ملك التي وقفت في انتظارها تفتح لها ذراعيها ولم يكن رسلان أقل دهشة منه وهو ينظر لهيئتها الهزيلة وتلك الحالة التي صارت عليها، لا يُصدق هذه الفتاة التي أمامه هى بسمة التي التقى بها من قبل لمرات
….
ازدرد مسعد لعابه في خوف يستمع للطرف الاخر يُخبره أن عليه الأختباء لفترة، يسبه الطرف الأخر على غبائه.. لقد فتح عليهم الكثير من الأعين وخاصة أعين زعيمهم
– الزعيم مبقاش مبسوط منك وأنت عارف الزعيم لما يغضب على حد
شحبت ملامح مسعد بعدما ظن أن بولاءه لهم وتنفيذه لأوامرهم سينال رضاهم
– مهمتك تقتل الليلة حامد الأسيوطي وبعدها اختفي يمكن الزعيم يرضى عليك
بلسان ثقيل خرج صوت مسعد لا يستوعب أن أمر التصفية هذه المرة سينال رأسه ثقيله مثل حامد الأسيوطي
– ريحته خلاص فاحت وكده كده هيموت.. فنريحه إحنا أحسن وديه مهمتك.. اوعي تقولي خايف.. ما أنت قتلت صاحبك يا مسعد وعرفت تخلص من دينا ولا فاكرني مش عارف حاجه.. ده غير مراقبتك لمرات سليم النجار.. ومش عايز اقولك قوة العلاقة اللي بتربط بين الزعيم وسليم النجار من زمان.. اكسب نقطة في صالحك مع الزعيم عشان يقدر ولائك ليه
…..
بملامح جامدة وقف رسلان يُطالع المشهد من بعيد، عيناه فضحت غيرته, يقبض فوق سياج الشرفة يترصد بعينيه ما يدور
استدار بجسده نحو بسمة التي جلست فوق الاريكة صامته يداعبها صغيره بشقاوته وهى تبتسم له في صمت
– بسمه ليه هربت من بيتك يا جسار، حكيت عن كل حاجة حصلت لكن محكتش عن السبب اللي وصلها للهروب .. وصلها إنها تهرب منك بعد ما كانت شيفاك أمان ليها رغم قسوتك ..
حملت نظراته الخزي، فهرب بعينيه عنها ، فبماذا سيُخبرها عن حقارته
– جسار
صمته ازادها يقينًا أن هناك ما يخفيه عنها جسار، هو حكى لها ما حدث مع بسمة بعد هروبها من المنزل ولكن سبب هروبها تهرب منه وكأن نطقه خزي عليه
– بسمه عمرها ما استسلمت للحياة، استحملت كتير رغم صغر سنها وديما كانت بتحاول تقوم مهما وقعت ..، قولتلك خليني اخدها عندي لكن حججك كانت فارغة، عايز تثبت لطليقتك إن تجاوزتها ب بنت بسيطه، بنت هتعيشها حياة هتفضل طول عمرها تعض على ايدها من الندم لأنها طلعت خاينة ومتستحقش
طعنته بالحقيقة التي أخفى معها ذلك الشعور الذي نمى داخل قلبه نحوها ولكنه كان يرفضه بتعنته حتى صار جسده راغب بها وعقله يتصارع معه
نظراته تعلقت بذلك الواقف بعيدًا يُطالعهم, يصب نحوه نظرات تحمل الغضب كلما تذكر نتيجة وضعه لجيهان داخل حياته حتى تتلاعب به
اشاح عيناه عن رسلان الذي وقف يتابع من بعيد, يُقاوم ما يشعر به
– جبرتها تكون ليا ، .. سلمت نفسها ليا عشان تديني مقابل عيشتها معايا.. كنت عايزاها.. مكنتش راجل لأول مرة في حياتي يا ملك .. وقفت قدامها وساومتها على علاقه تتم بينا وتاخد بعدها المقابل..عرفت إنها مكنتش مجرد رغبه.. عرفت إني كنت معمي، وجعتها ودمرتها.. عرفتي السبب ..
…..
مازالت لا تستوعب ما أخبرها به قبل رحيله بعدما هتف بها راجيًا ألا تعاتبه بالمزيد من الكلمات الجارحة يكفيه الذنب الذي صار يعيش به، يكفيه إنه أدرك أنها لم تكن مجرد امرأة ارادها لتشبع حاجته
– بسمة
توقفت بسمة عن مداعبة الصغير الذي أجبرها أن تتجاوب معه وتلاعبه
اقتربت ملك منهم تجاورهم في رقدتهم أرضًا جوار العاب الصغير الذي اقتربت منه تهمس له ببضعة كلمات فغادر الصغير الغرفة راكضًا نحو والده يصيح بسعاده لانه سيستقل دراجته الصغيرة ويلهو بها
– كان غصب عني إني موفتش بوعدي لعم حسني ولا ليكي.. تعرفي كان نفسي نفضل في الحارة وسط أهلها الطيبين
ونفضل سوا.. انتِ تكملي تعليمك وأنا اربي ولاد مها..
سقطت دموع ملك رغمًا عنها، فالاحلام معها لا تتحقق والراحة لا تغمر قلبها إلا عندما تنتزع منها الحياة شئ غالي ولكنها صارت مؤمنه بأن هناك لطف خفي في أقدار الله.. ولن تكون كاذبه لقد صارت حياتها هادئة، زوج وطفل وطفل أخر قادم ولكنها لن تصفح عنه لرسلان حتى تتأكد
انسابت دموع بسمة تندفع نحو احضانها تُخبرها بكل أوجاعها مصحوبة بصوت شهقاتها
– انا مكنش عندي احلام كبيره، أحلامي كانت بسيطة.. وحتى أحلامي البسيطة استختروها فيا
وملك كانت خير من يسمع فقد عاشت عمرها تنال العطف الذي ظنته حبً
– كنت فاكره إني اد الحياة ومهما ضربتني هقوم.. لكن أنا لوحدي يا ملك، محدش بيحبني
أسرعت ملك في احتضانها مرة أخرى قبل أن تعود لتلك الحالة التي تعود إليها، حالة من الصمت تختارها عندما تشعر إنها لا شئ
– مين قالك إن محدش بيحبك.. عم حسني كان بيحبك.. وانا وميادة حتى عبدالله من ساعه ما وصلتي وهو قاعد جانبك ولولا العرض السخي اللي قدمته ليه مكنش سابك
انشقت شفتي بسمة بابتسامة خفيفة وهى تتذكر الصغير الذي التصق بها وكأنه يعرفها
…..
سقطت أرضًا بعدما تلقت تلك الصفعة من زوج والدتها، تتراجع للخلف تنظر إليه بعينين دامعتين
– أنا مش عايزه اشتغل خدامة تاني.. رجعني البلد أبوس ايدك يا جوز أمي
اقترب منها فكري يلتقطها من ملابسها ثم عاد يدفعها أرضًا
– سمعيني تاني كده صوتك يا بنت فوزية، لمي خلجاتك البيه عايزك في مزرعته
اتسعت حدقتي فرحة فزعًا، فعن اي مزرعة سيأخذها زوج والدتها..
– ابوس ايدك يا جوز أمي متسبنيش معاه لوحدي، البيه راجل بطال
ولكن فكري لم يكن يسمع، هو لا يرى إلا المال الذي أعطاه له هذا الصباح قبل أن يختفي من المنزل ويخبره أن يبعثها وسيأتيه من سيأخذها له
دفعها فكري من أمامه قبل أن تلتقط يده ثانية وتعود لتقبيلها راجية
– تشتغلي من غير كلام، مش كفايه في رقبتي اخواتك..ياريت الواحد يخلص منكم بقى
تركها فكري لتلملم حاجتها.. تنظر لذلك الجلباب الممزق.. تحملق بالمكان الذي دنس فيه براءة جسدها عبثًا
….
تجمدت جنات في حركتها بعدما سمحت لها سكرتيرته بالدلوف تنظر لملامحه الجامدة نحو الهاتف الذي أمامه بعدما استرجع كل شئ تم مسحه
رفع عيناه نحوها، فازدردت لعابها.. تخشى القادم من نظراته القاتمة
– عارف إنها مش فتون
تلاشى الذعر من فوق ملامح جنات لأخرى مسترخية وسرعان ما كانت تتبدل ملامحها مرة أخرى
….
بنظرات مصدومة تعلقت عيناها به، فارتسمت ابتسامة مستخفة فوق محياه من نظراتها
– هنفذ ليكِ طلبك يا فتون واريحك من السجان اللي كنتي عايشه معاه
سقطت دموعها في عجز، فلما البكاء الآن وهى من ارادت الرحيل عنه
دفعها نحو الجدار يخرسها بقبلات أراد بها وداعها مبتعدًا عنها يُخبرها بأنفاس لاهثة
– السواق هيوصلك لأهلك
….
بخطوات وئيدة دلفت للغرفة التي سحبها إليه بعدما تم كل شئ وصارت زوجته
– شهيرة الأسيوطي بنت الحسب والنسب وابن السواق
تمتم بها ماهر بعدما ازال عنه سترته والقاها، استدارت إليه لا تصدق حتى هذه اللحظة إنها فعلتها وتزوجته
– اتجوزتك زي ما أنتِ عايزه شرعي عند مأذون.. رغم إن متستحقيش غير ورقتين عرفي يا بنت الأسيوطي
– هتفضل في نظري ابن السواق
ارادت جرح كرامته كما جرحها ولكن الذهول ارتسم فوق محياها, تراه يتقدم منها بنظرات قاتمة
– ابن السواق بقى الباشا يا بنت الأسيوطي
انفلتت شهقتها وهى ترى جسدها يعلو الفراش بعدما دفعها فوقه وهو يعلوها يحكم قبضته عليها
– هخليكي ليا مجرد جارية
الفصل الثاني والسبعون
****
تعلقت عيناها به بعدما سحب جسده من فوق جسدها.. يمسح فوق وجهه ثم خصلاته التي خالطها الشيب.
اشاح ماهر عيناه عنها وصدى صوت الماضي يخترق أذنيه.. وذكريات هذا اليوم تعود إليه..
” ابنك عايز يتجوز مين يا كامل، ابنك إظاهر حصل لعقله حاجه.. من أمتى الخدامين بيبصوا على اسيادهم.. شكلك معرفتش تربي”
” ورقك اترفض للأسف.. ومكان تعينك اخده واحد تاني.. شوف أنت زعلت مين وحب يقرص ودنك”
” ليه يا بني عملت في نفسك كده..”
والده يسأله في عجز وهو واقف لا يُصدق أن كل ما صار له ولعائلته لأنه افصح عن حبه
” يا حسرة قلبي عليك يا بني.. يعني خلاص حلمك في التعين ضاع.. مش هتكون زي ما حلمت ”
ووالدته تصيح بقلب مكلوم على وحيدها، من عاشت الحلم معه.. وانكبت فوق مكينة الخياطة لكي توفر له ثمن الكُتب والملازم حت يرتدي كما يرتدي زملائه.
عاد يُحدق بها، فكيف له أن ينسى ما فعلوه به، كيف ينسى قهر والديه وقله حيلتهم، كيف له أن ينسى لقائه الاخير بها..؟
رفضته مستهزئه بحبه.. هى تستلطفه لكن أن تحبه كيف؟
نظراته صارت جامدة كحال ملامحه وهو يراها تُحاول لملمة أطراف ثوبها الذي بات ممزقً من أعلى تلعنه وتلعن شقيقها.
شهقة خرجت عن شفتيها في فزع بعدما عاد ليجذبها إليه يقبض فوق ذراعها بقوة وكأنه يظنها مازالت شابه صغيرة ستتحمل رعونته
– أنت مجنون، سيب دراعي يا ماهر.. لو فاكر إني هكون ليك جارية يبقى بتحلم.. أنا هفضل طول عمري شهيرة الأسيوطي
” الأسيوطي” لم يكره بحياته مثلما كره هذه العائلة، عائله ثرائها لم يكن إلا باعمالهم الغير مشروعة”
لم يعد يرى أمامه شئ، فقط يسمع صوتها الذي اقتحمه مع صراع الماضي
اشتعلت عيناه بنيران الغضب يهمس لها بصوت أشبه بالفحيح
– شهيرة الأسيوطي خلاص انتهت… لا عيله ولا فلوس ولا حتى جمال .. أنتِ هنا مجرد لا شئ.. أنا حتى قرفت وأنا بلمسك.. هعوز إيه من واحده مبقتش تصلح
اختفت النيران المشتعله في عينيه وهو يرى تأثير حديثه فوق ملامحها
طعنها بحقيقة ليست مخفية عنها، لم تعد شهيرة ابنة الحسب والنسب، لم تعد شهيرة الفاتنة.. فالزمن لم يقف بها عند شبابها.
ابتعلت المرارة التي تجرعتها مع حديثه، تشيح عيناها عنه
– مادام مصلحش اتجوزتني ليه؟
داعبت شفتيه ابتسامة أراد بها أن يرى المزيد من الألم في عينيها وسرعان ما صدحت ضحكاته عاليًا
– تقدري تقولي حققت كل حاجه في حياتي كان نفسي فيها.. وأنتِ كنتِ من الحاجات ديه لكن محسبتهاش صح.. المرادي صفقتي خسرانه
رمق جسدها بنظرة مزدرئة، ومقصد حديثه وصل إليها بوضوح
– حقير
تمتمت بها بصوت خرج مهزوزاً، فارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة ساخرة
– هكون راجل متحضر وهقبل الإهانة منك يا بنت الباشا..
وغادر بعدها الغرفة تحت نظراتها الجامدة
…..
توقفت السيدة ألفت مكانها مذهولة وهى ترى إحدى الخادمات تجر إحدى الحقائب وخلفها فتون التي هبطت الدرجات ببطء ومازالت الصدمة مرتسمة فوق ملامحها
لقد حررها سليم، أعطاها القرار وهى اتخذت الرحيل عنه لتبحث عن فتون التي ضاعت بينهم.
اقتربت منها السيدة ألفت لا تُصدق ما تراه، ف رب عملها غادر المنزل منذ دقائق وهاهى تتبعه مغادرة بحقيبة ملابسها
– أنا مش فاهمه حاجه يا بنتي.. سليم بيه خرج مش شايف قدامه وأنتِ نازله بشنطة هدومك
ازدردت لعابها تتحاشا النظر للسيدة ألفت
– راجعه ما كانت ما جيت، راجعه لأهلي
تعالت شهقة السيدة ألفت في صدمة أشد، فعن أي رجعه تتحدث
– لو هتروحي زيارة ليهم يا بنتِ.. ده حقك لكن بلاش يا بنتِ تهدمي بيتك وحياتك.. أنتِ وسليم بيه اتخطيته مصاعب كتير في حياتكم
تعلقت عينين السيدة ألفت بها بنظرة مشفقة وأضافت
– في طفل بقى موجود خلاص بينكم.. وسليم بيه بيحبك
ابتلعت غصتها قهراً، فالحب سينتهي ذات يوم.. عندما يفيق من زهوته ويدرك تلك الحقيقة التي تغافل عنها..إنها لا تصلح له.
عاد الضعف يغزو سائر جسدها تُطالع السيدة ألفت بنظرات أسفه، هو أعطاها حرية القرار.. أخبرها أنه سيترك علاقتهم تُقررها الأيام.. وكأنها غبية لم تفهم مقصد عبارته.
تحركت من أمام السيدة ألفت بخطوات وئيدة تُصارع شتات نفسها تبتلع غصتها كلما تذكرت مقطع الفيديو الذي أعاد لها ذكرياتها مع حسن
– اهربي من الماضي يا بنتِ لأنك لو مهربتيش منه هتفضلي طول عمرك واقفه في نفس النقطة
….
