لمن القرار بقلم سهام صادق ج 16

الفصل السادس والسبعون
****

مع خيوط الصباح الأولى كانت سيارة رسلان تشق طريقها نحو مدينة الإسكندرية.
الصمت وحده كان يحتل افواههم، هي تجلس بالمقعد الخلفي تُطالع الطريق في شرود تام ومازال صوت السيدة سعاد الباكي يخترق أذنيها.
تم طعنه في صدره، وجدوه غارق في دمائه مُلقى على جانب الطريق، هيئته التي اخبرهم بها من أتى به المشفى إنه على ما يبدو خاض معركة من السطو قبل أن يتم طعنه.

اغمضت عيناها بقوة تتمنى لو يختفي صوت السيدة سعاد عن أذنيها لثواني؛ فيرحم فؤادها وروحها.
تعلقت عينين ملك بها وعادت تنظر لرسلان تميل نحوه هامسه

– رسلان خليني اسوق بدالك شكلك تعبان

رمقها رسلان بنظرة خاطفة قبل أن يعود ويركز عيناه نحو الطريق

– مش مستهله يا حببتي.. ساعه ونوصل

اختطف بضعة نظراته إليها يمنحها ابتسامة مطمئنة يلتقط يدها محتضنًا لها داخل قبضته الحره.

التقطت بسمة المشهد دون قصد منها؛ فاسرعت في اشاحت عيناها عنهم.
ملك و رسلان حكاية حب نادرة.. حكاية رغم الألم الذي نبع من اسطرها إلا أن الحب ظل محفور داخلهم وصامد لأبعد حد، حب اختاره القلب وتجرع معه طعم المرارة والفراق.

أنفاسها تسارعت من شدة القلق والخوف عندما ابطأت السيارة في سرعتها وتعلقت عيناها بمدخل المشفى؛ فهل نال جسار منها الحظ السئ.. إنها نذير شؤم كما كان يُخبرها فتحي شقيقها.

…..
اطبقت شهيرة فوق جفنيها بقوة تتحاشا النظر للمرآة لا تقوى على رؤية حالها.
خانتها عيناها راغبه برؤية صورتها المنعكسة .. والصوره لم تكن إلا باهته.
شهيرة الأسيوطي من حسدتها النساء يومًا على جمالها وذكائها؛ صارت ذابلة الملامح بروح أخرى..روح لم تعد قتالية.. روح مشوهة.
لم تشعر بحالها إلا وهي تحمل قنينة العطر وتلقي بها نحو المرآة.

صدح صوت تهشم المرآة عاليًا؛ فتجمدت حركة الخادمة التي كادت أن تطرق باب الغرفه لتُخبرها أن السيد في إنتظارها.

عيناها ظلت جامدتين نحو الزجاج المنثور اسفلها.
تحركت ببطء نحو القطع المنثورة قاصدة فعلتها ؛ فانسابت الد,ماء من قدميها.

هرول ماهر فوق درجات الدرج بعدما أخبرته الخادمة بصوت تكسير المرآة؛ فوقف يلهث أنفاسه بعدما علقت عيناه بها.
تيبست قدماه للحظات وسرعان ما كان يفيق من صدمته، يُسرع نحوها يجتذبها بعيدًا عن قطع الزجاج

– سيبني، ابعد عني

حاولت دفعه عنها تنفض ذراعيه عن جسدها

– لا هسيبك ولا هبعد عنك يا شهيرة

وضعها فوق الفراش تحت نظراتها العالقة به يزفر أنفاسه حانقًا من تصرفاتها الطائشة.
جثا على ركبتيه أمامها يرفع قدميها حتى يتمكن من فحصهم.

بكلمات مبهمة تمتم بحنق أشد ونهض مبتعدًا عنها ينظر في أركان الغرفة بنظرة سريعه قبل أن يخطو نحو المرحاض.

عيناها كانت مع خطواته بعدما عاد إليه يحمل ما يُنظف به ج,رح قدميها.
بخفة وببطء بدأت يداه بدورهم حتى انتهى تمامًا، يرفع عيناه نحوها متسائلًا

– أيدي كانت خفيفه ولا وجعتك

باماءة بسيطة حركت رأسها تزدرد لعابها راغبة بشكره ولكن الحديث علق على طرفي شفتيها وهي تراه يُغادر الغرفة متمتمًا بنبرة مقتضبة

– هبعتلك الخدامة تشوف طلباتك

بخطوات هاربة دلف غرفته يغلق الباب خلفه بقوة لا يُصدق أن ذلك الذي عاد به للوطن من أجل الأنتقام خانه.
دار حول نفسه دون هواده، كيف يخونه قلبه ويخون وعده له.. هل نسى حلمه الذي ضاع بسبب عائلتها، هل نسى رفضها إليه يومًا؟.
عيناه علقت بالفراش الذي لم يمسه جسده أمس؛ لأنه ببساطه قضى ليلته في أحضانها، أحضان المرأة التي فر بسببها من البلاد.
التقط شرشف الفراش بعن,ف يطيح به بعيدًا، يلهث أنفاسه بقوة يصيح غاضبًا

– شهيرة مرض اتلعنت بي طول عمرك..اوعاك تفتكرها سلمت نفسها ليك من غير هدف .. بنت الأسيوطي هتتنازل عشان تعرف تاخد المقابل صح

والصوره أمس كانت تتدافق داخل عقله، هو كان كالعطش يروي ظمأ سنوات طويله وهي كانت تمنحه جسدها في صمت.

…..
ابتسمت الصغيرة إليها فور أن رأتها تخرج من المرحاض، تقترب منها متسائله عن وعدها لها ليلة أمس

– هنروح لمامي يا فتون

بوهن جففت وجهها بالمنشفة تُحرك لها رأسها.
أسرعت الصغيرة نحوها تحتضن خصرها بذراعيها لا تُصدق إنها ستذهب لوالدتها.
ابتسامتها خفيفة ارتسمت فوق شفتي فتون تُداعب خصلات شعرها

– ديدا خلينا نتفق اتفاق تمام

ابتعدت عنها الصغيره ترفع عيناها نحوها تنتظر ما ستعقده معها من اتفاق كما يعقد معها والدها

– هنروح لمامي وهسيبك تقعدي معاها شويه حلوين وبعدين هرجع اخدك تمام

والصغيرة لا تُجادل فيما يُمنح إليها، هي لا تُريد احزان والدها أيضا إذ ابتعدت عنه

– بابي مش هيزعل مني يا فتون

بابتسامة واسعة دارت خلفها مرارة علقت في حلقها سنوات طويله؛ فالصغيرة تذكرها بطاعتها في صغرها

” فتون اجلسي مع اشقائك حتى أعود”
” نظفي المنزل واغسلي الأطباق ثم اطعمي اشقائك ، فالحمل يتعبني”
” اركضي خلفهم، أنتِ اكبرهم عليكي رعايتهم”

– لا يا حببتي مش هيزعل منك.. لكن زي ما اتفقنا مش هنقوله حاجة لحد ما يرجع من السفر تمام

أسرعت الصغيرة في تحريك رأسها كعادتها ، هي راضيه بشدة نحو ما يُقدم إليها.

تحركت الصغيرة من أمامها حتى تُخبر مربيتها أن تُساعدها في تبديل ثيابها وتمشيط شعرها ولكنها توقفت وعادت تنظر نحو فتون التي وقفت تُقاوم بشدة رغبتها بالقيء

– فتون ممكن تلبسيني فستاني وتسرحيلي شعري

وها هم يصعدون السيارة تحت نظرات السيدة ألفت المصدومة من تصميم فتون في اخذ الصغيرة لوالدتها غير مهتمه بأن السيد بالتأكيد سيهاتفهم ليطمئن على الصغيرة.

اتسعت ابتسامة الصغيرة وهي ترى السيارة تتحرك بهم وفتون تنظر لهاتفها تبحث عن رقم شهيرة
– هنكلم مامي يا خديجة عشان نعرف الأول هي فين

…..
لمرات عدة تجاهلت شهيرة رنين هاتفها غير راغبة بالحديث مع أحد ولكن في النهاية التقطته حتى تعيد غلقه، فأبنتها كيف لها أن تُحادثها بعدما اخبرها بقسو,ة حتى صوتها لن تسمعه.

انسابت دموعها تتذكر ذلك اليوم بتفاصيله وسليم يقف أمامه في صورة أخرى لم تعرفها يومًا

– إزاي عرفتي تخدعيني كل السنين ديه..هدفعك التمن غالي يا شهيرة

وهي لم تكن إلا في حالة من الصمت تطرق رأسها أرضًا لأنها تعرف سبب ثورته، فمهما أقسمت له إنها مثله لم تعرف عن أمر عمته وشقيقها إلا مؤخراً

– أنتِ من النهاردة بالنسبه لبنتي ميته

اتسعت حدقتاها ترفع عيناها إليه في صدمة تنظر إليه

– أنت عايز تحرمني من بنتي يا سليم

نهضت عن مقعدها ومازالت الصدمة تحتل ملامحها

– بنتك! بلاش الأشعارات الكدابه ديه يا شهيرة.. بنتك اللي اكتشفتي فجأة امومتك ليها وحبك بعد ما اتحرمتي منها لكن قبل كده كنتي مستعده تضحي بيها عشان مصلحتك

اقترب منها، فاطبقت فوق جفنيها بقوة منتظره ما سيُعايرها به من حقيقة موجعة

– بنتك اللي خلتيني اتنازل ليكي عن صفقة قصاد إنها تكون تحت وصيتي، أنا لولا احتياجها ليكي واحساسي بالذنب إني حرمتها منك مكنتش وافقت ارجعها ليكي وادخلك حياتنا من تاني.. بأنانيتك ضيعتيها يا شهيرة وكفايه هتفضلي طول عمرك أنتِ وأهلك نقطه سيئة في حياتها

عاد رنين هاتفها يتعالا مرة أخرى يفيقها من شرودها، ضاقت عيناها وهي تُطالع الرقم في دهشة..،فتون من تهاتفها.

أجابت بعد تردد تتسأل داخلها لما فتون تهاتفها وهي على دراية بابتعادها عن المنزل

– مامي

خفق قلب شهيرة تستمع لصوت صغيرتها ، واسرعت في مسح دموعها تُحاول إخراج صوتها في ثبات

– خديجة.. قلب وروح مامي

تعلقت نظرات فتون بالصغيرة الناضجة التي لم تتجاوز عمر الخامسه

– أنتِ فين يا مامي..فتون هتاخدني ليكي عشان أنتِ وحشاني

….
وقفت تستند برأسها فوق الجدار تمسح دموعها ومازالت لا تستوعب ما اخبرهم به الطبيب.. الحالة ليست بخير؛ فما حدث للمريض لا يدل إلا على الأنتقام الشديد.

داخلها كان يتردد صوت واحد، فتحي شقيقها من فعل ذلك بالتأكيد.. شقيقها يحمل دومًا الشر داخله.. ليتها لم تدخل حياته ما كانت عذبت حالها ولا عذبته في حكاية محكوم عليها بالفشل.

اقترب منها رسلان بعدما أنهى مكالمته مع ملك التي غادرت المشفى بالصغير وذهبت مع السيده سعاد والسيد جميل لمنزل جسار.., اطمئن عليها وطمئنها على حالته التي صارت مستقرة بعض الشئ

– بسمة خليني اروحك وأنا هفضل هنا معاه واطمنك عليه

بضعف حركت رأسها رافضة
– لا.. أنا هفضل هنا

تقبل رفضها دون جدال متمتمًا
– أول ما الحاله يسمح ليها بالدخول هدخلك

احتلت عيناها اللهفة لرؤيته بخير ، تتمنى من قلبها أن يعود ذلك الرجل الذي عاهدته في هيبته ووقاره..

صوت تعالا باسمها ولم يكن إلا السيد شريف تُجاوره سيرين التي تتلهف على سماع ما يُطمئنها عنه

– مدام بسمه طمنينا عن حالة جسار لسا عارف بالحادثه، إزاي ده حصل.. جسار ملهوش أي أعداء

لم تكن بسمه حمل لأي جواب، فتولى عنها رسلان الأمر يصافحه ويُخبره بهويته

– أنا دكتور رسلان.. مدام بسمة في منزله أخت المدام وأختي

صافحه السيد شريف متفهمًا وجوده، فاسرعت سيرين بالحديث بعدما ضجرت من الأنتظار

– طمني يا دكتور على حالة جسار..

حدقها السيد شريف ساخطًا من تلك اللهفة التي تظهرها وتجريد اسمه هكذا، فالرجل متزوج وزوجته واقفة أمامهم وقد حذرها أمس مما يراها من مشاعر صارت واضحة.
ضاقت عينين رسلان وسرعان ما كان يشيح عيناه عنها ينظر للسيد شريف

– الحالة شبه مستقره لكن لسا ممنوع عنه الزياره

تراجعت سيرين بجسدها تتهاوى بجسدها فوق أقرب مقعد تُقاوم ذرف دموعها تحت نظرات بسمة الجامدة.

…..

بلهفة غير عابئة بألم قدميها, هرولت شهيرة فوق تلك الدرجات القليلة التي تفصلها عن أبنتها تجثو على ركبتيها تفتح لها ذراعيها..
عانقتها الصغيرة تهتف سعيدة لرؤيتها
– مامي
– ديدا حببتي..

ابعدتها شهيرة عن احضانها تزيح خصلات شعرها للخلف تمسح فوق خديها تنظر بشوق لملامحها.
عادت تختضنها مجددًا تحت نظرات فتون التي وقفت تُطالع لهفتها تضع بيدها فوق احشائها تقسم داخلها لن يأتي عليها مثل هذا اليوم وتكون خاضعة لقرارت هذا الرجل إذا هجرها يومًا وقرر معاقبتها.

وقف ماهر هو الأخر يُطالع المشهد من خلف ستار شرفة غرفة مكتبه يتذكر اخر ما قالته له قبل مجيء الصغيرة

” بلاش أي إهانه او تجريح يكون قدام بنتي، بنتي ملهاش ذنب في أي حاجة يا ماهر..”

عيناه تعلقت بالصغيرة الجميله يتسأل داخله لو كانت ابنته هو منها، لو كان تزوجها في شبابه كم كان سيكون عدد أبنائهم..

احلام قاده إليها قلبه العطش وسرعان ما كان يفيق على حقيقة مريرة، هو لا يُنجب فكيف له أن يتخيل أبنائه منها.

اقتربت شهيرة من فتون تمد لها يدها تُصافحها

– أنا مش عارفه اشكرك إزاي يا فتون.. أنتِ متعرفيش قد إيه أنا كنت محتاجه اشوف خديجه

صافحتها فتون متناسية أي ذكرى سيئة جمعتها بها، فهي اليوم رأت شهيرة الأسيوطي الأم وليست تلك المرأة التي جعلتها تكره حالها كلما قارنت حالها بها

– متشكرنيش لأن ده حقك

ارتسمت ابتسامة ممتنه فوق ملامح شهيرة يصحبها ارتعاش شفتيها ، فهل سمح سليم برؤيتها لأبنتها .. لقد اقسم لها إذا فعلت ذلك سيظهر الكثير من الدلائل لتسترها على أعمال شقيقها الغير قانونيه

– سليم يعرف إن خديجة عندي

– لاء
بجواب صريح تمتمت به فتون تنظر نحو الصغيرة التي تشابكت اصابعها بأصابع والدتها

– أنا وديدا اتفقنا إني هجيبها ليكي كل يوم لحد ما سليم يرجع.. ومتخافيش هكون أنا في مواجهة سليم

ازدادت ملامح شهيرة توترًا بالتأكيد فتون لا تعلم عن السبب الخفي الذي أثار كره سليم لها وغضبه عليها

– استمتعي بوقتك يا ديدا مع مامي وزي ما اتفقنا هرجع اخدك بعد كام ساعه تمام

هتفت بها فتون منتظرة جواب الصغيرة التي أسرعت في تحريك رأسها بطاعة صارت تؤلمها.

استدارت فتون بجسدها متجها نحو السيارة؛ فاسرعت شهيرة في التقاط ذراعها

– فتون بلاش تعملي مشاكل لنفسك عشاني، أنتِ متعرفيش حاجة.. بلاش توجهي النسخة السيئة من سليم

طالعتها فتون للحظات قبل أن تتجه بأنظارها نحو قدميها وقد لفتها الأمر حينما جثت شهيرة على ركبتها, لتحتضن الصغيرة

– أنتِ محتاجة وجودها في محنتك وخديجة محتاجاكي.. وزي ما قولتلك خلي المواجهة عليا

حدقتها شهيرة في ذهول لا تستوعب أن من تغادر بها السيارة تحت نظراتها المصدومة هي فتون.. ولكنها على كل حال ستكون شاكرة لها طيلة عمرها.

……
حركت خديجة رأسها رافضة تناول المزيد من الطعام فلم تعد معدتها تتحمل ما صار يفعله بها يوميًا منذ أن صار يتولى أمر رعايتها فلم يعدوا بحاجة لإخفاء زواجهم ولم تعد تهتم بحديث الناس ولا بالماضي الذي انكشف بأسراره لمن خافت عليهم

– كفايه يا أمير، مش قادرة اكل اكتر من كده
– فاضل العصير بس يا حببتي

دفع العصير نحو شفتيها رغم رفضها وتذمرها
– حببتي الحلوه هتسمع كلام بابي وتشرب العصير

” بابي”! ارتفعت زاوية شفتيها استنكارًا تدفع ذراعه عنها

– حبيبي الدور ده مش لايق عليك..المفروض نعكسه

وقبل أن تتمتم بحديث لا يعجبه وتخبره أنها من عليها رعايته والقيام بدور الأم..؛ فهي الأكبر عمرًا

– اشربي يا حببتي وببلاش كلام مش هيكون ليه طعم

ارتشفت العصير تحت نظراته الحانقة تهتف متذمره
– مش لازم اشربه كله يا أمير
– لا كله.. أنا عايز ابني يطلع متغذي وعنده عضلات

انفلتت ضحكة قوية من شفتيها تدفع الكوب إليه بعدما ارتشفت ما تبقى منه حتى تُرضيه

– أنا موافقة لما اخرج من المستشفى نروح شقتك.. اي مكان هكون معاك فيه هكون سعيده

تلهفت ملامحه لسماع عبارتها ثانية؛ ولم تحرمه من إعادة رغبتها لذهاب معه لأي مكان يرغبه

– خديجة أنتِ متأكده من قرارك .. أنا مش كاظم يا خديجة لأني في النهاية بشتغل عنده يعني مملكش غير مرتبي وأي رفاهية كنت بتمتع بيها كانت بفلوس كاظم

حقيقة رغم صعوبة إخراجها لها إلا إنه عليها إعلامها أن كل ما يملكه.. هم شقته وسيارته وراتبه

– وأنا مش عايزه حاجة غيرك يا أمير.. لو على الفلوس.. فأنا

اسرع بوضع كفه فوق شفتيها يمنعها عن إكمال حديثها
– الفلوس ديه فلوسك أنتِ

ازاحت كفه عن شفتيها حتى تتمكن من الحديث
– لكن أنا مراتك.. فلوسي هي فلوسك..

ابتلعت بقية حديثها بعدما رأت نظراته نحوها

– لا يا خديجة.. الفلوس ديه بتاعتك أنتِ.. ياريت مسمعش الكلام ده منك تاني.. كل اللي اقدر اوعدك بي إني هنجح عشانك وعشان ابني.. عايزه يكون فخور بيا

التقطت يده قبل أن يبتعد عنها
– أنا فخورة بيك يا أمير وعارفه أنك في يوم هتكون أنجح راجل شافته عينيا

لم يتركها لتكمل أي حديث سيزيد من سرعة دقات قلبه، جذبها نحوه يُعانق شفتيه بشفتيها يُخبرها في حديث صامت كم هو عاشق لها، كم هو اسعد الرجال لوجودها معه وكم هي الحياة عادلة لتنصفه بزوجة مثلها.

قبلة طويله أودع فيها حبه وغرق بها معها، شهقة خرجت ضعيفة عن صاحبتها التي أسرعت في طرق رأسها أسفه

– اسفه

استدارت فتون لتُغادر الغرفة، فاسرعت خديجة بترتيب خصلاتها تُحاول إخراج صوتها بعدما ابتعد عنها أمير

– فتون..

هتفت بها خديجة فاسرع أمير متمتمًا حتى يمنع الحرج عن فتون

– كويس إن مدام فتون جات.. هروح اشوف الدكتور يا حببتي

غادر أمير الغرفة في عجالة، فرفعت فتون عيناها أخيرًا وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل

– كنت المفروض اخبط على الباب قبل ما أتدخل

مدّت خديجة لها بيدها حتى تقترب منها تُحاول جاهدة في إخفاء ربكتها

– قربي يا فتون.. متعرفيش أد إيه أنا مبسوطه بزيارتك ليا كنت خايفه لتكوني حطاني مع سليم في خانة الهجر

ابتسمت خديجة عندما رأت تأثير داعبتها فوق ملامحها

– حفيد عيلة النجار هيشرف عيلتنا بعد كام شهر
تسألت بها خديجة تنظر نحوها؛ فسلطت فتون نظراتها نحو بطنها ثم عادت عيناها تتعلق بها

– لسا سبع شهور
– الايام مافيش اسرع منها يا فتون..
وضعت خديجة يدها فوق بطنها التي برزت وقد تجاوزت أشهر حملها الأولى.

دردشة نسائية خلت من أي نصائح عن العمل وكيف تكون المرأة صاحبة قرار في عملها وواثقة كما اعتادت فتون أن تسمع منها ما تُحب سماعه عن نجاحها في عملها لتكون مثلها يومًا.

خديجة اليوم كانت أمامها امرأة عاديه لا تتحدث إلا عن لهفتها لتلك اللحظة التي ستحمل فيها صغيرها, وكم هي ممتنه لوجود أمير معها, وكيف كانت حالتها عندما احتجز أمير بالمخفر ليلتين بسبب قضية مق,تل حامد دون الطرق للمزيد من الحديث عن تلك القضيه التي مازال البحث فيها قائم, وعن ابنة شقيقها احمد الذي لا تعرف عنه فتون الكثير؛ لوفاته منذ سنوات عديدة

– افضل قرار اخدتي يا فتون إنك رجعتي، سليم الفترة ديه محتاجك صدقيني..

اطرقت خديجة رأسها في حزن تتذكر الصدمة التي احتلتهم عندما أخبرتهم ليندا حقيقة مق,تله

– الحادثه كانت مدبرة يا فتون، سليم كان مرتبط اوي ب احمد.. كان هو اللي ابوه مش صفوان.. حب مهنة المحاماه عشانه ولولا أعمال العائله مكنش اتخلى عن المهنه أبدا.. احمد كان قدوة سليم في كل حاجة.. حقيقة مو,ته المدبر فتحت جر,ح كبير عنده

توقفت خديجة عن الحديث عندما دلفت أحدى النساء ولم تكن إلا مهيار شقيقة أمير.

غادرت فتون الغرفة لتتركهم معًا تشعر بالغرابة من صمت خديجة عندما سألتها عن سبب منع سليم لشهيرة من رؤية خديجة الصغيرة.

…..
امتقعت ملامح بسمه كلما وقعت عيناها على سيرين الجالسه منذ ساعات دون كلل او ملل، اشاحت عيناها عنها تبحث عن رسلان تتمنى لو يطمئنها عنه هذه المره بصدق.

التقطت عيناها رسلان الذي رسم فوق شفتيه ابتسامة أخبرتها بما سيزفه إليها
– خمس دقايق يا بسمة هتدخلي تشوفي وعلى فكره اول حاجة سألني عنها اول ما دخلت مع الدكتور المعاين لحالته هو أنتِ

تيبست سيرين في وقفتها عندما التقطت أذنيها ما سمعته، بصعوبة استطاعت جر قدميها والمغادرة

– كويس إنها مشيت.. مش فاهم سبب وجودها
علق رسلان عن الأمر بإستياء بعد مغادرة سيرين ولكن بسمة لم تكن معه.

تعلقت عيناها به وهو راقد فوق فراش المشفى تكتم صوت شهقاتها بكفها لا تُصدق رؤيته بتلك الهيئة، ومازال حديث الضابط يتردد صداه داخلها.

