ممرضة حصري رويات رولا

طالبة تمريض “بريئة” بتضطر تتجوز وريث مافيا مشلول عشان تنقذ جدتها… بس في ليلة دخلتهم، الراجل اللي الكل فاكره “عاجز” وقف على رجله عشانها، ومن اللحظة دي حياتهم اتشقلبت تماماً.

​الجزء الأول

​أول مرة نورا وافقت إنها تبيع ست شهور من عمرها، كانت قاعدة تحت لمبات المستشفى والكهرباء بترعش، موبايلها فاصل شحن في حجرها، ومستقبل جدتها متعلق فوق راسها زي حبل المشنقة.

​غرفة الانتظار في العناية المركزة بمستشفى “كاونتي جنرال” كانت شبه أي أوضة انتظار تانية في أمريكا بتبلع أهالي العيانين اليائسين. كراسي رمادي في أزرق متثبتة في الأرض بمسامير، مكنة قهوة بتطلع مية سودة طعمها زي العقاب، وتليفزيون في الكورنر شغال على برنامج توك شو من غير صوت. الممرضات داخلين خارجين من الأبواب اللي بتلف بسرعة ناس مابقتش مصدقة إن الوقت ممكن يحن على حد.

​نورا كانت قاعدة بجزمة الشغل بتاعة المطعم، وبلوفر مكرمش لسه فيه ريحة ريحة الزبدة والقهوة، لأنها جت جري من وردية الفطار في مطعم “موريسون” أول ما المستشفى كلمتها.

​جدتها، “إليانور بينيت”، هي اللي ربتها بعد ما أهلها مـ,ـاتوا في حـ,ـادثة طريق سريع ونورا عندها 7 سنين. إليانور قضت عمرها بتخيط فساتين في مصنع الصبح، وتصلح بناطيل جيرانها في المطبخ بالليل. كانت بتعرف تطلع من ميزانية أكل 20 دولار وجبات تحسسك بالأمان. ولا مرة قالت “معناش فلوس” بطريقة تخلي نورا تتكسف إنها محتاجة حاجة.

​دلوقتي إليانور محتاجة زراعة كلى، والفلوس جت تطالب بتمنها مرة واحدة زي ملك جبار بيلم ديونه.

​دكتور “ريفز” قعد جنب نورا بالهدوء المرعب اللي الدكاترة بيتعلموه لما يضطروا يدمروا حياة حد في ميعاد ثابت.

قالها: “لقينا متبرع مطابق.”

​لثانية واحدة، نورا حست إن دي معجزة. بس هو كمل كلامه…

​”الجراحة نفسها جزء بسيط من الموضوع. فيه إقامة في المستشفى، أدوية لمنع رفض الجسم للعضو، متابعة، وتحاليل. حتى مع التأمين، المبلغ اللي لازم تدفعوه من جيبكم كبير جداً.”

​نورا سألته وهي بتحاول تتماسك: “كبير قد إيه؟”

​بص في الملف اللي في إيده كأن الأرقام بتبقى أهدى لما تتقرأ من غير ما تتقال: “يعني… من 80 لـ 100 ألف دولار في أول سنة. ده لو كل حاجة مشيت تمام.”

​دي كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن فيه أرقام من كتر ما هي خيالية، مابقتش مجرد حسابات… بقت زي الكـ,ـارثة الطبيعية.

​نورا كانت بتكسب 11 دولار في الساعة وشوية “تبس” (بقشيش) من ورا تقديم الفطائر لرجال أعمال لابسين جزم غالية، أو ناس معاشات بيسيبولها فكة بسيطة. كانت في سنة تانية تمريض، بتوفق بالعافية بين المذاكرة، والتدريب، والإيجار، وفواتير الكهرباء، وأسعار الكتب اللي كانت بتحس إنها شتيـ,ـمة في وشها. كان معاها 432 دولار بس في البنك. كانت عارفة الرقم بالظبط لأنها شيكت عليه الصبح وهي مستنية الأتوبيس.

​الدكتور قالها قدامنا “تمن أسابيع”. ده الوقت اللي قدامهم قبل ما المتبرع يروح لحد تاني، والفرصة الجاية تبقى مجرد حلم مستحيل.

​نورا هزت راسها وهي حاسة إن قلبها بيتحفر من جوه.

خرجت ومشت في الزحمة وهي فاهمة كويس، بالوعي المر اللي بيجي للكبار، إن “الشغل بزيادة” مش هو اللي هينقذها المرة دي.