حدقها كاظم بنظرات قوية بعدما دلف الغرفة ورأها تسحب حالها من فوق الفراش, تُلقي بهاتفها وتسرع في إلتقاط ملابسها
– كاظم أنا لازم أخرج.. فتون محتاجاني
تجهمت ملامحه ولكن سرعان ما غادرها التجهم يتمتم ساخرًا
– البلد كلها محتاجه جنات هانم تحل ليهم مشاكلهم.. اتفضلي يا جنات هانم عشان متتأخريش على إلتزاماتك
توقفت عن ارتداء ثوبها تلتف إليه، فلم تجد منه إلا إشارة نحو الباب المرحب بمغادرتها
– مالك واقفة مستغربة ليه
ازدردت لعابها تنظر نحو نظراته الخالية من أي تعابير
– أول مره متعلقش على تنطيطي في كل مكان وعدم راحتي وعن..
وضعت بيدها فوق بطنها لعله يفهم إشارتها، ولم يكن بالغافل عن الأمر
– الصورة وضحت يا جنات بالنسبالي.. أنتِ رافضه طفلي من البداية
ارتفعت وتيرة أنفاسها تبتلع لعابها في صدمة ، فعبارته لا توحي إلا بشئ واحد.. هل يظنها تُريد التخلص من طفله
– كاظم أنت فاكرني بعمل كده عشان اتخلص من الطفل.. أنا بشعه لدرجادي في وجهة نظرك
انسابت دموعها، فهي قبل دلوفه كانت تُخبر حالها بحقيقة صارت تتضح لها يومًا بعد يوم..،
ذلك الحب الاسطوري الذي تبحث عنه في حياتها معه ربما لا يُنجح علاقتهم..
كاظم تقبل صفاتها التي لا تناسبه وهي تقبلت ما يمنحه لها من حب في أوقاتهم الخاصة، إعطائه لها حرية لم تكن تظنه يعترف بها..
بصدق اعترفت لنفسها أن فشل علاقتهم هذه المرة ستكون هي السبب.. لأنه يسعى لنجاح زواج ارغمته عليه.. فعن أي كرامة وتمرد تسعى.
تعالا رنين الهاتف، فتعلقت عيناه بعينيها يشعر بالضيق من حاله
– سليم ساب القرار لفتون، سابها تختار حياتها معه أو من غيره.. أداها الفرصة أخيرًا تختار تعيش من غيره… أنا السبب في دفعها لحياة سليم النجار من تاني.. باتفاقي معاه إنه يساعدني ارجع الأرض منك..
ابتلعت غصتها بمرارة تنظر نحو ملامحه التي صارت جامده، رغم علمه بكل شئ
– اقنعتها إنها مخرجتش من عالم سليم النجار.. حتى الجمعية اللي اتولت حالة فتون وتأهيلها.. كانت عيلة النجار من مؤسسيها
اقتربت منه تطرق رأسها في خزي ومازال رنين الهاتف يتعالا بنغمته
– فتون سامحتني لكن مسمحتش نفسي.. وعدتها هقف معاها لحد ما تتخرج وتحقق حلمها، وعدتها تتجاوز سليم النجار اللي كانت بتحبه كبطل خرافي.. ووعودي كله راحت وسليم بيعرض قدامي مقابل مساعدتي ليه.. منصب عالي في شركته او فلوس في حسابي.. وانا اختارت ادخل حياتك.. اختارت اكون في عيله معترفتش بيا وانا بمد أيدي لجودة باشا وبقوله أنا بنت ابن عمك
صمتت عن الحديث تنظر لعيون كاظم تلمح في نظراته دفئًا
– كاظم أنا أنانية..حتى أنت بلومك على أفعالك وأنا اجبرتك تتجوزني
تقابلت عيناهم وقد عاد رنين الهاتف يتعالا، كفوفه امتدوا نحو وجهها يمسح دموعها بأنامله مبتسمًا
– ممكن ننسى النقطه ديه من حياتنا يا جنات، حقيقي لازم ننساها..
كاظم يتحدث عن تجاوز الأشياء، يتجاهل غضبه منها..
عيناها جالت فوق ملامحه، فابتسم مازحًا
– طبعا الشخصية اللي قدامك مش أنا.. وبلاش نظرة التعجب لأني بحاول اكون شخصية جديدة معاكي يا جنات..لكن لو استمريتي في اسلوبك اللي كله عناد وتهور.. أنتِ الوحيدة هتكوني خسرانه وخلي نسخة كاظم القديمة بقى تعجبك
ورغمًا عنها كانت تنفرج شفتيها بضحكة قوية..، يبهرها في البداية بحديثه الذي يدهشها ثم يُضيع كل شئ
اتسعت ابتسامته ورنين الهاتف مازال مستمر، تعلقت عيناها به فتمتم بحنان صار يتغول داخله
– نسيتي هدفك السامي في مشكله فتون
اتسعت عيناها لوهلة تستوعب رنين الهاتف واقترابه منها وتلك اللمسات التي اخذ يسير بها بخفه فوق جسدها
– فتون.. التليفون.. يا نهار..
دفعته عنها تلتف بجسدها نحو الفراش تلتقط الهاتف تستمع لصوت السيدة صباح المعاتب
– فتون في شقتك بتعمل إيه يا جنات.. كده يا جنات بدل ما تعقليها تخليها تسيب بيت جوزها
….
توقف بسيارته على سفح جبل المقطم، يحدق ببقعة الضوء بملامح خلا منها كل شئ.
ترجل من سيارته يستند على مقدمتها يغمض عيناه لعلا تلك المشاهد تغادر عقله.. حتى لو لم تكن هي.. فهو لا يصدق أن هذا الرجل كان يُعاشرها وكأنها حيوان..
نار حرقت فؤاده وكل شئ صار يتضح إليه.. نفورها من حديثه الجرئ معها، رغباته في ارتدائها ما يراه يحبه عليها.. تلك الرعشة التي تنتج عن خوفها كلما رغب في لمسها فجأة.. خوفها من أشياء تحسبه سيفعلها معها.
ارتجف جفنيه والتف بجسده يطرق فوق سطح سيارته بقوة، ثم رويدًا رويدًا بدأت أنفاسه تهدء..
غادر المكان ، فتعالا رنين هاتفه بنغمة الرسائل.. ينظر لمحتوى الرسالة
” فتون مرجعتش لأهلها يا سليم، فتون عندي.. اظن فهمت دلوقتي هي محتاجه إيه”
القت جنات بهاتفها جانبًا وعادت لفتون المنهارة بالبكاء
– اتخلى عني بسهولة يا جنات
جاورتها جنات تلتقط كفيها
– هو متخلاش عنك يا فتون.. هو سابلك القرار..عشان متفضليش طول عمرك حاسه إنك مجبرة تعيشي حياة مش عايزاها
– أنا كنت محتاجه ميسبنيش.. هو وعدني عمره ما هيتخلى عني
ابتسمت جنات رغمًا عنها
– يا فتون أنتِ محتاجة فعلا تختاري
دمعت عيناها، فالحيرة تقتلها.. أتريد فتون بدون سليم.. أم هي ستظل ناقصة طيلة عمرها من دونه
– صدقيني يا فتون.. أنتِ محتاجه تعرفي عايزه إيه, لأن خلاص مصير حياتك مبقاش ليكي لوحدك في طفل يا فتون.. طفل مش هتتمني ليه يعيش مصير مشابه لحياتك مع أم مش عارفه تاخد لحياتها قرار
– أنا مهما حاولت مبتغيرش يا جنات
تعلقت عيناها بكف جنات الموضوع فوق كفيها
– سليم النجار حررك من قبضته.. سابلك الفرصة تختاري بنفسك
بمرارة وخوف تمتمت، تخشى أن تكون مثل شهيرة
– ابني هياخده مني، زي ما اخد خديجة من شهيرة
وجنات بصعوبة كانت تخفي ابتسامتها، فلو ابتسمت ستصدح ضحكاتها عاليًا، فهل سيتركها سليم النجار تبتعد عنه..
وكلمات كاظم تصدح داخله أذنيها
” سليم النجار بيحب صاحبتك رغم ضعفها لانه مش عايزها ست قوية يا جنات.. هو حابب دور الأب معاها.. الأفضل تسيبوها تكون على طبيعتها.. لولا ضعف بعض البشر.. كانت الحياة بقت غابة مليانه وحوش مفترسة.. ده حتى في الغابات لازم يكون في حيوانات أليفه”
…..
تعلقت عيناها بهاتفها تزيل عن عينيها نظارتها الطبية، تنظر نحو رقمه.. شئ يهتف داخلها لتُحادثه وشئ أخر يمنعها.
عاد رنين هاتفها يتعالا ودون شعور ضغطت على زر الإجابة
– مش معقول يا ميادة.. حقيقي مش معقول تكوني زعلتي مني عشان شكيت في صاحبتك إنها سرقت كام جهاز من أوضة الصيانة
احتقنت ملامح ميادة، فهو مازال يخبرها أن بسمة من سرقة اجهزة الكمبيوتر لأنها قضت داخل هذه الغرفة يومين
– برضوه بتتهم بسمه
– مش بتهمها.. أنا كانت حاططها بس في دايرة الإتهام لأنها اختفت فجأة
– قولتلك يا حسام.. اختفاء بسمه لظروف.. وبسمة مختفتش ولا حاجة.. وعلى فكرة بكرة هتتكسف اوي من نفسك لما تشوف جوزها.. أصله صديق لاخوك يا بشمهندس
ضاقت عينين حسام في حيرة وقبل أن يهتف ويخبرها إنه لم يتصل إلا لمراضاتها وليس لأن يتحدث عن أمر الأجهزة المسروقة..
اغلقت ميادة الهاتف, فعلقت عيناه بهاتفه مذهولًا من فعلتها.
أعاد الاتصال لمرات إلى أن ضجر بعدما اغلقت الهاتف تمامًا وسرعان ما كان يقذف بهاتفه فوق الفراش حانقًا منها ومن نفسه
– كفايه بقى.. أنا غلطان إني بتنازل كتير.. الكل شايف حبي ليكي وأنتِ عامية
….
اغمض ماهر عيناه لعله يهرب من ذلك الضجيج الذي ظن أنه غادره منذ زمن.
لقد عاد كل شئ مع عودته للبلاد، عاد لينتقم ويثأر لكرامة سُلبت ذات يوم ولكن ها هو يعود لنفس النقطة.
زفر أنفاسه بقوة، فسنوات عديدة مضت وهو مازال كما هو.
بسخرية ارتفعت زواية شفتيه، لقد غادره الشباب وهو أبله كحال قلبه.. فأين الأنتقام الذي عاد من أجله.
أمتلك النصيب الأكبر من الشركة، صار قصر الأسيوطي ملكه.. كسر أنف ذلك المتعجرف حامد.. تزوجها إجباراً بعدما أراها مستقبلها القادم وهى مشردة خالية الأيد من كل شئ حتى إحترام الناس.
فتح عيناه يستمع لطرقعة كعب حذائها الذي شق سكون المكان، عيناه تعلقت بخطواتها التي جاهدت في إظهارها كما هى شهيرة الأسيوطي، المرأة التي لا يؤثر بها شئ.
ببطء تقدمت منه تخفي عن عينيه الثاقبة لخطواتها حقيقة صارت روحها تُعريها لها، قوتها صارت تتلاشى مع الزمن.. منذ أن اختارت أن تُحب رجلًا يصغرها بأعوام ورغبت أن تنجب منه طفلًا رغم اتفاقهم وقناعتهم إنها ليست علاقة دائمة.
جلت حنجرتها تنظر إليه بنظرة لم يظن يومًا إنها ستحتل مقلتيها
– كل حاجة نملكها بقت ملكك.. ماظنش في إنتصار أكبر من كده..
توقفت عن الحديث تنظر نحوه لا تُصدق إنها نطقت بحقيقة خسارتها لأملاك عائلتها رغم محاولاتها لإعادة كل شئ
– حتى أنا بقيت ملكك دلوقتي يا ماهر.. لكن
ازدردت لعابها تتحاشا النظر إليه، لقد وقعت في نفس الخطأ.. تطلقت من سليم حتى تنال منصب حامد بعدما وضع إستمرارها في زيجتها منه أمام إدارتها لأعمال العائلة بأكملها.. وها هى من أجل ما ضحت تُضحي مرة أخرى بخسارة أشد
وقبل أن تضيف ببقية حديثها، نهض عن مقعده مقتربًا منها يرمقها بنظرات خاوية
– لكن إيه يا بنت الباشا.. اقولك بقيتي ملكي ليه ونزلتي من برجك العالي.. عشان الفلوس عشان شهيرة الأسيوطي شايفه ديما نفسها ست مميزة.. فجأة هتكون ولا حاجه..
تجمدت ملامحها تنظر إلى قسمات ملامحه المتجهة
– يبقى لازم شهيرة الأسيوطي تقبل بالعروض المغرية.. ومتفكرش غير في اسمها واسم العيلة العريقة
تمتم بها ساخرًا، عائلة عريقة بأعمال غير مشروعة.. يالها من عراقه عاشوا بها سنين طويلة يتفاخرون بها بين أقوام طبقتهم
– بكره الكل هيكون عرف بجوازنا، للأسف مبعرفش اوفي بوعودي لناس بتفكر بس في المصلحة..
صعقتها عبارته ،عن أي زيجة سيعلم بها الناس.. رغم شرعيتها إلا إنها لا تُريدها مُعلنة
– أنت بتقول إيه.. مش ده اللي اتفقنا عليه.. مينفعش حد يعرف.. سليم لو عرف هياخد خديجة مني
التمعت عيناه بالحقد، اتذكر اسم غريمه له.. ألا يكفيه إنه وحده من نالها.. ولو أشار إليها بالعودة إليه ستهلث خلفه
انفلتت شهقة عن شفتيها تنظر إليه بعدما اجتذبها نحوه
– سليم… سليم كل خوفك من سليم ونظرته ليكي.. سليم اللي رماكي واتجوز مرات السواق اتجوز خدامته
…
اغمض مسعد عيناه بعدما انسابت المياة الباردة فوق جسده ينظر نحو كفوفه حيث كانت منذ ساعتين تلتف حول عنق حامد.
ابتسم بأنتشاء يجتذب المنشفة يحيط بها حضره ، يتذكر تلك الغافية المرتعبة بالأسفل وعلى ما يبدو إنها غافت في مكانها بعدما قاومت نعاسها
– محدش هيعدل مزاجي غيرها.. اومال أنا جايبها ليه هنا
اتجه نحو المطبخ حيث المكان المخصص لغفيانها.
يديه اخذت تتحرك بخفة فوق طرحتها.. يبتسم بمكر على هيئتها.. فقد لفت جسدها بأكمله بالملابس.. عباءة سوداء اسفلها بنطال وحجاب اسود وكأنها تحمي نفسها عنه هكذا
انتفضت مفزوعة بعدما لطم خدها
– مش قولت متناميش
حاولت إزاحت جسدها للخلف عن قبضته تهتف بذعر ورجاء
– احضرلك الاكل يا بيه.. ابوس ايدك متعملش فيا حاجة
تعالت ضحكات مسعد وهو يرى ذعرها مستمتعاً
– هو أنا عملت إيه.. ده أنا حتى بلمس
ارتجفت شفتيها من شدة الخوف وهي تراه يقترب منها كلما زحفت بجسدها
– أنا بعلمك تدخلي عالم الكبار إزاي
– ابوس ايدك يا بيه.. سيبني اروح لحالي.. قول لجوز امي إنك مش عايزني اشتغل عندك تاني
اقتربت منه لتقبل كفه، فتركها تفعل ما ارادت..