” الجريمة مدبرة ومن فعلها.. فعلها من أجل الانتقام.. كل شئ من متعلقاته موجود معه”

ببطء حركت قدميها نحوه.. تقترب من فراشه تنظر للضمادات التي تُحاوط اغلب جسده.

خانتها دموعها رغمًا عنها تمدّ بكفها نحو كفه تلمسه معتذره
– أنا اسفه

فتح عينيه بصعوبه يرفع يده نحوها، ذراعه سقط جواره؛ فحاول رفعة ثانية.
اسرعت تجثو على ركبتيها تسأله في لهفة
– هتكون كويس صح.. مش هتسيبني لوحدي..

خرج الحديث الذي يُريده القلب والعقل كان منسحبًا، تلاقت عيناهم يمدّ كفه مرة أخرى نحو ملامحها حتى يتأكد من وجودها.
ابتسامة ضعيفة ارتسمت فوق شفتيه بعدما تأكد من حقيقة وجودها

– بسمة

عادت دموعها تُغرق خديها تحت لمسات يده

– متعيطيش يا بسمة..

وهل لديها قدرة للتوقف عن البكاء

– لو ديه اخر لحظه من عمري.. همو,ت وأنا مبسوط

تعالا صوت نحيبها تهز رأسها رافضه ما يُخبرها به عن المو,ت

– متسبنيش لوحدي أرجوك

ابتسم إليها وقد خرج صوته في همس خافت.. يعدها إنه لن يتركها قبل أن يعوضها عن كل ما عاشته

سحبتها أحدى الممرضات للخارج تُخبرها أن عليها الخروج، تعلقت عيناه بها وصورة واحده كانت تظهر أمامه مع صوت صاحبها وهو يطعنه

” قلبي مش هيرتاح غير لما اشفي غليلي منك، بسببك حرمتها تكون أم .. خلتني اعيش طول عمري بذنبها ”
والصورة والصوت لم يكن صاحبهما إلا عنتر.

…..
عودته لم تكن متوقعه، فلم يغيب إلا أربعه أيام..
ارتسم الفزع فوق ملامح السيدة ألفت..؛ فالصغيرة ليست هنا ولم يحن وقت عودتها هي وفتون.

أسرعت السيدة ألفت نحوه حتى تُداري ربكتها هاتفه
– حمدلله على السلامه يا سليم بيه

بحركة خافته اماء برأسه ينظر حوله باحثًا عنها وعن صغيرته، فعودتها علم بها حتى لو اخفت الأمر عنه وتجاهلت اتصالاته واجبرت السيدة ألفت إخفاء عودتها عنه.

الفصل السابع والسبعون
*****

أختفت ابتسامتها وهي تراه يقف أمامها وكأنه كان في إنتظارها..، انسحبت الصغيرة متراجعة تدس وجهها بثوبها تهمس بخفوت وخوف

– بابي رجع من السفر يا فتون

ازدردت فتون لعابها وأسرعت في لعق شفتيها من أثر الحلوى التي مازالت عالقة بفمها.. نظراته الجامدة وقبضته فوق هاتفه نبأها بالقادم..

تعلقت عيناها به؛ فصدمتها تلك النظرة التي رمقها بها ثم إشاحته لنظراته بعيدًا عنها.
تلاشت تقطيبة ملامحه، فعيناه هذه المرة تعلقت بصغيرته يُقاوم تلك الرجفة التي احتلته, يشعر بالصدمة من تلك النظرة المرتعبة التي يراها في أعين صغيرته.

– كده يا ديدا أول ما ارجع متجريش على ح,ضني.. بابي موحشكيش

طالعته الصغيرة بعدما خففت قبضتها فوق ملابس فتون التي وقفت صامته تنظر لملامح وجهه التي صار الأرهاق يحتلها..؛ فلم يكن الرجل الذي أمامها اليوم هو سليم النجار بكامل هيئته المُرتبة التي اعتادت عليها حتى نظرته إليها صارت مختلفة.

عيناها تعلقت بذراعيه وقد صاروا مرحبين بصغيرته وحدها يهمس لها في شوق

– فين حض,ن بابي يا خديجة

سقط كيس الحلوى من يد الصغيره وأسرعت راكضة نحو احضانه تُخبره كم اشتاقت إليه وهو لم يكن يومًا ليبخل عن ابنته بحبه.
تركها في ذهولها دون حديث، سليم لم يخصها إلا بنظرة قاسية..
نظراتها تعلقت بخطواته بعدما اتجه بصغيرته لأعلى..يضمها إليه في حنو..؛
فوقفت عاجزة عن التفكير.. فهي انتظرت منه ثورة على خروجها بأبنته الأيام الماضيه والذهاب بها لطليقته التي أخبرتها مرارًا أن تُخبره أنها تأتي بالصغيرة إليها.

اقتربت منها السيدة ألفت وقد ارتسم فوق ملامح وجهها الشفقة

– قولتلك يا بنتي استني لحد ما يرجع وافهمي سبب رفضه إن خديجة تروح لشهيرة هانم.. أكيد كان هيقولك السبب وبعدها كنتي قدرتي تقومي بدورك وتقنعي

– دوري..!
تمتت بها مستنكره وهي تستدير نحو السيدة ألفت

– إظاهر إني بدأت اخد دوري في الوقت الغلط يا مدام ألفت

حدقت بها السيدة ألفت بعدما انسحبت من أمامها وسرعان ما كنت تزفر أنفاسها.. فلم تعد تتوقع شئ في حياة رب عملها ولكن ما صارت متأكده منه.. أن الفتور أصبح يُغلق علاقتهم.

…..

تمطأت جنات فوق الفراش بنعاس مازال يحتل جفنيها، حاولت رفق جسدها الذي صار ثقيلاً بسبب شهورها الأخيرة في حملها.

عيناها جالت بالغرفة تُحدق بنافذة الشرفة في صدمة لا تستوعب أن الصباح قد غادر بهذه السرعه وأتى الليل بخيوطه المظلمة

– معقول أكون نمت كل ده.. أنا اخر حاجة فكراها إني فطرت مع كاظم وقولتله هاخد دش عشان افوق

حكت رأسها قليلًا في حركة يائسه من أمرها، فالحمام المنعش الذي ارادته لم يثمر معها إلا بالنوم

– أنا كأني جايه أنام هنا…

وسرعان ما كانت تنتفض من فوق الفراش.. تتذكر موعد ذلك العشاء الذي اخبرها عنه الليله وقد دعاهم إليه أحد معارفه هنا عندما علم بوجوده.

بحثت عن هاتفها سريعاً تُحدق بالوقت في الصدمة وقد اخترق صوت التلفاز أذنيها

– الساعه تسعه.. معقول!.. كل الوقت ده نمته

اطبقت فوق جفنيها ثم عادت تفتحهما.. تنفض رأسها قليلًا لعلها تفيق بالكامل من نعاسها.
غادرت الغرفة متجها نحو مكان جلوسه ولم يكن إلا جالس بضجر يُقلب في قنوات التلفاز حتى القى بريموت التلفاز فوق الطاولة حانقًا

– كاظم

تعلقت عيناها به وبريموت التلفاز الذي القاه ومن سوء حظها فتحت فمها في تثاؤب عندما تلاقت عيناه بها.

ارتسمت السخرية فوق شفتيه..فالعطلة التي أخذها من اعماله وأراد بها أن يقضيها بين احضانها مبتعدًا عن كل ما صار يثقل كاهله مؤخرًا صارت تُقضي في النوم ومشاهدة التلفاز.

أسرعت في كتم فمها وهي ترى نظراته العالقة بها بسخرية

– مين قال إني عايزه انام.. أنا فايقه وصاحيه اه..

ثم اردفت متسائلة عن ذلك العشاء المدعوين إليه

– كاظم الساعه تسعه.. صاحبك اكيد زعل إننا اتأخرنا عليه.. مش ديه قلة ذوق يا حبيبي

رمقها بنظرات زادت تهكمًا متمتمًا أخيرًا

– روحي كملي نوم يا جنات..خدي كفايتك من النوم على قد ما تقدري.. اقولك حاجه قضي الكام اليوم الفاضلين في النوم

عاد يُركز بعينيه نحو شاشة التلفاز متجاهلاً لها، فابتسمت رغمًا عنها.. كاظم كالأطفال الصغار يغضب عندما لا يجد اهتمامًا منها, تعلم إنه أتى بها لهنا لتكون له وحده وينال اهتمامها الذي تغدقه على كل من حولها دونه.

زمت شفتيها في شقاوة دون أن تغضب من عبوسه واقتربت منه تلك الخطوات المتبقيه ثم جلست جواره.

التصقت به مستمعه بعبوسه اللذيذ وتقطيبة حاجبيه ،فوجدته ينزاح عنها قليلًا زافرًا أنفاسه بقوة.
ارتفع كلا حاجبيها لأعلى..، كاظم بالفعل غاضب منها

– كاظم معقول تكون زعلان مني عشان قضيت الاجازه معاك نوم.. ده غصب عني..

ابتعلت بقية حديثها تنظر إليه مدهوشة من نظرته إليها قبل أن ينفجر بها صائحًا

– ولو نفترض إن غضبي منك بسبب إهمالك يا جنات.. لكن مش ده السبب الأساسي.. السبب يا هانم تعبك اللي بقى واضح وكنتي بتداري عليا عشان تعرفي تجري هنا وهناك وتحلي مشاكل غيرك.. جسمك اول ما لقى الراحه استسلم.. وكل ما اتكلم واقول كفايه جري طول اليوم.. اصل فلان طلب مني خدمه.. اصل فلان محتاجني.. أنا متعودتش أقعد في البيت أنت خايف على ابنك ومش خايف عليا..

هجومه الجمها تنظر إليه كقطه ناعسة رغم ثورته عليها، طالعها بنظره ذاهلة وهو يراها فوقه تكتم حديثه بشفتيها..؛
فتجمدت عيناه لوهله ولكن همسها الخافت جعله يُدرك حقيقه غضبه دون مبرر أخر ، هو حانق بالفعل من إهمالها له

– تعرف يا حبيبي إن وقت غضبك بتكون جميل وممتع

ضاقت حدقتاه للحظات ينظر نحو كفيها وقد داعبت بهما خديه مستطرده

– المفروض إننا هنا عشان انت ترتاح وتستجم يا حبيبي.. أنا عارفه ده كويس لكن شكلي أنا كمان كنت محتاجه مكان زي ده..
ثم أضافت ومازالت على وضيعتها فوقه تُحاصره بكامل جسدها

– شكل هوا البحر ليه تأثير ساحر يا كاظم

خرجت شهقتها في ذهول عندما انقلب بها؛ فاصبحت اسفله تنظر إليه بنفس النظرة الناعسة

– أنتِ بتلعبي بيا يا جنات.. أنا شايف إنك ما شاء الله بقى عندك قوة ردود تخليني مصدوم من النقيض اللي بقيتي فيه

وجنات لم تكن إلا في عالم موازي تسأله دون أن تهتم بحديثه

– يعني عجبتك يا كاظم.. بحاول اتعلم يا حبيبي عشانك

ارتفعت أنفاسه عاليًا لا يُصدق إنه صار يهدء من بضعة كلمات، هل صارت شفرات ارضاءه واضحه لها

جنات تروضه بكلمات، تخبره فيها إنها تفعلها لأرضائه.. نظراتها صارت مغوية وبريئة

– بقى بيضحك عليا يا بنت عبدالرحمن من مجرد كلام، الموضوع بقى خطير ولازم اعقابك عليه

ومن نظراته العابثة كانت تعلم العقاب كيف سيكون وإلى أي مكان سينتهي بهم.
بأنفاس متهدجة طالعته مستمتعه بنظراته نحوها وتلك اللمسات التي اخد يمسح بها فوق خديها بعد عاصفه حبهم

– كاظم أنا وصلت لأيه في قلبك

ارتفعت ضحكاته عاليًا من سؤالها بعدما اعتدل في رقدته وتسطح جوارها

استاءت ملامحها من ضحكاته التي لم تتوقف تدفعه فوق صدره حانقة

– أنا بحب الكلام الحلو يا كاظم.. اضحك عليا بكلمه

اجتذبها نحو صدره يضمها إليه لا يستوعب إنها إلى الآن تشك بحبه لها

– يعني واحد بقت مراته بتعرف تضحك عليه بكلمه ولا كأنه عيل صغير بينسى نفسه وهي قدامه او في ح,ضنه.. خاطفها من العالم كله وعازل نفسه بيها وبقاله اربع ليالي مستحمل نومها ولا كأنها في سباق وتقوليلي وصلت لأيه في قلبك.. لا يا حببتي ذكائك ضعيف في أمور الحب ما تيجي اعلمك الأمور ديه تتفهم إزاي وأنتِ جاوبي لوحدك

….

بخطوات متثاقلة وأكتاف متدلية دلفت الغرفة لا تُصدق أن سليم تجاهلها وكأنه لم يراها.

توقعت الكثير من السناريوهات، غضب وصياح ربما عتاب قاسي ولكن أن يتجاهل وجودها ؛ فالأمر كان كالصدمة بالنسبه لها.

مضت الدقائق وربما ساعه وهي تجلس في نفس وضيعتها فوق الفراش تطرق رأسها نحو كفيها.

مر شريط ذكرياتها معه منذ فتحت لها الحياة صفحة معه وصارت زوجته..
سليم يقدم ويمنح بقدر ما اعتاده في حياته.. يمنح مشاعره بالفراش وامواله يغدقها عليها كلما ارادت شيئًا او ارادت عائلتها شئ..
لم يجر,حها بكلمه يومًا عما يفعله مع عائلتها بل كانت هي من تشعره بضئالتها وضئالة عائلتها تذكره دومًا أنه ينفق على عائلتها كرمًا وسخاءً منه وهو لم يكن حديثه عنهم إلا أن ما يفعله معهم لأنهم صاروا من أفراد عائلته ويضحك بعدها هاتفًا إنها ترى الأمر من منظور ضيق.

مواعيد عدة اتخذها لها مع أطباء نفسيين ربما تحتاج لتفيض لاحد بمكنوناتها.. الأمر نال إستحسانها في البداية ثم بعدها لم تعد ترى إنها بحاجة لهذا.. فالمرء طبيب نفسه وهو لم يكن عليه إلا التبسم وتركها تختار ما تُريد.
عندما علم بتلك المشاكل التي تواجهها في الإنجاب والأمر لا يحتاج إلا وقت ومتابعه طبيه..كف عن إظهار رغبته بالحصول على طفل وترك الأمر يأتي مع الوقت كما اخبرهم الطبيب.
سليم حاوطها بقيوده ولكنه بالمقابل أعطاها ما لم يمنحه لها والديها..؛ فماذا عساه أن يفعل.. فشعور النقص داخلها وحدها.

فاقت من شرودها على دلوفه للغرفة؛ فاتجهت بأنظارها نحوه وتلاقت عيناهم.
نظرات لم توحي لها إلا بالجمود، جمود غلفه البُعد في وقتً عصيب وحاجته لوجودها قربه في الفترة الماضية.

اغمض عيناه مُحاولًا طرد ذكرى الحديث الذي صار بينه وبين ذلك الرجل الذي يُدعى إرنستو وقد تعرف عليه على الفور عندما التقى به ولكنه شعر بالصدمة لانه كان يعرفه ولكن بهوية أخرى

– سليم

تمتمت بها فتون بعدما صارت قبالته تنظر لملامح وجهه المرهقة منتظرة أي ردة فعل منه على عودتها للمنزل.

استدار بجسده وكأنه يُعاقبها بصمته وتجاهلها، اتجه نحو المرحاض؛ فاسرعت تلتقط ذراعه غير مصدقة ما تراه عينيها

– سليم أنت مبتردش عليا ليه..ليه متجاهلني.. لو زعلان مني عشان باخد خديجه عند …

ازدردت لعابها تبتلع بقية حديثها على أثر صياحه بها

– اوعي تنطفي كلمة زياده يا فتون.. لو أنا ساكت ومقللتش قيمتك قدام بنتي والخدم فاعرفي إن سكوتي عشانك

ارادت الحديث ولكنها عادت تبتلع أي أحرف ستنطق به, تنظر لذراعها الذي نفضه بعيدًا عنه

– لما تحبي تثبتي نفسك للناس ويكون ليكي دور في حياتي.. بلاش بنتي يا فتون.. خديجة بنتي بختار ليها الصح ولا الغلط فهي بنتي مش هتحبيها قد ما بحبها

هزتها عبارته لا تُصدق ما تسمعه أذنيها

– أنا مقدرتش اشوفها بتترجاني اخدها لأمها واقف اتفرج

اعتلت شفتيه ابتسامة ساخرة يُخبرها بحقيقة فعلتها

– أنتِ عملتي كده يا فتون عشان تثبتي ليا حقيقة تمردك عليا، تمرد عقلك اوهمك إن ديه القوة..

توقف عن الحديث وقد جالت عيناه فوق ملامحها

– شهيرة لو كانت هربت ب بنتي يا فتون عمري ما كانت هسامحك..

صفع باب المرحاض خلفه بقوة؛ فهو لا يرى امامه هذه اللحظه إلا الغضب.

ارتجف جسدها تُحدق بالباب المغلق، فهل ثار سليم أخيرًا وخرج من إطار الصورة المثالية التي باتت تراها مستحيله.

لم يكن مجرد حماماً باردًا غسل به جسده، إنما سيل من الأحداث التي تدافقت داخل عقله..

عمه قُ,تل من أجل المرأة التي احبها قُ,تل على يد من تزوجته تلك الحبيبه ونشأت ابنة عمه تحت رعايته ، بكأس من الخمر أخذ يرتشف منه إرنستو قص له حكايه مضى عليها سنوات عديدة.

التقط المنشفه يلفها حول خصره، يقترب من الجدار يطرق فوقه بقوة وحديث إرنستو الذي احتله بعض التهديد يقتحم ذاكرته

” اعلم إنك ستفكر بالأنتقام من أجل عمك ولكن فكر كثيرا يا ابن النجار.. انت لديك عائلة والأنتقام لن ينتهي إلا بالخسارة.. أدور وشقيقتي إيفا ق,تلوا أيضا لأن في عالمنا الخطأ لا يأتي بعده صفح.. ليندا أمانة شقيقتي امنيتها الوحيده كانت أن تبتعد عن أعمال العائله وتجد لنفسها السلام وأنا امنحها ما تمنته شقيقتي.. فأنت لا تعلم مقدار حبي لهذه الصغيرة ”

غادر المرحاض بملامح جامده، فقد تم أخذ العهد أن ينتهي الأمر هنا.

فرك رأسه بالمنشفة الصغيرة وقد تعلقت عيناه بها ولكن هذه المرة كان الجمود يُغادر نظراته.

اقترب منها يجاورها زافراً أنفاسه بقوة وقبل أن يتسأل عن سبب عودتها وهل اتخذت قرارها ام سيظلوا عالقين في تلك النقطه الفاتره التي علقت بها حياتهم

– أنت مكنتش بتحاوطني بقيودك يا سليم.. أنا اللي كنت بحاوط نفسي بقيود اكبر مني.. قيود مخترتهاش.. قيود اتفرضت عليا.. كنت لازم اكون فتون المطيعه.. لأن فتون مينفعش تكون غير كده.. فتون لازم تقول حاضر ونعم

وبمرارة تمتمت وكأنها تُحب تذكيره بما ارهقه ليالي في مضجعه رغم ما بات يُحيطه

– وانت شوفت مثال لطاعه كانت مفروضه عليا.. ولو مقولتش حاضر ونعم كانت النتيجه بتكون واضحه على جسمي

انسابت دموعها ، فبئس من يدفع ابنته في عمر صغير لمجرد خاطب رأه سيريحه من عبئها.

جذبها نحوه يكمم فمها برفق بكفه متمتمًا برجاء بعدما عادت نظراته للجمود

– فتون بلاش تكملي كلامك… أنا بحاول أنسى المشهد ده.. بحاول متخيلش إن كل ده حصلك.. لو كان قدامي كنت م,وته بدل المره ألف فبلاش تحر,قيني بنا,ر الماضي اكتر

بصعوبه ابتعدت عنها تنظر إليه منتظرة جوابه على تساؤل نطقته في يأس
– هتقدر تتجاوز ده يا سليم.. صحيح مكنتش أنا في الفيديو بس ده اللي كنت بعيشوا مع..

وقبل أن تنطق اسمه كان يعود لجذبها إليه يدفنها بين اضلعه

– اوعي تنطقي اسمه في حياتنا من تاني.. الماضي انتهى بكل وساخته.. غلطتي إن تغافلت عن مسعد.. لكنه اخد جزاءه

حاولت الإبتعاد عنه مجددًا فحررها أخيرًا من أسر ذراعيه ينظر لملامحها الصغيرة الناعمه

– قرارك المرادي هيكون الاخير يا فتون.. جوازنا لو قيد حكمتك بي.. انا بوعدك احررك منه..

والجواب رغم حلاوته إلا إنه خرج في مرارة

– هو بعد ما بندوق العسل تقولي هتاخدي الدواء.. القرار بقى صعب يا سليم بيه.. وانت بقيت ملزم تحب فتون زي ما هي وفتون هتحب نفسها وتمسح ذكرياتها بأستيكه.. مش عشان سليم النجار لاا عشان فتون

حرك رأسه في عدة اماءت يتركها تُخبره ما ارادت حتى أتت لنقطة صارت فاصله في الحديث معه

– وبخصوص خديجة يا سليم.. خديجة محتاجه

احتدت عيناه وهو ينهض مبتعدًا عنها

– عند خديجة وبلاش نتكلم يا فتون وحقيقي أنا مش عايز افتكر مخالفتك لقراري..وسيبتك تطلعي في صورة الزوجة اللي بتقدر تتخذ قرارت من غير رجعه لجوزها..

كادت أن تتحدث ولكنه حسم نهاية حديثهم

– كلام في الموضوع ده تاني بلاش لأنك الوحيده اللي ممكن تزعلي من كلامي لأن دورك كزوجة أنتِ كنتي متنازله عنه

وتابع بكلمات صدمتها
– زوجه مغلوبه على أمرها مع راجل محاوطها بقيوده

…….
لم تعد تشعر بسمة بغرابة ما صارت تفعله لأجله ..؛ فبضعة أيام في رعايته كانت كفيله لتجعلها تعلم حقيقة واحده..، إنها الوحيده ما يحق لها القرب منه والقيام بأدوار لا يستطيع أحد فعلها..؛ لأنها زوجته.

اغمض عينيه مستمتعًا بقربها بعدما انتهت من مساعدته في تبديل ملابسه لملابس أخرى نظيفة

– كده خلصنا..

ثم هتفت متسائلة بقلق حتى لا تكون اوجعته في اضلعه المصابه

– وجعتك من غير ما اقصد

صمته الذي طال رغم سماعها لانفاسه التي لا تعبر إلا عن شخص يستنشق رائحة شيئًا ما

– جسار بيه

فاق على هتافها لاسمه؛ فامتعضت ملامحه من إستمرارها بندائه هكذا.

ابتعد عنها بعدما تمكن أخيرًا من الجلوس فوق فراش المشفى

– تاني جسار بيه يا بسمه.. جسار وبس لا إلا هقول أنا كمان بسمه هانم

خانتها شفتيها؛ فابتسمت رغمًا عنها وسرعان ما كانت الصدمة تحتل نظراتها وهي ترى شفتيه تلثم كفيها بحميمة

– شكرا إنك موجوده في حياتي يا بسمه

ارتجف جسدها من أثر فعلته؛ فانتفضت مبتعده عنه تفر هاربة من الغرفة دون حديث.

لم يكن مصدومًا من فعلته.. فما الذي ينتظره منها إلا الهرب منه وعليه الصبر حتى يعيدها له.

توقفت خارج الغرفة تزفر أنفاسها بقوة مع تسارع دقات قلبها الذي صار يخونها كما خانها من قبل

– مجرد ما هيخف همشي من هنا.. لكن المرادي هروح فين

ضر,بتها الحقيقه لتفيق على واقع تحياه.. هي لا عائلة لها تلجأ إليها وقت الحاجة.. كل من حاوطها واحسن إليها ما هم إلا غرباء.

ارتفع رنين هاتفها تنظر نحو شاشته المضاءة باسم ملك

– بسمه طمنيني عنك وعن جسار ، معرفتش اتصل بيكي اليومين اللي فاتوا.. غصب عني انا ورسلان صدقيني.. والدة رسلان تعبانه أوي ورسلان بقى حاسس بالذنب لأهماله ليها وبعده عنها..

توقفت ملك عن الحديث وهي تلمح رسلان يخرج من غرفة والدته المحتجزة بالمشفى ومعه الطبيب ووالده

– هي بقت كويسه دلوقتي يا ملك

استدارت ملك بجسدها تغمض عيناها شاعرة بالندم على أي لحظة رغمًا عنها دعت فيها على من ظلمها واذاقها مرارة القهر؛ فمهما مرت السنوات ستظل عالقة بحلقها كالعلقم

– الشلل احتل اغلب جسمها يا بسمه… الدكاتره مستغربين ليه حالتها من سئ لسئ ومش بتتحسن

– ما يمكن عامل نفسي يا ملك.. خليكم جانبها

ارتسمت ابتسامة صافية فوق ملامح ملك

– كان نفسي مسبكيش غير لما تتجاوزي محنتك يا بسمه .. لكن أنتِ طول عمرك بتقفي جانب غيرك..

– ملك

تمتم بها رسلان، فالتفت بجسدها نحوه تُنهي مكالمتها مع بسمه
– هكلمك تاني.. ووصلي سلامي لجسار وفهمي ظروف رجوعنا المفاجئ

تعلقت عيناها برسلان الذي تسأل على الفور بعدما علم بهوية من كانت تُحادثه

– حالته بقت افضل دلوقتي

ابتسمت ملك تومئ له برأسها
– حالته بقت افضل.. طمني على طنط كاميليا

اطبق رسلان فوق جفنيه يشعر بأن جسده لم يعد به طاقه للوقوف

– الدكتور شايف الأفضل نكون حواليها يمكن ده يكون علاجها.. لأن الأدوية مبتعملش أي نتيجة

أسرعت في تحريك رأسها له مؤكده له إقتراح الطبيب

– خلينا جانبها يا رسلان.. طنط كاميليا بتحبك أوي ويمكن بعدك وندمها إنها السبب في كل اللي حصل ليك هو سبب تعبها

جذبها إليه يدفن رأسها بح,ضنه متمتمًا بعشق لا يظن إنه سيُغادر قلبه يومًا

– محتاج أنام في حوضنك يا ملك..
…..

تعلقت عيناها بالممرضه التي دلفت للتو غرفته؛ فاسرعت بخطواتها تتبعها.
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة واسعة وهو يراها واقفه تنظر نحو الممرضه التي شرعت في أداء مهمتها.
انتهت الممرضه من عملها وغادرت بعدما أخبرتهم أن جر,حه بدء يطيب ولكن امر خروجه سيقره الطبيب المختص بحالته

– أنا شايفه إنك لسا تعبان.. ليه عايز تخرج من المستشفى
خرج تساؤلها بعدما اقتربت منه تُعاونه في تسطحه

– مبحبش جو المستشفيات يا بسمه
– لكنك تعبان

حاول أن يتباطئ في حركته وهي تعدل من وضيعته

– هتعب اكتر طول ما انا هنا.. لكن لو رجعنا بيتنا هخف علطول
” بيتنا” علقت الكلمه بأذنيها.. ؛ فتلاقت عيناهم..

– بسمه

همس اسمها في خفوت عندما طالت نظراتهم، كانت شاردة في حياتها.. تضحك داخلها على حلم تحقق بعدما أصاب القلب العطب
لم تشعر بقرب أنفاسه منها ولا بشفتيه التي سارت ببطء فوق شفتيها.. كل ما كان يشغل عقلها سؤالًا واحد.. لما كل شئ صار يتحقق لها الأن بعدما أصبحت تُريد حقًا الخروج من حياة هذا الرجل.

قبلة تلامست بها الشفاه جعلته يتأكد للمره التي لم يعد يعرف عددها كم كان أحمقًا عندما كان ينظر إليها بنظرة الفتاة المفروضه عليه في منزله ومن الواجب رعايتها.
اتسعت حدقتاها في صدمة.. تنظر إليه وقد الجمها ما حدث.
نفضت حالها عنه ودون قصد منها ضغطت فوق اضلعه..

خرج تأوه في خفوت محاولًا عدم التألم، فارتسم فوق ملامحها الفزع متناسيه إنه كان يستحق دفعها له

– مكنش قصدي اوجعك.. أنا وجعتك فين طيب

اخذت تنظر إلى جروحه في لهفة, تفحصه حتى لا تكون سببً في أذيته.. فيكفيها شعورًا بالذنب أن شقيقها من فعل ذلك.. فلو لم يكن شقيقها لما انكر أن الحادث لم يكن مدبر ولم يرى من فعلوا به هذا الأمر.. مُصرًا على أقواله
– بسمه انا كويس متقلقيش
حرك لها رأسه مؤكدًا، فلا شئ يؤلمه

– لو في حاجه بتوجعني فهو قلبي يا بسمه
……

تفاجأت ملك بوقوفهم في الممر الخاص بقسم النساء والتوليد، التفت نحوه تنظر إليه متسائلة في وجل من غضبه لإخفاء الأمر عليه

– رسلان أنت عارف
– هيكون عيب في حقي لو مش عارف حاجة زي كده يا ملك.. فخلينا ندخل للدكتوره عشان نطمن

– رسلان..
هتفت بها بعدما التقط يدها وسحبها خلفه برفق.. فتوقف عن السير ينظر إليها

– أنا مكنتش عايزه اخبي عليك.. أنا كنت خايفه اخليك تتعلق ويحصل زي ما حصل قبل كده

جوابه لها لم يكن إلا بابتسامة طمئنتها.. رسلان حبيبها لا يغضب منها.. يفهمها حتى لو لم تتحدث معه.

ابتسمت الطبيبة بعدما التفت إليهم

– أنا شايفه قدامي كيسين..بعد ست اسابيع هقدر ساعتها اقولكم التوأم جنسهم إيه

ارتسم الذهول فوق ملامح ملك تنظر نحو رسلان الذي ضغط فوق يدها وقد احتلته مشاعر عده.. منها الحزن لتذكره توأم صغيره ولكن رؤيته لتلك السعاده التي احتلت ملامحها واللهفة التي نبعت في تساؤلها له

– رسلان أنا حامل في توأم صح.. يعني مش طفل واحد
– حامل في ولادنا يا ملك..

ضمها إليه يسمع صوت شهقاتها ودعائها أن تأتي اللحظة التي تحملهم بين ذراعيها

…..
عيناه كل صباح صارت عالقة بواجهة المطعم، كلما مرت سيارة شرطة يظنها أتية إليه..ولكنه ليس بنادم على فعلته.. لقد شفى غليله واخمد نيران حقده من هذا الرجل.

تعلقت عيناه بسميرة التي انشغلت مع العاملين بالمطعم تعطي لهم إرشاداتها حتى يتم تسليم الوجبات في الوقت المحدد.

ابتلع تلك المرارة التي اقتحمت حلقه، فلم تعد سميرة كما عرفها.. فتاة تلوك العلكة بفمها.. ضحكتها العاليه تصدح بالأرجاء تتغنج لتظهر فتنتها.. بل صارت أمرأه مطفئة الملامح..
اغمض عيناه لعله يطرد تلك الليلة عن عقله عندما خرج له الطبيب يُخبره إنه سيضطر لإزالة الرحم؛ فلم يعد بوسعه شئ غير هذا.
– عنتر بيه.. في حد بيسأل عنك

فتح عنتر عيناه في فزع قد التقطته عينين سميرة التي صارت متأكده أن هناك شئ فعله عنتر في تلك الليله التي عاد فيها ملطخ بالد,ماء وبضعة كدمات فوق وجهه.

….
تجمدت ملامح سليم وهو يستمع لحديث صغيرته عن ماهر وشوقها لوالدتها..

– عمو ماهر طيب اوي يا فتون.. ليه بطلتي تاخديني عند مامي..
انتبهت فتون على وقوفه قرب الباب، فنهضت مسرعه إليه لا تُصدق إنه قد جاء اخيرًا للمنزل

– سليم

ليلتين من الهجر هو من اتخذهم هذه المرة وكأنه يُخبرها إنه صار له حق ليغضب ويبتعد عنها.

طالعت الصغيرة والدها وسرعان ما كانت تهرب بعينيها بعيدًا عنه..
لم يشعر بحاله إلا وهو يجرها خلفها؛ فهي السبب في ذهاب ابنته لطليقته وحديثها عن هذا الرجل الذي تدعوه بالعم

– سليم…. أيدي..
دفعها لداخل غرفتهم بقوة يُحرك يده خلف عنقه في غضب

– شوفتي وصلتي بنتي لأيه.. بقيت انا الوحش وعدوي هو الحبيب..

تقهقرت للخلف بعدما تمكنت من الوقوف بثبات بعد دفعه لها.. هي عادت لتصلح علاقتهم التي شوهتها ظروف كانت أكبر منها

– ليه بتلومني أنا ومبتلومش نفسك.. خديجة ذنبها إيه.. مهما كان اللي بينكم إيه ذنبها.. انت اناني وهي كمان انانيه كل واحد فيكم بقى ليه حياته وهي ضاعت وسطكم وأنت في النهايه بتقولي أنا السبب.. أنا بعترف إني غلطت لما اخدتها من غير علمك
واندفعت صوبها تدفعه بقوه لا تعرف كيف أتتها

– معملتش كده تمرد عليك زي ما اتهمتني.. من أمتى كنت اصلا الشخصيه ديه.. ياريتني كنت بعرف اتمرد على حاجه كنت عرفت استغنى عنك

ابتعدت عنه تنظر إليه في حسره، فلم تعد ترى أمامها إلا نهاية علاقتهم

– كنت فاكره إني لما ارجع هتاخدني في ح,ضنك حتى لو عاقبتني بكلمه هتيجي تصالحني زي ماعودتني..أنا مبقتش شايفه في عيونك غير الغضب يا سليم.. معقول يكون الحلم خلص زي ما كنت مستنيه في يوم يخلص

حديثها كان كنصل الس,كين يُغرز بقلبه، هو بالفعل غاضب منها لشدة حاجته إليها فيما مر به.. ارادها أن تكون معه في ازمته.. أن يضع رأسه فوق صدرها يُخبره كم كان مغفلًا وهو من كان يرى نفسه شديد الذكاء.. وكيف قُت,ل عمه الذي اعده والده.. فالجروح داخله انفتحت مجددًا
وهي فضلت البعد وأتت إليه بعدما سمح للقسو,ة تعود لتغلف قلبه
– كرهتني عشان مقدرتش تستحمل مقطع الفيديو..

كادت أن تُكمل حديثها لولا تلك الشهقة التي انفلتت منها قبل أن يطبق فوق شفتيها يخرسها بقبلاته

– فكري تاني في حياتك القديمة يا فتون.. عشان ساعتها هعرف اعقابك كويس..

ابتعد عنها ينظر إليها بلهاث يمسح فوق شفتيه.. امتدت ذراعه لتجتذبها ولكنه وقف جامد الحركة مصدومًا لا يستوعب ما أصابه..
عيناه علقت بقميصه ثم حذائه بعدما افرغت ما بجوفها عليه تنظر إليها بنظرات جاحظة .
……
بصعوبة تراجعت بخطواتها تنظر لفنجان القهوة الذي احضرته لذلك الزائر الذي عملت بهويته قبل مغادرة الغرفة..،
الزائر لم يكن إلا من أصدقاء جسار القدماء في الشرطة وشقيق المهندس حسام الذي عملت لديه واتهمها بسرقة الأجهزة المعطلة

– خد حذرك يا جسار.. اللي اتعرضلك هيتعرض ليك تاني.. مادام أنت عايز تسيبه حر من غير ما ياخد عقابه

– تاني يا رائف.. قولتلك مشوفتهومش.. والمحضر خلاص اتقفل

– وأنا هقولها ليك تاني يا جسار.. بلاش تدور وتلف عليا.. لو نسيت مهنتك القديمة فأنا يا صاحبي عارف كويس انت بتعمل كده ليه

توجست جميع حواسها خشيه مما ستستمعه.. بالتأكيد سيخبره أن من يُداري عنه هو شقيقها

– مش معني إنه اخو المدام.. تنفي عنه التهمه.. أنا لحد دلوقتي مش مصدق إزاي تتجوز واحده اخوها ليه ملف حافل بالاجرام

انسابت دموعها، واستدارت بجسدها تبحث عن مكان تنئ به حالها..
خطواتها صارت جامده وهي تنظر نحو التي وقفت خلفها وقد ارتسم فوق ملامحها ابتسامة جعلتها تتأكد إنها استمعت معها لهذا الحديث.

الفصل الثامن والسبعون
*****

الذهول وحده ما أصابه وهو ينظر نحو قميصه وحذائه وقد لطخهم ما خرج من جوفها بعدما فقدت تمالك غثيانها الذي صار يُلازمها هذه الأيام.

ترقبت ردة فعله لثواني قبل أن تُسرع نحو المرحاض بخطوات واهية.
صدمته حقيقة صار متغافلًا عنها، هل أصبح قاسي معها في أشد فتراتها حاجة إليه؟ ..؛ فمنذ متى بدء قلبه لا يشفع لها ذلاتها..
أين هو حديث قلبه عنها.. فتون ليست كالنساء اللاتي دوماً ما كانوا يُحاوطوه.. ،اختارها وهو يعرف تماما إنه من عليه أن يكون المتعقل في هذه العلاقة.

زفر أنفاسه بقوة؛ لقد بدء كل شئ يثقل على عاتقه وهو من اعتاد قديمًا على العبث, على الهروب حينا يضجر من كل شئ.

وقفته قد طالت ولم يفيقه إلا صوت تقيئها..
اندفع نحو المرخاص ينظر إليها كيف تجثو أرضًا تُحاول مقاومة تقيؤها.
تحرك نحوها نافضًا محاولة إستيعابه لهيئتها وما حدث.. وكل ما صار يشغل باله, هل عانت من هذا الأمر طيله غيابه عنها وتركه لها تبتعد عن عينيه حتى تتأخذ قرار علاقتهم.

– فتون..معدش في حاجه في معدتك ممكن تنزل..

يده اخدت تمسد فوق ظهرها بخفه حتى هدأت معدتها، والتفت برأسها نحوه تنظر إليه في خجل عما فعلته في قميصه
– سليم مكنش قصدي.. أنا..

اخرسها بوضع أصابعه فوق شفتيها هامسًا
– قومي معايا يا حببتي

“حبيبته”، سقطت الكلمه على فؤادها كبلسم يطيب به الجر,ح ورغم إنه نطق هذه الكلمه مرارًا إلا إنها اليوم كانت مختلفة وقد أتتها بعد عطش.
عطشة هي لحنانه وأحتوائه لها ، عطشة لكل ما يغمرها به ولكنها لا تعرف كيف تكون له أمرأة متكامله تُرضيه وتراضي من حوله وتُراضي قبلهم نفسها.

تعلقت عيناها بالمنشفة التي مسح بها فمها ثم وجهها بالكامل ثم انحدرت عيناها نحو ذراعه الأخر الذي حاوط به خصرها

– حببتي حاسه إنك احسن دلوقتي

عيناها تعلقت بعينيه التي انبعث منهم حنانه الذي عاهدته دومًا، دموعها دون أراده منها سقطت فوق أنامله التي أخذت تسير ببطء فوق وجهها الشاحب

– بنعيط ليه دلوقتي.. ده الطبيعي يا حببتي

ابتسمت بين دموعها تنظر نحو قميصه، تتعجب من قدرته المهولة في التخفيف عنها وتجاوز وضعها المقزز وهي أكثر دراية بهوسه الشديد برائحة ملابسه ونظافته.

برفق خرج بها من المرحاض يُعاونها في التسطح فوق الفراش ينظر إلى نظراتها الخجلة نحو قميصه وهو يزيله عن جسده

– إحنا نحتفظ بالقميص ده يا فتون.. عشان يكون خير دليل على تضحياتي العظيمة

الكلمات خرجت منه في مزاح، مزاح تعجبته منه للحظات قبل أن تصعقها حقيقه أخرى من الحقائق التي اعتادت عليها ولم تنظر لها إلا كقيود..
سليم يُغدقها بحنانه دون أن ينتظر منها المقابل يومًا.. أراد أن يمنحها كل شئ ولكنها ظلت في قوقعتها نافية حالها عن حياه تظنها حلمًا لا يليق بها.

ومن اعتاد على الخضوع يظل دومًا متقمس هذا الدور حتى يكسر هو وحده قيوده دون إنتظار الأخرين.

اطبقت عيناها بأرهاق تستمع إليه وهو يُهاتف السيدة ألفت حتى تبعث له أحدى الخادمات لتنظف أرضية الغرفة قبل أن يتجه نحو المرحاض لينظف هو الأخر حاله.
….

انسابت دموعها مع كل خطوة خطت بها مبتعده حتى وجدت حالها تهوى فوق أحد المقاعد بحديقة المشفى.

فنجان القهوة الساخن مازالت قابضه عليه تضغط عليه بقوة حتى انسكب نصفه فوق يدها.

فتحي شقيقها ، لم تكره أحدًا كما كرهته.. لانه وحده من كان عليه حمايتها وحبها.

توقفت عن ذرف دموعها وقد تعلقت عيناها بمن يدلوف للمشفى وكأنها تبحث في خطوات سيرهم عن راحة صارت تُغادر قلبها..

عجوز يستند فوق ذراعي فتاة وشاب وامرأة اكبر عمرًا تسير خلفهم..
وشاب يستند بذراع على عكازه وباليد الأخرى يستند على كتف زوجته او ربما شقيقته.
وطفل صغير يركض امام والديه والأب يسند زوجته لداخل المشفى مشفقًا عليه من حمل صار ظاهرًا ومُرهقًا.

تنهيدة طويله خرجت عن شفتيها تنظر نحو هاتفها الذي بدأت دقاته تتعالا والاسم الظاهر أمامها لم يكن إلا اسمه هو.

توقف الهاتف عن الرنين فعادت عيناها تُركز نحو ما أمامها، ليعود هاتفها بالرنين ولكن هذه المرة كانت رساله كتب أحرفها بلهفة
– جوزك محتاج حد يعدله مخدته ويطلب من الدكتور يكتبله موافقة على الخروج وكمان سيرين هنا ورائف لسا خارج اصلا خساره فيه فنجان القهوة كويس إنك اتأخرتي ومجبتهاش ليه

…..

تراجعت سيرين حرجًا تزدرد لعابها بعدما حاولت الاقتراب منه تقدم له المساعده في عدل ساقه..

– خليني اساعدك
بتعلثم خرج صوتها من شدة حرجها، فلم تجد منه إلا نظرة خاليه من مشاعر توهمتها وانتظرت الحصول عليها

– بسمه طالعه.. شكرا يا سيرين

تعامله معها كان رسميًا كما اعتادت منه ولكنها لم تعد تتحمل بروده تعامله، ليتها لم تتوهم أن الفرصه أمامها ليكون هذا الرجل لها، ليتها لم تنظر لزواجه من هذه الفتاه كما اوهمتها شقيقتها إنها مجرد علاقه ليست دائمه، ليتها لم تترك أذنيها لأحاديث موظفين الشركه عن زيجته بها والتي تعجبوا من سرعتها بعد تلك المشاجرة التي حدثت بينه وبين طليقته جيهان الطامعه بأمواله والسيدة ملك الرقيقه التي لم تكن زيجاته بها إلا غامضه لا يعلمون عنها شئ .

ابتلعت غصتها تنظر إليه؛ فالجميع كان يتحدث عن سوء اختيار رئيسهم لزيجاته وكم هو ليس محظوظً في هذا الأمر.. رغم امتلاكه لكل شئ يجعل أي امرأة ليست رافضه له.
تركت أذنيها تسمع وسقطت هي في وهم صارت تلعق مرارته.

نظراته الجامدة تحولت على النقيض وهي تراه يهتف كطفل صغير أتت والدته لتنجده مما عالق فيه

– بسمه خرجيني من المستشفى..

الطريقة التي هتف بها جسار عبارته مستاءً من مكوثه بالمشفى لم تجعل بسمة إلا لتبتسم رغمًا عنها.. فالأستياء ارتسم فوق ملامحه وكأنه طفلًا صغيرًا.

اقتربت منه دون أن تنظر نحو سيرين التي وقفت تُطالع المشهد في ألم, تتسأل داخلها كيف لفتاه ك بسمة مفتقرة لكل شئ تنال رجلًا كجسار مكتمل من كل شئ.

عيناها تعلقت بعينين بسمه وهذه المرة لم تجد بسمة في عينين سيرين إلا الحسرة وليست الشماته التي رمقتها بها بعد حديث رائف عن شقيقها.

شئ داخلها دفعها لتزيدها حسرة؛ لتُخبرها أن هذا الرجل الذي تنظر إليه وتستكثره عليها زوجها وحدها حتى لو انتهى طريقهم قريبًا

– كفايه دلع يا جسار.. مش هتخرج غير لما الدكتور يقول بنفسه

“جسار ويكفيه دلالاً” من التي تتحدث معه..، هل خروجها لجلب القهوة ابدل مزاجها نحوه وجعلها تخرج عن صمتها..

– أنت محتاج مني حاجه يا جسار.. على فكرة الدكتور المتابع لحالتك والد صديقتي وبطمن منه ديما على حالتك ممكن اروح اطلب منه إذن لخروجك يعني لو هو شايف إن حالتك تسمح بالخروج

احتقنت ملامح بسمة لا تستوعب ما نطقته.. ، لا ترى في حديثها إلا إنها تخبرها من هي ومن يكون أصدقائها ومعارفها.
ولو كان ما عاشته الفترة الماضيه أجبرها على الصمت والقوقعة ولكنها كما تُخبرها ملك دوماً إنها أقوى من أن تهزمها الحياة وتقف خانعة لها.

الذهول ارتسم فوق ملامح جسار لا يُصدق ما يراه من حرب من النظرات بينهم، فهل صدق من قال أن من تحرك امرأة هي أمرأه أخرى تتصارع معها نحو شئ.

تحول الحنق الذي صار مرتسم فوق ملامح سيرين لترقب ظنته سيجني لها ما ارادت سماعه ولكن ملامح وجهها هذه المرة احتلها الشحوب

– شكراً يا سيرين على عرضك وعلى اهتمامك بالشغل في غيابي .. لكن انا بحب اتدلل على بسمه لأنها للاسف هتعاني الفتره ديه من تذمري الشديد لاني مبحبش قاعدت السرير…

ابتعلت سيرين غصتها وحنقها من نيل لطفه وشكره نحو العمل لا غير ونظرات بسمة التي تعلقت على الفور به وكأنها مصدومة من حديثه.

غادرت سيرين تُقاوم ذرف دموعها وقد أعطها من قبل الحديث الذي سمعته عن شقيقها صمودًا واملا بأن يكون لها بعدما يكتشف فداحة خطأه بالزواج من امرأة لا اصل لها.

استقلت سيارتها تزفر أنفاسها وتطرق بكفيها بقوة فوق عجلة القيادة ..
لما اوهمت قلبها بالأمل بفشل زيجته، هو لم يتحمل حديث صديقه عنها ونفى عن شقيقها التهمه؛ ولولا دلوفها لغرفته لكان استمر في مدح زوجته أمام صديقه الذي غادر نادمًا معتذرًا عن حديث لا داعي له.

…..

– شكلها بتحبك
تمتمت بها بسمه بعدما ابتعدت عنها تنفض عن عقلها أي شعور عاد يُحرك فؤادها نحوه واردفت دون أن تجعله يستوعب ما نطقته

– مناسبه ليك من كل الجوانب، أنت محتاج زوجة زيها

احتقنت ملامح جسار، فليتها لم تتحدث بعد مغادرة سيرين

– تصدقي كنت لسا هسألك عن نوع القهوة عشان اقولك هاتي منها تاني لان ريحتها غيرت مزاجك.. لكن طلعت غلطان..

وتابع حانقًا ينظر إليها بعدما اشاحت عيناها عنه

– وفعلا سيرين أي راجل يتمناها بس مش أنا يا بسمه.. لأني راجل متجوز ومكتفي بمراتي

اتضحك بعلو صوتها ام تبتلع كلمته التي صار يُرددها مؤخرًا ثم اضاف ممتقع الوجه بحديث أذهلها

– المفروض إني تعبان وطالع من حادثة كنت همو,ت فيها.. فتعالي على نفسك وسمعيني كلام حلو يا بسمه..

واستطرد راغبًا في سماع كلمات يراها بعيده
– زي مثلا حبيبي.. قلبي.. نور عيني

جحظت عيناها من الدهشة، ايطلب الدلال والكلام المعسول بل ويُحدد ما يُريده منها.

أهذا الرجل يستهزء بها! ولكنه كان بعيدًا عما تظنه به..
هو لا يرغب إلا بالعيش في حياة هادئة، حياة لولا ما حدث ما كان فاق من تعنته ورفضه بالإعتراف بحب لم يظنه سيتوطن قلبه دون تحكم عقله وحساباته.

من شدة ضغطها على يدها ونسيانها سقوط القهوة الساخنه.. جعلها تطلق تأوه خافت رغمًا عنها وقبل أن تخفي يدها عنها, كانت عيناه تحدق في إحمرار يدها

– إيه اللي عمل في ايدك كده

حاول النهوض ناسياً إنه لا يستطيع السير بمفرده لاعنًا عجزه الحالي.
تألمه أوجعها؛ فاسرعت نحوه تنظر له وهو يرفع ساقه عن الأرض بصعوبه

– مش كل حاجه بالقوة على فكرة

ابتسم رغمًا عنه وهو يراها تنحني لترفع له ساقه وتعن,فه كتعنيف الأمهات لأطفالهم ثم استدارت مبتعده عنه ولكن يده اجتذبت ذراعها حتى يتمكن من رؤية يدها

– مش هتقوليلي إيه اللي عمل في ايدك كده

ولم يعد لديها طاقه إلا لتمنحه الجواب
– القهوة اتكبت على أيدي..

طالت نظراته نحو يدها يمسح فوق راحه كفها وأناملها برفق

– أنتِ سمعتي كلام رائف يا بسمه مش كده

تلاقت عيناه بعينيها، فتنهد زافرًا أنفاسه

– فتحي مأذنيش يا بسمه.. فتحي ملهوش علاقة بالحادثة

– أنت بتكدب عليا عشان اسامحك…

خرج صوتها في رجفة وسقطت دموعها تتمنى داخله أن لا يكون الفاعل شقيقها

– صدقيني مش فتحي يا بسمه لأني ببساطه عارف اللي عمل كده ومش هبلغ عنه لحد ما اعرف ليه عمل كده وساعتها هقرر أخد حقي ولا هكون بدفع الضريبه زي ما دفعت ضرايب كتير في حياتي

– يعني فتحي معملش حاجه

دموعها تحولت لأمل، فحرك لها رأسه بتأكيد أنه ليس شقيقها وقد تناست أن تسأله عن الفاعل.

….

حاولت خديجة إخفاء إمتعاضها بكافة الطرق حتى تنتهي تلك الزيارة التي لم تظنها ستكون ثقيله على قلبها.

لم يُخفى على أمير الأمر؛ فوالدته قامت بالدور ببراعة.. واظهرت لها كم هم عائله سيئة لا يسعون إلا خلف المال وكم هي كارهة لكاظم بشدة تستكثر عليه إستقراره ووجود أمرأة بحياته.

زفر أنفاسه بقوه قبل أن يتبعها لداخل الغرفة.. ينظر إليها وهي تتسطح فوق الفراش

– هي ليه والدتك بتكره كاظم اوي كده..

– ومن أمتى مرات الأب بتحب ابن ضرتها

اقترب منها أمير محاولاً تبرير كره والدته وحقدها على كاظم الذي يعيشون من خيره وأمواله

– طيب ووالدك.. يعني ده ابنه ليه عنده لامبالاه كده.. أنتوا متأكدين إنكم عيله مترابطه

تعالت ضحكات أمير رغمًا عنه..؛ فوالده طيلة جلستهم يُخبرها إنهم عائلة مترابطة

– اه يا حبيبتي الترابط قوي ما أنتِ شوفتي بعينك

لم يكن الأمر مزحه بالنسبه لخديجة، لأنها لا تُريد أن يحيا طفلها داخل عائله يُغلفها الأحقاد.
طالع شرودها متفهمًا صمتها

– خديجة ممكن تبصيلي

طالعته في صمت مما زاده ألمًا لما اقتحم فؤادها من مخاوف

– عمري ما هورث ولادنا الكره يا خديجة

ابتسمت على وضعه دومًا لحرف النون، وكأنهم سينجبون غير هذا الطفل الذي أتى إليها كمعجزه في عمرها الذي تجاوز منتصف الأربعون بعامٍ ونصف

– كاظم عمل عشاني كتير.. ثورته وغضبه عليا أو العكس ده طبيعي بيحصل بين الأخوات لكن عمري ما اتمنيت ليه غير السعاده وانا اسعد إنسان حاليا إنه لقى سعادته مع جنات

التقطت كفه قبل أن ينهض ويتركها بمفردها..؛واسرعت بوضعها فوق احشائها

– قول لبابي إنك مبسوط وبتلعب براحتك ومامي هي اللي تعبانه لكن كله يهون عشان تطلع نسخه من بابي

عيناه تعلقت بها بعدما كانت متعلقة ببطنها وبحركة صغيره، أنفاسه ارتفعت وخفق قلبه بقوة مستمتعًا بلذة ما اخبرت به صغيرهم
انحنى نحو بطنها يلثم موضع صغيرهم متمتمًا
– بابي هيخليك أنت ومامي فخورين بي

…..

التقطت ذراعه قبل أن يبتعد عنها متسائله

– أنت رايح فين يا سليم

ابتسم وهو ينظر لقبضتها فوق ذراعه

– عندي شغل يا حببتي.. هنزل اخلصه في المكتب تحت

– لا خليك جانبي.. اقولك حاجه حلوه هتبسطنا إحنا الاتنين.. هات خديجة واطلب ليها البيتزا اللي بتحبها ونشغل فيلم من أفلام الانيميشن ونتفرج إحنا التلاته سوا.. وخلي الشغل بكره

حرك رأسه ينظر إليها وهي مندسة أسفل الغطاء

– عرض مغري زي العرض اللي قبله اللي مخلناش نروح ميعاد الدكتور يا فتون هانم

تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، لا تستوعب حتى هذه اللحظه إنها من دفعته للفراش طالبه منه حقها فيه

– سليم ممكن عشان خاطري

اتسعت ابتسامته ينظر إليها رافعًا كلا حاجبيه لأعلى

– بيتم استغلالي عشان ضعفت.. ماشي يا فتون

تمتم بمزاج لم يعكره شئ بعدما كان حانق من كل شئ في الصباح.
ارتفعت ضحكاتها تتذكر ما كان يُخبرها به وهي بين ذراعيه

– مش أنت قولتلي اتعلم إزاي استغلك يا سليم وانا هرجع اطبق من تاني كلامك أنت وبس

اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ يرمقها بنظرات عابثه

– أنا وبس.. أنا كده لازم اخد تعهد منك

اماءت برأسها بحركة مغرية تؤكد له إنها لن تجعل حياتهم بعد الأن مشاعه.. يا اما تسير بعقلها او يكون هو معلمها.

عاد إليها يضمها بين ذراعيه بعدما لم يعد يتمالك حاله من رؤيتها كالقطة الوديعه في الفراش

– كل يوم بتأكد إن يوم ما قلبي اختارك يا فتون كان عارف كويس هو عايز إيه.. فتون خلينا ننجح جوازنا لأن لا أنا ولا أنتِ نقدر نبعد عن بعض.. ضعفك بيخلي القوه اللي عندي تنهار.. أنا مش عايز غير فتون البنت اللي كانت بتبص ليا وكأني الشاطر حسن

– لكن أنت مطلعتش الشاطر حسن يا سليم

ابتعد عنها وقد صدحت ضحكاته بقوه

– يا ستي اضحكي عليا وقولي إني الشاطر حسن

– أنت قولتلي نكون صارحين مع بعض

طالعها بعبوس مصطنع يقضم خدها قبل أن يبتعد عنها

– مش لازم نطبق كل حاجه يا فتون..

تعلقت عيناها به بعدما اتجه نحو المرحاض..، ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعه…؛ فلأول مرة تكتشف أن المرأة لديها اسلحه تتعامل بها وهي كانت اكثر دراية بما يجعله يلين.. جرعه من الحب ينتظرها سليم منها.
…..

اغمضت عيناها تستكين فوق صدره أمام أمواج البحر تقص له عن والديها مستمعه بدفئ ح,ضنه وتلك القبلات التي يضعها فوق رأسها من حينًا لأخر

– كنت هتحبهم أوي يا كاظم.. أنا مش عارفه إزاي قدرت اكمل بعدهم

فاق من شروده على كلماتها التي انسابت معها دموعها.. يُدير وجهها إليه يمسحهم بأنامله

– هما في مكان احسن من الدنيا يا جنات.. وبكره هيكون عندهم حفيد جميل اسمه على اسم باباكي الراجل الطيب

التمعت عيناها غير مصدقه إنه سيُسمي طفلهم على اسم والدها
– بجد يا كاظم هنسمي أبننا عبدالرحمن
– اكيد يا حببتي…

تعلقت عيناها به قبل أن تُحيط عنقه بذراعيها تُعبر له عن مدى سعادتها

– انا لو رجع بيا الزمن لورا تاني.. هرسم عليك يا ابن جوده واتجوزك برضوه

صدحت قهقهته عاليًا، سعيدًا هو لسعادتها… فكيف له أن يرفض لها طلبًا كهذا وهي تقص له عن أب يستحق هذا اللقب

– خليكي فاكره إنك أنتِ اللي رسمتي عليا ودخلتيني قفص الزوجية

بغنج بات يليق بها هزت كتفيها

– إيه رأيك يا حبيبي في القفص

– والله جمال القفص بالنسبالي يتوقف على إرضائي.. ارضيني وانا اقولك قفص من الألماس مترضنيش هقولك قفص..

وقبل أن يستكمل بقية عبارته كانت تخرسه بقبلة خاطفة فوق شفتيه مطمئنة من عدم وجود أحد.. فالشاطئ خاص بالمنزل الذي يملكه بتلك المدينة الساحليه

– متكملش يا حبيبي.. خلينا عند القفص المصنوع من الألماس

ظهرت غمازتيه من شدة الضحك الذي بات يحتل ملامح وجهه

– خلينا نقوم يا مجنونه ونستمتع بأخر ليلة لينا هنا.. وارضيني بقى عشان اقول لأسبوع قدام.. وقدام جلال كمان إن الجواز ممتع بشكل.. أنتِ متعرفيش جلال مستني أد إيه يلاقيني بقوله إني اتخدعت وحياة العزوبيه احسن

امتعضت ملامحها على ذكر اسم هذا الرجل

– بيحبني اوي صاحبك ده
– جدا جدا
تمتم بها وسرعان ما كانت تخرج شهقتها بعدما حملها فوق ذراعيه يُداعبها بالحديث

– بقيتي بطه يا حببتي..
والجواب كما صار يتوقعه منها ناله

– أنت اللي كبرت يا حبيبي ومش قادر تشيل
……

غفت صغيرته بينهم وقد احتلت قسمات وجهها الحزن.. صغيرته التي كانت تغفو وفوق شفتيها ترتسم ابتسامة ناعمه تخطف فؤاده،
اليوم يراها غافيه بملامح حزينه بل وفقدت البعض من وزنها وقد لاحظ الأمر وهو يبدل لها ملابسها قبل نومها.

تنهيدة حملت معها مشاعر عدة خرجت من شفتيه تحت نظرات فتون التي عدلت لها الوساده وقبلت جبينها

– خديها فقدت وزنها مش كده يا فتون

تسائل بها.. فلم تُجيب عليه إلا بتحريك رأسها

– سليم أنا وعدتك إني مش هتكلم في الموضوع ده تاني لأني مش فاهمه سبب خلافك الأخير مع شهيرة.. لما فكر فيها زي ما أنت متعود تفكر فيها ديما.. بلاش تخليها مشوها داخليا زي يا سليم

تعلقت عيناه بصغيرته ثم بها قبل أن يلتقط علبة سجائره ويسحب جسده من فوق الفراش.. لقد صار يرى في التدخين إفراغًا لهمومه وغضبه.

…..

ارتسمت الصدمة فوق ملامح ماهر الذي دلف الغرفة.. ينظر إليها بعدما القت بهاتفها بطول ذراعها وسقط كقطع متفرقه

– كلهم كانوا حواليا عشان الفلوس.. دلوقتي خلاص مبقتش اساوي شئ.. بقيت عار ومحدش عايز يعرفني.. كلهم طلعوا خاينين

انسابت دموعها لا تُصدق أن من ظنتهم أصدقاء لعائلتها تهربوا؛ معللين إنهم سيُهاتفوها حينما يتفرغوا

عيناها تعلقت به ولم تشعر إلا وهي تندفع نحوه تدفعه بقوة

– أنت السبب.. أنا بكرهك يا ماهر

داعبت شفتي ماهر ابتسامة مستخفة، فعن أي كره تتحدث وقد صارت منذ تلك الليله التي كانت له.. تغفو بين ذراعيه مستمتعه بما يغدقه عليها من مشاعر تُداعب أنوثتها

– بتكرهيني لكن مبتكرهيش ح’ضني يا شهيره.. تناقض كبير يا حياتي

جذبها نحوه مُحاولا غمرها بقبلاته وهي كانت أمام ما يقدمه لها من مشاعر ضعيفه..
والحقيقه التي لن تُنكرها أن هذا الرجل يجعلها تشعر إنها لم تُهرم بعد، ورغم عدم إنكارها لحقيقة مشاعرها بين ذراعيه إلا إنها غافلة عن حقيقة أشد..،
ماهر يمنحها هذه المشاعر بحب.. حب رغم مرور السنين وما جناه من ورائه إلا أن قلبه ظل متعلقًا بحبه البائس لهذه المرأة

– سليم كلمني وموافق نتفق على حل وسط عشان خديجة

خرج حديثه وهو ينظر للهاثها بعدما تمكنت من الأبتعاد عنه لا تُصدق ما يُخبرها به.

…….

على متن أحد السفن المُتجها لروما.. كانت فرحة تنزوي في أحد الأركان مقيدة اليدين, مغطاء العينين وقد بح صوتها من الصراخ في الليالي الماضيه.
القرار اتخذوه عنها.. فعليهم أن ينتفعوا بها وتُباع كالرقيق.

أصوات نحيب لفتيات عدة جوارها وجميعهم صار يعرف مصيره.. إما ستباع كل منهن لرجل يجعلها عاهرته او ستمو,ت ليحيا غيرها بأعضائها.

…..

اتسعت ابتسامة ليندا وهي تدلف المنزل خلف الخادمتين بعدما حملوا حقائبها..
عيناها تعلقت بفتون التي وقفت لا تستوعب ما تراه..؛ لا تُصدق أن وجود هذه الفتاة هنا ليس فترة مؤقته كما أخبرها سليم ولكن ما تراه إحتلالًا لمنزلها..
فحصت ليندا بنظراتها فتون… ؛ فما تراه شابه قريبه منها بالعمر ولكن بجسد هزيل وملامح صغيره..

اقتربت منها ليندا تمد لها يدها حتى تُصفحها تُحادثها بالانجليزيه التي هي ضعيفة بها

– مرحبا فتون.. أنا ليندا بالتأكيد أخبرك سليم عني..
واخذت تبحث بعينيها عن سليم متسائله
– أين ابن عمي الوسيم.. لما هو ليس بأنتظاري

“وسيم” وأين هو؟.. مغازلة وتساؤل في ذات الوقت..فهل كان ينقصها تلك فارعة الطول صاحبه الشعر المائل للأحمرار.
…..

التقطت من السيدة سعاد حقيبة الملابس بعجالة حتى تذهب إلي المشفى؛ فاليوم سيخرج من المشفى بعدما أصر على خروجه.
ترنحت قليلًا قبل أن تمد يدها نحو مقبض الباب لتُغادر..؛ فطالعتها السيدة سعاد متمتمه بلوم

– ده بسبب قله أكلك يا بسمه .. شوفتي حصلك إيه

أسرعت السيدة سعاد نحوها ، فحاولت التقاط أنفاسها ببطء
– أنا كويسه يا داده..

لم تعد السيدة سعاد تراها بخير، ف وجهها صار شاحبًا حتى تناولها الطعام أصبح قليلًا

– لا يا بسمه أنتِ مش كويسه.. شايفه وشك أصفر إزاي

ابتسمت بسمه حتى تُقنعها إنها بخير

– داده.. عمي جميل مستنيني مع السواق بره وجسار لو تأخرنا عليه أكتر من كده أنتِ عارفه

عادت يدها تمتد نحو مقبض الباب وسرعان ما كانت تضيق عيناها تنظر نحو التي تراجعت عن دق جرس الباب هاتفه في تعجب
– سميره

الفصل التاسع والسبعون
****

عنتر ! ، هو من فعل تلك الحادثة المدبرة..
ارتسمت الصدمة فوق ملامحها وهي تُردد اسمه؛ فهل أتت سميرة لها اليوم لتُخبرها أنه الفاعل.

جف حلقها بعدما بدأت الصورة تتضح لها من جانب أخر، عنتر حاول قت,ل جسار والدافع هو الأنتقام..
سميرة قالت لها التو أن ما دفع عنتر لذلك ما هو إلا الأنتقام وهي أحد أسبابه ولكنها لا تتهمها بشئ وأتت اليوم لتوضح لها سبب ما حدث.
تعلقت عينين سميرة بها تتعجب علامات الصدمة المرتسمة فوق ملامحها وسرعان ما تحولت دهشتها لأمل

– أنتِ مكنتيش تعرفي.. يعني هو مبلغش عنه

وبنبرة متعلثمة راجية تمتمت

– أنا عارفه يا بسمة أني اذيتك كتير وحقدت عليكي وقت ما كنتِ شغاله في المطعم وطعنت في شرفك.. أنا عملت حاجات كتير وحشه واذيت ناس كتير..أنا استحق اللي حصلي لكن بلاش جوزك يأذي عنتر وينتقم منه زي ما حاول يمو,ته

الصمت وحده ما احتل ملامح بسمه تاركة سميرة تتحدث وفي داخلها كان صوتً يضوي بعلو يُخبرها بحقيقتها المؤلمة ” إنها ليست إلا نحسً يُضاف في حياة الناس”

لم تفيق من صمتها إلا عندما هزتها دموع سميرة وقد خرج صوتها في كسرة

– عنتر محمل نفسه الذنب… هو مكنش السبب في اللي حصلي، أنا حصدت جزاء أعمالي .. كنت بسعى ديما اخرب بيوت الناس

انهمرت دموع سميرة تتذكر ذلك اليوم الذي طبع داخلها بوصم لن يزول يومًا

– عنتر اتجوزني غصب عنه يا بسمه بعد ما جوزك بلغ اخواتي بمكانه.. مكنش راضي يعترف بالطفل.. مكنش على لسانه غير إنه ابن حرام..

اطرقت سميرة رأسها تُخبرها بحقيقة أوجعت قلبها، فهي أحبت هذا الرجل ومازالت تحبه حتى لو كان حبها له حب مرضي

– هو كان عايزك أنتِ.. عايز واحده شبهك.. مش واحده زي مشيت معاه وبقت حامل منه في الحرام

بصعوبة اخذ الحديث يخرج منها، هي لا تُحب تذكر هذا اليوم ولكن عليها أن تنال إستعطاف بسمه حتى تمنع زوجها من إخبار الشرطة بهوية الفاعل أو الأنتقام منه كما فعل به

– كان علطول بيضر,بني ويشتمني شتيمة مافيش ست تستحملها بس أنا كنت استاهل.. اللي يرخص نفسه يستاهل يحصد وجع القلب..

توقفت سميرة عن الحديث في محاولة يائسة منها لالتقاط أنفاسها وقد اخذ هاتفها يتعالا بالرنين ولم يكن إلا عنتر

– اليوم اللي حصلتلي فيه الحا,دثة ضر,بني جامد وعايرني بكل الكلام اللي ممكن يوجع أي ست فينا .. ساعتها حسيت بحقد الدنيا كله اتجمع في قلبي.. كنت عايزه اشوف كل ست جوزها شايف قد إيه هي بنت أصول وشريفة… هي متختلفش عني.. منهم أنتِ ومرات ابو عنتر ومرات اخويا حتى مرات بواب العمارة اللي بينادي على مراته يا ست الستات…

احكمت الغصة وثاقها حول عنق سميرة وقد عاد صوت صراخها ذلك اليوم الذي استيقظت به بالمشفى تبحث عن طفلها في بطنها التي صارت خاوية
– عنتر أتغير أوي يا بسمه.. لكن حقده على جوزك جواه.. أرجوكي خلي يسامحه ووعد مني هتنسي إنك عرفتينا في يوم.
…..

استمر في زفر أنفاسه بقوة لمرات لا يعرف عددها يُسلط عيناه نحو باب الغرفة، لقد ضجر من المكوث بالمشفى.. ضجر من صعوبة حركته ومحاولاته اليائسة في الوقوف بمفرده.
والضجر الذي كان يحتل عيناه تحول للهفة وقد غادر الحنق ملامحه وهو يراها تدلف الغرفة تهتف بأسف وهي تلتقط أنفاسها متمتمه

– الطريق كان في تصليحات وعم اسماعيل اضطر يمشي من طريق تاني

لو كان جسار القديم لكن صاح بها معبرًا عن غضبه المكبوت ولكن عيناه ارتكزت فوق ملامح وجهها المرهقة يشعر بالضيق هذه المرة من حاله لأنه السبب؛ فقد أصبحت متطلباته منها كثيرة وكل هذا لتكون جواره دون أن تفارق عينيه.

مدَّ يده إليها حتى تقترب منه وقد ظنته يحتاج مساعدتها بالنهوض.
اصابتها الدهشة وهي تراها يجتذبها برفق.. يُجلسها جواره

– أنا عارف إني تعبك معايا.. كان المفروض ده يكون دوري.. أقف جانبك وأنتِ بتتخطي أزمتك مش أكون أنا عبئ عليكي يا حبيبتي

كانت شاردة مع حركة يده التي أخذت تسير ببطء فوق خديها يداعبهما، فحديث سميرة ورجائها مازال صداهم داخل أذنيها لا تستوعب حتى هذه اللحظة أنه كاد أن يفقد عمره من بسببها

– الدراسة بدأت يا بسمه لو نسيتي حلمك أنا منستهوش ولا نسيت وعدي ليكي ..

ورغمًا عنها خانتها دموعها وقد عجز لسانها عن صمته هذه المرة .. صوتها خرج مذبذبًا في تساؤل وحيرة وضياع

– ليه مقولتش إنه حاول يق,تلك؟
تجمدت عيناه نحوها، فعن أي شئ تتسائل..؟

– بسمه أنتِ ليه مش قادرة تصدقي إن فتحي ملهوش علاقة

– عنتر
عنتر؟ ازدادت ملامحه جمودًا وأسئلة عدة دارت بخلده..؛ فكيف لها أن تعرف أنه الفاعل؟

ارتفعت وتيرة أنفاسه فجأة وسرعان ما كانت تقسو ملامحه والصوره ترتسم أمامه.. بالتأكيد هذا الرجل استغل وجوده بالمشفى وحاول الإقتراب منها.

تمتم ببعض الكلمات التي عبر فيها عن غضبه مُحاولًا النهوض وهو يتوعد له ولكن كالعادة كانت إصابة ساقه تخونه..؛ فصاح بحده يُداري خلف صياحه غضبه

– قابلك أمتى وإزاي

وسرعان ما انقلبت ملامح وهو يتفرس ملامحها الشاحبه

– مكنش الطريق سبب تأخيرك عليا مش كده.. ردي عليا يا بسمه

لم تتحمل سماع المزيد من أسئلته ؛ فعقلها لم يعد يرى إلا صورة واحدة هي السبب في كل ما يحدث لمن حولها.

أن يغزو عقلك اليأس للحظات، أن تدفعك الحياة لترى نفسك في صورة السئ.

– انتقم منك بسببي… كنت هتمو,ت بسببي أنا.. بتدفع فلوس لفتحي بسببي.. دفعت فلوس لبشمهندس حسام بسببي.. اتحملت كلام رائف بسببي.. بتعمل كده ليه معايا.. واوعى تقول الكلمة اللي عيشت اتمنى اسمعها… أنت كنت صح.. أنا منفعكش يا جسار بيه… أنا..

لم ينتظر سماع المزيد من حديث صار يراه يخرج منها في أشد لحظاتها يأسًا.. بسمة تُحارب هذه المرة حبه كالغريق الذي لا يُكتب له النجاة رغم محاولاتها.

شفتيه ابتلعت بقية حديثها ورغم دفعها له وتحمله لذلك الألم الذي يشعر به وهو يجتذبها نحو صدره يُقبلها بجنون وحاجه

– يمكن اكون راجل بتاع مظاهر فارغة.. بفكر بعقلي.. بحسبها بالمكسب والخسارة.. مؤمن بحقيقة الحسب والنسب.. لكن…

توقف عن الحديث وقد تمكنت أخيرًا من فك حصار ذراعيه, تلهث أنفاسها بصعوبة وتمسح فوق شفتيها وقد علقت عيناها به بقلب صار متخبطًا حائرًا

– كل ده مبقاش موجود يا بسمة.. أنتِ اجبرتيني احبك.. غيرتي جوايا حاجات كتير وكملتي حاجات ناقصه جوايا.. عايزه تعرفي أمتى بدأت أشوفك وغريزتي كراجل ارتبطت مع قناعة عقلي بيكي..

ازدادت سرعة أنفاسها دون أن تعرف السبب..تنظر إليه وهو يتحرك بصعوبة نحو الفراش ليجلس عليه ويمدّ ساقه بأنهاك
والجواب كان يخرج منه وهو يُسلط عيناه نحو شفتيها..

خرجت شهقتها عاليًا في ذعر وصدمة.. ؛ فالقبلة لم تكن في حلمها كما ظنت بل كانت حقيقة

– يومها عرفت إن قلبي كان شايفك وعايزك لكن أنا إزاي همشي وراه وهو وقعني في اسوء نوع من الستات..

تعلقت عيناه بها وعاد بعدها يُسلط عيناه نحو ساقه الملتفة بالجبيرة.

صدحت نحنحة الطبيب الذي دلف للتو وخلفه مساعدته يهتف مازحًا

– مريضنا اللي عايز يمشي ويسيبنا, اخباره إيه النهاردة

حاول جسار إخراج صوته في ثبات ينظر نحو بسمة ثم له

– مريضك بخير يادكتور وهيكون افضل لما يروح بيته

تجلجلت ضحكات الطبيب ينظر نحو بسمة التي اتجهت أنظار جسار إليها

– لا المدام شكلها محبباك في البيت أوي

هذه المرة كانت ضحكات جسار تعلو مع الطبيب مؤكدًا له وجهة نظره.

تخضبت وجنتي بسمة من شدة الحرج وهي ترى نظراتهم نحوها.
فحصه الطبيب مؤكدًا عليه الراحة متجهًا بأنظاره نحو بسمة يُملي عليها ما عليها فعله

– عايزك تقومي بدور الحكومه في البيت وترهبيه

ألقاها الطبيب مازحًا ثم غادر بعدها وخلفه مساعدته من طاقم التمريض.

– خليني اساعدك تغير هدومك وبعدين اتصل على عم جميل يساعدني
تمتمت بها بسمه واتجهت نحو باب الغرفة لتغلقه حتى تعاونه في تبديل ثيابه بأخرى نظيفه ولكنها توقفت مكانها تنظر له مدهوشة من طلبه
– اتصلي ب عم جميل خلي يطلع يساعدني..

وقبل أن تتساءل عن السبب.. كان يتفرس في ملامحها التي صارت تزداد شحوبًا يومً بعد يوم
– بسمة وشك أصفر وشكلك تعبان… فأسمعي الكلام

…..

بملامح قاتمة اقترب عنتر من سميرة لا يُصدق ما فعلته.. فمنذ أن هاتفها ليعلم أين هي واخبرتها بتواجدها في منزل من يراه عدوه وهو يدور حول نفسه من شدة غضبه

– روحتيلهم عشان تأكدي عليا التهمه يا سميره

تعلقت سميرة بأنظار العاملين تتخطى وقوفه دون حديث، اتبعها حانقًا من تجاهلها له يصفع الباب خلفهم بقوة ينظر إليها بعدما جلست على أحد المقاعد الجليدية مسترخيه

– اوعي تفتكري إني خايف اتحبس.. يكفي إني شفيت غليلي منه وأنا شايفه تحت رجلي غرقان في دمه.. اه لو كنت طاوعت شيطاني وضر,بته في مقت,ل..

لم تتحمل سميرة سماع المزيد؛ فأخذت تهز رأسها رافضة.. فما حصدته وحصده وسيستمر في حصاده وخسارته كان بسبب شيطانهم .. ماقتين حياتهم يلهثون خلف شهواتهم بالحرام يبحثون عن أذى الناس ويفضحون متلذذين في رؤية الخراب

– لو أنت عايز تحصد شر يبقى طلقني يا عنتر.. أنا خلاص فوقت من غفلتي ورضيت بقضاء الله ومش زعلانه إني اتحرمت من نعمة الأمومة.. يمكن لو كنت خلفت بنت.. كانت بقت زي ولا ولد عاق زيك .. أنا راضيه ومش هعلق اللي حصلي بالناس زي ما انت عايز تعلقه على جوز بسمه.. أنت هتفضل طول عمرك كده تعلق أخطائك وذنوبك على غيرك لكن أنا خلاص فوقت

التقطت سميرة حقيبتها تاركة له المكان بأكمله؛ فلم يعد لديها طاقه لتتحمل.. يكفيها حرمانها من نعمة أدركت قيمتها ولكن إما أن ترضى أو تظل طيلة عمرها في طريق نهايته الخسارة.

تعلقت عيناه بها بخواء صار يحتل حياته ولكن هناك عبارة صداها مازال يضوي في أذنيه “ولد عاق مثله”
…..

ضاقت عينين ميادة نحو الصورة المعروضة أمامها على صفحته الشخصية ، فالكل يبارك متمنين له السعادة للأسرة..لم تتحمل رؤية المزيد من التعليقات وسرعان ما كانت تُلقي بهاتفها جانبًا لا تُصدق أن حسام تقدم لخطبة فتاة واستجاب لحديثها الدائم أن عليه أن يتزوج فجميع أصدقائهم دخل قفص الزواج ولم يعد سواهم وقلة قليلة من أصدقائهم، وهو عريس ترى به جميع المميزات؛ فلما لا يفعلها ويُفرحهم..
انسابت دموعها دون سبب تعلمه تشعر وكأن أنفاسها تُسلب منها، حسام سيكون له حبيبه…حسام الذي يتحمل أفعالها الجنونيه ومواقفها السخيفة.. حسام الذي لم ترى يومًا في عينيه إلا نظرة مليئة بالحب لها وحدها.
مدّت يدها نحو هاتفها لتلتقطه حتى تُبارك له على خطبته ولكنها أسرعت في العدول عن قرارها..

….

ابتسم رسلان بأستمتاع وهو يرى تذمرها وإستياء ملامحها فور أن دفع كأس الحليب نحو شفتيها

– لو مطيتي شفايفك يا حببتي لمترين قدام.. برضوه هتشربي اللبن يا ملك.. كفايه إني راضي تشربي الصبح وبس لا وكمان كوباية واحده

وتابع راغبًا في رؤية حنقها وتلك المطه التي صارت تفعلها كابنه عبدالله بشفتيها فتزيده جنونًا

– كل واحد من ولادي الحلوين ليه كوباية لبن

– يا سلام يا سي رسلان

تمتمت بها ثم دفعت نحوه كأس الحليب الفارغ واسرعت تتوسط خصرها بذراعيها

– سي رسلان… لا وكمان بتهزيلي وسطك يا ملك

طالعت ملك حالها في صدمة.. تخفض عيناها نحو خصرها لا تُصدق إنه اتخذت وضع الراقصه.

أسرعت بأزاحت ذراعيها عن خصرها تهرب من نظراته عنها متمتمه

– أنت مش عندك عملية بعد ساعتين يا دكتور.. يدوب تلحق تروح المستشفى

ألتقطت منه كأس الحليب الفارغ الذي دفعته منذ لحظات إليه واسرعت في دفعه لخارج الغرفة هاربة من نظراته العابثة

– دكتور إيه دلوقتي..أنتِ بتغريني وبعدين تقوليلي يلا يا دكتور على مرضاك وعملياتك..

تشبث مكانه مُلتفًا إليها حانقًا وقد انقلب الدور

– مش ماشي غير لما احلي بالعسل..

والعسل الذي كانت ستُخبره إنه لا يُحبذه إلا والحليب مُحلى به..
– رسلان أنت بتحب…

ضاع بقية الحديث على طرفي شفتيها هامسًا بخفوت مستمتعًا بعلق شفتيه بعدما نال قطرات عسلها

– اوعي تنامي بدري زي كل يوم.. عايزك في موضوع مهم..

– غصب عني يا رسلان.. بحس بالتعب فبنام

احتلت نظراتها بعض الذنب لشعورها بالتقصير معه.. ولكنه لم يكن بالغافل عن يومها بالمنزل.
اجتذبها لتسكن أحضانه يُعبأ أنفاسه برائحتها

– أنا عارف ومقدر كل اللي بتعملي مع عيلتي يا ملك

والصورة لم تكن مخفية عنه، تُراعي والدتها وتركض خلف عبدالله الذي صار متعلقًا بها بشدة … تُساند والده في مشروعه الجديد حتى يخرج من عزلته بعدما انتهت فترته بالوزارة كوزير

– أنا بعمل كل ده عشانك يا رسلان وعشان في يوم من الأيام أنا وأنت هنعجز وهنحتاج ولادنا جانبنا

آه خرجت عن شفتيه؛ فكيف له أن يُعبر عن مقدار حبه لها.. عادت شفتاه تُعانق شفتيها يجتذبها إليه مجددًا.

انفتح الباب فجأة وسرعان ما اغلقته ميادة بحرج؛ فلم تكن تظن بأن شقيقها مازال بالمنزل.

انفلتت ملك من بين ذراعيه بصعوبة واشتعلت وجنتاها من شدة الحرج؛ فقهقه رسلان عاليًا

– بيتهيألي دلوقتي اخد بعضي واروح على المستشفى.. المرضى بتوعي محتاجني

أتجهت نحوه تجتذب ذراعه قبل مغادرته؛ فعادت ضحكاته تصدح مجددًا من هيئتها..

– عندي عملية يا حببتي..

تفلت منها يكتم صوت ضحكاته، فتلاقت عيناها بعينين ميادة العابثتين وقد وقفت تكتم صوت ضحكاتها هي الأخرى.

……

زفرت جنات أنفاسها بقوة بعدما القت بجسدها على أقرب مقعد..تمدَّ ساقيها أسفل الطاوله بعدما تراجعت بالمقعد قليلاً تهتف بتأوه

– أنا حاسه إني هولد خلاص

تهاوت فتون بجسدها هي الأخرى قبالتها تتنهد بتعب

– كنت هاخد مين غيرك يعني يا جنات.. اخواتي طالبين حاجات بنات وانا اتكسفت اطلب من سليم ينزل معايا..

حدقت جنات ببطنها المنتفخة واتكأت بذراعيها فوق ذراعي مقعدها مستنده

– تعرفي لولا إني حاسه إني هولد خلاص.. كنت قولتلك اجي معاكم احضر خطوبة دعاء اختك…

– تتعوض في الفرح.. كلها سنه وتتجوز

تمتم بها فتون حانقة من موافقة شقيقتها على الزواج بعد عام دون إستكمال دراستها

– مهما حاولت اقنع فيها تكمل دراستها الأول.. شايفاني مش عايزه مصلحتها

– مش كل البنات بيفرق معاها التعليم يا فتون.. وده مش عيب فيهم ولا حاجه عشان نكون منصفين

اقترب النادل منهن متسائلًا عما يرغبوا شرابه وفور أن ابتعد.. خرجت زفزات فتون بفتور

– التعليم مهم يا جنات.. وديه لسا صغيره.. ليه تتجوز عشان مجرد عريس لقطه أتقدم ليها.. ده عيل زيها اهله مبسوطين اه.. لكنهم بيصرفوا عليه

لم تعرف جنات ما تخبرها به ؛ فهي لم تعد تُجادل احد بأرائه..؛ فما الذي فعلته هي بالنهاية بعدما رأت العمر يمضي بها وحيدة.. القت بشباكها على كاظم حتى تزوجته

– أنتِ قدمتي ليها النصيحه وعملتي اللي عليكي يا فتون.. وده دورك.. لكن في النهاية رأيك مش هيعجب حد لو متقبلش النصيحه, وخلينا بقى في حوار ليندا احكيلي عن بنت عم جوزك اللي ظهرت فجأة

تبدلت ملامح فتون لمقت أشد على ذكر اسم ليندا، ضحكت جنات بشدة على هيئتها العابسة رغمًا عنها

– بتضحكي على حظي يا جنات.. سليم وعيلته متحالفين عليا إني مرتحش في حياتي..

حاولت جنات كممت فاها حتى لا تضحك ثانية

– سليم النجار ونسائه الفاتنات ض

– أنتِ هتقولي فيها… كلهم فاتنات يا جنات إلا أنا

تعالت ضحكات جنات وسرعان ما كانت تُكمم فمها مجددًا، فاردفت فتون بعدما زفرت أنفاسها بقوة

– ديه بتكلمني باللغات يا جنات فكراني جاهلة

– ما أنتِ لو فضلتي مطنشه كليتك هتكوني كده يا فتون.. ولو فضلتي شايفه نفسك بالصوره ديه هتفضلي ديما في نفس البرواز
إستندت جنات بكفيها على الطاولة وهذه المرة كان يخرج الحديث منها بجدية.

صدح رنين الهاتف فجأة ؛ فقطع حديثهما..وتعلقت عينين فتون بهاتفها في دهشة وسرعان ما كانت تلتقطه تتعجب من مهاتفة السيدة ألفت بها.

أسرعت بالرد عليها وقبل أن يصلها صوت السيدة ألفت كان صوت الموسيقى الصاخب يخترق أذنيها

– ليندا هانم عامله حفله على حمام السباحه والكل قالع يا بنتي.. أنا مرضتش أبلغ سليم بيه.. قولت ابلغك.. المفروض ليندا هانم تنسى عيشتها بره مادام قررت تعيش هنا

– مالك يا فتون
هتفت بها جنات وهي ترى تبدل ملامح فتون وسرعان ما كانت تنهض عن مقعدها صائحه بعدما استوعبت حديث السيدة ألفت
– حمام سباحه وشباب وميوهات.. مش كفايه مستحمله لبسها وبناطيلها القصيرة المقطعه

اعتلت الدهشة ملامح جنات ولم يصيبها الأمر إلا بالضحك ثانية مدركة هذه المرة, أن كره فتون لليندا ليس إلا غيرة من أنوثتها وفتنتها وليس ما كانت تراه ينقصها من ذكاء وقوة.

…..
وها هي تُجحظ عيناها في ذهول قد أصابها وبخطى بطيئة أخذت تقترب لا تستوعب ما تراه أمامها..

البعض يرقص متلذذًا بطعم شرابه المثلج والبعض الأخر مستمتع بتسطحه والقفز بالمسبح والخادمات تقف بينهم تقدم لهم المشروبات, ينظرون إليهم في ذهول عن صخب لم يحدث يومًا بالمنزل.

أسرعت إحدى الخادمات مقتربه منها وقد ارتسم الاستمتاع الذي حاولت إخفائه عن ملامحها
– البيه لو رجع يا هانم.. مش هيعدي الموضوع على خير..

تعلقت عينين الخادمة بما يدور أمامها ورغمًا عنها كان خصرها يهتز مثلهم..
– أنتِ بتعملي إيه؟

لم تنتظر فتون سماعها واندفعت نحوهم لا تُصدق ما تراه عيناها.. فهناك من يُلامس خصر من يتراقص معاها واخرى تُحرر جسدها من قطعتها العلوية

– ده يتعمل في المكان اللي جيتي منه يا بتاعت روسيا.. مش هنا
صاحت بها فتون ولكن لا أحد أستمع لصوتها من صخب الموسيقى..

لم تكن ليندا منتبها على وجودها إلا عندما دفعتها إحدى صديقاتها برفق حتى تنتبه على القادمة نحوهم؛ فهتفت سريعًا وهي تلوح بيديها

– فتون.. تعالي لترقصي…

توقف بقية الحديث على طرفي شفتي ليندا وهي تجد أحد رفقائها يدفع فتون للمسبح ثم صاح الجميع مستمتعين بالمشهد واسرع بعدها بالقفز خلفها ليرفعها من ساقيها قبل أن تستوعب هي ما حدث لها وتلتقط أنفاسها.

ارتجف جسد ليندا من شدة الفزع وهي تستمع لصياح سليم الذي اندفع نحوهم يصرخ بهم جميعًا ليُغادروا منزله قبل أن يُلقي بجسده بالمسبح.
…..

تعلقت عيناه بذلك الكيس الذي مدّته إليه للتو تتعجب من تلك الأدوية التي طلبها رغم أن كل ما احتاجوه أتوا به وهم عائدين من المشفى

– بيتهيألي الأدوية ديه الدكتور مكتبهاش

حاولت بسمه إجتذاب الكيس منه قبل أن يفتحه حتى ترى هل بالفعل كتب الطبيب هذه الأدوية ولكنها تعجبت من اجتذابه للكيس من يدها

– انا عارف أنا طالب إيه كويس يا بسمه

القى بمحتوى الكيس حتى يجد ما طلبه من خدمة التوصيل .. فلم يكن إلا شيئًا واحدًا يُريد إيجاده

التقطه أخيرًا تحت نظراتها المدهوشة والتي ازدادت إتساعًا تنظر إلى ذلك الشئ الذي اخذ يُحدق به قبل أن يمدّه لها

– داده سعاد قالتلي إنك بقالك كام يوم تعبانه وبتدوخي وأنا بقيت ملاحظ ده.. فلو عملتي الاختبار ومافيش حاجه يبقى لازم نعمل فحص شامل ونعرف إيه السبب

قطبت بسمة ما بين حاجبيها تنظر نحو العلبة التي مازال يمدّها إليها ومازالت لا تستوعب حديثه المبهم

– فحص إيه اللي اعمله..وإيه اللي في العلبه

عقلها كان بعيدًا تمامًا حتى تُحدق بالعلبة بتركيز وتفهم ما هو مطبوع فوقها وسرعان ما كانت الصورة تتضح أمامها وهو يفتح لها العلبة

الفصل الثمانون(1)
*****

شهقاتها ارتفعت من شدة الخَوف لا تُصدق أنها خرجت من الماء دون أن تغرق أو يُصيب جنينها أذى.

لم يتحكم سليم في أعصابه وهو يراها بذلك الإنهيار لأنه أكثر من يعرف رهبتها من حوض السباحة؛ فكثيرًا ما طلب منها أن تستمتع معه بمتعة المياة ولكنها كانت تتشبث بجلوسها على حافة المسبح.

أشار للسيدة ألفت بالإقتراب منها لعلها تستطيع تهدأتها وأندفع لخارج الغرفة تحت نظراتها وفي داخلها تعلم أن تلك التي تنتظر بالخارج سيَصب عليها جام غضبه.
أسرعت ليندا نحوه وقد أبدلت ملابسها المبتلة تهتف بخوف وعيناها عالقة بغرفتهم
– فتون والطفل بخير سليم.. أنا لم….

– مش عايز أسمع صوتك خالص، أنا بالع وجودك في بيتي بالعافيه إكرامًا لعمي..لتكوني فاكره إني متقبلك في حياتنا .. بسببكم عمي دفع حياته الثمن

تجمدت ملامح ليندا، هو يصارحها بمشاعر كُرهه لها وهي التي ظنت أنها وجدت عائلتها أخيرًا، عائلة بعيدة عن الشر الذي كانت تحيا داخله، هو لا يعرف الثمن الذي دفعته لإرنستو حتى يتركها تعيش بسلام؛ فهل يُصدق ابن عمها أن قلوب هؤلاء بهذه الرحمه.
يدها وضعت تلقائيًا نحو كِليتها اليُمنى التي بات موضعها فارغًا؛ فهذا كان المقابل.. وفي قانونهم ما دام أعطيت لهم شئ ثمين، فلكَ ما شئت.

– السواق هياخدك لفندق لحد ما اشوف ليكِ مكان تعيشي فيه، أنا مش مستعد اخسر مراتي والطفل بسبب أستهتار واحده زيك فاكره نفسها لسا في روسيا

الجمها حديثه، هي بالفعل لم تقصد أن يحدث هذا حتى أنها وبخت أركان على فعلته واخبرته أنه يستحق ما ناله تحت قبضتيّ سليم غير أسفة لما فعله به

– لم أكن اقصد سليم، سأعتذر من فتون قبل أن أغادر

خرج صوتها في خفوت وندم، مما جعله يشعر بالضيق دون سبب.
أبتعد عنها بعدما أخرج زفراته بقوة؛ فأسرعت في مسح دموعها العالقة بأهدابها ، لقد تعلمت الكثير في حياتها السابقة وأول ما تعلمته ألا تبكي على شئ، فالقلب لا بد أن يكون كالحجر.
…..
ظلت محدقة به تستوعب ما نطقه؛ فعن أي حمل يتحدث؟ هي ليست بحامل
خرج صوتها بتشوش تنظر إلى ذلك الاختيار المنزلي تهز رأسها رافضة ما يُخبرها به

– أنا مش حامل

تؤكد له حقيقة لا تعلمها، وهو صار يشعر بالتخبط بعدما تمتمت بعبارتها

– يعني عايزه تقوليلي إنها…

تكملة العبارة خرجت منه بوضوح وتساؤل وأنتظر أن يعرف الجواب.
عيناها أتسعت على وسعهما، تتذكر أخر موعد أتتها ولكنها أعتادت على تأخيرها.

عيناه تعلقت بنظراتها إليه لم تكن نظراتها إلا نظرات تعبر عن صدمة صاحبها في شيء لا يستوعبه عقله

” زوجتك تحتاج للحب سيد جسار، لديها مقدار فائض من العطاء ولكن في المقابل لم تحصل منكم إلاّ أقل مما تمنحه لكم، أزماتها ستتجاوزها جميعها لأن من ينهض من حفرته رغم صعوبة نهوضه فهو من أقوى الجنود المحاربين مع معارك الحياة، لكن ليس علينا أن نزيد من أوجاعهم ونضغط عليهم.. امنحها حُبك، الحب وفقط لأنه ما كانت تبحث عنه معك ”

تردد حديث السيدة هالة، طبيبته التي ازداد حديثه معها في فترة مكوثه بالمشفى، فالجلسات تحولت لمحادثة ليلية عبر أحد مواقع وسائل التواصل الإجتماعي يُخبرها فيها ما تفعله من أجله ولكنه يشعر بتباعدها عنه وذلك الصراع الداخلي الذي أصبح مرئيًا بالنسبة له، إنها تُقاوم مشاعرها نحوه.

أزاحت نظراتها عنه تزدرد لُعابها بارتباك تبحث عن شيء حولها لا تعرف ما هو

– بسمه

همسه خرج في خفوت يجتذبها إليه في لحظه خاطفة لم تدُركها إلا بعدما سقطت جواره فوق الفراش وقبل أن تهتف بشيء كان كفيه يحتضن وجهها

– مش مشكله يا بسمه، متعمليش اختبار الحمل غير لما تكوني مستعده لكن خليكي متأكده وعارفه إني هكون سعيد لو هيكون ليا طفل أنتِ أمه

تجمدت جميع حواسها وهي ترى كفه فوق بطنها؛ هو لا يُخدر فقط عقلها بل جسدها يخونها معه

– نفسي تكون بنت شبهك.. تاخد منك كل حاجه
كفه الأخر سار ببطء فوق ملامحها يُخبرها في همس خافت بتفاصيل ملامحها وكم هو عاشق لذلك العسل المصفى في عينيها.
قمحية البشرة هي ولولا ماله ما كانت اعتنت بتلك الحبوب التي كانت تُكرهها في بشرتها، عيناها اللاتي يتغزل بهما لم تُخبرها إلا ملك إنها تمتلك عينان جميلتان.

همساته ولمساته وما يغدقه عليها من مشاعر جديده عليها تمنتها بكل كيانها خدرتها كالسحر، قلبها الذي صار يُصارع عقلها مؤخرًا بدء بالتراجع يُخبرها بحاجته لأشياء يُريدها

– ولادي هيكونوا محظوظين لأنك هتكوني أمهم يا بسمه

“محظوظين، وأولاده “، عيناها تلاقت بعينيه فعن أي حظ يتحدث وعن أي أولاد سيكونوا منها.
انتفض جسدها في رعشة ولكن كان هو الأسبق في ضمها إليه وكأنه صار يفهم ردة فعلها

– أنا عايزه..
أرادت أن تُخبره بالرحيل؛ فمكانها ليس هنا لأنها أدركت وتعلمت الدرس

– عايزه إيه يا بسمه، عايزه تهربي مني تاني.. تفتكري هقبل بكده

– أنتَ خلاص بقيت كويس ومعاك داده سعاد وعم جميل..

انقطع حديثها واتسعت عيناها وهي تراه يُخبرها بطريقته الجواب.
قُبلة رغم رقتها إلا أنها أزالت تلك الفوضى التي داخلها.

صدرت نحنحة السيدة سعاد وقد اطرقت رأسها تخفي ذهولها وحيرتها.
انفلتت بسمة من بين ذراعيه تنهض من فوق الفراش، تنظر نحو السيدة سعاد متمتمه

– عم جميل كان محتاج مني حاجه أعملها

غادرت الغرفة تحت نظراته العابثة وقد ارتسمت فوق ملامحه ابتسامة واسعة التقطها أعين السيدة سعاد وسرعان ما نفضت رأسها واقتربت منه تضع صنية الطعام بالجهة الفارغة من الفراش

– أنا عملتلك الأكل اللي بتحبه، عارفه إنك زهقت من أكل المستشفى
هتفت بها السيدة سعاد وهي تتفرس في ملامحه المسترخية، وداخلها كان ألف سؤال يُطرح

– شكرًا يا داده.. ممكن..
وقبل أن يهتف بعبارته ويُطالبها أن تُرسل له بسمة مُجددًا لتطعمه تمتمت وهي تدفع المعلقة الممتلئة بقطع الخضار داخل فمه.

– دوق عمايل أيديا
….

دلفت السيدة سعاد المطبخ ومازالت تطرح بينها وبين نفسها العديد من الأسئلة وقد ازدادت شكوكها عندما التقطت عيناها تلك العُلبة التي لا توحي إلا بشيء واحد.
ارتكزت عيناها بتفرس نحو بسمة التي وقفت أمام الموقد تُقلب الطعام في شرود.
لم تتحدث السيدة سعاد بأي شيء بل جلست على أحد المقاعد بالمطبخ وازداد تحديقها بها.

انتهت بسمة من تقليب الطعام وعندما استدارت بجسدها لتلتقط احد مناشف المطبخ تمسح بها يديها وجدت نظرات السيدة سعاد عالقة بها بتركيز تام

– دادة سعاد أنتِ يعني لما..

ابتلعت بسمة بقية حديثها وهي ترى السيدة سعاد تشيح عيناها عنها

– اطلعي لجوزك يا بنتي

نطقتها السيدة سعاد في جمود؛ فلم تكن تظن أن مكانتها لديها تجعلها تخفي عليها أمر تقاربهم؛ فهل كانت ستكره لهم وجودهم سويًا.

عقلها بدء يُفسر الأمور بالطريقة التي تثبت لها أنها كانت كالمغفلة؛ فهي تعدها ابنتها وهل الأبنة تخفي على والدتها شيئًا؟
أسرعت بسمة بالإقتراب منها تُحاول شرح لها ما رأته ولكن كيف ستشرح لها ما حدث، فما حدث تلك الليلة لم يكن إلا رغبة في الخلاص من حبها له ومن ذلك الشيء الذي أراد شقيقها بيعها من أجلها.

– كنت فاكره إنك معتبراني أمك، بس الظاهر إني طلعت غلطانه
– داده اسمعيني

اشاحت السيدة سعاد عيناها عنها تُعيد ما أخبرها به رب عملها

– جسار بيه محتاجك، صنية الأكل فوق حاولي تخلي ياكل أنتِ برضوه مراته
…..

القت فتون بتلك الأغراض التي جلبتها من أجل شقيقاتها في مكانها دون رغبة بترتيبهم ووضعهم بالحقائب.
بفتور جلست فوق الفراش وقد غادر الشحوب ملامحها وتخطى عقلها ما حدث في الظهيرة ولكنها ليست راضية، هي السبب في طرد سليم لأبنة عمه التي لا تكرهها ولكنها في النهاية بشر لديها طاقة لتتحمل مشاركة أحد في منزلها،
ف ليندا منذ أن خطت قدماها المنزل وهي كتلة من الاثارة والفتنة بل والنشاط أيضًا، دور سيدة القصر قد لاَقَ بها، وجودها يجعلها رغمًا عنها تُفكر في أمور تنفضها عن عقلها حتى لا تقع في نفس أخطائها الماضية

– أنا كنت بس مفزوغة من الخضه ومن اللي عَملُه فيا صاحبها قليل الأدب والذوق

هتفت بها فتون لحالها بعدما زفرت أنفاسها بقوة وقد تعلقت عيناها بهيئتها المنعكسة بالمرآة تتذكر إعتذار ليندا إليها قبل مغادرتها المنزل

– هي اعتذرت مني وكان في عينيها الندم، ليه أنا كبرت الحكاية ولا كأني طفلة صغيرة؟

زفراتها خرجت هذه المرة في يأس تنظر نحو كفيها المضمومين ببعضهما وسرعان ما كانت تنهض من فوق الفراش مُقررة فعل ما تراه صائبًا.

مجرد دقائق أتخذتها في إرتداء ملابسها وأسرعت بالهبوط لأسفل. تلاقت عيناها بعينين السيدة ألفت التي غادرت للتو غرفة مكتبه تحمل صنيتها الفارغة من فنجان القهوة

– إيه اللي نزلك من أوضتك يا بنتي، اطلعي أرتاحي عشان تعرفي تسافري بكره

اقتربت منها السيدة ألفت بعدما هتفت بها وقد ضاقت عيناها في دهشة من هيئتها

– أنتِ خارجة يا بنتي

تخطتها فتون متجهه نحو غرفة مكتب سليم متمتمه

– هنروح نجيب ليندا من الفندق

ارتفع كلا حاجبي السيدة ألفت في دهشة ولكن سرعان ما أختفت دهشتها.
….

– هكلمك يا حببتي كل يوم تمام

هتف بها سليم الذي استرخي فوق مقعده يُحادث صغيرته على أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي محاولًا إزاحة غضبه جانبًا من وجود طفلته في بيت طليقته وزوجها ولكن رغماً عنه كان عليه أن يسحب ابنته من تلك الدائرة حتى لا تصيبها.
لن يغفر لشهيرة ما فعله شقيقها بعمته ولكن صغيرته ليس لها ذنب لتحصد من الماضي بقاياه الفاسدة

– بابي متتأخرش عليا، وهاتلي معاك حاجة حلوه

تعالت ضحكاته فصغيرته تطرب فؤاده بحديثها

– حاضر يا برنسيس خديجة، في حاجة تاني عايزاها
– كلمني كل يوم فيديو يا بابي..

ختمت عبارتها ببعث قبلة له في الهواء التقطها بقلبه وقد اتسعت شفتيه بابتسامة واسعه.
ارتسمت نفس الابتسامة فوق شفتي فتون التي وقفت جانبًا تستند بجسدها نحو الحائط مستمتعه بتلك المحادثه، خديجة الوحيدة من تستطيع جعل سليم شخصًا أخر وهي كانت تحمل هذه الميزه كما أخبرتها السيدة ألفت ولكن عندما يُصيب الفتور الحياة الزوجية يضيع كل شيء دون شعور.
تنهيدتها خرجت في ثُقل؛ فانتبه على وجودها بعدما أنهى حديثه مع صغيرته وقد زفر أنفاسه هو الأخر يدفن وجهه بين كفيه

– نزلتي ليه من الأوضة، أنتِ محتاجه ترتاحي أنا مش عارف هنسافر إزاي الصبح

التمعت عيناها بابتسامة توهج معها خديها واقتربت منه حتى صارت خلفه

– سليم

لم تكن تقصد الغنج في صوتها ولكن نبرة صوتها الخافته جعلته يتجه بأنظاره نحوها.
لم تمهله فرصة ليتسأل عما يُريد؛ فرفعت يديها نحو خديه تمسح فوقهما

– أنا كويسه متخافش عليا

ضاقت عيناه وهو يفحصها بنظرة سريعة وسرعان ما كان يزيد ضيقهما
– بيتهيألي إنك مش بتحبي تلبسي هدوم الخروج في البيت، ولا أحنا خارجين

ارتبكت قليلًا من ردة فعله وسرعان ما كانت تتخد قرارها بالحديث

– سليم خلينا نروح نجيب ليندا من الفندق، مينفعش تبات بره البيت

تجهمت ملامحه وهو يتذكر دفع ذلك الشبيه بالنساء في هيئته لها بحوض السباحة ورفعه لها وكأنها لعبة يتلاعب بها، فارت دمائه وقد عادت الصوره تقتحم عقله

– لو حاولتي تتكلمي تاني هخرج غضبي عليكي وهحاسبك أنتِ كمان

لم يمهلها لتتحدث بكلمة أخرى، بل أخذ يضع عليها اللوم لأنها علمت بتلك الفوضى دون إخباره

– شرب خمره ورقص والهانم رايحه وسطهم وهي أصلا بتخاف من خيالها

عيناها جحظت على وسعهما وهي تراه يتقدم منها، تراجعت خطوة للوراء ولكن هناك شيء داخلها أخذ يدفعها لتحتضنه. لقطه لا تعرف كيف طرأت بعقلها ولكن خديجة الصغيرة تفعلها معه دومًا عندما يلومها على شيء ثم تراوغه بالحديث في طاعة حتى ترضيه فتأخذ ما أرادت

– أنا عارفه إني أتصرفت بغباء
– غباء!

تمتم بها مستنكرًا عبارتها فلو كان هناك شيء أكثر من الغباء فلتنعت حالها به.
لأول مرة كانت تتمكن من شيء تمتاز به النساء، اخمدت ثورته بل وجرته خلفها رغم حنقه الذي تبدل عندما وقعت عيناه على ليندا وهي تفتح لهم باب غرفتها بالفندق وقد غطت الدموع خديها ولكن سرعان ما كان الغضب يعود ليسيطر على ملامحه وهو يلتقط بعينيه زجاجتي الخمر الملقاه أرضًا ثم ترنحها نحوه لتسقط بين ذراعيه تمتم اسمه قبل أن تفقد وعيها

– سليم

أنفلتت شهقة فتون عاليًا واتسعت عيناها وهي ترى ليندا بملابس التي لا تسترها بين أحضانه متشبثه به.
……

اغمضت بسمة عيناها للحظات قبل أن تفتحهما مُحدقة بترقب بذلك الاختبار المنزلي الذي سيخبرها بالنتيجة.
أنفاسها التي كانت تزفرها ببطء تسارعت حتى جحظت عيناها على وسعهما وهي تنظر لما يؤكد لها _حقيقة واحدة_ أنها تحمل في أحشائها طفله.
انسابت دموعها دون أن تعرف هل هي دموع تعاستها أم سعادتها؟
غادرت المرحاض شارده بالنظر نحو ما يقبع داخل كفها دون أن تنتبه لوجوده وإستناده على عكازه حتى اقترب منها يلتقط ما ارخت يدها عنه.
…..

التمعت عينين جنات بمتعه وهي تُشاهد تلك المقاطع المضحكة وتلتقط من الطبق الموضوع أمامها ما يقع تحت يدها، طبق متنوع من كل ما تحبه من الأطعمة.
عيناه تعلقت بها يُقاوم رغبته بالضحك على هيئتها يُلقي بالمنشفة التي يُجفف بها خصلات شعره نحوها.
زمت شفتيها تذمرًا وهي تلتقط تلك المنشفة التي صارت تحتضن وجهها تُلقي بها حانقة

– شكرًا يا حبيبي

اقترب منها يتسطح جوارها وقد أزال كنزها الثمين من جوارها

– واخد الطبق بتاعي فين
– الطبق مبقاش فيه غير صباع موز واحد، عايزه تاكليه هو كمان

حدقت بالطبق الذي صار بالفعل فارغ ثم حدقت به عابسه

– هو الأكل خلص ليه كده بسرعه، هات الموزة طيب أكلها حرام اسيبها لوحدها
– لا عندك حق حرام، يارب الصبر.. أنا كان مالي ومال الجواز

طالعها وهي تلتهم صابع الموز حتى توقفت عند منتصفه تنظر إليه وهو يرمقها بنظرات يائسة.

– هو أنا إزاي نسيت اجرب اللقطة ديه معاك

لم تنتظر أن يسألها عن أي لقطة أردات فعلها معه، فنصف الموزة الأخر دسته بين شفتيه ثم أقتربت منه في لحظة لم يُدركها.
التهمت قطعة الموز المندسة بين شفتيه وهو لم يكن إلا تحت تأثير الصدمة من فعلتها.
تلامست شفتاهم بعدما انتهى مصير الموزة داخل معدتها تسأله متلذذة ببلع ريقها

– المفروض كنا أكلناها سوا، ما تيجي نجيب موزة تانية ونجرب

صوتها كأنه يأتي إليه من بعيد، جميع حواسه صارت غائبة إلا عينيه التي غرقت في تفاصيلها وقربها الشديد، لا إثارة كانت في ثوب نوم ولا زينة وضعت فوق الملامح ولكنه لا يعرف كيف يلتقط أنفاسه وهى تنظر إليه ببرائة منتظرة جوابه بالحصول على تجربة أخرى مع موزة أخرى.

الفصل الثمانون(2)
****

جالت عيناه فوق وجهها الذي انطفأ بهائه؛ فَ شهيرة التي يعرفها لم تعد كما كانت مهما أظهرت محاولاتها في إستعادة مكانتها والسيطرة على ما تبقى من أملاك قليلة بحوذتها إلا أنه يعلم كل ما يدور معها؛ فلم يعد أحد يُريد التعامل معها بعدما صارت أعمال شقيقها مفضوحه للعلن؛ فمن سيرغب بتلويث سمعته مع اسم عائلتها.

عيناه احتضنت تفاصيلها وهي غافية جوار ابنتها تضمها إليها وقد غفا كلتاهما تاركين قصتهما مازالت في منتصف الحكاية.
بهدوء التقط القصة يُلقي بنظرة سريعة نحو محتواها قبل أن يُغلقها ويضعها جانبًا.
عاد يمدّ يده نحوها حتى يُقظها ولكن تراجع يضم كفه الممدودة ينظر نحوها هي والصغيرة.
داعبته مشاعر تمناها ولكن لم تُكتب له، طفلًا من المرأة التي يُحبها أو حتى من مجرد زيجة بلا مشاعر.

نظراته نحو الصغيرة التمع بهم الحزن وشعور أخر يعلم أنه ملك “سليم النجار” وحده، فمن يتمنى لو كانت ابنته هي أبنة رجل أخر، رجل يراه يتنازل رغم براكيين الغضب التي داخله نحو “شهيرة” إلا إنه يتراجع في قراراته واخر ما اتفق عليه معه أنه من سيكون الوسيط بينه وبين “شهيرة” في وجود “خديجة” بينهم.

لحظتها لم يُصدق ما سمعه منه ولكنه علم السبب، هو لا يُريد أن تكون ابنته فاقده لمعاني من حقها؛ فأبنته ليست باليتيمة ليحرمها من أمها فلم يجبره أحد ليتزوج من “شهيرة” وعليه تحمل خطأه وحده وليست صغيرته.
قبلة حانية لثم بها “ماهر” رأس الصغيرة يهتف داخله وهو يطبق فوق جفنيه حتى يستشعر مشاعر الأبوة

” ليتكِ كنتِ بُنيتي”
…..

اغلقت “ميادة” حاسوبها دون رغبة في إستكمال بقية عملها؛ فمازالت صورته جوار أحداهن وتلك المباركات تقتحم ذلك الجزء الذي ظنته لم يعد يخفق.

سحبت حالها من فوق مقعدها المريح الذي تتخذه للعمل واتجهت نحو فراشها تنظر لهاتفها المُلقى فوق الفراش، “فَحسام” لم يهاتفها كعادته بحجة أمور تخص العمل.

نظراتها عادت تتعلق بالهاتف بعدما التقطته وتهاوت فوق الفراش تقبض فوقه.

– كنتِ عايزاه يفضل طول عمره موقف حياته عليكِ، عايزاه يستنى واحده قلبها مع راجل تاني بقى مجرد ذكرى.. راجل اتجوزته وقررت تتحدى العالم كله عشانه، إزاي في حد هيقبل يعيش عمره لست مش ليه ولا عمرها هتكون ليه.

آه خافته خرجت من بين شفتيها، فلما هي سيئة مع حكايات الحب.
عادت عيناها تُحدق بالهاتف تمنع عقلها عن رغبته الملحة في مهاتفته والمباركة له على خِطبته.
وقتً قضته تميل يمينًا ويسارًا فوق فراشها تُقاوم رغبتها في إلتقاط هاتفها ومحادثته.
تعالا رنين هاتفها، فأنتفضت معتدلة تنظر لشاشة هاتفها لا تستوعب أن اسمه هو المضاء

– “حسام”

و “حسام” هذه الليلة قرر أن يكون عملي في محادثته معها، قرر أن يتخذ طريق الكرامة

– “ميادة” ممكن تبعتيلي داتا البرنامج

غادرت تلك اللهفة التي أجابت بها عينيها تستمع لبقية حديثه في صمت عن تلك الأخطاء التي أكتشفها في كود البرنامج.
لأول مرة تستشعر قسو,ة الكلمات عندما يُغادرها الدفئ، لم تشعر بحالها إلا وهي تُبارك له بنبرة خرجت متعلثمة

– مبروك
توقف “حسام” عن الضغط على أزرار لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبه يستمع إلى مباركتها

– مبروك على إيه

وسرعان ما كان يستوعب ما تقصده، ف الكثير من الأصدقاء ظن الصورة المعروضة على صفحته الشخصية من حفل خِطبته هو وليس شقيقه الأصغر
– مبروك على خطوبتك مش كانت أمبارح

تراجع بجسده يستند بظهره فوق مقعده وقد اصابته الخيبة
– العروسة أعرفها؟

خرج سؤالها عن هوية العروس بصعوبة وأسرعت بالضغط فوق شفتيها حتى تتحمل جوابه عندما يُخبرها عن عروسه

– عايزه تعرفي مين العروسة يا “ميادة” ، امممم

– أكيد عايزه اعرفها.. مش هنكون صحاب أنا وهي

هتفت بها وقد ارتجف قلبها بألم ترفض الأعتراف به
– مافيش عروسه يا “مياده” لكن أوعدك قريب هيكون في عروسه وهتشوفيني عريس

هل قلبها وقف عن النبض لثواني قاسية؟

تعلقت عيناها بالهاتف بحالة من الجمود وسرعان ما كانت تجد هاتفها يضئ برسالة.
اتسعت عيناها في حالة من الصدمة تُحملق في صورة شقيق حسام الأصغر وعروسة ولا يجتمع في المناسبة إلا عدد قليل من أفراد عائلة حسام

….
بصعوبة تمكنت بمساعدة “السيدة ألفت” من تبديل ملابسها وتسطيحها فوق الفراش.
التقطت السيدة ألفت أنفاسها أخيرًا تنظر نحو “ليندا” التي احتضنت الوسادة وغفت

– عملتي الصح يا بنتي، هي حياتها مختلفة عننا محتاجه إنكم تساعدوها تتخطى حياة أنتوا مش عارفين هي عاشتها إزاي
لم تنتظر “السيدة ألفت” ردًا وانسحبت تغلق الباب خلفها.

تحركت “فتون” نحو الفراش تجلس قربها ورغم ما اعتلى فؤادها من غيرة وربما مشاعر أخرى ليست مؤذيه إلا إنها مشفقة عليها.

نفضت رأسها من أفكارها وقد أفاقتها حقيقة واحدة أنها مازالت حمقاء تتعاطف مع من _رُبما_ ستنافسها على زوجها فهي بالنهاية أبنة عمه.

قررت النهوض من جوارها فقد فعلت معها ما حركها ضميرها نحوه ولكن توقفت عن حركتها وهي ترى “ليندا” تلتقط يدها وتفتح عيناها

– “فتون” أنا لا أريد الرحيل،أنا لست سيئة

وسرعان ما كان جفنيها يعودوا مطبقين ورغم خروج الكلمات بلكنة عربية ضعيفة إلا أن أذنيها التقطت ما هتفت به برجاء.
غادرت الغرفة بحيرة وتخبط تتسأل داخلها، لما هي ترى أن خلف الصورة التى تُظهرها لهم “ليندا” هناك صورة
أخرى مشوهه.

اتجهت نحو غرفتها تستمع لحديث “سليم” مع عمته في أمر من ظهرت لهم من العدم فيكفي أنها من امرأة كانت السبب في مو,ت عمه وكل هذا من أجل الحب

– ايوة يا “خديجة” أنا محملها مو,ت عمي..انا لا طايقها ولا طايق اصلا اشوف ملامحها، ديه شايله دمهم

حاولت “خديجة” تهدأته؛ “فسليم” يُحمل “ليندا” خطأ هي ضحيته..فهل كان ذنبها أن تولد من والدين لم يفكروا بنهاية علاقتهما
“ابنه رجل من أعضاء المافيا وشاب عربي ذهب للخارج ليُكمل دراسة القانون ”

– “سليم” ، “ليندا” بنت “أحمد النجار” .. لو “أحمد” كان عرف قبل مو,ته إن لي بنت من “إيفا” مكنش سابها ليهم

– “إيفا” كانت لعنة عمي وبنتها لعنه في بيتي، أنتِ فاكره إني مرتاح بوجودها وسطينا

القى بهاتفه بعدما وجد أن محادثته لن تُثمر بشيء مع عمته ولكن عليها أن تأتي غدًا المنزل لتظل به بضعة أيام حتى عودته هو و “فتون”.

بخطوات مترددة أقتربت منه “فتون” تطرق رأسها نحو أي شيء يُلهيها عن تقابل أعيُنهم.

اشاح عيناه عنها؛ فلم يعد يجد الراحه بأي مكان.. أعمال عالقة.. أعمال عليه متابعتها بالخارج بعدما تركت له “خديجة” ما كانت تقوم به، ابنته التي يتركها بمنزل رجل أخر، وأخيراً تلك التي جائت لتحتل معه كل شئ؛ فهي بالنهاية ابنة شرعية لعمه حتى لو كانت حتى الأن لا تحمل اسم عمه.

بأرهاق اطبق فوق جفنيه زافرًا أنفاسه بقوة قبل أن يتجه نحو الشرفة ويخرج علبة سجائره التي باتت منفسه الوحيد.
توقف مكانه ينظر نحوها بعدما قبضت فوق ذراعه

– “سليم” أنت بقيت تشرب سجاير كتير

فلتت من عينيه نظرة ساخرة على أهتمامها العجيب وقد التقطها عيناها

– اخرج غضبي في التدخين أحسن يا “فتون”

ابتعد عنها بعدما ازال ذراعها عنه واستكمل خطواته نحو الشرفة يفتحها.
عقلها يُخبرها أن تندفع نحوه، يُطالبها أن تكون زوجة حقيقية وليست تلك التي حصرت نفسها في مكانة واحدة، زوجة للمتعة لا غير.
أندفعت نحوه تجذبه من ذراعه مجددًا تسحبه نحو الفراش دون إعطائه محاولة للحديث

– أنا مستعده استحمل غضبك لكن بلاش تدخن

ارخت أهدابها في حسرة؛ فهي سبب دفعه نحو أشياء عديدة سلبية لأنها _ولمرارة الحقيقة التي عليها الأعتراف بها_ سلبيه وشخصيتها مهزوزة.

– “فتون” مالك في إيه، مش مجرد سيجارة هنعمل عليها دراما

القى بحديثه مُحاولا النهوض بعيداً عنها

– ديه مش بتكون سيجارة واحده يا “سليم”..أنت مش شايف نفسك بقيت إزاي.. أنا إزاي مكنتش واخده بالي من كل ده

اصابته الحيرة وهو يراها تعود لالتقاط ذراعه رافضه تحركه والحديث يتدفق من بين شفتيها دون توقف

– أنت السبب أنت اللي خلتني أنانيه في الحب، بقيت مستنيه اهتمامك وحبك من غير ما أفكر إزاي أعرف أدهولك

طالعها مصدومًا، فلم تكن إلا مجرد سيجارة سيخرج بها حنقه.
ازدادت صدمته وهو يراها تسحبه بقوة نحو الفراش ترفع كفيها نحو وجهه وقد بدأت علامات الكبر تظهر عليه

– فين “سليم” اللي كان بيهتم بوجبات أكله وميعاد نومه والرياضة، فين “سليم” اللي كان بيقدر يتحكم في كل حاجه ويبطلع هو الكسبان ، أنا بقيت شيفاك بتكبر قدامي من الهموم وأنا السبب

– “فتون” حببتي أنا شايف إنك محتاجه تنامي

حركت رأسها رافضة؛ فهي لا تُريد النوم بقدر رغبتها أن تفيض له بمشاعر متخبطة

– أنا كنت معركتك الخسرانه يا “سليم” ، قولي أنا إيه اللي عملتوا ليك عشان استاهل أكون معاك..

انسابت دموعها رغمًا عنها ولكنها أسرعت في مسحها؛ فهل ستظل متخذة هذا الدور دائمًا وأبدًا

– مش هعيط تاني ولا هخاف من حاجة، كل ندوبي هعالجها من غير خوف.. مافيش حد خالي من الندوب لكن في ناس قوية ف معاركها بتقوم وتقف من تاني مش بتعيش عمرها خايفه وتضيع عمرها في خوف

احتلت معالم وجهه الدهشة وقد زادت دهشته بعدما اجتذبت نفسها نحوه تضمه بكلتا ذراعيها

– أنا عارفه إن فيه حاجات كتير تعباك وشغلاك، وأنا زايده ده عليك فممكن تشاركني وجعك ونتقاسمه سوا

لم تعد الدهشة وحدها ما تُسيطر على ملامحه، إنما داهمته مشاعر لا يعرف مهيتها

“وجع يتشاركاه سويًا “، يالها من كلمات جعلت قلبه يقرع ك طُبول الحرب.

عيناه ألتهمت تفاصيلها بعدما ابعدها عن أحضانه ينظر لدموعها التي علقت بأهدابها

– حببتي هي الحاله اللي أنتِ فيها دى تقريبًا بسبب الحمل، فيه تغير بيحصل في هرموناتك

هرمونات! هي تُحادثه عن واجباتها نحوه وتعترف له بتقصيرها وهو يُخبرها أن هرموناتها تؤثر عليها

– هو أنا المفروض استعد لمرحله أسوء ولا ألطف في حياتي

ضاقت عيناها تمنح عقلها وقتًا ليستوعب حديثه، وهو داخله كان يكبت قهقهته بصعوبة وهو يرى صدمتها من حديث يعلم أنها لم تكن تنتظره منه.
لم يتركها في ذهولها طويلًا؛ فاجتذبها إليه ثانية يُخبرها هذه المرة بحقيقة صار يدُركها.. “سليم النجار” لم يعد بحاجة لإمرأة تمتعه بالفراش لأنه أكتفى من هذا الأمر، بل يُريد زوجة حقيقية، زوجة تقاسمه همومه و “فتون” أخيرًا قالتها له، إنها تريد أن تشاركه ألامه.

تلاشى ذلك القناع الذي دومًا يُحاول أرتدائه، فيكفيه تظاهر بأنه بخير

– مش هتتحملي تشيلي همومي يا “فتون” ولا حتى الندوب اللي جوايا.

– إحنا هنتقاسم ده.. محدش هيشيل أزيد من التاني

هتفت بها وقد عاد ذلك الشعور يخترق فؤادها، هي ليست أمرأة للفراش والمتعه بحياة زوجها هي أمرأة كامله ولكن وحدها من تنقص قدرها.

طالعته لثواني وسرعان ما كانت تتمدد فوق الفراش بعدما أسقطت حذائها

– أنتَ دايمًا كنت بتاخدني في ح,ضنك عشان خوفي يقل، خليني أنا أتحمل شويه

اتسعت ابتسامته وهو يراها تتبع حديثها بفتح ذراعيها له، اقترب منها والذهول هذه المرة كان يسيطر على عقله وقلبه يتسأل داخله “هل المياة أثرت اليوم على عقل زوجته”؟.

حض,نها هذه الليلة كان مختلف بل كان مختلفًا تمامًا، غفا وهو يعلم أنها كانت تنتظر فضفضته لها ولكنه كان يحتاج لشعور الراحة وليس الحديث.

حدقت بملامحه بعدما غفا فوق صدرها تدقق النظر في تفاصيل وجهه الوسيم

– أنا مكنتش ضعيفة يا “سليم” .. أنا كنت ست سلبيه.. سلبيه أوي.. الكل بيسعى ينجح حياته ويوصل للراحه وأنا كان عندي حاجات حلوه معاك ضيعتها بغبائي وجيه الوقت إني أصلحها عشانك وعشان ده

اتجهت بكفها نحو جنينها وقد خرج هذه المرة صوتها في همس أشد

– مش هكون سلبيه تاني ولا هخليك تعيش زي طفولتي المشوهه، هعوض معاك كل اللي اتحرمت منه

في الصباح الباكر، فتحت عيناها بصعوبه بعدما شعرت به يُعدل من وضيعة نومها برفق

– “سليم”

ابتسم بتلك الابتسامة التي كانت تداعب شفتيه في الأيام الأولى من زواجهم عندما كان الحب وحده ما يغمره

– نامي يا حببتي، أنا هروح الشركة وهرجع بعد الضهر عشان نتحرك.. حاولي متتعبيش نفسك في الحركه وهخلي “داده ألفت” تجبلك الفطار

التقط شفتيها في بضعة قبلات خاطفة وغادر بعدها أمام نظراتها الناعسة.

اغمضت عيناها براحة تنعم بدفئ الفراش ولم تغفل عيناها عن رؤية تلك المنامة الخفيفة التي ارتدتها بدلًا عن ذلك الثوب الذي غفت به.
أبتسامة حالمة داعبت شفتيها مستمتعه لأول مرة بحض,ن وسادتها العالق بها رائحته.
……

– “سليم”

هتفت بها “ليندا” بعدما انتبهت على مغادرته المنزل وقد استيقظت باكرًا لتلتقي به.
أطرقت رأسها بعدما فركت خصلاتها؛ فهو لم يسمعها أو ربما سمعها ولم يرغب بالرد عليها.

عادت أدراجها حيث كانت تجلس تشعر بالندم لعودتها لوطنها, تتمنى لو كانت عاشت بقية حياتها لا تعرف شيء عن عائلة والدها.

توقفت “السيدة ألفت” على مقربة منها تُراقبها كما أمرها “سليم” رغم تأكدها أن شكوكه ليست بمحلها.

– بتعملي إيه عندك يا “مدام ألفت”

انتفض جسد “السيدة ألفت” فزعًا واستدارت بجسدها تكتم صوت شهقاتها

– أنتِ ليه نزلتي من أوضتك، “سليم” بيه محرج علينا إنك تتحركي

وعادت تلتفت “السيدة ألفت” نحو “ليندا” الجالسة

– والله يا بنتي “سليم” بيه ظالمها، هي صحيح محتاجه تقويم في السلوك وفي اللبس بتاعها بس شكلها غلبان

غادرت تلك الابتسامة التي احتلت شفتي “فتون” منذ أن استيقظت ووقفت جوار “السيدة ألفت” تنظر نحو “ليندا” التي اتكأت برأسها فوق ركبتيها شاردة

– من الصبح قاعده كده، حاولت تكلم “سليم” بيه وهو خارج لكن الظاهر مسمعهاش أو يمكن سمعها

توقفت “السيدة ألفت” عن الحديث تنظر نحو “فتون” تُدرك تمامًا أن حدسها مثلها يُخبرها أن “ليندا” وجودها بينهم ليس إلا بحثًا عن العائلة

– أنا حاسه إنها كويسه من جواها يا “مدام ألفت”

ابتسمت “السيدة ألفت” تنتظر منها تلك الخطوة التي تعلم أنها ستفعلها.

بخطوات متردده تحركت نحوها حتى وقفت قُربها وقد صدمها رؤيتها لها وهي تمسح دموعها

– أنا لست جسوسة في منزلكم “فتون” ، أنا هنا لأنني أريد عائلتي

لم تكن “فتون” تَفيق من صدمتها الأولى من بكائها حتى صعقتها صدمة أخرى

– لأكون هنا معكم دفعت الثمن من جسدي

وسرعان ما كانت تقف وترفع لها قميصها تُريها ماذا تقصد، هنا موضع كليتها اليُمنى.

…

تقبل فكرة ذهابهم لذلك التجمع العائلي المدعوين إليه مُرغمًا؛ فبالكاد استطاع إنهاء تلك المكالمة التي طالت عن الحد اللازم ونظر نحو سكرتيرته التي كبتت ابتسامتها بصعوبة غير مصدقة أن من تراه وهو يُحادث زوجته بذلك الصبر والهدوء هو رئيسها ” كاظم النعماني”

– اضحكي يا “نجاة” لو عايزه تضحكي على مديرك، أنا بقولك اضحكي

ابتسمت “نجاة” رغمًا عنها تَمُدّ له بالملف الأخير الذي عليه التوقيع على بعض أوراقة

– أسفه يا فندم

التقط منها “كاظم” الملف الذي تمدّه له وعلى وجهه ارتسمت علامات التساؤل

– هو أنتوا ليه لحوحين أوي في طلباتكم يا “نجاة” ، ليه بتحبوا تتعبوا نفسكم في نقاش ملهوش فايده إننا نوضح وجهات النظر فيه لأنه ميستهلش

وتابع وهو يضع بتوقيعه الأخير فوق أحد الأوراق زافرًا أنفاسه بضجر

– ماشين بمبدأ لأقنعك أو أقنعك برضوه لكن تقنعني ديه مش موجودة

هذه المرة لم تتمكن من الحفاظ على ابتسامتها ولا تلك الدهشة التي ارتسمت بوضوح في عينيها، فرئيسها على ما يبدو أنه يُعاني مع زوجته التي يعلم الجميع كيف اخضعته للزواج منها، فهل كان أحد يُصدق أن “كاظم النعماني” يتخلى عن عزوبيته من أجل امرأة.

طالعها “كاظم” مُحدقًا بها منتظر سماع وجهة نظرها بجدية صدمتها؛ فهو بالفعل ينتظر سماع جوابها.
كادت أن تتحدث “نجاة” ولكن رنين هاتفه أزال عنها الحرج وجعلها تنسحب بهدوء مبتسمه؛ فالمتصله لم تكن سوا الزوجة التي يُريد أن يعرف رئيسها هل كل النساء مثلها.

– “جنات” عندي شغل، لو مخلصش مش هنروح فخدي بالك أنتِ بتعطليني
تمتم بها فور أن جاب؛ فزمت شفتيها حانقة

– وأنا اللي قولت اتصل واقولك بحبك وكام كلمة حلوه

ارتفع حاجبيه في دهشة وقد ارتخى بجسده للخلف

– طيب وليه الكلام الحلو مكنش في المكالمه الأولى

شاكسها راغبًا في سماع ردها وهو مدرك أنها ستخبره بتلقائية

– ما أنا بعد ما قفلت معاك، لقيت تغريدة على تويتر عن الحب.. فأفتكرتك يا حبيبي، قولت اتصل بيك اقولك بحبك
” إنها ستق,تله يومًا، حتمًا ستق,تله بجنونها”، لم تنتظر ليسألها عن هذا المنشور الذي تتحدث عنه بل أخذت تقرأه له بنبرة هادئة وصوت يتخلله النعاس

– “جنات”

أطبق فوق جفنيه بأسترخاء هامسًا اسمها وتابع بعدما عاد لأرض الواقع بعد توقفها عن سرد كلمات تلك العبارة

– مش عارف ليه حبك ليا بيظهر وأنا بعيد لكن وأنا جانبك مشاغل الدنيا عندك

جحظت عيناها في ذهول من إتهامه تهتف بدفاع بعدما اعتدلت في رقدتها

– أنا يا “كاظم” ..

توقفت عن الحديث تُحدق بهاتفها بعدما أنهى محادثتهم لا تُصدق أنه أغلق المكالمه.

نعتته بجميع الألقاب ولكنها أُوقفت سَلّاطَة لِّسَانِها وهي تُحدق بتلك الرساله المبعوثة منه وسرعان ما كانت تحتضن هاتفها متمتمه

– بتعرف تضحك عليا بكلمتين حلوين يا ابن “جودة النعماني”
…..

حاولت “خديجة” رسم ابتسامتها بصعوبة وقد الجمت لسانها عن الحديث تنظر نحو “أمير” الذي التقط كفها يلثمه أمامهم

– هيكون عندي أميرتين مش أميرة واحده

واتجه بأنظاره نحو “جنات” و “كاظم” متمتمًا بمزاح حتى يُخرس والدته عن أي حديث قادم

– من دلوقتي بقولكم ابنكم ميقعش في غرام بنتي لأنها هتطلع زي مامتها مافيش راجل هيقدر يقاوم سحرها

التمعت عينين “خديجة” بنظرة حملت معها جميع المشاعر ترمي برأسها فوق كتفه وقد امتقعت ملامح “منال” الجالسه تقسم داخلها أن ابنها فقد عقله مع هذه المرأة التي لولا ثرائها ما ارتضت بها عروس له

– “حسنيه” ، أنتِ يا “حسنيه” حضري الأكل

صاحت بها “منال” بعدما نهضت عن مقعدها تستند على عكازها منسحبة من بينهم حتى تحاول ابتلاع حديث أبنها عن زوجته التي تماثل عمر أبنتها “مهيار” التي لديها أبناء يفوقنها طولًا.

بملامح جامدة صوبت نظراتها نحو بطن “جنات” قبل أن تستكمل خطواتها خارج الغرفة.

ارتجف جسد “جنات” بخوف وسرعان ما كانت تحيط بطنها بذراعيها تنظر نحو “كاظم” الذي انشغل بالحديث مع “أمير” ولم ينتبه على نظراتها رغم إدراكه التام لكره “منال” له ولذلك الطفل الذي أضاع جميع أمالها في أن يرثه أولادها.

…

انتهت تلك الجلسة _التي لا تمت لكلمة عائلية بصلة_ أخيرًا

– الست ديه إزاي مريضه كده.

تمتمت بها “جنات” بعدما انتفخت أوداجها بضجر

– للأسف ديه “منال” ويمكن هي اللي هتكون السبب الأساسي في فشل زواج “أمير” و “خديجة”

ضاقت عينين “جنات” في حيرة وصدمة، “فكاظم” وكأنه مُتنبىء بفشل تلك العلاقة

وصلوا أخيرًا للمنزل؛ فترجلت بصعوبة من السيارة وقد اقترب منها يُساندها

– تقلت أوي يا “كاظم” وبقيت شبه البندا

ارتفعت قهقهته وهو يُحاوطها بذراعه

– الحمدلله إنك عارفه يا حببتي

وكزته بكوعها في معدته؛ فتأوه ضاحكًا

– بكره ارجع لرشاقتي ولو قولت عايز عيال تاني ابقي جيبهم لوحدك أنا أنسحبت من المهمه خلاص

صدحت ضحكاته في أرجاء المنزل وقد تعلم معها فنون المشاكسة.

ابدلت ملابسها بصعوبة باتت ترافقها مؤخرًا حتى جلست فوق الفراش تمدّ ساقيها وتلتقط هاتفها.
وكما وعدتها “فتون” نفذت الأمر وبعثت لها بتلك المقاطع التي ألتقطها في خِطبة شقيقتها.

جميع الفتيات يرقصون حتى “ليندا” التي ذهبت مع “فتون” و “سليم” للبلده تُحاول الرقص مثلهم وبينهم.

مقطع وراء مقطع يُرسل لها ويزيدها حماسًا نحو الأمر

– لا أنا مش قادرة أنا محتاجه أرقص زيهم، عندي طاقه سلبيه بسبب ريّا هانم قصدي “منال” هانم

تمتمت اسم “منال” بمقت واعتدلت في رقدتها تضع بيدها فوق بطنها المنتفخة

– مش عارفه ليه حاسه إني هولد النهاردة..

دقائق مرت وهي تتخذ قرار النهوض لترقص كحال شقيقات “فتون”
ومع تحريك خصرها يمينًا ويسارًا على نغمات تلك الغنوة الشعبية كان صوت “كاظم” يُصدح عاليًا في صدمة

– أنتِ بتعملي إيه يا مجنونه؟

اقترب منها يزيل تلك الرابطه التي تحزم بها خصرها وقد تناثرت حبات العرق فوق جبينها وارتفعت أنفاسها

– كنت عايزه ارقص، فرقصت..فيها إيه؟

رمقها بنظرات حانقة يُحرك كفه فوق خصلاته في يأس

– فيها إيه؟ ، فيها إنك كلها أيام وتولدي

ازدردت لعابها وقد أشتدت تلك الض,ربات التي تشعر بها منذ الصباح ولكنها لم تكن بتلك القوة.

ملامحه الواجمة ونظراته التي احتلها الحنق جعلتها تضغط فوق شفتيها بقوة تكتم صرختها ولكنها في النهاية انفلتت عن شفتيها فتعالت صرخاتها بقوة.

الفصل الواحد والثمانون
***

لقطات من المَشاهد تجعلك تتأكد كيف كُنت أحمقًا، كيف كانت الصورة واضحة ولكنك تغافلت عنها،
والجواب لأنك اخترت أن يُحاصرك ضعفك وماضيك البائس.

تعلقت عيناها به بنظرة حملت مزيج من المشاعر بعدما وكزتها “ليندا” بكتفها حتى تلفت انتباهها على ذلك المشهد المُضحك من وجهة نظرها.

– والدتك ماكرة “فتون” تتباهى بـ “سليم” بين صديقاتها، أنظري إنها تسحبه نحو إحدى النساء اللاتي يُحركنّ شِفَاههُنّ بطريقة غريبه.

توقفت “ليندا” عن الحديث حتى تُحرك شفتيها كتلك المرأة وسرعان ما كانت تمط شفتيها معترضة

– لا أستطيع فعلها، حتى هز خصري مثلكن أفشل فيه.. إنني محبطه “فتون”.

حاولت “ليندا” تحريك شفتيها مُجددًا ولكن محاولاتها باءت بالفشل؛ فزفرت أنفاسها بقوة تنظر نحو “فتون” التي وقفت تُحدق بـ “سليم” بذهن شاردة ظنته “ليندا” هيامًا وعشقًا ولكن العشق كان ممتزج بالندم.

– بدلًا من أن تحملقي به أذهبِ إليه، لو كان زوجي لألتصقت به كالعلكة ولفعلت أمور عديدة معه…

اتسعت أعين “فتون” بعدما اجتذب سمعها تلك العبارة التي تعلم أنها بالنسبه لـ “ليندا” لفظًا عاديًا؛ فـ “ليندا” متحررة في ألفاظها ورغم حنقها من أفعالها الهوجاء منذ أن وطئت قدميها البلدة، لكنها لا تُنكر أنها بالفعل ودودة.

– انظري “فتون” هذه المرأة تنظر لـ “سليم” وتلتهمه بعينيها

أشاحت “فتون” نظراتها عنها سريعًا وتناست ما كادت أن تُخبرها به وهي تُسلط أعينها نحو “سليم” وسرعان ما كانت تندفع نحوه، فهذه المرأة ليست إلا إحدى النساء الماكرات في قريتهم بل وهي من جلبت لها “حسن” وكانت السبب في تعاستها.

اجتذبته بعيدًا عن والدتها التي وقفت تتفاخر به أمام نساء القرية وكم هي محظوظة بزوج أبنة مثله.

– مالك يا “فتون” بتسحبيني كده ليه..

هتف بها متعجبًا من جذبها له خارج قاعة الاحتفال التي رغم مساحتها اكتظت بالمدعوين.

تسارعت أنفاسها بحنق وهي تتجه بأنظارها لداخل القاعة دون أن تجاوبه، وقد أصبحت النظرات نحوها وها هي والدتها قادمة إليهم.

– مش معقول تكوني سحبتيني وراكي قدام الناس بالمنظر ده عشان ممدش أيدي وأسلم على مدام “سحر”.

عيناها لم تعد مسلطه نحو خطوات والدتها و نظراتها الزاجرة لها – لتعود بزوجها لداخل القاعة حتى تُكمل فقرة تباهيها بِه أمام الناس – بل صارت تُحملق به بنظرات غاضبة، نظرات جعلته راغبًا بالضحك عاليًا؛ فالصورة باتت واضحة.

– لو سيبتك تسلمّ على كل الناس، الست دي لأ.

لم تنتظر حتى يُفكر ويتسأل عن السبب وسرعان ما كانت تصدمه بفعلتها وهي تسحبه خلفها ثانية هاربة من والدتها التي لولا اجتذاب أحدهم لها بالحديث لكانت اكملت سيرها نحوهم.

لم تعد الدهشة تحتل ملامح “سليم” بل انفلتت ضحكاته بقوة ينظر نحو يدها التي تقبض على ذراعه مستمتعًا بهمسها الخافت لحالها.

– مبقاش فاضل حد من أهل القرية إلا وعرفتك عليه، فاضل الأطفال تقولهم ده جوز “فتون” بنتي.

– مش عيب يا “فتون” نسيب الحجة “عبله” كده لوحدها، تقول عليا إيه حماتي الغاليه دلوقتي.

تمتم بها “سليم” بعدما أشاح عيناه عنها حتى يعود لهيئته الجادة ويتوقف عن الضحك؛ فكل ما صار يحدث معه منذ وصولهم القرية لم يكن بالنسبه له إلا “دراما فكاهية” . فجميع من بالقرية صاروا يُلقبونه بزوج “فتون” ، “سليم النجار” أصبح يُنعت بزوج “فتون”
يالها من أُضحوكة ولكنه في النهاية ليس ضجرًا لأنه يعلم تماماً تفاخر أهل “فتون” به حُبًا ورغبة في إخراس ألسنة الكثير عن حال أبنتهم التي تركوها تعيش في العاصمة ظنًا أن زواجها بأحد الأثرياء ليس إلا أُكذوبه أو ربما زيجة عُرفية يخفيها الزوج عن الأعين.

حاولت التقاط أنفاسها وقد انتبهت على ابتسامته المتسعة بعدما عاد ينظر إليها

– حضرتك مبتسم وسعيد عشان كل الستات شيفاك ولا كأنك خارج من مجلة أزياء.

– مجلة أزياء؟

حركت رأسها تؤكد على ما هتفت به وقد أزداد استياءها وهي تتذكر أحاديث نساء قريتها عليه، “فتون” ابنة “عبدالحميد” الفقير من سبق لها الزواج، تتزوج برجل كهذا!

اجتذبها إليه ينتشلها من ذلك الضجيج الذي عاد يخترق تلك النقطة التي تُحاول الشفاء منها، فهي ليست بالقليلة، “سليم” أحبها لأنها تستحق أن تُحب وتجد رجل رائع مثله.

– وأنتِ زعلانه عشان الناس مبهورة بجوزك، المفروض يا حبيبتي تقفي جنبي وترفعي راسك.

– مبعرفش أعيش الدور على الناس يا “سليم” ، مبعرفش أقف واتباهى باللي في أيدي..

زفرت أنفاسها – التي صارت معبئة برائحة عطره- بثُقل وهي بين ذراعيه.

– أنا زي ما أخواتي بيقولوا مع إني أكبرهم لكني أخيبهم.

ابعدها عنه مُستنكرًا عبارتها؛ فهي ليست بهذا الوصف هي بالفعل أطيب شقيقاتها، يراها تُشبه والدها أكثر.

– أخيبهم !! بقى زوجة “سليم النجار” تقول على نفسها كده.

– “سليم” هو أنا أخر مره قولتلك بحبك كانت أمتى.

خرجت قهقهاته عاليًا غير مصدق ما تتسأل عنه وسط حديثهم هذا.

– تقريبًا يا حبيبتي بقيتي تقوليها كتير وأنا مبقتش أعد كام مره قولتيها، لكن خليني أفكرك إزاي اتقالت وأمتى.

بنظرات التمع بهما المكر والعبث وصوت مداعب أخذ يُذكرها بقبلتها له هذا الصباح.

– يعني يوم ما تحني عليا وتقرري تبوسيني بوسة مش بريئة يكون في بيت أهلك، وانتوا عندكم مافيش رجاله تبات جنب ستاتها.

ارتفعت صوت ضحكاتها مُرغمة وسرعان ما رفعت يدها نحو شفتيها تُكمم فاهها.

– عوايد وتجاليد يا “سَليم باشا”.

ارتفعت قهقهاته هو الأخر وهو يراها تهتف بلكنتها

– تعرفي أنا حبيت بلدكم جوي جوي.

ارتفعت ضحكاتهم سويًا متناسين كل لحظة عكرت صفو حياتهم وكأنهم كانوا بحاجة لأبتعادهم قليلًا.

– “فتون” ألحقي الخوجاية قلبت الفرح كباريه وبترقص مع كل راجل شويه حتى خطيب أختك “دعاء” مسلمش منها..

لم ينتظر “سليم” سماع المزيد من الصغير – شقيق “فتون”- وأندفع لداخل القاعة ينظر نحو مكان وقوفها فوق أحدى الطاولات تتراقص وقد أخذ الجميع يُحملق بجسدها الذي صار ظاهرًا بعدما أزالت عنها معطفها.
…..

“الولادة متعسرة”

عبارة نطقت بها أحدى الممرضات ثم أسرعت عائدة لغرفة العمليات.

اختفت الممرضة خلف الباب الذي أُغلق خلفها أمام نظراته التي صارت جامدة وقد سُلبت بقية أنفاسه مع شدة الإنتظار.

أسرع “أمير” إليه بعدما التقطت أذنيه عبارة الممرضة أيضًا وقد تعجب في البداية من صمت شقيقه وسرعان ما كان يرتفع صوته في هياج راغبًا بمعرفة ما يحدث لزوجته بالداخل، يُقسم لو أصابها مكروهًا سيغلق لهم المشفى.

– اهدى يا “كاظم” .. حاول تهديٰ “جنات” قوية وهتقوم بالسلامه صدقني.

– أهديٰ إزاي، ديه بقالها ساعه جوه أوضة العمليات.

وقف “أمير” يُحدق به بعدما نفض عنه “كاظم” ذراعه وابتعد قليلًا مُحاولًا إلتقاط أنفاسه.

ارتفعت أنفاس “خديجة” من شدة القلق تنظر نحوهما تضم بطنها بذراعيها تهتف بالدعاء لها ولطفلها.

وقف “أمير” في منتصف الردهة حائرًا وهو ينظر نحو “كاظم” الذي اشاح وجهه بعيدًا عن أنظاره وفي داخله كان يعلم أن “كاظم” يُقاوم ذرف دموعه.

– “كاظم”

هتف بها “جلال” الذي اتجه نحو “كاظم” بعدما ألقى بتحية سريعة على “أمير” ينظر نحو صديقه رابتًا على كتفه.

– هتقوم بالسلامه وهتخليني عم لا وكمان هتخليني أغير منك واعملها تاني واتجوز.

حاول “جلال” المِزاح ببعض الأحاديث حتى يُهون عليه ولم تمر الدقائق إلا وكانت بقية العائلة تتجمع في رُدهة المشفى..

علامات السعادة ارتسمت فوق ملامح “منال” وهي تستمع لحديث “خديجة”- الجالسة مع أبنتها “مهيار”- عن صعوبة ولادة “جنات”.

– مكنتيش جيتي يا “خديجة” المستشفى، شايفه وشك بقى أصفر إزاي.

انتبهت “منال” على بقية حديثهم تنظر ل “خديجة” التي ظهر على ملامحها علامات التعب والخوف وسرعان ما كانت تهتف.

– هي فيه واحدة حامل تيجي تحضر ولادة، ولا مش خايفة على بنت ابني… ما لو هتجيبي غيرها نقول ماشي لكن يا حسره عليك يا ابني مش هتشوف غير البنت ديه.

هتفت “منال” بحديثها غير عابئة بشيء تُشيح عيناها بعيدًا عن نظرات أبنتها اللائمة.

حاولت “مهيار” أن تُلطف الوضع بعد رؤيتها لملامح “خديجة” التي ابتلعت حديثها في صمت تضغط فوق شفتيها بقوة.

– “خديجة” أنتِ عارفه ماما يعني..

حاولت “خديجة” رسم ابتسامة مصطنعة فوق شفتيها تنظر لكف “مهيار” الذي وضعته فوق كفها

– محصلش حاجة يا “مهيار” ، “منال” هانم بتقول الحقيقة اللي اخوكي عارفها وكل الناس عارفاها أنا مش هعرف أخلف تاني عشان سِنّي خلاص كِبر.

انتقلت نظرات السيدة “منال” لها غير مهتمه بتعليقها و سرعان ما أصاب ملامحها الجمود وهي تراها تنهض وتتجه بخطوات بطيئة نحو ابنها الذي أسرع بلهفة نحوها يتحسس بطنها المنتفخة برفق ويضمها إليه وكأنه لا يرى أمامه إلا هذه المرأة.

مصمصت السيدة “منال” شفتيها تنظر نحوهم متجاهلة حديث أبنتها وهي تنهرها عن حديثها الذي سيجعل “خديجة” تنفر من لقائهم وربما تجعل أمير يُغادر مصر بعد ولادتها ويبتعد عنهم.

– ولا كأنها سحراله

– أنتِ مش هترتاحي غير لما تخليه يبعد عنك، مش ديه “خديجة النجار” اللي كُنتِ فرحانه إن ابنك اتجوزها.

هتفت “مهيار” بها وقد ازداد حنقها من والدتها التي لم تعد تعرف بما تُفكر.

– كُنت فاكراها هتعليّ اخوكي معاها لفوق وتمسكه شركه من الشركات اللي عندها لكن دي طلعت ناصحة، رسمت على ابني و كلت عقله، اه يا نا,ري شباب ابني يتسرق مع واحده زيها.

– أنا مش عارفه أنتِ بتفكري إزاي، كل حاجة عندك لازم يكون ليها مقابل، “خديجة النجار” تحبيها لو “أمير” وصل لأحلامك بفلوسها.
“كاظم” تعتبريه ابنك زينّا طول ما مغرقك في فلوسه والعز لكن لو قفل الحنفية شوية يبقى وحش.

– آهو جات اللي سرقت كل حاجه وهتجبلوا الوريث.

عاد الحقد يتغلل قلب “منال” تتمنى من كل قلبها ألا ينجو هذا الطفل.

صدح صِياح الفرح بين الواقفين وقد أخذ الجميع يُبارك لـ “كاظم” بما أعطىٰ الله له.

– مُبارك يا أبو “عبدالرحمن”.

صاح بها “أمير” الذي أحتضن “كاظم” بقوة وقد التمعت أعين “خديجة” بالعشق نحوه وهي ترى سعادته بطفل شقيقه عكس تلك المرأة التي لا تعرف كيف تصفها.

ضاعت كل أمال “منال” وهي تستمع لتلك المباركات.
……..

ألقى حقيبة سفره بإرهاق وقد اتجهت عيناه – فور دلوفه للغرفة- نحو الفراش.

داعبت شفتيه ابتسامة دافئة وهو ينظر إليها في شوق ولهفة رغم غيابه ليلتين فقط.

أوراق هنا وهناك فوق الفراش وفوق الأريكة ومنها مُلقى فوق أرضية الغرفة.

انحنى بجسده قليلًا يلتقط واحده يُدقق النظر فيها.

عيناه اتجهت نحوها وهي تتقلب فوق بعض الأوراق ورغم أرهاقه ورغبته بالتسطح وأخذها بين ذراعيه والنوم إلا أنه أخذ يُجمع تلك الأوراق التي يعلم بأهميتها بالنسبه لها؛ فكل ما بها يَخُص مشروع – والدها القادم – بناء إحدى المدارس الاستثمارية.

وضع الأوراق جانبًا وتخلى عن سترته و قميصه وسرعان ما كان يندس جوارها يُلثم شفتيها بقبلة صغيرة هامسًا إليها.

– حبيبتي اللي بتكون منحرفه في التليفون بس وتفضل توعدني بليالي حلوة وبعدين أرجع ألاقيها نايمه بالبيچاما وواخده الورق بالح,ضن.

– “رسلان”

فتحت عيناها بصعوبة تنظر إليه بتشوش متسائلة وهي ترفع كفها نحو خده.

– “رسلان” أنت معايا في الحلم مش كده.

– أكيد يا حبيبتي.

اجابها بنفس همسها حتى لا تستيقظ وتسأل بعبث راغبًا بمعرفة وضعه بحُلمها؛ فهل سيكون محرومًا أيضًا في أحلامها.

– قوليلي يا “ملك” بعمل إيه معاكِ في الحلم.

ابتسمت إليه ابتسامة واسعة افقدته عقله.

– شكل دوري في الحلم حلو أوي.

حركت رأسها بإيماءة صغيرة وبعدها اغمضت عيناها عائدة لسُباتها.

– “ملك” ، “ملك” .. ديه نامت.

تمتم بها حانقًا وسرعان ما كانت تُزيحه من فوقها بعدما انتفضت من غفوتها تبحث عنها

– “رسلان”

– أه يا مناخيري بقى ديّ أخرتها مردتش أخد طياره بكره وقولت أجي لح’ضن مراتي وفي الاخر اطلع بعاهة.

لم تتركه لتأوهه؛ فاسرعت تندس داخل أحضانه.

– أنت بجد مش حلم.

– حبيبتي بعد كل الدراما ديّ وتقولي حلم.

احتضنها بقوة حتى يؤكد لها حقيقة وجوده جوارها.

– وحشتيني يا “ملك”

لم يُمهلها لتُخبره عن شوقها بحديث يعرف أنها تُجيده أكثر منه؛ فشوقه لها كان أكبر من مجرد حديث.

يديه عرفت طريقها كحال شفتيه، يهمس لها من بين قبلاته.

– قوليلي بقى الحلم أحلى ولا الحقيقة.
……….

ابتسمت “جنات” بضعف بعدما ودعتها السيدة “صباح” وأخبرتها أنها ستأتي إليها صباحًا حتى تكون معها أثناء خروجها هي والصغير.

– طيبة أوي الست “صباح “.

تمتم بها “كاظم” بعدما دلف الغرفة واقترب منها يُمسد على خصلاتها برفق.

– لو كنت مو,ت يا “كاظم” كنت هتتجوز عليا.

لثم جبينها بعدة قُبلات وابتعد عنها بملامح واجمه أخفاها بابتسامة عابثة.

– أكيد يا حبيبتي.. ما أنا جربت العسل معاكِ فهدور على نحلة تانية.

– نعم!!

خرج صوتها عاليًا؛ فاشتد الألم عليها وقد تقهقر للخلف مصدومًا ينظر إليها.

– هو في حد معانا في الأوضة، حاسس إني سمعت صوت غريب.

– “كاظم” ..

تأوهت بقوة تضع بيدها فوق جر,حها، وبنظرة حملت معها لهفة صاحبها أسرع صوبها.

– قولتلك بلاش حركة ، هروح أشوف الدكتور.

ابتعد عنها ولكنه توقف مكانه وهو ينظر لموضع يدها فوق ذراعه.

– برضوه مقولتليش لو مو,ت كنت هتتجوز عليا وتجيب لأبني مرات أب شريرة زي مرات أبوك.

– بتحبي دايمًا جُرعة النكد يا “جنات” ليكِ وليا.

التمعت عيناه بدموع جاهد في إخفائها حتى لا يَظُن أحد أنه بات ضعيفًا ولكن هو بالفعل صار لديه نقطة ضعف بعدما أقسم ألا يجعل الحُب هو نقطة ضعفه.

جاورها فوق الفراش ودون أن يُضيف حديث أخر أجتذب يدها برفق نحو قلبه.

– وتفتكري كُنت هقدر أكمل من غيرك، أنتِ مش كنتِ هتسيبي ابني بس يتيم كنتِ هتسبيني أنا كمان يا “جنات”.

اختنق صوته وهو يُخبرها بالحقيقة التي صارت مؤلمة بالنسبه إليه، لأنه لم يكن يُريد أن يصل يومًا لهذا الشعور.

– أنا آسفة يا “كاظم”.

تمتمت بها ترفع كفها لتمسح تلك الدمعة التي خانته وانسابت فوق خديه.

– لو هعيش نفس الشعور اللي عيشته ده .. مش عايز أطفال تاني يا “جنات”

نهض من فوق الفراش مؤكدًا عليها ما قرره بالفعل ولن يسمح لها بالجدال معه.

– تشوفي إيه وسيلة منع الحمل المناسبة وتاخديها لأن لو حصل حمل تاني.. هخليكي تهزي وسطك كويس.

جحظت عيناها من الصدمة بعد تحول حديثه؛ فهذا الرجل سيُصيبها بالجنون!

– ولا كلمة عايز اسمعها منك، جنونك ده اللي وصلنا لكده، خلتيني أعيش أسوء ليلة عيشتها في عمري كله.

عادت نبرة صوته تنخفض وهو يتذكر تلك اللحظات التي مرت عليه.

– “كاظم” أنا كويسه قدامك آهو ، وكمان فين القُبلات المشبعة باللهفة اللي قريت عنها.

نظرت إليه بعدما هتفت بعبارتها ثم مطت له شفتيها منتظرة منه قُبلاته.

– قُبلات وفي المستشفى يا “جنات”.

– بضعة قُبلات لا تَضُر يا “كاظم”.

تمتمت بأعين قد أثقلها النُعاس ثم سقطت في غفوتها ناسية تمامًا أمر قبلاتها التي تَضُر.

….

فتحت عيناها دون لهفة لبداية يوم ظنته حينَّ يأتي ستكون فيه سعادتها.

اليوم هو أول يوم لها بالجامعة التي ألتحقت بها بأمواله، فقسم الترجمه الذي صارت ضمن طُلابه لا يتم دخوله إلا بمصاريف خاصة.

نهضت بفتور من فوق الفراش غير راغبة بالذهاب؛ فلم تعد ترغب بالإختلاط بالغرباء.. فقوقعتها على حالها قد ازدادت و أضحت تتجنب الحديث معه، حتى السيدة “سعاد” لم يَعُد بينهم أحاديث مِثل السابق.

التقطت الملابس التي جلبها لها وكل شيء ستحتاجه كطالبه في أول يوم لها بالجامعة.

في الحقيقة لم يكن هذا اليوم الأول، لقد مضى على بداية العام الدراسي أسبوعان أو ربما أكثر.

بضعة طرقات خافته طرقت بها السيدة “سعاد” على باب غرفتها ثم دلوفها ولكن اليوم كانت يديها فارغة من صنية الفطور التي كانت تأتي بها يوميًا بعدما صارت “بسمة” تتجنب الخروج من غرفتها.

التقطت السيدة “سعاد” نظراتها المندهشة واقتربت منها وهي تنظر إليها من أعلى إلي أسفل بتقيم.

– ألبسي حاجه في رجلك من غير كعب عشان حركتك.

تمتمت بها السيدة “سعاد” وقد تحولت نظرات “بسمة” من الدهشة للغرابة ؛ فالسيدة “سعاد” تتحدث معها خِلاف الأيام الماضية كانت تضع لها الطعام وتُغادر في صمت.

– فين قلم الكُحل، كحلي عينك بتكوني حلوه في الكُحل.

لم تنتظرها السيدة “سعاد” لتأتي بقلم الكُحل بل اتجهت تبحث عنه وسط أغراضها.

– مالك مستغرباني ليه يا “بسمة” ، ما أنا من ساعة ما جيتي البيت ده وأنا بعاملك كأنك بنتي اللي مخلفتهاش.. هي الأم مش من حقها تزعل من بنتها لأنها خبت عليها وخليتها زيّ الغريبة.

انسابت دموع “بسمة” ؛ فهي لم تكن تقصد أن تجعلها في تلك الصورة.. لكنها كانت أكثر من يعلم أنها لا ترى علاقتها بـ “جسار” مُلائمة؛ فبماذا كانت ستُخبرها؟

– صدقيني يا دادة أنا مكنتش عايزه أخبي عليكِ ، لكن كنت هقولك إيه.. أنا و “جسار” بيه..

وقبل أن تُكمل عبارتها تمتمت السيدة “سعاد” بابتسامة حنونه.

– خلاص يا بنتي خلينا ننسى اللي فات، الأم مينفعش تفضل زعلانة من ولادها كتير رغم إنهم كانوا المفروض يصلحوها.

لم تتحمل “بسمة” سماع المزيد من عتاب السيدة “سعاد” وخاصة أن دموعها بدأت تنساب رغم محاولاتها حتى لا تبكي.
أندفعت نحوها تحتضنها أسفة على خُذلانها.

– أنتِ عارفه يا داده أنا بحبك أد إيه، أنتِ عيلتي.. مش هقدر أشوفك زعلانه منىّ .. أنا هسيب البيت وهمشي من هنا مش عايزه لما أبعد تكوني زعلانه منيّ.

ابتعدت عنها السيدة “سعاد” وقد ألجمتها الصدمة من حديثها؛ فعن أي بُعد تتحدث.

– تمشي تروحي فين أنتِ واللي في بطنك.

طالعتها السيدة “سعاد” تنتظر جوابها وقد صارت الأمور واضحة بالنسبة لها.. وسرعان ما كانت تلطم صدرها غير مصدقة ما طرء داخل رأسها.

– لأ، لأ “جسار” بيه ميعملش كده.. اوعي تقوليلي إنه أخدك غصب عنك.

تعالت شهقات السيدة “سعاد” عندما نسجت وربطت الأمور ببعضها، فالسيد يُحاول تصليح الوضع وهي راغبة بالرحيل.

– ردي عليا يا “بسمة” ، “جسار” بيه اغت.صبك.. لا مش قادرة أصدق.

تهاوت السيدة “سعاد” فوق الفراش تلطم فوق فخذيها.

– أخص عليك يا “جسار” يا بني..، ده أنت يابني العيبه مش بتطلع منك.

انخرطت السيدة “سعاد” في ندبها لِمّا ظنته قد حدث تتسأل وتُجيب على حالها عن السبب الذي دفع رب عملها لفعل ذلك الأمر الشنيع.

– ماهو ده اللي كُنت خايفه منه يا بنتي، أنتِ صغيره وحلوه وهو راجل مطلق.. معقول يعني الشيطان مش هيغويه.

شعرت “بسمة” بالدوار بعد تدفُق حديث السيدة “سعاد” الغير مترابط على عقلها، فتارة تلومه هو على ما حدث بينهم وتارة تلومها هي لأنها اغوته وفتنته ولولا معرفتها بخِصال السيدة “سعاد” وحُسن نيتها لظنتها تُلقي بالكلام عمدًا.

– داده أنتِ فهمتي كلامي غلط، “جسار” بيه مغتصبنيش.

أخترقت الكلمة أذنيّ السيدة “سعاد” وقد توقفت عن الحديث مع حالها ترفع عيناها نحوها متسائلة بعدم تصديق.

– بجد يا بنتي.. أنتِ وهو يعني الموضوع كان بينكم بالتراضي.

حركة “بسمة” رأسها بخزي وهي تتذكر تلك الليلة؛ فهي بالفعل سلمت له حالها برضاها بعدما أخبرها أنه لم يَعُد يستطيع تحمل رؤيتها دون لمسها والمقابل سوف يدفعه لها بعدما ينالها.
لم تنتظر السيدة “سعاد” كعادتها سماعها واسرعت تنهض من فوق الفراش متمتمه.

– ما دام ده حصل بالتراضي، يبقى مش عايزه اسمع كلمة اسيب البيت وأمشي..

وسرعان ما أخذت تَلطُم جبهتها مُتذكرة ما صعدت لأجله.

– شوفتي الكلام أخدنا إزاي.. البيه مستنيكي تحت على الفطار.

القت السيدة “سعاد” بنظرة سريعة مجددًا على هيئتها.

– كده أنتِ جاهزة.. شوفي هتاخدي إيه معاكِ في شنطتك ويلا في أيدي.

– دادة أنا..

وفي قانون السيدة “سعاد” لا مزيد من الأحاديث ما دام أنها قررت أن تكون داخل الحكاية.

وضعت لها أغراضها سريعًا داخل حقيبتها وجلبت لها الحذاء المناسب حتى ترتديه ولم تُعطيها فرصة للإعتراض بل أسرعت في جذب ذراعها نحو الأسفل
……

زفر أنفاسه بقوة ينظر نحو ساعة معصمه؛ فقد مر أكثر من نصف ساعة ومازالت السيدة “سعاد” بالأعلى.

– مش معقول هنفضل كده.

تمتم بها “جسار” يُخاطب حاله، فحتى الحديث مع الطبيبة النفسية رفضته وعادت لقوقعتها بعد تلك الليلة التي علمت فيها بخبر حملها .

توقف صوت ذلك الضجيج الذي صار يخترق أفكاره واستدار بجسده في لهفة ينظُر نحو الدرج
رغم شعوره بالألم لرؤيتها تتهرب من نظراته المصوبة نحوها بكل لهفة وشوق.

التقطت السيدة “سعاد” نظراته وابتسمت وفي داخلها صارت تتمنى قُربهم وستسعى جاهدة ليحدث هذا.

انسحبت السيدة “سعاد” بعدما وضعت جميع أطباق الفطور أمامهم وقد كَتم “جسار” ابتسامته بصعوبة.

– دادة “سعاد” من هنا ورايح مش هتهتم غير بيكِ.

تمتم بها حتى يجتذبها بالحديث ولكنها تجاهلت حديثه وصوبت أنظارها نحو الطاولة.

زفز بقوة مما جعلها تلتفت إليه تسأله بلهفة.

– في حاجه بتوجعك.

تعلقت عيناه بها يهتف بوجع صار يُثقل كاهله.

– لو على الوجع الجسدي فأنا مريت بأكتر من كده لكن لو على وجع قلبي فأظن الذكريات بتتعاد من تاني بس المرادي أنتِ وابني موجدين لكن مش عارف أطولكم وخايف أصحى في يوم ألاقيكي مشيتي وسبتيني.

اشاحت عيناها عنه؛ فهي كل ليلة – منذ عادت له- تستيقظ راغبة بالفرار ولكنها تتراجع عن قرارها مُتذكرة أنه بحاجة إليها.

حاول تحريك مقعده يضغط فوق شفتيه بقوه حتى يتحمل ألم عظامه.

– لو مش عايزه الطفل يا “بسمة” أنا مش هقدر اغصبك.

حاول إخراج صوته في ثبات وقد احتل الجمود ملامحه ولكن سرعان ما تحولت ملامحه لأخرى حملت أمل صاحبها.

– أنا عايزه الطفل مش هتخلى عنه.

رفرف قلبه بسعادة حقيقية؛ فعلاقتهم- كما أخبرته الطبيبه- لا تحتاج إلاّ لوقت، وقت سيكون كافي لمداواة جروحها.

حاول اجتذابها بحديث أخر، حديث يعرف أنه سيكون له تأثيرًا عليها.

– عندك محاضرة بعد ساعة، فألحقي أفطري عشان أوصلك.

طالعته تستعجب معرفته بأمر محاضرتها، فكيف له أن يعرف.

– بعد ساعة، هو..

لم ينتظرها لتُكمل بقية حديثها واجتذب تلك الورقة المدون بها جميع محاضراتها.

– ديه محاضراتك، و أول ما هنوصل الجامعه هعرفك على “ليليان” بنت الدكتور “أحمد” ، هيكون دكتورك في الجامعه

لم تكن تَظُن أنه بالفعل سيذهب معها للجامعه، وقد أوصلهم السائق حتى تلك الفتاة كانت تنتظر قدومها خارج الحرم الجامعي لمعرفتها بحالة “جسار” وصعوبة تحركه.

كل شيء مر عليها هذا اليوم وكأنه حُلمّ ؛ وها هي تدلف للمنزل بعدما عاد بها السائق بملامح مُشرقة، ولكن قد لفت أنتباهها شىء بالخارج و صوت أَتي من غرفة مكتبه يؤكد لها هوية صاحبة السيارة المصطفة بالخارج.

– مش عارفة أبطل أحبك، أنت محتاج زوجه زيّ .. أنت مش محتاجها هي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *