ندي 1

” عارف أنت أجمل إنسان شوفته في حياتي..”

قالت هذه الجملة سرًا.. وهي مستنده بوجنتها على قبضةِ يدها وباليدِ الأخرى تقلب فنجان المشروب الساخن.. ومقلتيها البندقية تنظر إلى ذلك الرجل الجالس أمام طاولة تقع على الجانب الآخر منها.. مرتديًا بدلةً سوداء أنيقة أسفلها قميص ناصع البياض تاركًا أزراره الأولى مفتوحةً لتظهر بعض علامات عضلات صدرهُ البارزةِ ..

كان يقلب في الهاتف النقال وباليد الأخرى حاملًا فنجان القهوة السادة.. أخذت تتأملهُ وهو لم يراها بل لم ينظر حوله قط.. فهو يجلس بشموخ حتى طريقة مسكته لفنجان القهوة مميزهٌ.. رجل يبدو عليه الجدية والاعتزاز بالنفس..

ترك الهاتف أعلى المنضدة وأشار بيده إلى النادل ليأتي إليه فورًا واعطى له حق القهوة ومال أخر له.. ثم نهض ليغادر وهي مازالت تحملق في المكان الذي كان يحتله منذ لحظات حتى فاقت من شرودها أخيرًا ..

تركت الملعقة وتناولت القلم الذي كانت تكتب به قبل أن يأتي ذلك الوسيم.. ثم وضعت القلم أسفل قدمها اليسار وهي تنظر حولها خوفًا من أن يراها أحد.. ثم اعتدلت في جلستها وبعد لحظات دفعت القلم ليتدحرج وهي تتابعه بطرف عيناها و تتناول من المشروب.. حتى استقر القلم عند الطاولة التي كان يحتلها ذلك الرجل.. نهضت من مكانها متجه نحو الطاولة وكلما اقتربت منها كلما استنشقت رائحة عطرة الرجولية التي حركت مشاعرها وهزت قلبها..

فهذه ليست المرة الأولى التى ترى فيها ذلك الرجل هنا بل هذه ثالث مرة.. وتأتي يوميًا في نفس المعاد كي تراه .. وقفت أمام الطاولةِ تستنشق عطره الساحر بعمق لتشعر بنشوةٍ في صدرها.. تحسست الطاولة.. فلفت انتباها قلمٌ أسود اللونِ يبدو عليه باهظ الثمنِ فعلمت أنه نسى القلم.. فمدت يدها لتأخذه والتفتت مسرعة لتصطدم في جسد صخري وانسكب مشروبها على بدلته وقميصه ..

لم تعلم أنه خلفها أو أنه سيعود من أجل ذلك القلم.. رفعت رأسها ببطء وعندما تقابلت عيناهم جحظت عيناها في توتر وخجلت والكثير من المشاعر الممزوجة في بعضها البعض.. بينما جز أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه قابضًا قبضة يده بقوةٍ حتى أبيضت أنامله..

تحدثت بتلعثم :

-أ آآ أ سـ فة

تحدث ببحة صوته الرجولية من بين أسنانه ناظرًا إليها بنظراتٍ جامدةٍ :

-نضفي.. حالًا

ابتلعت لعابها بصوت مسموع وصل إلى مسامع أذنيه.. ولم تجد حلًا أخر سوى أنها كررت لهُ اعتذارها ولكنه لم يقبله.. وتحدث من بين أسنانهِ بعصبيةٍ مفرطة :

-مين سمحلك تقربي من مكاني ؟..

أخذ القلم من يدها بعنف فتأوهت بخفة وشفـ,ـتيها ترتعش فتابع بحده :

-مفيش حد تجرأ قبل كده ولمس حاجتي الخاصة

اتسعت عيناها بحده فأمسكت بحافةِ الطاولة بقوةٍ وأخذ صدرها يعلوا ويهبط في توتر كاد أن يخطف أنفاسها.. فيما تركها ذلك الرجل المتعجرف وخرج من المطعم وهو يمسح معطفه بمنديل ويبدو عليه الغضب.. فتح السائق الخاص به الباب الخلفي للسيارة ليجلس على الأريكة وهو يزفر بنفاذ صبر.. فقد بدأ يومه بشجار بينه وبين فتاة حمقاء حقًا.. ثم جلس السائق أمام المقود وغادر إلى وجهته..

أما في الداخل مازالت هي واقفه تحملق في المكان الذي كان يحتله أمامها وحبات العرق الباردة انتشرت على جبهتها.. وجدت نفسها تجلس على مقعده عندما شعرت بثقل في قدميها.. ولكن سرعان ما نهضت عندما تذكرت حديثه الحاد هذا وتناولت القلم من أسفل الطاولة وعادت إلى طاولتها ثم طلبت عصير الليمون لتهدأ نفسها به..

” هذه الفتاة تدعي ندى الشاذلي من عائلة ثرية ولكن تفضل العمل بعيدًا عن والدها.. تخرجت من كلية الآداب قسم اللغة العربية.. تمتلك بشرةً بيضاء تميل إلى اللون القمحي وعينين واسعتين باللون البني الذي يشبه لون البندق.. وشعر بني كثيف يصل إلى كتفيها..”

تناولت المشروب على مرة واحده ثم تنهدت بعمق و وضعت المال أسفل الكوب ثم لملمت أغراضها وخرجت مسرعة كي لا تتأخر على العمل الجديد.. استقلت سياراتها ذاهبه إلى عنوان العمل وهي متحمسة للغاية ويبدو عليها النشاط والحيوية..

عند وصولها أوقفت السيارة أمام بوابةٍ كبيرةٍ وضخمة وأخذت تضغط على البوق.. فتح موظف الأمن بابًا صغيرًا مجاورًا للبوابةِ وأقترب منها حتى وقف أمام النافذةِ ينظر إليها متسائلًا :

-مين حضرتك ؟

أجابت بتلقائية :

-أنا ندي البيبي سيتر

تذكر موظف الأمن وقام بفتح البوابة الكبيرة لتدخل بالسيارة ببطء.. لتنظر إلى أشجار الزينة بإعجاب شديد والتي تحمل ورود باللون الوردي البراق في كلا الاتجاهين.. حتى وصلت إلى الفيلا وترجلت من السيارة تنظر إلى المبنى لتراهُ أسود فيخطف قلبها لكونها تعشق ذلك اللون.. صعدت أربعة درجات حتى وصلت إلى الباب الكبير و دقت الجرس..

فُتح الباب بواسطة خادمةً أجنبية فتبادل الإثنان الحديث باللغة الأنجليزية وأدخلت ندى وبقيت معها حتى جلست على أقرب أريكة ثم ذهبت الخادمة.. أخذت تنظر حولها لترى اللون الأسود والأبيض فقط ممزوجان فكل شيء هنا.. واندهشت من كثرة الأشياء المرتبة بطريقة مميزة والمنزل هادئ بالرغم من وجود طفلان هنا.. جاءت سيدة تدعي وفيه يبدو عليها في بداية الخمسينات وتعمل خادمةً هنا منذ سنوات.. صافحت ندى مرحبةً بها ثم جلست إلى جوارها وقالت :

-أستاذة ندى حضرتك طبعًا عارفه إنك جاية تراعي طفلين توأم..

أومأت بالإيجاب عدة مرات فتابعت السيدة وفيه :

-الولد أسمه ريان والبنت أشرقت.. وأنتِ سادس بيبي سيتر.. اتمنى إنك تقدري تحببيهم فيكِ

بللت شفتيها بلسانها وعلمت إن التعامل مع هذان الطفلان يبدو صعبًا وبرغم القلق الذي شعرت به من هذان الطفلان ابتسمت وقالت بهدوء :

-بإذن الله أنا قدها.. ياما اتعاملت مع أطفال

رفعت يدها نحو كتفها تربت عليه ثم نهضت وطلبت منها أن تأتي معها فنهضت ندى وأخذتها السيدة وفيه إلى الطابق العلوي.. ثم وقفت أمام غرفتين واحده مكتوب عليها اسم ريان والأخرى أشرقت.. ثم ربتت على كتفها ثانية وقالت بتمني :

-حظ موفق يا بنتي

ثم تركتها وذهبت فاستدارت ندى بكليتها تنظر إلى تلك السيدة في تعجب حتى اختفت عن عينيها.. فرفعت كتفيها وقالت في حيرة ولكن بصوت منخفض :

-ليه محسساني إني داخلة على حرب..