سعيدًا هو بما يراه.. هو الآن سيد وهي عاهرته الصغيرة، لقد وجد ضالته وجد شبيهتها
داعبت شفتيه ابتسامة خبيثة وقد ظنته سيرحمها
– بصي يا فرحة.. أنا مش هاذيكي.. هتفضلي بنت متخافش
اتسعت عيناها ذعرًا وتراجعت للخلف..
– تعالي قربي..
ايأمرها تقترب.. دارت بعينيها في المكان.. تبحث عن المخرج .. ستفر هاربة من هنا..
التمعت عيناه بمكر يجتذبها من ذراعها
– مبتسمعيش الكلام ليه.. ،أنتِ هنا خدامة.. سامعه.. اللي اقول عليه تنفذي
حاولت دفعه ولكنه كان يعرف كيف يأسرها بين ذراعيه ويدفعها نحو الطاوله
– قولتلك مش هتخسري اخرسي بقى
انسابت دموعها في عجز.. لا أحد هنا في هذا المكان إلا ذلك الحارس أمام تلك البوابة.. كتم صوتها بكفه ينظر نحو ملابسها ضاحكاً
– إيه الهدوم ديه كلها
اغمضت عيناها بعدما عجزت حتى عن الصراخ تشعر بيديه تُجردها
فتحت عيناها تتذكر السكين الموضوع فوق الطاولة تمدّ يدها نحوه..
ارتخت قبضتي مسعد عنها..تنظر نحو السكين الذي صار بيدها.. تدور بجسدها تنظر نحو ذلك الواقف لا يظهر إلا عينيه
يهتف بها
– ارحلي من هنا
ومسعد غارق في دمائه.. فعادت تحدق بالسكين النظيف من الدماء بنظرات ضائعة .. ونحو الواقف
الفصل الثالث والسبعون(1)
*******
انتفضت من فوق الفراش تنظر نحو ملك التي ابتعدت مذعورة من نفضتها ولهاثها، تجاوزت ملك صدمتها.. وعادت تقترب منها تفتح لها ذراعيها
– متخافيش يا بسمه أنتِ هنا معايا
تلاشى ذعرها بعدما اختفت تلك الأصوات تشعر بذراعين ملك حولها
– هنتجاوز كل حاجة وحشه مرت في حياتنا يا بسمه ..
هيجي يوم وهننسى لأن طعم السعادة هيكون أكبر من طعم المرارة
دمعت عينين بسمة وهى تسمعها ، فاغمضت عيناها تحلم بتلك السعادة التي انتظرتها طويلًا
– أول حاجه هنعملها إنك تقومي تصلي الفجر حاضر.. مش هنقعد نبكي على الصدمات والابتلاءات من غير ما ناخد خطوة صح في حياتنا يا بسمة
ابتعدت عنها بسمه تنظر لها بضياع صار يحتل عيناها، تنساب دموعها تتذكر تلك الأوقات التي كانت تُصلي فيها.., حينا يأتي رمضان فتذهب مع جيرانها للمسجد لصلاة التراويح ، صلاة العيد وفرحتها ببهجته.. وحينا يمرض والدها وحينا تُريد الدعاء على فتحي عندما ينهال عليها ضربًا, ورغمًا عنها انشقت شفتيها بابتسامة باهتة
ابتسمت ملك عندما لمحت ابتسامتها تجذبها من ذراعيها تدفعها نحو المرحاض
– لا أنا مش هستنى تفكري كتير..
…
عادت ملك للغرفة التي تقيم بها بسمه بعدما تركتها واتجهت نحو غرفة الصغير تطمئن عليه
انفطر قلبها وسكنت مكانها وهي تراها مازالت ساجده تبكي بقوة تُناجي ربها.. تطلب منه الرحمة في حياة تلفظها
اتخذت ملك ركنًا بعيدًا وتركتها في مناجتها حتى توقفت بسمة عن البكاء وانهت ركعتها الأخيرة
بعد وقت، استدارت بسمة بجسدها تمسح دموعها بأناملها تشق شفتيها ابتسامة خفيفه
ابتسمت ملك تمسح دموعها هي الأخرى واسرعت نحوها تضمها إليها
– كنت هموت بعد موت عزالدين.. كرهت الدنيا والناس.. كنت حاسه إن روحي بتنسحب مني..
توقف ملك عن الحديث تطبق فوق جفنيها تُحرر دموعها العالقة بأهدابها
– تعرفي طلبت من رسلان يطلقني.. رغم حزنه ووجعه على ابنه إلا إني مكنتش شايفه غير كل ذكرى سيئة وألم عيشته.. الأم اللي مطلعتش أمي..حبها لمها كان واضح اوي يا بسمة وكنت ديما بقول عشان هي الصغيرة وانا الكبيرة.. واول ما رسلان حبني واختارني أنا ظهرت الحقيقة.. أنتِ لقيطة من الشارع..أنا بنت راجل عاش عمره كله مش معترف بيا قدام مراته بنت الحسب والنسب عشان حبه ليها
فتحت ملك عيناها تنظر نحو كفيها المضمومين بين كفي بسمة، بمرارة ابتسمت فمن الذي سيواسي من اليوم
– لكن وجعي وحقدي على الدنيا اتحول فجأة… صليت لأول مرة بخشوع حقيقي.. اتحول الحقد اللي جوايا.. لرضي.. لقيت نفسي بشوف اللي كنت شيفاه بلاء وقسوة لطف ورحمه.. الاختبار احيانا بيكون صعب لكن إحنا لازم ننجح فيه يا بسمه والنجاح هو الرضى وإنك تقومي من التاني وتتعلمي حاجه من درسك وتختاري الطريق الصح والطريق الصح هو الصلاح
دمعت عينين بسمة تومئ لها برأسها ولكن أين هو الطريق، هم اغلقوا لها جميع الأبواب وكأنهم يرغبون في ذبح روحها
نظرت للمصحف الذي وضعته ملك بين يديها متمتمه
– متعالجتش غير كده.. ده كان علاجي.. تعرفي انا بقيت بسأل نفسي ليه كنت مقصرة اوي كده.. صحيح بصلي لكن مش ملتزمه في الصلاة في أوقاتها.. بقرء قرأن لكن في اوقات الضيق والحزن.. طيب وليه ده معملهوش يوميًا ليه الدنيا تسرقني في متعتها.. مع إني ممكن استمتع بكل حاجه ومعاها الراحه والسكينة
ابتسم رسلان وهو يتراجع بخطواته متجهًا نحو غرفتهم يهوى بجسده فوق الفراش يتسأل داخله هل هو محظوظ لهذه الدرجة لتكون من نصيبه رغم ما حدث.. ملك حظه الأجمل في الدنيا.. لم يخطأ يوم أن أحبها.. ملاكه الذي وضعه القدر في عائلة تُحاوطها مظاهر الحياة وحب النفس.. ما حدث لهم ليس عقابً لها هي.. هم من يستحقه هذا
دمعت عيناه يتذكر صغيرة، يغمض جفنيه في ألم متمتما
– سامحني يا عزالدين.. أتحرمت منك لاني كنت رافضكم لأنكم منها.. هعيش عمري كله الندم مالي قلبي
….
ضحكت ملك رغمًا عنها وهي تنظر لحالها، بسمه من تواسيها بدلا من أن تواسيها هي
– هو مين المفروض يواسي مين
تمتمت بها ملك وهي تبتعد عن ذراعي بسمه التي ابتسمت وقد عادت الحياة تنبض في مقلتيها وبصوت متحشرج هتفت
– مش عارفه..
ضحكوا سويا فاسرعت بسمه في احتضانها بقوة
– أنتِ عيلتي الوحيدة يا ملك.. أنتِ الوحيدة اللي حبتيني بعد بابا.. محدش غيركم حبني
ابتعدت عنها تضم وجهها بين راحتي كفيها
– اللي يعرف بسمه صح يحبها وأنتِ تستحقي الحب يا بسمه، بنت جدعه بميت راجل
التمعت عينين ملك وهي تتذكر بسمة في بداية لقائهم، فتاة مرحه رغم ما تعيشه بكنف شقيق قد خلى قلبه من الرحمه إلا إنها كانت صامدة تهون على نفسها بابساط الأشياء
– فاكره الفرح اللي اخدتيني فيه معاكي.. ووقف واحد يتعرضلنا معرفش طلع لينا منين
ابتسمت بسمة تتذكر ذلك اليوم وكيف انهالت عليه ضربًا بحذائها فاردفت ملك ضاحكة
– مش عارفه إزاي نشيلتي بجذمتك وبطحتي
سقطت هذه المرة دموعهم من شدة الضحك وملك تزيد من قص تلك المواقف السعيدة التي ضحكوا فيها من قلبهم
– نفسي ارجع الحارة تاني يا ملك، عايزه ارجع لبيت أبويا.. منه لله فتحي حرمني من حقي وسابني في بيوت الناس اشحت عطفهم
عادت الألم يستوطن قلب بسمه، فلو كان لديها جدران تحتمي بهم ما عاشت ما عشته
– بيوت الناس..
استنكرت ملك حديثها، فهي تعيش في بيته.. مهما كانت بداية زيجتها بجسار لكنها ليست عاله عليه ما تناله حقها
– أنتِ عايشه في بيت جوزك يا بسمة، كل اللي بتاخدي منه ده حقك
اطرقت رأسها تفرك كفيها بقوة، زواج كانت نهايته معروفه أن ينال من خلفه حقه.. فتكون نهايتها فيه كبائعة هوا
– بصيلي يا بسمة، ارفعي وشك وقوليلي ليه.. قدمتي نفسك ليه بسهوله
انسابت دموعها تعض فوق شفتيها بقوة فاضافت ملك راغبة في فهم تلك الحلقات المفقودة التي ضاعت منها بسبب بعدها عن بسمه وانشغالها بحياتها
– أنا قولتلك اوعي تحبي في يوم راجل مش شايفك.. لكن إظاهر نصيحتي قدمتها متأخر
لعقت بسمة شفتيها وقد انفلت صوت شهقاتها منها رغمًا عنها
– غصب عني يا ملك.. حاولت كتير اكرهه.. أنا حبيت الصورة اللي أنتِ رسمتيها عنه.. لكن طلعت غبيه.. حتى جيمي قدمته ليه عشان اخلص من لعنة حبي ليه.. انا بكرهه
لم تعرف ملك اتضحك على تلك الاكذوبه التي تمتمت بها أم تحزن على حالها
– كرهك ليه كذبه بتضحكي بيها على نفسك يا بسمه.. اسأليني أنا..
– لا خلاص أنا عايزه ابعد عن حياته.. عايزه اعيش بعيد عنه.. خليه يطلقني
هتفت بها بسمه باندفاع تشيح عيناها بعيداً عنها
– بسمه لو القرار نابع من جواكي.. صدقيني هقف جانبك..
عادت عيناها تتعلق بها، فالتقطت ملك يديها تعدها بصدق
– ارجعي بس لنفسك يا بسمه وأنا هكون جانبك في أي قرار، لكن عشان اريح قلبك.. جسار لمسك حب راجل لست.. أنتِ مش مجرد بضاعه لرد الجميل يا بسمه..اوعي تقللي من نفسك يا بسمه
– أنا تعبانه اوي يا ملك..قلبي وجعني أوي وخايفه.. مش قادره أتجاوز اللي حصل.. انا بقيت بخاف من الناس يا ملك.. انا كنت شايفه الدنيا وحشه عشان فتحي فيها.. كنت بخاف من شخص واحد.. دلوقتي بخاف منهم كلهم يا ملك
اغمضت عيناها تقص لها ما حدث في تلك الليلة، لم يؤثر عليها ما فعله عنتر ببشاعته بقدر ما فعلته تلك الفتاة..
طالعتها ملك مصدومة من ذكرها وسط الكلام إنها كانت ستوافق على ذلك الرجل الذي حاول اغتصابها
– معقول يا بسمه.. كنتي عايزه تتجوزي واحد اغتصبك عشان تهربي من غلاظة جسار..
عادت دموعها تغمر خديها تقضم فوق شفتيها بقوة
– هو السبب في اللي عيشته.. كل مرة كنت بدور على خلاصي من إحسانه ليا في بيته..قولت عنتر ارحم من شعور النبذ اللي عايشه.. مش لاقيه مكان اعيش في يا ملك.. أصعب حاجه إنك متقلقش اربع حطان يضموكي وأنتِ مطمنه
تنهيدة طويلة خرجت من شفتي ملك، لقد عاشت هذا الشعور.. ولن تنكر وقوف جسار معها.. رغم غلظته معها في البداية إلا إنه أكرمها في منزله وحياته
– بسببه رميت نفسي في سكن معرفش حاجة عن أصحابه.. مجرد ما سمعت إن في اوضه فاضية جريت اقولهم خلوني اعيش معاكم..
عادت لبكائها وقد عاد مشهد تلك الليلة يقتحم عقلها تضم جسدها بذراعيها
– هو في ناس كده يا ملك.. أنا من ساعه ما طلعتي من حارتي وأهلها الطيبين اللي آخرهم كل واحد يتخانق مع تاني وفي نفس اليوم يتصالحوا وانا بعيش في صدمات..
تحول بكائها لضحكات ساخره
– كان صاحب المصنع آخره يمد أيده…وفي اللي يقبل وفي اللي زي لما يقول لاء.. يبقى يشتغل زياده ويتهان..
توقفت عن الحديث تبتلع غصتها بمرارة كعلقم الدواء
– تعرفي أن اختارت عربيته هو بالذات ليه اهرب فيها.. من كلامك عنه واد إيه هو راجل كريم.. مد ايده ليكي وفضل واقف معاكي.. حتى بعد ما اطلقته.. وقت ما بتحتاجي بتلاقي.. قولت هيكرمني عنده ويساعدني.. لكنه
اطرقت بسمه رأسها تسلط أنظارها نحو كفيها
– لكنه إيه يا بسمه، ملقتيش منه اللي كنتي مستنياه.. عارفه ليه اتوجعتي من جسار.. عشان حلمتي بي كراجل يحبك
– حلمت حلم مش من حقي يا ملك
– والله اه اتحقق يا بسمه.. رغم عدم اقتناعي بطريقة جوازه منك إلا إني بقيت اشوف الأمور إنها أقدار, ممكن نكره البداية نستغربها لكن في النهاية بنعرف إن طول ما الإنسان ما بيخططش ولا بيدبر للشئ.. بيلاقي اللي نفسه فيه
ضاقت عينين بسمة في حيرة، حديثها اليوم مع ملك عجيب ولكن روحها عادت إليها معها.. ملك وحدها نقطة أمان داخلها
– خلينا ننسى جسار وحكايتكم دلوقتي يا بسمه.. حتى اللي حصل في الليله ديه تجاوزي واتعلمي منه ونعلم غيرنا إزاي في بقى في واقع مفروض علينا بأفكاره.. أفكار فيها هلاكنا وهتكون لينا نهاية زي نهاية قوم لوط..
التمعت عينين ملك وهي ترى بسمة تحرك له رأسها مستوعبة حديثها، تنفض عن رأسها بشاعة ما عاشته
– لازم ترجعي بسمه بتاعت زمان.. بسمه اللي رغم كل الألم إلا إنها كانت بتضحك ومبسوطه.. حلم تعليمك.. كليتك اللي كلها ايام وهتدخليها..دوراتك اللي بتاخديها.. ميادة قالتلي إن كان نفسك تتعلمي التصميم وأهم حاجه قربك من ربنا.. هتتجاوزي كل حاجة وحشة صدقيني
عضت فوق شفتيها خجلًا، فقلبها نال سكينته عندما أخرجت كل حديث عالق بقلبها في سجودها
…
الساعه السادسة صباحا في محافظة البحر الأحمر وقف بسيارته قرب المنزل الذي أرسل له عنوانه من رقم مجهول
خرج من سيارته يدور بعينيه بالمكان..
مشاعر متضاربة يشعر به.. غضب، حب، حنين وانتقام رجولة مهدورة وشوق اكبر يدفعه.
فتحت عيناها بصعوبة تنظر نحو الساعة المعلقة تستعجب تلك الطرقات, فالممرضة التي أخبرها عنها رحيم لرعايتها قدومها في الثامنة
التقطت هاتفها لتهاتف رحيم، فالساعة الأن السادسة صباحاً
استمرت الطرقات، تنظر لهاتفها.. فهاتف رحيم مغلق
بقلق تحركت نحو الباب تهتف بخوف صار يستوطنها
– مين؟
لم يصدر أي صوت، فابتعدت عن الباب مرتعدة.
أسرعت نحو الشرفة التي ربما تطلعها على هوية من بالخارج ولكن قدميها تيبست مكانها تستمع لصوته
– أفتحي يا خديجة
………….
ابتسم الواقف ينظر نحو ابنة شقيقته وقد وقفت تُحدق بالسماء شاردة
– اخفيتي الأوراق التي كنت أسعى لارسالها لابن النجار اليوم حتى لا يسبقنا بقتل حامد.. تريدين حماية أفراد عائلتك يا صغيرة
اطبقت فوق جفنيها للحظات تزفر أنفاسها ببطء قبل أن تلتف إليه
– أريد النزول لمصر.. عليهم معرفتي..
هز الواقف رأسه ينظر لعينيها الشبيها بعينين والدها حتى ملامحها
– قد أن أوان ظهورك ليندا
الفصل الثالث والسبعون(2)
*****
تقهقرت للخلف تنظر إليه وقد احتلت الدهشة عينيها، هي بالتأكيد تحلم بوجوده.. شعور الحاجة إليه جعلها تظن إنه هنا يقف أمامها.
اغمضت عيناها لعلها تفيق من حلمها، أمير ليس هنا.. لا أحد يعلم بمكانها إلا رحيم وسليم.
صوت إنغلاق الباب جعلها تعود لفتح عيناها وقد ازداد قربه منها، عيناها هذه المرة تعلقت بعينيه.., عتاب وشوق وحدهم ما كانوا يحتلوا مقلتيه
– أمير
خرج اسمه من شفتيها في همس يثقله الحنين ثم ازدردت لعابها وهي ترى نظراته يغلفها الجمود يقبض فوق كفيه بقوة.. يمنعهم عن لهفتهم لجذبها لأحضانه
– الزوجة الهربانة ولا نقول الجبانه افضل
تجمعت الدموع في مقلتيها تُقاوم ذرفهم تطرق رأسها أرضًا، تتمنى لو تخبره إنها لا تتحمل فراقه ولكن قربها منه لعنة.. وسيدفع حياته ثمنًا
– المرادي مش هسألك عملتي كده ليه.. لأني خلاص عرفت دوري كان إيه في حياتك
انسابت دموعها تهتف داخلها في آسف، لم تكن تقصد جرح كرامته.. لكن ماذا عساها أن تفعل علاقتهم لن يجني من ورائها إلا ضياع مستقبله وعمره.. ليت كل شئ يصير كما نتمنى
– مش عارف انتقم منك يا خديجة ولا عارف اوجعك زي ما وجعتيني.. حتى لما اختارت اوجعك في اكتر حاجة عارف نفسك فيها.. قولت إزاي اوجع قلبي قبلها..
ارتفعت نظراتها نحوه في صدمة وسرعان ما كانت تحيط بطنها بذراعيها.. لن يوجعها إلا بطفلهم الذي يُحارب معها في صمود حتى يأتي إليها.
تقوست شفتيه بابتسامة ساخرة وتعلقت عيناه بفعلتها
– متخافيش يا خديجة هسيبهولك.. أنا مش وحش لدرجادي إني احرمك منه.. أنا قررت اسافر واسيب البلد كلها.. مبقاش في فايده إني افضل احارب عشان ست رفضاني في حياتها.. ست شيفاني ابعد من أني اكون شريك حياتها
– أمير، ارجوك
ازدادت نظراته تهكمًا فعن أي رجاء تطلبه منه
– إظهري يا خديجة وارجعي لحياتك من تاني.. متخافيش مش هظهر تاني في حياتك.. أنا مش أمير العابث بتاع زمان اللي الكل فاكر إنه طمعان في فلوسك ..
توقف عن الحديث يتحاشا النظر إليها
– مش بيقولوا ألم الحب بيغير
ابتعلت غصتها في مرارة تفرك كفيها ببعضهم بقوة لعلا ذلك الألم الذي ينهش فؤادها يرحمها
– أمير أنا..
عادت دموعها تنساب هذه المرة بغزارة تضع كفها فوق شفتيها تكتم صوت شهقاتها وهي تراه يستدير بجسده مغادرًا بعدما أشار إليها بالصمت..
فلم يعد للحديث معنى ولم يعد العاشق الولهان بل أصبح عاشق مطعون لا كرامة له.
تحرك تحت نظراتها المصدومة، فهل أنتهت حكايتهم هكذا.. سيتركها دون أن يُخبرها بكلماته المعتادة..؟
عيناها تعلقت به وقد ازداد سرعة أنفاسها.. لا تتخيل إنه سيرحل بعيدًا، منحها ما اراده عقلها
– أمير
خارت قواها وسقطت أرضًا وهي تهمس اسمه ، ما ارادته ستحصل عليه ولكن الألم يزيد داخلها..
تيبست قدماه مكانهم يطبق فوق جفنيه بقوة, عليه الرحيل.. عليه ألا ينظر ورائه مجددًا
عقله يدفعه للرحيل والهرب والبعد عن كل من ظنوا إنه ليس إلا رجل طامع عابث.. وقلبه يهتف به ملتاع من نيران الشوق ..
استدار بجسده راغبًا في وداعها لمرة أخيرة وقد صعقه هيئتها.
خديجة تجلس أرضًا تضم بطنها بذراعيها من شدة الألم تلهث أنفاسها بصعوبة
– خديجة
…..
جاورته فوق الفراش تمدّ كفها نحو لحيته فلم تعد تفهم حبه الذي صار فجأة لتربية لحيته, بصوت هامس تمتمت ممتعضة الوجه
– طبعا عشان البيه بقى شكله اوسم وزادته وقار بقى يربيها..
ازدادت ملامحها أمتعاضًا، ستستمر في دفعه لحلاقتها, فهل ينقصها أن يزداد عدد المعجبات اللاتي يخبرها عنهم
– رسلان.. رسلان
انتفض من غفوته ينظر إليها متسائلا بتشويش
– الساعة كام
طالعته ثم طالعت الوقت في هاتفها القابع بيدها
– الساعه سابعه.. قوم اجهز لحد ما احضرلك الفطار
عاد لتسطحه يغمض جفنيه تحت نظراتها
– هروح المستشفى بعد الضهر..
كادت أن تهتف وتخبره ليته أخبرها بتغير موعده حتى لا تُيقظه ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تراه يفتح عينيه
– في حد يصحي حد كده.. نفسي اعرف راحت فين الرقة
رفعت حاجبها الأيسر في دهشة، رسلان منذ فترة يُخبرها بهذا الحديث..
– مش عارفه ليه يا رسلان بقيت أشك فيك من ساعت ما بقيت تربي دقنك وبدء الشعر الأبيض يظهر في شعرك
انتفض مفزوعًا من رقدته يهتف حانقًا
– شعر ابيض.. مسمحش ليكي يا هانم تقولي كده
وأضاف ماقتًا صوت ضحكاتها ونظراتها المشاكسة
– هما بس شعريتين.. زادوا من وقاري..
تعالت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تراه ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرآة يتأمل خصلاته
– بقوا كام شعره دلوقتي
ارتفعت زاوية شفتيه يرفع حاجبيه لأعلى راغبًا في إثارة غيرتها وتحريك تلك المياة الراكدة عن حياتهم
– أنا برضوه لسا شباب..مش عايز اقولك إن جوزك بيتعرض عليه الجواز.. بخاف على شعورك يا حببتي
ضاقت عيناها ترمقه بنظرة ثاقبة تزيح عن قدميها نعلها المنزلي لتتمكن من تسطحها
– أنت عديت مرحلة المعاكسة خلاص يا دكتور وبقيت مطلوب للجواز
تعلقت عيناه بوضيعتها وهيئتها برداء الصلاة ينظر لبنطال منامتها الذي ظهر طرفه
– فاضل مرحلة التنفيذ يا حببتي
اقترب منها بعدما غادر النعاس جفنيه متلذذًا بتلك الدقائق معها، فلم يعد في يوميه وقت, بسبب الساعات التي يهدرها في ذهابه وعودته من الفيوم للقاهرة يوميًا بعدما انتقلوا لهذا المنزل مبتعدين عن كل شئ.
هو بات يضجر من الأمر يُريد العودة قرب عمله ولكن من أجلها سيتحمل.
ابتسمت مدركة تلاعبه بها تنظر إلي كفه الذي اخذ يُحركه ببطء فوق خدها
– مش شايف أي تأثير للغيرة وكده إهانة في حقي
عادت ضحكاتها تتعالا وهي تراه يبتعد عنها يضع بيده فوق قلبه
– اه قلبي الملتاع من الحب.. حبيبه مش غيران عليه
– رسلان كفاية قلبي هيقف من الضحك
توقف عن مزاحه يشعر بسعادة وهو يرى إحمرار خديها من شدة الضحك
– سلامة قلبك يا حببتي
تعلقت عيناها به ولم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لحضنه يضمها بين ذراعيه
– أنت اوسم واحسن راجل شوفته في حياتي يا رسلان, عمري ما عيني شافت غيرك ولا قلبي دق غير ليك..كل يوم بيمر بحمد ربنا على وجودك معايا..نفسي أعرف اسعدك زي ما بتحاول تسعدني
اطبق فوق جفنيه مستمتعًا بأحرف كلماتها يزيد من ضمها إليه.
ابتعدت عنه راغبة في إخباره بشكها القوي في أمر حملها ولكنه لم يكن متعطش لأي حديث سيقال..
وضع يده فوق شفتيها يمنعها عن الحديث
– بلاش تقوليلي الفطار وعبدالله وبسمه وتخترعي حجة تبعدك عن حضني..
ارتسمت ابتسامة متلاعبة فوق شفتيه وقبل أن تهتف بشئ, اجتذبها لأحضانه ماقتًا ما ترتديه وهي جواره يمدّ يديه عابثًا
– إسدال يا ملك.. وتحته بيجاما كمان..
– رسلان..
ضاع صوت هتافها به مستسلمة له تتجاوب مع فيض مشاعره العطشة
…..
توقفت بسمة أمام غرفة ملك تشعر بالحرج لطرق الباب، اتجهت نحو الدرج تشعر بالتوتر.. فأمس لم تكن منتبها لشئ ولكن اليوم صارت تشعر بما حولها.. هي هنا في منزل ملك حيث زوجها وطفلها.
تعلقت عيناها ب عبدالله الذي جلس وجواره الخادمة تُحاول إطعامه ولكن الصغير كان رافضًا تناول وجبته دون ملك.
بتوتر وحرج فركت كفيها تنظر نحو الخادمة التي رفعت عيناها نحوها بعدما انتبهت على وجودها
– احضرلك الفطار يا هانم
تعجبت بسمة من هتاف الخادمة لها بهذه الكلمة، ولكنها أسرعت في تحريك رأسها رافضة
– هستنى ملك
اماءت لها الخادمة رأسها في تفهم تنظر لساعة يدها وللصغير، فقد تجاوز الوقت التاسعة والنصف
– ماما ملك
تمتم بها الصغير رافضًا تناول طعامه مُحاولًا ترك مقعده، أسرعت الخادمة في تثبيته تحاول إلهاءه بالحديث وبفعل بعض الأصوات الكرتونية حتى ينتبه لها.
ازداد توتر بسمة تنظر نحو الدرج، فهي لا تستطيع التحرك بالمنزل دونها.. هي غريبة عن هنا وغربتها لا تنتهي إلا بوجود ملك معها
– يا هانم.. الولد عايزك
انتبهت بسمة على صوت الخادمة تلتف إليها وقد ضاقت عيناها في حيرة تنظر للخادمة وذراعي عبدالله الممتدة نحوها
– ممكن تأكلي يا هانم لأنه رافض ياكل مني
انصرفت الخادمة بمجرد أن اماءت لها بسمة رأسها وكأنها تخلصت أخيرًا من مهمه لا تُحبها
– هتاكل إيه؟
طالع الصغير حيرتها حتى تساؤلها عن أي طعام يرغبه لم يكن ليفهمه.
أشار نحو طبقه وبسمة لم تكن أمامه إلا كالبلهاء لا تفهم كيف تتعامل مع طفل وتطعمه.
استرخت ملامحها من توترها وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شئ فشئ والصغير يمدّ لها ببيضته يقربها منها حتى تُقشرها له.
لفظه للكلمات بتلك اللطافة كانت تجعل ابتسامتها تزداد إتساعًا بل وتطرب أذنيها.
التقطت منه البيضه تنظر لمكان طرقها ولكنها اختارت الطريقة الأخرى التي اعتادت فعلها ببساطة..
لطمت البيضة بجبهتها تنظر للصغير الذي رمقه في صمت، فهل سيكون هذا الصغير مثل بقية طبقته يتبع قوانين الأتيكيت وسرعان ما كان يضحك الصغير بصوت مرتفع يسعى لألتقاط بيضة لم تُقشر ليُجرب فعلتها.
تراجعت الخادمة عائدة للمطبخ بعدما اطمئنت أن الضيفة نجحت في إطعام الصغير.
اتسعت ابتسامة الصغير بعدما ارتشف كأس اللبن خاصته
– بره في قطه.. قطه حلوه
عادت الابتسامة تشق شفتي بسمة تنظر للصغير الذي يجرها معه للحديقة نحو القطة التي أخبرها عنها بحديثه اللطيف.
ارتفعت ضحكات الصغير وقد جذب صوت ضحكاته انتباه رسلان الذي ترك رابطة عنقه دون عقدها واتجه نحو الشرفة ينظر لصغيرة مندهشًا من سماع قهقهته.
اقتربت ملك منه بعدما غادرت المرحاض تجفف خصلات شعرها بالمنشفة
– ده صوت عبدلله.. إزاي طلع لوحده الجنينة
التف إليه رسلان يجتذبها من يدها يريها صغيره الذي يجبر بسمة على الركض خلفه ويُشاكسها
– شكل بسمة هتعمل معايا معروف حلو اوي الأيام اللي جايه
طالع ملامحها السعيدة وهي تنظر للأسفل يجتذبها لصدره ويطوق خصرها بذراعيه
– عبدالله مبيتوعدش على الناس بسهولة.. شكله حب بسمة
– عبدالله هيكون علاج بسمة يا رسلان
استدارت إليه تنظر نحو عينيه متسائلة
– وجود بسمة وسطينا هيضايقك يا رسلان
ارتفع حاجبيه في عبث يُحرك بكفيه نحو عنقها حيث تلك القطرات المنسابة ولم تجف بعد
– ديه بسمة شكلها جات نجده ليا يا حببتي.. ده أنا بدأت أغير من استاذ عبدالله.. دلوع الماما والماما ناسيه ابنها الكبير
انفلتت ضحكتها عالية رغمًا عنها ، رسلان اليوم مزاجه في مكان أخر
– أنتِ فيك حاجة غلط النهاردة يا دكتور.. أنا بقول متروحش المستشفى النهاردة
ومن نظراته العابثة أدركت ما ينوي له، لينظر إليها بعدما ابتعدت عنه ماقتًا فعلتها
– أول مره أشوف زوجه مبتحبش الدلع والأغراءات المقدمة لها.. فعلا أنتِ تختلفي عن الأخرين يا حببتي
تركته في تذمره واسرعت في التقاط ملابسها وسؤال واحد كان يتردد داخلها في حيرة، لما اليوم لم تنفر من علاقتهم.. هناك شئ صار يتغير داخلها نحو كل شئ.
….
اسرع في تحريك الوسادة خلف ظهرها يُطالعها بلهفة وقلق لم يُغادروا ملامحه حتى بعدما أخبرهم الطبيب بالمشفى أن الجنين بخير ولكنها بحاجة للراحة
– لسا تعبانه..
حركت رأسها نافية تعبها، فطالع الغرفة حوله يحرك بيده فوق خصلاته ثم عاد ينظر إليها
– أكيد محتاجه تفطري..
ودون أن يضيف كلمة أخرى أسرع في مغادرة الغرفة يبحث عن المطبخ.
اغمضت خديجة عينيها براحه افتقدتها..ستكون كاذبة لو أنكرت سعادتها بوجوده.
لهفته اليوم عليها وعلى جنينهم أكدت لها حقيقة واحده، إنها دون هذا الرجل ستكون ناقصة هي وطفلها..فأين كان عقلها وهي تخوض معه علاقة تعرف نهايتها وعواقبها؟
انسابت دموعها في ضعف، خديجة النجار عادت تبكي كما كانت شابه في العشرين من عمرها .. لا شئ تفعله إلا رثاء نفسها والهرب فأين ذهبت قوتها ؟
غفت دون شعور منها.. لتشعر بأنامله تتحرك فوق خديها وقد جفت دموعها.
طالعها بنظرات لائمة، فهل وجوده معها يسبب لها هذا
– قوليها للمرة الأخيرة واوعدك يا خديجة هحررك مني.. بصي في عيني وقولي عايزني أبعد عنك..قولي حررني منك..
عادت دموعها لسقوطها تنظر إليه في صمت , ترفع كفها تضعه أمام شفتيه تُحرك رأسها رافضة
– الحب من غير كرامة بيموت يا خديجة..
– متبعدش يا أمير ولو قولتلك أبعد متبعدش
هتفت بها تندفع نحوه تضم جسدها له.. هي تُريده..مهما قاومت وهربت فلم يعد هناك مفر لها إلا العودة إليه
– احضني يا أمير.. احضني أوي
لم تتحرك ذراعيه لتضمها رغم رجائها ورغبة فؤاده, بل ظل ساكن تمامًا.
ابتعدت عنه بعدما شعرت بجموده تنظر إليها راجية حبه لمرة أخيرة
– كرهتني يا أمير
تعلقت عيناها به وسرعان ما اغمضت عيناها تضع بشفتيها فوق شفتيه غير راغبة في سماع جوابه..لن تتحمل أن تعرف مكانتها الجديدة في قلبه، فهي من سعت لترى كرهه.
شفتيها تحركت ببطء فوق خاصته تنتظر أن يبادلها قبلتها ولكنه كان يُصارع مرارة ما عاشه معها من خذلان.
كادت أن تبتعد عنه تُخبر حالها إنه لم يعد يُحبها.
سقطت صنية الطعام الموضوعة فوق الفراش.. بعدما تحول الأمر لجنون عاصف, يُخبرها وسط قبلاته إنها المرة الأخيرة للغفران ولكنه كان كاذب.. فسيظل يغفر لها حتى يزول الحب.
…..
توقف مكانه مدهوشًا مما يراه.. ينظر إليها وهي تلهو مع ذلك الصغير.
تعلقت عينين ملك به بعدما غادرت من باب المنزل المفتوح..
لولا تهليل الصغير لرؤيته لملك.. لظل هو واقف مكانه يُطالع ابتسامتها.
عيناه غرقت في تفاصيل ملامحها يتسأل داخله..
أكان منزله حقًا سجنًا لها وعندما تحررت من جدرانه عادت كما كانت.
تركت القطة تشرب اللبن بمفردها بعدما تركها الصغير.
ابتسمت بسمة وهي ترى تعلقه بين ذراعي ملك التي ظلت تنظر إليها في صمت.
نظراتها جعلتها تلتف خلفها.. فتلاقت عيناها به وسرعان ما كانت تفر من أمامه.. هي لا تُريد العودة معه.. تُريد البدء من جديد وكأنها لم تهرب في سيارته وكأن هذا الفصل من حياتها صار محذوف.
تجمدت ملامح جسار ولم تكن ملك أقل صدمة عنه كحال رسلان الذي خرج للتو من المنزل.
….
فتحت فرحة عيناها تنظر حولها، عقلها أخذ يسترجع أحداث الليلة الماضية تهز رأسها رافضة ما رأت.. فما رأته لم يكن إلا كابوسًا.
تحركت يداها فوق الفراش ثم دارت عيناها بأرجاء الغرفة ، وسرعان ما كانت تخرج صرختها
– أنا مقتلتهوش.. مقتلتهوش
ارتجفت حدقتاها وهي ترى الباب يُفتح ويدلف منه أحدهم ولم يكن إلا ذلك الملثم الذي من سوء حظها رأت وجهه أمس.
….
اسرع سليم في هبوط الدرج يستعجب قدوم حازم إليه المزرعة يُحدق بساعة يده, فالساعه الحادية عشر ونصف
وقبل أن يتسأل سليم عن سبب قدومه رغم شعوره بحدوث شئ
– حامد أتقتل يا سليم..
الفصل الرابع والسبعون
****
مقتل حامد، هكذا ردد سليم بعدما تعلقت عيناه بحازم..الخبر لم يكن بالنسبة له صدمة, فنهاية حامد الأسيوطي كانت معروفه
– سليم أنت ليك يد في موت حامد
تجهمت ملامح سليم ينظر نحوه بنظرة ضائقة، فاسرع حازم بالاقتراب منه مستطردًا
– هتكون ضمن المتهمين بقتله يا سليم
تعلقت نظرات حازم به يتعجب من صمته..، نظراته ازدادت تعمقًا له وهو يراه يشعل سيجارته ثم يزفر أنفاسه ببطء واتجه نحو احد المقاعد وقد عاد الاسترخاء يحتل ملامحه.
زفر حازم أنفاسه ضجرًا، فهل قطع هذه المسافة ليتحلى بالصبر حتى يُقرر ابن النجار اخباره بنواياه
– تصدق إنك بارد.. أنا قاطع المسافه ديه كلها من قلقي لتكون اتهورت وقتلته بعد ما عرفت إن هو اللي دبر حادثة موتك وأنت قاعد ولا همك
اتجه حازم نحوه حانقًا من هدوئه ولكنه صار متأكد أخيرًا أنه لا دخل له بمقتل حامد
– أنت كنت عارف بقرب نهايته
استمر سليم في نفث دخان سيجارته يُحدق بتلك النقطة البعيدة
– تقدر تقول إني كنت متنبأ بكده.. حامد غلطاته كترت ودفاتره كلها بدأت تنكشف مع إن كل حاجة واضحه من زمان بس كان لسا دوره
استرخى حازم في جلسته يُحرك رابطه عنقه قليلًا
– أنا مش عارف ليه حظك في النسب سئ اوي يا سليم.. شهيرة واخيرهم.. ولا بلاش بتزعل من تعليقي عليها لا وكمان رايح تخلف منها
– حازم
احتدت ملامح سليم، فتنهد حازم ماقتًا.. هو لن يُغير رأيه في اختياراته لزوجاته
– الباشا بيزعل طبعا لما تيجي سيرة المدام، نفسي اعرف هي عملالك إيه.. ده أنت من ساعت ما اتجورتها بتحاول تخليها سيدة مجتمع..وياريتها عارفه تظهر في الصورة
ابتلع حازم بقية حديثه زافرًا أنفاسه في حنق من نظراته التي صوبها نحوه كالسهام
– خلاص يا سليم خلينا في مشكلتنا دلوقتي.. أكيد هيطلبوك في النيابة
لم يبالي سليم بالأمر..، فحتى لو طلبوا استدعائه هو بعيدًا تمامًا عن القضية.. فالقاتل معروف والقضية ستنتهي بالغلق بالنهاية لأن مقتله ليس إلا تصفيه
– وفي حاجة كمان مستغرب من إنتشارها.. شهيرة اتجوزت ماهر
استدار سليم بجسده بعدما دهس عقب سيجارته ينظر نحوه منتظرًا تكملة بقية حديثه
– مش عارف حقيقي صحة المعلومة.. لكن اتوقع يحصل.. أنت عارف شهيرة المصلحة عندها اهم واغلب ممتلكتهم بقت في أيد ماهر
……
طالعت بسمة البطاقة البنكية التي وضعتها ملك في يدها ترفع عيناها نحوها في تساؤل
– رغم رفضي للموضوع وشيفاه إهانه ليا لأنك في بيتي يا بسمه لكن أنا في النقطة ديه بحترم أي راجل فيها.. أنتِ أكيد هيكون ليكي احتياجات
تعلقت عينين بسمة مجددًا بالبطاقة البنكية، ثم عادت تنظر لملك وقبل أن تتفوه بشئ.. جذبتها ملك نحو الفراش واجلستها عليه وجلست جوارها
– ده من حقك عليه.. أنتِ مراته.. مسئولة منه متاخديش الموضوع بحساسية زيادة يا بسمة واوعي تنطقي وتقولي أنا هدور على شغل واصرف على نفسي
تبسمت بسمة تنظر إليها بنظرات أكدت لها ما توقعته
– بسمه أنتِ الشغل بيجي معاكي بكوارث.. وحاليا أنتِ خلاص هتبدأي مشوار جديد في حياتك.. تعليمك يا بسمة.. نسيتي حلمك يا بسمة
بمرارة تمتمت بعدما اختفت ابتسامتها
– أنا مبقتش عايزه حاجة من أحلامي غير أرجع الحارة، أرجع بسمة القديمة..
تبدلت ملامح ملك بشعور أخر وقبل أن تهتف بشئ.. أسرعت بسمة بالتقاط كفيها تُذكرها بوعدها لها هذا الصباح
– أنا وعدتك إني هحاول اتجاوز كل ده يا ملك.. لكن خليكي معايا.. أنتِ عيلتي يا ملك
انسابت دموع ملك رغمًا عنها متأثرة بحديثها ، أن يرى أحدًا فيك إنك وحدك عائلته, منطقته الأمنة من غدر البشر..
اجتذبتها ملك إليها تحيطها بذراعيها
– أنا معاكي يا بسمه لحد ما تاخدي قرارك الصح..
ولم تكن ملك تُكمل حديثها إلا وكان الصغير يقفز فوق الفراش صائحًا حتى يكون بينهم
…..
توقف ماهر مدهوشًا مما يراه أمامه، شهيرة تبكي مقهورة على وفاة شقيقها, شقيق لم يراه يومًا إلا رجلًا يبيع والديه وعرضه من أجل المال..
اقترب منها ومازالت الصدمة ترتسم فوق ملامحه وهو يرى أنهيارها خاصة بعدما تأكدت أن شقيقها مات مخنوقًا تحت قبضتي شخصًا.
رفعت عيناها إليه وقد حملت اتهامًا رأهم فيهما، فعاد الجمود يحتل عيناه يقبض فوق كفيه بقوة يدنو منها هامسًا بفحيح بعدما دفع بقلبه الأحمق بعيدًا
– شايف الإتهام في عينك وده مش كويس يا زوجتي العزيزة
احتقنت ملامحها تنظر حولها ثم عادت تنظر إليه بعدما أزالت دموعها عن خديها
– أنت راجع عشان تنتقم مننا.. ضحكت عليه اوهمته إنك هتنقذه من الخساير… لدرجادي الحقد مالي قلبك.. أنا بكرهك, بكرهك.. جوازي منك كان غلط واكبر غلطه عملتها في حياتي
ابتعدت عنه واتجهت نحو محامي العائلة الذي وقف يُطلعها على موعد تسليم الجثمان.
دموعها استمرت في الهطول رغمًا عنها تتذكر مقتطفات في طفولة بائسة..، حامد وهي في قبضة أب لم يكن يبحث سوى عن المال وأم عادوا من مدرستهم على خبر وفاتها وبعدها انقلبت حياتهم.
رحل من كانت تتنافس معه على مال وليت الزمن يعود للوراء لتتعلم الدرس قبل وفاة الآوان.
عيناها تعلقت بالقادم صوبها ولم يكن إلا سليم وجواره حازم ورغمًا عنها كانت تندفع صوبهم تحت نظرات ماهر الجامدة
– سليم.. حامد اتقتل.. قتلوه يا سليم
احتدت عينين ماهر يضغط فوق كفيه بقوة.. تتهمه هو وتركض نحو طليقها تشكو له وفاة شقيقها رغم إنه طرف إتهام، لم يشعر بحاله إلا وهو يتجه نحوهم يسحبها من أمامهم تحت نظرات حازم المصدومة التي سرعان ما تحولت لتهكم عندما نظر نحو ملامح سليم
– اول مره اشوف واحده بتجري على طليقها عشان تشكيله مصيبتها وجوزها واقف قصادها لا وكمان أنت موضع اتهام بسبب خلافاتك أنت وحامد, سليم حقيقي أنت محظوظ مع الستات
بنظرة خاطفة رمقه سليم ولولا وجودهم بهذا المكان لأنفجر ضاحكًا فعن أي حظ يتحدث صديقة، ابنته ستعيش حياتها مقسمة لنصفين بينهم واخرى بعدما منحهم الله ما تمنوا واصبحت تحمل في احشائها منه.. ارادت البعد لتبحث عن نفسها الضائعة تلومه لانه كان يُحيطها بجدران أسواره ولم يمنحها يومًا حق القرار.
….
تمطأت خديجة فوق الفراش تفتح عينيها تنظر حولها. اعتدلت في رقدتها تبحث عنه بالغرفة.. فهناك شئ يُخبرها أن ما كانت تعيشه معه لم يكن إلا حلمًا وقد فاقت منه للتو.
تسارعت دقات قلبها واغمضت عيناها في حسرة, ففراشها خالي منه.. هي لم تكن تحلم بوجوده هو بالفعل كان موجودًا يبثها مشاعره, يغمرها بدفئه ويحاوطها بذراعيه.
تحركت أناملها ببطء فوق شفتيها ثم عنقها, فانسابت دموعها.. أمير تركها كما كانت تتركه وتفر هاربة..
سيناريوهات عديدة صورها لها قلبها من شدة الحاجة التي انكرتها طويلًا تهمس اسمه في ضعف
– أمير
دلف أمير الغرفة بعدما شعر بأن وقت غفيانها قد طال، فالساعة تجاوزت الثامنة مساءً..
تعلقت عيناه بها, فجمدته الصدمة وهو يراها تدفن رأسها بين ركبتيها وصوت نحيبها يتعالا.
اندفع صوبها في لهفة يرفع رأسها مدهوشًا من بكائها
– خديجة أنتِ تعبانه، حببتي طمنيني..
تعلقت عيناها به تُقاوم ذرف دموعها، هو مازال هنا لم يتركها
– كنت فكراك مشيت وسبتني
عادت دموعها تنساب فوق خديها ترفع كفيها نحوه تتلمس جرح شفتيه وجبينه
– خديجة أنا مقدرش اسيبك واخذلك.. أنتِ هنا يا خديجة
أشار نحو قلبه يُخبرها بمكانها، تبسمت وهي تنفض الدموع العالقة بأهدابها وارتجف جسدها, تنظر لكفه حيث وضعها فوق بطنها
– الرابط بقى قوي أوي بينا يا خديجة.. بلاش أنتِ اللي تسيبي أيديا
ارتمت فوق صدره تعانقه بقوة، فهي لم تعد قادرة على الهجر.. حاولت مرارًا ولكنها في النهاية تعود إليه راغبة ملتاعة من نيران الشوق، الأمر اكبر منها ومنه.
شفتيه جالت ببطء فوق عنقها يهمس لها بأنفاس مسلوبة
– مش عايز اعرف الماضي ولا خوفك منه.. أنا عارف يا خديجة إن الماضي مازال محاوطك.. أنا مستعد ادفع عمري كله فداكي..
ابتعدت عنه تنظر في عينيه، أمير سعى ليعرف عن الرجل الذي كان سببً في تدمير حياتها لسنوات ولكن كل شئ كان مخفي ببراعة حتى سليم رغم كل ما صار عليه إلا أن الحقيقة كانت مخفيه عنه،
حامد ماضيها وحدها ماضي اخفته لتحمي عائلتها من رجلًا خُلق ليؤذي غيره، رجل مريض فلم تتمنى أن يتورط ابن شقيقها معه ويكون لعائلتهم نسلًا منهم.
يديه افاقتها من أفكارها حيث تحركت بخفة فوق ملامحها وكاد الحديث يتسلل من شفتيها ولكن شفتيه ابتلعته.
صارت بين ذراعيه كالعطشة لكل ما يمنحه لها وكلما حاول الأبتعاد عنها خشية على طفلهما كانت يديها تجتذبه نحوها في عبث.
ضحكاته تعالت وهو يزيح خصلات شعرها جانبًا يمسد خديها برفق مداعبًا
– هو ده اللي بكرهك يا خديجة وابعد عني.. أنا أقدر أعيش من غيرك
عبست ملامحها في تذمر تزيح ذراعيها عنه، فتعالت ضحكاته بشدة
– مهما هتقولي بعد كده مش هصدقك.. لأني عرفت متعة الكره
داعبت شفتيها ابتسامة هادئة تشيح عيناها بعيدًا عنه، لقد انكشف أمرها.. فكيف سيصدق بعد الآن إنها كارهة له, هي متيمة بعشقه.
بعد وقت كانت تجلس فوق أحد المقاعد قربه وهو يقف يطهو الطعام لها
– المفروض مين فينا اللي يتدلل يا خديجة هانم
– أنا
هتفت بغنج ثم قضمت تلك التفاحة التي القاها لها تنظر إليه منتظرة جوابه.
ارتفع حاجبيه في عبس وتقدم منها يقضم معها التفاحة
– الدلال اتعمل ليكي برنسيس خديجة
التمعت عينين خديجة وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شيئًا فشئ
– تعرف إنك شبه سليم..
امتقعت ملامح أمير على ذكر اسم سليم يرفع كفه يمسح فوق كدمات وجهه
– بلاش سيرته لأن أنا وهو مافيش بينا وفاق
ضحكاتها صدحت عاليًا بعدما استمر في تدليك كدمة ذراعه
….
توقفت جنات مكانها تستمع لصوت كاظم الحاد.
استدارت بجسدها تنظر نحو الخادمة التي أسرعت نحوها تُخبرها عن هوية الضيفة التي لم تكن مجهولة بالنسبة لها لرؤيتها لسائقها بالخارج.
– منال هانم عنده .. بقالها ربع ساعه معاه في مكتبه
حدقت الخادمة بالباب المغلق وأضافت حائرة
– شكل الموضوع كبير يا هانم
استمرت الخادمة في ثرثرتها ولم يكن الحديث مبهم بالنسبة لها، السيدة منال هنا بعدما صدر أمر القبض على أمير من أجل التحقيق معه في مقتل حامد لتواجده في منزله ليلة مقتله
– طول عمرك بتكره ولادي يا كاظم.. مستني الفرصة عشان تشمت فيا
– ياريتني عرفت أكرههم زي ما كرهتك أنتِ وجودة.. لولاهم كنت محيتكم من حياتي
انفتح الباب فجأة فاسرعت الخادمة متجهة نحو المطبخ ولكن جنات ظلت مكانها واقفة تنظر لتلك المرأة.
تعلقت عينين منال بها وقد ازدادت عيناها قتامة وحقد وهي تُلقي بأنظارها صوب بطنها المنتفخة.
ارتجف جسد جنات خوفًا واسرعت في إحاطة بطنها بذراعيها، لا تصدق أن الحقد يتقطر من فم وأعين تلك المرأة.
بخطوات قلقلة اتجهت لداخل الغرفة تنظر لكاظم الذي انشغل في أحدى مكالمته مع أحدهم يُطالبه بالبحث عن شقيقه.
القى بهاتفه فوق سطح مكتبه بعدما أنهى مكالمته يزفر أنفاسه بقوة، لقد ادخله السيد المدلل في ورطة أخرى..
– كانت غلطتي من الأول إني سفرته إيطاليا.. بدل ما ينجح شغلنا الاستاذ.. بينزل بينا في الأرض
استدار كاظم بجسده يطرق فوق سطح مكتبه بقوة، فانتفضت جنات في وقفتها ذعرًا.
عيناه تعلقت به وقبل أن يهتف بشئ تعلمه، فنظراته توحي بغضب سيصبه فوق رأسها بسبب تأخيرها لدى فتون رغم اتصالاته العديدة بها, أسرعت نحوه تسأله بلهفة وبصدق بعدما احتضنته
– كاظم أنت كويس، حاول تهدا عشان ضغطك ميعلاش يا حبيبي
ضاقت عيناه مدهوشًا من اهتمامها
– أمير أكيد اختفائه للبعد.. مقتل حامد بعيداً تماما عن أمير.. احمس فهمني شوية حاجات لما كلمته افهم منه الحكاية…أنت عارف أحمس بيتدرب في مؤسسة سليم النجار
ثرثارة هي زوجته، فحتى بعدما تُلقي عليه من حديث يدهشه.. تغوص مستطردة بحديث يزيد من حنقه
– اوعى تضايق من كلامها..الكل بيتسند عليك عشان أنت طول عمرك أيدك ممدوده للكل
ازداد ضيق عيناه واستدار بجسده نحوها ينظر لها رافعًا احدى حاجبيه في دهشة أشد
– طبعا كل الكلام الحلو ده عشان اتغاضى عن تأخيرك..
– لا طبعا يا حبيبي.. أنا بحاول أهديك عشان ضغطك.. أنا وابنك مالناش غيرك يا كاظم
التمعت عيناه بنظرة غامضة وسرعان ما كانت تمد كفيها نحو خديه تمسح فوقهما
– منكرش أني باخدك بالكلام
التوت شفتيه في عبث ينظر إليها وقد استرخت ملامحه
– صريحة أنتِ أوي يا جنات
– تلميذتك يا حبيبي
تمتمت بها تتغنج في وقفتها أمامه
” حبيبي”، خفق قلب كاظم بشدة.. فهي لا تكف عن نطق هذه الكلمة اليوم ..
– سرحت في إيه يا كاظم
هتفت بها تنظر إليه، وقد طال تحديقه بها
– كاظم
همهم بخفوت بعدما عاد ينتبه لهتافها به، ابتعد عنها لا يستوعب إنه بالفعل صار كما أخبره جلال صديقه .. سيكون كالخاتم في أصبعها بمجرد أن تجود عليه بدلالها
– غضبي كله منك راح لمجرد إنك أظهرتي ليا حبك يا جنات.. عارفه ده معنى إيه..
تجمدت ملامحها للحظات وسرعان ما غادر الجمود ملامحها تتفهم خوفه
– كاظم أرجوك بلاش نقارن نتايج حياة غيرنا بحياتنا..
لم تنتظر منه المزيد من الحديث بل أسرعت في دفن رأسها داخل أحضانه متمتمة
– عماله اقولك حبيبي حبيبي.. وأنت حتى مش راضي تقولي أي كلمة تفتح النفس..
توقف الحديث على طرفي شفتيها, فابتعد عنها ينظر إليها ثم لبطنها متسائلًا في ذهول وسعادة
– هي الخبطة ديه منه
بابتسامة متسعة وضعت بيدها فوق احشائها هاتفة
– بيقولك قولها كلمة حلوه.. أنا برضوة أحتاج للدلال يا ابن جودة
صدحت ضحكاته عاليًا وقد تراجعت الخادمة عن باب الغرفة تشعر بالذهول من تبدل حال رب عملها.
اجتذبها نحوه ناسيًا تلك المشكلة التي ورطه فيها شقيقة. امتزجت انفاسهم يضمها إليها
– قول لماما إنها الوحيدة اللي كسرت كل الحواجز والقيود..
ابتعدت عنه تلهث أنفاسها تضع بيدها فوق شفتيها بعد قبلته العاصفة، فلم تكن قبلة عادية بالنسبة لها..
– كاظم
همست اسمه ومازالت أنفاسها تخرج بلهاث، صدح رنين هاتفه وقد عاد به لأرض الواقع ومصائب شقيقه التي لا تنتهي.
…..
تعلقت عيناها بشاشة هاتفها بعدما اخذ يضئ برقمه للمرة الثامنة.
توقف الهاتف أخيرًا عن الرنين في صمت وقد عادت لمهمتها التي أجبرها عليها الصغير وهي إطعامه.
دلفت ملك الغرفة تنظر إليها وإلى صغيرها ثم عادت تضع بهاتفها فوق أذنيها
– قولتلك عبدالله مش مديها فرصة تشوف تليفونها يا جسار، اهي معاك
توقفت بسمة عن إطعام الصغير وقبل أن تهتف بشئ كانت تضع الهاتف داخل كفها ثم حملت الصغير وغادرت وقد بدأت تُصدق ندم جسار بالفعل لأنها اكثر من يعرفه
– بسمة، ردي عليا…أنا عارف إنك بقيتي تتكلمي
اغمض عيناه يستمع لصوت أنفاسها، يُخاطب عقله أن يتخلى عن كبره قليلًا
– تعرفي إني نمت أمبارح في أوضتك وحضنت مخدتك
انسابت دموعها رغم ضغطها القوي فوق شفتيها
– ليلتين بعدتي فيهم عن البيت بقى ملهوش طعم يا بسمة
حديثه كان قاسي على قلب صار جَدْب، يخبرها بما تمنته بعدما تخلى قلبها عن أحلامه
…..
استند سليم برأسه للخلف قليلًا لعله يمنح عقله بعض الراحة ويزول صداع رأسه بعد ليلة قضاها في سهاد.
دلف الساعي إليه بقهوته ثم غادر في صمت كما دلف.
فتح عيناه زافرًا أنفاسه بتنهيدة طويلة.. ثم التقط فنجان قهوته يرتشف منه القليل لعله يفيق.
نظر في ساعة يده ينتظر ذلك الأتصال الذي ينتظره..، عيناه تعلقت بأحد الأظرف المدون عليها كلمة خاص.
أخذه الفضول رغم رغبته في عدم رؤية شئ إلا إنه في النهاية اخذ يفتحه في ترقب.
تجمدت عيناه نحو ما يرى، يقبض فوق التقارير وبعض الصور الملتقطه لعمته في شبابها وكيف جلست جاثية أمام قدمين حامد في وهن.
الصورة صارت واضحة، واضحة بشدة..
أنفاسه تسارعت بهياج لا يُصدق تلك الخديعة التي سقط فيها.. بل وانجب من تلك العائلة طفله ربطته معهم بالدماء
– سليم بيه، في هانم مصممه تدخل لحضرتك
لم يشعر بدلوف سكرتيرته التي انصدمت من هيئته وسرعان ما كانت تدلف خلفها الأخرى تنظر إليه بابتسامة متسعة بعدما تعلقت عيناها بالظرف
– ظننت إنك رأيته أمس
تعلقت عينين سليم بسكرتيرته التي حاولت إخراجها, تُخبرها بلغتها الأنجليزية إنها لم تسمح لها بالدلوف ولكن ليندا تمكنت من إزاحتها تنظر نحو سليم الذي وقف مكفر الوجه يُطالع ما بيده يشعر أن العالم كله انحصر أمامه
– ألا تريد أن تعرف من أنا..
اتجهت نظرات سليم نحوها
– ابنة عمك سليم.. , ليندا أحمد النجار
الفصل الخامس والسبعون(1)
*****
انطلقت السيارة في طريقها وقد حاوطتهم حالة من الصمت، إلتفافه خاطفة رمقها بها.. يقسم داخله أن هذا الرجل لم يكن إلا ذلك المغتصب ” حامد الأسيوطي”.
تجمدت عيناه نحو الطريق لا يُصدق أن شكوكه كانت في محلها ولكن كلما كان يقترب من الحقيقة كان كل شئ يتبخر,
بهمس خافت خرج صوتها في تعلثم
– حامد مات
حتى هذه اللحظة لا تستوعب ما سمعته عن خبر وفاته.
مشاعر عدة ا فؤادها تنظر نحوه وهو يقود السيارة دون حديث.
اغمضت عيناها لعلها تخرج من وطأة أفكارها تزفر أنفاسها ببطء.
بضعة ثواني تخلى فيها عقلها عن كل أفكاره ومخاوفه حتى انفلتت شهقتها في صدمة بعدما تذكرت سبب عودتها تنظر لذلك الذي يقود بملامح احتلها الجمود, ف أمير في دائرة الأتهام أيضا, فكيف لها أن تنسى هذا الأمر..
….
اتسعت عينين ليندا في ذهول، لقد تركها وغادر دون حديث رغم صدمته عندما أخبرته من تكون.
للحظات تيبست مكانها ،فهل هذا هو إستقبال عائلتها لها.. طالعتها الواقفة تُشير إليها أن رئيسها قد رحل وغادر مكتبه ولم يهتم بما قذفته من حديث.
تجهمت ملامح ليندا، فكيف له أن يُعاملها هكذا.. لم تكن تتوقع هذا اللقاء.
بخطوات حملت الوعيد غادرت المكان متوعده له داخلها.
….
عيناها تعلقت به بعدما سحبه كاظم معه حتى يقر بأقواله.. فأختفاءه ليلتين أثار الشكوك حوله.
اطرقت خديجة رأسها بعدما شيعته بنظرات طويلة ، فهاهو يدفع ثمن قربها.., فحتى عندما مات حامد مازال شبحه في حياتها
ارتجف جسدها تستمع لصرير إطارات السيارة تُطالع نظرات سليم إليها بعدما ترجل من سيارته.
ارتعشت اهدابها تنظر نحو خطواته التي صارت فاتره، نظراته إليها نبأتها بشئ واحد، شئ لا تتمنى أن تفتح أبوابه بعد مقتل حامد.
توقعت صراخه ولكن أن يحتضنها بتلك القوة يمنحها ما عجز يومًا شقيقتها صفوان عن منحه لها.
انسابت دموعها تطبق فوق جفنيها، ليت صفوان كان أخً حقيقيًا لكان أول من ركضت نحوه, عاشت تحمل سرًا قتلها عمرًا.
لحظات مرت حملت بين طياتها الماضي، سليم وقف قرب الشرفة يطالع ما أمامه في صمت يقبض فوق كفيه بقوة يحترق مع أحرف كلماتها وهي جلست فوق أحد المقاعد تطرق رأسها تُخبره عن ماضي أبى أن يظل مدفونًا.
عشق حامد المرضي لها، اغتصابه لها تلك الليلة بعدما تمكن تخديرها، ذلك الطفل الذي ضمته احشائها من نبتة حرام.. وتوديعها لكل حلم جميل حلمت به
– كان كل حلمي ألبس الفستان الأبيض واتجوز الشاب الحلو اللي كل البنات هتموت عليه ..
ابتسمت بمرارة وهي تتذكر أحلامها الوردية، ورغبتها في الزواج وانجاب الأطفال
– الكل بقى يصقف لخديجة النجار، سيدة أعمال الناجحة.. ميعرفوش إن خديجة النجار عمرها ما تمنت تكون كده
توقفت عن الحديث تنظر إليه وعادت تطرق رأسها
– لما عرفت جوازك من شهيرة.. حسيت إن الماضي رجع يخنقني من تاني رغم مرور السنين..
– ممنعتنيش ليه.. ليه يا خديجة
اقترب منها يجثو فوق ركبتيه يلتقط كفوفها يتحاشا النظر لرؤية الصور التي مازالت موضوعه فوق ساقيها
– كنت بتتجوز جواز متعه، كنت عارفه إنها هتكون زي أي ست مرت في حياتك
تلاقت عيناهم وعادت الأحرف تنحبس بين شفتيها
– بنتك نستني كرهي لعيله الأسيوطي حتى لو بمقدار بسيط.. وجودها خلاني اتقبل عودة شهيرة ليك
– سبتيني اتجوز من اخته يا خديجة.. بنتي من دمهم.. حقيقة عمري ما هقدر أمحيها
انتصب في وقفته فلم يعد للحديث معنى الأن ولكن هناك شئ سيقتص به من شهيرة.. أبنته لن يتركها لها بعد اليوم ولن يكون رجلًا عادلًا متحضرًا ولن يترك شيئًا يحمل اسم عائلة الأسيوطي.
عيناه توهجت بنيران اشتعل داخلهما الحقد يدور حول حاله, يُلقي بنظرة أخيرة نحو تلك الصور القديمة التي تم التقطها منذ سنوات عديدة وصوت واحد اخذ يتردد داخله ولا يعرف كيف تناساه، صوت احداهن تخبره بهويتها، تزعم إنها ابنة عمه..
ارتسمت السخرية فوق شفتيه، فعمه احمد لم يتزوج وقد توفى منذ ما يزيد عن خمسة عشر عامًا..توفى بعد خمس سنوات من قدومه الوطن واستقراره به.. فسنوات دراسته قضاها بالخارج
– أمير يا سليم.. أنا عايزه اروح لأمير.. أمير مقتلش حامد
هتفت بها خديجة بعدما تمالكت حالها والماضي الذي عاد يطرق حصونها بقوة واقتربت منه تتلمس ظهره راجية.
تعالا صراخ أحدى الخادمات بالخارج تهتف بتلك التي تتحرك بالمنزل تتسأل عن مكانهم، تُخبرها إنها فرد من عائلة النجار.. لم تفهم الخادمة لكنتها الأنجليزية.
فاندفعت ليندا نحو غرفة المكتب بعدما أدركت أنهم بالتأكيد داخلها، أسرعت الخادمة خلفها لا تُصدق أن هناك نساء وقحات هكذا.
تحرك مقبض الباب امام نظرات ليندا فتراجعت خطوه للخلف تنتظر رؤية الصدمة ثانية فوق ملامح ابن عمها وعمتها الجميلة خديجة.
انفتح الباب فظهر سليم لها بملامحه الجامدة، فقد أتت منزله من كان يفكر في حديثها منذ لحظات
– أراكم مجتمعين من دوني، أيصح هذا الأمر عمتي
ضاقت عينان خديجة تنظر لها تهتف اسمها الذي تعرفه تماما
– ليندا
اتسعت ابتسامة ليندا تنظر نحو سليم الذي اتجه بنظراته لعمته
– لست ليندا استيفان التي تعرفيها عمتي.. احب أن اعرفك بنفسي, ليندا احمد النجار ابنة شقيقك
….
مضغت فتون طعامها بصعوبة بعدما أصرت السيده صباح عليها.
احاطتها نظرات السيدة صباح بطيبة تُشجعها على تناول طعامها
– أيوة يا حببتي كملي أكلك.. خلي زعلك بعيد عن الأكل
ابتسمت فتون تُكمل بقية طعامها تُقاوم غثيانها, فتعالا رنين هاتفها فتركت معلقتها وهرولت نحو هاتفها تلتقطه من موضعه تحت نظرات السيدة صباح التي شعرت بالحزن من أجلها.
خاب أملها، فلم يكن هو من يُهاتفها بل كانت والدتها السيدة عبلة.
سألتها عن حالها ثم صبت اهتمامها نحو الطفل المنتظر قدومه الذي ثبت أقدام أبنتها في العز وثبت معها قدميهم
– فتون.. دعاء أختك جيلها عريس من ولاد كبارات البلد عندنا.. لازم تجيبي جوزك وتيجي.. الناس بقت واكله وشي كل شوية يسألوني عن جوز بنتي.. أنتِ دلوقتي وضعك اختلف يا بنت بطني
انهت والدتها مكالمتها بعدما أستطردت في حديثها عن وضع الخاطب الذي تقدم لاختها وكم هي سعيدة شقيقتها وقد تركت أمر تعليمها فيكفيها شهادة الثانوية ما دام العريس لديه المال ويُحبها.
اقتربت منها السيدة صباح بعدما تعجبت من وقوفها تنظر نحو هاتفها
– مبلغتيش اهلك ليه يا بنتي إنك سايبه بيت جوزك.. لازم يعرفوا يا فتون
بهمس خافت خرج صوتها متحشرجًا
– محدش هيتقبل ده، سليم بالنسبه ليهم اهم مني..
ربتت السيدة صباح فوق ذراعها بخفة مواسية لها
– بيتهيألك يا بنتي.. أنتِ أغلى عندهم صدقيني
تعلقت عينين فتون بها في تهكم مرير، فوالدتها في نهاية المكالمة أخبرتها إذا لم تستطع القدوم بسبب مشقة السفر عليها.. فيأتي سليم إليهم .. فخطبة شقيقتها لن تتم إلا بوجوده.
تعالت الطرقات فوق سطح الباب، فابتسمت السيدة صباح واتجهت نحوه
– ده اكيد احمس.. مش هيكبر على خبط الباب بالطريقة ديه
….
احتلت الصدمة ملامح خديجة لا تُصدق ما تسمعه من تفاصيل، هي تعلم بحب شقيقها لتلك الفتاة الروسية ولكن والدها رفض علاقته بها لسبب تورط عائلتها بأعمال المافيا
– إيفا! .. أنتِ ابنة إيفا
تمتمت بها خديجة تنظر نحو سليم الذي جلس في صمت يستمع دون حديث كعادته في تلك المواقف ولكن عيناه تعلقت بعمته عندما نطقت باسم احداهن
– نعم أنا ابنة إيفا.. قبل عام لم أكن أعلم بهويتي الحقيقية..
ضاقت عينين سليم يُركز في كنية هذه العائلة، لقد أستمع لذلك الاسم من شهيرة من قبل عندما أخبرته عن علاقة شقيقها حامد برجل تظنه من المافيا
– ظهرتي ليه دلوقتي
ضاقت عينين سليم بشدة وهو يتسأل بعدما ربط الأمور ببعضها، حامد وذلك الرجل كان يربطهم أعمال غير قانونية ..ما فعله حامد الأسيوطي بعمته ظهر بعد مقتله.
اتجهت أنظار ليندا نحوه، ففهمها للغة العربية لم يكن صعبًا لأنها عملت مع العرب وتعاملت معهم كثيرًا وكأنها كانت تشعر بانتمائها لهم
– أحببت أن اتعرف عليكم عن بعد أولًا، كنت بحاجة لأخذ الوقت لاستوعب هويتي الحقيقية
ذكية هي، هكذا تمتم سليم داخله.. فظهورها هذه الأيام وانبعاث الصور التي تخص عمته بالتأكيد كل شئ مدبر
– أنا ابنة احمد النجار بسهولة تستطيعوا التأكد من الأمر
جالت عينين ليندا بينهم مرة أخرى تنتظر أن ترى أي التعبيرات التي سترتسم فوق ملامحهم
سيلم يتفرسها بعينيه وهي على يقين إنه لن يقبل بها بعائلته بسهولة إلا عندما يعلم صدق حديثها، وخديجة كانت تشعر بتسارع دقات قلبها فاليوم كان حافل بالكثير, وخاصة ذلك الذي حتى هذه اللحظة لا تعرف نهاية التحقيق معه.
…..
لم تكن تقصد سماع الحديث الدائر بين ميادة وملك ولكن عندما استمعت لاسمه والتقطت اسمها جذبها الفضول لتسمع حديثهم
– تعرفي أنا فرحانه في حسام عشان قبل ما يتهم حد يتأكد.. شركة خاصة بالتكنولوجيا.. كاميرات المراقبة تكون متعطله..شاطر بس يتهم بسهوله.. كان فاكر بسمة حد عادي لكن لحد دلوقتي سيباه في صدمته بعد ما جسار راحله ودفع فلوس الأجهزة المسروقة رغم إن الحرامي اتعرف
سردت لها ميادة ذلك اللقاء الذي حضرته وكيف وقف حسام مطرق الرأس خاصة وأن جسار كان صديق شقيقه وجمع بينهم صداقه قديمة في الشرطة
– تعرفي يا ملك لو كانت بسمة شافت جسار وهو بيدافع عنها كانت نسيت شوية من قسوته القديمة… بصراحه أنا اتفاجأت من موقفه..
– جسار مش وحش يا ميادة لكن مشكلته الكبر وللأسف اي حد بيدخل حياته لازم يعاني من طباعه شويه..
زفرت ميادة أنفاسها، وقد عاد الحنين بها لذلك الرجل الذي ظن الجميع إنها تخطته
تفهمت ملك صمتها تربت فوق كفها
– حسام واضح بيحب يا ميادة .. اديله فرصه يرمم معاكي وجعك
والإجابة لم تكن تحتاج للتفكير, فاسرعت بالهتاف
– لاء
….
اختلت بنفسها في غرفتها تنظر لهاتفها ومازالت لا تستوعب ما سمعته، هل اتُهمت بسرقة أجهزة الحاسوب من تلك الغرفة التي مكثت فيها ليلتين.
تسارعت أنفاسها وكأنها كانت في سباق تقبض فوق هاتفها بقوة تنظر نحو رجفة يديها، فحتى عندما ابتعدت عن الجميع تتهم في جرم لم تفعله.
بأهداب مرتجفة نظرت نحو رقمه تضغط على زر الأتصال وقد خانتها دموعها .
التقطت عيناه إضاءة هاتفه رغم إنشغاله بالحديث مع ذلك العميل بالأجتماع المغلق إلا إنه نهض في لهفة بعدما التقط هاتفه تحت نظرات سيرين معتذرًا لأهمية مكالمته.
تعلقت عينين سيرين به تتمنى أن تكون لهفته بعيدة عن زوجته لعلا قلبها يطمئن وتكون لها فرصة بعدما تغادر حياته.. فبعدها عن المنزل لا يدل إلا على مشكلة كبيرة قد حدثت بينهم.
توقف جسار في ذلك المكان المخصص لراحة موظفينه يدق هو هذه المرة على رقمها لا يُصدق إنها هاتفته.
لم تنتظر سماع صوته بل أندفعت متسائلة وقد غشت الدموع عينيها
– انا مسرقتش حاجة.. حتى وانا بعيده بيتهموني
تعالت شهقاتها وقبل أن يسألها كيف علمت بالأمر رغم تأكيده على ميادة ألا تقص عليها ما حدث.. أندفعت بالمزيد من الحديث لا تنتظر سماعه
– أنا مش هرجع اسكندرية تاني.. ياريت تطلقني كفاية لحد كده
مقتل حامد الأسيوطي وبعدها مقتل مسعد كل شئ صار مشاع علناً..
إفلاس عائلة الأسيوطي وأخيرًا ظهور تلك الفتاة صاحبة الرابعة والعشرين ربيعًا.
تعلقت نظرات احمس بجنات بعدما اجتمعوا سويًا يُطالعون فتون التي اندمجت مع السيدة صباح وانشغلت في تعلم المشغولات الصوفية تاركة كل شئ خلفها مقررة الابتعاد عن كل شئ يُرهق عقلها،
فاسبوع قضته متلهفة منه اتصالًا جعلها تتأكد من صحة ما رأته من صوره التقطت له مع شهيرة تمسك كفيه باكية في المشفى عندما توفى شقيقها
الكل أشاد بروعته وكيف هو رجل مراعي داعم لطليقته..
– جنات هنفضل سيبنها كده منعزله.. هي فاكره إنه مش مهتم بيها ولا بالطفل وواقف جانب طليقته في مصابها..أنا مش عارف إزاي منتبهتش إن شهيرة اتجوزت
زفرت جنات أنفاسها ببعض الثقل، فتون ترفض سماع أي شئ عن سليم وعما حدث في قضية حامد حتى خبر مقتل مسعد تلقته في صمت
– مش عارفه يا احمس اعمل إيه، سليم سايب ليها القرار.. مستنيها هي ترجع وتكرر هي عايزه إيه
امتقعت ملامح احمس يزفر أنفاسه بقوة
– من أمتى فتون بتعرف تاخد قرار لوحدها.. أنا وأنتِ عارفين فتون كويس.. الاستاذ كان من الاول سابها تكمل طريقها لوحدها مش بعد ما يتجوزها وخلاها ترجع تتعود على وجوده جاي يسبلها القرار
ارتفعت عينين جنات نحو احمس وقد نهض من جوارها يبحث في هاتفه عن صورة تلك الفتاة التي ظهرت لعائلة النجار مؤخرًا
– أنت بتعمل إيه يا احمس
لم يكن صوت جنات هذه المرة خافت بل جذب كلا من مسمع السيدة صباح وفتون
تعلقت عينين فتون بهم وقبل أن تتسأل عما كانوا يتهامسون به, اقترب منها احمس يضع الهاتف أمامها
– بنت عم جوزك، سليم باشا سافر معاها روسيا ..
الفصل الخامس والسبعون (2)
*****
تعلقت نظرات السيده صباح بها بملامح مشفقة بعدما غادرت جنات واتبعها احمس معللًا بوجود أمر هام ينتظره.
صوبت فتون أنظارها نحو القطعة الصوفية الصغيرة التي احاكتها، ولم تشعر بحالها إلا وهي تفك خيوط تلك القطعة وتلقي بها بعيدًا.
ارتعبت نظرات السيدة صباح وقد أصاب الذهول ملامحها؛ فاسرعت نحوها تلتقط ما أمامها من كرات الصوف وسحبتها داخل احضانها تسألها في لهفة
– فتون.. إيه اللي حصلك يا بنتي..
حاله من الصمت انتابتها، فاستمرت السيدة صباح في احتضانها وتراجعت عن أي حديث ارادت نصحها به.
اخترقت أذنيها الكثير من الأصوات تطبق فوق جفنيها بقوة.. قاومت السيدة صباح رغبتها بالحديث ولكن في النهاية أبى لسانها أن يظل صامتًا.
– ليه بتضيعي عمرك يا بنتي عشان تكوني شبههم ، ليه شايفه نفسك ناقصه عنهم.. ليه تعوضي نقصك من شفقتهم عليكي..
انسابت دموع فتون في صمت تنظر نحو كفيها تفركهما بقوة
– حبي نفسك يا فتون.. متستنيش الناس تحب الأول
تلاقت عيناها بعينين السيدة صباح، فهاهي نفس العبارة التي أخبرتها بها السيدة ألفت تخبرها بها
– الإنسان احيانا بيكون بأيده يختار قرار سعادته وتعاسته ..وانا يا بنتي شيفاكي بتختاري طريق تعاستك
” طريق تعاستها”! سيكون من نصيبها لأنها تركت عالم سليم النجار، الكل وسط حديثه يُخبرها عن ذلك النعيم الذي وضعها سليم النجار داخله.
– اوعي تفتكري إني اقصد حياتك مع جوزك عشان هو راجل غني يا بنتي.. لكن أنا شوفت لهفتك على جوزك كل ما كان التليفون بيرن حتى كلام احمس ليكي لقيته وجعك.. ليه بتعملي كده في نفسك ما دام عايزاه
بتعلثم تمتمت بعدما ازدردت لعابها تبتلع تلك المرارة التي علقت بحلقها
– حكايتنا كانت غلط من البداية
امتعضت ملامح السيدة صباح، فعن أي خطأ تتحدث هي وهناك طفلاً صار ينمو بأحشائها
– لو في غلط فهيكون عندك أنتِ يا بنت عبلة
تعلقت عيناها بملامح السيدة صباح وقد أصبحت على النقيض..
زفرت السيدة صباح أنفاسها بقوة، هي لا تريد أن تُسمعها ما يزيدها وجعًا وتخبطًا لكنها الحقيقة حتى لو هتخبرها بها وجهًا لوجه في أكثر لحظاتها إنكسارًا
– في مثل زمان كانوا بيقولوا.. يا بخت من بكاني وبكى عليا ولا ضحكني وضحك الناس عليا..
تهربت نظرات فتون عنها،فالحياة الرغدة كما تُخبرها دومًا والدتها لا تليق بها لأنها تبحث عن الفقر وكأنها تشتاق إليه
– متزعليش مني يا فتون يا بنتِ.. يمكن الكلام بيوجع لكن بيفوق ساعات.. الفرصه مش بتيجي في العمر غير مره.. وربنا عوضك عن كل الأسى اللي عيشتي براجل أي ست تتمناه.. راجل متقبل وضعك وراضي بيكي في حياته وبيحبك
التقطت السيدة صباح كفيها تمسح فوقهم واردفت
– الفقر مش عيب يا بنتِ ولا ظروفك الصعبة والبيئة اللي اتولدتي فيها عيب ولا أهلك وصمة عار في حياتك.. لأن محدش مننا ليه يد في اختيار حياته وأهله لكن لينا الاختيار نكون راضين ومتقبلين نفسنا مش كل شوية عايزين نهرب وشايفين نفسنا الضحية
…..
دلفت جنات الغرفة بأنفاس لاهثة تنظر للحقيبة الموضوعه فوق الفراش وبداخلها أغراضها وأغراضه.
دارت عيناها بالغرفة تبحث عنه حتى وجدته يخرج من المرحاض يُجفف خصلات شعره المبتله
– كاظم الشنطه ديه ليه.. فيها هدومي وهدومك.. إحنا مسافرين
تجاوزها وامضى بخطواته نحو الفراش يُلقي بالمنشفة الصغيرة جانبًا
– هي ديه نص ساعه واكون عندك يا جنات
وقبل أن ينطق بالمزيد من الكلمات المعاتبة التي صارت تحفظها منذ أن أصبح اهتمامها منصب على فتون فقط, أسرعت نحوه
– من أمتى بكون صادقة في مواعيدي يا كاظم
لاحت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة سرعان ما اخفاها يشيح بنظراته بعيدًا عنها.
رمقها بنظرات ضائقة عندما وجدها تقف قبالته تنظر إليه بحاجبين معقودين
– نعم!
تمتم بها منتظرًا أن يفهم سبب نظراتها إليه، فاشارت برأسها نحو الحقيبة الموضوعه فوق الفراش.
التمعت عينين كاظم بمكر مقررًا مراوغتها
– بيتهيألي أنا حطيت كل حاجه ممكن نحتاجها في رحلتنا، لكن شوفي أنتِ هتحتاجي إيه معانا
ضاقت عيناها وقد زادها الأمر فضولًا
– كاظم إحنا بجد رايحين فين وليه فجأة قررت نسافر
تنهد بسأم يرفع كفه ليُدلك عنقه
– محتاج اجازه يا جنات، عايز أبعد عن كل حاجة.. لكن شايف الموضوع صدمك وطبعا هتقوليلي إزاي هسافر واسيب فتون
اطرقت رأسها في صمت؛ فما عساها أن تعفل..
ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت زفراته؛ فابتسمت واقتربت منه ترفع ذراعيها تُحاوط بهما عنقه
– هنسافر الساعه كام وفين يا كاظم
اغمضت عيناها راغبة بالتظاهر بالنوم..
استمعت لخطوات ملك وقد صار لها أمر غفيانها مريبً..؛ فبسمة غافية منذ الظهيرة والأن الساعه تجاوزت العاشرة مساءً
– بسمة
بصوت هامس هتفت بها تدفعها برفق فوق ذراعها
– مش معقول كل ده نوم يا بسمه.. جسار فاكرني بضحك عليه
ارتعشت اهدابها دون أراده منها؛ فضاقت عينين ملك في شك
– أنتِ صاحيه يا بسمه، لا كده أنا بدأت أشك.. نومك الوقت ده كله ليه سبب
حاولت بسمة دس رأسها بالغطاء , لتمسح دموعها العالقة بأهدابها.
انتبهت ملك على فعلتها؛ فاسرعت بالتقاط الغطاء من فوقها تُدقق النظر بملامحها
– في حاجة حصلت يا بسمه بينك وبين جسار وحاجة كبيره كمان.. ده كان ناوي يجي الفيوم النهاردة لولا عنده اجتماع مهم..
– طلبت منه الطلاق يا ملك
هتفت بها بسمه بعدما اعتدلت في رقدتها وعادت دموعها تنساب فوق خديها
– أنا مش عارفه عايزه إيه يا ملك.. قلبي بيوجعني أوي
أدارت رأسها للجهة الأخرى لا تُريد لملك أن تُشاطرها بؤس حياتها، ملك عانت كثيرًا في حياتها.. فما ذنبها لتعيش معها فوضاها وتخبطها
– قلبك وجعك عشان بتحبي يا بسمة، الحب هو الحاجه الوحيدة اللي بيضعفنا وقت ما بنحب ناخد قرار.. لاما تختاري طريق القلب أو تختاري طريق العقل
تعلقت عينين بسمة بها تُخبرها بوجع ما أخبرته به اليوم، تُطالبه أن يمنحها حريتها
– طلبت منه يطلقني يا ملك.. عايزه ابعد عنه.. لكن الكلمة وجعتني أوي وأنا بتخيلها حقيقه في حياتي ..
تعالت شهقاتها ؛ فاجتذبتها ملك تضمها إليها بقوة .. ؛ فهي عاشت مرارة ذلك الأختيار من قبل..
عادت للرجل الذي تزوج شقيقتها, ابن تلك العائلة التي لفظتها من حياتهم..
وقفت حائرة بين أن ترحل بعيدًا عنه أو تسامح وتنال ما كان حقًا لها وتترك كبريائها جانبًا.
“الكبرياء في الحب لا يصلح أحياناً لأنك وحدك من ستتجرع مرارته”
– جسار مش وحش يا بسمه، جسار صعب تفهمي.. ويمكن آن الأوان تفكي شفراته
عادت نظرات بسمة تتعلق بها في ضعف، هي تحتاج دعمها في قرار اللاعودة والبدء من جديد بعيدًا عنه ومنحه أحقية اختيار المرأة التي تناسبه
– بتبصيلي كده ليه.. كنتِ عايزاني ادعمك في قرارك..وانا شايفه حقيقه أنتِ مش قادرة تشوفيها بسبب وجعك منه ومن كل اللي حواليكي
التقطت ملك كفيها تمسح فوقهم تنظر إليها وأضافت
– لو جسار مكنش عايزك في حياته.. كان مجرد مجابك عندي تخطاكي يا بسمة… الفرصه المرادي مبنية صح.. هو عايزك وندمان وأنتِ عايزاه رغم وجعك
اطرقت بسمة رأسها تبتلع مرارة حلقها
– بيعمل كده لأنه حاسس بالذنب
….
التقط كاظم الهاتف منها بعدما هاتفت فتون تُخبرها بسفرتها للغردفة معللة لها أضطرارها لتلك الرحلة التي فاجأها بها
– دلوقتي نقفل التليفونات ومسمعش كلمة عايزه التليفون أكلم حد
طالعته بتوجس تنظر إليه بنظرات حائرة تستحضر أحد الأفلام الأجنبية في ذهنها وسرعان ما كانت تزدرد لعابها.
تعالت قهقهته عاليًا لا يُصدق ما فكرت به
– اركبي يا حببتي العربية وبلاش تفكري وتسألي كتير واعتبري نفسك فعلا مخطوفه
….
غادرت السيدة ألفت المطبخ بعجالة لا تُصدق ما أخبرتها به الخادمة.
تعلقت نظرات فتون بها، ف ابتسمت لها بسعادة لعودتها
– بيتك نورك بوجودك يا بنتي
بيتها، هذا المنزل هو بيتها… هنا أصبحت حياتها حياة مع رجل ادخلها لعالمه راغبًا بها أن تكون زوجته.
– غيبتي مطولتش يا مدام ألفت..
تمتمت بها قبل أن تتقدم بضعة خطوات نحو السيدة ألفت التي ازدادت ابتسامتها اتساعًا
– وده عين العقل يا بنتي
جالت عيناها بالمنزل، فتوترت السيدة ألفت تخشى من سؤالها؛ فكيف لها أن تُخبرها أنه سافر مع تلك التي ظهرت إليهم من عدم
– سليم بيه مسافر يا بنتي مع…
وقبل أن تُكمل السيدة ألفت عبارتها تمتمت
– عارفه بخبر سفره
لم تجد السيدة ألفت ما تقوله؛ فاطرقت رأسها.
صدح بكاء الصغيرة وهي تهبط الدرج تجر دميتها معها وخلفها إحدى الخادمات تهتف بها أن تنتبه حتى لا تسقط.
أسرعت فتون صوبها في لهفة كحال السيدة ألفت التي اقتربت منها وقد ارتسم القلق فوق ملامحها.
تعلقت نظرات الصغيره بفتون ؛ فاسرعت الصغيرة نحوها راجية
– فتون أنا عايزه مامي.. هتاخديني عندها يا فتون
ضمتها فتون إليها بعدما القت الصغيرة بجسدها بين ذراعيها،
بهمس خافت تمتمت السيدة ألفت تُخبرها عما حدث في غيابها، فالامور ازدادت سوءً بعد مقتل السيد حامد شقيق شهيرة وطرد سليم لها من منزله حتى السيدة خديجة انتقلت للمشفى أمس لأن حالة الجنين في خطر وإضطرار رب عملها أن يسافر اليوم روسيا مع تلك الفتاة التي على ما يبدو إنها بالفعل ابنة السيد أحمد النجار.
همست الصغيرة إليها بخفوت وازداد تشبثها بها
– هتاخدني عند مامي يا فتون
– هاخدك يا حببتي بكره
ابتعدت عنها الصغيرة تنظر إليها في لهفة تمسح تلك الدموع العالقة بأهدابها
– بجد
حركة لها السيدة ألفت برأسها حتى لا تعطيها وعدًا، فأوامر رب عملها صارمة.. شهيرة لا تأتي لهنا ولا تذهب خديجة إليها
– بجد يا خديجة
احتضنتها خديجة في سعادة وابتعدت عنها قليلًا لتُقبل خديها قبل أن تعود لأحضانهاثانية.
تعلقت نظرات السيده ألفت بها، فلن تستطيع الوفاء بوعدها.
صعدت معها الصغيرة لأعلى, تأمل أن يأتي الصباح سريعًا وتذهب لوالدتها.
…
دفنت شهيرة رأسها أسفل الوسادة بعدما أضاء ماهر نور الغرفة واقتربت منها بصنية الطعام التي تعود بها الخادمة مرارًا دون أن تُمس.
جلس جهتها متنهدًا
– هتفضلي كده من غير أكل، متعودتش أشوف شهيرة الأسيوطي ضعيفه
فتحت عيناها تُحدق به، ترسم فوق شفتيها ابتسامة ساخرة
– شهيرة الأسيوطي مبقتش موجوده خلاص وياريت تبطل تبعت خدمك بالأكل لأني مش هاكل
احتدت ملامح ماهر ينظر إليها عندما قذفت بصنية الطعام بعيدًا عنها.
عيناها علقت بفعلتها؛ فانهارت بالبكاء..
– عايزين مني.. أخدتوا مني كل حاجة..حتى بنتي
القت بكل ما استطاعت يديها أن تلتقطه تحت نظراته التي صارت جامدة
فاق على ركوضها نحو السكين الملقاه أرضًا وقد وضعتها الخادمة بجوار اطباق الطعام
– شهيرة
اسرع نحوها يلتقط ذراعها لا يصدق إنها كانت ستقتل نفسها
– أبعد عني خليني اموت.. أنا مش عايزة أعيش
خارت بجسدها أسفل قدميه.. فاطبق فوق جفنيه بقوة
– أتجوزتني عشان تشوفني وانا بالمنظر ده قدامك.. تحت رجلك.. مبسوط يا ماهر باشا.. شوفتني وأنا بصرخ من القهر
تعلقت عيناه بها يقاوم رجفة قلبه نحوها.. هرب بعينيه بعيدًا عنها يسحب خطواته بصعوبه من أمامها
– رجعلي بنتي يا ماهر.. رجعهالي منه أرجوك
التقطت أحد ساقيه ترفع عيناها نحوه, تُطالعه برجاء أن يأتي لها بأبنتها
لم يتحمل رؤيتها ذليلة أمامه هكذا ودون أرادة منه جثا على ركبتيه يمدّ كفيه يمسح دموعها
– حاضر يا شهيرة.. لو هترجعي قوية زي الاول صدقيني هعمل المستحيل عشان ترجع تعيش معاكي
التمعت عيناها بنظرة لم يظن إنها ستخصه بها يوماً، نظرة امتنان حملت معها مشاعر عدة.
اماء لها برأسه مؤكدًا بوعده لها، يرفعها من فوق أرضية الغرفة.
أنفه غاصت برائحتها، رائحة أمرأة تمنى طويلا أن تكون له ،
التفت برأسها نحوه تُريده أن يعيد عليها وعده في عودة طفلتها لأحضانها بعدما صار سليم حاقدًا عليها بعد معرفته بجرم شقيقها في حق عمته.
الصقها به بعدما حاولت الابتعاد عنه والسير بمفردها وبصوت رخيم همس وقد عرفت شفتيه طريقها
– بعد كل السنين ديه يا شهيرة بقيتي حقيقة قدامي وملكي
التقط شفتيها يأسرها بين ذراعيه يسير بها نحو الفراش، ومن اجل عودة صغيرتها عليها أن تدفع المقابل..
…..
توقف جسار بسيارته وقد ضاقت عيناه في دهشة من تقاطع تلك السيارة طريقه..
كل شئ صار في لمح البصر..
خروجه من سيارته..، ثم التفاف أربعة رجال حوله لا يعرف من أين أتوا؟
جفاها النوم تلتقط هاتفها من جوارها تضغط على زر تشغيله..
رسائل عدة كانت منه وجميعها عتاب وغضب يُخبرها فيها أنه لن يُطلقها سيأتي بالغد ليأخذها.
تعلقت عيناها بأخر رسالة مبعوثه منه كانت منذ ثلاث ساعات وقد أرسل إليها فيها مقطع من غنوة ما.. يتمنى لو تسمعها وتشاركه سماعها.
أسرعت بالبحث عن تلك الغنوة حتى وجدتها؛ فاغمضت عيناها تسمعها لمرات ..؛ فتعالت دقات قلبها عاليًا وانسابت دموعها..
توقفت الغنوة وصدح رنين هاتفها برقم السيدة سعادة
دقات قلبها تسارعت ، تشعر بشئ سئ قد حدث

