الحصان
على مدى سنوات طويلة كان حصان جميل مصاب بإصابة خطيرة يتعرض لإساءات يومية دون أن يفعل أحد شيئا لمساعدته. كانت نظراته قد فقدت بريقها إلى أن جاء يوم تقاطع فيه طريقه مع طفل فقير. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر بكثير من مجرد فعل شفقة عابر. ما فعله الطفل لم يدهش الجميع فحسب بل كان بداية قصة ستجعل القشعريرة تسري في جسدك.
هيا أيها الحيوان القذر تحرك!
صرخ أحد العمال وهو يجر الحصان بحبل مربوط بإهمال حول عنقه.
تعثر الحصان. لم تستطع ساقه الأمامية أن تحمل وزنه. سقط على جانبه فارتفعت سحابة من الغبار. لم يصهل لم يئن بل تنفس بصعوبة وكأن الألم نفسه يتطلب منه جهدا إضافيا. كان باقي العمال يشاهدون المشهد بلا اكتراث. لم يقترب أحد. بعضهم كان يضحك تحت الشمس وآخرون يشربون الماء دون أن يلتفتوا. بالنسبة لهم لم يعد ذلك الحيوان حصانا بل أصبح كتلة عديمة الفائدة عبئا مهملا في وسط الحظيرة.
قال أحد العمال وهو يرمي قشرة برتقال على ظهره
كل ما يعرفه هذا هو إضاعة المكان.
لم يتحرك الحصان. لم تحرك أذنه حتى. منذ أن أصيب في حادث أثناء نقل الخشب لم يعد صالحا لشيء. لم يهتم أحد بعلاجه. لم يعتن به أحد. لم يحبه أحد. كان دون روكي صاحب المزرعة يراقب المشهد من كرسيه تحت سقيفة المستودع يمضغ تبغا رخيصا بلا مبالاة. قال ببرود
اتركوه هناك سيموت وحده. من الذي سينفق المال على عديم الفائدة
انفجرت الضحكات من حوله.
كان الحصان ممددا على الأرض خطمه مغروسا في التراب وجانبه يعلو ويهبط بصعوبة. لم ينظر إليه أحد بعين احترام إلى أن فعلت ذلك عينان صغيرتان من خلف المخزن.
كان ألف في الحادية عشرة من عمره يحمل دلوا فارغا بين يديه. لم يكن عاملا ولا سيدا. كان يعمل مقابل الطعام له ولجدته. ينام على فراش بال قرب قن الدجاج ولا يكلمه أحد إلا ليعطيه أوامر.
في ذلك اليوم عندما رأى الحصان يسقط شعر بعقدة حادة في معدته. ترك الدلو ملقى على الأرض واستغل انشغال الجميع وعبر الحظيرة حتى وصل إلى الحيوان. حرك الحصان رأسه قليلا عندما سمع خطواته. لم تكن لديه القوة حتى ليخاف.
قال ألف بصوت خافت
مرحبا.
أخرج من جيبه قطعة خبز يابسة كان قد ادخرها لوقت لاحق. كسرها إلى نصفين ووضع أحدهما قرب فم الحصان.
لا أعرف إن كنت ما زلت جائعا لكنه كل ما أملك.
كان الحصان يتنفس بصعوبة. كانت ساقه متورمة وبها جرح مفتوح لم ينظف ولم يعالج. جثا ألف على الأرض وراح يراقبه بصمت. لم يقل شيئا آخر. لم يقدم وعودا. فقط بقي هناك إلى جانبه إلى أن دوت صيحات العمال.
اخرج من هنا أيها الوغد!
قفز ألف واقفا وركض دون أن يلتفت خلفه. اختبأ بين براميل الماء وانتظر حتى يتأكد أن لا أحد يتبعه. كان قلبه يخفق بقوة لا خوفا بل غضبا غضبا لم يعرفه من قبل.
في تلك الليلة حين كان الجميع نائمين عاد إلى الحظيرة يحمل مصباحا مكسورا ووعاء فيه ماء. اقترب دون أن يحدث صوتا. كان الحصان ما يزال ممددا هناك وعيناه مفتوحتان.
همس له ألف
لم أنسك اسمي ألف. تقول جدتي إن كل كائن حي يحتاج أن ينظر إليه أحد بعطف ولو مرة واحدة.
حرك الحصان أذنه بخفة. وضع ألف الماء قربه ثم مسح الجرح قليلا بكم قميصه وبدأ يحدثه عن أشياء بسيطة عن جدته وعن الذرة التي جمعها وعن البرد الذي يجعل قدميه تؤلمانه.
وحين انتهى بقي جالسا إلى جانبه.