​لما طلعت الأربع أدوار لشقتها اللي مشاركاها مع صاحبتها “جينا”، كانت رجليها مش شايلاها.

جينا كانت قاعدة على الكنبة القديمة، وحواليها ورق الكيمياء وبواقي أكل “رامن”. بصتلها على طول وقالت:

​”شكلك كأن حد سـ,ـرق أعضائك!”

​نورا ردت وهي بترمي شنطتها ورا الباب: “قريب من كدة.”

​جينا اتعدلت وسألتها بقلق: “المستشفى؟”

​الجزء التاني: نورا وجوليان كروس

​نورا هزت راسها بالموافقة.

​ملامح جِنا اتغيرت وبان عليها الحزن: “تيتا؟”

​نورا فتحت بوقها عشان تتكلم، بس مفيش ولا كلمة مفيدة طلعت. جِنا فهمت لوحدها؛ قربت منها وخدتها في حـ,ـضن قوي وسريع، حضـ,ـن كانت ريحته “شامبو جوز هند” وتراب مكتبات.

​”احكي لي.”

​ونورا حكت. حكت عن المتبرع، والوقت اللي بيجري، والفلوس.. والمستحيل.

​جِنا فضلت تسمع من غير ما تقاطعها، وده سبب من الأسباب اللي بتخلي نورا بتحبها. ولما خلصت، جِنا نفخت بضيق وقالت: “ده شر مطلق.”

​نورا ضحكت ضحكة مكسورة: “دي الرأسمالية يا بنتي.”

​جِنا رجعت ناحية ترابيزة القهوة ومسكت كارت تعريف (Business Card): “صح، في واحد لابس بدلة جه سأل عليكي.”

​نورا بربشت بعينيها باستغراب: “إيه؟”

​”كان مؤدب بشكل غريب.. أدب “بيوت العزا” ده.” جِنا ناولتها الكارت: “قال إنه موضوع عاجل ومهم جدًا ولازم تكلميه الليلة.”

​الكارت كان سميك وغالي، وتصميمه بسيط جداً لدرجة تخليك تحس إنه “غنى فاحش” بس بيحاول ما يتمنظرش. حروف سوداء، من غير لوجو، واسم واحد بس:

​جوليان كروس.

​وتحتيه رقم تليفون.

​جِنا سألتها: “معندكيش فكرة ده مين؟”

​”ولا الهوا.”

​”الراجل ده كان مديني طاقة محاميين عصابات (مافيا).”

​نورا رفعت عينيها فيها: “مفيش حاجة اسمها كدة أصلاً.”

​”لأ فيه طبعاً.”

​نورا قلبت الكارت.. كان أبيض ومفهوش حاجة.

​في أي ظروف تانية، كانت هترميه في الزبالة. في أي ظروف تانية، الشخصيات الغامضة اللي معاها كروت غالية وعروض “عاجلة” دي بتبقى قصص بنسمعها في المحاضرات عشان ناخد بالنا، مش حاجة بتحصل في الحقيقة.

​بس الحزن بيغير حساباتنا وقدرتنا على إننا ناخد قرار صح.

​استلفت الشاحن من جِنا، وقعدت على طرف السرير، واتصلت.

​الراجل اللي رد كان صوته شبه الكارت بالظبط. صوت رزين، ناعم، ومتعلم في أماكن ميعرفوش فيها يعني إيه حساب بنكي مكشوف.

​قال: “آنسة بينيت.. شكراً إنك كلمتيني.”

​”إنت عرفت اسمي منين؟”

​سكت لثانية، تحس فيها إنه بيبتسم: “لإني واصل لك إنتي بالاسم.”

​نورا مسكت الموبايل أقوى: “ليه؟”

​الثالث: العرض الشيطاني

​نورا حست برعشة خفيفة في إيدها، الصوت كان هادي بزيادة، هدوء لا يمكن يكون طبيعي في وقت زي ده.

​”ليه يا نورا؟” جوليان كروس كرر سؤالها بنبرة شبه موسيقية، وكأنه بيستمتع بالحيرة اللي هي فيها. “لأنك الوحيدة اللي ملفك الطبي والمهني بيقول إنك الشخص المناسب لمهمة محددة جداً.. ولأن وقت جدتك قرب يخلص.”

​نورا قامت وقفت فجأة، قلبها بدأ يدق بعنف: “إنت مين؟ وإيه علاقتك بجدتي؟”

​”أنا مجرد وسيط، يا آنسة بينيت. وسيط بين العجز.. والحل.” سكت لحظة وكأنه بيديها فرصة تستوعب، وبعدين كمل: “أنا عارف إن العملية محتاجة مبلغ خيالي، وعارف إن المستشفى مش هتحرك خطوة من غير ضمانات مادية. المبلغ ده جاهز، وهيتحول لحساب المستشفى خلال ساعة من موافقتك.”

​نورا بلعت ريقها بصعوبة، بصت لجِنا اللي كانت مراقبة تعبيرات وشها بقلق. “المقابل إيه؟ مفيش حد بيدفع المبالغ دي عشان سواد عيوني.”

​ضحكة خفيفة، جافة، طلعت من الناحية التانية: “طبعاً. المقابل هو وقتك، وعقلك، وشجاعتك. فيه مريض تاني محتاج عملية، بس مش عملية جراحية.. عملية استعادة. هبعتلك لوكيشن حالاً. قدامك 20 دقيقة، لو وصلتي، جدتك هتدخل غرفة العمليات الصبح. لو مجتيش.. نعتبر المكالمة دي محصلتش.”

​المواجهة

​الخط قطع. نورا فضلت باصة للموبايل وهي مش مصدقة. ثواني ووصلت رسالة فيها عنوان في منطقة مهجورة على أطراف المدينة، “مخازن جمركية قديمة”.

​”نورا؟ في إيه؟” جِنا سألتها بخوف.

نورا لمت حاجتها بسرعة وهي بتلبس جاكتها: “جِنا، لو محصلش حاجة في خلال ساعتين، كلمي المستشفى واسألي عن حالة تيتا.”

“إنتي رايحة فين؟ الراجل ده شكله يخوف!”

“ده الأمل الوحيد يا جِنا.. حتى لو كان جاي من الشيطان نفسه.”

​اللقاء الأول

​المكان كان ضلمة تماماً، ريحة الرطوبة والحديد المصدي مالية الجو. نورا وصلت وهي بتنهج، شافت عربية “بنتلي” سوداء واقفة وسط الخراب، وفوقيها كشاف واحد بس منور.

​جوليان كروس كان واقف ساند ضهره على العربية. طويل، ملامحه حادة زي السـ,ـكينة، وعينيه لمعتها غريبة تحت الكشاف. لما شافها، بص في ساعته وابتسم: “18 دقيقة. ممتاز.. الالتزام بالمواعيد أول خطوة في العقد اللي بينا.”

​نورا وقفت بعيد عنه بمسافة كافية: “أنا جيت. قولي إيه المطلوب مني بالظبط؟”

​جوليان قرب منها خطوة، وطلع من جيبه “فلاشة” لونها فضي، ومسكها بين صوابعه: “المطلوب منك تدخلي مكان مفيش حد حي دخله قبل كدة، وتجيبي لنا “النسخة الأصلية”. العملية دي مش محتاجة جراح، محتاجة حد بيعرف يقرأ الكود اللي ورا الوجود.. محتاجة مهندسة أعصاب بذكائك.”

​نورا لفت وشها بعيد بسخـ,ـرية: “دي سـ,ـرقة؟”

جوليان قرب أكتر وهمس في ودنها: “دي مقايضة أرواح يا نورا. روح جدتك.. مقابل سر مش بتاعنا.”

​ملحوظة: نورا دلوقتي قدام خيار مستحيل؛ يا إما تبيع مبادئها وتدخل في دوامة “كروس” المظلمة، يا إما تخسر الشخص الوحيد اللي فاضل لها في الدنيا.

​الجزء الرابع: الرهان الأخير

​نورا بصت للفلاشة اللي في إيد جوليان، وبعدين بصت في عينيه الباردة. كان فيه صراع جواها بين “نورا الدكتورة” اللي قضت عمرها بتحترم القوانين، وبين “نورا الحفيدة” اللي مستعدة تحرق العالم عشان خاطر الست اللي ربتها.

​”أنا مش حرامية، يا مستر كروس،” نورا قالتها بصوت مرتعش بس ثابت.

​جوليان ابتسم ابتسامة باهتة: “السـ,ـرقة مفهوم نسبي يا دكتورة. إحنا مش هنخترق بنك، إحنا هنختـ,ـرق ‘وعي’. الشخص اللي النسخة دي موجودة في دماغه هو اللي سـ,ـرقها الأول.. سـ,ـرقها من أبحاث شركتي، وحبسها جوه شفرة عصبية مفيش حد في العالم يقدر يفكها غيرك.”

​نورا سكتت للحظة، الكلام بدأ يلمس تخصصها. “شفرة عصبية؟ إنت بتتكلم عن ‘نيروبروجرامينج’؟ ده لسه في طور التجارب!”

​جوليان ضغط على زرار في مفتاح عربيته، وفجأة ظهرت شاشة عرض (Hologram) من سقف العربية، بتعرض صور أشعة مقطعية معقدة جداً، فيها خيوط ضوئية متداخلة بشكل مرعب.

​”ده مش طور تجارب بالنسبة لنا،” جوليان كمل: “ده واقع. المريض اللي هتدخلي معاه في ‘جلسة اتصال’ هو ‘إلياس فانس’. عبقري، ومجنون، ودماغه دلوقتي عبارة عن متاهة من الذكريات المفخخة. لو قدرتي توصلي للفايل المخفي وتنسخيه على الفلاشة دي.. جدتك هتاخد قلب جديد الصبح.”

​نقطة الصفر

​نورا لقت نفسها بتمد إيدها وبتاخد الفلاشة. ملمس المعدن كان ساقع زي التلج. “لو حصل لي حاجة.. لو عقلي أنا اللي باظ في الجلسة دي؟”

​جوليان قرب منها ولبسها سماعة صغيرة في ودنها: “أنا هكون معاكي، بوجهك من بره. بس جوه ‘السيرفر العصبي’ بتاع إلياس.. إنتي لوحدك. قدامك 6 ساعات قبل ما المستشفى تقفل باب العمليات لجدتك.”

​ركبت نورا العربية معاه، وتحركوا بسرعة جنونية لفيلا معزولة، متأمنة وكأنها قاعدة عسكرية. دخلوا أوضة مليانة أجهزة طبية نورا عمرها ما شافتها في أكبر مستشفيات البلد.

​على السرير، كان نايم راجل في الأربعينات، وشه شاحب، وموصل بآلاف الأسلاك.

​”ده إلياس؟” سألت نورا وهي بتركب خوذة الربط العصبي.

“ده إلياس،” رد جوليان وهو بيقعد قدام شاشات المراقبة: “استعدي يا نورا.. إحنا دلوقتي مش في القاهرة، إحنا هندخل ‘أرشيف الوجع’ بتاعه.”

​الغوص في المجهول

​نورا غمضت عينيها. حست بكهرباء خفيفة بتسري في عمودها الفقري، وصوت صفارة عالي جداً.. وفجأة، الصمت ساد.

​فتحت عينيها، مكنتش في الفيلا. كانت واقفة في وسط مكتبة عملاقة، بس الرفوف مكنتش خشب، كانت عبارة عن خيوط من النور، والكتب كانت عبارة عن “لحظات” بتتحرك زي الفيديو.

​”نورا، سامعاني؟” صوت جوليان جه من بعيد، وكأنه جاي من كوكب تاني.

“أنا جوه،” همست نورا وهي بتمشي وسط الذكريات: “المكان هنا.. مشوه جداً. فيه ريحة حريق.”

​”ده طبيعي، إلياس بيحاول يحرق النسخة عشان محدش ياخدها. اتحركي ناحية الذكرى اللي لونها أزرق غامق.. هناك الباب.”

​نورا بدأت تمشي، بس فجأة، ظهر قدامها طفل صغير بيعيط، والحيطة اللي وراه بدأت تنهار وتتحول لسائل أسود بيبلع كل حاجة.

​”جوليان! النظام الدفاعي بتاعه بدأ يهاجمني!” صرخت نورا وهي بتحاول تهرب من السائل الأسود اللي بدأ يقرب من رجليها.

​”ماتخافيش يا نورا! افتكري إن ده مش حقيقي.. دي مجرد بيانات!”

​لكن نورا حست بوجع حقيقي في قلبها، الوجع مكنش بيانات.. كان ذكرى من ذكرياتها هي اللي بدأت تتداخل مع ذكريات إلياس.

​تفتكر نورا هتقدر تفرق بين خيال إلياس وواقعها؟ وهل جوليان فعلاً عايز “النسخة” بس، ولا فيه فخ أكبر؟

الخامس: فخ الذكريات

​السائل الأسود بدأ يغطي أرضية المكتبة، وكل ما يلمس “ذكرى” من ذكريات إلياس، كانت بتتحول لرماد. نورا كانت بتجري وصوت أنفاسها مسموع في ودنها وكأنه طلقات رصاص.

​”جوليان! السائل ده بيقرب مني، وأنا حاسة ببرودة مرعبة في رجلي!” صرخت نورا وهي بتحاول تتسلق واحد من رفوف النور.

​صوت جوليان جه مشوش: “نورا.. اسمعيني.. إلياس بيستخدم ‘بروتوكول التدمير الذاتي’. هو مستعد يمسح دماغه باللي فيها ولا إننا نوصل للسر. لازم تلاقي النقطة الثابتة.. الذكرى اللي هو مستحيل يفرط فيها!”

​”وأنا هعرفها منين في وسط المتاهة دي؟”

​”دوري على ‘شامبو جوز الهند’ وتراب المكتبات!”

​نورا وقفت مكانها فجأة. السائل الأسود كان على بعد سنتيمترات من جزمتها. “إنت قلت إيه؟ جوليان.. إنت عرفت الوصف ده منين؟ دي ريحة حضـ,ـن جِنا ليا!”

​جوليان سكت ثانية، والصمت ده كان أرعب من الصراخ: “مفيش وقت للأسئلة يا نورا. الروائح في العالم الرقمي هي مجرد ‘مفاتيح’. إلياس عنده نفس المفتاح.. اتحركي!”

​الغرفة السرية

​نورا بدأت تشم الريحة فعلاً. مشيت وراها لحد ما لقت باب خشب قديم وسط كل التكنولوجيا دي. فتحت الباب ودخلت.. وفجأة، الهدوء رجع.

​كانت أوضة نوم بسيطة، وفيها إلياس، بس وهو طفل، قاعد بيلعب بتركيبة معقدة من المكعبات. نورا قربت منه بحذر: “إلياس؟”

​الطفل رفع عينه ليها، وعينيه كانت بلون الفضة، نفس لون الفلاشة اللي معاها. “إنتي جيتي تاخدي اللعبة بتاعتي؟”

​”أنا.. أنا محتاجة أساعد حد بحبه يا إلياس. اللعبة دي هي اللي هتنقذها.”

​الطفل ابتسم ابتسامة توجع القلب: “بس لو خدتيها، أنا هنسى أنا مين. جوليان مش عايز اللعبة عشان ينقذ حد.. جوليان عايزها عشان يتحكم في ‘مين يحس بإيه’.”

​نورا اتصدمت. الفلاشة مكنتش بحث طبي، كانت أداة للسيطرة على المشاعر والذكريات. في اللحظة دي، سمعت صوت جوليان بيزعق في السماعة: “نورا! اسحبي الداتا حالاً! الجهاز بدأ يسخن، وجسمك برا بدأ يدخل في حالة تشـ,ـنج! اسحبيها وإلا هتمـ,ـوتي جوه!”

​القرار الصعب

​نورا بصت للطفل، وبصت للفلاشة. لو سحبت الداتا، هتنقذ جدتها بس هتدمر عقل إلياس وهتدي جوليان سـ,ـلاح مرعب. لو مسحبتهاش، هتمـ,ـوت هي وجدتها.

​وفجأة، شاشة الـ Hologram اللي برا بدأت تظهر قدامها جوه الحلم. شافت صورة جدتها في المستشفى، والممرضين بيجروا بجهاز الصدمات الكهربائية.. قلبها كان بيقف.

​”تيتا..” همست نورا والدموع في عينيها.

​الطفل إلياس مسك إيدها: “أنا ممكن أديكي نسخة مشفرة.. جوليان مش هيعرف يفتحها غير بموافقتك إنتي. بس ده معناه إنك هتفضلي ‘مربوطة’ بيا وبالجهاز ده للأبد. موافقة؟”

​نورا سمعت صوت إنذار المستشفى في ودنها، وصوت جوليان وهو بيفتح سرنجة “أدرينالين” عشان يغرزها في قلبها برا.

​”موافقة!” صرخت نورا.

​نورا رجعت للواقع بشهقة مرعبة، وجسمها كله عرق. جوليان كان باصص لها بلهفة وهو ماسك الفلاشة اللي نورت باللون الأخضر.

​”عملتيها؟” سأل بلهفة مرعبة.

​نورا بصت له وهي بتنهج، وحست بوجع غريب في دماغها.. وكأن فيه حد تاني بقى عايش جواها.

​تفتكر جوليان هيكتشف إن النسخة مشفرة؟ وإيه الثمن اللي نورا دفعته عشان تبقى “مربوطة” بعقل إلياس؟

​الجزء السادس: نبض واحد

​نورا فتحت عينيها بصعوبة، لقت جوليان ماسك الفلاشة بلهفة مرعبة، ملامحه اللي كانت هادية اتحولت لملامح صياد لقى فريسته.

​”عملتيها يا نورا.. أنقذتي جدتك، وأنقذتي مستقبلي،” جوليان قالها وهو بيقوم من جنبها بسرعة البرق عشان يحط الفلاشة في جهازه الرئيسي.

​نورا كانت لسه بتنهج، حاسة بصدع رهيب بيقسم دماغها نصين. بصت لجسم إلياس اللي على السرير.. شافت صباعه بيتحرك حركة خفيفة. “إلياس.. هو لسه حي؟”

​جوليان مردش عليها، كان مشغول بالشاشة اللي بدأت تحمل البيانات. وفجأة، الشاشة نورت بالأحمر وطلع رسالة: “Access Denied: Biological Key Required” (الوصول مرفوض: مطلوب مفتاح حيوي).

​جوليان لف ليها بوش مرعب: “إيه ده؟ فين بقية الكود؟”

​نورا قامت وقفت بصعوبة، وسندت على الحيطة: “الكود مش على الفلاشة يا جوليان.. الكود جوه دماغي أنا. إلياس ربط النسخة بيا. لو عايز تفتح السر ده، لازم تفضل محافظ على حياتي.. وحياة جدتي.”

​المواجهة الأخيرة

​جوليان قرب منها، كان هيهـ,ـجم عليها من الغيظ، بس فجأة موبايله رن. بص في الشاشة ورد بسرعة: “أيوة؟”

تعبيرات وشه اتغيرت تماماً.. بص لنورا بذهول وسكت.

​نورا سألت بخوف: “في إيه؟ المستشفى؟”

جوليان نزل الموبايل ببطء وقال: “جدتك دخلت العمليات من 10 دقائق.. المتبرع وصل بشكل مفاجئ، والمصاريف اتدفعت بالكامل من جهة مجهولة.”

​نورا بربشت بعينيها باستغراب: “إنت اللي دفعت؟”

جوليان هز راسه بالرفض: “لأ.. أنا لسه مكنتش دوست على زرار التحويل. فيه حد تاني سبقنا.”

​نورا بصت لإلياس اللي على السرير.. وفجأة سمعت صوته جوه دماغها، مش بودانها: “أنا اللي بعت المسج يا نورا. أنا لسه مسيطر على حساباتي البنكية من جوه السيستم. شكراً إنك مخنتيش الطفل اللي شفتيه.”

​النهاية: حياة مقابل حياة

​بعد مرور شهر..

نورا واقفة في جنينة المستشفى، ماسكة إيد “تيتا” اللي بدأت تسترد عافيتها بقلب جديد ونبض قوي. جِنا كانت قاعدة جنبهم وبتحكي نكت كالعادة، وريحة “شامبو جوز الهند” مالية المكان.

​نورا كانت بتبتسم، بس عينيها كانت بتلمع بلمعة فضية خفيفة مكنتش موجودة قبل كدة.

طلعت موبايلها، شافت رسالة من رقم مجهول: “جوليان لسه بيدور عليكي، بس طول ما إحنا ‘مربوطين’ ببعض، مش هيقدر يلمسك. استعدي.. الحكاية لسه بتبدأ.”

​نورا قفلت الموبايل وبصت للسما. هي مابقتش مجرد “نورا بينيت”، هي بقت حارسة لأخطر سر في العالم الرقمي، وبقت بتسمع نبضين في صدرها.. نبضها، ونبض إلياس اللي عايش في مكان ما، مستني اللحظة اللي يرجعوا فيها يواجهوا “كروس” سوا.

​نورا ضحكت لتيتا وقالت: “خلاص يا حبيبتي.. كابوس الرأسمالية خلص، وبدأ عصر جديد.. عصرنا إحنا.”

​تمت.

لو عجبتك القصة دي، قولي رأيك، ومستني أشوف تفاعلك عشان نبدأ في قصة جديدة أقوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *