رواية قوية من8-13
الفصل الثامن:
يديه مكبلة خلف ظهره ، شفتيه تنزف بدماءٍ جافة يححبها ذلك الشريط الذي أطبق علي ثغره ، وجهه مكدوم يغلب عليه اللون البنفسجي و خصلاته المشعثة ، رأسه عائدة إلى الوراء مغمضاً عيناه بإرهاق ، دلف “ظافر” بخطوات بطيئة يتلاعب بأعصابه ممسك بلُفافة تبغ ينفث داخنها بنظرة ثاقبة ، أطرق بأصبعيه ليلقي ذلك الرجل ذو الطول الضخم بدلوٍ ماء بارد على جسد ذلك الملقي ، شهق “سالم” بحدة وقد تجمدت عيناه بفزع على “ظافر” ، نظر له “ظافر” بقتامة جعلت فرائصه ترتعد ، أرتجف جسده بالكامل و هو يلصق ظهره بالكُرسي و بنبرة راجية مرتجفة قال :
– يا ظافر باشا أرجوك .. صدقني مكنتش أعرف ان ملاذ تخصك !!!! و آآآه !!!!
لكم “ظافر” فكه بقوة جعلته يتآوه ألماً ، سال خيط رفيع على ذقنه ليبصق “سالم” دماً ، نظر له “ظافر” بعيناه الحادة ، شد على خصلات “سالم” للخلف حتى كاد أن يقتلعهما من جذورهما ، حدقتيه تطلق شراراً مصوباً تجاه ليسترسل بفكٍ مشتنج :
– أسمها ملاذ هانم يا زباله ، و إياك تجيب سيرتها على لسانك ال*** دة تاني ..
نزل ببصره ليحل عقدة كفيّ ذلك الأخير ، ضغط عليهما “سالم” يفركهما بألم ، نظر له “ظافر” بقتامة و هو يُردف بنبرة سوداوية :
– فين أيدك اللي أتمدت عليها .!! اليمين ولا الشمال !!!!
أحتضن “سالم” كفيه إلى صدره يقول برجاء باكٍ :
– خلاص يا باشا و حياة أغلى حاجة عندك !! غلطة و مش هتتكر أنا أسف !!!! ، أبوس رجلك !!!
نظر له “ظافر” بتقزز ليمسك بتلابيبه يربت عليهم بهدوء ثلجي :
– مـ أنت لو مقولتليش دلوقتي يا حيلة أمك هكسرلك الأتنين و أستعوض ربنا فيهم بقا !!!!
نظر “سالم” له ، يعلم أنه لا يمزح و لن يتراجع عن كسر يداه بل و تأديبه لما فعل ، أرتجفت يداه اليُمنى و هي تمتد إلى ظافر” ، أمسكها”ظافر” وبلمح البصر كان يلويهما بقوة جعلت “سالم” يُقسم أنه سمع أحتكاك أضلُعه ببعضهما البعض ، صرخ”سالم” بكل ما أوتى من قوة و الألم الذي يشعر به بكفه لا يُحتمل ، حاول إبعاد يده ولكنه كان كالحجر المتصلب بجنون ، عيناه جامدتان على هيئة “سالم” المذرية ، كلما يتذكر أنه كان يعتليها و هي كالجثة الجامدة يصفعها بعنف يريد أن يقتلع قلبه من محله، طفلته الذي لا يطيق بها نسمة الهواء ، يرتجف قلبه عند إصابتها بالأذي ، غُشيّ على عيناه .. أصبح لا يرى شئ و هو يركل “سالم” بقدميه بمعدته ، أفرغ “سالم” ما بجوفه و هو ينوح بترجي أنها غلطة لن تتكرر ، و كيف أن تتكرر من الأساس ! ،تعالَ صراخ “ظافر” و هو لم يكف عن ركله بأبشع الطرق ، دلف “صلاح” متمتماً بتوجس وعيناه مسلطة على جثة “سالم” الهامدة :
– هيمو.ت في إيدك يا باشا !!!!
ركله “ظافر” للمرة الاخيرة جعلت جسده ينتفض على الأرضية الباردة ، مسح “ظافر” على وجهه بعنف بصدرٍ بعلو ويهبط ، يكاد نفسه ينقطع من فرط مجهوده ، و عيناه المشتعلتان التي حكت عما بداخلها ، أشار بسبابته إلى “صلاح” يقول بصوتٍ لاهث منقطع :
– مش عايزه يمو.ت !!! لسة حسابي معاه مخلصش !!!!!
• • • •
أنتفض جسدها بقوة عندما جرّها “مازن” إلى خارج السيارة جاذباً إياها من ساعدها ، نظرت حولها لتجد نفسها بمنطقة نائية شبه صحراوية ، نظرت للمبنى المخيف التي ستدلف له إجباراً ، كادت أن تتعركل بصخرة صغيرة و هي تحاول موازنة خطواتها ، حاولت إبعاد ذراعها عن كفه الغليظ ولكنه كان كالجبل لا يتزحزح ، فاضت عيناها بالدموع التي لهبت وجنتيها ، دلفا للمصعد ليضغط “مازن” على رقم الطابق الذي يقطن به ، حاولت “فريدة” كتم شهقة كادت أن تنفلت منها مطبقة جفونها بقوة عندنا شعرت بنظراته المشتعلة تكاد تحرقها ، أقترب منها “مازن” بخطوات بطيئة يتفرس ملامح وجهها ، وثب أمامها تماماً يحاصرها بذراعيه المفتولتين ، يراقب شفتيها التي غُرست بها أسنانها عندما شعرت بأنفاسه الحارقة تضرب وجهها بقوة ، حركتها جعلت الدماء تفور بأوردته ، ل يقترب أكثر قابضاً على خصرها ملصقها به ، أنتفضت “فريدة” و هي تضع كفيها على صدره تحاول إبعاده ، كانت كمن أشعلت فتيل قلبه عندما وضعت يداها الصغيرة بتلك الطريقة ، أمتدت أنامله ليضع خصلة ثائرة سقطت على وجهها خلف أذنها ، أقترب بدوره من أذنها ليهمس بفحيح كالأفعى جعلت دموعها تنهال على وجنتيها :
– مو.تك النهاردة يا فريدة .. صدقيني أنتِ بقيتي في جحيم مش هتطلعي منه !!!!!
حبست أنفاسها داخل رئتيها ليقشعر بدنها من قربه لها بذلك الشكل و هي و لأول مرة يقترب منها رجل بتلك الطريقة ، رفعت أنظارها لقامته الطويلة تنظر إلى عيناه القاتمة التي بعثت الخوف في نفسها ، حمدت ربها عندما وصل المصعد للطابق المنشود ، لا .. لا تريد الولوج لتلك الشقة الباردة ، قدميها ثُبتت بالأرض مانعة إياها من الدلوف ، كادت أن تسقط أرضاً عندما دفعها “مازن” للداخل صافعاً باب الشقة بحدة ، أعتدلت بوقفتها ناظرة له بحقد صارخة به بجنون :
– أنت حيوان !!!!
ألتوى ثغره بإبتسامة خبيثة و هو يفك أزرار قميصه متمتماً بمكرٍ خبيث و عينان جائعتان :
– أنا هوريكي الحيوان بيعمل أيه !!!
أرتدت إلى الخلف و هي تراه ينزع قميصه مظهراً صدره الصلب ، لا وقت للتفكير ، ركضت إلى الداخل مسرعاً ليركض “مازن” خلفها و بثوانٍ معدودة كان يجذبها من خصلاتها بقوة حتى كاد أن يقتلعهما ، صرخت “فريدة” بألم تحاول نزع كفه عن خصلاتها ناظرة له برجاء حار و هي تقول ببكاءٍ مزق قلبها :
– عشان خاطر ربنا سيبني !!! متعملش كدا يا مازن بالله عليك ..!!!
لا يعلم لما رق قلبه عندما رأى حالتها ، و لكن لن يهدأ إلا عندما يحقق أنتقامه منها ، هي من تحدته وصفعته بجرأة و وقفت بوجهه ، جذبها من خصلاتها وسط صرخاتها ليدلفا إلى غرفة يُطغى عليها اللون الأسود كسواد قلبه ، صفعها “مازن” بقوة لتسقط “فريدة” على الفراش تبكي بحُرقة و هي تشعر بتشنج فكها ، زحفت إلى الخلف تبعد جسدها عن مرمى يداه التي أمتدت لها ، تضم ساقيها إلى صدرها تُنفي برأسها بقوة و هي تسترسل بأنفاس منقطعة وعبرات لاهثة تترجاه بعينان ممتلئتان بالدموع :
– متعملش فيا كدا أرجوك ، أقتلني أضربني بس متدبحنيش بالطريقة دي يا مازن .. خد حق القلم اللي ضربتهولك عشرة .. أنا موافقة ، بس بلاش تعمل كدا فيا !!!!
لانت ملامحه ليكور كفيه بقوة مانعاً ذلك الشعور من التوغل بداخله ، مغمضاً عيناه حتى لا يرى دموعها التي تجعل قلبه يرتجف داخل أضلاعه ، ألتفت يوليها ظهره ماسحاً على وجهه بعنف ، لا يستطيع .. لا يستطيع أن يقترب منها ، يشعر بوخزٍ حاد في قلبه لصوت بكاءها الذي يتردد في أذنه ، هو كان يريد إذلالها و لكن لمَ يشعر أن تلك لم تكن رغبته بالبداية ، جل ما أراده أن يُكسر أنفها و لكن قلبه يؤلمه على حالها ، ألتفت لها يطالع حدقتيها البندقية المتوجسة و جسدها الذي يرتجف ، وضع قناع القسوة مجدداً ليقترب منها سانداً بذراعيه على ظهر الفراش ليصبح وجهه قبالة وجهها ، ظنت “فريدة” أنه لن يتراجع عما ينويه لتنفجر في بكاء حارق مزق قلبه تمزيقاً ، أخفت وجهها داخل كفيها كالطفلة الخائفة من عقاب مدير مدرستها القاسي ، نظر “مازن” للجانب يلعن قلبه الذي يبكي بدلاً منها و هو للأول مرة يخالجه ذلك الشعور المتضارب كأمواج البحر ، جلس أمامها ليبعد كفيها عن وجهها ، منع نفسه بصعوبة من النظر إلى عيناه الدامعتان ، يكاد يجزم أنه لو نظر لهما سيقع صريع سحرهما ، أدار وجهها للجانب يطالع وجنتها الملتهبة و جانب شفتيها النازفة أثر صفعته العنيفه ، مسح تلك الدماء بإصبعه مانعاً نفسه بكل ما أوتي من قوة حتى لا ينقض على شفتيها ، نظرت له “فريدة” بغرابة عندما نهض مبتعداً عنها متمتماً بنبرة قاسية :
– حسابي معاكي مخلصش !!! انا هسيبك دلوقتي بمزاجي .. دلوقتي بس !!!!
أبتهج وجهها كثيراً وكأنه حَكم عليها بالأفراج ، أستكانت قليلاً عندما خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه ، وضعت كفها على صدرها تطمئن قلبها بأنه أبتعد و أخيراً ، نهضت عن الفراش بخطواتٍ واهنه بطيئة ، أنتفضت بقوة عندما وجدته يدلف مجدداً ، ألتصقت بالحائط خلفها تتمنى لو أن يبتلعها ذلك الحائط بداخله ، أتجه “مازن” إلى الخزانه ليُخرج ملابس نسائية تُظهر أكثر مما تخفي ، القى به على “فريدة” التي ألتقطهما ، نظرت لهما لتشهق بحدة و هي تقول بفزع :
– اللبس دة مستحيل ألبسه .. أنت .. أنت أكيد بتهزر !!!!
نظر لها بدهشة أخفاها سريعاً أسفل ملامحه الجامدة و هو يُردف بفتور :
– لـيه ؟!!!
أردَفت هي بدهشة مماثلة :
– ليه !!! دة عريان أوي !!! وبعدين أنا متأكدة أن واحدة تانية لبسته قبلي .. انا هقعد بلبسي مش هغيره ..
أقترب منها يجز على أسنانه بحدة ، أنكمشت “فريدة” على نفسها تطالع عيناه المظلمتان التي هبطت لما ترتديه من بنطال من الخامة الجينز تعلوه كنزة بيضاء قصيرة ، و بلمح البصر كان يمزق كنزتها الخفيفة ، جحظت “فريدة” بقوة و هي لم تستوعب بعد ما فعله ، ضمت تلك ملابسها تنظر له بعدم أستيعاب !!!!
– كدة بقى للأسف معندكيش حاجة تلبسيها غير اللي في إيدك .. يا أما تلبسيه يا أما تفضلي من غير هدوم خالص ، و أنا بصراحة عاجبني الخيار التاني !!!!!
نظرت له بإشمئزاز تجلي في معالم وجهها و هي تتمتم بتقزز :
– مشوفتش أو** منك !!!!
– و أنا مشوفتش أرخص مِنك !!!!
قالها بإستفزاز ليخرج من الغرفة بعجرفة ، أنهالت الدموع على وجنتيها بضعفٍ تمنع نفسها من البكاء ، أتجهت نحو الخزانة تحاول إيجاد شئ يكُن أكثر سُتراً من هذا ، و لكنها لم تجد سوى قُمصانه العبِقة برائحته التي تمقتها !!! ، ألتقطت أحد قمصانه باللون الأبيض الزاهي أرتدته سريعاً تغلق أزراره بتعجل ، فردت خصلاتها الحريرية على كتفيها و هي تهمس بتحدٍ :
– ماشي يا مازن يا بن الهلالي !!!
خرجت من الغرفة سريعاً تتفحص تلك الشقة المشؤمة و التي يغلب عليها طابع راقي ، لم تجده بالشقة لتسمع صوت مكابح سيارته تتحرك ، أتجهت نحو النافذة سريعاً تنظر له بكُرهٍ عميق و هي تتمتم :
– روح إللهي مـ ترجع يا أخي !!!
نظرت لقميصه التي ترتديه بقرف و رائحة عطره التي ألتصقت بها تكاد تخنقها !!!
جحظت عيناها بقوة لتذهب نحو باب الشقة و كما توقعت وجدته موصد بالمفتاح ، لعنت على حظها العاثر الذي اوقعها بطريقه ..
• • • •
وصل أمام المشفى بعد أن بدل ملابسه التي تلطخت بدماء”سالم” ، ترجل من السيارة ليدلف إلى المشفى بهيبته المعهودة ، قطب حاجبيه و تصنم مكانه عندما وجد “براءة” شقيقة “ملاذ” تخرج من غرفتها و جوارها “فتحية” علِم “ظافر” سريعاً من الأبتسامة الخبيثة التي أرتسمت على شفتيها ، أنقبض قلبه من أن تكون قد فعلت إلى “ملاذ” شيئاً ، حدقت به “براءة” بوقاحة ممتزجة بإعجاب ، كم هو رجولي المظهر و شخصيته الفريدة من نوعها وعيناه الجذابة أيضاً ، تمنت لو أن تحصل عليه و يبقى ملكها .. هي وحدها ، نظر لها “ظافر” بجمود و كأنه يقرأ أفكار و يعلم بما تنتويه ، نظر لها بفتور قائلاً :
– كُنتِ بتعملي أيه عند ملاذ !!!!
قطبت “براءة” حاجبيها من أهتمامه الزائد بشقيقتها و هي تردد بحدة :
– و أنت مالك بـ “ملاذ” !!! “ملاذ” أختي أنا !!!
تمتم “ظافر” بسُخرية لاذعة ، و هو يضع يده في جيبه :
– أختك ؟!!! طب كويس والله أنك عارفة أن ملاذ أختك مش عدوتك !!!
نظرت له “براءة” و الكره بقلبها يزداد أكثر نحو “ملاذ” ، أكمل “ظافر” و هو يُردف بثقة ليجعلها تبتعد عن تلك الأفكار التي تدور بخلدها :
– و أحب أقولك أني هتكتب كتابي على ملاذ بكرة .. و طبعاً انتِ معزومة !!!
تخشبت ملامحها عكس “فتحية” التي أطلقت الكثير من الزغاريد مما جذب أنظار المتواجدين بالمشفى متهكمين على ما تفعله ، باركت إلى “ظافر” بحرارة و هي تقول :
– يا ألف مبروك يا ظافر بيه و الله أنت وملاذ حبيبتي لايقين على بعض أوي ، بس ملاذ أزاي متقوليش يابني .. أقولك أنا من بكرة هاجيلكم عشان أقف جنب ملاذ ..
أبتسم لها “ظافر” أبتسامة بسيطة و هو يؤكد على حضورها غداً ، و كأن بحديثها ذلك صبت النيران على البنزين لتشتعل “براءة” و هي تكور يداها بقوة ، ضغطت على ذلك الزر الملحق بالمقعد لتسير به بحدقتي أشبه بالبراكين التي إن أنفحرت ستؤذي كل من حولها !!!
ذهبت “فتحية” وراءها سريعاً تخشى أن تفعل بنفسها شيئاً ما ، دلف “ظافر” إلى غرفة “ملاذ” ليجدها تجلس على الفراش شاردة بالفراغ ، ترتدي بنطال من الجينز ملتصق بها برشاقة ، و كنزة باللون الأحمر الدموي ترفع خصلاتها على هيئة ذيل حصان ، لتسقط بعض الخصلات الثائرة على وجهها ، لم تنتبه لوجوده ليتيقن أن تلك الفتاة و التي من المفترض شقيقتها أزعجتها مجدداً ، شرد قليلاٌ بها ينتهز فرصة أنها لم تلاحظه ، بدايةّ بـ خصلاتها المموجة بنعومة والمسترسلة على ظهرها ، و حدقتيها البندقية الواسعة ، أنفها الحاد المستقيم و شفتيها الجميلتان ، و تلك الشامة التي تعتلى ثغرها و أيضاً طبع الحسن المنغرز بذقنها ، يداها التي تعقدهما و أناملها التي تفركهما ، وبلا وعي منه همس بنبرة متحشرجة :
– مـلاذ !!!!
رفعت “ملاذ” أنظارها بفزع لتثب متمتمه بدهشة :
– ظافر !!! أنت جيت أمتى أنا مخدتش بالي خالص ..
أفاق “ظافر” ليلملم شتات نفسه مستعيداً جمود عيناه و هو يقول :
– لسة جاي دلوقتي ، جاهزة عشان نمشي ؟!!
رفعت “ملاذ” حاجبيها بغرابة قائلة :
– نمشي !!! فين ؟!!
– هروّحك بيتك يا “ملاذ” عشان تجهزي لأن بكرة كتب كتابنا !!!!
جحظت “ملاذ” بقوة و هي تصيح :
– نــعــم !!!!! كتب كتاب مين !!!!
أبتسم بدوره و هو يقول متفرساً تعابير وجهها العفوية :
– كتب كتابنا يا ملاذ !!!!
– أنت بتهزر صح ؟!!!
قالت بتفاجأ لتكمل بعدم أستيعاب :
– لاء يا ظافر مش بُكرة أنا لسة عندي حاجات كتير أعملها ، أنا حتى لسة هتفق مع عماد عشان ننهي الخطوبة الـ fake دي !!!
أظلمت عيناه الزيتونية ليقترب منها مزمجراً بنبرة حاول أن يجعلها هادئة :
– مش قولتلك قبل كدا متجيبيش سيرة راجل على لسانك ، و بعدين أول مـ كتابنا هيتكتب عماد مش هيبقى ليه ظهور في حياتك أصلاً !!!
أنزوى ما بين حاجبيها و هي تقول بإعتراض تام :
– مستحيل عماد دراعي اليمين في شغلنا و أنا بثق فيه جداً !!!
أغمض عيناه بأنفعال ليفتحهما مجدداً قائلاٌ بإيجاز :
– هنبقى نشوف الموضوع دة بعدين !!!!
نظرت له “ملاذ” بتوتر و هي تقول بخفوت :
– ظافر دة جواز .. و أنا لسة مش عارفاك أوي و أنت متعرفنيش كمان ..!!!
أقترب منها “ظافر” لحدٍ خطير و هو لا يستيطع التحكم بنفسه ، نظرت “ملاذ” داخل عيناه و أنفاسه الساخنة تضرب وجهها ، وجدت يداه تمتد إلى خصلاتها تزيحها عن وجهها ، أغمضت عيناها تتنفس بصدرٍ مهتاج ، وصل إلى مسامعها همسه الخافت و هو يتمتم :
– لاء أنتِ عارفاني .. من لما كان عندك 5 سنين و كنتي بتعيطي عشان تطلعي من الأوضة اللي أبويا كان حابسك فيها ، يمكن متفتكريش بس المهم أني عارفك ، و عارفك كويس أوي يا ملاذ يمكن أكتر منك أنتِ نفسك ، عارف أن من وأنتِ صغيرة عنيدة ودماغك ناشفة ، مش بتسيبي حقك مهما حصل ، ذكية و قوية ومحدش يهزمك ، عارف كمان أن أكتر لون بتحبيه الأحمر ، و التاريخ اللي عدى عليكي و مستحيل تنسيه لما باباكي و مامتك .. أتوفوا ، عارف أنك بتحبي أختك جداً ومش بطيقي أن حاجة وحشة تحصلها ، عارف أنك عندك حرق كبير في رجلك الشمال بس مش عارف من أيه ، عارف أنك عصبية جداً .. و عارف أنك لما بتشوفي طفل صغير بتبقي طفلة زيه بالظبط ، عارف أن في حاجات جواكي مكتومة مش عايزة تطلعيها ، و أنك مش بتحبي أبداً تبكي قدام حد .. عارف أن في خراب جواكي بس مش بتظهري دة .. عارف أنك هشة جداً من جوا مع أنك من برا تباني أقوى بنت في الدنيا ، مهما حصلك دايماً بتبهريني بإبتسامتك وقوتك ، عشان كدا عجبتيني .. أنا عارف عنك حاجات كتير أوي يا ملاذ !!!
أغمضت عيناها بقوة .. لا لن تبكي .. لن تسمح لتلك الدمعة من الفرور خارج عيناها ، هو حقاً يعلم عنها كل شئ ، يعلم أدق تفاصيلها بل ويفهمها جيداً لأول مرة يُخبرها شخص بأنه يعلم أنها تمثل تلك الهالة القوية التي تحيط بها ، دائماً ما يندهشوا بالمظاهر لا يعلموا ما بداخلها ، لا يعلموا ان قلبها يتمزق من الداخل ، يتلقى صدماتٍ تجعله يدمي ، لا تصدق أنها حاولت أن تؤذيه .. بل وتفننت بذلك رُغم ذلك الحنان الذي يعاملها به ، طعنته بظهره لأجل شقيقتها التي لم تُحبها يوماً ، تعلم أنه سيتألم عندما يعلم بحقيقتها ، سيتألم عندما يعلم أنه وضع ثقته بإنسانه خائنة لا تستحق الحب من أي شخص ، لا تستحق شئ من تلك الحياة سوى الألم فقط ، راقب “ظافر” تعابير وجهها عن كثب ، أحاط بكفيها ليرفعهما إلى فمه مقبلاً إياها قائلاً بحنو لها فقط :
– أنتِ كويسة ؟!!
فتحت “ملاذ” عيناها المبتلة بالدموع التي علقت بأهدابها ، وقع قلبه أرضاً و هو يحاوط وجنتيها مردفاً بهلع :
– مالك ياملاذ ؟!!!
أندفعت “ملاذ” لترتمي بأحضانه بقوة ، تفاجأ “ظافر” و لكنه حاوط خصرها بذراع والأخر مسح على شعرها بحنوٍ مفرط ، شعر بإرتجاف جسدها بين يداه يعلم أنها تكتم بكائها بصعوبة ، تمتم بدوره قائلاً بحزن على حالها و هو يُزيد من أحتضانها :
– عيطي يا حبيبتي .. متكتميش في نفسك كدا .. عيطي !!!
كلماته كانت كالقشة التي قسمت ظهر البعير ، أنفجرت “ملاذ” في البكاء بحُرقة و هي تشدد على خصره ، تبكي و تبكي بقوة عما يخالج صدرها ، بكائها و ألمها أعمق من وصفه بمجرد الكلمات ، جل ما أستطيع قوله أنها كانت تبكي من داخل صميم قلبها لأول مرة ، أغمض “ظافر” عيناه بقلبٍ منفطر على حالها ، يمسد على خصلاتها و كأنها طفلته الصغيرة ، لتتشبث هي بقميصه أكثر و أكثر تقول بجسدٍ ينتفض بين الحين والأخر و عبرات متقطعة :
– أنا تعبت .. مبقتش قادرة أستحمل ، كل حاجة ضدي حتى أختي بتكرهني و بتتمنى مو..تي ، أنا وحشة للدرجة دي .. مستاهلش الحب أوي كدا !!!
أبعدها عن أحضانه بعنف طفيف ممسك كتفيها و هو ينهرها بحدة :
– متحبيش سيرة المو.ت على لسانك بعد الشر عليكي ، و أختك دي بني آدمة مريضة مش طبيعية ..!!!
نظرت له بألم شديد أحتل عيناها و هي تهمس بخفوت متقطع :
– أنت كمان هتكرهني زيها .. محدش هيفضل بيحبني .. أنا زي الوباء اللي كله بيبعد عنه ، كله بيقرب مني عشان مصلحته بس ، أنت كمان هتكرهني زيها يا ظافر !!!!
أغمض عيناه بألم ليحاوط وجنتيها مجدداً سانداً جبهته على جبهتها و أنفه يداعب أنفها هامساً :
– حتى لو كُنتي وباء .. مش هبعد عنك .. حتى لو همرض بيكي !!!!! مستحيل هبعد عنك أو أكرهك .. في حد عاقل يكرهك يا ملاذ !!! صدقيني أنتِ تستاهلي أن كل اللي حواليكي يحبوكي .. مش عشان أختك مش بتحبك يبقى كلنا مش بنحبك ، أنا جنبك ومش هسيبك أبداً ..!!!!
كم أحتاجت لتلك الكلمات التي كانت كالبلسم على قلبها ، تشبثت بياقة قميصه و وجهها لايزال مستنداً على وجهه هامسة بنبرة مهتزة :
– أنا أسفة .. أسفة أوي على اللي عملته .. سامحني يا ظافر أنا غبية صدقني !!!! غبية أوي !!!!
قبّل “ظافر” أرنبة أنفها قبل أن يبتعد قائلاً بتساؤل :
– أسامحك على أيه ؟!!
لم تجاوبه ، أندفعت متشبثة بعنقه تقف على أطراف أصابعها لتصل لطوله تسند وجهها على كتفه ، و فجأة شعر “ظافر” بتراخي جسده بين يداه ليعلم أنها فقدت الوعي ، تمسك بها جيداً ليضع يده أسفل ركبتيها و الأخرى على ظهرها يحملها بين يداه ، تشبثت “ملاذ” بعنقه بعفوية ليخرج من المشفى بأكملها ..
• • • •
دلف “باسل” الغرفة غير مصدقاً ما سمعه تواً ، ضغط على الهاتف الممسك به بقوة ، فُرغت عيناه من معاني الحياة عندما رآها مرتدية قميصه الأبيض الذي وصل إلى اعلى ركبتيها ، تنظر له بغرابة و هي تتجه نحوه محاوطة وجنتيه بكفيها الرقيقتان قائلة بقلق :
– مالك يا باسل ..؟ في حاجة ؟!!!
أمسك بكفيها ينزعهما ببطئ ينظر لها ببرودٍ أخافها ، لأول مرة ينظر لها بفراغ هكذا ، توجس قلبها و هي تتمتم :
– مالك ؟!! أنا ضايقتك في حاجة طيب ؟!!!
– لـيـه عملتي كدا !!!!
هتف مسطرداً بهدوءٍ ما قبل العاصفة ، لم تفهم “رهف” ما قاله ، همت بالرد لتجده يمسك بكتفيها بقوة ينهرها بعنف صارخاً بها :
– مـ تـردي يا هــانـم !!!!!
نظرت له بصدمة لتنظر إلى أظافره المنغرسة بذراعيها ، رفعت أنظارها له بجمود لتنزع ذراعيها من أسفل كفيه تفركهما بهدوء ، تفاجأ “باسل” بردة فعلها لتشتعل عيناه مطلقة جمرات من النار ، ثبَتت أنظارها عليه لتسترسل بنبرة فاترة :
– لما تبقى تسألني هجاوبك ..
ذهب “باسل” من أمامها ليجلب تلك الجريدة ، دلف للغرفة مجدداً وسط أنظارها المندهشة ، يقترب ممسكاً بكفها الصغير بحدة ليضع بها الجريدة بعنف ، نظرت له “رهف” بغضب لتفتح تلك الجريدة ، وجدت ذلك الخبر مدّون بالخط العريض حول فضيحة عائلة الهلالي ، جحظت عيناها بقوة لترفع أنظارها له بصدمة قائلة بصدقٍ :
– أنا والله معرفش حاجة عن اللي مكتوب دة يا باسل ، أنا أول مرة أقرأُه صدقني !!!!
أمسكها من عضديها مجدداً مزمجراً بها بعلو صوته :
– أنتِ كدابة يا رهف !!!!!
أمتعض وجهها بألم و هو يضغط بكل قوته على ذراعيها ، أمتلئت عيناها بالدموع و هي تتلوى بين ذراعيه :
– باسل سيبني .. بتوجعني !!!!
هزها بعنف و هو يجأر بوجهها :
– بــوجعـك !!! و أنتِ موجعتنيش لما خلتيهم ينزلوا الخبر دة !!!! طب لـيـه !!!!
نفت برأسها بقوة وقد أسترسلت الدموع على وحنتيها :
– والله ورحمة بابا معرفش حاجة يا باسل .. صدقني أنا مش خليتهم ينزلوا حاجة !!!!!
رق قلبه عندما وجدها تشهق ببكاء حاد ، تركها و هو يرى علامات أصابعه على ذراعها ، مسح على وجهه لا يعلم من الصادق ، ولكن ما يوقنه أنه عندما يراها تبكي يشعر أنه يختنق من داخله ، شعر أنه بالغ في ردة فعله بل وقسى عليها كثيراً ، أقترب منها ليهم بوضع يده على ذراعيها ، وجدها تبتعد عنه ملتصقة بالحائط تحتضن هي نفسها تنظر إلى الأرضية تحاول كبح جسدها من الأنتفاض أمامه ، أقترب منها “باسل” مجدداً و هو يقول :
– رهـف أنا …
تبخرت من أمامه تاركة إياه لتذهب خارج الغرفة بأكملها ، سبّ “باسل” نفسه ليُطيح بالمزهرية التي تناثرت على الأرضية ، ذهب وراءها عازماً على أن لا يتركها وحدها ، وجدها تجلس على الأريكة ممسكة بكوب من الشاي بكفيها ، أقترب ليجلس جوارها ينظر لها بدفئ ، أقترب أكثر ليجدها تبتعد ملتصقة بآخر الأريكة و هي تقول زامة شفتيها كالأطفال :
– أبعد عني يا باسل ..!!!
وضع كفيه الغليظتان على كفيها الناعمتان الموضوعى على الكوب ، أبتلع يدها داخل يده ليرفع الكوب إلى فمه يرتشف منه ، أغمض عيناه بتلذذٍ مسطرداً بإطراء :
– أحلى شاي دوقته في حياتي !!!!
أرتبكت “رهف” تنظر إلى كل شئ عدا عيناه الساحرة ، أرتجف جسدها عندما سار بأنامله على ذراعيها المحمرتان أثر قسوته عليها ، نظر إلى ءراعها ليُميل بثغره ببطئ ، أطبق بشفتيه على تلك الكدمة التي هو من تسبب بها ، أغمضت “رهف” عيناه بوجهٍ تخضب بالدماء ، أرتفع “باسل” بأنظاره ليجدها مطبقة جفونها و وجهها أحنر كالفراولة الجاهزة للقضم ، غرس أنامله بخصلاتها محاوطاً وجهها بكفيه ، فتحت “رهف” عيناها تنظر له بحزن ممتزج بخذلٍ طفيف ، كم آلمته نظرتها .. لم تكن مجرد نظرة ، بل كانت خنجر استقر في قلبه ..، بات يعلم أن تلك البريئة لن تفعل شيئاً مشيناً كهذا ، أقترب بثغره يقبل شفتيها قبلة رقيقة هامساً بخفوت شديد :
– أسف .. أسف يا حبيبتي ..!!!
نفت برأسها و هي تقول مسبلة عيناها بحزن طفولي :
– لاء أنا زعلانه منك ..!!!
أبتسم بحنو ليقبل طرف ثغرها متمتماً بإعتذار حار ، تحولت قبلاته الهادئة إلى أخرى شغوفة موزعاً قبلاته على وجهها بأكمله مدغدغاً طيات قلبها ، تجولت يداه على قميصه التي ترتديه محاولاً فكّ أزراره و هو مازال يقبل شفتيها برقة ، تراخت “رهف” بين يداه ليتراخى معها ذلك الكوب الساخن ، و بلمح البصر سقط ذلك الكوب على قدمها !!! ، صرخت “رهف” بقوة لينتفض “باسل” جاحظاً عيناه ، قفزت “رهف” من محلها تقفز من شدة الألم ، حملها “باسل” سريعاً ليذهب نحو المرحاض وسط بكاءها ، أجلسها على حوض الاستحمام ليجلب رذاذ الماء ، فتح الصنبور ليتدفق الماء على قدمها ، تشبثت “رهف” برقبته و هي تبكي بألم ، مسح على ظهرها مقطباً حاجبيه ، جفف ذلك الحرق الملتهب بمنشفة نظيفة بلطف حتى لا يؤلمها ، حملها مجدداً ليدلف بها إلى غرفتهما ، وضعها على الفراش برقة ،ثم جلب مرهم مسكن للالآم ليضعه على مكان الحرق ، فركه بلطف شديد ثم نفخ بفمه على الحرق ليلطف تلك السخونة المنبعثة منه ، نظرت له “رهف” بحبٍ شديد لتراه يرفع أنظاره لها متسائلاً بقلق :
– بتوجعك يا حبيبتي .. أستني هتصل بالدكتورة تيجي تشوفك ، نفت برأسها بإبتسامة جذابة و هي تمسك بكفيه قائلة بحنان :
– لاء متجبش حد .. أنتَ كفاية عليا صدقني ..!!!
ذاب بنظراتها الحنونة لينهض جالساً بجانبها ، جذب رأسها إلى صدره يمسك على خصلاتها قائلاً بنبرة حزينة :
– أنا أسف يا حبيبتي .. أسف عشان قِسيت عليكي .. و أسف عشان أنا السبب في الحرق دة !!!
وضعت كلها على شفتيه قائلة بعشقٍ خالص :
– أنت ملكش ذنب في الحرق دة يا باسل ، متتأسفش ..
قبّل باطن كفها ليضمها له مجدداً بحنانٍ شديد ..!!
• • • •
دلف “مازن” إلى الشقة مترنحاً بخطوات غير متوازنه ، تفوح منه رائحة الخمر المقزز ، دلف لغرفته ليجدها ترتدي قميصه الأبيض على بنطالها الجينز تجلس أمام طاولة الزينة تمشط خصلاتها ، أنتقضت “فريدة” عندما وجدته بتلك الحالة الرثة وعيناه الزائغتان المحدقتان به، وقع قلبها أرضاً عندنا بدأ بالأقتراب منها رويداً ، ألتصقت “فريدة” بالحائط تمد ذراعيها للأمام علها تمنعه مما هو مقبل عليه ، و لكنه أقترب ممسك بكفيها يلويهما خلف ظهرها ملصق جسدها به ، أنهال على وجهها بالقبلات المتفرقة التي جعلتها تشمئز منه ، حاولت دفع جسده ولكنه كان يفوقها اضعاف ، فهي ضئيلة الحجم بجواره ، كان مغيب عن الوعي تماماً لا يسمع صراخها حتى ، رفع أنظاره لوجنتها الملتهبة ليبتعد عنها سريعاً يثبت خصرها بيداه ، مسح دموعها بسبابته قائلاً وقد برقت الدموع بعيناه :
– أنا مش وحِش أوي كدا .. ومش هأذيكي ، عشان مش قادر .. مش قادر أوجعك مع أن دة كان هدفي ، دموعك بتقتلني ، فريدة أنا حاسس أني بغرق ومش حاسس بنفسي ، حتى اللي كنت معاها من ساعة مقدرتش تنسيني أني مش عارف أذيكي ، أو يمكن مش عايز .. لو وجعتك هتوجع أكتر منك !!!!
جحظت عيناها تستمع له غير مصدقة ، لوهله ظهر بعيناها شفقة له ، علِمت أنه ليس سئ كما تصورت ، لربما الحياة هي من جعلته هكذا ، ربما هو ليس وَحش ولكنه قاسي ، رفعت أناملها ببطئ .. تتلمس تفاصيل وجهه ، أغمض “مازن” عيناه يستشعر لمستها الرقيقة بوهنٍ ، كادت أن تفر دمعه حزينة من عيناه ولكنه منعها بصعوبة ، حاوطت وجنتها بيدٍ واحدة و هي تقول ببعضٍ من الحنان :
– أيه اللي خلاك كدا طيب ؟!!
حاوط خصرها يسند رأسه على صدرها ، همت “فريدة” بأن تملس على خصلاته الحريرية ولكنها منعت نفسها بصعوبة ، أغمضت عيناها عندما دفن رأسه يكاد يخترق قلبها ، يشدد على خصرها لتجزم أن أضلاعها قد تكسرت ، أسبلت بعيناها عندما سمعته يقول بنبرة متحشرجة :
– أنا أتجوزتك مش عشان أنتقم منك يا فريدة .. بس أنا حسيت أنك الحاجة الوحيدة اللي هتنقذني من اللي أنا فيه .. أنا لما شوفتك كنت عامل زي الغريق اللي لقى قشاية يتعلق فيها عشان تنقذه ، أنا عارف أني صعب .. وقاسي و ممكن أكون حيوان كمان .. بس أنا عارف أنك هتقدري تغيريني عشان أنتِ الوحيدة اللي وقفت في وشي !!!!
لأول مرة تشعر أنها عاجزة لا تستطيع فعل شئ ، أتضمه وتخبره أن كل شئ سيصبح بخير ، أم تدفعه و تخبره أنها لن تستطيع تغيير وَحش مثله ، أنتصر قلبها بالأخير .. وبالفعل رفعت ذراعيها تحاوط وجهه تمسح على خصلاته وقد برقت عيناها بتصميم ، جذبت كفه لتجرّه وراءها ذاهبة صوب المرحاض ، وقفا أمام الحوض الصغير لتنظر له قائلة بنبرة لطيفة لأول مرة يسمعها منها :
– يلا عشان تُحط راسك تحت الميا عشان تفوق من اللي أنت فيه ..
بدى كالطفل يستمع لحديث أمه ، وبالفعل مال بجزعه يفتح الصنبور يضع رأسه تحت الماء بوهن ، كتفت “فريدة” ذراعيها تراقبه بصمت ، ثم جلبت المنشفة لتجفف خصلاته التي ألتصقت بجبينه ، شردت بعيناه السمرواتين وذقنه التي زينت بشرته السمراء ، تعمقت في حدقتيه الذابلة لتشفق عليه ، أخذته لينام مدثرة إياه بعنايه و كأنه طفلها ، أغلقت الضوء لتجلب وسادة صغيرة من على الفراش ، أتجهت صوب الأريكة الموضوعة بالغرفة ليوقفها “مازن” بنبرة صارمة :
– رايحة فين ؟!!!!
نظرت له بدهشة لتجيب ببساطة رافعة كتفيها :
– هنـام !!!!
ضرب الفراش جواره بخفة قائلاً :
– تعالي يا فريدة نامي هنا ..!!
هتفت “فريدة” بعناد قائلة :
– لاء هنام ع الكنبة !!!
أظلمت عيناه ليجأر بنبرة حادة :
– فريدة مبحبش أعيد كلامي مرتين !!!
تأففت تعلم أن العند معه لن يجلب لها شئ ، خاصة أنها عاهدت نفسُها بأن تُغير شخصيته القاسية ، ضربت الأرض بقدميها بطفولية لتذهب نحوه ، أستلقت على الفراش بخوف منه .. ما كاد يفعله الصباح بها لم تنساه ، دثرت جسدها بالغطاء لتحمي نفسُها منه ، جعلت بينهما مسافة كبيرة وساعدها بذلك حجم الفراش الكبير ، ولكنه مدّ ذراعه المفتول ليجذب بخصرها نحوه ، شهقت “فريدة” بحدة ، ليزمجر بها “مازن” قائلاً وهو يضع رأسها على صدره المفتول :
– هششش أتهدي بقا ونامي !!!!
ضربته “فريدة” على معدته ليتآوه بألم زائف :
– أنتِ قاسية أوي يا فريدة !!!!
رفعت “فريدة” رأسها تضيق حدقتيها قائلة بسُخرية :
– لا والله ؟!!!
قهقه “مازن” ملء فمه ليُقبل خصلاتها قائلاً بنعاس :
– يلا نامي بقا بلاش كلام كتير !!!
قضمت “فريدة” أظافرها بخوف قائلة :
– مازن أنت سكران .. مش في وعيك !!!!
أبتسم “مازن” مغمض عيناه :
– فريدة أنا هنام مش هغتصبك متقلقيش !!!!
شهقت “فريدة” لتنهض ضاربة صدره صارخة به :
– أنتِ قليل الأدب و وقح و أنا مش هنام جنبك !!!
أدمعت عيناه من كثرة الضحك ليجذبها دافناً وجهه في عنقها مقيداً حركتها بذراعيه ليغرق في النوم ، نظرت له “فريدة” بتوعد قائلة :
– و الله لأوريك يا مازن !!!!!
• • • •
أسندها إلى صدره بذراع و الأخر دسّ به المفتاح بالباب ، دفعه بقدمه ليُفتح على آخره ، حملها مجدداً ليدلف لشقته ، أنفاسها تضرب عنقه مدغدغه مشاعره ، دلف لغرفته الخاصة ليضعها على الفراش بلطفٍ ، ظل مائلاً برأسه عليها يسند يداه على الفراش متأملاً إياها ، أمتدت أنامله لتمسح تلك الدموع العالقة بأهدابها ، أبعد خصلاتها عن عيناها ليُقبل مقدمة رأسها بحنوٍ مفرط ، أصبح يعلم لما يدق قلبه بتلك الطريقة عندما يكن جوارها ، أحتضن كفها بكفيه الأثنين ليقبله بعشقٍ مغمضاً عيناه ، فتحت “ملاذ” عيناها البندقية لتنظر له بغرابة ، أعتدلت بجلستها ليُسند “ظافر” ظهرها بوسادة وثيرة ، جلس بجانبها محاوطاً وجنتها بكفٍ واحد و هو يقول بحنو :
– أنتِ كويسة ؟!!!
أومأت “ملاذ” دون أن تنبث ببنت شفة ، نظرت حولها لتلك الغرفة الغريبة عليها ، نظرت له قائلة بتوجس :
– أنـا فين ؟!!!!
– في شقتي !!!
أنتفضت “ملاذ” عقب جملته كمن لدغتها أفعى لتقول :
– شقتك!!!! لـيـه ؟!!!! أنا كنت عايزة أروح بيتي ..
أبتسم يطمأنها بنبرته الساخرة:
– متخافيش مش هاكلك يعني ..
ثم أكمل و هو يقترب من وجهها قائلاً بخبث و وقاحة :
– مع أنك تتاكلي بصراحة !!!!
عادت بظهرها إلى مسند الفراش بعينان جامدتان ، قهقه “ظافر” ملء فمه ليعود للخلف ، وثب يستعيد رزانته مجدداً قائلاً :
– هروح أحضرلك حاجة تاكليها ..
ثم أختفى من أمامها كأنه لم يأتي قط ، تحاملت “ملاذ” على نفسها لتنهض تحارب ألم معدتها من شدة الجوع ، ألتفت حولها تتفرس الغرفة بأكملها ، أتجهت نحو طاولة الزينة لتُمسك بزجاجة العطر الثمينة ، رفعتها إلى أنفها تشتمها بعمق ، أغمضت عيناها بإستمتاع فذلك العطر المميز ما ينثره دائماً على ملابسه ، وضعته محله لتتفقد باقي الغرفة بفضول ، ألتفتت لتجده يدلف ممسك بصينية وُضع عليها وعاء من الحساء الساخن مع كوب من الماء بجانبه شريط دواءها ، توترت ملامحها قليلاً و هي تُردف بتبرير :
– أنا بس كنت بتفرج على الأوضة و آآآ ..
أبتسم لها “ظافر” بحنو وهو يضع الصينية على الكومود :
– مش محتاجة تبرري .. أنا واثق فيكي !!!!!!
أرتجف جسدها لوهله ، ألمتها جملته حد المو.ت ، بل جعلتها تشعر بدناءتها حقاً ، أغمضت عيناها تمنع دموعها بالهطول .. هي و ببساطة تخون تلك الثقة الذي وضعها بها ..!!!
– يلا تعالي عشان تاكلي و تاخدي الدوا ..
أفاقت على جملته بتذهب نحو الفراش تجلس عليه مجدداً بخطى مرتعشة ، جلست قبالته على الفراش تنظر لزيتونتيه البرّاقة، تراقبه و هو ينفُخ بالملعقة ليجعلها تتناولها، قرّبها من فمها لتفتحه هي بلا وعي ، أغمضت عيناها بتلذذ و هي تقول بإستمتاع طفولي :
– طعمها حـلو أوي ..!!!
أبتسم لها “ظافر” قائلاً :
– بالهنا والشفا .. عايزك تخلصي الطبق كـلـه ..!!!
أومأت سريعاً ليسرع هو بإطعامها ، وبالفعل أنهت “ملاذ” الطبق بأكمله لمذاقه الطيب ، تناولت دواءها ليمسك هو بالكوب يجعلها ترتشف منه ، أبتسمت له “ملاذ” بشكر وما أجمل أبتسامتها ، و لكن سرعان ما أختفت تلك الأبتسامة وهي تنظر له بتأنيب ضمير ، ستخبره .. نعم ستخبره حتى و إن كرهها ولكنها لن تستطيع أن تواصل كذبها عليه بتلك الطريقة ، أمسكت “ملاذ” بكفه الأسمر و هي تهمس بخفوت :
– أنا عايزة أقولك على حاجة مهمه ..!!!
أومأ لها “ظافر” بقلق يحثها على الحديث ، همت “ملاذ” بفتح شفتيها لتجد هاتفه يعلن عن مكالمة، تناول هاتفه يضعه على أذنه قائلاً :
– عايز أيه ؟..
صمت قليلاً يستمع لما يقوله الطرف الأخر لينهض صارخاً بحدة جعلت “ملاذ” ترتجف :
– لـاء .. مستحيـل ، مستحيل نرجع نشتغل مع ****** دول ، بعد م كانوا هيخسرونا صفقة بـ 10 مليون جنيه وكذبوا علينا مستحيل أرجع أثق فيهم ، تغور الفلوس بس أنا مبديش فرصة تانيه الناس كدبوا عليا فـاهم !!!!!
أرتعدت أوصالها لتتراجع مئة خطوة حول أخباره بما فعلت ، لا تريد أن تخسر ثقته بها أبداً ، لا تريد أن تُخيب أمله بها .. أغلق “ظافر” هاتفه بعنف لتنظر له بقلق هاتفه :
– أنتَ كويس ؟!!
أومأ لها ليجلس أمامها مرة أخرى قائلاً بإبتسامة صفراء :
– كنتِ عايزة تقولي أيه ؟!!!
بللت ريقها و هي تقول بمزاح :
– كنت عايزة أقولك أن الشوربة اللي عملتها كانت حلوة أوي بجد !!!
أبتسم لها “ظافر” قائلاً :
– بالهنا والشفا .. هسيبك تنامي عشان ترتاحي و لو عوزتي حاجة قوليلي ع طول ..
أومأت “ملاذ” لتستلقي على الفراش ، دثرها “ظافر” جيداً ليخرج من الغرفة بعد أن أغلق الأنوار ، تمسكت “ملاذ” بالوسادة لتبدأ دموعها بالأنهمار مما هو قادم !!!
• • • •
الفصل التاسع:
كانت تسير في ظُلمات موّحشة ، ترتجف من برودة الجو لتنكمش على نفسها ، نظرت لما ترتديه لتجد ثوب أسود يكتم على أنفاسها ، عارٍ يظهر أكثر مما يخفي كجميع ملابسها ، جحظت بعيناها عندما وجدت أناملها مُلطخة بالدماء ، برقت عيناها بدموعٍ حبيسة وذلك المشهد يُفزعها ، نظرت حولها لذلك المكان الأشبه بالمقابر ، كتمت شهقة داخل جوفها و هي ترى أسمها محفور على إحدى القطع الرخامية ولكن لا يوجد لها تاريخ ، و بجانب قبرها أستوطنت قطعة رخامية أخرى محفور عليها أسمه ، “ظافر” !!! ، قطبت حاجبيها بهلع ، أستمعت إلى صوت أقدام خلفها لتلتفت سريعاً ،أبتسمت ملء فمها عندك وجدته خلفها لتركض له سريعاً ، تفحصت ملامحه الجامدة الرجولية ، عيناه الزيتونية الظالمة ، وجدته يرفع كفيه الملطختان بدماءٍ أيضاً ، حاوط وجها لتتخضب وجنتيها إحمراراً ، نظرت بفزع ليداه التي شوهت وجهها لتتمتم بفزع ونبرات متقطعة :
– ظـافر .. ايه .. ايه الدم ده ، و ليه هو على إيدي و إيدك ؟!!!
لم يلفظ “ظافر” بحرف ، بل ظل يتلمس وجهها ليختفي وجهها أسفل تلك الدماء البغيضة ، ألتوى ثغره بيأس وقد أمتلئت عيناه بالدموع و هو يسترسل :
– الوقت فات .. فات يا ملاذ ، محدش فينا هيلحق يصلح غلطاته !!!!
جحظت “ملاذ” بقوة لتلتفت لتلك المقابر حولها ، أنهالت الدموع على وجنتيها عندما علمت أن جسدهما يرقدا أسفل التراب ، ألتفتت له لتجده أختفى بلمح البصر ، صفعها الجو البارد مجدداً لتتراجع إلى الخلف و هي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة وصدى صوتها يتردد بأذنها :
– ظـــافــر !!!!!!!! ظـــــافــر !!!!!
أنتفضت من النوم بفزع ، جسدها بالكامل يتصبب عرقاً ، خصلاتها ملتصقة بجبينها و عيناها أغرورقت بالدموع ، وجدت “ظافر” يفتح الباب بقوة و هو يطالعها بقلق ، أقترب منها سريعاً ليجلس جوارها على الفراش ، مسح على جبينها ليبعد خصلاتها محاوطاً وجهها ثم قال بتوجس :
– في أيه يا ملاذ !!!!
جذب وجهها لصدره ممسداً على ظهرها ، تشبثت “ملاذ” بقميصه و هي تقول بشرود و كأنها بعالم آخر :
– كـابوس .. كابوس وحش أوي !!!!
– طب أهدي .. خلاص متخافيش …
أنتفضت “ملاذ” لتبعد كفيه و هي تزحف للخلف ، تنظر إلى كفيه برعب لأول مرة يظهر بعيناها ، قطب “ظافر” حاجبيه بغرابة و هو يتفرس عيناها الهلعتان ، نهضت “ملاذ” عن الفراش لترفع كفيها لعيناها ، لم تجد بهما شئ لتضمهما إلى صدرها ، نظرت إلى “ظافر” الذي يحدق بها بعد فهم ، أقتربت لتجلس أمامه ، عزمت على إخباره بكل شئ ، لن تستطيع خداعه أكثر ، نظفت حلقها لترفع عيناها البندقية له و هي تتمتم بشئٍ من التردد :
– ظافر أنا عايزة أقولك على حاجة مهمة .. أنا ..
قاطعها “ظافر” سريعاً و هو يقول برزانه :
– انا اللي عايز أقولك على حاجة مهمة .. المأذون جاي بعد ساعة يا ملاذ .. جهزي نفسك !!!
حدقت به بصدمة مزمجرة :
– نــعـــم !!!!!!
أبتسم “ظافر” يتأمل عفويتها ، لتصك “ملاذ” أسنانها قائلة بنبرة غاضبة :
– أنت بتضحك ليه دلوقتي !!! يا ظافر دة جواز مينفعش يبقى بسرعة كدا .. أنت حتى معرفتش أهلك باللي هتعمله ..و لا .. ولا مريم !!! مراتك !!! ، متضحكش يـا ظافر ..!!!!
لم تمحو أبتسامته .. بل زادت أتساعاً حتى أصبحت ضحكات مجلجلة كادت أن تصيبها بالجلطة ، لا تعلم أتضغب من لامبالاته، أم تضع كفها أسفل ذقنها تتأمل أبتسامته التي جعلت قلبها يرتجف من السعادة ، زمت شفتيها بغضب عندما تحول إلى الجدية سريعاً بطريقة أدهشتها :
– راجل عنده 31 سنة يقول لأهله ليه أنه هيتجوز !!! شايفاني عيل بـ ريالة !!!!
رفعت حاجبيها بدهشة لتكتف ذراعيها قائلة بسُخرية :
– طب ومراتك !!!!
أظلمت حدقتاه لينهض قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش :
– قومي جهزي نفسك المأذون في الطريق !!!
نهضت رافضة طريقته في إنهاء الحديث لتقف أمامه قائلة بصوتٍ مرتفع :
– و أنا مش هتحرك من الأوضة دي غير لما أفهم كل حاجة هتمشي أزاي .. مش معقول بين يوم وليلة أبقى مراتك !!!!
طالعها بنظرات حادة و هو يقول بنبرة صارمة :
– متعليش صوتك !!!! ، أنتِ بتاعتي من أول من أتولدتي يا هانم ، بتاعتي من ساعة مـ جيتي على الدنيا دي ، بتاعتي أنا وبس ، فاهمه ؟!!!!!
ضربت الأرض بقدميها قائلة بتمردٍ وغضب شديدين :
– لاء أنا مش بتاعة حد !!!! أنا مش سلعة عشان أبقى بتاعتك ، أنا مش عايزة أتجوزك .. أنا مش عايزة أكون مراتك أبداً فاهم !!!!!
أقترب منها خطوة جعلتها تهاب مما سيفعل ، و لكن قدميها تسمرتا بالأرضية محدقة بعيناه التي بدت مخيفة ، جذبها من خصرها ليُلصقها بصدره ، شهقت “ملاذ” بعنف لتضع يدها على ذراعه تحاول إبعاده ، ضغط على خصرها بقوة مما جعلها تكتم شهقة مؤلمة كادت أن تُفلت منها ، حاولت إبعاده ولكنه لم يتزحزح مقدار خطوة ، هي وبسهولة تستطيع أن تضربه بركبتيها في معدته ، و لكنها تهابه ، هو حنون لكن غضبه جحيمي ، أقترب “ظافر” بثغره من أذنها قائلاً بهمس مخيف :
– هتجوزك يا ملاذ .
أغمضت و هي تشتم رائحته المميزة و عطره الرجولي ، تحركت أنامله على ذراعيها بينما يقول بإبتسامة صفراء :
– لو مش برضاكي يبقى هتجوزك ورجلك فوق رقبتك !!!!
رفعت حاجبيها بسُخرية قائلة :
– أنا مافيش حد يجبرني على حاجة ، ده جواز و آآآ ..
بتر عبارتها بإبتسامة واثقة قائلاً :
– و أنا مش حد !!!!
لم تستطيع النطق ، بل وقفت الحروف على أطراف ثغرها ، أقشعر بدنها عندما لامس وجهها بأنامله الخشنة ، تأملت غابات عيناه الزيتونية وقد نمت أبتسامة خفيفة على شفتيها لا تعلم ماسببها سوى أن نظرات الحب التي تغدق عيناه قد جعلتها تتيقن أنه يعشقها ، أختفت الإبتسامة تدريجياً عندما تذكرت من هي .. تذكرت أنه عندما يعلم بما فعلت سيراها قذرة تحاول سلب أمواله والأنتقام منه لوساوس بغيضة في ذهنها ، جحظت عيناها و هي تدفعه بعيداً ، أرتدت إلى الخلف و هي تتمتم تنفي برأسها بهيستيرية :
– لاء .. لاء مش هتجوزك .. مستحيل !!!!
توحشت تقاسيم وجهه المُتشنجة ، يقترب منها قابضاً على ذراعيها صارخاً بها :
– مــش بمـزاجك يـا مـلاذ !!!!!!!
جفلت “ملاذ” و لأول مرة يصرخ بها بتلك الوحشية ، حاولت إبعاد كفيه عن ذراعيها ، لأول مرة تهاب رجل بتلك الطريقة ، ملامحه المشدودة و فكه المتشنج ، عيناه التي أصبحت أكثر قتامة، دفعها بعيداً ليلتفت بظهره واضعاً يداه بـ جيب بنطاله قائلاً بجمود :
– لو مكتبناش كتابنا النهاردة هخسرك شغلك وصفقاتك اللي انتِ داخله فيها ، هدمرك وهدمر شركتك و سمعتك و مكانتك كـ business woman ، هدمر “ملاذ خليل الشافعي” و بردو بعدها هتجوزك، صدقيني جوازك مني هيفيدك مش هيضُرك !!!!
ألتفت لها راسماً على صفحات وجهه الجمود المتناهي رغم وجهها المصدوم :
– كونك هتتجوزي “ظافر الهلالي” فـ ده شئ هيرفعك للسما ، كل حاجة هتبقى تحت رجليكي من قبل مـ تطلبيها ، صدقيني جوازنا هيبقى مصلحة ليا وليكي ، انتِ اكتر واحدة تليق انها تشيل أسمي، يعني .. مستوى أجتماعي .. جمال، ذكاء و قوة، أنتِ أكتر واحدة هتبقي مناسبة ليا ، آه وبالمناسبة .. أخر صفقة ملابس أنتِ دخلتي فيها واللي حطيتي فيها فلوسك كلها .. أنا أبقى صاحب الشركة اللي اتعاقدتي معاها .. واللي كتبتي على نفسك عقد بـ خمسة مليون دولار ، و أنا عارف أنك مش معاكي المبلغ دة ، وحتى لو بيعتي شقتك و الڤيلا اللي فالساحل وعربيتك أخر موديل و لو سحبتي فلوسك اللي في البنك كلها مش هتكمل المبلغ دة ، أنا ممكن أعمل أي حاجة في مقابل أني أسترد حاجة في الأصل هي بتاعتي !!!!!
جامدة الملامح ، قدميها تنغرس بالأرض رافضة التحرك مقدار خطوة ، عيناها تحدق به ، لا ليس هو ، ليس من أهتم بها في اليومان الماضيان ، ليس من رعاها بل و أغدقها بحنانه ليس هو ، هي ترى أبيه ، تراه بقساوته و عيناه التي نُزعت منها معاني الرحمة بأكمله ، بوجهه الجامد ونبرته الفاترة ، من يقف أمامها ليس “ظافر” ، ليس من يمتلك عينان دافئتان و عبرات حنونة ، لوهله شعرت أنها وللمرة المائة تُصدم بما حولها ، و للمرة المليون تشعر بقلبها يعتصر داخلها ، أبعد ناظريه عنها لا يستطيع أن يرى تلك النظرة بعيناها ، لا يستطيع مقاومة نظرة الخذلان التي لمحَها بمقلتيها ، أدار ظهره لها يغمض عيناه بقوة و كم آلمته عيناها ، لو تعلم فقط أنه يعشقها أكثر من أي شئ بذلك العالم ، لو تعلم أنه قال هذا فقط حتى لا يخسرها مجدداً بعدما وجدها ، ليتها تعلم أن كل حرف خرج من جوفه ما هو إلا ترهات بغيضة ، لم يستطع أن يلتفت لها ليقول محافظاً على نبرته الفاترة :
– نص ساعة تلبسي فيها اي حاجة من اللي جابتهالك الست فتحية موجودين في الشنطة !!!!
ثم تركها وخرج صافعاً باب الغرفة خلفه ، ظلت واثبة مكانها ، عيناها شاردة بالمكان الذي كان يقف به ، هي صامدة ، مهما تلقت من صدمات مميتة لقلبها الذي بحجم الكف ولكنها صامدة ، لن تسمح لأحد بأن يكسرها هي “ملاذ” التي لا تُهزم .
• • • •
أخذت صرخاتها و عويلها يتصاعد تدريجياً ، تضرب كفيها بقدميها بحسرة و بكاء زائف ، نظرت إلى النائم على الفراش بجانبها بغيظ لتقترب تنظر له بغل قائلة :
– هوريك النجوم في عز الضُهر يابن الهلالي !!!!!
تذكرت ما فعلت قبل ساعتين ، عندما أخرجت من حقيبتها الكبيرة مستحضرات التجميل اللازمة ، بدأت برسم كدمات على وجهها بل و أثار ضرب و دماء جافة حيث كانت بارعه حقاً في هذا !!!!
أقتربت من أذنه لتصرخ ببكاء قوي ، أنتفض “مازن” فزعاً و هو يصرخ بلا وعي :
– أيـــه !!!! مـين مـات !!!!!!
فرك عيناه بقوة ليرى “فريدة” تجلس بثيابٍ شبه ممزقة و وجهها مكدوم بينما شفتيها تنزف بقوة ، أنتفض ممسكاً بوجهها و هو يقول بهلع :
– أنتِ أيه اللي عمل فيكي كدا !!! ، أيه اللي حصلك م تــردي !!!!!!
صرخ بأخر جملته وقلبه يكاد يقتلع من محله ، صفعت الأخرى كفيه بعيداً وهي تصرخ بحُرقة :
– أبعد عني يا حيوان !!!! ، مين هيكون عمل كدا فيا غيرك واحد حيوان زيـك !!!!!
جحظت عيناه ليتذكر أنه بالفعل لم يكُن بوعيه البارحة بل كان ثمل حد المو.ت ، تفحص كدمات وجهها بندم حقيقي و هو يقول :
– أنا بجد عملت فيكي كدا ؟!!!! أنا مش عارف أزاي ده حصل صدقيني دي أول مرة تحصل اني أبقى مش فـ وعي بالطريقة دي !!!
تلمس كدمات وجهها الزرقاء ليجد مستحضرات التجميل تطبع في يده ، جحظت “فريدة” بعيناها و هي تراه ينظر إلى الألوان التي خرجت بيده قائلاً بصدمة :
– دة makeup !!!!!!
نفت برأسها و هي تنهض تدريجياً من على الفراش متمتمه بهلع :
– makeup أيه دي أفعالك الوحشية يا متوحش !!!!!!
– و حيــاة أمــك !!!!!!
صرخ بها لينهض من على الفراش يركض وراءها كالفهد الذي سيلتقط فريسته لا محاله ، ركضت “فريدة” تقف بمقدمة طاولة الطعام العريضة بينما هو يقف بنهايتها ، كادت “فريدة” أن تبكي من فرط الخوف الذي تلبسها و هي تراه يكاد يُخرج دخاناً من أذنيه :
– أنا اسفة يا مازن والله أخر مرة هعمل كدا عشان خاطري !!!!!!
صرخ بها بجنون و هو يضرب على الطاولة بقوة :
– أسفة !!!!! دة أنا قلبي وقف لما شوفتك بالمنظر ده ده ولا كأن قطر داس على وشك فرَمه ، أنتِ عارفة أني كان هاين عليا أضرب نفسي مية قلم لو كنت فعلاً عملت فيكي كدا و أنا مش في وعيي ، أنتِ متخلفة ومبتفهميش !!!!!
أهتاج صدره بعنف بقلبٍ يكاد يتوقف عن النبض ، أقتربت منه ” فريدة” بعينان أغرورقتا بالدموع و هي تتمتم بحزن :
– حقك عليا أنا مكنتش أعرف أنك هتضايق كدا !!!!! و الله مكنتش أقصد !!!!
جذبها من خصرها لتجفل “فريدة” بفزع ، وضعت كفيها على صدره لتبعده ولكنها وجدت نفسها تغوص بين ذراعيه أكتر ، بل وتغرق بعيناه الراغبتان بها ، أنفه الحاد والمستقيم وشفتيه القاسيتان ، شعرت بتقلص معدتها عندما تحركت أنامله على وجهها وشفتيها ، مال بشفتيه تلامس شفتيها هامساً بأفكار جحيمية تجتاح عقله :
– تعالي نخلي المقلب اللي عملتيه فيا .. حقيقة ، بس برضاكي !!!!!
توسعت عيناها لتهم بالحديث لتجده يلتقط شفتيها في قبلة أودتها لعالم آخر ، أستسلمت بين يداه تماماً تاركة له الحرية ، أرتجف جسدها لتفر دمعة من عيناها رغماً عنها ، هي تسير بطريق مبهم ليس له ملامح ، بل هي لا تثق بـ “مازن” ، هو لا يحبُها ، تلك ليست سوى رغبة بغيضة سترتطم على أثرها على الأرض لتسقط أشلاء !!!! دفعته بعيداً تمسح شفتيها بتقزز و وجهها تُغرقه الدموع ، تفاجأ “مازن” من حالها ليقترب منها قائلاً :
– فريدة !!! انتِ بتعيطي !!!!
صرخت به بهيستيرية :
– أبعد عني !!!! أنت مش بتحبني ، أنت عايز تتملكني لكن مش بتحبني ، دي مجرد رغبة ولما تاخد اللي أنت عايزه مني هترميني مش كدا !!!!!
جحظ بعيناه صارخاً بها بصدمة :
– أخد اللي عايزة و أرميكي أزاي أنا جوزك يا مجنونة !!!!
صرخت به بالمقابل و هي تطيح بالمزهرية على الأرض :
– جــوزي !!!! جـوزي بالغصب يا مازن أنت اللي غصبتني على الجوازة دي طبعاً عشان مازن الهلالي لما بيعوز حاجة بياخدها مش كدا !!!!!
مسح على وجهه بعنف ليجأر بها كالأسد :
– أنتِ عبيطة ولا بتستعبطي ، أنا لو كنت عايز منك حاجة كنت خدتها من غير جواز برضاكي أو غصب عنك ، أنا مافيش حاجة تقدر تقف قدامي واللي يقف قدامي أفعصه فــاهمه ، فوقي لنفسك متفكريش نفسك حاجة أنتِ ولا تسوي أنتِ حتة حشرة أدوس عليها بجزمتي !!!! و مش أنا اللي واحدة زيك ترفضني أنا مازن الهلالي اللي أحلى منك بيترموا تحت رجليا يا حتة زبالة !!!!!
رمى بكلماته السامة بوجهها ليخرج من الشقة بأكملها ، تاركها كالصنم الذي فقد الحياة ، فقد الشغف وفقد كل شئ و أولهما كرامته !!!!!!
صدى كلماته يتردد بأذنها ، ليكون سبباً كبيراً في أنهمار دموعها على وجنتيها ، سمعت الباب يطرق ، بالتأكيد ليس هو ، و هي لن تفتح بجميع الأحوال ، ولكن الباب يزداد طرقاً بل وعنف حتى كاد أن ينكسر الباب ، دلفت لترتدي شئ أكثر سُتراً لتذهب نحو الباب ، فتحت الباب بجسد خالي من الروح ، أرتدت إلى الخلف و هي تشهق بصدمة قائلة :
– بـابا !!!!!!!
• • • •
تنام معانقة إياه و هي تتمتم بقلق :
– بـاسل ..؟
– نعم يا حبيبتي ..
قال “باسل” مغمضاً العينان ، تمتمت “رهف” و هي تنهض قائلة :
– ينفع أروح أشوف ماما النهاردة ؟!!!
أنتفض “باسل” يجأر بصرامة :
– رهف إياكي تفكري أنك تروحي بيت ابن ***** دة لو شوفته صدقيني هقتله في إيدي !!!!
نفت برأسها بعينان مملؤتان بالدموع قائلة ببكاء كالطفلة :
– بس أنا عايزة أشوفها .. هي وحشتني أوي يا باسل ، وبعدين أنا خلاص مش خايفة منه عشان أنت معايا و مش هتسمح لحد يأذيني .. صح ؟!!
جذبها إلى أحضانه مربتاً على ظهرها بحنو قائلاً بتأكيد حتمي :
– طبعاً ياحبيبتي ، طول مـ فيا النفس عُمري من هسيب حد يلمس شعرة منك !!!
مسد على خصلاتها يقبل مقدمة رأسها ، رفعت “فريدة” أنظارها له قائلة بحماس :
– يعني أقوم ألبس يا حبيبي !!!!
توسعت عيناه ليقبض على خصرها قائلاً بمزاح :
– أهو عشان حبيبي دي مش هتعتبي باب البيت من هنا لشهرين قدام !!!!
صفعته “رهف” على صدره بخفة و هي تتلوى بين ذراعيه :
– يا باسل خلاص بقا مكانتش كلمة !!!!
– أبداً دخول الحمام مش زي خروجه !!!!
أنقض يُقبل كل أنش بوجهها يُدغدغها بمعدتها ، كاد أن يُصيبها نوبة قلبية من كثرة الضحك
• • • •
يقود هو السيارة و بجانبه “رهف” تفرك أصابعها بتوتر ، تقضم أظافرها شاردة في الفراغ ، لاحظ “باسل” هالة القلق التي تحيط بها ليمسك بكفها مشدداً عليه و بالأخر يمسك بالمقود مسترسلاً ليُطمأنها :
– أنتِ بتثقي فيا ولا لاء ؟!!
ألتفتت له “رهف” تؤكد بقوة :
– أيوا طبعاً !!
رفع كفها لثغره ليُقبله بحنو مُثبتاً أنظاره على الطريق أمامه :
– يبقى مش عايزك تخافي من أي حد و أنا جنبك .. أنا عندي أستعداد أني أهد الدنيا فوق دماغ أي حد يزعلك يا حبيبتي ..!!!!!
أرتسمت أبتسامة فرحه على ثغرها ، رقص قلبها فرحاً لأنها و أخيراً وجدت من تستند عليه و من يحبُها بصدقٍ جماً ، تُريد أن تُقبّل كل دقيقة تمر و هو معها، ذلك هو الحُب .. أن يُنير وجهك وروحك ، لا أن يطفأ بك كل ذرة شغف داخلك، نظرت له نظرة عاشقة، نظرة متفرسة وجهه ، و بالفعل أسندت وجهها على كفها تنظر له مبتسمة بأتساع، لاحظ “باسل” تحملُقها به ليطلق ضحكة رجولية أظهرت تُفاحة آدم خاصته لتبتسم “رهف” أكثر على أثرها ، بينما قال “باسل” بإبتسامة واسعة و نبرة وقحة :
– لو فضلتي تبُصيلي كدا هحلف نرجع البيت يا رهف ، أو هنعمل حادثة أيُهما أقرب !!!
مالت برأسها ولم تنبت ببنت شفة ، مازالت الأبتسامة تزهر بوجهها ، تمتمت بنبرة مُشرقة :
– أنا حاسة أن دة حلم .. حلم جميل أوي .. بتمنى أني أم.وت قبل مـ أفوق منه !!!!
أنقبض قلبه ليضغط على المكابح السيارة بقوة ملتفتاً لها مزمجراً بنبرة أشبه بالصراخ :
– إياكي تجيبي سيرة المو.ت على لسانك يا رهف ، و رحمة أبويا لو قولتي كدا تاني هـ …
قاطعته بعناقٍ حنون دافئ ، تستمع لنبضات قلبه العالية لتربت على ظهره العريض قائلة بإبتسامة :
– طب خلاص يا بسلة متزعلش ، متبقاش قفوش بقا الله !!!!
رفع حاجبيه بعينان جاحظة و هو يتمتم :
– بسِلة و قفوش ؟!!!! أنا بسِلة يا رهف ؟!!!!
أومأت “رهف” مطلقة ضحكة عفوية ، خبئها “باسل” بين ذراعيه يُقبل خصلاتها بـ ولهان ، ليبتسم قائلاً بوقاحة :
– حبيبتي لو فضلنا كدا أنا مش همسك نفسي وهيتقبض علينا بفعل فاضح في الطريق العام و صدقيني هعترف عليكي و أقول أن أنتِ غرغرتي بيا !!!!
أبتعدت “رهف” تضربه على صدره قائلة زامة شفتيها بطفولية :
– أنا بغرغر بيك يا بسِلة ؟!!! طب يلا بقا أتفضل امشي !!!!
قهقه بقوة ليسير بالسيارة و ضحكاتهما تملأ المكان ..
• • • •
شعرت برأسها يدور بها ، لا تستطيع الوقوف على قدميها التي ربما تخذلانها لتسقط على الأرض بضعف ، أبيها الواثب أمامها بغضبٍ شديد ، و زوجة والدها التي ملامحها لا تُبشر بالخير ، ممسكين بأخيها الذي يُحدق بها ببراءة ، و سُرعان ما تشبث الصغير بقدميها مُعبراً عن حبُه لشقيقته ، أنحنت له لتحتضنه ببكاء قوي :
– أنا أسفة يا حبيبي مش هسيبك تاني أنا أسفة !!!!
نظرت لأبيها حتى كادت أن ترتمي بأحضانه فكم تحتاج إلى عناقه الأن ، ولكنه أوقفها بمد كفيه يمنعها حتى أن تلامسه و كأنها عدوى ، و بلمح البصر كان يصفعها صفعة أوقعتها أرضاً ، أمسكت “فريدة” بوجنتها تمسح الدماء عن شفتيها ، فهي لطالما أعتادت على إهانته وضربه المستمر لها ، لم يكتفي بذلك بل أنحنى يُمسك بخصلاتها ليرفع وجهها له صارخاً بها بوحشية :
– بتتجوزي من ورايا يا بنت الكـلـب ، يا بنت ***** !!!!!
بكت “فريدة” بقوة ، لم تستطيع الدفاع عن نفسها ، زادت زوجة والدها الجو أشتعالاً و هو تصرخ بشماته :
– طبعاً م هي تربية أمها الشمال !!!!!
كادت أن تُلقنها درساً قاسياً و لكن ما ألجم لسانها وجوده خلفهم يصرخ بهم بقوة :
– أيه اللي بيحصل هنا !!!!
ألتفت جميعهم إلى “مازن” الذي كاد أن ينخلع قلبه عندما رآها بتلك الحالة ، شفتيها متورمة تُدمي حقاً وليست مستحضرات تجميل ، مستلقية على الأرض و ما زاده أشتعالاً عندما رأى ذلك الرجل ممسكاً بخصلاتها بكل ما أوتي من قوة ، أقترب منه حتى كاد أن يُلكمه بوجهه لتصرخ به “فريدة” :
– مازن ده أبويا !!!!
جحظت عيناه بقوة ليلتفت لها ، أمسكها من ذراعيها بلطف ليجعلها تنهض ماسحاً على وجنتيها الملتهبة ، أوقفها خلف ظهره ليلتفت لذلك العجوز ، عيناه توحي عما بداخله من نيران متفاقمة ، ليسكب أبيها البنزين على النار عندما جأر به :
– أنت بقى سبع البرُمبة اللي أتجوزتك من ورا أهلها !!!!
أقترب منه “مازن” يضع يداه بجيب بنطاله يحدق به بجمود قائلاً :
– و أنت بقا أبوها اللي سايبها هي و أخوها لوحدهم و عايش برا مصر مع الزبالة اللي واقفة جنبك ومش بتصرف عليهم ؟ تصدق أول مرة أشوف راجل تجرُه مرا (ست) ، عيب على شنبك حتى !!!!
شهقت “فريدة” من مدى وقاحته لتصرخ به :
– مــازن !!!!!
توترت معالم وجه أبيها ليقول :
– ماشي يا جوز بنتي .. مقبولة منك !!!!!
ليُكمل و هو ينظر لأبنته بعينان مشتعله :
– هو ده اللي أتجوزتيه ؟!! بيهين أبوكي و أنتِ ساكتة !!!!
صرخ به “مازن” بنبرة حادة صارمة :
– كلامك معــايـا أنــا !!!!!
نظرت له تلك ذات النظرات الخبيثة والتي تتفحص “مازن” بهيبته ورجولته لتقول بنبرة رخيصة :
– خلاص بقى يا حبيبي نبقى نجيلهم في وقت تاني !!!!
نظر لها “مازن” بسُخرية ليُكمل :
– أنا شايف كدا بردو !!!
نظر له أبيها قائلاً وقد ظهر الطمع في عيناه :
– و أيه المقابل !!!!
كتمت “فريدة” شهقة حزينة كادت أن تُفلت منها ، بينما أبتسم “مازن” بغرور قائلاً :
– عايز كام ؟!!!
أنقبض قلبها و هي تشعر أن ظهرها أنكسر في تلك الدنيا ، تشعر بخراب العالم بروحها ، أنطفئت معالم الحياة بعيناها ، زاغت أبصارها و هي تشاهد تلك المسرحية القاتلة لقلبها المسكين ، يُبيعها أبيها كسلعة بخسة ، ما قاله كان كرصاصة بمنتصف قلبها، تمنت لو أن تمو.ت قبل أن تسمع هذا الحديث المقزز الذي يدير بينهما ، رأت “مازن”يُخرج دفتر الشيكات من جيبه ليدون رقم ، مده لأبيها قائلاً بجمود:
– عشرة مليون ، و تبعد عن حياتها خالص هي و أخوها يزيد ، أعتبر من النهاردة أن بنتك مـاتت !!!!
بالفعل ، ما قاله صحيح ، هو لم يكذب أبداً في تلك اللحظة هي حقاً أصبحت جسد بلا روح ، نظرت إلى أخاها الممسك بكفها و كأنه يفهم حُزنها، وبالفعل ذهب ما يُسمى بأبيها و مع زوجته العقربة ، تشبث الصغير بثيابها قائلاً بعينان دامعتان :
– فريدة هو بابا مشي ليه ؟!!!!
لم تستطيع الرّد ، تركت يد أخيها محملقة بعينان ذلك الواقف أمامها يطالعها بالقليل من الشفقة ، أقتربت منه لتضربه على صدره بهيستيرية صارخة بجنون :
– حــرام عليك ، ليه تعمل فيا كدا عملتلك أيــه عشان تكسرني كدا !!!!! ربنا ياخُدني عشان ترتاحوا مني كلكوا !!!!!!
جفل الصغير ليبكي على أخته ، بينما هو يقف يستقبل ضرباتها القوية بصدرٍ رحب، لم يحاول أن يوقفها عما تفعل لرُبما تنفث عن غضبها بتلك الطريقة، يعلم ذلك الشعور عندما يخذلك أقربهم إلى قلبك، أبتعدت عنه تصرخ به بألم أخترق قلبه :
– أنت شيطان مش بني آدم ، أنت أقذر واحد ممكن أشوفه في حياتي ، أنت عُمرك مـ هتتغير يا مازن ، أنت وَحش مش بتحس، ياريتني كُنت مُت قبل م أتجوزك يا أخي، مبسوط دلوقتي ؟!!! فرحان كدا لما كسرتني وخليتني ماليش ضهر ؟ مبسوط لما شوهت صورة اللي المفروض أبويا في عيني ؟ مبسوط أني بقيت مضطرة أعيش هنا و رجلي فوق رقابتي عشان مافيش مكان أروحله غير سجنك !!!!!!
أغمض عيناه من كلماتها التي كالسهام المسمومة، هم بالذهاب من أمامها لتتشبث به “فريدة” من تلابيبه مقربة وجهها من وجه الجليدي صارخة به حتى ظهرت عروق عنقها :
– أنت رايح فين !!!! هتمشي ببساطة بعد م خربتلي حياتي ، لما أكـون بكلمك متمشيش وتسيبني فاهم ، أنت هتسمع كل حاجة أنا هقولها دلوقتي ، أنا هاخد يزيد و هنمشي من هنا .. و أنساني بقا!!!!
أشتعلت عيناه ليمسك فكها بقوة أمام أخيها الذي أنفجر بالبكاء :
-خلصتي ؟ في أحلامك ، أنتِ مراتي و هتسافروا معايا الصعيد في بيت أهلي !!!!!
ضربت صدره بقوة لتصرخ بجنون :
– أنت مبتفهمش بقولك مش هروح معاك في حتة !!!!
أتجهت نحو المطبخ لتجلب نصل حاد ، وضعتها على على عنقها بجنون ليصرخ “يزيد” ببكاء :
– فـريدة !!!!
جحظت مقلتيه ليمسح على وجهه بأنقباض قلب و هو يقترب قليلاً قائلاً :
– فريدة سيبي الزفتة دي !!!
صرخت به ضاغطة على السكين أكثر صارخة به :
– إياك تقرب مني !!!!
وقع قلبه أرضاً عندما وجد خط رفيع من الدماء ينزف من عنقها ، كاد أن يجن و لأول مرة يقف عاجز لا يعلم ماذا سيفعل ، أقترب من أخيها الذي يبكي هو الأخر بهيستيرية ، أقترب منه ليحمله و هو يوجه حديثه إلى “فريدة” صارخاً بها:
– أخوكي حرام يشوف أخته بالمنظر دة بقولك سيبي السكينة يا فريدة !!!!!
نظرت إلى صغيرها الذي يستعطفها بعيناه ألا تفعل ، نقطة ضعفها والشئ الوحيد الذي تبقى لها من تلك الدنيا ، ألقت بالسكين أرضاً لتنهار على الأرضية الصلبة جالسة على ركبتيها تُغطي وجهها بكفيها ، أنزل “يزيد” الذي ركض نحو شقيقته ، ذهب هو ايضاً نحوها ليجلس على ركبتيه مثلها، أبعد كفيها عن وجهها بتردد، عيناها الباكية جعلته يغمض عيناه بألم، و سُرعان ما أرتمت “فريدة” بجسدها على جسده فاقدة الوعي !!!
• • • •
– هو فين مأذون الغفلة !!!!
قالت “ملاذ” و هي تقف أمامهم واضعة يداها على خصرها ، ترمق “ظافر” بتحدٍ ، نظرت لجارتها وزوجها الذي سيتولى تزويجها من ظافر و إلى المأذون والأثنان الذين سيشهدوا على تلك الزيجة ، شعرت بأنظارهما تفترسها نهض “ظافر” يطالع الثوب الذي خرجت به “ملاذ” بصدمة ، فقد كانت ترتدي ثوب قبل الركبة يلتصق بها و كأنه جلدها يظهرها بسخاء !!!!! ذهب نحوها ليقبض على ذراعها بقوة آلمتها حقاً ليدفعها داخل الغرفة حتى كادت أن تسقط أرضاً، نظر لما ترتديه بإشمئزاز مشيراً بأصبعه :
– أيه القرف دة ؟!!! أزاي تخرجي كدا !!!!
صرخ بأخر الجملة، جفلت “ملاذ” و لكنها هتفت بقوة :
– ماله ؟ مـ الفستان حلو أهو !!!!
صرخ بها “ظافر” :
– أنــتِ أتجننتي !!!! غيري القرف دة حالاً !!!!!
كتفت ذراعيها أمام صدرها قائلة بعندٍ :
– لاء مش هغيره ، عاجبني !!!!
مسح على وجهه بعنف لينظر لها بنظرات نارية تقذف جمراً بوجهها :
– و رحمة أبويا لو مـ دخلتي وغيرتي الفستان دة يا ملاذ لأكون مم.وتك في إيدي دلوقتي ، متخلينيش أكرّهك فيا !!!!!
خافت ، لا بل أرتعبت من نبرته و ما يقوله ، تابعته بأنظاره و هو يتوجه نحو الحقيبة الكبيرة ليُقلبها رأساً على عقب ، أخرج منها عباءة سوداء كان قد أبتاعها لها ليُرميها بوجهها قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش :
– دقيقتين و تبقي لابساها ، أتقي شري ، أنتِ لسة ماشوفتيش وشي التاني و أنا مش عايز أوريهولك يا ملاذ !!!!!!
ثم خرج من الغرفة تاركاً قلبها ينبض بعنف ، أرتدت تلك العباءة الواسعة على ثوبها ، و بالفعل خرجت قبل الدقيقتين لتذهب نحو “ظافر” الذي نظر لها برضا ، مضت على الورقة التي أمامها لتكمل تلك الزيجة، كتبا الكتاب لتصبح زوجته ، ذهبوا جميعاً بأمر من “ظافر” ليتركوهما بمفردهم ، خفق قلبها بعنف عندما وجدته يقترب منها وملامحه لا تُبشر بالخير، أرتدت خطوتين فـ نظراته حقاً جعلت فرائسها ترتعد ، أقترب منها “ظافر” أكثر و كلما يقترب تعود هي إلى الخلف، تفاجأت بالحائط خلفها و أمامها صدره الصلب ، حاصرها بذراعيه يتأمل وجهها الجذاب و أحمر الشفاه الذي يُزين ثغرها ، مال بثغره ليلتقط شفتيها في قسوة يقبلها أو لنقول يُنفث عن غضبه بها، شعرت “ملاذ” بشفتيها تدمى لتضربه على صدره بقوة ، أبتعد “ظافر” و هو ينظر إلى شفتيها والتي ظهر لونها الوردي الطبيعي و الجذاب ، تمتم “ظافر” بأنفاس حارة :
– كدا أحسن !!!!
توقف عقلها عن العمل لِمَ تتركه يفعل بها هذا ، لِمَ لا تتحدث و كأن لسانها قُطع ، لِمَ تُحدق به هكذا اتريده أن يفعل مجدداً دون قصدٍ منها، و بالفعل أستجاب “ظافر” ليقبض على خصرها بلطف ، عانق شفتيها بشفتيه ولكن تلك المرة بحنان شديد، أغمضت “ملاذ” عيناها مستسلمة تماماً بين يداه ، جال بخاطرها ما قاله حول أنه لا يُحبها أبداً ، لتضربه على صدره تدفعه بكل ما أوتيت من قوة صارخة به :
– أبــعــد !!!!!!
صرخ بها “ظافر” يلوي ذراعيها خلف ظهرها :
– أهــدي !!!!
نفت برأسها بهيستيرية ليتركها “ظافر” مبتعداً عنها ، أمسك بخصلاته ليقول بصدرٍ مهتاج :
– جهزي شنطتك عشان نروح لقصر الهلالي يا مدام !!!!
• • • •
الفرحة تسود القصر بأكمله لعودة بِكرها ، وُضعت أشهى المأكولات على طاولة الطعام و جميع من بالقصر على قدمٍ وساق يُجهزون كل شئ ، أخبرها “ظافر” على الهاتف أنه تزوج من “ملاذ” ، بتلك اللحظة أطلقت زغاريد فرِحة أرتابت لها “مريم” ، أخفت السيدة “رقية” هذا الخبر عن العائلة بأكملها بأمرٍ من “ظافر” حتى مجيئه هو ليعلم البلدة بأكملها ، قالت “السيدة رقية” بينها وبين حالها :
– و أخيراً يا ظافر يابني أتچوزت ، أخيراً هتچبلي حفيدي اللي نفسي فيه، أحمدك يارب !!!!
نادت على الخدم تقول بصرامة :
– يالا يابت أنتِ وهي عايزة البيت يُبرق من النضافة عشان ضنايا جاي !!!!
بينما “مريم” تكاد تجن و كأنها تقف على جمرٍ مشتعل ، لا تصدق متى سيأتي زوجها الذي لم يهاتفها أبداً منذ أن ذهب و هي لا تعلم عنه شئ سوى من والدته ، تتمنى أن لا يحدث شئ سئ بعودته !!!
• • • •
أطرقت “رهف” بخفة على الباب ، يقف بجانبها زوجها وحبيبها ، فتحت والدتها الباب لتجد أبنتها تقف على وجهها أبتسامة واسعة ، لم تبدو أن والدتها فرحت برؤيتها خاصة عندما قالت بفتور :
– عايزة أيه يارهف ؟!! مش خلاص أتجوزتي وعيشتي حياتك !!!!!
أغرورقت مقلتيّ “رهف” بالدموع و هي تقول بحزن :
– أنتِ وحشتيني أوي يا ماما !!!!
رق قلب والدتها لتجذبها لأحضانها مربتة على ظهرها :
– أنتِ اللي وحشتيني يا ضنايا ، تعالي أدخلي ..
نفت “رهف” برأسها قائلة :
– لاء يا ماما كفاية عليا أني شوفتك ، أنا بس كنت جاية أطمن عليكي ..
ربتت أمها على خصلاتها بحنو :
– و دة ينفع يابنتي ، تعالي أتفضلي أنتِ و جوزك !!!!
دلفت “رهف” بتردد يُعقبها “باسل” كظلها ، دلفوا جميعاً ليجلسوا في غرفة الصالون، جلست “رهف” جوار والدتها تتشبع من حنانها لرُبما لن تراها مرةً أخرى، ترددت كثيراً أن تسأل عن هذا الحقير، ولتقطع الشك باليقين تمتمت و هي تتمنى أن تسمع خبر مو.ته :
– أومال جوزك فين يا ماما ؟!!
تحدثت بإعتيادية :
– نايم يا حبيبتي …
أطلقت “رهف” زفيراً إرتياحياً و هي تتمتم بصوتٍ منخفض :
– يارب ينام مـ يقوم !!!!
ربتت والدتها على قدمها و هي تسعُل بقوة :
– رهف يا بنتي .. ممكن تروحي تجيبيلي كوباية ميا أشرب يا حبيبتي ..
أومأت “رهف” سريعاً لتهم بالذهاب و لكن قاطعها صوت زوجها الصارم قائلاً :
– خليكي يا رهف أنا هجيب .. المطبخ من فين ؟
أستطردت “رهف” سريعاً وهي ترى والدتها تسعل بقوة :
– لاء يا باسل خليك انا هجيب الميا ع طول ..
هم “باسل” بالإعتراض ولكنها تبخرت من أمامه تاركة إياه يسب بينه وبين حاله ..
سكبت “رهف” الماء داخل الكوب الزجاجي، توقفت الدماء عن السير بأوردتها عندما شعرت بـ يدٍ غليظة تقبض على خصرها، كادت أن تصرخ ليضع هو يده على فمها مكبلاً إياه ليصبح شبه محتضنها، ظهرها ملتصق بصدره و بـ يدٍ يطبق فمها وبالأخر يسير على جسدها بأكمله برغبة مقززة ، لمساته تحرقها و هي حية، رفعت قدميها لتضربه بقدمه بقوة من الخلف ، تآوه الأحمق بصوتٍ منخفض ليُطلق سراحها ممسكاً بقدميه، ألتفتت له لتُبصق في وجهه، ركلته بقدميها على رُكبته ليتكوم بالأرض، أرتجفت يداها وهي تلتطقت كوب الماء لتدلف خارج المطبخ، منعت بصعوبة إنهمار الدموع بعيناه لتخرج إلا والدتها ، مدت يدها بكوب الماء قائلة بنبرة مهتزة :
– أ .. أتفضلي يا ماما …
أخذت والدتها الكوب لترتشف منه دُفعةً واحدة ، نظرت إلى “باسل” الذي يطالعها بشكٍ، تمنت لو أن تخبره ليذهب يُلقنه درسٍ قاسٍ لن ينساه طيلة حياته، ولكن خوفها على زوجها كان أكبر، هي تعلم أنه لن يتركه سوى جثة هامدة، و هي لن تُضحي به، إلتفتت إلى أمها تقول :
– ماما أحنا ماشيين بقا يا حبيبتي ..
أحتجت والدتها قائلة بحُزن جلي :
– أنتوا ملحقتوش تقعدوا يا بنتي .. و أنا لسة مش أطمنت عليكي ..
مالت عليها “رهف” لتحتضنها مجهشة ببكاء مرير ، أنقبض قلبه و هو ينتفض من على المقعد ، يرى والدتها تُربت على ظهرها و هي تقول بجزع :
– مالك يا ضنايا ؟!! فيكي أيه أوعي يكون جوزك مزعلك !!!!
نفت “رهف” و هي تبتعد عن أحضانها ، مسحت دموعها قائلة بحُزن :
– أنا بعيط عشان هتوحشيني أوي يا حبيبتي ..!!!
ربتت والدتها على كتفها قائلة :
– هو أنا هروح فين أبقي تعالي أشوفك البيت مفتوحلك في أي وقت ..
أومأت “رهف” لتودعها ، خرجا كل من “رهف” و “باسل” الذي يربت على ظهرها بحنو ، نظرت له “رهف” لتتشبث في يده و هم يسيروا نحو السيارة، استقل كلا منهما محله ليلتفت لها “باسل” مردفاً بشفقة :
– أنتِ كويسة يارهف ؟!!
أومأت “رهف” دون أن تتحدث ، انطلق “باسل” بالسيارة عائدين نحو بيتهما !!!!
• • • •
أستقل كلاً منهما السيارة بملامح جامدة، أردف “ظافر” قائلاً بنبرة فاترة :
– أخر مرة تلبسي فيها القرف دة .. و هدومك أنا اللي هختارهالك !!!!
ألتفتت له “ملاذ” بصدمة قائلة :
– تختارلي هدومي ، ليه إن شاء الله أنت فاكر نفسك مين ؟!!
ضرب على المقود بعنف لترتد “ملاذ” إلى الخلف عندما صرخ بوجهها :
– أنــا جــوزك .. و أنــتِ مـلـكـي أنـا .. بطلـي العنـاد والغرور اللي أنـتِ فيه و كلمتي تتسمع !!! دي أخر مرة أقول فيها الكلام دة ، فـــاهـمـه !!!!!
أنتفضت “ملاذ” من ذلك الرجل الذي أمامها، لا ليس هو .. هي لا ترى “ظافر” الأن بل ترى والده أمامها بصراخه الدائم و بنبرته المُرعبة و قساوة حديثه، ليس هذا “ظافر” من أهتم بها و رعاها، ليس من جعلها تشعر أنها ملكة متوّجة، لم تنبت ببنت شفة ، ليس خوفاً منه .. و إنما ذكاءاً منها حتى لا تجعله يخرج أسوأ ما به و هو في تلك الحالة المشحونة بذبذبات الغضب و لكن حديثه لم و لن يروق لها، أنطلق “ظافر” بالسيارة بجسدٍ متشنج أثر غضبه ، أنطلق بالسيارة التي تكاد تطير من فرط السرعة التي يسير بها، قطبت “ملاذ” حاجبيها بخوفٍ لم تُظهره، منذ صغرها تخاف من سُرعة السيارات بل تتلبسها حاله من الذُعر، وضعت يداها على كتفه و هي تقول بصوتٍ مُرتجف :
– ظافر هدي السُرعة .. ظـافر بقولك هدي السرعة لـو سمحت !!!!!
لم يكُن يسمعها ، لم يسمع حبيبته و هي شبه تترجاه أن يُبطئ السرعة لم يُكن يرى أو يسمع شئ ، هو هكذا عندما يغضب لا يرى أو يسمع، و لكن صوت شهقات بكائها و هي تدفن وجهها داخل كفيها يخترق أذنه لتعصف به بقوة ، ضغط على مكابح السيارة لترتد إلى الخلف، ألتفت لها وقد ذهب غضبه إدراج الرياح، ترجل من السيارة ليذهب نحوها، لم تكف “ملاذ” عن البكاء القوي رُغم توقف السيارة، لم تستفيق سوى على ذراعه الذي يجذبها نحوه بلُطف ليُخرجها من السيارة ، أبعدت يداها عن وجهها لتظهر عيناها المبتلة و الحمراء .. لو بإستطاعته كان ليقتل نفسه حتى لا يتسبب في بكاءها بتلك الطريقة، جذبها إلى أحضانه ليجعلها تحاوط عنقه رُغماً عنها، قبل خصلاتها مربتاً على ظهرها و هو يُردف بندم حقيقي :
– أنا أسف .. متعيطيش خلاص أنا أسف أنا مكنتش شايف قُدامي، ملاذ أرجوكي متعيطيش يا حبيبتي خلاص …
أبتعدت عنه تضربه على صدره ضربات قوية متتالية قائلة بصراخٍ باكي :
– أنـت غبي و مجنون .. أنا مبحبش السُرعة العالية بفتكر بابا و ماما ماتوا أزاي يا ظافر و أنا مبحبش أفتكر ده ..
جذبها لأحضانه مجدداً في عناق يسحق عظامها يدفن وجهه بعنقها يقول بأسفٍ :
– أهدي أنا أسف .. خلاص وعد مش هسوق بسرعة تاني بس كفاية عياط !!!!
حاوطت عنقه برجفة و هي تسند رأسها على كتفه و قد شعرت بالطمأنينة بين يداه، شعور فريد حقاً ، تشعر أنها تحتضن أباها بدفئ عناقه ولمساته الحنونة، هدهدها “ظافر” يمسح على خصلاتها مغمضاً عيناه يشتم رائحتها الجذابة، كم تمنى ذلك العناق كثيراً، كم تمنى أن تعانقه وتتشبث به مثل الأن، دام عناقهما رُبما عدة دقائق كِلاهما صامتان، أبتعدت عنه “ملاذ” ليحاوط “ظافر” وجهها بكفيه ماسحاً دموعها، أقترب بثغره ليُقبل مقدمة رأسها بحنو جارف، نظر لها قائلاً بمرحٍ :
– تمام كدا يا باشا ؟!!
أبتسمت “ملاذ” و ما أجمل أبتسامتها بعد بُكائها .. نظرت له قائلة بتحذير وهي تزم شفتيها :
– مش هتزعقلي تاني أبداً ؟!!!
ملئت ضحكاته الرجولية الطريق الفارغ الذين يقفوا به ليجذب وجهها نحوه مقبلاً طرف ثغرها بعُمق قائلاً بحنو :
– لاء مش هزعقلك تاني أبداً ..
أومأت “ملاذ” لتستقل السيارة بمشاعرٍ مختلفة كُلياً ، أستقل هو أيضاً لينطلقوا نحو قصر “الهلالي”
• • • •
ترجل “ظافر” من السيارة بعد أن صفها في مصف السيارات الخاص بعائلتهما، ترجلت هي الأخرى بتردد لتتمسك بذراعه قائلة :
– ظافر .. أنت متأكد أن هُما هيقبلوا بيا ؟!!
ربت على كفها قائلاً بلطف :
– أيوا متأكد .. أنا قايل لأمي أصلاً اني كتبت كتابي عليكي !!!!
شهقت “ملاذ” قائلة بصدمة :
– بجد !!! طيب و هي قالتلك أيه !!!
كوّب وجهها بين يداه قائلاً :
– كانت مبسوطة جداً ..!! وبعدين متخافيش و أنا جنبك !!!
قطبت حاجبيها قائلة بإنزعاج :
– أنا مش بخاف أصلاً !!!
قهقه “ظافر” ليُقبل جبهتها ممسكاً بكفها، سارا نحو باب القصر ليجد والدته تستقبله بالأحضان ، أحتضنت “ملاذ” أيضاً بأمومة لتبادلها “ملاذ” العناق، بينما “ظافر” لازال ممسك بكفها يرفض أن يتركه، ظهرت “ملك” التي أتجهت لتحتضن أخيها بإشتياق، تفاجأت من وجود ملاذ” بجانبه ممسك بيدها لتقول :
– ملاذ ؟!! أنتِ هنا ..!!
لم تعلق “ملاذ” أبداً ، لتظهر “مريم” من وراء السيدة “رقية” عيناها مثبته على كف زوجها الممسك بكفها ، تسمرت بمكانها لتنظر إلى “ظافر” بصدمة ، وفجأة تعالى صوتها لتصرخ به بقوة أفزعتهما :
– ظـــافـــر !!!!!!
• • • •
الفصل العاشر:
جلست على أريكة غرفتها التي تجاور غرفة “ظافر” ، ثم أطلقت العِنان لعقلها لتتذكر ما حدث من مطاحنات بينهم، عندما أندفعت “مريم” تجأر في ضراوة :
– بتعمل أي أهنه دي يا ظافر ، وماسك في أيدها ليه أكده !!!!!
عقّب “ظافر” بملامح مبهمة وبعينان جامدتان:
– مـلاذ بقت مراتي يا مريم، كتبنا كتابنا والدخله كمان كام يوم !!!!!
هللت والدته فرِحة تقول بنبرة شامتة :
– أيوا أكده ياضنايا ، اللي عملتهة الصح يا حبيبي عايزة أشوف حفيدي قبل مـ أمو.ت !!!!!
توقف عقلها عن التفكير، تحدق بكفيهما المتشابكان بجمود، لم تعد قدميها تحملها حتى كادت أن تسقط من أعلى الدرج ، لتساندها “ملك” التي أشفقت عليها قليلاً ، ليس من السهلاً أن ترى من تحبه متشبث بآخر، وقعت عليها كلماته كالصاعقة، هزت رأسها نافية ما يقول و كأنها بكابوس، هو وعدها أن لن يتزوج بأخرى ، هو من قال أنه لن يتركها، حدقت بـ “ملاذ” بحقد إن وُزع على بلدة بأكملها سيُكفي ويفيض، بينما نظرت لها “ملاذ” بإنتصار جلي، تخبرها أنه أصبح ملكها، لها هي فقط و أنها فقدته للأبد، عندما وجدتها تنظر لها بتلك الطريقة ركضت نحوها تجتاز الدرج وعيناها تشع غضباً سيودي بها، أسرع “ظافر” ليجعلها تتوارى خلفه منتصباً أمام “مريم” يحذرها قائلاً :
– إياكي تلمسيها !!!!!
ألتوى ثغرها بإبتسامة ماكرة وهي تقف خلفه لتستفزها أكثر، نظرت له “مريم” بخذلان ، بضعفٍ، بعينان حزينتان، تستميله بنظراتها عله يتراجع، ولكن لم تؤثر به نظراتها مقدار ذرة، أسرعت السيدة “رقية” تنهي اللحظات المشحونة لتجلب “ملاذ” من ذراعها متمتمة بإبتسامة مِرتابة :
– تعالي يحبيبتي أما أفرچك على جِناحك ، هو جنب جِناح “ظافر” على طول !!!
نظر لها “ظافر” قائلاً :
– لاء يا أمي ملاذ هتقعد معايا !!!!
رفضت والدته رفضٍ قاطع قائلة :
واه !!! تقعد معاك كيف يابني أنت عايز الناس ياكلوا وشوشنا ويقولوا عايشين مع بعض في نفس الچناح من غير دُخلة، لاع ملاذ هتقعد في جناحها لحد م تتدخلوا يا حبايبي !!!!
لم يُجيب “ظافر” لينظر إلى “ملاذ” يُريد أن يشبع من عيناها ، أمرت والدته الخادمة بأن تحضر ثيابها وترصصهما في خزانتها
أفاقت على رنين هاتفها لتجفل بتوجس، ألتقطته لتتأفف ثم وضعته على أذنها ترد بإيجاز :
– نعم يا عماد ؟!!
أسترسل “عماد” سريعاً وبنبرة مخنوقة :
– ملاذ حقيقي اللي سمعته ؟!! أنت واللي أسمه ظافر كتبتوا الكتاب ؟!!!
رفعت أحد حاجبيها قائلة :
– و أنت عرفت منين !!!
صاح بها “عماد” و لأول مرة بغضبٍ ثائر :
– مــش مهم عـرفـت منين جاوبيني اللي سمعته دة حـقـيـقـي !!!!!
جمدت ملامحها لتعلق بنبرة هادئة وكلمات مسمومة :
– لما تعرف تتكلم معايا أزاي ساعتها هكلمك !!!!
ثم أغلقت الهاتف بأكمله لتلقيه على الفراش بغضب تاركة “عماد” يتمتم بجنون كمن يجلس على جمرٍ مشتعل :
– لاء يا ملاذ أنتِ بتاعتي ، مش هسمح لحد ياخدك مني أنتِ ملكي أنا !!!!!
سمعت الباب يطرق بهدوء لينبعث صوتٍ أنثوي رقيق يتمتم :
– ملاذ أنا ملك .. ينفع أدخل ؟؟
ردّت “ملاذ” قائلة على مضض :
– تعالي يا ملك أتفضلي ..
دلفت “ملك” داخل الغرفة لتشهق بإعجاب مردفة :
– أيه يا بنتي الجمال دة ما شاء الله عليكي بجد ، أنا بقول لو ظافر شافك كدا ممكن يخلي الدخلة دلوقتي !!!
أبتسمت “ملاذ” ببهوت على إطراءها لتنظر إلى ما ترتديه ، فقد أبدلت ملابسها إلى منامية تتكون من بنطال قصير يصل إلى ما قبل ركبتها مع كنزة “كت”قصيرة في منتصف معدتها تكشف عن ذراعيها الممشوقتان وخصرها النحيل، لتعود ناظرة إلى “ملك” بغرابة قائلة :
– أنتِ مش بتتكلمي صعيدي زيهم ليه ؟!
أبتسمت لها “ملك” لتذهب جالسه جوارها قائلة :
– انا أصلاً بسافر القاهرة عشان الجامعة بتاعتي هناك، يعني بتكلم زيكوا عادي …
أومأت “ملاذ” بصمت، بينما هتفت “ملك” قائلة:
– عارفة يا ملاذ أنا كنت طول عمري مرات أخويا ظافر بالذات تبقى قريبة مني زي أختي كدا ، بس للأسف لما اتجوز مريم كانت بتكرهني وبتكره ماما، مريم مش سهله و نابها أزرق بس الحمدلله انه عرف يختار المرة دي..
قالت بإمتعاض لحظ أخيها الذي أوقعه في “مريم”، لتعود مبتسمه بمرحٍ قائلة:
– انا حبيتك خلاص وشكلنا هنبقى صحاب ..
نظرت لها “ملاذ” بإبتسامة نابعة من قلبها، فتلك الفتاة رُغم سنها الصغير إلا أن وجهها البشوش المستدير يجعلك تطمأن لها، أبتسمت لها “ملاذ” قائلة :
– أكيد يا حبيبتي ..
صفقت “ملك” بسعادة، لتجلس مربعة القدم قائلة بحماس متأهبة :
– خلاص أحكيلي بقا أتعرفتوا على بعض أزاي أنتِ و ظافر ؟!!
مُحت الأبتسامة من على وجهها لتشرد في أول لقاء بينهما بعد مرور تلك السنوات،عندما دافع عنها أكثر ولقن “سالم” درساً لن ينساه، نظرت إلى “ملك” قائلة بإبتسامة صفراء:
– أنا بقول تخلي “ظافر” يحكيلك احسن ؟!!
– لاء أنا عايزة أسمع منك !!!
قاطعهما أقتحام “ظافر” الغرفة لتنتفض “ملك” تنظر له بتوجسٍ، بينما “ملاذ” لم يهتز لها رمشٍ، أشار لـ “ملك” بالخروج لتخرج فوراً دون انا تنبس بكلمةٍ، أخذت عيناه تجول على ما ترتديه من ملابس، كلما يراها يشعر بأنه يفقد السيطرة على نفسهُ، مسح على وجهه بعنف ليزمجر بحدة :
– الحيوان عماد كلمك !!
نظرت له بدهشة قائلة :
– و أنت عرفت منين ؟!!
أبتسم بقسوة مردفاً بشراسة :
– أتوقعت، أصل أنا نزلت الخبر في الجرايد عشان كله يعرف أنك بقيتي بتاعتي !!!!!
جحظت عيناها لتنهض مندفعه تجاهه بشبه صراخ :
– ظـافر أنت أتجننت أزاي تنشر الخبر كدا و مقولتليش لـيـه !!!!!
جمدت أنظاره يقول بتحذير :
– متعليش صوتك يا ملاذ !!!!
بلغ الغضب ذروته لتضرب الارض بقدميها بصوتٍ أعلى :
– فهمني لـيـه عملت كدا من غير ما تقولي !!!! عماد شكله اي دلوقتي قدام الناس !!!!!
نبض فكه بقوة ليتشنج وجهه بغضبٍ هالك، قبض على ذراعها بقوة آلمتها صارخاً بوجهها يجأر بصوته الجهوري :
– إيــاكـي تجيبي أسم راجل تاني على لسانك أنا حذرتك قبل كدا المرة الجاية هتزعلي مني يا مــلاذ !!!!
لم يهتز لها رمشٍ، ظلت تطالعه بجمود لتنفض يداها بعيداً تزيح كفه القاسي، دلفت “رقية” إلى الغرفة بدون استئذان تضرب صدرها بذراعها قائلة بقلق :
– في أيه يا ولاد صوتكوا عالي ليه عاد، أوعاك “إياك” يا ظافر تزعل ملاذ بتي من دلوكتي يا ملاذ لو ظافر عملك حاسة تيچي تقوليلي أنا زي أمك يا حبيبتي ..
ظل ينظر لها بقتامة لينهب الأرض بقدميه دالفاً خارج الجناح ، ظلت “ملاذ” على وضعها تنظر للأمام بشرود، ربتت “رقية” على كتفيها قائلة بحنو :
– معلش يا بتي أستحمليه، ظافر عصبي بس مافيش أحن منه، أنا مـ صدقت أني إن شاء الله هبقى چدة، أرتاحي يا حبيبتي و نامي هبَابة “شوية” على ما الخدم يحضروا الغدا ..
اومأت “ملاذ” بإرهاق فهي حقاً منهكة، خرجت “رقية” لتترك لها مساحة من الحرية، أتجهت “ملاذ” نحو الفراش لتستلقى عليه بتعب، كم أشتاقت لفراشها وشقتها.. بعد دقائق قليله ذهبت “ملاذ” في سُبات عميق !!!
• • • •
جلس جوارها على الفراش، مسح على خصلاتها بندم يجاوره أخيها الصغير مترقرق العينان خائفاً على شقيقته، أخبره الطبيب الذي ذهب قبل دقائق بإرهاقها النفسي والجسدي وضرورة الأعتناء بها وبصحتها، أنثنى يضع يداه على ركبته ممسك برأسه بتعبٍ، ذهب نحوه الصغير قائلاً ببراءة وبنبرة شبه باكية :
– عمو هي فريدة هتفوق أمتى ؟!!
نظر له “مازن” متمتماً بضيق:
– فريدة نايمة شوية يا يزيد ..
أومأ “يزيد” يتنهد بتعب يُفرك عيناه بطفولية، ليبتسم “مازن” قائلة في نبرة لطيفة :
– تيجي ننام أنا و أنت جنبها ؟!!!
أومأ الصغير سريعاً ليصعد الفراش مستلقياً جوار شقيقته، دفن أنفه الصغير بعنقها متمتاً بكلمات غير مفهومة، أستلقى “مازن” هو الأخر جوارهما بحذرٍ، أغمض عيناه بنعاس ليغفو هو الأخر ..