لم ينم بل ظل مستيقظا حتى صاح الديك. وقبل أن يطلع الفجر اختفى من جديد.
لكن تلك الرابطة غير المرئية بعد للآخرين كانت قد بدأت تتكون ولم يكن شيء قادرا على إيقافها.
ألف! هل انتهيت من الماء أم يجب أن أفعل ذلك أنا أيضا
صرخ المشرف من الجهة الأخرى للمستودع.
خرج الصبي راكضا والدلو نصف ممتلئ يتخبط في الوحل. لم يجب بل أنكس رأسه.
وكما في كل مرة لم يكن أحد ينتظر منه إجابة.
كان ألف ذلك الصبي النحيل الذي ينام في الزوايا ولا يظهر إلا حين يكون هناك ما يجب حمله أو كنسه أو أمر ينفذ.
هذا الصغير أبطأ من بغلة عجوز تمتم أحد العمال.
لم يدافع عنه أحد ولم يحيه أحد.
ولو اختفى يوما لما لاحظوا سوى أن دلوا واحدا لم يعد يستعمل.
منذ أن ماتت أمه بالحمى وبقيت جدته بعين واحدة شبه عمياء كان ألف يعيش بتقديم خدماته في المزرعة. كانوا يمنحونه بقايا الطعام ويتركون له ركنا ينام فيه.
لم يدفعوا له أجرا قط لكنه لم يشتك يوما.
بعد أن سلم الدلو توجه إلى المطبخ. ألقت الطباخة إليه عظما مجردا داخل منديل دون أن تنظر إليه. شكرها بصوت خافت ثم خرج.
جلس في ظل شجرة قرب الحظيرة. أكل بصمت مسندا ظهره إلى جذع يابس. ومن هناك كان يرى الحصان.
كان ما يزال ممددا لكن رأسه كان مرفوعا الآن. كان ينظر إلى الأفق كأنه ينتظر شيئا.
شعر ألف بحرارة غريبة في صدره. لم يكن يعرف إن كانت جوعا أم حزنا أم غضبا لكنها كانت عميقة.
ومن بعيد أدار الحصان رأسه. تلاقت نظراتهما. لم تدم سوى لحظة لكنها كانت كافية.
في فترة ما بعد الظهر بينما كان ألف يحمل أكياس الذرة إلى المستودع سمع ضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.
ذلك لا يصلح حتى ليكون ظلا.
إنه قطعة أثاث لها أرجل.
انظر كيف يجر ساقه.
شد ألف قبضتيه لكنه لم ينطق. كان يعرف كيف يعمل عالم الكبار. لو فتح فمه لطرد.
عندما غربت الشمس انتظر حتى دخل الجميع إلى المباني. تأكد أن لا أحد يراه ثم توجه إلى المكان الصغير حيث تنام جدته كوخ خلف الإسطبل.
كانت جالسة على كرسي خشبي تحيك في الظلام.
قالت
هل ذهبت إلى الحقل اليوم يا ألف
قال
نعم يا جدتي. أعطوني حساء ظهرا وعظما بعد ذلك.
ابتسمت دون أن تتوقف عن الحياكة
هذا أكثر مما كان بالأمس.
اقترب منها ولمس يدها. ثم قال بتردد
جدتي هل تعتقدين أن الحيوانات تفهم حين نكلمها
أجابت بهدوء
نعم بالطبع. ليس بعقولها بل بأرواحها.
صمت ألف ثم قبل خدها وخرج.
كان الليل قد حل حين عاد إلى الحظيرة. كان الحصان هناك بدا وكأنه نائم. اقترب ألف على أطراف أصابعه. هذه المرة لم يحمل خبزا ولا ماء جاء فقط ليكون حاضرا.
همس
لم تضحك عندما رأيتني وهذا يكفيني.
أدار الحصان رأسه ببطء. كانت عيناه مفتوحتين وفيهما شيء جديد. ليس بريقا ولا قوة بل انتباه.
جلس ألف إلى جانبه وقال
هناك من يقول إنني عبء كما يقولون عنك.
أخرج من جيبه حصاة ملساء كان قد وجدها في الحقل قبل أسابيع. كانت الشيء الوحيد الذي يملكه حقا. وضعها قرب الساق المصابة وقال
احتفظ بها إن اختفيت يوما.
ثم أسند رأسه إلى جسد الحصان الدافئ. لم ينم لكنه استراح.
وعندما صاح الديك اعتدل في جلسته. كان الحصان ينظر إليه دون حركة. مسح ألف عنقه براحة يده. لم يبتعد الحصان.
همس
أنت أيضا لا أحد لك.
كانت تلك أول لمسة. ولم يرها أحد. لكنها كانت أثمن من أي كلام.
حل الصباح مغبرا كعادته. كان العمال قد استيقظوا منذ وقت مبكر يصرخون ويدفعون ويقودون الحيوانات بعنف. كان ألف يتحرك بينهم بعينين متورمتين من السهر يحمل كيسا من الذرة على كتفيه لكن انتباهه لم يكن هناك.
في كل مرة تسنح له الفرصة كان يلتفت نحو الحظيرة. هناك كان الحصان ممددا كما في كل يوم لكنه بدا مختلفا. لم يعد غارقا في اللامبالاة.
حين مر ألف بمحاذاة السياج رفع الحصان رأسه وراحت عيناه تبحثان عنه وسط الحركة.
لم يصدر صوتا لم يصهل فقط نظر إليه.
شعر ألف بشيء يخفق في صدره. لم يكن خوفا بل اعترافا.
لم يكن يستطيع التوقف فأنزل الكيس في المخزن وحمل آخر ثم مر من جديد. تكررت النظرة. لم تعد مصادفة بل صلة صامتة وثابتة.
أسرع أيها الصغير! صرخ أحد العمال.
أنكس ألف رأسه ومضى لكن شيئا ما كان قد اشتعل داخله.
طوال اليوم كان يبحث عن لحظات يعود فيها إلى الحظيرة. عند الظهيرة تظاهر بأنه ذاهب لجلب الماء وحمل معه قطعة قماش مبللة. انحنى قرب الحصان ونظف الجرح دون أن يتكلم. لم يئن الحصان بل كان يراقبه بانتباه وكأن تلك اليدين الصغيرتين أكثر أمانا من كل الأيدي التي لمسته من قبل.
قال ألف وهو يزيل الطين اليابس عن جبينه
أنا أفهمك أنا أيضا أشعر أنني مكسور.
لم يكن ذلك شعرا بل حقيقة.
لم يكن لألف أب. ماتت أمه منذ عامين. وكانت جدته بالكاد تستطيع المشي. توقف عن البكاء حين فهم أن لا أحد سيأتي لينقذه. تعلم أن يتحرك بصمت وألا يشغل حيزا مثل الحصان.
في تلك الظهيرة بينما كان الآخرون نائمين في الإسطبلات بقي ألف قرب الحصان دون أن يلمسه. كانا يتقاسمان الوقت فقط. كانت أذنا الحصان تتحركان مع حركة الريح وأحيانا كان يدير رأسه وينظر إليه. لم يكن هناك حاجة لشيء آخر.
قال ألف بصوت منخفض
هناك أناس يتكلمون كثيرا لكنهم لا يقولون شيئا وأنت لا تقول شيئا ومع ذلك أفهمك.
أغلق الحصان عينيه للحظة. ابتسم ألف. كانت تلك النظرة الصامتة كأنها جواب. وكأن أحدا ما رآه أخيرا كما هو.
عندما بدأت خطوات العمال تسمع من جديد نهض ألف.
قال
هل يجب أن أذهب
فتح الحصان عينيه وحرك رأسه قليلا كأنه يريد منعه. توقف ألف ثم قال
سأعود كلما استطعت سأعود.
وفعل.
في كل يوم خلال الفراغات غير المرئية من عمله كان يعود. أحيانا ومعه خبز يابس أحيانا كلمة وأحيانا مجرد حضوره. وفي كل مرة كان الحصان يستقبله بالنظرة نفسها مزيج من حذر انهزم وحاجة صامتة.
في إحدى الأمسيات بينما كان العمال الآخرون يحملون الحطب تمكن ألف من البقاء وقتا أطول. جلس إلى جانب الحصان وبدأ يحكي له عن أمه كيف كانت وعن طبخ جدته وعن حلمه بأن يملك دراجة يوما ما حتى وإن لم يكن يعرف كيف يركبها.
كان يتحدث ببطء كأن الكلمات ماء لا يريد أن يسكبه. لم يتحرك الحصان لكنه كان ينفخ أنفاسا خفيفة بين الحين والآخر كأنه يرد.
ثم حدث شيء مختلف.
مد ألف يده ووضعها على عنق الحصان دون ضغط. كان اللمس دافئا. لم يبتعد الحصان لم يرتجف بل بقي ساكنا. شعر ألف بعقدة في حلقه.
قال
شكرا لأنك لا تخاف مني.
وعندما غادر في ذلك اليوم ظل الحصان يتبعه بنظره حتى اختفى خلف المخزن.
ولم يتبادلا كلمة واحدة لكن ما قالته أعينهما كان أقوى من أي وعد.
في تلك الصباح هبت الرياح بقوة وارتفع الغبار الجاف واضطر العمال إلى تغطية أعينهم بأذرعهم. كان ألف يحمل كيسا من الشوفان على ظهره يمشي بصعوبة والغبار يدخل فمه وأنفه لكنه لم يشتك. كان يفكر في شيء واحد فقط هل الحصان بخير
كان قد قضى الليل يحلم به. لا كلمات ولا مشاهد واضحة بل إحساسات تنفسه دفء عنقه الطريقة التي ينظر بها إليه كأنه يستطيع أن يودع لديه ثقل ألمه.
استيقظ ألف وهو يشعر برغبة في أن يفعل شيئا أكثر.
عندما أنهى جولته توجه مباشرة إلى المطبخ ومن دون أن يستأذن أخذ قطعة خبز يابس كانت على الطاولة أخفاها تحت قميصه وخرج من الباب الخلفي.
ركض نحو الحظيرة وهو يلهث. كان الحصان هناك كما في كل يوم ممددا قرب السياج. كان رأسه منخفضا لكنه ما إن سمع الخطوات حتى رفعه. أضاءت عيناه بذلك الوميض الصغير الذي تعلم ألف أن يميزه.
قال الصبي وهو ينحني
أحضرت لك شيئا.
أخرج الخبز وقسمه بعناية إلى نصفين. وضع أحدهما قرب فم الحصان واحتفظ بالآخر في جيبه.
قال
اليوم لم آكل شيئا لا يهم. أنت بحاجة إليه أكثر.
شم الحصان الخبز ثم أخذه وبدأ يمضغه ببطء. كان ألف يراقبه وكأنه معجزة.
همس
تقول جدتي إن الخبز يقاسم مع من يصغي إليك وأنت تصغي حتى من دون كلام.
وبينما كان الحصان يأكل لاحظ ألف أمرا لم ينتبه له من قبل. كان الجرح أسوأ. الجلد ممزق والصديد يحيط به وحوافه محمرة. تصاعدت رائحة حادة من اللحم.
همس بفزع
آه لا.
نظر الحصان نحوه بنفس متضايق لكنه لم يتحرك. التفت ألف حوله. لم يكن هناك أحد.
ركض إلى المستودع أحضر دلوا من الماء وخرقة قذرة وعاد مسرعا. جثا وبدأ ينظف الجرح بحذر شديد. تحول الماء إلى لون أحمر فورا.
قال وهو يبلل الخرقة مرارا
أعدك أنني لن أؤذيك.
كان الجرح عميقا مفتوحا كشق في الأرض وعالقة به بقايا قش. شعر ألف بالغثيان لكنه لم يتوقف. عمل بصمت وبعناية لم يظهرها أي بالغ للحصان من قبل.
قال وهو يواصل التنظيف بلطف
كانت أمي تعالجني هكذا عندما كنت أجرح ركبتي كانت تقول إن الحنان يشفي أسرع من الكحول.
تنفس الحصان بقوة لكنه لم يبتعد. كان ساكنا كأنه يفهم أن الصبي لا يريد إيذاءه.
عندما انتهى جلس ألف إلى جانبه وحدق فيه طويلا.
قال
أنت مليء بالجراح لكنك لا تخاف أو ربما تخاف لكنك لا تظهر ذلك. أنت قوي.
أخرج نصف الخبز الآخر من جيبه وقدمه له في راحة يده. هذه المرة أخذه الحصان مباشرة من بين أصابعه.
قال ألف هامسا
هكذا تبدأ الثقة أليس كذلك
بدأت الشمس تميل نحو الغروب حين سمع أصواتا من بعيد. نهض الصبي فجأة رمى الخرقة في الدلو وابتعد راكضا خلف المخزن. لم يكن يمكن أن يرى. لو اكتشفوه لطردوه أو أسوأ من ذلك قد يؤذون الحصان.
من خلف الأكياس راقب المشهد. كان الحصان يتبعه بنظره رغم أن أحدا غيره لم ينتبه لذلك. كان في معدته خبز وفي جسده ماء وجرحه أنظف قليلا لكن الأهم كان في عينيه.
كان هناك أمل.
شد ألف شفتيه وأقسم في سره أنه سيعود كل يوم مهما اضطر للاختباء ومهما عوقب لأنه بات يعرف الآن
لم يكن الوحيد الذي يحمل جراحا.
وإذا كان هذا الحصان قادرا على تحمل ألمه بكرامة فسيفعل هو أيضا ذلك من أجله ذاك الذي كان من دون كلمة واحدة يعلمه كيف يصمد.
حل الليل ببرودة تسللت عبر الجدران الخشبية وجمدت العظام. تقرب ألف من جدته التي كانت نائمة تحت بطانية رقيقة تتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يستطع النوم. كان يشعر أن شيئا ما يناديه.
نهض ببطء من دون صوت وأخذ مصباحه القديم المرتجف. كانت الريح تجر الأوراق اليابسة في فناء المزرعة. مشى حافي القدمين بخطوات خفيفة
متجنبا البرك والأغصان المكسورة.
عندما وصل إلى الحظيرة كان الليل حالكا. لا قمر فقط الصمت وصوت تنفس الحصان الهادئ. كان هناك كعادته مستلقيا على جانبه الأقل ألما. بدا جسده الكبير أكثر هشاشة في الظلام.
اقترب ألف وجلس إلى جانبه.
لم يقل شيئا.
فتح الحصان عينيه ونظر إليه.
قال ألف هامسا
لم أستطع النوم ظللت أفكر إن كنت أنت أيضا لا تستطيع.
أغمض الحصان عينيه ببطء كأنه يفهم. وضع ألف المصباح جانبا واستلقى على الأرض رأسه قرب عنق الحيوان. بقيا هكذا طويلا يتقاسمان الهواء والحضور.
قال الصبي بصوت منخفض
صرخوا علي اليوم مرة أخرى لأنني لم أحمل الدلو بسرعة. دفعوني لكنني لم أجب. إن رد الإنسان يصبح الأمر أسوأ.
كان تنفس الحصان بطيئا منتظما. جسده يعلو ويهبط بهدوء.
قال ألف
أنت أيضا يصرخون عليك ويضربونك حين لا تفعل ما يريدون.
لم يكن هناك جواب. لم يكن ضروريا.
اعتدل ألف قليلا ونظر إلى وجه الحصان. كانت عيناه الكبيرتان اللامعتان تحدق فيه بشيء لا يشبه الخوف. كان أشبه بالاعتراف بأنه في تلك اللحظة ليس وحده.
مد ألف يده المرتجفة. تردد. أبقاها معلقة في الهواء لحظة طويلة كأن الزمن توقف.
ثم بحركة بطيئة رقيقة وضعها على عنق الحصان. كان الجلد دافئا خشنا حيا. لم يتحرك الحصان لم ينفخ لم يرتجف.
حبس ألف أنفاسه. انزلقت أصابعه برفق فوق الوبر كأنه يلمس شيئا مقدسا. كانت لمسة قصيرة بطيئة مرتبكة لكنها صادقة.
همس
كانت أمي تقول إن الإنسان حين يلمس بقلبه يشعر الآخر بذلك حتى لو لم يقل شيئا.
أغلق الحصان عينيه. بدا وكأنه نام.
بقي ألف ساكنا ويده ما تزال على عنقه كأن ذلك اللمس كان يبقيه هو أيضا واقفا.
قال بصوت مرتجف في آخره
سأعتني بك لا أعرف كيف. لا أملك شيئا لكنني سأعتني بك.
لم يكن الارتجاف خوفا ولا حزنا بل قوة شعور لم يعرفه من قبل. شيء جديد. ارتباط حقيقي.
بعد وقت طويل سحب ألف يده برفق. لم يفتح الحصان عينيه كان قد غرق في النوم. تمدد الصبي إلى جانبه من جديد.
لم يكن البرد مهما ولا الظلام ولا التعب. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم يشعر أليف بأنه غير مرئي. للمرة الأولى أدرك أن لوجوده قيمة وأنهحتى وإن كان صغيرا متسخا صامتا وفقيرايمكن أن يعني شيئا لأحد. غلبه النوم في مكانه ووجهه مسنود إلى ظهر الحصان الدافئ ومعه وعد خفي برابطة لا يمكن كسرها بعد الآن. وحين شق أول شعاع للشمس السماء كانا لا يزالان هناك يتنفسان الإيقاع نفسه.
سعال خفيف. وتلك المداعبة البسيطة الصامتة كانت قد غيرت إلى الأبد موقع كل منهما في هذا العالم. كان صياح الديكة قد خمد حين فتح أليف عينيه. ظل ممددا إلى جوار الحصان ووجهه ملتصق بظهر الحيوان الدافئ وجسده متيبسا من برد التراب. كان الحصان لا يزال نائما أو على الأقل لم يتحرك. أنفاسه عميقة هادئة. نهض أليف ببطء محاولا ألا يوقظه. لقد نام سلاما لم يعرفه منذ كانت أمه حية والآن صار يخشى أن يفقد ذلك السلام.
وقف ينفض الغبار عن ثيابه وألقى نظرة أخيرة على الحصان قبل أن يركض عائدا إلى الكوخ. كانت جدته لا تزال نائمة جالسة على الكرسي ورأسها مائل وبطانية على ساقيها. قبل أليف جبهتها وعدل الشال عليها ثم خرج في صمت. كانت الشمس قد ارتفعت والمزرعة تغلي بالحركة. العمال يصرخون بالأوامر
والمراقب يستحث المتباطئين ودخان الموقد أخذ يرتفع حلزونيا من جهة المطبخ.
كان أليف يعلم أنه لا ينبغي أن يترك أثرا. سره هش. إن اكتشفه أحد فلن يعرض نفسه للضرب فقط بل سيفقد أيضا الشيء الوحيد الجيد الذي حدث له منذ سنين. عاد إلى عمله كأن شيئا لم يكن. جمع الأدوات حمل الأحمال أطاع الأوامر دون أن يرفع عينيه. ظل غير ملحوظ كما كان دائما لكن ذهنه كان في مكان آخر في الحظيرة في جرح الحصان في لمسة الليلة الماضية. وحين حان وقت الغداء تسلل إلى المخزن ومعه خبز يابس وكوب من مرق بارد.
جلس فوق برميل مخبوء بين أكياس الذرة وأكل على عجل. ثم تناول قطعة قماش نظيفة وزجاجة فيها قليل من ماء كان قد أخفاها في اليوم السابق. قال لنفسه بصوت خافت لا يمكنني أن أترك الأمر يزداد سوءا. وباستغلال كون الجميع يستريحون ركض نحو الحظيرة. كان الحصان قد نهض رغم أن ساقه المصابة لا تزال ترتجف. وحين رأى أليف حرك أذنيه وأطلق نفخة خفيفة تكاد تكون تحية. قال الطفل وهو يقترب ببطء مرحبا يا رعد.
كان قد سماه بالفعل وإن لم يكن أحد سواه يعلم رعد. لا لأنه صاخب بل لأنه كان يشعر أنه في يوم ما حين يمر كل شيء سيعود ليدوي في الأرض كما كان من قبل. تركه الحصان يقترب بلا خوف. نظف أليف الجرح بحذر بمهارة أكبر من اليوم السابق. كان يتعلم سريعا. وكل يوم يمر بجوار رعد كان يجعله أقوى وأكثر عزيمة. همس أنت تسمح لي أن أعتني بك هذا يعني أنك تثق بي أليس كذلك رمش الحصان بعينيه.
ابتسم أليف لكن ذلك السلام انكسر فجأة. ماذا تفعل هناك أيها الصغير دوى صوت المراقب من خلف السياج. استدار أليف فورا وقلبه في حلقه. كان الرجل ينظر إليه وذراعاه مطويتان وعبوسه شديد. قال أليف متلعثما لا شيء يا سيدي كنت فقط فقاطعه المراقب وهو يقترب أتريد أن تضيع الوقت مع دابة عرجاء ألم يعلموك أن الحيوانات المكسورة ترمى نهض أليف واقفا وهو يخفي قطعة القماش خلف ظهره.
قال بصوت بالكاد يسمع إنه ليس مكسورا إنه بحاجة إلى مساعدة فقط. أطلق المراقب ضحكة جافة وانحنى نحوه وانتزع القماش من يده. صرخ في المرة القادمة أرسلك لتنام في الخارج بلا طعام! لم يرد أليف. لم يبك. اكتفى بخفض نظره. مضى المراقب يتمتم بالشتائم فعاد الطفل ينظر إلى الحصان. كان رعد لا يزال ساكنا لكن عينيه لم تكونا فارغتين. شعر أليف أنه ينظر إليه بشيء يتجاوز الفضول.
كأنه يفهم. في ذلك المساء لم يستطع الطفل العودة إلى الحظيرة. راقبوه عن قرب. أجبروه على تنظيف الإسطبلات ثم حمل الحطب. انتهى ويداه متشققتان وقدماه متسختان وجسده مرهق لكن روحه لم تنكسر. وحين دخل الليل وعاد الصمت إلى المزرعة تسلل أليف مرة أخرى. مشى ببطء بلا ضوء حتى بلغ الحظيرة. كان رعد مضطجعا لكنه ما إن سمعه حتى رفع رأسه. همس الطفل آسف لأنني لم آت قبل.
وأضاف بصوت خفيض اكتشفوني يا رعد لكن لا يهم لن أتركك. جلس إلى جواره وأخذ يربت عليه ببطء. أغمض الحصان عينيه. قال أليف أهو سرنا ثم أجاب نفسه وكأنه يثبت الأمر نعم. لا أحد غيرنا يعرف. ولا ينبغي لأحد أن يعرف. أسند رأسه إلى صدر الحيوان ولليلة الثانية على التوالي غلبه النوم. وفي مكان ما من المزرعة كان المراقب يراقبه من بعيد دون أن يلحظ الطفل وفي تلك اللحظةدون أن يدريبدأ سر أليف يتهدده الخطر.
شق صفير حاد للمراقب الصباح كأنه سوط غير مرئي. توقف العمال جميعا عما يفعلون وركضوا إلى وسط الساحة. وصل أليف في آخرهم يلهث وفي يده مجرفة وقلبه قلق. كان يعلم أن شيئا ما ليس على ما يرام. أحس بذلك منذ استيقظ ولم يجد رعدا في موضعه المعتاد. كان دون روكي بقبعته المتسخة وملامحه العابسة الدائمة واقفا في الوسط وإلى جواره رجل نحيل يرتدي قميصا أبيض وحذاء جلديا لامعا.
لم يكن عاملا ولا من أهل القرية. كانت عيناه تجولان في المزرعة بتعال كأنه يقدر قيمة كل شيء دون أن يسأل. قال دون روكي معلنا هذا هو المشتري. سيأخذ بعض الحيوانات إنه يعرف ما يريد. لم يتكلم الرجل اكتفى بإيماءة ثم سار نحو الحظائر. تبعه أليف من حيث لا يراه أحد بخطوات حذرة وحلقه جاف وعقدة تتضخم في معدته. توقف الغريب أمام آخر سياج.
هناك وحده مربوطا إلى وتد كان رعد. نظر الحصان إليه من طرف عينه دون أن يتحرك كأنه يعرف ما سيأتي. قال الرجل مشيرا بإصبعه ليس هذا إنه نحيل جدا وأعرج. هز دون روكي كتفيه بلا اكتراث خذه مجانا. خذه للحم أو لما تريد لم يعد ينفع بشيء. شعر أليف كأن العالم ينهار فوقه. تقدم خطوة مدفوعا بشيء أقوى من الخوف.
صرخ لا! فالتفت الجميع إليه. ساد صمت ثقيل غير مريح. صاح أحدهم ومن أعطاك إذنا لتتكلم يا صعلوك كان دون روكي يحدق في الطفل لكن أليف لم يتراجع. قال يمكنه أن يتحسن لم يضع. انفجرت ضحكات العمال كالرعد. رفع المشتري حاجبا في فضول هذا الصغير يدافع عن حصان أعرج! قال دون روكي بصوت قاس لا أدري ماذا علموك لكن هنا الحيوانات إما أن تنفع وإما أن تؤخذ. هذا عبء ولن نخسر المال بسبب نزواتك.
خفض أليف نظره لكنه لم يتراجع خطوة. نظر إلى رعد. كان الحصان لا يزال هناك ساكنا لا يفهم تماما ما يحدث لكنه يرفع رأسه بشموخ. كان في هيئته في صمته شيء يتكلم أعلى من أي كلمة. همس أليف هو أنقذني. ثم قال لن أتركه وحده. نفخ دون روكي بضيق والتفت إلى المشتري خذه إن شئت وإلا نذبحه غدا. شعر أليف أن الهواء يهرب من صدره.
ارتجت كلمة الذبح في أذنيه كحكم نهائي. قال مذعورا لا لا تقتلوه! أمسكه المراقب من ذراعه وجذبه بعنف بعيدا كفى! لن تقرر أنت ما الذي يفعل بالحيوانات. أفلت الطفل نفسه بقوة. كانت عيناه تلمعان غضبا ويأسا معا. قال دون تفكير أنا أتحمل مسؤوليته. سأعتني به وأطعمه لن يكلف شيئا. أنا سأفعل. ضحك المشتري وهو يهز رأسه لكننا لسنا في رواية هذا عمل وتجارة.
رفع دون روكي يده فقط إشارة إلى إنهاء الكلام. غدا في أول ساعة. وتفرق الجمع كأن شيئا لم يحدث. عاد العمال إلى أعمالهم. اتجه المشتري نحو المدخل. وألقى المراقب نظرة أخيرة على أليف وبصق على الأرض وقال أتلعب بالنار يا فتى وحين ابتعد الجميع ركض أليف إلى الحظيرة. كان رعد لا يزال هناك. ترتجف ساقه والغبار يعلو ظهره لكن عينيه لم تنكسرا. كان ينظر إليه كما يفعل دائما كأن أليف وحده موجود.
همس أليف وهو يقبض على قضبان السياج لن يأخذوك لن يمسوك. أمال الحصان رأسه. اقترب أليف واحتضنه من عنقه ودس وجهه في شعره الخشن. شعر بحرارة الحيوان على خده وللمرة الأولى منذ زمن طويل انحدرت دمعة. قال أقسم لك لن أسمح لهم أن يؤذوك. في تلك الليلة لم ينم الطفل. بقي قرب الحظيرة مختبئا بين الأكياس ساهرا يراقب.
كلما أغمض عينيه رأى الرجل صاحب الحذاء اللامع والحبل والشاحنة وعادت العقدة نفسها تخنقه. كان رعد صديقه وسره وعزاءه والآن عليه أن يقاتل من أجله ولو كان وحده ولو لم يصدقه أحد ولو كلفه ذلك كل شيء. جاء الصباح التالي صامتا كأن المزرعة حبست أنفاسها بعد إعلان الأمس. استيقظ أليف مثقلا بالنعاس لكن العقدة في معدته لم تدعه يعود للنوم.
فكر في رعد منذ أول رمشة. دون تردد ارتدى ثيابه بأسرع ما يستطيع. في جيبه قطعة خبز يابس وزجاجة ماء زاده الوحيد لذلك اليوم. اقترب من موضع المراقب بخطوات مترددة. كان الرجل واقفا وذراعاه مطويتان يراقب العمال وهم ينظفون الساحة. ابتلع أليف ريقه ووقف أمامه رافعا نظره بشجاعة لا يمنحها إلا الأمل.
قال بصوت مرتجف سيدي أرجوك لا تأخذ رعدا إلى المسلخ. يمكنه أن يتحسن. لوى المراقب فمه وضحك ضحكة جافة وماذا تعرف أنت عن الخيل أيها الجاهل زمجر وهو يدفعه بكتفه اذهب لشأنك. تراجع أليف ويده ترتجف على الخبز. حاول أن يتنفس بهدوء لكن صدره كان يحترق قهرا. شعر بضغط في صدره يشبه ما كان يشعر به حين يتذكر أمه وهي تهدهده قبل الفجر وتحكي له قصص الصيادين والدروب السرية.
في تلك الأيام كان يعتقد أن العالم طيب حتى تعلم أن يصمت. قرر حينئذ أن يبحث عن دون روكي. وجده جالسا على كرسيه القديم يشرب جرعة من العرق بينما يتفحص أوراقا. وضع أليف يده على كتفه. رفع دون روكي رأسه ببطء. قال أليف متوسلا هل يمكن أن تعيد النظر بشأن رعد أنا سأعتني به وأطعمه وأعالجه لن يكلف شيئا. قل لي ما الذي تحتاجه وسأفعله. نظر إليه صاحب المزرعة بازدراء وأبعد يده بلا رحمة.
قال ببرود يا أليف ليس لدي وقت لنزوات الأطفال. هذا الحصان مستبعد. شعر الطفل بطعنة اللامبالاة كخنجر. عاد إليه فراغ أمه وغياب أبيه وألم جدته العمياء عاد كل شيء دفعة واحدة. ومع ذلك اشتعلت نار صغيرة في أحشائه. قال بصوت مكسور لكنه أنقذني من وحدتي إن فقدته فمن سيبقى لي نهض دون روكي ومشى نحو الباب الرئيسي متجاهلا إياه.
بقي أليف وحده قرب الأوراق يشعر أن العالم يدور حول شخص لا يفهم صلته بالحيوان. سار في الساحة يبحث عن عامل يلتفت إليه لكن العمال كانوا يتهامسون ضاحكين ويواصلون أعمالهم. بعضهم ابتعد حين رآه يقترب وبعضهم تظاهر بأنه لا يسمعه أو لوح بازدراء. هذا الولد مجنون يظن أنه سينقذ حصانا لا يكاد يقوم! فليلتزم شأنه وإلا أرسلناه لينام في الخارج! لم تمنحه أي من الأصوات عزاء.
شعر بأنه غير مرئي أكثر من أي وقت مضى. سرت قشعريرة في ظهره حين تخيل رعدا محاطا بالسكاكين. أغمض عينيه وتذكر وجه أمه الرحيم ولمعان عينيها حين كانت ترى مهرا بريا في جبال قريتهم. جلس على جذع شجرة يابسة ورأسه بين يديه. كان الخبز اليابس لا يزال في جيبه كما هو. أخرج قطعة منه وأمسكها يراقب الفتات وهو يتساقط على التراب.
تمتم باكيا دون أن تفيض دمعة على الأقل أنت تسمعني أنت الوحيد الذي يفهمني. عاد إلى الحظيرة عند الظهيرة متخفيا كي لا يرى. كان رعد واقفا يحمل ثقله على ساقه السليمة. وحين رأى أليف أدار رأسه واقترب بخطوة بطيئة لكنها ثابتة. أخرج الطفل الخبز وقدمه له. شم الحصان القطعة ثم أخذها بحذر ومضغها ببطء. مسح أليف يده على خطمه يلاطفه.
كانت الإيماءة صغيرة مجرد