ثم استدارت إلى الغرف ثانيةً وأخذت تحرك مقلتيها بين الأبواب حتى استقرت عيناها على غرفة الفتاة.. فدقت الباب وانتظرت الإذن بالدخول ولكن لم يأتي أي رد.. فاضطرت أن تفتح الباب ببطء وأدخلت رأسها فقط تنظر حولها حتى رأت فتاة صغيرة جالسة على مكتب صغير منشغلة في الرسم.. استقام ظهرها ودخلت مغلقةً الباب خلفها و وقفت رافعه يدها بابتسامة قائلة :

-صباح الخير أشرقت

رفعت عيناها الزرقاء إليها للحظات ثم عادت بالنظر إلى الرسم واكملت التلوين.. ” أشرقت في الخامسة من عمرها تمتلك بشرة بيضاء وشعر كثيف مجعد أسود براق وعينين زرقاء صافيه تخطف الأنظار..”

اختفت ابتسامتها تدريجيا و وضعت يدها إلى جوارها.. وقفت للحظات تفكر كيف تتعامل معها ثم تقدمت نحوها بخطوات بطيئة و وقفت خلف المكتب الصغير وجلست على ركبتيها لتكون في نفس مستواها وأخذت تتابعها وهي تلون سمكة الرسوم المتحركة الشهيرة ” نيمو ” ولكن بشكل غير منظم فقالت بلطف :

-خليني أساعدك في التلوين ..

ثم أمسكت طرف الدفتر محاولة استدارته إليها ولكن أمسكت أشرقت الدفتر بكلت يديها وتجز أسنانها عنوة وبرزت عظام يدها بفضل تعصبها.. تفاجأت ندى من ردة فعلها وتركت لها الدفتر على الفور لتعود تلك الصغيرة إلى طبيعتها وتتابع التلوين بهدوء.. وقفت ندى وهي تخرج تهنيده قوية من صدرها وبكل هدوء التفتت متجه نحو الباب وهي تفكر كيف تتعامل معها وهي في تلك الحالة.. لتتذكر شقيقها ريان يبدو أنه مثلها وأكثر حركت رأسها في كلا الاتجاهين لتخرج تلك الأفكار من رأسها ثم خرجت من الغرفة.. ولم تري من الذي أقترب منها من الخلف واستدارت لتنصدم رأسها في جسد صخري فتأوهت بخفة واضعه يدها على جبينها تحكه ثم رفعت عيناها إلى ذلك الرجل و تفاجأت به..

أنه نفس الرجل الذي تفكر به وتراه يوميًا .. نظر إليها بجمود وحدهٍ ولم يندهش من وجودها هنا فبمجرد أن رآها علم أنها الفتاة التي جاءت لتعتني بالأطفال.. ولكن لم يخيل له ابدًا أن تكون تلك الفتاة الحمقاء التي تشاجر معها..

” رحيم في بداية الثلاثينات جاد في عمله وحاد الطباع .. لديه عينين سوداء جذابةٍ وشعر كثيف أسود يصل إلى نهاية عنقه ولحيه تزيين وجهه القمحي الرجولي ودائمًا ما يعقد حاجبية..”

قبض على مرفقها اليسار بخفه وازاحها جانبًا ثم تابع السير دون أن يتفوه بكلمة.. مما اثار دهشت ندى من معاملته هذه والتفتت لتنظر إليه في ذهول ثم ارتسمت ابتسامة على ثغرها وتنهدت بحب قائلة :

-حمش.. أحب الحمش

ثم عادت إلى غرفة ريان وقرعت الباب ثم دخلت رأته جالسًا أمام مكتبه يكتب واجباته المدرسية.. ويشبه رحيم لدرجةٍ كبيرة من لون عيناه وشعره الكثيف وأيضًا لون بشرته.. جلست على ركبتيها أمام المكتب تتابعه وهو يحل مسائل الرياضيات لتجد الكثير من الأخطاء.. فقالت بلطف دون أن تلمس الدفتر :

-خليني أساعدك واعلمك تحل صح

رفع سوداويته إليها بغضب ثم عاد بالنظر إلى الواجب وأخذ يحل بطريقة عشوائية ليكثر من أخطائه وقال بصوت طفولي غاضب :

-أنتِ المربية الجديدة ..

شعرت بالسعادة فور سماعها لصوته و اومأت بالإيجاب بكل حماس فقال بنفس الغضب :

-مش عايز بيبي سيتر.. مش عايز بيبي سيتر.. مش عايز بيبي سيتر..

أخذ يكرر تلك الجملة وهو يحرك رأسه في كلا الاتجاهين.. فاختفت ابتسامتها وتساءلت باهتمام :

-طيب عايز ايه وأنا اعملهولك ؟!

لم يجيب عليها وأخذ يكرر جملته فتنهدت بسأم ثم نهضت متجه صوب الباب وخرجت ولكن لم تغلق الباب و وقفت تنصت له حتى توقف عن تكرار تلك الجملة.. وأغلقت الباب وهبطت إلى الطابق السفلي تنظر حولها حتى خرجت السيدة وفيه من المطبخ و وقفت أمامها تساءل عن الاطفال فقالت بأسف :

– أنا.. جيت بس علشان أتعرف عليهم.. ومن بكره هبدأ معاهم

-طيب يا بنتي اوضتك موجودة

تعجبت قائلة :

-اوضتي ؟.. أه تقصدي اني هقعد هنا..

حركت رأسها بالإيجاب فأخذت تفكر للحظات ثم قالت :

-همشي دلوقت وهكون هنا من بدري ومعايا حاجتي

***يتبع

أي رأيكم وأي مشكلة ريان و أشرقت ؟؟ ..

مشهد { 2 }

” من أجلك.. ”

في الصباح الباكر وصلت ندى إلى الفيلا ومعها حقيبتها.. وقفت تقرع الباب وانتظرت للحظات حتى فتحت سيدة وفيه ورحبت بها.. ثم أخذتها إلى حيث الغرفة التي ستمكث داخلها.. أعجبت ندى بالغرفة ونظامها الرقيق كان في خيالها أن تلك الغرفة ستكون غير منتظمة ولن تعجب بها ولكن هي على عكس ما فكرت به تمامًا ..

تركتها السيدة وفيه وخرجت إلى حيث غرفة مائدة الطعام و وقفت إلى جوار رحيم وهو يتناول طعامه وقالت :

-رحيم بيه المربية وصلت

قال دون أن ينظر إليها :

-خليها تنتظرني في المكتب

اومأت موافقة ثم ذهبت إلى ندى وأخذتها إلى غرفةِ المكتب ثم تركتها وعادت إلى عملها.. جلست على المقعد المجاور للمكتب ورأسها تلتفت في كل مكان فقد أعجبت كثيرًا بالمكتبةِ التي تقع في جميع أنحاء الغرفة بدلًا من طلاء الحائط وتصل إلى السقف.. داخلها الكثير من الكتب فتنهدت بعمق وقالت بابتسامة واسعة :

-شكله بيحب القراءة زيي

دخل رحيم الغرفة وقام بفتح النافذة التي تقع على يمين المكتب ليدخل ضوء الصباح.. ثم جلس أمام المكتب فتحدثت ندى بمرح :

-صدفه غريبة اوي بصراحه.. وأنا أسفه على اللي حصل مني امبـ..

مد يده بورقه يناظرها بملامح جامدة مقاطعًا لها وهو يقول بنبرة رجولية مميزة :

-اكتبي بياناتك هنا

اختفت ابتسامتها فجأة في تعجب من تصرفه وعدم اكتراثه لحديثها.. وأخذت الورقة من يده فتناول قلم و وضعه أمامها لتأخذه وبدأت تكتب بيناتها.. فيما تناول سيجارة واشعلها ليسحب الدخان إلى صدره ويزفره بهدوء ..انتهت من كتابة البيانات و وضعت الورقة والقلم فوقها أمامه ..رفع الورقة يفحص بياناتها فقط بعينيه ثم نظر إليها بثقل قائلًا :

-أنتِ بنت رؤوف الشاذلي

اومأت بالإيجاب ثم تساءلت بمرح :

-تعرف بابا ؟!

عاد بمقلتيه إلى الورقة وهو يجيب بثقه :

-غني عن التعريف

ثم وضع الورقة داخل ملف وتحدث بجدية وهو يدخن السيجارة :

-أنتِ سادس مربية للأولاد.. إذا مقدرتيش تتعاملي معاهم من النهاردة فياريت تمشي

كان يتحدث وهي شاردة في نبرة صوته المميزة التي حركت قلبها من الداخل وعيناها على ساعة يده المميزة والتي خطفت انظارها وطريقة مسكه للسيجارة ..فكل شيء يخصه نجح في أن يخطف قلبها وروحها أيضًا انتظر أن ترد عليه ولاحظ شرود تلك البلهاء في ساعته فنظر إلى الساعة ثم ضر.ب على المكتب بيده الأخرى لتفيق من شرودها وتنظر إليه ببلاهةٍ وكرر حديثه ثانيةً ولكن هذه المرة بحده.. فأجابت سرًا :

-هستحملهم علشانك..

ثم أجابت فورًا :

-طبعًا.. أكيد

اشمئز من إجابتها البسيطة وطلب منها أن تخرج الأن.. نفذت رغبته فورًا ونهضت مغادرة الغرفة ثم اتجهت نحو المطبخ مناديه على السيدة وفيه ..تقابلا الاثنتان عند باب المطبخ فقالت ندى :

-أنا عايزة اوصلهم للباص

فكرت للحظات ثم ابتسمت لها موافقة فاتسعت ابتسامتها وخرجت إلى البهو الواسع ..فيما وقف رحيم أمام باب غرفة المكتب من الداخل ينظر إلى ندى التي لم تراه بفضل عدم إضاءة الغرفة ..فيما هبط الإثنان الدرج و وقفا ينظران حولهما بحثًا عن سيدة وفيه والتي لم تأتي كي تأخذهم إلى الحافلة ..اقتربت ندى منهم بعدة خطوات وقالت بابتسامة لطيفة :

-أيه رأيكم اوصلكم للباص النهاردة

لن يكترث الأثنان لها ونادى ريان بعصبية على سيدة وفيه جعل جسدها ينتفض متسع العينين فيما خرجت وفيه فركض الأثنان إليها لتنظر إلى ندى الحزينة بحزن ثم أخذت الأطفال إلى الحافلة.. أغمض رحيم عيناه قابضًا قبضته وهو يشعر بالشفقة عليها فهي كانت تتحدث إليهما بلطف على عكس من جاءوا قبلها ..طرد تلك الأفكار فورًا من رأسه وأخذ يطرح على نفسه عدة أسئلة.. أهمها لما هو مهتم بها فهي مثلها مثل الآخرين..

مازالت ندى واقفة شاردة في الفراغ الذي كان يحتله ريان منذ لحظات ..ولم تفيق سوى على صوت رحيم الذي تقدم نحوها ببطءٍ شديد و وقف خلفها عاقدًا حاجبيه كعادته وتحدث بحده :

-لو سمحتي تحاولي معاهم مرة تانية

التفتت إليه تحملق به في تعجب فهو يطلب منها أن تحاول معهم ولكن بحده ..فكان يجب عليه أن يتحدث إليها بلطف بل ويترجاها أيضًا ..لن تستطيع كتم ما فكرت به ورفعت سبابتها إليه بحنق قائلة :

-أنت بتطلب مني احاول فكان المفروض تطلب الطلب ده بلطف و ود

تحركت مقلتيه إلى سبابتها التي ترفعها أمام عينيه بكل جرأة ..فلم يتجرأ أحد من قبل ويرفع أصبعه في وجهه هكذا.. عادت مقلتيه بالنظر إليها بثقل رافعًا يده واضعًا سبابتها داخل قبضته يضغط عليه بشدة.. فاتسعت عيناها تنظر إلى يده متأوه فكاد أن يك.سر أصبعها وأخذت تضر.ب أقدامها في الأرض من كثرة الألم وهي تقول بتذمر :

-هينك.سر في ايدك.. أنت ..أنت!

كان ينظر إليها بملامح جامدة وبثبات وبكل هدوء ترك سبابتها فنظرت إلى سبابتها وأخذت تحركه لتطمئن عليه.. فيما تحدث رحيم بصوت عنيف :

– أنا مفيش حد يعلمني اتكلم ازاي ..فاهمة ؟!

رفعت عيناها إليه بألم ولكن سرعان ما تحولت نظراتها إلى التحدي واعتدلت في وقفتها وقد رفعت أحد حاجبيها وهي تقول :

-وأنا محدش يديني أوامر ..لو قعدت هنا هقعد بمزاجي

جز أسنانه قابضًا قبضته بقوة حتى أبيضت أنامله وينظر في عينيها بنظرات متوعده ..فانتفضت معادتها رعبًا من نظراته تلك بل وقلبها أيضا نبض برهبه ولكن تماسكت بالثبات أمامه مواجه إياه بكل شجاعة وتحدي.. تتمنى الأن أن يغادر من أمامها لتخرج رعبها المكتوم داخلها..

نادى على السائق الخاص به بعصبية وعنف فلم تستطيع أن تسيطر على خوفها أكثر فاهتز جسدها رعبًا متسعة العينين وأخذ صدرها يعلوا ويهبط ..فيما جاء السائق وأخبره أن السيارة جاهزه فلم يجيب عليه ورماها بنظرة غاضبة واضحة ثم التفت مغادرًا تاركًا إياها تجلس على الدرج تلهث واضعه يدها أعلى صدرها وتنظر حولها وهي تقول بصوت مهلك وكأنها كانت في سباق للركض :

-يا حظك يا ندى ..يخرب عقله طير عقلي..

ثم ابتسمت بهيام وتابعت :

-لكن يتحب

رات سيدة وفيه تدخل المنزل وأغلقت الباب ..فنهضت متجه نحوها بخطوات سريعة و وقفت أمامها قائلة :

-سيدة وفيه.. ارجوكِ كلميني عن ريان وأشرقت

-بصي يا ندي متدخليش في تفاصيل شخصية نصيحه مني ..وأنتِ هنا علشان تخدي بالك منهم ومن مذاكرتهم وبس كده

ما أن أنهت حديثها تركتها عائدة إلى المطبخ ..فتنهدت ندى بعمق ثم دخلت إلى الغرفة مغلقة الباب بظهرها.. ظلت حبيسة تلك الغرفة لساعات طويلة حتى شعرت بالملل..

بعد دقائق استمعت إلى صوت الحافلة فخرجت من الغرفة فورًا راكضةً إلى باب المنزل لتقم بفتحه وانتظرت الأطفال ..حتى جاء بهم الأمن وتركهم يدخلون الفيلا راكضين نحو الدرج فأغلقت ندى الباب ثم ذهبت خلفهم وصعدت الدرج لتجد كل منهم دخل غرفته ..بللت شفتيها بلسانها و وقفت أمام غرفة أشرقت تقرع الباب ثم فتحته وأدخلت رأسها فقط رأتها جالسة على حافة الفراش في صمت..

دخلت ندى بهدوء مغلقة الباب خلفها واقتربت منها ثم جلست على ركبتيها أمامها لتكون في مستواها وأشرقت تنظر إلى اتجاه النافذة.. فقالت ندى بلطف :

-تحبي أساعدك في تغير هدومك !..

لم تجيب عليها أو تنظر إليها حتى و طال الصمت بينهم فنظرت ندى إلى ما تنظر إليه لم تجد شيئًا يلفت الانتباه لهذا الحد ..ثم نظرت إليها ثانية بابتسامة قائلة :

-شنطتك جميلة اوي.. كان عندي واحده وأنا صغيرة ..بس أنا اللي كنت عاملاها بنفسي..

استطاعت هذه المرة أن تلفت انتباها فقد نظرت أشرقت إليها أخيرًا.. سعدت ندى لمجرد أنها نظرت إليها وأخبرت نفسها أنها بداية رائعة وتابعت بحماس :

-أه كنت بعمل لنفسي شنط كتير.. وكمان أحذية وفساتين ..ماما هي اللي علمتني التصميم وازاي أشتغل كروشيه

-ماما سبتني ومشيت

نطقت أخيرًا لتستمع ندى إلى صوتها الطفولي الرقيق ولكن ملئ بالحزن والألم ..فشعرت بها كثيرًا فقد فقدت والدتها هي الأخرى.. عقدت بين حاجبيها بحزن ومسكت بيديها الصغيرتين وقالت لتهدئها :

-أنا كمان فقدت أمي ..هما في مكان أحسن دلوقتِ حبيبتي ..

ثم رفعت حاجبيها بمرح وتابعت بابتسامة واسعة :

-أي رأيك أعلمك الكروشيه ..وكمان اعملك شنطة حلوه ..وهعلمك الرسم والتلوين الصح

أطرقت عيناها ولم تجيب عليها فتنهدت ندى وفضلت أن تتركها الأن ..فقبلتها على وجنتها بحنان ثم نهضت متجه نحو الباب فنظرت أشرقت إليها واضعه يدها على وجنتها التي قبلتها حتى خرجت ندى من الغرفة مغلقه الباب خلفها.. ونظرت إلى غرفة ريان فأخذت نفسا عميقًا ثم زفرته بهدوء و وقفت تدق الباب ثم دخلت مغلقة إياه خلفها.. وأخذت تنظر حولها بحثًا عنه ولم تجده ..خرج من الحمام الملحق بالغرفة تفاجأ بها فوضع ثياب المدرسة على مقدمة الفراش ثم دثر نفسه في الفراش ..فنظرت إليه وتقدمت نحوه و جلست على حافة الفراش وقالت مداعبه :

-حد برده ينام من غير وجبة الغدا..

نظر إليها عاقدًا حاجبية بتأفف مما شعرت أنها ترى رحيم أمامها فاختفت ابتسامتها وقالت في تعجب :

-أنت تشبه أخوك رحيم جدًا

رفع حاجبيه في دهشة وتحدث أخيرًا :

-معنديش أخوات غير أشرقت ..رحيم بابا

جحظت عيناها وابتلعت لعابها عنوه وهمت واقفة تطلع إليه في دهشةٍ متسائلةً :

-أبوك ؟؟ ..أبوك يعني متجوز أمك؟!! ..

حرك رأسه بتأكيد فحدقت به للحظات من الذهول وأخذت تتمتم وهي تفرك في يديها :

-يا خبتك يا ندى.. الراجل الوحيد اللي اعجبتي بيه جيتي تربي عياله ..يا خبتك يا ندى

مسحت على جبينها وشعرت بالحزن الشديد وأخذ قلبها يدق داخل صدرها برهبه ..ثم تركته وغادرت وهي تنظر إلى الأمام شاردة وهبطت الدرج وكان رحيم يدخل المنزل و وقف ينظر إليها بجمود واضعًا يديه في جيبي سرواله ..مضت من أمام سيدة وفيه والتي أخبرتها أن تأتي وتتناول معها وجبة الغداء ولكن تابعت السير دون أن تلتفت إليها أو تتفوه بكلمة .. فتعجبت من تصرفها فيما ضيق رحيم عيناه قليلًا وهي تقترب منه دون أن تنتبه وعندما اقتربت منه أكثر اتسعت عيناها وهي ثواني وانصدمت في صدره فتأوهت بحفة وفاقت من شرودها لتبتعد عنه ونظرت إليه بلهفة محدقةً به..

فقال بحده :

-مش تفتحي ..أنتِ مش شايفه قدامك ازاي هتخلي بالك من أولادي..

جزت أسنانها عندما استمعت إلى كلمة ” أولادي ” وشعرت بالألم يذبح صدرها.. فيما نظر إلى وفيه وتحدث بعنف :

-سيدة وفيه شوفي واحده غيرها وأنا هديها حساب امبارح و النهاردة

ثم اتجه صوب غرفة المكتب بخطوات واسعة ويبدو عليه الحده البالغة ..فيما ظلت ندى واقفة مكانها تفرك أصابع يديها في توتر و وجدت سيدة وفيه تقف أمامها وكادت أن تتحدث ألا أن تحدثت ندى بحزن :

-اسفه والله مكنش قصدي ..أنا بس ..بس كنتـ..

قاطعتها قائلة :

-ادخلي سمعيه الكلام ده ..يلا بسرعة

مسحت على وجهها ثم التفتت متجه صوب غرفة المكتب ودخلت بعد أن قرعت الباب ..رأته يقف أمام النافذة يدخن سيجارة فاعتذرت له ليلتفت برأسه إليها بثقل فأطرقت رأسها وقالت بحزن :

-فرصة تانية أثبت لك اني قد المسؤولية

أبتسم بخفة وقال بقصد مضايقاتها :

-أنتِ اللي بتترجيني دلوقت..

رفعت رأسها بلهفة لتنظر إليه في تعجب.. فاستدار نصف استدارة ليواجها بكبرياء وقال :

-هفكر وارد عليكِ.. بس في الوقت اللي بفكر فيه ياريت تكوني جهزتي حاجتك علشان ممكن موافقش

جزت أسنانها بغيظ حتى استمعت إلى صريرها ورفعت رأسها قليلًا تقول بثقة :

-متأكدة انك هتوافق ومش هتحتاج أنك تفكر

سحب أخر نفس من السيجارة وزفرة بهدوء ثم اطفأها في مطفأة السجائر التي على شكل تاج ملكي ..ثم تقدم نحوها فنظرت إلى أقدامه التي تقترب منها حتى وقف أمامها مباشرةً فابتلعت لعابها بصوت مسموع ورفعت رأسها إليه كي تقابل عينيها عيناه اللامعة لتخطف أنفاسها وشردت بهما لتنسى ما هتفت به للتو ..رفع يده قابضًا على فكيها بخفة لتفيق من شرودها وخرجت شهقة خفيفة من بين شفتيها وهو يقول بحده :

-لسانك اتحكمي فيه قدامي.. رحيم النادي محدش يتجرأ ويتكلم معا بالطريقة دي

ثم ترك فكيها فابتسمت لترفع حاجبيها في دهشة ..ثم تراجعت للخلف وهي تحرك رأسها موافقة على حديثه ثم وقفت عندما خرجت من الباب وقالت بقصد مضايقته :

-النادي الزمالك ولا النادي الاهلي

ثم أخرجت لسانها وركضت إلى غرفتها ..فيما رفع حاجبيه في دهشة للحظات حتى استوعب كلماتها ثم وجد نفسه يبتسم وقد فاتتها ابتسامته الفاتنة تلك ..والتي أعطت له شكلًا جميلا يخطف القلب بجماله ثم عاد إلى مكتبه ومازالت ابتسامته تزين ثغرة وشعر بالسعادة التي قد نساها .. فقد مضت أيام وليالي ولم يجد نفسه سعيدًا حقًا و أشتاق إلى ابتسامتهِ

***يتبع

{{ المشهد 3..}} ” أول نبضة قلب..”

مضت ثلاثة أيام لم يحدث شيئًا جديدًا ..سوى التعامل مع أشرقت بكل هدوء و ود ..أما عن ريان فحاولت ندى معه كثيرًا ومازال لا يتقبلها ..فهو يشبه أبيه لدرجةِ جعلت ندى تجن حقًا ..حاولت أن تلفت نظرة بالكثير من الأشياء والألعاب ولكن بلا جدوى ..

نجحت اليوم في أن تُخرج أشرقت من غرفتها وجلست معها على الأريكة الكبيرة التي تقع في بهو المنزل وأخذت تكتب واجبها المدرسي بمساعدة ندى التي تمسح على شعرها بلطف ..وصل رحيم المنزل ودخل وهو يتحدث في الهاتف مع صديقه ويتحدث عن العمل ..فنظرت ندى إليه تنصت لحديثه جيدًا حتى انتهبت لشيء ما في حديثه ..فيما تفاجأ رحيم بأبنته خارج غرفتها اليوم و وقف ينظر إليها متعجبًا حتى أنهى المكالمة ..فحرك مقلتيه تجاه ندى والتي نظرت إلى الاتجاه الأخر سريعًا بعيدًا عن نظراته

فتنهد بعمق ثم التفت متجه نحو غرفة المكتب لتنظر ندى إلى المكان الذي كان يحتله منذ لحظات بطرف عيناها لم تجده فنظرت بكلتا عينيها للحظات من التفكير ثم نظرت إلى حل أشرقت ثم نهضت متجهه صوب غرفة المكتب ..و وقفت تدق الباب فآذن بالدخول دون أن ينظر إلى الباب ..دخلت لتجده يدخن سيجارة واضعًا قدميه أعلى المكتب ناظرًا إلى الأعلى..

وقفت هي أمام المكتب وتحدثت بحجة أن تتحدث معه ليس ألا :

-سمعتك بتتكلم عن الازياء الجديدة.. أنت شغـ..

قاطع حديثها بصوته الرجولي :

-أنا لا أفضل اللف و الدوران .. اتكلمي على طول

تعجبت من حديثه وانتبهت أنه يتحدث الفصحى في بعض كلماته فميلت برأسها قليلا وتساءلت بفضول :

-ليه بتتكلم فصحى احيانًا ؟..!

وضع قدميه على الأرض وهو يزفر دخان السيجارة في الهواء وتحدث بكبرياء :

-لأن ما يميز الرجال ذات طبع خاص هي اللغة العربية

جزت أسنانها هامسة :

-متعجرف !

انتبه لهمسها فقال بحده :

-سمعيني قلتي أي

حركت رأسها بالنفي عدة مرات ثم جلست على المقعد المجاور للمكتب وقالت بوضوح :

-مقلتش حاجة.. المهم كنت عايزة اعرف حاجة ..هو شغلك في التصميم؟..

حرك رأسه بالإيجاب وهو يسحب دخان السيجارة إلى صدره ثم زفره بهدوء ..فانتظرت للحظات على أمل أن يبادلها بالحديث ولكن لن يفعل فتنهدت بسأم وتحدثت بترجي :

-أرجوك حابة أشوف التصاميم الجديدة.. خليك لطيف معايا لو لمرة واحدة بس

أطفأ سيجارته في المطفأة وقد ارتفع حاجبيه ونهض يستدير حول المكتب وهو يقول بخبث :

-واللطف بالنسبة لك هو اني اخدك للتصاميم الجديدة ..

حركت رأسها وهي تتابعه بمقلتيها حتى وقف أمامها مستند بيده على ساعد المقعد والأخرى على المكتب.. فتراجعت بظهرها إلى ظهر المقعد تنظر إليه في دهشة بفضل قربه منها هكذا للمرة الأولى ..اخترقت رائحة عطرة الرجولية أنفها عن قرب لتصيب قلبها مباشرةً والذي أخذ يدق برهبةٍ شديد حتى بدأ صدرها يعلوا ويهبط بوضوح ..فيما لاحت ابتسامة جانبية على ثغرة وتحدث بصوت منخفض :

-أنا اللطف بالنسبة ليا.. هو القرب منك ولكن بلطف.. اتكلم معاكي بلطف..

رفع يده التي كانت على المكتب وضعها على وجنتها الناعمة بلطف متابعًا :

-ألمسك بلطف مثلًا..

جحظت عينيها وشعرت بقشعريرة في جسدها بأكمله و قالت باضطراب :

-أنت ؟!.. يعني تقصد أي ؟!

أخذ نفسًا عميقا جعله يندهش من رائحتها الأنثوية الرائعة وانك.سر تعجرفه الأن.. فاستقام مبتعدًا عنها والتفت ليواليها ظهره وهو يزفر بهدوء فنهضت على الفور قبل أن يقترب منها بهذا الشكل ثانية واستأذنت بنبرة متوترة واتجهت نحو الباب ..فأوقفها بحده :

-استني ..

اغمضت عيناها عنوة قابضة قبضتها والتفتت بهدوء تبتلع لعابها فنظر إليها بطرف عيناه قاطبًا حاجبية كعادته وقال بصوته الرجولي المميز :

-اجهزي عشان تيجي معايا

تنهدت بهدوء وارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها وأخذت تشكره كثيرًا تض.رب الأرض بقدميها كالطفلة ثم ركضت إلى الخارج تستدير حول نفسها بسعادةٍ ..فلاحت ابتسامة جانبية خفيفة على ثغرة حتى يبدو أنها ليست واضحة ..فلأول مرة يشعر أنه تسبب في سعادة أحدهم ولكن لم تستمر ابتسامته طويلًا.. فاختفت عندما تذكر رائحة عطرها التي أصابت قلبه ..وجز أسنانه بغيظ وقام بإغلاق باب الغرفة وعاد إلى مكتبه ليجلس علي مقعده الخاص به يدخن سيجارة بعصبية وهو يفحص الأوراق ..يفعل أي شيء لتخرج تلك الفتاة من رأسه هي وعطرها المميز هذا..

أما في الخارج فجلست ندى مع أشرقت واعطت لها كيس من الحلوى واخبرتها أنها لن تتأخر عليها قط ..ثم عادت إلى غرفتها لتبدل ثيابها المكونة من سروال أسود من القماش وسترة من لونين أسود من عند الصدر وأبيض من الأسفل ..ثم رفعت شعرها كذيل حصان صغير والكحل حول مقلتيها جعلها أكثر جمالًا ثم ارتدت الحذاء الأبيض الرياضي ..و ارتدت حقيبة على كتفها وخرجت واضعه يديها في جيبي سروالها وانتظرت للحظات حتى خرج رحيم من مكتبه متجه نحو الخارج محافظـًا ألا ينظر إليها قط ونجح في ذلك..

خرجت خلفه بخطوات سريعة واستقلت سيارته ولكن بجوار السائق الخاص به وهو يجلس على المقعد الخلفي ..قاد السائق متجه إلى الشركة فنظرت ندى حولها بسعادةٍ وجاءت عيناها على المرآة الجانبية لترى رحيم ينظر إليها ..ولكن نظر إلى الاتجاه الأخر سريعـًا وهي الأخيرة فعلت مثلما فعل ..وبطرف عيناها نظرت إلى المرآة ثانية لترى وهو لم يراها هذه المرة ..فتحدثت سرًا وهي لن تستطيع ألا تنظر إليه :

-مش عارفه ليه كل يوم بحبك أكتر

استند السائق بمرفقه إلى ساعي المقعد ليشعر بشيء ما فنظر إليه ليجد حقيبتها فأمسك بها وقال بلطف :

-يا حلوه شنطتك

نظر رحيم إلى السائق بلهفة وحده مضيقـًا عيناه قليلًا دون وعي منه ..فيما نظرت ندى إليه بابتسامةٍ واسعة وأخذت الحقيبة متمتمه بالشكر فانتبه إلى الطريق وهو يقول بود :

-مقعدتش جمبي بنت جميلة قبل كده

قالت بلطف وهي ترتدي الحقيبة :

-شكرًا لذوقك

جحظت عيناه ولامعت بضيق وغضب من حديثهم المتبادل هذا ..لم يعلم سبب ذلك الشعور السيء الذي سيطر على قلبه بل عضلاته بأكملها قابضـًا قبضته بقوةٍ وتحدث بصوت عنيف :

-ركز في الطريق

حرك رأسه بالإيجاب فيما جحظت عيني ندى ونظرت خلفها بمقلتيها فقط ..فصوته هذا دائمـًا يشعرها بالخوف منه ..التصقت بظهرها إلى المقعد وقد ابتلعت لعابها بصوت مسموع ..

عند وصوله صف السيارة في مكانها الخاص بمستر رحيم وترجل السائق ليفتح له الباب ..فهبط منها وهو ينظر له بحده ثم أغلق الباب واتجه إلى الباب الثاني ورحيم يتابعه بنظرة حادة قاطبـًا حاجبيه .. قام بفتح الباب لها وانتظرت للحظات كانت تتحدث في الهاتف وبمجرد أن أنهت المكالمة ترجلت وهي تشكره مجددًا ..فوجد نفسه يضر.ب على السيارة بكف يده لينتبه الإثنان إليه ثم طلب منها بعنف أن تأتي معه..

دخل إلى الشركة وخاصة المكان الخاص بالتصاميم الجديدة .. وبمجرد أن دخلت اتسع فاها وأخذت تلتفت حولها منبهرة بالفساتين وألوانها الفاتحة المميزة ..تركها رحيم تأخذ جوله بينما هو جلس مع بعض العاملين حول طاولة دائرية كبيرة يتحدث معهم في أمور كثيرة عن العمل..

لفت نظرها فستان أسود قصير لديه ذيل طويل من خامة الشيفون ..تناولته لتنظر إليه عن قرب فجاء أحدهم واقترب منها وأخذ ينظر إلى الفستان مبتسمـًا ثم نظر إليها بإعجاب قائلًا :

-هيبقى جنان عليكِ

نظرت إليه بلهفة ثم ابتسمت متمتهً بالشكرِ فطلب منها أن تأخذ معه جوله ليريها الفساتين فذهبت معه بعد أن وضعت الفستان الذي اختارته مكانه..

ما أن أنهى رحيم الاجتماع نهض يبحث عن ندى ولكن لم تكن أمامه فزفر بسأم وبدأ يسير في الأروقة بحثـًا عنها حتى وجدها أخيرًا مع ذلك الشاب الذي يعمل في الشركة ويريها الفساتين ..

لم يستطيع أن يتحكم في اعصابه حقا واتجه نحوها بخطوات سريعة كالبنزين المعلق به النيران لينفجر في ذلك الشاب.. عند قربه منها مد يده التي برزت أوردته بها ممسكـًا بمرفقها بقوة وادارها إليه بعنف حتى تطاير شعرها على وجهها ونظرت إليه متأوه فجحظت عيناه وهو يتحدث بعنف :

-أنتِ هنا وبدور عليكِ في كل مكان

حدقت به متأوه بخفه محاوله سحب مرفقها من قبضته القوية تلك فقال الشاب محاولًا التخفيف عنها :

-مستر رحيم أنا كنتـ ..

أشار بسبابته إليه مقاطعـًا لحديثه بحده ومازال ينظر لندى بنظرات كادت أن تقلتها :

-أنت تسكت ومتدخلش ..

ثم التفت ليسير ساحبـًا إياها خلفه فتعثرت عدة مرات بفضل سيره السريع وحاولت أن تسحب يدها ولكن لم يتركها وشدد عليها حتى وصل إلى سيارته ففتح السائق الباب له ..فترك يدها لتضع يدها على مرفقها الذي يؤلمها وتلألأت الدموع داخل مقلتيها حتى أصبحت حمراء واتجهت نحو الباب الأمامي فأوقفها بصوته الخشن :

-اركبي ورا

نظرت إليه بذلك الحزن الطفولي والتي جعل انفها لونه أحمر ..فرخى أعصابه فور رؤيته لدموعها التي جعلت قلبه ينتفض وينبض أول نبضة حب وحزن وأشاح بوجه بعيدًا متجاهلًا نظرتها تلك وقلبه يعتصر ألمـًا وكأن أحدهم ضر.به ض.ربـًا مبرحـًا ..جلست على المقعد الخلفي تنظر إلى الأمام في صمت ومازالت تمسك بمرفقها ..فجلس إلى جوارها وجلس السائق أمام المقود عائدًا بهم إلى المنزل ..

نظر إليها قاطبـًا حاجبيه وليس هذه المرة بحده ولكن بتأثر ..نظرت إلى الشوارع بواسطه نافذة السيارة وهي تمسح على عيناها.. وأخذت تفكر لماذا هو يعاملها بهذه الحده ؟! ..وأخذت عهدًا على نفسها ألا تتحمل أسلوبه هذا ثانيةً وستترك العمل معه فورًا ..

عند وصوله صف السيارة أمام الباب فترجلت من السيارة دون أن تتفوه بكلمة و وقفت تدق جرس الباب ..فيما نظر رحيم إلى المكان الذي كانت تحتله منذ لحظات حتى لم ينتبه من سائقه الذي فتح له الباب منتظرًا خروجه ..ولم يفيق من شروده ألا على صوت السائق فترجل من السيارة بعدها ليرى ندى تدخل المنزل فدخل هو الأخير وأغلقت سيدة وفيه الباب فيما دخلت ندى إلى غرفتها مغلقةً الباب خلفها بقوة ..

تبادلت نظرات وفيه بينه وبين غرفة ندى متسائلة :

-حصل حاجة يا بني ؟!

جز أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه قاطبـًا حاجبيه وقال بحده :

-لأ محصلش حاجة ..

كانت تفتح أشرقت كيس الحلوى الكبير بعد أن أنهت واجبها المدرسي والرسم فلم تفتحه جيدًا وسقطت حبات الحلوى على الأرض تتدحرج في كل مكان.. فنظر الإثنان إليها ليزفر رحيم بنفاذ صبر غاضبـًا ..فهو يفضل كل شيء يكون منظم أمامه ولا يفضل شيء كهذا ابدًا ..تقدمت سيدة وفيه نحوها بخطوات سريعة وأخذت تتحدث معها بلطف بينما أقترب رحيم منها وأمسك بذراع طفلته بحده قائلًا :

-مش تاخدي بالك وتفتحي الكيس كويس

حاولت وفيه أن تهدئه ولكن طلب منها ألا تدخل بينه وبين ابنته ..لتخرج ندى من الغرفة على صوتهم العالي واقتربت منهم بخطوات بطيئة لتجده يعامل أبنته بقسوة ويأمرها أن تنظف الأرض من تلك الحلوى فبدأت أشرقت بالبكاء الذي يحرق القلب وهي تعتذر بقلب ممزق ..لتجد ندى نفسها تبكي من أجلها وقلبها ينبض بألم ..ثم ركضت إليها وابعدت رحيم عنها فنظر إليها بلهفة متسع العينين ..ثم جلست على ركبتيها تضمها إلى صدرها وتمسح على شعرها بحنان وهي تقول ببكاء :

-أنا ..هنضف الأرض

تحدث بصوت خشن محذرًا إياها :

-لأخر مرة تدخلي بيني وبين بنتي

ثم تركهم وصعد إلى الطابق العلوي ومن ثم دخل إلى غرفته ..فربتت وفيه على كتف ندى بلطف تعتذر لها بدلًا من رحيم وتهدئها.. فنظرت إليها وهي تحرك رأسها بخفة ثم أخذت أشرقت إلى الغرفة وحاولت تهدئتها بشتى الطرق وفي الأخير وضعت أرنب في يدها وأخذت تحركه و تتحدث بصوت رفيع كأنها تقلد الأرانب ..لتضحك أخيرًا فابتسمت ندى بحزن ثم اقتربت منها تقبلها على رأسها و وضعت الغطاء عليها ثم اتجهت صوب الباب فقالت بصوتها الطفولي :

-ممكن تيجي تقعدي جمبي بليل لحد ما أنام

مسكت بمقبض الباب ونظرت إليها وهي تقول بمرح :

-طبعا حبيبتي …هجيلك ونقرأ القصص مع بعض

ثم ارسلت لها قبلة عبر الهواء وخرجت مغلقه الباب خلفها ..ألقت نظرة سريعة على غرفة رحيم بحزن ثم أطرقت رأسها وسارت إلى الدرج وهبطت إلى الطابق السفلي لتجد رحيم يجلس على الأريكة يتناول القهوة فنظرت إلى الأرض لتجد الحلوى كما هي ..فقال ببرود دون أن ينظر إليها :

-نزلت لقيت سيدة وفيه بتنضفها منعتها وقلت لازم اللي أصر على تنضفيها هو اللي ينضف..

أطرقت عيناها بحزن ثم مسحت على وجهها تتنهد بهدوء واتجهت صوب المطبخ دون أن تتفوه بكلمة برغم الحديث الكثير الذي تحمله داخل قلبها ..ثم عادت ومعها ادوات التنظيف و وقفت تلملم الحلوى وهو يتفحصها بعينيه من أعلى لأسفل بإعجاب.. حتى انتهت واعادت كل شيء كما كان ثم دخلت غرفتها مغلقةً الباب خلفها..

وضع فنجان القهوة أعلى المنضدة المقابلة له فيما خرجت سيدة وفيه و وقفت بجوار الاريكة وهي تقول بحزن :

-رحيم بيه أول مرة تتعصب على بنتك بالطريقة دي ..ليه عملت كده ؟!

عصر جبينه بأنامله وشعر بالندم حقـًا على ما فعله اليوم مع ندى وصغيرته ..وما يشعر به الأن لا يستطيع أحد أن يفهمه فماذا يفعل الأن؟! ..رفع رأسه إليها بحزن واضح وهو يومئ بالنفي وتنهد ليشعر بضيق في صدره ..ثم نهض عن الاريكة وهو يقول بهدوء :

-كنت معصب

اقتربت منه أكثر ومسحت على ذراعه بلطف وهي تقول بابتسامة بسيطة :

-يبقى لازم تصالح أشرقت انا عارفه ان روحك فيها ..وكمان تعتذر لندى..

ثم أردفت بصدق :

-بت جدعه وطيبه وبتعامل ولادك بود وحب.. تقريبـًا لو كانت جيجي هانم موجودة معانا مكنتش هتعاملهم كده

نظر إليها قاطبـًا جبينه يداعب لسانه داخل فاه يفكر في حديثها بعمق ثم تنهد وتحدث تأكيدًا على حديثها كاسرًا الكبرياء الذي داخله :

-عندك حق ..لازم اصالح أشرقت واعتذر لندى

***يتبع

عايزة تفاعل جامد

وتفتكروا رحيم هيصالح ندى ازاي ؟! ..

اذكروا الله يا جماعة الخير ..

{{المشهد 4 ..}} ” حكاية رحيم..”

الساعة الثامنة والنصف مساءً ..وصل رحيم إلى المنزل حاملًا ثلاثة من حقائب الهدايا ..وقف أمام غرفة ندى ودق الباب مرتان ولا يوجد رد ..فقام بفتح الباب ونظر في جميع أنحاء الأركان ثم دخل ليقف بجوار الفراش وقام بإخراج فستان أسود طويل له ذيل من الشيفون يبدأ من عند الكتف ..وضعه على الفراش وقام بوضع ظرف أبيض فوقه ثم خرج مغلقـًا الباب خلفه..

صعد إلى الطابق العلوي و وضع حقيبة بجوار غرفة أشرقت ثم دخل غرفة ريان ليجده جالسـًا على الأرض ويلعب العاب الفيديو.. أغلق رحيم الباب وتقدم نحوه واغلق التلفاز فنظر ريان إليه بتذمر بينما جلس رحيم إلى جواره وأخرج طائرة كبيرة من الحقيبة و وضعها أمامه وهو يقول مبتسمـًا :

-شوف بابي جبلك أيه

أبتسم ريان وفتح العلبة ليخرج الطائرة ورأى معها جهاز تحكم ..وضعها رحيم على الأرض وأخذ جهاز التحكم ليضغط على زر الطيران لترتفع للأعلى ..فشهق ريان بسعادةٍ ناظرًا إليها بإعجاب ثم صفق فنظر رحيم إليه بطرف عيناه ثم ضغط على زر الهبوط لتهبط وجعلها تتحرك حتى وقفت أمام ريان ثم وضع جهاز التحكم جانبـًا ..فنهض ريان وجلس على قدم والده ليعانقه فضمه رحيم إليه بكلتا يديه مغمض العينين مشتاقـًا لذلك العناق والذي يجعله يشعر بالنشوة ..وينسى إرهاق اليوم بذلك العناق..

أخذ يمسح على شعره وطبع قبلةً على وجنتهِ ثم ابتعد عنه قليلًا لينظر إليه عن قرب وتحدث بهدوء :

-ليه بقى مش بتحب ندى ؟!

قطب حاجبيه قليلًا واجاب بتذمر طفولي :

– علشان مش عايز مربيه ..أنا عايز مامي

أحاط وجنتيهِ براحتي يديه قاطبـًا جبينه قائلًا بهدوء :

-حبيبي مامي مش هتيجي تاني ..وندى بتحبك جدًا وكمان بتحب أشرقت ..اسمع الكلام

أومأ بالإيجاب فقبله على وجنتهِ ثم تركه يلعب بالطائرةِ ونهض مغادرًا الغرفة ..حمل الحقيبة التي تركها ثم دق الباب فأذنت ندى بالدخول.. دخل ليرى ندى تجلس مع أشرقت على الأرض تشاركها في عمل اشكال بالمكعبات ..نظرت ندى إليه ولكن سرعان ما أشاحت بوجهها بعيدًا ..قال بهدوء وعيناه مثبته على ندى :

-ندى لو سمحتي سبيني مع أشرقت شوية

رفعت حاجبيها بمجرد أن استمعت إلى أسمها من صوته الهادئ.. فابتلعت لعابها وقد تحركت المشاعر داخلها من جديد بعد أن غضبت منه اليوم ..نهضت ونظرت إليه بحزن واضح وهي تومئ بالموافقة ثم اتجهت صوب الباب فأمسك بمرفقها وهي تسير بجواره لتتوقف عن السير.. ونظرت إلى يده أولًا ثم رفعت رأسها إليه ..لترى وجهه عن قرب ولحيته التي تجعله أكثر وسامةً ..فيما تحدث بثبات دون أن ينظر إليها :

-روحي اوضتك أنا هقعد معاها لحد ما تنام

ثم ترك مرفقها و وقفت تنظر إليه لوقت ليس قليل ثم تركته وغادرت الغرفة دون التفوه بكلمة ..تقدم نحو صغيرته ليجلس إلى جوارها وحملها واضعـًا إياها على قدميه وقبلها على وجنتها بلطف ثم قال :

-بابي جاي يعتذر لسمو الأميرة أشرقت

نظرت إليه بابتسامة طفولية وقالت دون مقدمات :

-اتجوز ندى يا بابي

اختفت ابتسامته محدقـًا بها في ذهول.. كلماتها وقعت عليه كالصدمة لم يصدق ما هتفت به فتساءل بصوت منخفض :

-أنتِ قلتي أيه ؟!

كررت حديثها فتنهد بعمق محدقـًا في الفراغ يستوعب كلماتها حتى فاق أخيرًا من صدمته وتساءل بنبرة ثقيلة :

-بتحبيها لدرجة دي ؟!

نظرت إليه بحزن واضح وقالت بصوت ضعيف :

-اه ..علشان هي مهتمه بيا وبتحبني كمان

رفع يده ليضعها على شعرها من الخلف يداعبه وقال ليبدل الحوار :

-طيب نتكلم في الموضوع ده بعدين..

ثم أخرج من علبة الهداية عروسة كبيرة واعطاها إليها متسائلًا :

-أيه رأيك في العروسة الحلوة دي ؟!

اتسع فاها تنظر إليها بإعجاب ثم ضمتها إليها بحب قائلة :

-حلوه اوي يا بابي ..هحطها جنبي وأنا نايمة

ثم نهضت متجه نحو الفراش وقامت بوضعها عليه فنهض ينظر إليها مبتسمـًا ثم تقدم نحوها وقبلها على رأسها وجلس على حافة الفراش يتبادلون الحوار..

” بالأسفل.. ”

تفاجأت ندى بالفستان وأعجبت به كثيرًا ثم جلست على حافة الفراش تقرأ الظرف بعينيها ..” علمت أنك أعجبت بهذا الفستان ..وهو من أفضل تصاميم الشركة.. فلم أجد أفضل من ذوقك في اختيارك للفساتين ..هو حقا مميز ورائع وراقي وبراق مثلك ..ولقد منعت تنفيذ فستان أخر مثله حتى لا يرتديه أحد غيرك ..لابد أن تكوني مميزة ..هلا قبلتي اعتذاري ؟!..”

رفعت عيناها عن الظرف تحملق في الفراغ بعدم تصديق ..لابد أنها داخل حلم وهذا غير حقيقي ..أخذت تفحص الظرف مرارًا وتكرارًا وهي مازالت في صدمةٍ كبيرة ..لم يخيل لها أنه بهذه الرقة ويكتب كلمات رائعة مثل هذه ..ضحكت ضحكة مجنونه وهي تحرك رأسها يمينـًا ويسارًا ثم ضمت الظرف إليها..

لم تفيق من شرودها سوى على صوت دقات الباب.. فنظرت إليه بلهفة وقامت لتفتح الباب لتجد رحيم ينظر إليها قاطبـًا جبينه ..فشعرت بالخجل والتوتر واضطراب في معدتها ثم تنحت جانبـًا تاركةً إياه يدخل الغرفة و وقف ينظر إلى الفستان ثم نظر إليها بابتسامة جانبيه خطفت روحها قبل أن تخطف قلبها وهو يتساءل :

-عجبك الفستان ؟!

كانت تلتقط أنفاسها بصوت مسموع وتوتر واضح وهي تجيب عليه باضطراب :

-جدًا ..حلو أوي

وضع يديه في جيبي سرواله وتحدث بجمود :

-عارف أن مش هو الفستان اللي عجبك ..لكن هو نفسه بس على طويل ..علشان مبفضلش اللبس القصير

شعرت بحبات العرق الباردة احتلت ملامح وجهها فمسحت على وجهها بيد مرتعشة قائلة بصوت منخفض :

-لاء دا شكله أجمل ..شكرًا جدًا على ذوقك

نظر إليها للحظات من الإعجاب متذكرًا حديث أشرقت عنها فنظرت له هي الأخرى لتتقابل عيناهم للحظات يتبادلون بالإعجاب الشديد ..ثم رفع يده يمسح على جبينه واتجه نحو الخارج وهو يتمنى لها ليلة سعيدة ..فنظرت إليه حتى صعد إلى الطابق الثاني وأغلقت الباب تنظر حولها بسعادة وتشعر وكأن العالم بأكمله يحسدها على حبها لهذا الرجل ..وبعد اعتذاره الذي راق لها كثيرًا وقعت في حبه أكثر وأكثر.. واستدارت حول نفسها بسعادة حتى ألقت بنفسها على الفراش واضعه كفها على الفستان..

***

استيقظت في الصباح بكل حماس ونشاط وقامت بوضع الفستان في خزانة الثياب ..ثم خرجت وجهزت أشرقت للمدرسة وحاولت اليوم أن تساعد ريان للاستعداد إلى المدرسة ليتركها تساعده كما أخبره والده.. اندهشت وبدأت في ترتيب جدول حصص اليوم ومازالت مندهشة من موافقته ثم وضعت صندوق الطعام في الحقيبة وساعدته على ارتداء حقيبة الظهر..

أوصلته إلى الحافلة مع شقيقته وقامت بتوديعهم بيدها.. خرج رحيم وهو يضبط معطفه و وقف ينظر إلى ندى والتي بقت واقفة حتى اختفت الحافلة من أمام عيناها ثم التفتت لترى رحيم فابتسمت ابتسامة خفيفة ونظرت إلى بدلته السوداء الأنيقة وايضـًا قميصه الأبيض وازراه ..فيما تنحنح رحيم لتفيق من شرودها واتجهت صوب الباب فارتدى نظارته الشمسية ودخل السيارة ليغلق السائق الباب ثم ركض إلى الباب الأمامي ليجلس أمام المقود وغادر..

دخلت ندى وأغلقت الباب بظهرها تتنهد بعمق ثم اتجهت صوب المطبخ ودخلت لتجد سيدة وفيه تجلس أمام طاولة دائرية تفرط حبات البازلاء ..فجلست على المقعد المجاور لها لتشاركها في العمل وهي شاردة به وكلما تذكرت اعتذاره لها كانت تبتسم و وجدت نفسها تهمس دون وعي :

-حلوه اوي زراير القميص

لتصل كلماتها إلى مسامع أذن السيدة وفيه لتضحك ضحكة خفيفة وهي تعلم عن ماذا تتحدث ..لتفيق ندى من شرودها ونظرت إليها بلهفة.. فقالت دون أن تنظر إليها :

-زراير القميص شاغلة بالك ..امال كله على بعضه عامل فيكِ أيه ؟!

ابتلعت لعابها بصوت مسموع وشعرت بالحرج والتوتر وقد تركت البازلاء وهي تقول بتلعثم :

-لاء حضرتك ..فهماني ..غلط

نظرت إليها بخبث ثم ضحكت ضحكة خفيفة وتابعت عملها وهي تقول بتأكيد :

-أنا بفهم كل اللي حوليا صح جدًا

اعتدلت ندى في جلستها وبدأت تشاركها في تفريط حبات البازلاء وقالت دون تردد :

-ممكن تكلميني عنه ..يعني هو ليه في بعض الأحيان غشيم

تنهدت بعمق وشعرت بالراحة مع ندى وقالت :

-نجلاء هانم والدته خلفت ابنها الأول علاء بيه ..دلعته دلع أنا مشفتوش ولا هشوفه وهو عنده خمس سنين كانت حامل في بنتها رنا وقالت لو خلفت ولد مش هدلعه زي علاء كده..

كانت تستمع إليها باهتمام واضح فيما تركت السيدة وفيه عملها ونهضت لتلقي نظرة على الطعام الذي على النار حيت تابعت :

-علاء بيه ادلع من والده الله يرحمه و والدته وكل حاجة يطلبها كانت تجيله ..حتى انه فشل في دراسته وكان يضر.ب زمايله ومحدش قده ..خلفت رحيم بيه وهو عنده تسع سنين ..رحيم ميعرفش يعني أي دلع كانت الست نجلاء تعامله بجدية وعلمته الصح من الغلط كويس اوي ..واتربى على كده كل حاجة جد فيها وكان بيطلع من الأوائل في الدراسة..

تذوقت الطعام بالملعقة ثم هدأت النار قليلًا وجلست على المقعد و تابعت تفريط البازلاء ثم تابعت :

-الست رنا اتجوزت وسافرت كندا مع جوزها ..لكن علاء بيه سافر أمريكا من سبع سنين وسمعت أنه مقضيها هناك شرب وليلة مع دي و دي وبيصرف من فلوسه اللي في البنك ..هي سافرت من سنتين علشان تعقله ولسه مرجعتش..

ثم تنهدت بصوت مسموع ونظرت إلى ندى متابعة :

-وزي ما أنتِ شايفه رحيم بيه كده ..عمره ما عرف بنت ولا له في السهر والشرب زي رجال الأعمال المعروفة ..مهتم بشغله جدًا واحيانـًا يبقى عصبي وغشيم ..لكن هو طيب أوي يا ندى وقلبه أبيض

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *