لمن القرار بقلم سهام صادق ج 12
الفصل الخامس والخمسون (1)
*******
ضاقت عيناه في قلق وهو يرى الشحوب يحتل ملامحها، تزدرد لعابها وهي تُطالعه بعدما ازاحت عيناها عن هاتفها
شعر بالحيرة من تلك النظرة التي خاصته بها، ثم محاولتها لضبط أنفاسها
– جنات
خرج صوته مجدداً في حيرة، يُسرع في إحاطة خصرها بذراعه وقد أصابه القلق
– أنتِ تعبانه، لو تعبانه قوليلي نروح المستشفى فوراً
استمرت في تحديقها به ، تسترجع ذاكرتها نحو تلك الليلة التي وضع فيها نقطة النهاية لعلاقتهما
– جنات أنتِ سمعاني
صوته كان بعيداً رغم قربه الشديد منها ، عقلها كان يدور هنا وهناك حتى شعرت بلمسة خفيفة تلطم خدها
اطبقت فوق جفنيها بقوة حتى تفيق من دوامة أفكارها وببطئ اخذت تبتعد عنه تُشيح عيناها عنه هاربة من نظراته
– أنا بخير
رمقها بنظرة فاحصة ليتأكد أنها أصبحت بالفعل بخير
– بخير إزاي وأنتِ مش عارفه تاخدي نفسك وتتحركي خطوتين قدام
خرج صوته بقوة وعاد يجتذبها نحو الفراش ليُجلسها عليه،جثى فوق ركبتيه أمامها يلتقط كفيها يُدلكهما متسائلاً
– أكلتي أخر مرة أمتى، ولا طبعا إنشغلتي في تحضير الأكل وترتيب الشقه، أنا مش عارف إيه حبك لدور ست البيت اللي ظهر فجأة ده
صاح بعبارته متذمراً وهي كانت جالسة أمامه ساكنه تنظر إليه مدهوشة من فعلته، كاظم يجلس أمامها بتلك الوضيعة ويهتم بها
حاولت نفض عقلها تنهر قلبها على سكونه
– ما أنا فعلا ست بيت يا كاظم، طول عمري بخدم نفسي بنفسي.. أنا متولدتش هانم زيكم
توقفت يديه عن عملهم بعدما اخترقت الكلمات أذنيه، تعلقت عيناه به يرى نفس نظرة التهكم في عينيها، نظرة بات يمقتها
انتبه على وضع جلوسه، فالجمته الصدمة
فكيف لم ينتبه على حاله وجثى على ركبتيه هكذا أمامها والقلق ينهش قلبه عليها، مجرد أن رأها شاحبة الوجه قليلًا
انتفض كالملسوع من أمامها، فاعتلت شفتيها ابتسامة ساخرة
كاظم النعماني قد فاق على حاله، وادرك فداحة خطأه
– شايف إنك بقيتي كويسة
تمتم بعدما استدار بجسده كلياً عنها، لا يُصدق أنه ضرب بقرارته عرض الحائط بعدما كان متخذ قراره بأن يُعاملها بجفاء إلى أن يعودوا للوطن ويُطلقها فهو أقوى من حاجة جسده وقلبه الخائن الذي بات يميل لها
ربكته كانت واضحة، كاظم يُقاومها ولكنها هذه اللحظه لم يكن عقلها إلا مع شئ واحد ماذا سيحدث إذا كانت حامل منه؟
هل سيأخذ الطفل منها كما هددها يوماً؟
رنين جرس الباب افاقها من شرودها، كما أفاقه هو من صراعه مع نفسه
أسرع في خطواته مغادراً الغرفة ثم تعالت الأصوات بالخارج، فعلى ما يبدو أن الشقيق قد أتى أخيراً؟
زفرت أنفاسها عدة زفرات حتى تُهدئ من روعها و تُطمئن حالها, بأنها ليست حامل وأن التأخير ليس إلا أيام معدودة تحدث في العادي معها كلما أصابها التوتر
خرجت من غرفتها وهي على يقين أن الشقيق الصغير سيكون كباقي أفراد العائلة، فالقاء الأول بينهم جعلها تتنبأ كيف ستكون الزيارة ثقيلة ولكنها ستتجاوزها كما تجاوزت الكثير
– لا الورد ده مش ليك ولا الشيكولاته، ده لمرات أخويا عشان أرحب بيها بدل اللقاء الأول
هتف بها أمير مبتسماً وهو يُطالع كاظم الذي جز على أسنانه بقوة من أفعال شقيقه الدرامية
أشرقت ملامح جنات وهي ترى ما يحمله من أجلها بل ويدعوها بزوجة أخيه عكس باقية العائلة الكريمة ومن بينهم زوجها المصون الذي لم يراها زوجة إلا مؤخراً بعدما عادت لشخصيتها القديمة و اردات هجره
– إيه ده ورد وشيكولاته ليا، لا كده تستحق الأكل اللي عملتوا
هتفتها جنات مازحة وقد تلاشى الشحوب عن وجهها واسترخت ملامحها
ابتسم أمير إليها وهو يقدم لها ما جاء به معتذراً بلباقة فاجأتها
– حقيقي بعتذر منك عن أول مقابلة بينا ، أتمنى تقبلي إعتذاري وكان نفسي أحضر فرحكم بس كاظم ديما بيفاجأنا بقرارته
وسرعان ما علقت عيناه بشقيقه فوجده بحالته الجامدة، وكأنه ينتظر أن ينتهي ذلك العرض ولكن أمير كان يستمتع برؤيته هكذا ليس كرهاً به، ف السيدة منال والدته العزيزة سعت بكل ضراوة لتحقق ذلك الأمر ولكنها فشلت، هو يحب كاظم ولكن كاظم لا يراه إلا مدللًا فاشلًا
ضحكت جنات من لطافته، تضم باقة الأزهار إليها معترفة داخلها بذوقه
– لا أنا خلاص نسيت المقابله الأولى ومسحتها من ذاكرتي ، نوثق بقى اليوم ده ونعتبره أول تعارف بينا
ازداد تجهم كاظم وهو يرمقهما متمتماً بضيق وقد ضاق ذرعاً
– الاستاذ بياع كلام، ولو فضلنا واقفين مش هنتعشا
ارتفع حاجبي أمير مدهوشاً من خشونة صوت شقيقه ثم دفعه له فوق كتفه ليتحرك أمامه
– أنا أمير، بياع كلام.. قصدي مهندس مرموق والابن العاق في العيله ديه
ارتفعت ضحكات جنات عالياً، تنظر إليه وهو يمدّ إليها يده مصافحًا، استمرت في الضحك لا تقوى على تمالك صوت ضحكاتها
– وأنا جنات، مش عارفه المسمى الوظيفي اللي أقوله ليك حاليا لأن أخوك مش مخليني عارفه أرجع لوظيفتي، بس تقدر تقول حاليا ست بيت شاطره
ارتفع صياح أمير وهو ينظر نحو شقيقه، يرى الوجوم مرتسم فوق وجهه
– صبرت ونولت يا كاظم، جمال وكمان بتعرف تطبخ
– أمير
ارتفع صوت كاظم عالياً، فلو كان منذ لحظات يتمكن من ضبط غضبه فعند هنا لن يتحمل
– مش اديتها الورد وعملت العرض بتاعك، لتسكت بقى أو تاخد بعضك وتمشي
– شايفه جوزك بيطردني إزاي، على فكرة أنا ضيف مرحب بي مش كده يا مرات اخويا
وجنات كانت سعيدة، بل سعيدة للغاية من رؤية كاظم غاضبًا ومن لطافة أمير
– طبعا، أنت مرحب بيك في أي وقت وحقيقي أنا مبسوطة إني أتعرفت عليك
و أمير كان يُجيد المجاملة بشدة وخاصة مع النساء
– إيطاليا نورت بوجودك فيها، ده حتى الشقة بقى ليها طعم و روح
توردت ملامح جنات من حديثه، إنه بارع في المجامله وليت كاظم مثله
– مش خلاص، ولا لسا هتكمل الشريط بتاعك
هتف بها كاظم حانقاً، فاستدار إليه أمير يخفى أبتسامته متسائلاً
– مش بقول الحقيقه، طب بذمتك يا كاظم حياتك وأنت عازب ولا دلوقتي
تجهمت ملامح كاظم وقد علقت عيناه بتلك التي وقفت منتظرة سماع جوابه
– بطل سخافة، واخرس خالص
طالعته جنات بعدما اشاح عيناه عنها فما الذي كانت تنتظره منه، كاظم هو كاظم لن يتغير مهما شعرت بالأمل في تغيره
انسحبت من أمامها، فعلقت عينين أمير بها
– يا شيخ كنت رديت حتى لو بالكذب
– قولت أخرس خالص
اسرع أمير في وضع يده فوق فمه، واتجه نحو غرفة الجلوس التي يحفظها
أنبه ضميره كعادته الأخيرة، وقد عاد الصراع يقتحمه مجدداً
حاول أن يخرس الصوت الذي يقتحمه
ولكن فور أن سمع صوت ارتطام شئ بالأرض كان يسرع بخطواته نحو المطبخ مفزوعاً
– إيه اللي حصل؟
وجدها منحنية تلتقط الزجاج الذي تناثر أسفلها
– أبعدي عن الإزاز لتتعوري
ارتفعت عيناها نحوه تستنكر خوفه عليها، فالخوف ينبع من الحب وهو لا يُحبها فلما يستمر في تمثيله عليها
– متخافش متعودة كويس ألم اللي بيتكسر
اصابته كلمتها فهو يعرف ما تقصده، ازدرد لعابه يُقاوم رجفة كفيه بعدما قبض فوقهم بقوة
صوت تأوها جعله يسُرع إليها لينتشلها من وضيعتها صائحاً بها
– بلاش عناد يا جنات، وابعدي عن الإزاز
– هو أنا هعاند ليه في حاجة زي كده، ما لازم الإزاز يتلم
– لسانك وصوتك
صاح بها، فتجهمت ملامحها من حدته
– ماله لساني
– بقى طويل يا هانم وبيحب يجادل كتير ، وأنا أكتر حاجة بكرها في حياتي هو الجدال
– هو أنا كده بجادل معاك
– مالكم يا جماعه مش معقول يكون وشي وحش عليكم وتتخانقوا
اسرع أمير إليهم بعدما تعالا صوتهما ، فضاقت عينين كاظم وهو يراه يقف بينهم
– أنت إيه اللي حركك من مكانك
– صوتكم كان عالي، ده جزاتي يعني
– امشي من قدامي، بدل ما اطلع غضبي كله عليك
اتسعت عينين أمير وهو يرى شقيقه يزيحه من أمامه
– اه العنف اللي فيك ده هو اللي مخليها متعصبه، والله عندها حق
– بره، مش عايز المحك قدامي
انتفض أمير مذعوراً من صراخ شقيقه، ولم يعد يعلم من أين بدء شجارهم
– يعني بدل ما تشكره بتطرده، ياريتك ذوق زيه
– ذوق و زيه، ما الهانم فرحانه بالورد والشيكولاته
– ايوه فرحانه بيهم، أنت إيه عرفك بأفعال الرجاله ولطافتهم
ارتجفت اوصالها ذعراً تخشى ردة فعله بعدما تجمدت ملامحه وعلقت عيناه بها وارتفعت أنفاسه عاليًا
ابتعلت لعابها، وتراجعت للخلف وهو ظل واقفًا ساكن الجسد يقبض فوق كفيه بقوة
سقطت باقة الأزهار أسفل قدميها بعدما تناثرت أوراقها وتمزقت
ارتجفت اهدابها تنظر لما فعله بأزهارها الجميلة
– مش هو ده الورد اللي خلاكي فرحانه وبهرك، اه بقى تحت رجلك استمعتي بي كويس
……
ارتكزت عيناها نحو السيارة التي غادرت للتو واختفى أثرها عن مرأى عينيها.
ملك غادرت وتركتها وعلى ما يبدو إنها لم تتمكن من تنفيذ ما وعدتها به
مظاهر الحفل بدأت تتلاشى شيئًا فشئ، فالعمال يحملون الطاولات ويزيلون الأنوار وكأن لم يكن هناك عرساً منذ ساعات
تفاصيل اليوم كانت مُرسخة داخلها، تفاصيل لن تنساها يوماً
يدها التي شبكت بذراعه وكأنها بالفعل عروس، تلك الرقصة التي سمعت عنها كثيراً من زميلاتها في المصنع الذي كانت تعمل به قبل هروبها
ابتسامته المزيفة التي كان يُجاهد في رسمها فوق ملامحه كلما جاء المصور ليلتقط لهم صورة يظنها ستدوم ، وأمره الدائم لها أن تظهر بمظهر العروس السعيدة
ضاع أخر حلم من أحلامها، عاشت ما تمنت أن تعيشه ولكنها لم تكن إلا عروس ماريونيت
انفتح الباب الذي اوصده خلفه أخيراً بعدما اجتذبها بقوة من جوار ملك صائحاً بها أن من تُريد أخذها معها باتت زوجته
أنفاسه كانت مرتفعة وكلما اقترب منها كانت تزيد قبضتيها فوق ثوب زفافها
– ملك مشيت، معرفتش تاخذني زي ما وعدتني مش كده
تمتمت بها دون أن تُحيد عيناها عن الحديقة التي باتت خاليه وقد غادر أخر عامل وانغلقت البوابة
– اليوم كان طويل ومرهق علينا يا بسمة، بكره ممكن نتكلم
غادر الغرفة دون كلمة أخرى ، تاركاً الباب خلفه مفتوحًا وكأنه يُخبرها أن حبسها الذي فرضه عليها حتى تُغادر ملك قد أنتهى
استدارت بجسدها بعدما غادر تمسح دموعها التي لم يراها ولن تجعله يراها حتى تُغادر منزله حره
……
استمرت ميادة في قيادتها للسيارة نحو الفندق ، تستمع لتذمر ملك وشدة حنقها من فعلة جسار معهم
– يقولي السواق بره مستنيكي عشان يوصلك للفندق ، يطردني عشان الكلام مش عجبه وقال إيه مراتي وأنا حر
– ما هي فعلا مراته يا ملك
تمتمت بها ميادة بعدما رمقتها بنظرة سريعه ثم عادت لمطالعة الطريق
– مراته؟ قصدك كلمه نطقها بسبب ذله لسان قدام طليقته ولما شافها اتجننت وثارت عليه شفى غليله منها وحس إنه أنتقهم لكرامته
– والكلمة بقت حقيقة يا ملك، وكنا لسا في فرحهم
احتقنت ملامح ملك بشدة، فحديث ميادة لا يُعجبها بل يزيد من حنقها
– فرح مزيف، شوفتي الناس كانوا بيتكلموا إزاي، ولا نظراتهم ليها
ازداد ضيق ملك كلما تذكرت تلك النظرات التي كانت تُحيط ب بسمه.
البعض كان يُركز نظراته نحو بطن العروس لعلهم يتأكدوا بما يظنوه وتكون العروس بالفعل حاملًا بطفل غير شرعياً، مما أجبر رجل ك جسار أن يتزوجها
– الناس مدام لقيت حكاية تتكلم عنها هيفضلوا يتكلموا، مش مع بسمه بس مع أي تاء مربوطة مدام الحكاية دسمة ليه ميتكلموش وأنا أكبر دليل الكل بقى مستغرب ليه رجعت مصر فجأة ليه بقيت عايشه معاكم
طالعتها ملك في صمت، ترى الألم مرتسم فوق ملامحها
– بسمه مش هتخرج خسرانه يا ملك، يمكن جوازها من جسار مجرد محطه، محطه هتعدي بيها لمكان تاني
بدأت ملك تقتنع بحديثها ولكن مخاوفها لم تتلاشى، تخشى عليها أن تقع في حب جسار وتُعلق أمالها عليه، بسمه أضعف منها رغم شجاعتها إلا إنها ضعيفة من مجرد كلمة حانية تشعرها بأنها ليست مهمشة، من لمسة يد دافئة تمنحها الدفئ الذي افتقدته, وجسار تعرفه تماماً بسمة ليست المرأة التي تُرضيه وتشبع غروره.
……
التفت ناهد حولها خشية أن يكون قد رأها أحد، لقد جائتها الفرصة أخيراً، مغادرة شقيقتها لأحدى الندوات وإنشغال الخدم عنها هيأ لها الأمر
تنفست براحة بعدما استقلت سيارة الأجرة، تأمر السائق أن يأخذها لمحل الصاغة
طالعها السائق بنظرات قلقة ولكن هيئتها المرتبة وملابسها ، جعلته يُكمل قيادته غير مهتم بتوترها وربكتها
غادرت ناهد سيارة الأجرة تُلقي بنظرة خاطفة حولها و تعطي السائق أجرته فطالعها السائق متسائلاً
– استناكي يا هانم
طالعته ناهد بقلق، فقد جعلتها سنوات حزنها على صغيرتها التي فارقت الحياة تنسى كل شئ، ولم تعد ناهد القديمة
الزمن كما خطف منها أبنتها، أخذ منها عقلها عقابًا لها
اماءت له برأسها واسرعت نحو محل الصاغة لتبيع الخاتم الذي بحوذتها
اخذت المال من البائع غير عابئة بأنه بخس بثمنه أستغلالًا لحالتها وهيئتها المضطربة.
غادرت المكان تبحث عن السائق، فرأته ينتظرها مكانه
ضمت حقيبتها إليها واتجهت صوبه
– ارجعك مكان ما جيبتك يا هانم
حركت ناهد رأسها رافضة ما يُخبرها
– لا، لا
استعجب السائق من طريقتها، فتسأل عن وجهتها قلقًا
– طيب أخدك على فين يا هانم
والوصف كان محفور في ذهنها، وصفته لها كما تتذكر فلم تأتي لذلك المكان الشعبي إلا مرة واحدة ، المكان الذي ارشدتها إليها إحداهن وذهبت إليه بقدميها حتى تنال غايتها
توقفت سيارة الأجرة أخيراً، فالتمعت عيناها وهي تنظر لمدخل الحارة
– اخد أجرتي وامشي يا هانم ولا استناكي
عاد القلق يدب داخلها وهي ترى نظرات السائق إليها، اماءت له برأسها تضم الحقيبة نحو صدرها حتى تطمئن على المال
– لكن الأجرة هتزيد يا هانم
بتعلثم تمتمت ناهد قبل أن تترجل من السيارة
– هتاخد اللي أنت عايزاه
……..
تعلقت عينين جسار بها وهو يراها تهبط الدرج بالملابس التي اشتراها لها
اقتربت منه بخطوات بطيئة، تمنحه الوقت ليرى هيئتها الجديدة داخل ثيابه الثمينة
لم تكن تقل بشئ عن فتاة في عمرها، هو منحها ما يجعلها ترتفع لأعلى وهي قررت أن تستغل كل ما يمنحه إليها حتى تعيش حتى لو لمرة واحدة
قضت ليلتها ساهدة، تتذكر شريط ذكرياتها من بؤس وحرمان
هو استغلها حتى يثبت لطليقته قدرته على تجاوزها وتجاوز أي امرأة مرت بحياته، وهي ستستغله بطريقة مشروعة
حياة كريمة وتمتعها برفاهية الحياة والعيش مع صفوة المجتمع
– الطقم طلع مقاسي بالظبط، انا مجربتش كل الهدوم لكن بيتهيألي إنهم مقاسي ولو مش مقاسي أنا هعرف اظبطهم
تمتمت بها بعدما تلاشت المسافة بينهم، فابتسم وهو يراها سعيدة وقد تناست ليلة أمس وعلى ما يبدو إنها اقتنعت أن مكانها جواره إلى أن تنتهي فترة زواجهم الغير مرحب به من كلاهما
– اللي ميعجبكيش ممكن نجيب غيره يا بسمه
استدارت أمامه بالثوب الجديد تمتدح من أنتقى لها الأثواب
– بالعكس كلهم عجبني، انت إيه رأيك
انتظرت سماع رأيه، فابتسم على ترقبها وقد ازدادت راحته وهو يراها مستمتعه و راضية بما يقدمه لها دون جدال
– جميل يا بسمة
– يعني بقيت شبه البنات
تعجب من سؤالها،وقد ضاقت عيناه وهو يراها منتظرة سماع جوابه، تُحرك إبهامها أسفل ذقنها تتسأل
– تفتكر لما ادخل الجامعه هلاقي واحد أعجبه ويعجبني، ونحب بعض
……..
توقفت أمام بوابة الجامعة وقد انتهى اخر امتحان لها في هذه السنة الدراسية، اتبعها أحمس متسائلا عما فعلت
– مش عارفه يا أحمس، بصراحه الترم ده مش عارفه هنجح فيه إزاي
– أنتِ ذكية يا فتون صدقيني
أماء لها برأسه مؤكداً صدق حديثه، فابتسمت فتون إليه تأمل أن تكون بالفعل هكذا
تعالا رنين هاتفها، فقطبت حاجبيها تنظر للرقم
ابتعد أحمس عنها بعدما تقدمت منه إحدى زميلاته حتى تشكره على ما يُلخصه لهم من مذكرات
– ايوة أنا فتون، مدام سحر..
توقفت فتون عن الحديث، تسمع ما تُخبرها به السيدة سحر وعن حاجة الجمعية إليها
– أنتِ كنتِ مثال للبنت القوية يا فتون، مثال يحتذى به.. عشان كده محتاجينك تكوني معانا
– أنا يا مدام ألفت
– ايوة أنتِ يا فتون ولا مش عايزه تساعدي الجمعية، وعلى فكرة الجمعية مختارتكيش عشان بقيتي من عيلة النجار، إحنا فعلا محتاجينك يا فتون وفخورين بيكي
استمرت السيدة سحر مديرة الجمعية، تثني عليها مفتخره, تُخبرها عن ذكائها وإجتهادها وكيف تجاوزت أزمتها دون أن تلجأ لما تفعله الكثيرات من هروب لحياة أسوء أو الأنتحار أو أن تظل فتاة بائسة ترثي حالها دون توقف و دون تتجاوز الأزمة
اقترب منها أحمس وقد انتهت المكالمة، فتسأل عن هوية من كان يُحادثها
– شكل المكالمة كانت مع حد تعرفيه
– ديه مدام سحر، مديرة الجمعيه اللي كانت بتساعدني
تمتمت بها ومازال عقلها شارداً بالأمر
– مش معقول تكون متصله بيكي عشان تسألك عن أحوالك وتقدم ليكي مساعده، وأنتِ زوجة للراجل اللي بيمولها ومؤسستها عمته.. ديه تبقى حاجة تضحك
وضحك أحمس وهو يتخيل الأمر، فدفعته بكتابها حانقة من مزحته
علقت عينين الجالس بسيارته يخفى عيناه بنظارته السوداء ويُطالع الموقف
التقط صورتهما ينظر لما ألتقطته عدسة هاتفه
– مطلعتيش لا سهلة ولا بريئة، اتجوزتي الباشا ودلوقتي بتدوري على واحد من سنك
……..
توقف رسلان عن السير في ممر المشفى بعدما اجتذبه صوت إحداهن
ضاقت عيناه وهو ينظر لصاحبة الصوت، إنها طبيبة خالته من كانت تُشرف على حالتها في المصحة النفسية
– ازيك يا دكتور رسلان أكيد فاكرني ، واخبار كاميليا هانم إيه
صافحها رسلان يؤمي لها مؤكداً إنه مازال يتذكرها
– اتمنى تكون حالة ناهد هانم اتحسنت في جو البيت مع طبيبتها الجديدة، رغم إنها حقيقي كانت محتاجة تفضل في المصحة لكن كاميليا هانم أصرت تخرجها
تعلقت عينين رسلان بها مدهوشًا مما يسمعه ، وقد ازدادت تقطيبة حاجبيه
– هي الحالة مكنتش تسمح بخروجها
– للأسف لاء، ناهد هانم بقت مغيبة.. موت بنتها كان صدمة ليها كبيرة مستحملهاش عقلها ومكنش في تحسن في حالتها
……..
جلست ناهد فوق المقعد الخشبي تلتف حولها تنظر للغرفة التي تغيرت بأشيائها
– دستور يا أسيادنا
انتفضت ناهد من فوق مقعدها تضم الحقيبة إليها، فطالعتها المرأة بنظرات محدقة وقد أزاد الكحل اتساع عيناها
– هي ست سندس راحت فين
التوت شفتي المرأة بعدما تقدمت نحو المقعد الخاص بها
– الست سندس ماتت، وأنا بنتها
ودون أن تمنحها فرصة للتساؤل مرة أخرى
– جاية ليه؟
ابتلعت ناهد ريقها بعدما رفعت الجالسة ثوبها قليلاً ونثرت الملح حولها ، فمن أتت إليها من قبل قد ماتت
– عايزاه يكرهها، زي ما كره بنتي وماتت مقهورة
الفصل الخامس والخمسون (2)
********
لا يعلم لما علق سؤالها داخل عقله، ولما اليوم تتبعها عيناه
ربما لأنها اليوم مختلفة في ثوبها الجديد الأنيق، أم ربما لأنها فاجأته اليوم بتقبلها لما حدث وأنها صارت زوجته دون أن تعيد عليه حديث أمس ورغبتها في الرحيل
اشاح عيناه عنها وعما تفعله بالحديقة بجانب العم جميل الذي عاد أخيراً من البلدة
الجو كان دافئًا وجميلاً اليوم، فمنذ وقتً طويل لم يجلس هكذا مسترخيًا مع فنجان قهوته، إنها عطلة الزواج التي أخذها حتى لا يثير الشكوك حول زيجته التي على ما يبدو ستثمر بالهدوء في حياته وستزيد من قهر طليقته التي منذ الصباح تبعث له رسائل عديدة من أرقام مختلفة كلما حظر رقمً لها
تلك الخائنة التي ركضت بعد طلاقهم لاحضان رجل أخر، رأته صيداً جديداً لها وبمنتهى الوقاحة تُخبره أن فعلتها بسبب هجره لها وكأنها لم تكن أمرأة مستغله تركض وراء الرجال الأثرياء بل ونالت منه المال لتخرج من حياته بعدما أثارت ضجة قبل طلاقهم
عادت عيناه تتعلق بها بعدما أستمع لصوت صياحها السعيد
– ملك
تعالا صوتها في سعادة تلوح بيديها غير مصدقة أن ملك أتت إليها اليوم، دون أن تهتم بما حدث أمس ورحيلها غاضبة
إستدار جسار بجسده نحو الجهة التي ركضت إليها، لتتعلق عيناه ب ملك
داعبت ابتسامة خفيفة شفتيه وهو يراها تضع بعض الهدايا التي جلبتها لها ثم فردت لها ذراعيها
– كنت فاكرة إنك هتمشي من غير ما تشوفيني، أوعي تنسيني تاني يا ملك ، أنتِ عيلتي الوحيدة
ضمتها إليها ملك بقوة، تُقاوم شعور الذنب الذي اخترقها.. فهي وحدها من كان عليها مساعدة بسمة كما ساعدتها حينا أتت الحارة غريبة و وحيدة
– أنا عارفة إني جيت ليكِ متأخر يا بسمة، لكن أوعدك هكون جانبك وقت ما تحتاجيني زي ما كنتِ جانبي
ارتعشت أهداب بسمه تأثراً، إنها كانت بالفعل بحاجة إليها ولولا خوفها على أن يتسبب لها فتحي بمشاكل لكانت الوحيدة من لجأت إليها
طالت نظرات جسار نحوهما كما طالت وقفتهم سوياً.
ابتعدت بسمة عن أحضان ملك التي تأملتها بسعادة وهي ترى هيئتها الجميلة في ثوبها
وكأنها تثبت إليهم اليوم رسالة واضحة، إنها بدأت صفحة جديدة مع الحياة وستقتنص كل ما تقدمه لها حياة فقد أنتهى أوان الذل وقلة الحيلة
لم تُعلق ملك على شئ، بل فضلت تجاهل كل ما حدث ليلة أمس ولم تتسأل عما حدث بينهم بعد رحيلها
ظل جسار مكانه واقفًا يُحدق بهما، إلى أن تحركوا أخيراً من مكانهم
اتجهت ملك صوبه ولكن ما فاجأه أن بسمة اخذت ما جلبته لها ملك نحو الداخل بلهفة
عيناه علقت بها بفضول، فما الذي تحتويه تلك العلبة المغلفة
– متخافش يا جسار الهدايا مش هيكون فيها حاجات خاصه بالعرايس يعني
تجمدت ملامح جسار، فاستدار بجسده نحوها وقد الجمه تعليقها الذي لا يراه إلا سخافة منها
– تعرفي إنك بقيتي رخمه
حاولت ملك إخفاء ضحكتها، فامتعضت ملامحه
– ما أنت متحسسنيش إنك بتبص عليها زي أي راجل بيبص على مراته لما بتبعد عن عينه
– بقيتي سخيفه يا ملك
– أنا يا جسار
تسألت ببراءة ترفع حاجبها الأيسر منتظرة جوابه، ازدادت تقطيبة حاجبيه يُشيح عيناه عنها
– عموماً أنا خلاص مش هفتح سيرة جوازكم من تاني، لأن اللي حصل حصل ومسير الغلطه هتتصلح لما بسمه تعرف تحدد طريقها وتكون قوية من غير ما تحس إنها مش أقل من حد
تعلقت عينين جسار بها بعدما تلاشت تقطيبته مستنكراً ما يسمعه منها
– أنا نفسي أعرف ليه مُصرة تشوفي إن جوازها مني خساره وجحيم ليها ، ما هي قدامك أهي عايشه متصانه في بيتي، لا بمد ايدي عليها زي ما اخوها كان بيعمل ولا بأذيها، جوازة هتخرج منها مستفاده ومرتاحة
– شعور صعب الراجل ممكن يعرفه ويحسه يا جسار، لكن أنت اتحسبت عليها جوازه
انسحبت ملك من أمامه نحو الداخل قبل أن تخبره بمخاوفها الأخرى
فماذا لو خسرت بسمه كل شئ وخرجت من تلك الزيجة بقايا أمرأه عليها أن تُرمم حالها؟
……….
ضاقت عينين جسار بعدما سمح لنفسه أخيراً أن يصب نظراته نحو الهدايا التي أتت بها ملك
اقترب من الكُتب يلتقط واحداً وراء الأخر يفحص محتواه بنظرة سريعة رغم أن العناوين أمامه كانت واضحه،
جميعها كتب تتحدث عن بناء الذات وتكوين الشخصية.
قطب حاجبيه في دهشة سرعان ما تلاشت وهي يسمع صوت بسمه السعيد خاصة بالحاسوب
– ملك قالتلي إني أقدر اتعلم أي حاجة من عليه
إستدار جسار إليها يصوب عيناه صوبها، يرى السعادة مرتسمة فوق ملامحها وقد تلاشى الحزن الذي لازمها لأيام
– مقولتيش ليا ليه أجيبلك واحد، تفتكري كنت هرفض، عارفة ده سعره كام، عارفه تمنه مين اللي ممكن يكون دفعه
تلاشت سعادتها، تسلط عيناها بعيداً عنه وقد فهمت حديثه
– عارفه إنه غالي، أما مين اللي دفع تمنه فهي ملك من فلوسها مش من فلوس جوزها
– وإيه الفرق يا بسمه، المفروض مكنتيش قبلتي، هل أنا علقت على الكتب، لأنها هدية مقبول إننا نهادي بيها حد
طالعته في تساؤل بعدما القت بنظرة سريعة نحو الحاسوب تخشى أن يأخذه منها
– تقدري تحتفظي بي، لكن تمنه أنا هبعته لملك، لأن ببساطة ومهما كان المسمى اللي جوزنا بيندرج تحته ف أنتِ مراتي، وأنا مقبلش حد يهاديكي بهدية أقدر اشتريها ليكي
علقت عيناها به، فاقترب منها ببطئ مستغلًا شرودها
امتدت يده نحوها ف أجفلتها حركته، وسرعان ما تصلب جسدها وهي تُطالع يده الممدودة وتلك النظرة التي يرمقها بها
– مفهوم يا بسمه
سكن عقلها كما سكنت أطرافها، فاخذ قلبها يتلذذ بمعنى ما قاله
– لكن قوليلي يا بسمه، إيه الحاجة اللي عايزه تتعلميها، بيتهيألي إن كان عندك خطه تانيه، خطه عن وصفات الطبخ
انتبهت على سؤاله، ليفيق عقلها من تخدره على الحقيقة التي يتغافى عنها قلبها كلما رأت فيه صورة الرجل الذي تخيلته وتمنته
ابتعدت عنه تستشعر هذه المرة مرارة ما يقصده تزدرد لعابها
– عايزه اتعلم دورات كمبيوتر، عايزه اشوف نفسي في حاجة بعيده عن الطبخ ولا إللي زي حدودهم بس المطبخ يا جسار بيه
تجهمت ملامحه ، فما الذي قاله لتفسر من حديثه إنه يُقلل منها
– ميادة هتساعدني في أي حاجة احتاجها، وهتساعدني كمان اشتغل في شركة زميلها
واقتربت من الفراش تفتح الجهاز تحت نظراته الجامده، لتثبت له إنها تستطيع التعامل مع أجهزة الحاسوب وليست جاهلة بأمور التكنولوجيا
– شايف يا جسار بيه بعرف اه اتعامل عادي مع التكنولوجيا زي الناس
حدقها جسار بنظرات متجهمه يفهم ما ترمي به إليه ، لم يرغب بأن يُحادثها بأي حديث تفسره كما تهوى، فقرر الإنسحاب من غرفتها
اندفعت صوبه بعدما وجدته يُغادر ، ووقفت أمامه ترخي اهدابها تُحملق بحذائه اللامع وتُحرك لسانها فوق شفتيها
داعبت ابتسامة خفيفة شفتيه، ف النساء لا يقفون بهذه الوداعة إلا إذا أرادوا شيئًا
ضاقت عيناه منتظر سماع ما ستخبره به مستمتعاً بهيئتها وكأنها طالبة بالمدرسة تقف أمام معلمها
– أنت قولت إن جوازنا مهما كان المسمى اللي بيندرج تحته، فأنا يعني…
توقفت الكلمه على طرفي شفتيها، لا تقوى على نطقها فهي أضعف من أن تنطقها وتجعل قلبها يُطرب من سماعها
– عايزه تاخدي دورات تطورك يا بسمه مش كده
ارتفعت عيناها نحوه فقد خلصها من حرجها، فالأمر كان صعب للغاية عليها مهما اقنعت حالها أن ما تطلب منه حقًا لها
تحرك نحوها خطوتين بعدما علقت عيناها به بنظرة التمع فيها الخذلان، فهو سيرفض وسيشعرها بدنو مكانتها، فهو من يُعطي وليست هي من تطلب
– ملك نسيت تقولك حاجة مهمه يا بسمه ، انا فيا كل الصفات اللي ممكن تخلي أي ست تكرهني خصوصاً لما افقد الثقه ، لكن مش عدو لنجاح أي حد وأنتِ حاليا مش أي حد يا بسمه، أنتِ مراتي
يؤكدها اليوم لمرات، يؤكدها رداً على اختيارها لجبهة أخرى غيره و هو كرجل شرقي لا يقبل الرفض، ف بات التأكيد بالنسبة له أمراً يشعره بكونه وحده من يملك السلطة عليها، شاء هو أم شاءت هي أو أبت فالزواج قد تم وأصبحت تحمل اسمه.
………
غادرت ناهد البناية المتهالكة تشعر بالقلق وهي تنظر لتلك الزجاجة التي اعطتها لها وعليها تنفيذ المطلوب منها
” الميه لازم تترش على سريرهم وهدومهم، الأسياد هيعملوا اللي عليهم وأنتِ لازم تساعديهم عشان تنالي المراد”
التفت ناهد حولها وقد عاد الخوف يدب داخلها، أسرعت في دس الزجاجة تضم حقيبة يدها إليها، ترتسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة تُعبر عن شرود صاحبها، تتخيل ملك تعيش كما عاشت أبنتها، لا يراها زوجها ولا يرغبها
أبنتها الجميلة كانت ك اللقمة المريرة التي يتناولها المرء غصبً، لم يرغب زوجها في لمسها بل وهجرها حتى حينا لمسها تم الأمر دون إرادة منه
والأن الأخرى تعيش السعادة كامله متكاملة، كما عاشت هي قديماً مع عبدالله حبيبها، ملك تعيش نفس السعادة التي عاشتها يومًا ولم تكن أبنتها محظوظة مثلها
حظت بالرجل الذي تمنته لأبنتها ، ابن شقيقتها الذي نالته ابنة المرأة التي عاشت وماتت دون أن يسمع عنها أحد، المرأة التي ضحى بها عبدالله لينال حبها ويتزوجها
– مش هتكوني في حياته غير مجرد ست بتربي ولاده، بنتي اتحرمت من السعاده معاه وأنتِ كمان لازم تتحرمي منها
– يا هانم، فيكي حاجة.. هاتي ايدك اسندك أنتِ زي والدتي برضوه
حدقت ناهد بسائق الأجرة وقد اقترب منها بعدما طالت وقفتها، عيناه علقت بحقيبة اليد التي تتشبث بها بريبة
حتى المكان بدء يثير شكوكه ، ولكنها سيده كبيرة بالعمر وملابسها والحي السكني الذي تعيش فيه لا يدل إلا على ثرائها
شعرت ناهد بالإرتياب من نظراته العالقة بحقيبتها فتشبثت بها بشدة تهتف بتعلثم
– أنا كويسه
تجاوزته ناهد واتجهت نحو السيارة ثم صعدتها، فاستدار السائق بجسده نحو الحارة التي دخلتها يصرف عن ذهنه ما علق داخل عقله، فلن تأتي امرأة مثلها لهنا لأمور الشعوذة والدجل
– أنا مبقتش مرتاح للست ديه، ولا كأنها هربانه من السراية الصفرا
…….
خرجت فتون من المشفى بعدما اطمئنت على شقيقها و والدتها، حديث والدتها عن ضجر الزوج من زوجته مهما كان يُحبها ومتعلق بها اخترق أفكارها لأول مرة ، فالرجال بطبيعتهم يميلون للمرأة التي تهوى التجدد تبهره يوماً بعد يوم بمظهرها فما الذي سيأخذه من تعقلها وعلمها واكبر مثال لديها طلاقه من زوجته المرأة الجميلة الناجحه التي يعمل تحت أمرتها العديد من الموظفين، تظهر صورها في صفحات المجلات والكل يتحدث عن ذكائها ونجاحها في عالم المال
داعبت نسمة هواء خفيفة وجهها، فاستشعرت برودتها ترخي اهدابها في هدوء، ف الحديث يطرق عقلها وكأنه اليوم لمسها بالفعل
شهيرة غادرت وتركت لها الساحة، واليوم السيدة سحر تخبرها إنها مثال مشرف للمرأة القوية التي تجاوزت الكثير وحققت ما لم تحققه الكثير من النساء
اقترب السائق من مكان وقوفها،ينتظر صعودها ليأخذها نحو المكان الذي ترغبه
– على البيت يا هانم
ومن حركة رأسها بالإيجاب أتخذ السائق طريقه نحو وجتهما
أخرجت فتون هاتفها لعلها تجد سليم قد هاتفها بعدما هاتفته لمرات وتركت له رساله تعبر فيها عن قلقها لعدم إجابته عليها
– يمكن يكون مشغول يا فتون، ما هو كلمك الصبح وقالك إنه هيجتمع النهارده بالضيف عشان يخلص الصفقه ويرجع بسرعة
داعبها الشوق، فارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها.. تتذكر حديثه لها هذا الصباح عن شوقه لقبلة الصباح التي أصبحت بالنسبة له كمذاق القهوة التي لا يتحمل الإستغناء عنها
الزحام كان شديد اليوم، فهتف السائق مبرراً
– الصيف بيجي والزحمه بتجي معاه
– لكن الجو جميل النهاردة يا عم محمد
انفتح الطريق، فاكمل السائق سيره.. اخذتها عيناها لتأمل واجهت المحلات بعدما اخذ السائق يشق طريقه من طريق مختلف
علقت عيناها بواجهة احد صالونات التجميل، إنه نفس الصالون الذي أخبرتها عنه جنات ذات مرة أن مديرتها بالعمل لا ترتاد إلا هو وكم هي صبغة شعرها رائعة
تخطى السائق المكان ولكن عيناها ظلت عالقة بواجهته، تتسأل داخلها لما لا تُغير لون شعرها وتقصه قليلاً
……….
غادر الرجل الذي يوكله على أعماله هنا تتبعه سكرتيرته بعدما وضعت تقارير هذا العام أمامه
شقيقه لا يتغير أبداً، مازال يرى نفسه الولد المدلل الذي يستيقظ كل صباح لا يفكر إلا في تجديد سيارته ورفقة فتاة حسناء والعيش وكأن المال يوجد من عدم
– مهما حاولت اخليك راجل واعتمد عليك، بتثبتلي إنك تربية منال هانم
حاول الاتصال به لمرات عدة ولكن هاتفه كان مغلقًا، فعن أي عمل يُخبره إنه مواظب عليه وهو منذ أتى لا يراه بالشركة
– الاستاذ مافيش أي نجاح بيقدر يعمله، غير الجري ورا الستات
هكذا أخذ يُحادث كاظم حاله، ناهضاً من فوق مقعده حانقا من كل شئ دون تحديد
اقترب من شرفة مكتبه يطُالع الطريق الهادئ يضغط فوق كفيه حتى يطرد أي شعور يخترقه
نظراتها داعبت مخليته، صدمتها في رؤية باقة الأزهار التي اشتراها لها شقيقه أسفل قدميها وحديثها معه هذا الصباح بعدما أخبرها بضرورة تجهيز حالها مساءً لعشاء عليها حضوره معه
” كل مره بتأكد أد إيه أنا أستحق كل حاجة عيشتها معاك، شوفت عقاب الطمع إيه، إن مشاعرك كل يوم تنطفي واحلامك تموت قدام عينك ”
ترددت صدى عبارتها داخل عقله، ينفث أنفاسه يزم شفتيه بقوة ماقتًا تلك المشاعر التي تخترقه، فمنذ متى و هو يهتم لامر أحد أو حديث أحد عنه؟
اخذ رنين هاتفه يصدح، فاقترب من طاولة مكتبه ينظر للمتصل الذي لم يكن إلا جلال صديقه
– يا راجل ده أنت قلبك اسود أوي ، من ساعه اليوم إياه وأنت زعلان مني
احتقنت ملامح كاظم عندما ذكره بهذا اليوم، وحديثه أمام ضيوفه عن زيجته التي لا يعتبرها زيجة، ذلك اليوم الذي كان فيصل في علاقته مع جنات، اليوم الذي سمعت فيه إهانتها ومدى الحقارة التي وصفها بها لصديقه عنها
زوجة للفراش لا أكثر، تعطيه الشعور الذي يريده ثم بعدها يغفو جوارها يتركها في صراعها مع ذاتها وهو ينام متلذذاً إنه ينال ما يُريده منها دون أحقية وامتيازات لها في حياته
– قولتلك يا جلال الموضوع خلاص خلص
– هحاول أصدق يا صاحبي إنك سامحتني رغم إنك عارفني غشيم في كلامي
زفر جلال أنفاسه، يتذكر لقائه مع السيدة منال واتبع حديثه
– على فكرة كنت لسا في ضيافه منال هانم
تجمدت ملامح كاظم ينتظر أن يُكمل حديثه
– بقالها مده بتلف وتدور معايا عشان تعرف أمتى هتطلق مراتك، منال هانم خايفه لتفضل متجوزها ويكونلك وريث
اطبق كاظم جفنيه بعدما ضغط فوق كفه الأيسر بقوة
– لكن متخافش أنا ريحتهالك خالص، قولتلها إنك هتطلقها بعد ما ترجع من السفر وهتخرج من حياتك من غير ولا مليم
تعالت زفزات جلال حانقاً من زحمة الطريق واستطرد حانقًا
– يا ساتر عليها ست طماعه، عايزه تطمن إن الفلوس مش هتطلع بره وأن أبنها هياخد كل حاجة من بعدك، انا المرادي بقولهالك يا كاظم بعد ما طلق مراتك، اتجوز بنت كامل باشا منها تقهر منال هانم ومنها تجيب وريث ليك
– ومين قالك إني هطلق جنات يا جلال
– ديه اتجوزتك طمع يا كاظم
– جلال
صاح بها كاظم غاضبًا
– مراتي خط أحمر يا جلال
– أنت حبيتها يا كاظم
انتظر جلال أن يسمع جوابه، لكن كاظم كعادته لا يعترف بشئ
– أنا عارفك يا كاظم مش هتعترف بسهوله، بس خد بالك يا صاحبي الستات ملهمش أمان
………
تعالا صياح رسلان بالمنزل يبحث عن والدتها لا يستوعب حتى هذه اللحظة ما الذي كانت تُخطط له حينا أخرجت خالته من المشفى وجلبتها للعيش معهم ؟
– كاميليا هانم
خرج والده من غرفة مكتبه بعدما فزعه الصوت وخشى أن يكون قد حدث شئ
– مالك يا دكتور بتزعق ليه ولا كأنك مش في بيت محترم
هبطت كاميليا الدرج بعدما استيقظت من غفوتها القصيرة وقد أصابها الفزع أيضًا
– مالك يا رسلان في إيه،أختك او اخوك حصلهم حاجة، انت يا حبيبي فيك حاجة
اقتربت منه كاميليا في لهفة، فاشاح وجهه عنها، جمدتها فعلته تنظر إليه مدهوشة
– خرجتي أختك من المصحة ليه، إيه اللي بتسعوا ليه من تاني، عايزه تخربي حياتي ليه، فهميني ليه
ضاقت عينين عز الدين يُحاول إستعاب ما يسمعه، ينظر نحوهما وقد تراجعت كاميليا للخلف مصدومه مما تسمع
– أنا يا رسلان، ده أنا مبقتش عايزه غير سعادتك وسعادة ولادك
– سعادتي وأختك عايشه معايا، طيب قوليلي إزاي، اوعي تفتكري إني قادر انسى اللي عملتوا زمان، لو ملك طيبة وسامحتكم أنا لا يا أمي
اغمضت كاميليا عيناها وقد اخترقت الكلمات فؤادها
– وطي صوتك وفهمني إيه اللي حصل ، متنساش إنك واقف قدام أمك و أبوك
اقترب منه عزالدين وقد تجهمت ملامحه فما الذي يتحدث عنه ابنه
– أمي، أمي عمرها ما فرق معاها سعادتي
– أنا يا رسلان ده أنت أغلى ولادي
هتفتها كاميليا بمرارة بعدما تحركت من أمامه وهوت بجسدها فوق أقرب أريكة
– قولت كلمني أنا وفهمني إيه سبب ثورتك علينا
اغمض رسلان عيناه ينظر نحو والدته، يسرد لوالده حالة خالته النفسية التي لا تسمح بخروجها من المشفى
– ليه يا أمي؟..
– كنت عايزه اتولي إدارة الجمعيه، قولي ازاي هتولي إدارة جمعيه عن حقوق الإنسان وأنا اختي رمياها في مصحة..، السرطان انتشر في جسمها وعلاجها بقى صعب، أيامها بقت معدوده امنيتها الوحيدة تعيش اللي فاضل من عمرها جنب أحفادها، من أمتى كان قلبك قاسي يا رسلان؟
والدته تسأله لما أصبح قاسي ، لما لا يغفر وينسى الماضي
– بلاش يا أمي اتكلم خليني ساكت
سقطت دموع كاميليا، فانسحب عزالدين نحو غرفة مكتبه فعن أي حديث سيتحدث وهو شارك معهم في إبعاد ملك عن حياة أبنه
إستدار رسلان بجسده مغادراً لتتعلق عيناه بعينين ناهد التي وقفت أعلى الدرج تستمع كعادتها لما يدور حولها في صمت تضم كفيها ببعضهما بقوة
………
توقف كاظم بسيارته بعد صراع طويل مع حاله أمام محل الأزهار الذي بحث عنه حتى يجد أقرب موقع إليه
طال مكوثه في السيارة يُطالع صاحبة المحل وهي ترتب إحدى الباقات وتختار ورودها بعناية لذلك الواقف
زفر أنفاسه ثم ترجل من سيارته فلا بأس أن يعتذر عما فعله، ويفعل كما فعل شقيقه.
……..
غادرت فتون صالون التجميل لا تُصدق إنها فعلتها وأحدثت بعض التغير في هيئتها ، التمعت عيناها تتخيل ردة فعل سليم عندما يتحدث معها ليلاً صوت وصورة.
استدارت بجسدها تُلقي بنظرة أخيرة نحو صالون التجميل ثم اتجهت نحو السيارة تستقلها فقد تأخرت في عودتها.
التمعت عينين مسعد وهو يحدق بالمكان بعدما غادرت يعض فوق شفتيه
– كبرتي واتدورتي يا فتون، لا والفلوس عملت منك هانم كمان
………
دلفت فتون غرفتها تُلقي بحقيبتها فوق الفراش ثم أسرعت بفك حجابها واقتربت من المرآة لترى ملامحها مجدداً.
التمعت عيناها في إنبهار لا تُصدق إن مجرد قصت شعر وصبغ بضعة خصلات منه يغير من شكلها ويجعلها فاتنة
اتسعت ابتسامتها شيئًا فشئ تُحرك يديها بين خصلات شعرها تنظر لحالها بسعادة
– يا ترى سليم هيكون مبسوط وهيلاحظ ده ولا هيكون زي ما بسمع إن الرجاله مش بتلاحظ حاجة
وقفت تتسأل تستنكر حيرتها
– هو أنا ليه واقفة بسأل نفسي وأنا ممكن اتصل بي وأكلمه، ياريت يرد عليا او يبعت رساله مش معقول كل ده مخلصش شغل
التقطت هاتفها تهتف عبارتها متذمرة، حدقت بالهاتف وقد صدح رنينه قبل أن تضغط على زر الاتصال تقطب حاجبيها في دهشة
– تعرفي إن كنت هكلمك بعد ما اكلم سليم، مش هتصدقي عملت إيه في شعري
ارتعشت شفتي جنات تنظر نحو أختبار الحمل الذي جلبته بعد مغادرة كاظم صباحاً
– هياخده مني يا فتون لو عرف، هو قالهالي يا فتون
ضاقت عينين فتون تُحاول أن تفهم ما تتحدث عنه جنات
– هياخد منك إيه يا جنات، أنا مش فاهمه حاجة
– أنا حامل يا فتون ، كاظم هياخده مني لو عرف
……..
دلف الشقة يبحث عنها بعينيه، خاب امله في تواجدها خارج غرفتها فقد كان يُمني نفسه أن يجدها بغرفة الجلوس أو المطبخ حتى يعطيها الباقة دون حديث وينسحب نحو غرفته متعللاً بإحتياجه لحمام منعش قبل خروجهم للعشاء
حاول أن يستجمع شتات نفسه، يزفر أنفاسه للمرة التي لا يعلم عددها، ثم تحرك قليلاً ووقف مرتبكًا متردداً لا يعرف أيتراجع عن الأمر أم يفعل ما يُخبره به قلبه
تحرك خطوتين ثم توقف حائراً يُحملق بما يحمله بين يديه غير مصدقا إنه فعلها وجلب لأمرأة باقة أزهار كالأبله
– لا أنت جايبها بديل عن اللي دهستها تحت رجليك يا كاظم، أنت مش جايبها عشان تهاديها بيها
حاول أن يقنع حاله إنه مازال لا يعترف بتلك المشاعر التي لا يراها إلا زيفًا
إستمر في تقدمه نحو غرفتها وكلما أراد التراجع كان شيئًا خفيًا يُحركه، شيئًا يذكره بتلك النظرة التي رمقته بها نظرة لائمة نظرة تحمل خيبة صاحبها
تلاشت المسافة بينه وبين باب غرفتها، فاطبق فوق جفنيه يزفر أنفاسه يُخاطب عقله أن ما يفعله ليس ضعفًا إنما تعويضًا عن فعلته
عادت عيناه تتعلق ب بتلات الورد الحمراء، يتذكر سعادتها بتلك التي قدمها لها شقيقه أمس
امتدت يده نحو مقبض الباب يُنهي صراع عقله وقلبه.
كل شئ اخذ يتلاشى من حوله، وقد علقت يده في الهواء يستمع لصوتها الباكي
– أنا مش عايزه الطفل ده يا فتون ، كاظم مش لازم يعرف
………
الفصل السادس والخمسون(1)
********
لا ترغب في طفلاً منه، اتريد حرمانه بما تاق إليه شوقًا بعدما ترك لقلبه الشعور بما لم يُفكر به يوماً
“عائلة” كلمة كانت بعيدة عن حياته لم يرغبها حتى بين وبين نفسه ، الوحدة وحدها من كان يراها خير رفيق له
لم يترك مشاعره تقوده نحو مشاعر يراها واهية، هو ليس الأبن الجيد ولا والده كان يستحق هذا اللقب حتى والدته المرأة الوحيدة التي أحبها لم تكن إلا أمً ضعيفة خاضعة، ترضى الذل والهوان
ضعفها حوله لشخص كاره وحاقد، شخص اقسم أن ينال ما حُرم منه
والمشاهد التي تركت أحلامه ويقظته عادت تطرق أبواب حصونه، هو كاظم النعماني ولكن داخله مازال الولد الذي يذهب بحذائه الممزق البالي لمدرسته، والأب ينعم مع أولاده الأخرين وزوجته الأولى بحياة الرفاهية، أما هو و والدته يعيشون تحت الأقدام يأتي إليهم ليرمي لهم مال يراه فضلاً منه عليهم
– أبني من حقه يعيش زي ولاد منال
يدفعها جودة صارخاً مقتربً منه يلتقطه من قميصه، يُطالعه بنظرات غاضبة
– مش ابني، احمدي ربنا إني اديته اسمي وسايبكم عايشين في خيري
تندفع صوبه تنحني نحو قدميه تقبلهما، ترجوه أن لا يُصدق ما قيل عنها ظلمًا
– متصدقهاش يا جودة، هي عملت كده عشان تبعدك عني وتكره ابنك
– قولتلك مش ابني
يدفعها من أمامه مجدداً ويعود لجذبه نحوه، والصوره كانت طبق الأصل منه..
كاظم النسخة المصغرة من جودة النعماني
الحقيقة يكشفها الزمن، وتتبرأ والدته من الجُرم ولكن بعد فوات الآوان، بعد انا عاشت وعاش يظن نفسه نبته نبتت من حرام
مالها أخذه، جمالها ضاع مع الحزن حتى كرامتها أخذها جودة النعماني و زوجته وهي من ارتضت أن تظل تستجدي العفو منه، أن لا يراها خائنة في حكاية أراد جودة النعماني تصديقها
سقطت بتلات الورد أسفل قدميه، ولم تعد باقة الأزهار كما كانت
ازدادت قبضته فوقها كما أشتدت قبضة الذكريات فوق صدره يستمع لعباراتها في جمود بأعين مظلمه، والعبارات تخترق أذنيه
– كاظم مش لازم يعرف ، لو عرف هيحرمني منه يا فتون، قالها أول يوم لمسني ، قالي يوم ما تفكري تجبريني على طفل منك هحرمك منه، لكن أنا كنت غبيه يا فتون معملتش حسابي لليوم ده
تتعالا شهقاتها، فيصله صوت أنفاسها الهاردة تلوم حالها على تهاونها في تناول الحبوب
– كاظم هيكره ابني، زي ما كرهني ، ليه اختارله يعيش حياة مش سويه ليه أتحرم منه، كاظم مش هيسيبوا ليا يا فتون
لم تعد العبارات وحدها من تخترق أذنيه
” أنت ابن جودة النعماني، ابني من صلبي يا كاظم ”
تراجع للخلف وقد أظلمت عيناه، ف الظلام عاد ليُحيط قلبه الذي عاش على القسوة والكره
دلف غرفته يسير حول حاله بلا هوادة، يرفع كفيه نحو أذنيه لعله يتمكن من إخماد صوت الذكريات
ولكن مهلًا أحدى يديه ليست فارغه، باقة الأزهار ما زالت في قبضته وقد تمزقت بتلاتها الزاهية
تسارعت أنفاسه يرى صور منفردة من الذكريات السيئة، كل شئ اليوم كان متحالف ضده كما كانت الحياة قديمًا وظن حاله انتصر عليها
نصف ساعة قضاها جالس أرضًا متكأ بظهره على حافة الفراش، عيناه جامدة نحو كفيه يُصارع ما عاش يستوطنه منذ زمن
” هيكره أبني زي ما كرهني”
هل سيكره طفله، كما كرهه يوماً والده وطعن في دمائه؟
…..
وضع صغيرته فوق الفراش لا يكاد يصدق حتى هذه اللحظة مع عاشه هذا اليوم
طاقته كانت قد نفذت وهو يهرول باحثًا عنها كالمجنون على شاطئ البحر وفي كل مكان داخل وخارج المنتجع
ضمها إليه بقوة لا يُريد أن يتخيل لحظة واحده يعيشها من عمره دونها
هحاول قدر استطاعته أن يطرد صورتها عندما وجدها، كانت منزوية خلف احد الصخور والأمواج تتلاطم بشدة قربها، تتساقط دموعها بسخاء تهتف اسمه وقد شحبت ملامحها من شدة الخوف
جسدها كان يرتجف، تُخبئ عينيها بكفيها هاربة من سكون المكان حولها، فهذا شهر كان الوافدين فيه قليلون للمنتجعات السياحية
ابعدها عن اخصانه ينظر إليها ليؤكد لحاله إنها أمامه، لم يفقدها
– أنت لسا زعلان مني يا بابي، أنا مش هعمل كده تاني
هتفت بها الصغيرة بعدما رفعت كفيها الصغيرين نحو خديه تمسح فوقهما
– أنا مشيت وراها عشان كنت فكراها مامي، أصلها كانت شبه مامي اوي، أنا كنت خايفة أوي يا بابي
اهتز جسده وهو يسمعها، صغيرته تصف له ما عاشته ببرائه، تخبره إنها اتبعت إحدى السيدات لأنها رأت فيها والدتها
عاد لضمها بقوة، يلوم حاله لأنه السبب في كل ما تعيشه صغيرته، إنه السبب في حرمانها من والدتها، إنه السبب منذ البداية
– أوعي يا خديجة تعمليها تاني، اوعي تخلي بابي يعيش الشعور ده تاني
نثر قبلاته فوق خديها يُخبرها إنها اغلى ما يملكه ، والصغيرة كانت سعيدة بما تحظى به من حب ودفئ بين ذراعي والدها
دموعه رغماً عنه عادت تغزو مقلتيه وهو يشعر بكفيها الصغيرين متشبثين به
– بابي ممكن نكلم مامي
تمتمت بها الصغيرة بعدما ابتعدت عن احضانه، تترقب جوابه وسرعان ما ابتسمت
– حاضر يا حببتي، بس نطلب اكل ليكي الأول عشان أنتِ جعانه وبابي يروح ياخد شاور عشان يقدر ياخد اميرته في حضنه من غير ما تقوله ريحتك وحشه يا بابي
قهقهت الصغيرة عالياً وقد راقها حديثه من مزاح عن رائحته، ترفع كفها نحو أنفها تكتم حاسة الشم متذمرة من رائحته تُمازحه بمشاغبة
– يعني ريحتي دلوقتي بقت وحشه ومن شويه كنتي متعلقه في حضني يا خديجة
والصغيرة تضحك بمشاغبة، ناسية كل ما مرت به ما دام عادت لأحضان والدها
– ريحتك وحشة يا بابي
تعالت ضحكاتهم معاً.. يُدغدها مُعاقبًا لها وهي تضحك بقوة سعيدة لما تحصل عليه من دلال
…….
تهاوت بجسدها فوق الفراش بعدما انهت مكالمتها مع فتون، لأول تشعر إنها عاجزة عن التفكير لا تعرف اتسمع لصوت عقلها ومخاوفها أم تقتنع بحديث فتون معها
” اوعي تفرطي بالطفل يا جنات، مش يمكن ديه الحاجة اللي ربنا أراد إنك تخرجي بيها من جوازك من كاظم، كاظم مش هيقدر ياخده منك لأنه مجرد كلام بيقوله ما هو قالك كلامك كتير وبقى يعمل عكسه ، ولو قدر ياخده منك أنتِ مش لوحدك يا جنات إحنا معاكِ وسليم هيقف جانبك متخافيش ”
” سليم ” اسم هذا الرجل أصبح مصدر أمان صديقتها وأمانها، بعدما كانت تراه ليس إلا رجلًا ثريًا عندما يُريد شئ يأخذه بقوة، فتون كانت محظوظة أن يقودها قدرها عائدًا بها لهذا الرجل
ارخت اهدابها مسترخيه، تُحاول التفكير في أمر الطفل تخشى من توقعها لردة فعل كاظم بعدما يرى حاله مجبر على تحمل طفل فرضته عليه
زفرت أنفاسها في ضياع، فالقلب يُعطيها أملاً والعقل يُصارعها فقد نالت الكثير من شخصية هذا الرجل، الرجل الذي اختارته بنفسها ودخلت دائرته برغبتها راغبة به، راغبة أن تكون زوجته
– أنا تعبت من التفكير، مش عارفه أعمل إيه
القلب بدء يمنحها الجواب كعادته بساذجته، إستمرار كاظم في هذا الزواج، تقاربه منها وقد كف عن إذلالها، إظاهر زواجهم دون خجل ومجيئها معه لهنا
اخرجتها الطرقات من شرودها، فتجمدت عيناها نحو اختبار الحمل الذي مازال تقبض عليه داخل كفها بقوة
حاولت نفض عقلها من تشوشه، ونهضت من فوق الفراش تُحاول أن تستوعب إنه يطرق فوق باب غرفتها ويُخبرها أن تتعجل في أمر تجهيزها ليُغادروا
– ياريت تجهزي لحد ما اجهز يا جنات
صوته خرج في ثبات بعدما خشى أن يخونه، ابتعد عن غرفتها بعد أن سمع صوتها الذي صاحبه حشرجة وتعلثم
– نص ساعة واكون جاهزة
خرج جوابها في طاعة، فابتسم متهكمًا فهي ليست بمزاج يسمح لها بمجادلته وهي تُفكر في التخلص من طفله
دلف غرفته مجدداً حانق بشدة من حاله، فبعدما كان مُقرراً مواجهتها تراجع عن القرار بل ويُخبرها أن تتجهز لترافقه
…..
التقط هاتفه ينظر للمكالمات والرسائل العديدة التي بعثتها إليه قلقًا
اغمض عينيه للحظات يقبض فوق هاتفه، فلا طاقة له ليُحادث أحد هو لا يُريد إلا أخذ حمام دافئ ثم الاسترخاء فوق فراشه واخذ صغيرته بين احضانه
– بابي أنت مش هتاكل معايا
انتبه على نداء صغيرته، فالتف إليها بعدما زفر أنفاسه
مال منها يلثم خدها بقبلة قوية، فابتسمت الصغيرة تنظر إليه بنظراتها الناعسة
– لا ياحببتي كلي أنتِ، عايز لما اخرج من الحمام الاقيكي خلصتي أكلك وشربتي اللبن بتاعك عشان نكلم مامي، تمام
والصغيرة تومئ برأسها إليه، تنفذ ما أراده حتى تنال مكافأتها
دلف المرحاض مستنداً برأسه فوق الجدار، إنه يظلم أبنته يجعلها تعيش طفوله لا تستحقها، يضعها في اختيار صعب لا هو يتحمل بعدها عنه بالكامل ولا هي ستتحمل بعدها عنه وعن أحضان والدتها بعدما نعمت بدفئها
اطبق فوق جفنيه بقوة، لما الحيرة طرقت أبوابه، لما اليوم اخترقت صدى الكلمات رأسه وهو يستمع لحديث زوجة شريكه الجديد السيد فايق عن ضحية الكثير من الأطفال بسبب طلاق والديهم
المرأة كانت ضد فكرة طلاق الأزواج حيث تراه غلطه يجنيها الأولاد، ورغم تحذير زوجها إليها بأن تصمت، فليس هذا التوقيت الذي تتحدث فيه عن ضيقها.
……
وقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها في الثوب الذي اشتراه لها وبعثه مع عامل التوصيل ظهراً
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة مريرة، إنها تعيش ما تمنت تعيشه معه ولكن كل شئ أتى متأخراً
اكملت وضع زينتها القليلة، وارتدت العقد الثمين الذي اهداه لها بعدما باتت متباعدة عنه، وكأنه يُخبرها بهداياه يستطيع السيطرة عليها ثانية، يظن بمجرد هدايا ستعود مفتونة به وستنسى كرهها لذاتها معه
توقفت يداها فوق القلادة في اللحظة التي دلف فيها غرفتها دون أن يطرق الباب هذه المرة
عيناه علقت بها كما علقت عيناها بالمرآة ترى إنعكاس صورتها.
لقد احسن في اختيار الثوب وقد ظن إنه لن يتمكن من إختيار ما يُلائمها
دلوفه للغرفتها بتلك الطريقه ارجف قلبها، جعلها تتخيل أن أمرها قد فضح
خرج صوته متحشرجًا وهو يسأل بعدما سار نحوها بضعة خطوات
– جهزتي
شعرت بالبرودة تسري باوصالها
– ثواني وأكون جاهزة
أسرعت بتوتر في إلتقاط مرطب الشفاه تضعه فوق شفتيها ، أجفلها قربه وسرعان ما كانت تُحدق هذه المرة في صورتهم المنعكسة
يديه طاوقت خصرها واجتذبها نحو صدره يدفن رأسه في تجويف عنقها وقد خرجت أنفاسه الساخنة تلسع بشرة خدها
– متوترة ليه؟
ازدردت لعابها من قربه وخاصة يديه التي ارتفعت قليلا نحو معدتها
– أنا مش متوتره
– وشك بهتان، تحبي نروح للدكتور
شحبت ملامحها بالفعل من سماع عبارته، ارتجف جسدها تنظر لملامحها عبر المرآة
– أنا مش تعبانه
ارادت أن تبتعد عنه، تُخلص حالها من أسر ذراعيه لتتمكن من ضبط أنفاسها
– مكنتش متخيل إن ذوقي حلو كده، ولا يمكن زي ما بيقولوا الشخص هو اللي بيحلي الشئ
ضاقت عيناها في صدمه، تلتف برأسها صوبه فماذا يقصد بحديثه
هل أختار لها الثوب؟
كاظم! إنه شئ لا تستطيع تخيله
– أنت اللي أختارته
أبتعد عنها دون أن يمنحها الإعتراف الذي ارادت سماعه ثانية
– بيتهيألي إننا أتأخرنا
إستدار بجسده مغادراً ، فتوقفت ساكنه مكانها للحظات تستوعب ما أخبرها, تمنح حالها زفر أنفاسها براحه
أسرعت خلفه بعدما ألتقطت حقيبتها من فوق الفراش، ولكن الصدمة الجمتها
كاظم يتوقف مكانه يدعوها بدعوة صريحة أن تتعلق بذراعه
أصابها الذهول وتوقفت عن السير تنظر إلى ما يفعله
…….
طالعت فتون الهاتف وقد بات القلق يحتلها، سليم لا يُجيب عليها فما الذي حدث معه
– اكلم مين اسأله
طالت نظراتها نحو الهاتف، تحدق برقمه تُعيد الرنين مجدداً
انتبهت الصغيرة على إضاءة الهاتف، بعدما مالت بجسدها لتلتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وقد تركه سليم جوار هاتفه بعد أن وضعه على وضيعة الصامت
علقت عيناها بالصورة التي ترافق رقم والدتها، فاسرعت بالتقاط الهاتف تنظر نحو باب المرحاض
ضغطت على زر الإجابة، صوت الماء مازال يتدافق وعلى ما يبدو أن والدها سيطيل مكوثه داخله كما طرء لعقلها الصغير
– مامي
اتسعت ابتسامة شهيرة في لهفة وهي تستمع لصوت صغيرتها
– ديدا حببتي، عندي مفاجأة حلوه أوي ليكي
أعطاها الموظف مفتاح الغرفة مرحبًا بها، وسرعان ما كانت تتلاشى ابتسامتها وهي تستمع لما تقصه عليها صغيرتها من أحداث اليوم وكيف ضاعت من والدها ووجدها
– عيطت كتير أوي يا مامي وفضلت أنادي عليكي
دلفت شهيرة المصعد يتبعها العامل بحقيبتها، تركت صغيرتها تتحدث وهي لم تكن ترى أمامها إلا أنها كان من الممكن تفقد صغيرتها
صغيرتها التي اهدتها لها الحياة، لن تنجب ثانية ففرصتها في الإنجاب أصبحت ضئيلة بل منعدمة بسبب تقدم عمرها، هي لا يظهر عليها العمر ولكنها اقتربت من منتصف الأربعين
– خديجة حببتي فين بابي
والصغيرة تُخبرها أين هو والدها
– على فكرة يا حببتي أنا هنا في الفندق اللي نزلين فيه، هي ديه المفاجأة اللي كنت عملاها ليكي
لم تصدق الصغيرة ما تسمعه وقد عادت اللهفة إليها وهي تتسأل
– يعني أنتِ هنا يا مامي، أنا عايزه أجيلك
– كل حاجة هتتصلح يا حببتي وهتكوني في حضني
……
زفرت أنفاسها براحة، وأخذ القلق يتلاشى من فوق ملامحها وهي ترى الخط قد فتحت واجابها أخيراً
– سليم
هتفتها بلهفة تنتظر سماع صوته، بدأت الأصوات تضح إليها
وعلى ما يبدو أن المكالمة فتحت دون قصد
– مامي هتنامي معانا مش كده
الصغيرة لم تنتبه على الهاتف الذي في قبضتها، ابتعدت عن أحضان والدتها
– خديجة
خرج صوت سليم قلقًا بعدما وجدها ليست بالغرفة ، علقت عيناه بشهيرة الواقفة مصدوماً من وجودها هنا، فمنذ متى وكيف أتت
– شهيرة
الفصل السادس والخمسون (2)
*******
كل شئ كان غريب عليها، أو ربما من شدة توترها ومخاوفها باتت ترى الأمور هكذا.
الصمت أحاطهم، وكل منهم ترك لعقله الراحة من التفكير
اتخذ الصمت حتى يرى ما ستفعله،
هل ستتخلى عن طفلهم وهو الذي عهدها أمرأه قوية تُحارب من أجل ما لها ؟
أما هي كانت تتخذ قرارها، لن تُخبره إلا عندما يعودوا للوطن
رمقها خلسة بنظرة خاطفة ثم عاد يُركز أنظاره نحو الطريق، يتسأل داخله كيف ولما اختار طريق الصبر معها، كيف صمت عما سمعه منها ورغبتها في التخلص من طفله
وصوت واحد كان يُخبره بالحقيقة المخزية
” أنت حبيتها يا كاظم”
توقفت السيارة أمام المطعم، فطالعت واجهة المكان قبل أن تترجل من السيارة
تقدمته في خطواتها ولكنه أبى أن يجعلها هذه الليلة ألا تكون حائرة من تصرفاته
أسرع نحوها يلتقط ذراعها، فالتفت صوبه تنظر إليه ثم لقبضة يده اللينة فوق ذراعها
ابتسم ساخراً يرفع زوايتي شفتيه محدقًا بها مستمتعاً بنظراتها الذاهلة
– عشان الوضع الإجتماعي، مش من الذوق يدخل كل واحد لواحده ده حتى تبقى عيبه في حقي وأطلع راجل قليل الذوق
– قليل الذوق! مش شايف إنك غريب اوي النهاردة
هتفتها مستنكره، فعن أي وضع إجتماعي يتحدث وهم سينفصلوا قريبًا
– مش يمكن لأن مزاجي حلو ومبسوط
شحبت ملامحها تزدرد لعابها وقد دب الخوف قلبها
– شايف إنك النهاردة وشك مصفر وباهت
القاها بتلاعب يرفع كفه نحو خدها يتحسسه ببطئ ، ارتعشت شفتيها من أثر لمسته
– لا حقيقي فيكِ حاجة غريبة يا جنات، بدأت أقلق عليكي
حاولت ألتقاط أنفاسها وطرد وساوسها، هي ليست اليوم بمزاج يسمح لها بأن تكون نداً له
– ممكن تبعد عني، قولتلك أنا كويسه ومافيش حاجة
– لا يا حببتي أتعودت خلاص على اعتراضك بسبب و دون سبب ، شوفتي أنا زوج رائع إزاي وبقلق على مراتي
– زوج ومراتي، بيتهيألي أنت اللي محتاج تروح لدكتور يا كاظم باشا
وكاظم اليوم كان بمزاج يسمح له بالتلاعب والتغافل عما يُريد التغافل عنه.
ربكتها تُزيده يقينًا أن حديثها الذي تحدثت به عن عدم رغبتها بالطفل ما هو إلا من صدمتها وخوفها من ردة فعله وهو ما يشفع لها حتى الأن معه
……..
تخشبت في وقفتها للحظات قبل أن تهوى بجسدها فوق الفراش جامدة الملامح تقبض فوق الهاتف بقوة
اخذت اهدابها ترتعش بعدما بدأت تستوعب على أي أرضً هي.
سقطت دموعها قهراً، فهو لم يجيب عليها وعلى رسائلها والسبب بات واضحًا لها
– معقول يا سليم تكون فعلاً زي ما قالولي إن الشاطر حسن موجود في الحكايات وبس وإني مجرد نزوة في حياتك هتفوق منها
ابتلعت مرارة الخوف الذي باتت تزرعها والدتها داخلها كلما التقت بها، فما الذي يميزها على طليقته ليستمر معها.
هي حتى الأن لم تنجب له طفلاً يقوي علاقتهما كما فعلت طليقته
لا تعلم كم مر من الوقت وهي جالسة على نفس وضيعتها. عصفت بها الأفكار حتى إنها لم تشعر بخدش أظافزها لراحتي كفيها من شدة قبضتها فوقهما
السيناريو أمامها كان يسير كما نسجه عقلها، شهيرة أنسحبت من حياتهم حتى يخدعوها ويستغلوا سذاجتها، وقد اعدوا لرحلة الغردقة بالتأكيد منذ فترة حتى أخذه لابنته خديجة معه الأمر كان غريب عليها، فهو ذاهب لأتمام صفقة كما أخبرها وليست رحلة إستجمام
– ما أنا اللي كل ما يحاول يدمجني في مجتمعه، ابعد اه بقيت زي الهابلة في النهاية وضحكوا عليا، لو كنت قريبة من حياته كنت فهمت إنه مسافرش الغردقة عشان صفقة ده سافر يرجعها ليه وأنا اللي مبقتش أقدر أعيش لحظة من غيره
…….
اهتمامه العجيب جذب أعين الجميع صوبهم وخاصة نظرات شقيقه الذي ابتعد أخيراً عن تلك الفتاة الملتصقة به بغنج
– اللحظة ديه أنتِ لازم توثقيها يا جنات، كاظم النعماني بجلالة قدره بيهتم بصحتك واكلك
والتمعت عينين أمير بخبث يريد التلاعب قليلاً بشقيقه
– أنا حاسس من الأهتمام العجيب إن في طفل جاي في السكة وهكون عم قريب
تناثرت قطرات المياة من فم جنات بعدما سعلت بشدة من حديثه، علقت عينين الجالسين بها ومنهم خديجة التي رفعت عيناها عن طبقها أخيرا بعدما كانت تتابع الحديث الدائر بذهن شارد ومرارة تسحق روحها
تجمدت ملامح كاظم نحوها، وسرعان ما كانت نظراته تتجه نحو شقيقه يرمقه بمقت
– أنا مش متخيل كاظم أب، هيكون عامل زي ظباط الجيش مع عساكرهم في الكتيبة
– لكن السيد كاظم هيكون أب رائع و ولاده هيكونوا محظوظين إنهم عندهم أب مثله
هتفت بها سندي الجالسة برفقة أمير بعدما مالت نحوه تتعلق بذراعه، زوجين من العيون حدقوا بها
جنات التي طالعت نظراتها الفاحصة الوقحة نحو زوجها ، وخديجة التي امتقعت ملامحها من شدة الغيرة
– أستاذ أمير هنبطل هزار ونكمل أكلنا ولا أنت شايف إيه
حك أمير ذقنه متراجعًا للخلف، يُعلن إتخاذه الصمت بعدما بات حديثه سخيفًا
علقت عينين خديجة به مقهورة مما ترى وقد عاد لأندماجه مع رفيقته الجميلة الصغيرة
– شايف طبقك زي ما هو، لو الأكل مش عجبك نطلب غيره
اهتمامه بدء يُريبها، تنظر إليه في توتر تخشى أن يكون علم بشئ، ولكنها لم تخبر بأحد سوى فتون وتخلصت من أختبار الحمل فما الذي يجعله اليوم غريب الأطوار معها
– أنت ليه مشغول بيا، أظن إني أخر حد ممكن تهتم بي
حاول كاظم تلاشي ما يسمعه منها
– لو مكنتش أهتم بيكِ ههتم بمين يا حببتي
التقط أمير عبارة شقيقه، فتعالا تصفيره غير مصدقًا ما يراه ويسمعه اليوم
– لا ده أنتِ الست الوالدة طلعت دعيالك يا جنات، شكل البوص راضي عنك أوي
ومال نحو رفيقته هامسًا لها ببضعة كلمات بعدما علقت عيناه بخديجة التي ضغطت فوق شفتيها بقوة حتى تسيطر على رعشت شفتيها
نهضت خديجة عن مقعدها تخشى أن تخونها دموعها، شعور لم تعلم قسوته يومًا ولكن اكتشفت إنه لا يُحتمل.
استأذنت منهم للذهاب لدورة المياة
فأماء لها كاظم برأسه ولكن أمير ركز أنظاره بقلق عليها، فهو مهما أظهر عدم لامبالاته إلا إنه لا يتحمل رؤية دمعة واحدة تسيل من عينيها, ولكن هي من اختارت أن يبحث عن أخرى لتؤكد له كم هي قوية دونه حتى لو رأته مع مئات النساء
– رايحة فين
ضاقت عينين كاظم في تساؤل وهو يراها تنهض هي الأخرى
– هروح فين يعني أكيد هروح الحمام
طالعها كاظم فاحصًا ملامحها برفق غير مهتم ب ردودها الفظة التي باتت تثير حنقه
– لكن أنتِ مأكلتيش حاجة
تجمدت ملامحها فما الذي يقصده من عبارته،انقذها من نظراته العبثة رنين هاتفه، فاسرعت في مغادرة طاولة الطعام تتجه نحو الجهة التي سارت إليها خديجة تتمتم داخلها في ريبة
– معقول يكون سمع مكالمتي مع فتون، لا لا مش معقول
……..
علقت عيناه بصغيرته بعدما قبلته فوق خده وركضت نحو والدتها، فهي اختارت أن تقضي ليلتها بين أحضان والدتها بعدما خيرتها بينهم، أبنته أصبحت تبتعد عنه تبتعد لدرجة يخشى فيها فقده لها
غادرت شهيرة الغرفة فالحديث بينهم لم ينتهي عن أمر صغيرتهم، لأنها ببساطة أدركت لم يعد متبقي لها إلا أبنتها ونجاحها في عملها وهما ما ستحارب من أجلهم فقط
طالت نظراته المتحجرة نحو باب الغرفة يرفع راحة كفه يفرك جبينه
– أنت كنت عارف ومتأكد يا سليم إن شهيرة لو فاقت من صراعها مع نفسها، هتختار بنتها.. لكن أنا مش هتحمل بعدها
عصفت به الأفكار، أبنته وفتون
فماذا سيحدث لو خيرته شهيرة للمرة الأخيرة بينهم؟
حبه لأبنته قوي لدرجة أصبح يتسأل هل أحبه والديه كما يُحب أبنته وكان هو الأعمى عن حبهم ، أم هو يعوض كل ما أراد أن يعيشه مع صغيرته فأصبح لا يتحمل حتى اختيارها لحضن والدتها عنه.
صورتها الجميلة الناعمة اخترقت صراعه مع أفكاره ، فتون زوجته الصغيره المرأة التي رغم كل ما بها من عيوب كطفله ساذجة تحتاج للنضج إلا إنه مهوس بها.
مجرد أن تتلامس أجسادهم يفقد معها صوبه, يجتاحها بقوة وهي كالدمية الصغيرة بين ذراعيه تتركه يشبع إلى أن يرتوي وكلما سأل حاله ما هذا الجنون لا يجد إلا إجابة واحدة إنه متيم بها،
متيم بنظرتها إليه التي لم يراها في عينين أمرأة من قبل
اطبق فوق جفنيه بقوة لعله يسمح لعقله الراحة قليلاً حتى يُفكر هل لديه قدرة أن تعيش أبنته معها وتأتي إليه مرات بالأسبوع تحددها شهيرة له بعدما افصحت له الليلة أنها لن تُنجب غيرها وهي ما تبقى لها فلا يكون أنانيًا لهذه الدرجة
……..
حاولت خديجة مسح دموعها بعدما تلاقت عيناها بعينين جنات في صورتها المنعكسة بالمرآة
– أنتِ كويسة
تسألت بها جنات وقد اقتربت منها، فجاهدت خديجة في إخراج صوتها بثبات حتى لا تشك بأمرها
– شكراً لأهتمامك
ابتسمت جنات إليها ولم تعلق على شئ، فهي تعلم إنها تكذب عليها كما أصبحت تعلم الكثير من الخبايا بفطنتها الأنثوية
– أنا مبسوطة إن أتعرفت عليكي، وكنت أتمنى تعارفنا يكون أفضل من كده
واردفت مازحة تتذكر دعابات أمير والعرض المسرحي الذي يفعله أمامهم
– أمير بصراحة مش مدينا فرصة نتكلم ولا نتعرف على بعض، لكن حقيقي هو شخصية لطيفه
ارتعشت أهداب خديجة ثم لفظت أنفاسها ببطئ تُحاول السيطرة على مشاعرها حتى لا تكون صفحة مرئية أمام المرأة التي لا تراها إلا شديدة الذكاء
– وكاظم شخصية جميله وبيحترمك ك ست، بصراحة مكنتش اتخيل إن أشوف كاظم في يوم زوج متفهم ورائع
ارادت خديجة أن تغير محور الحديث بعدما شعرت بتلميحها، فهي ليست بالسذاجة ألا تفهم ما تُلمح إليه
– وشخص ك كاظم إنه يعامل ست ب اللطف ده هما حاجتين يا أما بيقدرها ويحترمها جداً أو بيحبها
القتها خديجة وانسحبت مبتسمة بعدما رأت الوجوم أرتسم فوق ملامح جنات، تراها مثلها أمرأة يقودها الكبرياء ولكن هي وأمير حكاية مختلفة
حاولت جنات أن تفيق من ذهولها ما سمعته منها وتلك النظرة التي رمقتها بها قبل أن تتركها بمفردها، وعلى ما يبدو إنها ليست وحدها من كانت تُركز معها بل خديجة النجار كانت مثلها تتابع حرب المشاعر التي تدور بينها وبين كاظم
– أنا متأكده إن علاقتهم أكبر من إعجاب
وسرعان ما كانت ترفع كفها نحو شفتيها تكتم صوت شهقتها، تتذكر تلك القطعة النسائية التي وجدتها أسفل الفراش
– معقول خديجة النجار و أمير بينهم علاقه من النوع ده
……
استطاعت لأول مرة أن تخفي مشاعرها عن نظرات السيدة ألفت المصدومة ثم السائق الذي دلف للتو مكان وجودهم
– عايزه أعملها مفاجأة ل سليم واروح الغردقة
– أنتِ عايزانا نتحرك دلوقتي يا هانم
هتفها السائق في صدمة، فانحنت نحو حقيبة الظهر الخاصة بها وقد وضعت فيها بعض ملابسها
– ياريت يا عم محمد، لو مش هتقدر ممكن تحجزلي تذكرة أتوبيس
– لكن يا هانم سليم بيه ممكن يضايق لو عملت حاجة زي كده من غير إذنه
امتقعت ملامح فتون، فهي بصعوبة تسيطر على مشاعرها أمامهم
– عم محمد عنده حق يا بنتِ، ممكن سليم بيه يضايق ومتعجبهوش المفاجأة
توترت ملامح السيدة ألفت بعدما أدركت معنى عبارتها التي لم تكن تقصدها، ف النظرة التي تُطالعها بها سيدتها الصغيرة ما هي إلا نظرة شك
– مقصدش حاجة يا بنتِ، لكن لو أنتِ عايزه كده ف القرار قرارك طبعاً
وبهمس استمعت إليه السيدة ألفت وقد أصاب دهشتها وبدء حدسها يُخبرها أن هناك شئ قد جعل سيدتها الصغيرة تتخذ قرار كهذا بعيداً عن شخصيتها
– صح القرار قراري وبعد كده هيكون ليا قرارت كتير
اليوم كان عصيب ومرهق عليها تسمح للهواء عبر نافذة السيارة يُعبأ رئتيها لعله يُخفف من ذلك الشعور الذي تشعر به.
قرأت رسالته التي بعثها لها قبل ساعة، يُخبرها إنه أسف على عدم جوابه عليها وإنه سيُحادثها صباحاً.
السيارة اخذت تشق طريقها في الظلام نحو مدينة الغردقة، وقد سمحت لحالها أخيراً أن تغفو.
……….
اجتذب ذراعها حانقًا بعدما لم يعد لديه قدرة على السيطرة نحو كل ذرة يشعر بها بسبب أفعالها
هو ليس خبير بتلاعب النساء، فهو كان يكره صنفهم ويتحاشا وجودهم عن حياته
– سيب أيدي يا كاظم، أنت بتوجعني
احتدت عيناه بعدما دفعها للخلف والصقها بالجدار
– عايزة توصلي لأيه يا جنات؟
ضافت عيناها في حيرة، فهي لم تعد تسعى معه نحو شئ بل تقتص لمشاعرها حتى لا تظل طيلة حياتها تشعر بالعار من حالها خاصة وأن هناك طفلاً سيربطهما، سترى فيه دوماً خيبتها وكم كانت مرأة حقيرة حينا رفضت المال والتسوية عن الأرض التي فقدها والدها منذ زمن وعادت هي تطرق أبوابهم تُطالب بحق والدها والهدف لم يكن التعويض عن الأرض بل كان هو
– ردي عليا
حاولت دفعه عنها تتمتم حانقة
– مش عايزة أوصل لحاجة، كل اللي عايزاه رحلتنا تخلص ونرجع مصر وتطلقني
استفزته في تماطلها بالحديث، فعاد يحكم قبضة يديه فوق ذراعيها
– دلوقتي النموذج اللطيف من الرجاله عجبك، ضحك وهزار
ارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يراها بدأت تستوعب ما يقصده
– لا والهانم مش مكيفها إني ساكت ومتقبل ضحكها واشعارها عن شخصية أخويا اللي تجذب أي ست، بكل وقاحة تقول كان نفسي أتجوز راجل بشخصيتك
ضاقت أنفاسها بعدما أصبح يُلمح لأشياء تُهين كرامتها
– طبعا كاظم باشا لازم يفكر فيا بأي صورة وحشة، عشان يأكد كل يوم لنفسه أد إيه أنا ست وحشة
– والله أنا شايف إن الأدوار أتعكست
تمتم بمراوغة بعدما تلاشت المسافة بينهم وامتزجت أنفاسهم
– قصدك إيه؟
التمع المكر في عينيه متلذذاً وهو يراها بذلك التخبط وتلك الحيرة
– بيتهيألي إنك أذكى من إنك متفهميش كلامي يا جنات
حاولت التخلص من حصاره، لكنه احكم ذراعيه حولها
– قصدك إن أنا اللي بقيت الطرف السئ في الحكاية، عايز توصل لإيه يا بن النعماني، عايز تاخد مني إيه تاني
– عايز ده يا جنات
تجمدت عيناها من أثر حركته فوق جسدها، كفه وضع فوق دقات قلبها الهادرة
أصابها الذهول وهي التي ظنت أن ما يريده منها ما تخشى معرفته به
– المرادي مش عايز جسمك يا جنات، عايز قلبك يدق باسمي
تعالت أنفاسها وقد جف حلقها تُطالعه في صمت، إنه يضغط عليها بشدة اليوم وهي غير قادرة أن تستوعب كل ما باتت تعيشه معه
شفتيه تحركت ببطئ فوق خاصتها يمنحها قبلة بطيئة وناعمة، لم تتجاوب معه من أثر صدمتها
– قوليلي إنك لسا مغرمة بيا، قوليها يا جنات
تلاقت عيناهم ينتظر أن يسمع جوابها ولكنها كانت ساكنة الملامح والجسد ولولا رعشت أهدابها لظنها باتت جامدة كالتمثال
– اللعبة خلصت يا جنات، وأنا الخسران
– أنت بتعمل كده عشان تخدعني وأخرج من حياتك ضعيفة مش قوية، ليه بتكرهني كده
– لدرجادي أنا إنسان حقير
هتفها بمرارة لا يُصدق إنها تخاف من تلاعبه بها حتى يُخرجها من حياته بقايا أمرأة
– أنا اللي فرضت نفسي عليك، حبيت أكون أنانيه لمرة واحدة من عمري وأعيش في حياة مش ليا، خلينا نبعد يا كاظم يمكن اقدر ارجع أحترم ذاتي من تاني
والجواب كان يمنحه لها في قبلة أخرى، قبلة يُخبرها فيها إنه يرفض ما تريده
حاولت الإبتعاد عنه، لكنه كان مصّر أن يجعلها تعلم إنه لا يرغبها بشهوة بل يرغبها بشعور جديد عليه لا يُريد تفسيره بل إنه يريد فقط الراحة بين ذراعيها
لم تعد لمقاومتها معنى، بل تركت له أبواب حصونها الليلة مفتوحه.
ويا للعار إنها تتجاوب مع لمساته الدافئة تهتف باسمه بأنفاس لاهثة
……..
ابتسمت ناهد بأبتهاج وهي ترى النيران تشتعل في منزل شقيقتها بعدما ابتعدت بالصغير ولم ينتبه عليها أحد من الحرس، فالجميع ركض نحو الداخل
– هنمشي من هنا يا حبيبي، هيكرهوك عشان أنت شبها
ولم تكن تقصد إلا أبنتها، فالصغير كلما كبر أصبح نسخة مصغرة عن مها أبنتها الحبيبة الغالية
توقفت سيارة الأجرة التي تعرف صاحبها ولم يكن إلا السائق الأجرة الذي كانت معه الأمس.
……..
تقف بعيدة عنه ترمقه بنظرات لائمة حزينة، دموعها تسيل فوق خديها ومهما هتف باسمها يرجوها أن تنتظره ليبرر لها فعلته، ولكنها رحلت راكضة من أمامه
واخرى كانت تتعلق في ذراعه تنظر إليه مبتسمه، والأخرى لم تكن إلا شهيرة
– سيبها تمشي، سيبها تبعد عن حياتنا
استيقظ مفزوعًا من غفوته يمسح حبات العرق فوق جبينه، إنه حلم وعلى ما يبدو أن من شدة تفكيره بحديث شهيرة أنها فاقت أخيرا على حقيقة تجاهلتها، إنها ستكون الوحيدة الخاسرة إذا تخلت عن أبنتها بالكامل هي تُريد إقامتها معها
عادت عبارتها تخترق أذنيه ثانية
” متكنش أناني يا سليم، أنت تقدر تخلف تاني لكن أنا لاء”
نهض من فوق فراشه يشعر بثقل يحتل كامل جسده، الساعه كانت تشير للرابعة فجراً
– لأول مره أكون عاجز عن التفكير ، محتاج احس إني مش ظالم مش عايز في يوم بنتِ تحس إن ظلمتها، مش عايزه تعيش اللي عيشته
التقط هاتفه راغبًا في سماع صوتها، ولكنه تراجع عن الأمر ف بالتأكيد هي نائمة وهو يحتاج لذهن صافي حتى يُخبرها عن سبب عدم جوابه عليها ليلة أمس
تراجع عن الأمر وقرر الخروج للشرفة يتنفس بعض الهواء براحة ويرتب أفكاره
أدى فريضة الفجر وقرر بعدها يغفو ثانية وقد عاد عقله وقلبه للثبات بعد ما عاشه ليلة أمس.
مشاكل عمل، عمته التي بات يسمع عنها أخبار لا يصدق إنها صحيحة ولكنه ينتظرها أن تُخبره بنفسها كل شئ، شعوره بالذنب نحو أبنته لأنه لا يريد أن تنال حبهم ورعايتهم مقسمة بالأيام، وظهور مسعد في إطار حياتهم مجدداً وتقاربه من أكثر النساء خبثً وهي دينا التي يعلم نواياها نحوه
افكار كثيرة كانت تقتحم عقله و دون شعور منه كان يغفو
…….
توقفت السيارة أخيراً في الصباح الباكر أمام الفندق، تفتح باب السيارة برهبة قليلاً لا تُصدق إنها فعلتها وأتت لمدينة الغردقة بصحبة السائق
ترجل السائق من السيارة وأخرج حقيبتها متمتماً بإرهاق
– نكلم سليم بيه ياهانم نقوله إننا وصلنا
والجواب بالطبع كان بالرفض، فهي أتت لتكتشف الحقيقة المريرة التي كانت تخشاها
اتبعها السائق، فسارت بخطوات مرتبكة بعض الشئ، إنها ليست من النساء اللاتي يتسمون بالجرائة في تصرفاتهم
استقبلها موظف الإستقبال بابتسامة بشوشة
– في حجز يا فندم
أعطته بطاقة هويتها أولاً ومالت قليلاً مشيرة إليه أن يقترب ليسمعها
شعر الموظف بالأرتياب ينظر لبطاقة هويتها ثم إليها
– جوزي نازل عندكم هنا، هو ضيف مهم
ضاقت عينين الموظف متسائلًا
– مين يا فندم
– سليم النجار
ضاقت عينين الموظف يرمقها بنظرة فاحصة ثم الرجل الذي وقف خلفها إحترامًا
– حضرتك مدام سليم النجار
– مش شايف في البطاقة الشخصية متزوجة
– أيوة يا فندم لكن مش مكتوب اسم الزوج
امتقعت ملامح فتون فهي لأول مرة تواجه هذا الموقف بل
وتتحدث مع رجل بتلك الجرائة البعيدة عن شخصيتها ، وضعت يدها في حقيبتها الصغيرة التي تعلقها فوق كتفها تُخرج له قسيمة الزواج
– وكده هتعترض بقى
وضعتها أمامه تنظر إليه في إستنكار، هي مستعده لكل شئ فهي ليست بالحمقاء ألا تعرف ما ستحتاجه لتتمكن من دلوف غرفته وتقبض عليه في تلبس
– لا طبعا يا فندم كده مقدرش اتكلم، حضرتك عملاها مفاجأه ل سليم بيه
رسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة تتخيل اللحظة التي سيراها فيها سليم
– طبعا، اصل عيد ميلاده بكره وأنا حبيت اعملها ليه مفاجأة
والتفت نحو السائق الذي بات الإرهاق مرتسم فوق ملامحه
– ممكن أحجز اوضه لعم محمد
ابتسم الرجل بلطافة، فلأول مرة يصادف نموذج من الطبقات الراقية يتعامل بعفوية وبساطه بتلك الطريقة المضحكة
– تمام يا فندم، طبعا الحساب على سليم بيه
تحركت خلف العامل تتأمل ساحة الفندق الخالية من الزوار في هذا الوقت المبكر
بحركات وئيدة تحركت مجددا خلف العامل بعدما غادروا المصعد، تشعر بأن أنفاسها بدأت تنسحب وهي تتخيل ما سوف تراه من صدمة
– فتون
هتف اسمها في ذهول ولولا العامل الذي يقف جوارها أمام باب غرفته لظن إنه مازال نائم يحلم بها
وسرعان ما كان يقترب منها يجذبها إليه
– أنتِ جيتي هنا إزاي
عيناها لم تكن معه بل كانت تُحدق في باب الغرفة المفتوح.
دفعت ذراعيه عنها دون حديث، واسرعت لداخل الغرفة تلتف حولها باحثة عنها
– هي فين
توقف خلفها في ذهول ينظر إليها
– فين شهيرة، بتضحكوا عليا عشان عارفين إني هبله
واتجهت نحو الغرفة تبحث داخلها، السرير كان خالي والحمام أيضًا حتى تحت الفراش والأريكة بحثت في كل مكان دون عقل دون أن تفكر للحظات أن خديجة، فهي كانت معه فأين هي؟
اتسعت عيناه في دهشة لا يستوعب ما يراه فحتى الأن لا يستوعب إنها أمامه
صمته ووقوفه بتلك الطريقة ازعجها، إنه يقف كالمتفرج يعقد ساعديه أمام صدره منتظر أن تنهي ما تفعله
أندفعت صوبه تشب على أطراف أصابع قدميها
– جايبها معاك الغردقة عشان ترجعلها، لا يا سليم باشا لو فكرني هرضى زي ما رضيت تعيش معانا فترة فخلاص فتون الهابله صحيت
هل يضحك أم يجذبها من أطراف بلوزتها لأعلى ويستمتع برؤيتها معلقة
والأختيار الأول كان الأقرب له، انفجر ضاحكاً بعلو صوته رغم مزاجه السئ
لم تشعر بحالها إلا وهي تتعلق بعنقه بجنون
– هتدفع تمن كل شعور وحش حسيتوا يا سليم، أنت اللي طلعت فتون الشريرة من جوايا
استمر في الضحك وهو يراها عالقة به
– هتطلقني قبل ما تتجوزها
ارتفع حاجبيه في تسأل بعدما ضاقت عيناه
– أنتِ كنتِ معايا في الحلم وأنا بتجوزها
– كمان اتجوزتها
وكل شئ في ثواني كان ينقلب لندب وبكاء وكلمة واحدة أصبحت تتردد على لسانها مع غباء صاحبتها
– طلقني، انا مقبلش أعيش مع راجل خاين و كداب
– طلقني وخاين وكداب كمان
وهي اليوم لن تصمت عن شئ، بل ستخرج كل شئ كبتته داخلها، سماعها لصوت شهيرة عندما انفتح الخط وعدم جوابه على اتصالها و رسائلها عن تحملها للكثير وصمتها عن حقوقها
– طبعا مكنتش فاضي ليا مع أنت كنت مشغول في حاجة تانيه
– لحد هنا، وهنقف يا فتون
لم تشعر إلا وهي معلقة على كتفه يتجه بها نحو الغرفة المفتوحة يقذفها فوق الفراش
– الفندق كله سمع صوتنا، وماشاء الله راديو مش راضي يفصل وأنا عشان راجل صبور سايبك تتكلمي شمال ويمين
اردات النهوض ولكنه كان الأسرع منها وهو يُكبلها بيديه وساقيه
– جيتي إزاي ومع مين
والجواب هذه المرة كان يأخذه منها في هدوء
– مع السواق
– وليه مكلمتنيش وعرفتيني إنك جاية، كنت حجزتلك تذكرة طيران
– عشان اثبت جريمتك
– جريمة
نطقها في ذهوله، ينظر إليها وهي تُحاول التخلص من حصاره
– بيتهيألي إنك تعبانه من السفر يا حببتي، نامي وبعدين نتكلم
وابتعد عنها يسمح لها بالتحرك لأخذ حمام دافئ وتبديل ملابسها
– خدي حمام دافي وغيري هدومك لحد ما اطلب الفطار، وبلاش اسمع كلمة زيادة لحد ما تعملي كل ده ونقعد نتكلم في هدوء زي الناس العاقلة
واردف حانقًا يستدير بجسده مغادراً الغرفة
– واظن طلعت برئ من تهمة الخيانة
طالعته وهو يُغادر تحك فروة رأسها وكأنها بدأت للتو تفيق، ببطئ وآلية نفذت ما رأته إنه سيمنحها بعض الأسترخاء والراحة لتفكر
غادرت المرحاض بعد وقت طويل بعض الشئ تعقد رابطة المئزر حول خصرها
وجدته يدلف الغرفة ينظر إليها بجمود
– تعالي عشان تفطري وبعد كده نامي
– مش عايزة أفطر, مش عايزة منك حاجة
– فتون
اتجهت نحو الفراش متجاهلة هتافه، زفر أنفاسه حانقًا مقتربً منها
– أنا بقى اللى ليا حق عندك مش أنتِ، لأن بتصرفاتك خسرتي حقك يا فتون
– يعني تتجوز عليا وتقولي حق ومش حق
تجهمت ملامحه فعن أي زواج تتحدث هذه الحمقاء
– قولتلك كان في الحلم، تصدقي إني غلطان عشان ندمت في الحلم إني زعلت على فراقك
اتسعت حدقتيها في ذهول من صراحته، اعتلت شفتيه ابتسامه ماكرة ينظر إليها مستمتعاً
– يتشكِ فيا يا فتون
وبجرائة لم يعدها منها تمتمت وهي تتثاوب
– أيوة، كل الرجاله طبعهم الخيانة
ارتفع حاجبيه في دهشة
– فعلا أنتِ محتاجة تنامي يا فتون
امتقعت ملامحها وهي تراه يأمرها ثانية
– مش عايزة تنامي مش مهم، في حاجات لطيفه تانيه ممكن نعملها
مال نحوها وقد عاد الاسترخاء يحتل قسمات وجهه، دفعته عنها فتعالت ضحكته
– احمدي ربنا إني صبور بزيادة النهاردة وعندي حالة تبلد متتوصفش
اشاحت بوجهها عنه، فعلقت عيناه في ذهول وصدمة يقطب حاجبيه بعدما انتبه للتو للتغير الذي فعلته بحالها
– أنتِ غيرتي لون شعرك يا فتون!
تسأل في دهشة ينظر نحو خصلاتها بتدقيق، فارتفع حاجبيها في إستنكار من نظراته لا تُصدق إنه ترك مشكلتهم الأساسية وغضبها منه عما فعله بها ويتساءل عن خصلات شعرها
تأوهت في خفوت بعدما اجتذب بضعة خصلات بين أنامله يقطب حاجبيه في تساءل ثانية
– هو شعرك قصر أوي ولا أنا بيتهيألي
نظراته القاتمة وتلك التقطيبة المرتسمة بين حاجبيه جعلتها تُحدق بخصلاتها التي مازال يقبض عليها بين أنامله
– كنت عملاها ليك مفاجأة لكن طلعت زيهم، على رأي المدام اللي كانت بتعمل شعرها جانبي ياريت بتقدروا اللي بنعمله
احتدت نظراته، فهو لا يُصدق إنها فعلت فعلتها الشنيعة بالنسبة إليه
– نقدر، ده أنا هقدر أوي يا فتون معاكي النهاردة، يعني جيالي الغردقة لوحدك مع إني قبلها بعتلك رسالة وطمنتك عليا ، وتقوليلي نقدر
التوت شفتيها إستنكاراً بطريقة كانت تفعلها والدتها عندما كانت ترى أمر لا يُعجبها
– رسالة، لا شكراً على تقديرك يا سليم باشا، يا محبوب النساء، يا مثال الوفاء
وعادت نظراتها تحتد تتذكر إعترافه لها منذ قليل ، تدفع يده عن خصلاتها بعدما لانت قبضته
– كنت بتحلم إنك بتتجوز طليقتك من تاني، لا وكمان كنت في الحلم بتفرج عليكم
حديثها لم يكن ذو أهمية هذه اللحظة، فهو أعترف وهو يعلم إنها كباقية النساء ستندب حظها لفترة لا يعلم هل ستطول أم ستنتهي هذه الليلة وترحمه وترحم حالها وقد تعلم الدرس لا إعتراف صريح مع النساء
ارادت النهوض بعيداً عنه لعلها تجد في هواء الشرفة راحة لها عما عاشته ليلة أمس ولكن كان أسرع منها يجذبها إليه، يلتقط خصلاتها ويرفعهما عاليًا يُريد إثارة حنقها كما أغضبته
– مين فهمك إني بحب صبغات الشعر لا وكمان تقصهولي، طيب مفاجأة بمفاجأة يا فتون هتجوز شهيرة والمرادي هعملها فرح
أصابها الجمود بعد سماعها لكلماته، بصعوبة حاول إخفاء إبتسامته..
يرفع كفه نحو وجنتها اليسرى يداعبها برفق حتى تفيق من حالة جمودها
لا يعرف كيف ومتى أصبحت فوقه تحيط عنقه بكفيها
– زي ما أنت بتحافظ على ممتلكاتك أنا كمان بعرف أحافظ على ممتلكاتي يا سليم
هذه المرة اصابته كلماتها وكأنه كان ينتظر سماعها، شهقت في ذعر بعدما انقلب الوضع وأصبح هو في الأعلى
– الشاطر حسن مش هيطلع كذاب ولا خاين يا فتون، لأن الشاطر حسن بيحب البنت أم ضفاير حلوه
……..
انقلب المنزل رأسًا على عقب بعدما بدأت الأجواء تهدء وتم السيطرة على الحريق الذي لم ينال الكثير من الطبق الأرضي
تنفست كاميليا الصعداء وهي تنظر لزوجها وقوات الأمن
– الحمدلله عدت على خير ومحدش حصلوا حاجة
– كاميليا هانم، ناهد هانم مش موجوده ولا عزالدين موجود
هتفت بها الخادمة تلهث أنفاسها بصعوبة والجميع ينظر إليها في حالة ذهول وصدمة
الفصل السابع والخمسون (1)
******
انتقلت كل النظرات التي تحمل الإتهام نحو كاميليا ، كاميليا التي ارجفها هول ما حدث وسُلبت أنفاسها من شدة الخوف، ستحمل الذنب طيلة عمرها إذا حدث لحفيدها شئ لأنها المتهمة الوحيدة في تخريب حياة أبنائها، فمن شدة عشقها لهم تُريدهم أن يعيشوا حياتهم سعداء والسعادة كانت من وجهة نظرها مختلفة
انزوت بعيداً تنتحب في صمت وتترقب معهم ما يُبلغهم به زوجها ورجاله بعدما استخدم سلطته
الجميع أخذ يُعبر عن مشاعره في صمت، إلا ملك التي ضمتها ميادة إليها تُشاركها البكاء وقد سقطت الصدمة فوق رأسهما خاصة بقوة لأنهم وجدوا رجال الشرطة بالمنزل عندما عادوا من رحلتهم القصيرة
…..
فتحت عيناها بثقل من أثر النعاس الذي يطبق على جفنيها بقوة، الفراش كان دافئ وهي كانت في أقصى درجة من الإسترخاء، ولكن استرخائها أخذ يزول شيئًا فشئ وهي تتذكر أين هي ولما هي هنا؟
وعلى ما يبدو أن الساعات الطويلة التي قضتها نائمة اذهبت عقلها قليلًا
انتفضت من فوق وسادتها تبحث عنه حولها ولكن سرعان ما وجدت رساله منه يُخبرها أن تهاتفه حينما تستيقظ
أسرعت في التقاط هاتفها لترى الوقت أولاً، فاتسعت حدقتيها وهي لا تُصدق إنها بالفعل غفت كل هذه المدة، فالساعة تشير للثالثة عصراً
– معقول نمت كل ده
حاولت فرك رأسها قليلًا من ذلك الضجيج الذي يطرق رأسها، وقررت مهاتفته أولاً ثم النهوض للمرحاض ولكن قبل أن تضغط على زر الأتصال كان باب الجناح يُفتح
تحركت من فوق الفراش لتتمكن من النهوض، ولكن وجدته يتقدم منها في صمت عجيب، يزيل عنه قميصه ثم القاه بفتور
– متقوميش من جانبي يا فتون
ضاقت عيناها في تساؤل بعدما استمعت لطلبه الغريب ، وازداد التساؤل داخلها وهي تراه يتسطح جوارها
أنفاسه كانت عالية وكأنه يُصارع شئ داخله، ضغطه الشديد فوق شفتيه يُشعرها أن هناك شئ يُزعجه
بتوتر تساءلت
– سليم هو في حاجة حصلت، وليه مجبتش خديجة معاك
بتهكم اجابها، يتذكر إلتصاق صغيرته بوالدتها وكأن دوره قد أنتهى من حياتها
– خديجة عايزه تفضل مع شهيرة ، بنتِ اللي أنا كنت رقم واحد في حياتها دلوقتي عايزه تكون مع أمها
ارتفعت وتيرة غضبه كلما تذكر كيف أخبرته أبنته بعدما اطرقت رأسها أرضًا، أنها تُريد العيش مع والدتها، والدتها ستجلب لهما شقة جميلة بعيدة عن قصر الوحش الذي يسكنه حامد، وستجلب لها الكثير من الألعاب وستحكي لها الحكايات التي تُحبها
– شهيرة دلوقتي فاقت وعرفت دورها، بعد ما أنا سمحت ليها تيجي تعيش معانا وتقرب من البنت، عايزة تاخدها خالص مني وتحرمني منها
اجتذب شرشف الفراش بغضب ثم القاه ، فعلقت عيناها به بفزع
– تعرف إيه هي عنها، أنا اللي كنت بقوم بدورها، وهي كانت بتجري وراء نجاحها
التمعت عيناه بالذكريات، فتهاوى بجسده فوق الفراش يحني جزعه العلوي لأسفل ويدفن رأسه بين راحتي كفيه، يتذكر أول مرة تحبو فيها أمام عينيه
– أول مرة زحفت فيها كانت معايا في الشركة، حطيتها وسط العابها وانشغلت في شغلي
داعبت الابتسامة شفتيه وهو يتذكر شعوره تلك اللحظه
– حسيت حاجة بتلعب في رجلي، لقيتها بتحاول ترفع نفسها ليا، فضلت باصص عليها بسأل نفسي هي جات عندي إزاي، لحد ما استوعبت إنها بدأت تتحرك، كبرت قدام عينيا ، كل خطوة أنا كنت معاها فيها، انا عارف إنهم مجرد اربع سنين من عمري معاها، لكن مع كل يوم كانت بتكبر فيه كانت بتغير سليم النجار
– أنا وحش أوي يا فتون، وحش لدرجة محدش يقدر يتخيلها ، لكن اتغيرت معاها
رغماً عنها خانتها دموعها تأثراً، هي لا تعرف هذا الشعور ليس لديها طفوله تجعلها متعلقة بوالديها ولم تحظى بشعور الأمومة ولكنها تفهمه وتشعر به
– خديجة بتحبك يا سليم، لكنها محتاجة مشاعر مامتها..، أنت نجحت لما قربتهم من بعض، بنتك هتكبر من غير ما تحس إن كان ناقصها حنان منكم، أنتوا الاتنين بتسعوا إنكم تدوها حبكم
علقت عيناه بها ، فتوقفت عن الحديث بعدما ظنت أن حديثها لم يُعجبه، ولكن عيناه تُخبرها إنه بحاجة لسماعها.
حاولت الحديث بمزيد من الكلمات ، ولكن نظراته اربكتها
تعالا رنين الهاتف، فوجدته يميل عائداً لتسطحه لا يُريد أن يُجيب على أحد
فاقتربت منه راغبة في التخفيف عنه، ولكن وجدته يغلق عينيه راغبًا بالنوم
جاورته لا تعلم كم مر من الوقت وهي تجلس جواره تارة تنظر إليه لتتأكد من ذهابه في النوم وتارة تسرح مع أفكارها، فلو كانت تحمل في احشائها طفلًا لكان كل شئ تغير.
نهضت أخيراً من فوق الفراش تشعر بالذنب لأنها مقصرة في أداء فرائضها
التقطت قميصه المُلقى أرضًا ثم هاتفه وخرجت به من الغرفه لتمنحه بعض الإسترخاء دون إزعاج
……..
هل منزله كان هكذا ملئ بالضحكات والمزاح أم إنها عادة باتت مؤخراً في منزله ؟
وعلى ما يبدو أن عطلة الزواج المزيف ستجعله يكتشف الكثير في منزله الذي كان يلمئه الهدوء
بضيق ارتسم فوق ملامحه هبط الثلاث درجات التي صعدهم فوق الدرج قاصداً غرفته واستدار بجسده متجهًا نحو المطبخ ليرى الشئ الذي يجعلهم يضحكون هكذا
الضحكات كانت تتعالا دون توقف، السيدة سعاد تُقهقه بشدة والعم جميل يُخبرهم أنه سيعيد الأمر ثانية وإذا فشلوا سيتركهم عائداً لعمله بالحديقة بجانب أزهاره
ازداد فضوله كلما اقترب، وسرعان ما كان فضوله يتلاشى وهو يرى ما صدمه
إنهم يلتقطون الصور بالهاتف الجديد الذي أعطاه لها ، وكأنهم في جلسة تصويريه
انتبه العم جميل على وقفته وتحديقه بهم في جمود، مترقبًا ما يفعلوه بنظرات ثاقبة
– جسار بيه
والحرج الذي أصاب العم جميل، اخذ يرتسم أيضًا فوق ملامح السيدة سعاد التي وقفت بوقفة إستعراضيه ترفع معلقة المطبخ الخشبية لأعلى
هم اعتادوا على غيابه هذه الساعات في عمله، فتناسوا وجوده بغرفة المكتب
اسرعت السيدة سعاد في الوقوف بثبات ملتفة صوبه بحرج
– هو البيت بطبيعته كده ولا أنا بيتهيألي
نظراته كانت عالقة بتلك التي انشغلت في النظر صوب الهاتف تُحرك اصابعها فوق شاشته
– بصراحه يا بني من يوم ما بسمه جات البيت وكل حاجة اتغيرت وبقى ليها طعم
العم جميل بطبعه كان صريحًا، ولكنه أدرك فداحة صراحته عندما وجد نظرات السيدة سعاد تتجه نحوه
توتر العم جميل وانسحب مُعللاً لحاجة أزهاره إليه
– هو أنت كنت محتاج حاجة نعملها ليك يا بني
ارتكزت نظراته نحوها، وقد عادت بالأنشغال بالهاتف بطريقة أزعجته وأثارة حنقه
– يعني لو مافيش إزعاج لبسمة هانم ممكن تعمل مشروب الأعشاب اللي بتعمله ليا وتجيبهولي على أوضتي
غادر المطبخ تحت نظراتهم العالقة به، فاقتربت السيدة سعاد منها
– شكله اتضايق مني ومن عمك جميل، أصله متعود على الهدوء اعمليله الأعشاب وأنا اطلعها ليه يا بنتِ عشان أعتذرله
ابتسمت بسمة داخلها فهي تعرف ما ضايقه، بل و بدأت تستنتج السبب وعلى ما يبدو أن الكتاب الذي قرأت منه بضعة أسطر عن طباع الرجال بدء يُثمر بالنتائج
التجاهل يُريح وجسار اكثر ما يمقته أن يتجاهله أحد، أن يشعره بأنه ليس محور الكون
– أنتِ بتضحكي على إيه يا بسمه، اكيد افتكرتي شكلي وأنا واقفة بالمعلقة وعامله زي الأرجوز
انتبهت بسمة على حديث السيدة سعاد، فحاولت رسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها حتى لا تُشعرها إنها لم تنتبه على حديثها
– حالاً هعمل الأعشاب
لم تعلق السيدة سعاد على جوابها، رغم إنها لم تكن تنتظر منها هذا الجواب
…….
استمر الهاتف في الرنين فاجبرها رنينه المتواصل هذه المرة لترى اسم المتصل
طالعت باب الغرفة المفتوح ثم الهاتف، وعادت تُحدق بالاسم قبل أن تتخذ قرارها وتُجيب
– سليم مش معقول مش عايز ترد عليا عشان مش متقبل وجود البنت معايا، فين التفاهم و الود اللي اتفقنا عليه عشان البنت
هتفتها شهيرة حانقة، بعدما ابتعدت قليلًا عن خديجة التي انشغلت في تقليب سلطة الفواكه خاصتها بالمعلقة دون شهية
– سليم نايم
تصلبت ملامح شهيرة قليلًا ولكن سرعان ما استرخت ملامحها، فحتى لو استمر عدم تقبلها لفتون إلا أن هناك حقيقة واحدة هي زوجته الحالية وهي طليقته وقد قررت الأنسحاب من حياتهم بعدما فشلت في إعادته إليها
– هو سليم رجع القاهرة ، مش معقول يكون لحق
شهيرة التي لم تكن تعلم بوجود فتون هنا معه
– لاء أنا اللي معاه هنا في الغردقة
تفهمت شهيرة الأمر، بل ولم ترغب في معرفة سبب وجودها المفاجئ
– خديجة زعلانه لأنه زعل منها ومش راضيه تاكل من غيره، وأنا عندي لقاء شغل ومضطرية أخرج من الفندق يعني ساعتين او تلاته وهرجع
– ممكن أنزل أخدها منك
طال صمت شهيرة بضعة ثواني، فشعرت فتون بالندم لتسرعها فهي تعلم عدم تقبل شهيرة لها بل ولا ترغب في تعامل أبنتها معها
– أوك يا فتون، مستنياكِ
اتسعت حدقتي فتون في صدمه، فهل بالفعل وافقت شهيرة دون أن ترفض بل و تحدثوا سوياً بطريقة هادئة حتى لو كانت باردة خالية من الود
أسرعت في تبديل ملابسها وغادرت الغرفة سعيدة إنها باتت تتعامل بمفردها دون اللجوء لأحد
بحثت عن شهيرة في البهو الواسع الخاص بالفندق، لتلوح لها شهيرة بيدها وتضع الهاتف فوق اذنها تُحادث أحدهم بجدية
انهت شهيرة محادثتها، فاقتربت منها فتون ببعض التوتر الذي بدء يتلاشى من داخلها
– فتون البنت مأكلتش حاجة من الصبح، خلي سليم يحاول معها
وبندم أخذ يتغلل داخلها
– فهمي سليم يا فتون إني محتاجه بنتِ حقيقي، أنتوا ممكن تخلفوا وتجيبوا أطفال لكن أنا لاء، أنا محتاجه البنت تكون معايا ومش هحرمه منها، لكن سليم بيعاند معايا وفكرني بعمل كده عشان اخليه يرجعلي
وبكبرياء كان لا يليق إلا بها اردفت
– أنا لو رجعت لسليم مش هتكوني أنتِ موجوده يا فتون، لأن ببساطة أنا مقبلش أكون زوجة تانية
الشحوب ارتسم فوق ملامح فتون، هذه المرأة كل يوم تثبت لها, أن التحدي بينهم لا يجعلها إلا خاسرة والشئ الوحيد الذي يقوي وجودها في حياة سليم هي زهوة الحب، فماذا سيحدث لها إذا اختفت هذه الزهوة ؟
– متخافيش هو زي ما متعلق بخديجة متعلق بيكِ، وأنا خلاص حالياً مبفكرش غير في بنتِ وشغلي وده سبب عدم سفري بعد ما كنت مقررة أبعد فترة
شهيرة لم تسافر للخارج من أجل الإبتعاد قليلاً لهذا السبب، شركة العائلة بدأت بالإنحدار نحو الهاوية، حتى وجودها بالغردقة ليس إلا من أجل بعض العمل والمساومة مع ماهر الذي لا تعرف لما قرر هو الأخر الإلتقاء هنا
– أتمنى إنكم توصلوا لحل يرضيكم أنتوا الاتنين ويريح خديجة لأنها ملهاش ذنب في حاجة
رمقتها شهيرة بنظرات صامته، فاقتربت منهن الصغيرة وطالعت فتون بترقب
– أروح عند بابي يامامي مع فتون
ابتسمت فتون وهي ترى نظراتها صوبها، نظرات لم تكن نافرة كما عهدتها في الأوان الأخيرة، وعلى ما يبدو أن شهيرة لم تعد تشوه صورتها أمام الصغيرة
– روحي يا حببتي، وصالحي بابي وأنا هخلص شغلي ونخرج سوا زي ما وعدتك
والصغيرة كانت سعيدة بأن والدتها لم تنسى ما وعدتها به هذا الصباح
…….
دلفت السيدة سعاد غرفته ببعض التوتر بعدما رتبت الحديث الذي ستخبره به إذ عاتبها على رؤيته لهم بهذا الوضع
وجدته واقف بالشرفة، يستند بكوعيه على سياج الشرفة
– هاتي الأعشاب وقربي يا بسمه
تمتم بها وهو يظن أن تلك الخطوات لها، فازداد توتر السيدة سعاد وهي تراه يظنها بسمه
– أنا يا بني قولت لبسمة تعمل الأعشاب وأنا اطلعها ليك
أشتدت تقطيبة حاجبيه واستدار ببطئ نحو السيدة سعاد، فمحدثة الفوضى في منزله خشت الصعود إليه وبعثت له السيدة سعاد
– والله يا بني ما كنا فاكرين صوتنا عالي، بس كنا فرحانين بالصور، ده أنا في صوره صغرت فيها ولا كأني بنت العشرين، وعمك جميل طلع شبه ممثل معرفش اسمه إيه، بس بسمه قالتلي إنه ممثل
– خلاص يا دادة مش لازم تبرري الموقف، الموضوع عدى خلاص
أسرعت في الأقتراب منه تضع له المشروب فوق الطاولة المستديرة بالشرفه
– يعني أنت مش زعلان مننا، ولا بتقول الست سعاد كبرت وخرفت
ورغماً عنه كان يبتسم، مقتربًا منها يقبل رأسها حتى يثبت لها إنه سعيد برؤيتها هي والعم جميل سعداء
– أنتِ والعم جميل عارفين إنكم عيلتي يا دادة
اتسعت ابتسامة السيدة سعاد، ف دائماً جسار يذكرهم بهذا الشئ إنهم عائلة واحدة ولا ينظر إليهم بأنهم مجرد عاملين لديه
– وبسمه يا بني، ما هي مراتك دلوقتي
تمتمت بها السيدة سعاد غير قاصدة شئ في نيتها وهو كان أكثر الناس دراية بها وبحديثها العفوي
– اهي كلمه مراتي ديه يا داده مش شايف ليها أي إثباتات
تلاعب بمكر وهو يعلم أن السيدة سعاد ستتعامل مع حديثه بسجيتها
– يعني طالب منها تجبلي الأعشاب اوضتي، المفروض كلامي يتنفذ
تلاشت تلك التقطيبة التي احتلت ملامح السيدة سعاد بعدما فهمت ما يقصده
– يا بني ما البنت عملت الأعشاب زي ما قولت وأنا اللي قولتلها أطلعلك بيها
استدار بجسده حتى يخفي ملامحه عن عينين السيدة سعاد
– برضوه يا دادة أوامري لازم تتسمع، ولا هي مش فالحه غير في عمايل الفوضى في بيتي وما شاء الله اخدت حريتها على الأخر
– أوعى يا بني تقولها كده، والله يا بني كل ما عشريتي ليها بتزيد يكتشف معدنها، بنت أصيله تفدي الواحد بروحه بس نصيبها حياتها تكون كده وأنت وعدت الست ملك هتعاملها كويس، الله يكرمك متزعلهاش وأنا هنزل المطبخ اطلعها ليك
وسرعان ما كانت تنظر للغرفة، نافرة من عدم ترتيبها
– هطلعها ترتبلك الأوضة، أنا عارفه إنك بتحب كل حاجة مترتبة
انصرفت السيدة سعاد قبل أن يهتف بشئ، ولكن ها هي ستصعد إليه ليُعاقبها على تجاهلها له ويُخبرها برحلتهم القصيرة التي كان سيرفضها.
………
قبلات متفرقة كانت تسقط فوق خديه كلما اشاح وجهه
– فتون بطلي لعب عيال، أنا محتاج أنام
نظرت فتون للصغيرة حتى تصمت كما اتفقوا، فاسرعت الصغيرة بوضع كفها فوق شفتيها
– أنا قاعده لوحدي يا سليم وزهقت
عادت الصغيرة لقبلاتها ولكنه لم يكن بمزاج يسمح له بتلك المداعبات
– فتون أنا حقيقي متضايق ومزاجي وحش
واستدار بجسده دون أن يفتح عيناه زافراً أنفاسه بضيق، تأوهت الصغيرة بعدما صدمها بذراعه
ظن إنه يتهيأ الصوت، ففتح عيناه ليتأكد
– شوفت كنت هتعورني يا بابي
اسرع في الإعتدال من رقدته، وقد تراجعت فتون للخلف منسحبة من الغرفة
– خديجة
ضمها إليه بقوة رغم إبتعادها عنه مجرد ساعات إلا إنه أشتاق إليها
– أنا و فتون قولنا نلعب معاك شويه
– حبيبت بابي كده تتفقي عليا مع فتون
التف برأسه باحثًا عنها هي الأخرى، فاجتذبت الصغيرة وجهه إليها بأطراف اصابعها حتى تخبره لما غادرت الغرفه
– فتون زعلت منك عشان أنت كنت وحش معاها يا بابي
– قوليلي أنتِ جيتي إزاي, مامي هي اللي جبتك
نفت الصغيرة برأسها، تخبره بما حدث
شعر بالندم، فلما يُحملها وضع اختاره هو لها
– المفروض بابي يقوم يصالح فتون، لأنها ممكن تعيط
اماءت له الصغيره برأسها، فقبلها بسعادة ونهض من فوق الفراش يشعر بالضيق من حاله
وجدها جالسة في صمت، تُحدق بالجدار الذي أمامها
– مراتي اللي بقت سوبر هيرو وبتخرج وبتطلع لوحدها، بتتقمص بسرعه
– فتون
استمر في ندائها دون جدوى، فسقطت دموعها دون أن تقوى على مقاومة ذرفها
– فتون مالك فيكِ إيه
استمرت في البكاء دون أن تعرف السبب، ولكنها لم تعد تستطيع التحمل، إنها تعيش وتقاوم في حياة لا تصلح لها
خرجت الصغيرة من الغرفة بعدما استمعت لصوت بكائها، وبأعين دامعة اقتربت منها مشفقة
– فتون متزعليش
– فتون مالك أنا بدأت أقلق، مش معقول أنتِ امبارح معملتيش كده والنهارده بتعيطي من غير سبب
بشهقات متقطعة تُحاول معها إلتقاط أنفاسها نطقت أخيراً
– سليم طلقني
والصغيرة تهتف بوالدها راجية
– بوسها يا بابي زي ما بتعمل معايا وهتسكت علطول
أبنته تعطيه الترياق الذي يفعله معها حينا يأخذها بين ذراعيه ويقبل خديها، والأخرى تُطالبه بالطلاق وقد باتت الكلمة في الأوان الأخيرة دوماً على لسانها
– فتون متعيطيش وخلي بابي يبوسك
وهي بينهم كانت في عالم أخر، إنها أصبحت مُثقلة بالهموم والخيبات والمخاوف
ولم يجد بالفعل إلا ليقبلها لعلها تصمت، يُحاول قدر أستطاعته تثبيتها ليتمكن من تقبيلها وعدم رؤية صغيرته لقبلته المختلفة عن خاصتها
……..
اغضبه أنها بالفعل شرعت في ترتيب غرفته دون أن تُطالب مجدداً بامتيازاتها بحياته وحقها في نيل مكانتها
ازداد ضيقه وهو يراها تنحني نحو الفراش لتزيل شرشفه وتبدله بشرشف أخر
– بسمه
توقفت عما تفعله تُطالع نظراته الجامدة لا تفهم سببها
– أنا مطلبتش إنك تنضفي الأوضة
طالعته متعجبة فهذا ما اخبرتها به السيدة سعاد، أن غرفته ليست مُرتبة
– لكن دادة سعاد
– أنا طلبت تجبيلي الأعشاب بنفسك، لكن تنضيف أوضتي المفروض في واحده هتكون مسئوله عن تنضيف البيت
طالعت خطواته القريبة منها ، ثم عيناه العالقة بها
– مافيش مشكله، أقوم بالدور لحد ما يكون في بديل
عادت لما تفعله، غير مهتمه بمعرفة السبب الذي استدعاها من أجله
– هنسافر يومين ، للأسف شركائي لما عرفوا إننا مروحناش شهر عسل قرروا يعزمونا يومين في مزرعتهم في الفيوم ومعرفتش أرفض بعد إلحاحهم
طالت نظراتها هذه نحو وسادة الفراش، فعن أي رفقة يُطالبها بها وعن أي شركاء
– محتاجين نقعد نتكلم شويه عشان تعرفي هتتعملي إزاي قدامهم
………
إنها تشعر بحالة من التخدير في سائر جسدها، بل إنها تشعر بنوع عجيب وجديد عليها من الإسترخاء
مازالت أنفاسه الساخنة تلفح عنقها تشعر بشعور أرادت قتله داخلها ولكن الشعور كان أقوى من سيطرة عقلها عليها
كاظم أعطاها لأول مرة شعور بأنها أمرأة حقيقية و زوجة له وليست مجرد رفيقة فراش، اخذها لسحابة أخرى ظنتها معدمة في الحياة الزوجية التي ارادت مغادرتها بضمير مرتاح دون التجربة ثانية
لمساته كانت حنونه، همسه لكلمات محبه دافئة، نطقه لاسمها ثم تلك الضمة التي ضمها بها إليه يسألها
هل عاملها برفق؟ أم فقد السيطرة على حاله لشدة توقه إليها
فارت القهوة كما فارت من قبل فشعرت بضيق من حالها، فكأنها عروس تعيد ذكريات ليلتها الماضية، فهي بالفعل حمقاء
أعادت صنع القهوة له مرة أخرى وتلك المرة كانت تُقاوم ما يعيده عليها قلبها من لقطات ليلة أمس المخجلة
– فوقي يا جنات، كاظم مش هيحبك بالسهولة ديه، انتوا مبيربطش بينكم غير علاقة جسدية وعمر العلاقة الجسدية ما توصل للحب، ده أعتياد هو قدم ليكِ اللي شايفك عايزاه
وهل تناست أمر الطفل الذي تربط وجوده بالليلة الأخيرة التي نالها فيها بمنتهى الوحشية
عاد كرهها لذاتها يندلع داخلها ، فاسرعت في صب القهوة إليه حتى تدلف غرفتها وتنفرد بحالها لتستعيد توازنها
وضعت له القهوة في عجالة، فضاقت عيناه في دهشة بعدما ازاح عيناه عن حاسوبه الشخصي
– جنات
توقفت مكانها تخشى أن تلتف صوبه فتعود ضعيفة
– عايز اخد رأيك في المشروع الجديد، مش أنتِ كنتِ شغاله في شركة سياحية قبل شغلك عند سليم النجار
استدارت نحوه، فهل بالفعل يُريد إستشارتها في عمله؟
رأها تنظر إليه في فضول، فقاوم تلك الابتسامة التي داعبت شفتيه
– مش معقول مش هستفاد من ذكائك
طالعته في شك، فاجتذبها من ذراعها حتى يريها خطة مشروعه
طالعت ما يعرضه لها على حاسوبه،فأخذت عيناها تلمع في شوق لعملها
اندمجت معه تخبره بوجهة نظرها، بالبداية ظنته لا يأخذ حديثها على محمل الجد ولكن تلك النظرة التي رأته يُطالعها بها، أدركت أنه بالفعل يُنصت إليها
– مكنتش فاكر إنك شاطرة اوي كده
التمعت عيناها بسعادة وهي تستمع لعبارات مدحه
– أنا كنت بشتغل في مجال السياحة لفترة طويله، من ساعة ما اتخرجت
– لو عرضت عليكي تشتغلي معايا، هتوافقي يا جنات
ضاقت عيناها وهي تسمع عرضه، فهل عرضه سيكون قائم حتى بعد أن ينفصلوا
– لكن إحنا هننفصل بعد ما نرجع مصر
رغم الضيق الذي ارتسم في عينيه إلا إنه تحكم في إخفاءه، فعن أي طلاق تتحدث بعد ما صار بينهم ليلة أمس وبعدما أكتشف حملها ورغبتها في إستمرارها باخفاء الأمر عليه
تجاهل أي ضيق يحتله منها، مقتربًا منها فلم يعد يفصلهما شيئًا سوى أنفاسهم
– إحنا بنتكلم في عرض الشغل يا جنات، مش في حياتنا الشخصية
بتوتر ازدردت لعابها، فلم تعد إلا أنفاسهم فاصل بينهم بل وصارت شديدة الالتصاق به
– يعني عرض الشغل قائم حتى لو اتطلقنا
– مش بقول إننا بنتكلم في عرض شغل يا جنات
– أنت مقرب كده ليه
طالع القرب الذي بينهم، فهي لم تعد إلا جالسة فوق ساقيه يأسرها بذراعيه مستمتعاً بنظراتها الهاربة منه ومقاومتها الواهنة
– هو إحنا كده مقربين يا جنات
طالعت الوضع الذي أصبحت به، تُحاول دفعه عنها حتى تفر إلى غرفتها
– أنت بتلعب بيا يا كاظم
داعبت ابتسامة ماكرة شفتيه، هي تراه يتلاعب وهو يرى حاله يعيش تلك اللحظات التي أصبحت تداعب مخيلته معها، هي وحدها من جعلته يحب ما لم يرى حاله سيفعله يوماً
– هو إحنا كده بنلعب يا جنات، لو ديه لعبه فهي لعبة جميلة
ارادت أن تتحدث ولكنه كان الأسرع في إثبات لها جمال لعبته، وشعور أخر كانت تدركه معه اليوم
ضاعت مقاومتها كما ضاعت في ليلة أمس، وهو كان يغرق معها في طريق اللاعودة، فلم يعد قادراً على الإبتعاد عنها ولولا خوفه على طفله لكان اثبت لها حتى أشرق الصباح بأنه بالفعل لم يرتوي منها.
…….
تهاوى بجسده فوق الأريكة خلفه، وقد اختفى كل شئ من حوله من هول الصدمة، أصواتهم حوله كانت تتعالا في تساؤل
– ناهد والولد حصلهم حاجة يا رسلان
خرج صوت كاميليا بصعوبة، بعدما سقط كأس الماء وحبة الدواء من يديها
أنفاسه بدأت تنسحب رويداً، يستمع لأصواتهم وكأنها أتية من بعيد
– رد عليا يا رسلان
اقتربت منه ملك وقد خانتها ساقيها، فسقطت قرب قدميه تُطالعه في رجاء أن يجيبها
– اوعى تقولها يا رسلان، اوعى توجع قلبي
الفصل السابع والخمسون (2)
*******
تظن أنك وحدك من تتلقفك الأمواج العاتية، ولكن حينا تُلقي عيناك بنظرة خاطفة نحو من حولك ستجد أن الجميع مثلك يُصارعون الحياة وأنفسهم بضراوة.
داعبت نسمات من الهواء خديها رغم حرارة الجو وقد احتضنت الشمس كل ما حولها بحرارتها.
كعادتها باتت مؤخراً، تستيقظ في الرابعة فجراً تُصلي فرضها، تُرتل بخشوع وردها اليومي وتظل مستيقظة حتى يشرق الصباح بنوره ثم تقف في وقفتها التي اعتادت عليها منذ أن أتوا لهذا المنزل الذي اشتراه رسلان بعيداً عن صخب المدينة.
اختارت العزلة وأختار هو أن يمنحها ما اختارته وأرادته وقد عادت إلى وحدتها وألامها, وقد أبى كلاهما مفارقتها.
صوت الطيور بدء يتعالا من حولها وقد اختفت تلك الزقزقات اللطيفة التي تُداعب أذنيها في الصباح الباكر، حتى تلك النسمات الباردة بعض الشئ غادرتها البرودة.
ليت الضجيج وذلك اليوم يُغادر ذاكرتها، اغمضت عيناها وهي تشم رائحته وقد اقترب منها بخطواتً هادئة
– هتأخر النهاردة في المستشفى
أخبرها بعبارته الروتينية، فاستدارت بجسدها إليه ودلفت من الشرفة تنظر إليه دون حديث.
إنها تحتاجه كما يحتاجها ولكن كل منهما عزل نفسه عن الأخر منذ ما حدث.
– محتاجه حاجة
وبحركة من رأسها كانت تُخبره إنها ليست بحاجة لشئ، بل ما تحتاجه هو الراحة وعدم الشعور بالذنب، لقد اخلفت وعدها لشقيقتها ولم تحافظ على أحد صغيريها
احتضنتها ذراعيه يمنحها ويمنح حاله بعض السلام، شعرت بقبلته فوق رأسها ثم ابتعده عنها يسمح هذه المرة لكفيه أن يُداعبا خديها، بتعلثم هتفت وهي تعلم الجواب
– مش هتفطر
– هفطر في المستشفى
غادر المنزل؛ فعلقت عيناها بطيفه، هو يتألم أكثر منها ولكنها أضعف من أن تزيل عنه ألمه وتُسانده.
خرج بسيارته من بوابة المزرعة الصغيرة التي اِبتاعها في مدينة الفيوم بعد ما حدث منذ شهراً ، كان مثلها يُريد الإبتعاد عن الجميع وعن كل شئ.
اتخذ جانب الطريق، ووقف بسيارته يسمح لانفاسه الهادرة أن تتحرر لعلها تُخفف ما يشعر به وأغمض عيناه للحظات يستعيد ذكرى تلك الليلة.
يهرول داخل المشفى بأنفاس لاهثة بعدما هاتفه والده وأخبره أنهم وجدوا خالته و عزالدين ثم انقطع الاتصال.
شعور قاسي كان يقبض فوق فؤاده، يشعر بأن أنفاسه تنسحب.
اقترب منه والده بعدما رأه قادم ثم احتضنه بقوة باكياً
– أنت مؤمن يا بني بقضاء الله
وها هي الحقيقة تُقال، رحل صغيره.. رحل مع المرأة التي جعلته يعيش كل شعور سئ بحياته وأخذت معها أغلى ما لديه.
………
اقتربت ملك من الصغير تُحاول رسم ابتسامتها، طالعها الصغير بعدما ازاح يد مربيته عن إطعامه.
امتدَّت يديه الصغيرتين لها راغبًا أن تمنحه حضنها. توقفت عن الاقتراب تخشى أن يسألها ما أجبرها على تجنبه، فما الذي ستخبره به إذا سألها مجدداً عن توأمه.
ورغمًا عنها كانت دموعها تناسب فوق خديها، فاسرعت في اشاحت وجهها عنه تمسح دموعها، تزفز أنفاسها دفعات متتالية حتى تستطيع أن تأخذه بأحضانها وتُخبره إنها لم تعد مريضة كما أخبروه فلذلك ابتعدت عنه
– ماما أنتِ صحيتي من النوم، متناميش تاني كتير
الكلمات خرجت من فمه غير واضحه، ولكنها كانت أكثر من يفهمهم ، وقد ضاعت هم وبقى لها واحداً يهتف اسمها، يناديها أن تقترب منه
نفضت رأسها عما تشعر به وعادت تقترب من الصغير، انسحبت المربية التي تعتني بكل ما يخص الصغير منذ أن تم تعينها.
– حبيبي ليه مخلصتش أكلك
والصغير يتمسح بها غير عابئ بطعامه
– ماما أنا بحبك أوي
لم تشعر ملك بدموعها التي انسابت فوق خديها، تبعده عنها لترى ملامحه وكم يؤلمها حينا تنظر إليه وترى لمعان الدموع بعينيه، فهل يشتاق لتوأمه؟
– وأنا كمان بحبك أوي يا قلب ماما، سامحني يا حبيبي لو مكنتش سافرت وبعدت عنكم مكنش ده حصل
والصغير لا يفهم شئ من اعتذاراتها بل يرفع كفيه الصغيرين ليزيل عنها دموعها، حتى إنه كان اليوم رحيمًا بها ولم يسأل عن توأمه رغم بحثه عنه بعينيه.
……..
نوبة من القيء اصابتها بشدة رغم محاولتها المستميته في تناول كل ما هو حامض هذا الصباح إلى أن يُغادر ويتركها في إنهاكها ، فقد أوشكت على دخول شهرها الثالث.
اندفع خلفها دورة المياة بعدما افزعه هرولتها و توقف مكانه وهو يراها منحنية بجسدها تُحاول النهوض عن تلك الوضعية بعدما افرغت كل ما في معدتها
عيناها علقت به وهي تستدير، يراها تنظر إليه في خوف وترقب
– هنروح للدكتور
وبتهكم اردف قبل أن تمنحه الجواب الذي لو القته على مراهق سينفجر ضاحكًا
– بيتهيألي إن دور البرد طول اوي معاكِ يا جنات
ازداد شحوبها ، فتلميحات كاظم المبطنة باتت تُشعرها بل تؤكد لها إنه يعي كل شئ ولكنه يتخذ دور المتفرج
داهمها الدوار لكنها حاولت أن تقف ثابتة.
رمقها كاظم بجمود يقبض فوق كفيه بقوة فهي مازالت مصرة أن تضعه في الخانة التي وضعتها به مهما بات يفعل لها ، جنات لا تصدق مشاعره رغم تجاوبها معه بل تظن إنه يتلاعب بها، يكاد يُجن منها ومن عقلها الأبله.
انتبه على ترنحها في خطواتها، فاسرع مقتربً منها يسندها بذراعيه
– كفايه عناد وخلينا نروح للدكتور
انسحبت أنفاسها فقد ضاعت جميع حججها وطالت رحلتهم هنا، عليها أن تُخبره بأمر الطفل ولكنها مازالت خائفة من غدره
– هنام شوية واصحى كويسة
حاولت أن تبتعد عنه حتى تثبت له صدق ما تقول ولكنه ضمها إليه يسير بها نحو الفراش
– اتحركِ براحه وبلاش كلام كتير
– هتتأخر على اجتماعك
سطحها فوق الفراش برفق متجاهلًا ما تقوله، يضع رأسها فوق الوسادة ينظر لوجهها الشاحب ضغطًا فوق شفتيه بقوة، إنه يُسيطر على حاله بصعوبة ليثبت لها إنه غافلاً عن خدعتها .
حاول تهدأت حاله من الغضب الذي يحتله كلما رأها مستمرة في كذبتها عليه، فهل ستنتظر حتى يولد الطفل لتخبره
– أنا هنام متقلقش، روح أجتماعك
تُحاول صرفه حتى تتمكن من أخذ موعد لدى الطبيبة التي بحثت عنها عبر مواقع الانترنت
لم يمنحها الجواب، بل منحه لمديرة مكتبه يُخبرها أن تلغي جميع مواعيده الهامة فهو لن يأتي الشركة اليوم
– بلغي بشمهندس أمير يحضر اجتماع النهاردة والتقرير يكون عندي بكره بكل حاجة تمت
أنهى مكالمته دون أن تحيد عيناه عنها، فاخذت تزدرد لعابها ببطئ فقد ضاع أول موعد لها مع الطبيبة
ازال عنه سترته يُتابع خلجات وجهها مستمتعاً بلعبتهم السخيفة سوياً
– شايفك مش مبسوطة
– أنا
تسألت وهي تتحاشى النظر إليه، فابتسم وقد اتخذ مكانه قربها
– يعني حاسس إنك مكنتيش عايزاني ألغي الاجتماع، لكن يا ترى عشان مصلحتي ومصلحة الشغل ولا عشان حاجة تانية
أراد أن ينفجر ضاحكاً وهو يراها تُطالعه عقب عبارته تارة بشر وتارة بعدم فهم
ازداد قربه منها فاصبح يُحاوطها بذراعيه، متلذذاً من تلك الرجفة الخفيفة التي شعر بها عندما لمسه لجسدها
– جنات أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل
تجمد جسدها أسفل لمساته، فما الذي يفعله بها هذا الرجل، هل هو فاهم لكل شئ أم جاهلًا؟
ارتفع كلا حاجبيه بعدما أصبح وجهه مقابل لوجهها، ينتظر سماع جوابها
– كنت باخد لكن..
تعلثمت في نطق كلماتها، نظراته كانت مراوغة لكنها لم تكن في موضع يسمح لها بفهم نظراته
هي باتت هذه الأيام ضعيفة في كل شئ، لا تفكر إلا في المخاوف التي تقتحمها، هذه العائلة تعلم تماماً أن دمائهم خبيثة ، يجيدون التلاعب حتى ينالوا ما يريدون، فعلها والده من قبل مع والدها وهي لعبتها معه حتى تتزوج بالحصان الرابح الذي اعجبها.
حمقاء هي حواء، تظن إنها تُجيد التلاعب في ساحة الرجال ولا تعلم أن تلاعبها ينبع من رغبتها في القرب
– مش فاهم يا جنات، يعني كنتِ و دلوقتي وقفتي الحبوب
اماءت برأسها تنتظر أن ترى ردة فعله التي ستشجعها في كشف سرها
– أنت عايزني ارجع اخدها
وعلى ما يبدو إنه يوم إرتفاع صوت ضحكاته الصاخبة، ألمته معدته من شدة الضحك،
فحاولت الإبتعاد عنه وهي تراه يضحك بتلك القوة، تشعر بالإهانة من عدم جوابه
– إيه يا حببتي هو أنتِ زعلتي عشان بضحك
حاول جاهداً تمالك حاله ولكن سرعان ما كانت ضحكاته تتعالا مرة أخرى
دفعته عنها ولكنه كان اسرع منها في تثبيتها بين ذراعيه
– هي حبوب منع الحمل بقت تتاخد بعد ما الجهود العظيمة بتثمر
اتسعت حدقتيها فزعًا وهي تراه يرمقها بنظرة شديدة القتامة
– تعرفي كنت هشك في قدراتي يا زوجتي العزيزة
تسارعت أنفاسها تُطالعه في صدمة، كاظم كشف أوراقه
– كنت عايز اكمل لعب معاكِ شوية، لكن الموضوع بقى سخيف، شايفك ساكته ومصدومة يا جنات
ضاقت عيناه وهو يراها ساكنة اسفله ولولا رؤيته لأنفاسها تعلو وتهبط لظنها فقدت وعيها
– حببتي هو أنتِ لدرجادي شيفاني راجل مغفل مش بفهم
– أنت هتاخده مني
حمقاء وغبية وعمياء هكذا كان ينعتها داخله هذه اللحظه.
اغمض عيناه قليلاً لعله يُهدء من وتيرة غضبه، لقد بات يفعل لها كل شئ حتى يثبت لها حسن نيته، صحيح لم يصارحها بحبه صراحة والأفضل ألا تنتظر منه هذا الأمر ولكنه بات يُعبر عن مشاعره بكل صراحة.
يُعانقها، يُدللها حتى الأزهار اشتراها لها، يستمع إليها في صبر، يتركها تخرج عليه بعض من مزاجها السئ
إنه تغير لدرجة أصبح يشعر بالصدمة من حاله، وقد صار لديه نقطة ضعف وذاق ما اقسم أن لا يذوقه يوماً
فهل لفظ كلمات الحب، ما ستجعلها تُصدق إنه لم يعد يتلاعب بها ولن يأخذ منها الطفل
– لأول مرة اكتشف إني صبور أوي يا جنات، صبور لدرجة إني عايز اعمل تصرف مش هيعجبك لكني مسيطر على غضبي
حررها أخيراً من أسر ذراعيه وابتعد عنها ناهضًا من فوق الفراش، يُطالعها وهي تزدرد لعابها في خوف ثم اعتدلت من تسطحها الذي بات غير مريح
– أنت عارف من ساعة ما اتعشينا مع خديجة النجار
واسرعت في ربط أحداث اليوم تضع بيدها فوق شفتيها
– نفس الليلة اللي رجعنا نقرب فيها من بعض
وفي صدمة نطقت وكأنها أخيراً فاقت من غيبوبة لا تعلم كيف احتلت عقلها
– يعني كل اللي بتعمله ده عشان الطفل
تجمدت عيناها نحوه وهي تراه يُحدق بها في صمت
– أنتِ عرفاني كويس يا جنات، أنا راجل صريح حتى لو هوجع اللي قدامي بصراحتي وعشان أنهي لعبتنا اللي طالت ومبقاش ليها داعي خلاص، ف الأجابة اه ديه كانت نيتي في البداية
الجمتها الصدمة لقد صدق حدسها كاظم يخدعها، إنه ابن جودة النعماني فماذا كانت تنتظر منه؟
– مفكرتيش ليه كنت بتجاهل تاخدي حبوب منع الحمل، مفكرتيش ليه مكنتش بدور وراكي ولا بهتم، لأني فكرت فيها كويس، أنت خلتيني أعمل حاجة مكنتش عايزاها يا جنات ف بالتالي مش لازم أخرج خسران، ومش هخسر حاجة لما يبقالي طفل منك، ست قوية وجريئة قدرت تخليني اتجوزها، فديه مميزات كفية إنها تخليني اشوفك أم لطفل من صلبي
– كفاية
انسابت دموعها فوق خديها، إنه قاسي حتى في إعترافه، اقترب منها يتلقفها بين ذراعيه بعدما كادت أن تسقط
– كل حاجة اتغيرت يا جنات،قربي منك هنا مش خدعه كل لحظة جمعتنا هنا كانت مشاعري فيها صادقه
– أنت كداب
ورغمًا عنه كان يبتسم، حاولت التخلص من ذراعيه ولكنه كان أشد منها إصراراً في إحتجازها داخل احضانه
– أهي اكتر صفة مش فيا الكدب، و أوحش صفة فيا إني عامل زي البحر موجه غدار يا جنات
تمكنت من الفكاك منه أخيراً، فارتسمت ابتسامة لا تعرف مهيتها أهي خبيثه ام دافئة يُطمئنها بها
ازداد عيناه قتامة وهو يراها تتراجع عنه تحتضن بطنها بذراعيها
– كل اللحظات اللي جمعتنا الأيام اللي فاتت شيفاها كدب يا جنات، لدرجادي أنا بارع في التمثيل عشان اكون بخدعك بشعور أكبر منك ومني
– البحر لما بتتلقفك أمواجه مرة وتاخدك لقاعه بتعلمك إنك تخاف وأنت علمتني اخاف من غدرك يا كاظم، علمتني ووجعتني
– أنتِ اللي اختارتي البداية يا جنات، اختارتي البداية الغلط
بمرارة واحتقار لذاتها تمتمت
– عشان كنت عايزة اوصلك، لو مكنتش عملت كده مكنتش اتجوزتني
– عايزة إيه يا جنات، عايزة تتحرري مني ولا عايزة تفضلي معايا لأني شايف مهما بعمل ديما عندك شك في مشاعري
سقطت دموعها لأنها اختارت طريقها معه، فقد انتهت إشعارات الكرامة والكبرياء التي اسمعتها لحالها في ليالي كنت تغفو محتقرة حالها
– عايزة تحبني، مش عايزة اكون ست جسمك بيتفاعل مع جسمها لأن اللي بينكم مجرد كيميا
هو لن يُنكر أن لحظاتهم كانت اغلبها تنتهي بالفراش، وكأنه يُخبرها بهذه الطريقة هكذا هو يُحبها
– ألبسي خليني لنروح المستشفى
هكذا انسحب من الجواب، هو يُحبها وهذه حقيقة بات متأكداً منها ولكن لا يستطيع نطقها لكنه يبرهنها لها.
…….
ترجلت من سيارة الأجرة تمنح السائق أجرته بابتسامة صافية، إنها حقاً باتت سعيدة، باتت تشعر أن لها كيان تسعى لتحقيقه وقد خرجت من عباءة الذل التي أراد فتحي اطماسها فيها.
دلفت صائحة باسم السيدة سعاد واسرعت بالدلوف إليها المطبخ
– جعانه جدا يا دادة
طالعتها السيدة سعاد بابتسامة صادقة محبة تسألها عن يومها بالمعهد وكان اهم سؤال أصبحت السيدة سعاد تُحب السؤال عنه منذ أن صارحتها بسمة بنظرات المُحاضر الشاب واهتمامه بها رغم إنها اقل جمالاً من الفتيات اللاتي يحضرون معها دورة الحاسوب
– قوليلي بصلك كام بصه النهاردة
تعالت ضحكات بسمة غير مصدقة ان السيدة سعاد أصبحت مهتمه بالأمر رغم إنه كان مجرد حديث عابر بينهم
– خليتي الاربع نظرات اللي حكتلك عنهم عدد يا داده
وكظتها السيدة سعاد بخفه مستمتعه بذلك التورد الطفيف الذي أحتلى ملامحها
– ما هي بتبدء بنظرة إيش فهمك أنتِ
تعالت ضحكات بسمة عالياً، يبدو أن السيدة سعاد كانت امرأة حالمة بشدة في صباها
– النهاردة مدح فيا قدام زمايلي وقالي إني ذكية وبفهم بسرعة
طالعت السيدة سعاد فرحتها، بسمة منذ أن بدأت تتعلم مهارات جديدة وتخرج من ذلك الإطار الذي وضعت حالها داخله وقد بدأت تخطو أول خطواته، إنها باتت مطمئنة أنها حينا تغادر حياة السيد جسار ستكون قوية، لقد استغلت ما قدم لها بإصرار
– العلام حلو يا بنتِ والست الذكية هي اللي متخليش حلمها مجرد وردة وراجل وحكاية بتخلص زي الحواديت، كل ده بيجي في وقته لكن الأفضل يجي بعد ما تبني ذاتك يا بسمة
ابتلعت بسمة تلك المرارة التي احتلت حلقها كلما لاحت أحدى الذكريات داخلها،عليها أن تنجح وتصبح أمرأه عاملة مستقلة، عليها أن تؤكد لعقلها كل ليلة أن ما تعيشه تحت كنفه سينتهي يوماً لأنها ليست باقية بحياته بل هي مرحلة أتخذها بأرادته وكانت هي الرابحة إذ فكرت بالعقل دون حساسية.
انتبهت على صياح السيدة سعاد ثم تحركها من أمامها بعجالة حتى تُنهي تحضير الطعام
– جسار بيه على وصول وأنا لسا مخلصتش الأكل
– هطلع أغير هدومي وأنزل اساعدك يا دادة
رمقتها السيدة سعاد بنظرة دافئة وهي تُغادر، تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة فماذا سوف تفعل عندما ترحل بسمة عن حياتهم حينا يُطلقها السيد جسار؟
……..
بثقل القت حقيبتها فوق الفراش، تميل برفق للخلف لتتسطح قليلاً
– مالك يا بسمة، المفروض تكوني سعيدة، بقى عندك كل حاجة ومبقاش حد عارف إنك اخت واحد رد سجون حتى هو بقى يعملك كويس صحيح معاملته اتغيرت لإنه بقى متعاطف معاكِ أكتر لكن على الاقل مبقاش يوجعني لا بنظراته ولا كلامه
والذكرى المريرة عادت تقتحم ذاكرتها، تلك الليلة أقسمت أن تجعل لنفسها شأن وترفع رأسها غير عابئة بنظرات أحد
منذ أكثر من شهر، أخذها معه لتلك الرحلة القصيرة التي دعاه لها أحد شركائه لقضاء يومين والتمتع بعطلة الزواج القصيرة.
كان بيت ريفي يُحاوطه كل مظاهر الريف ولكن بأهتمام وعناية، سنوات عمرها قضتها في الشوارع الضيقة المعبئة بالأدخنة وصياح البائعين ولكن هنا كانت الحياة مختلفة
– المكان جميل أوي
تمتمت بها بعدما جالت عيناها بنظرة سريعة بالمكان
– بلاش أنبهارك الشديد بأي حاجة تشوفيها هنا
سقطت قسوة كلماته على مسمعها، هي لا تنبهر بشئ لأنها تعرف تماماً أن الكثير من ترف الحياة ليس لها لكنها كانت مجرد كلمات قالتها لأنها احبت المكان الذي أتت إليه مجبرة
– أنا حافظة الدرس كويس يا جسار بيه
هتفت بها وهي تمدّ يدها نحو باب السيارة تفتحه، فعلقت يدها في الهواء وهي تشعر قبضة كفه فوق ذراعها
– أهي أول حاجتين غلط بيأكدوا إنك متعلمتيش أي حاجة، في واحدة تقول لجوزها بيه وكمان من التحضر تستنيني أنزل من العربية وافتح الباب, أنتِ ناسية إننا عرسان جداد
ترددت صدى الكلمات داخل أذنيها، فاطبقت فوق جفنيها بقوة لعلها تستطيع زفر أنفاسها
– السيد شريف و زوجته السيدة رقية جايين علينا، ارسمي ابتسامة على وشك الناس اللي زي ديه بتهتم بالعلاقات الزوجية
غادر سيارته ليُطبق ما يراه صحيحاً في العلاقات ولكن معها كل شئ يُمثله بإحتراف
فتح لها باب السيارة وساعدها في الترجل منها يرسم فوق شفتيه ابتسامة واسعة
– متعرفش أنا اتبسطت أد إيه لما بلغتني بترحيبك للفكرة
رحب به السيد شريف بحرارة، كما رحبت زوجته بها، وقد حاولت أن تجيد الدور الذي حفظته ، لا تُثرثر كثيراً بضعة كلمات تكفي
السيدة رقية رغم لطافتها إلا إنها كانت شديدة الاهتمام بالتفاصيل، تتسأل عن المكان الذي تجلب منه ثيابها وعن مصفف الشعر الذي تذهب إليه وعن النادي الرياضي الذي يجب عليها الإشتراك فيها إن لم تكن عضوة به
– أنتِ خريجة إيه يا بسمة
وها هي تذهب لنقطة أخرى من الأسئلة، علقت عيناها بجسار وقد وقف جوار السيد شريف يرتشوف قهوتهم ويتحدثون عن العمل
– أنا…
حاولت ترتيب كلماتها لتُخبرها إنها بعد شهران وستبدء أول فصل دراسي لها لأنها أجلت دراستها لظروف ما مرت بحياتها ومنها موت والدها.
هكذا اتفقوا إذا سألها أحداً عن مستوى تعليمها ولكن السيدة رقية لم تنتظرها أن تتحدث عن حالها بل أخذت تتحدث عن تعليمها واصلها و والديها الأطباء وشقيقها الضابط وشقيقتها الصغرى التي أتت أخيراً من أمريكا بعد إتمام دراستها وقد اقترحت على جسار و زوجها أن تعمل معهم وتدير خطة التسويق
” سيرين” تلك الفتاة التي صارت تسمع اسمها في بعض مكالمات الصباح.
زفراتها الحارة خرجت بحرقة لا تعلم سببها، تلوم حالها لأنها مازالت حتى اليوم تنظر لهذا الرجل بنفس النظرة التي نظرتها له في أول مرة أتى فيها حارتهم وطرق باب ملك.
…….
هي كما قال لها إنها لا تعرف ماذا تُريد، صحيح تلك العبارة أوجعتها ذلك اليوم الذي انفجرت فيه باكية تُطالبه بالطلاق ولكن مع الأيام الأخيرة صارت تُدرك حقيقة ما أخبرها به.
غادرت الجمعية وقد أصبحت مواظبة على الذهاب إليها ، يومين بالأسبوع ويومين آخرين خصصتهم للرياضة حتى تزيل عنها تلك الطاقة السلبية التي تأتيها من حيناً إلى أخر والمحافظة على رشاقتها.
فتون صارت تهتم بجسدها وبهيئتها إنه لشئ عجيب على شخصيتها ولكن بعد رحلة الغردقة و رؤيتها لتلك القوة والأنوثة المتسلحة بهم شهيرة باتت تتسأل لماذا لا تكون هكذا جميلة وصاحبة قرار ؟
ليتها لم تترك الجمعية عندما صارت زوجة لسليم، ليتها انضمت إليهم بعدما باتت تملك ما يجعلها تُقدم المساعدة.
استقلت السيارة بعدما ترجل السائق ليفتح لها الباب وقد أصبحت فكرة تعلمها القيادة تراودها بشدة لما لا تتعلم قيادة السيارة.
ورغماً عنها كانت تبتسم لحالها، إنها باتت ترغب بما لا لم ترى فيه حالها، وعلى ما يبدو أن التوازن الذي احدثته في حياتها اثمر بفوائده.
يومين مع تلك الطبقة التي ينتمي إليها سليم في النادي الرياضي الذي لا يرتاده إلا من يملكون المال، ويومين بالجمعية ترى من هي منهم وهم منها، تستمع وتقدم النصائح التي لا تعلم إنها تمتلكها.
اليوم كلفتها السيدة سحر بأمر رأته محرج ولكن وحدها من تستطيع فعله، لقد اقترب الإحتفال السنوي لمجموعة النجار وهم يحتاجون فرصة لتسليط الضوء نحوهن، هن بحاجة لبعض الوظائف فمنهن ليس لديه حرفة أو هواية، منهن من تحتاج لوظيفة ولديها الشهادة الجامعية ولكن الفرصة لم تُمنح لها.
– ممكن نغير طريقنا ونروح لسليم الشركة يا عم محمد
والعم محمد يُنفذ ما يؤمر به
ترجلت من السيارة وسارت بخطوات واثقة، ترتسم فوق شفتيها ابتسامة لطيفة.
استقبلتها سكرتيرته بترحيب لأنها باتت على معرفة بأنها زوجته رغم إنها لم تلقاها إلا مرة واحدة.
دلفت دون أن تطرق الباب لتجده مندمج في عمله، يُحاوطه الكثير من الأوراق
– حطي الورق اللي عايز يتمضي يا هدى
ولكن مع اقتراب الخطوات منه دون طرقعت الحذاء بدء يعلم إنها ليست سكرتيرته.
رفع عيناه عن الأوراق وقد ارتسمت ابتسامة دافئة فوق شفتيه وهو يراها واقفة، تراجع قليلًا للخلف بعيداً عن ملاصقته لسطح مكتبه يمدَّ لها ذراعه يدعوها للأقتراب منه
– إيه المفاجأة الحلوه ديه يا حببتي
تقدمت منه بابتسامة واسعة
– مبقتش اعرف أشوفك في البيت قولت أجيلك الشركة
شعر بالندم لتقصيره معها، فمنذ أن غادرت ابنته منزله واختارت العيش مع والدتها بعدما كابر وعاند الأمر ولكن في النهاية رضخ فلم يعد يطيق المكوث في المنزل
– معلش يا حببتي الشغل كتير الفترة ديه
تعلم إنه يكذب عليها ولكنها كانت تعطيه كامل حريته في الإبتعاد حتى يعتاد ولكنها لم تعد تتحمل بعده، وقد أدركت أنها دونه لا شئ، سليم أخبرها ذات يوم إنها ابنته قبل أن تكون زوجته وقد جاء الوقت لتنال حقها،
وقد صار لديها الكثير من الأحاديث لتخبره بها.
لقد بدأت تشعر بالتحرر داخلها خاصه إنها صارت تتعامل مع الحياة بمفردها دون مساعدة أحد.
هو ينئ بنفسه بعيداً عنها بعدما غادرت ابنته منزله، جنات قد طالت رحلة سفرها، وأحمس بات مندمجًا في تدريبه بالمؤسسة والسيد حازم يتنبأ له بمستقبل رائع في هذا المجال حتى والدتها رحلت بشقيقها وعادت لبلدتهم بعد شفائه.
– أنت كان ديما عندك شغل وكنت بتهتم بيا يا سليم
ابتسم رغماً عنه وهو يرى الحنق مرتسم فوق ملامحها
– انا بقى عندي مغامرات كتير عايزه أحكيهالك
اندمج معها مستمتعاً باستياءها وعلى ما يبدو أن صمتها وصبرها قد أنتهى وقتهما
– مغامرات؟ مجرد أيام بتسميهم مغامرات
– أربعين يوم مش مجرد أيام ، ده شهر وعشرة أيام
ضاقت عيناه في ذهول، فتون صارت تعد الأيام بل وبدقة
– أنتِ كمان حسباهم، قوليلي بقى كام ساعه وكام دقيقة وكام ثانية
ضحكت وهي تتراجع للخلف بعدما استندت بذراعيها فوق سطح مكتبه، طالعها مبتسماً وهو يراها بهذا الإسترخاء
– مش لدرجادي يا سليم، هترجع بدري مش كده
طالت نظراته إليها إنه يشتاقها ولكنه أصابه بعض الفتور، فبات يبتعد عنها وهي اخذت دور الصمت كعادتها ولكن اليوم يرى الشوق يفيض من عينيها.
مالت نحوه بعدما لم تجد إلا أن عليها هي من تعيد تلك الحرارة لحياتهم
– سليم أنت بقيت بعيد عني أوي من ساعت ما خديجة مشيت من البيت
اطبق فوق جفنيه بقوة فهو حتى اليوم رافض فكرة إبتعاد صغيرته عنه
– خديجة عندها حضن تاني يا سليم لكن أنا معنديش غيرك
فتح عيناه يراه تُطالعه بنظرة جعلته يجذبها إليه غير عابئ بتلك الأوراق التي تناثرت أسفل مكتبه
ضمها إليه بقوة فارجفتها ضمته التي اشتاقت إليها
– خايف تبعدي أنتِ كمان عني
سليم يخاف من إبتعادها عنه ولكنها هي من كانت تخاف، لقد تجاوزوا الكثير من المراحل معاً ولكن إبتعاد ابنته عنه وإنسحاب شهيرة عنهما بطريقة متحضرة كانت أصعب مرحلة لم تظن إنها ستكون فيها الطرف المنتصر وتظل معه حتى لو أصاب علاقتهما بعض الفتور.
اشتد عناقه وقد صارت لمساته أكثر جراءة، تتنفس عبق رائحته التي باتت معبقة برائحة سجائره وقد بات يدخن بشراهة رغم إنها كانت من قبل نادراً ما تراه يُدخن.
صار لديها مهمه أخرى عليها فيها أن تثبت وجودها كزوجة
– كنتِ جاية عشان الحضن ده، إظاهر إننا المرادي بدأنا نتغير فعلًا
داعبها بحديثه الذي أشتاقت إليه، فحاولت التحرر من أسر ذراعيه والابتعاد عنه حتى تتمكن من ترتيب سترتها الأنيقة وبلوزتها
– فعلا كنت محتاجة لحضنك يا سليم
تعالت ابتسامته وهو يستمع لتصريحها دون خجل عن توقها إليه
– لكن في سبب تاني، سبب وراه إستغلال بس إستغلال جميل وعارفه إنك مش هترفضه
ارتفع حاجبه الأيمن لأعلى في دهشة، فمن التي تتحدث معه اليوم.
عادت تقترب منه تُخبره بحديث سريع عما تُريد إستغلالها فيه
– لكن الموضوع هيكون صعب شويه، لو وفرت فرصه اكيد هتكون إلا لناس تستحق ده
– أنت هتوفر فرصه او فرصتين، شريك ليك هكذا وشريك لشريك ليك هيعمل كده هتلاقينا عملنا حاجة مؤثرة وساعدنا ستات وبنات محتاجه شغل، ارملة، مطلقة، بنت بتعول أسرتها او بتعول نفسها لأنها ملقتش اللي يساعدها
داعبت ابتسامة واسعة شفتيه وهو يراها ملتصقة به، تتلاعب بأزرار قميصه دون شعور منها أن حركتها صارت مغرية
– إيه كمية كلمة شريك اللي اتقالت في كلامك ، أنتِ فرعتي أوي الموضوع يا حببتي, ديه مجرد حفلة سنوية للشركة والشركاء بيكونوا ضيوف مش أكتر، مقدرش أجبر حد فيهم يقدم مساعده
طالعته في عبوس ، فهل ضاع ما تحمست إليه؟
– أنت مش هتجبر حد يا سليم لكن هتكون أنت البداية لينا، لما تعلن تقديمك فرصة زي ديه لفردين مثلا هتلاقي غيرك بيعمل كده، هو أنا برضوه اللي هقولك
ارتفع هذه المرة كلا حاجبيه، فهل اختلاطها مع أعضاء الجمعية وطلبه من السيدة سحر أن تدمجها في الكثير من الانشطة والاجتماعات أثمر بهذه السرعة؟
– فتون يا حببتي، أنتِ فتحتي نص ازرار القميص وأنتِ مش حاسه والموضوع كده هيروح في ناحية تانية
طالعته دون فهم تنظر إليه ثم إلى موضع يديها، انتفضت عنه لا تستوعب أين كان عقلها
ومنذ مدة لم يضحك هكذا، ألمته معدته من شدة الضحك ينظر إليها وهي تمسح فوق خديها
– يا حببتي أنا بوضحلك الموضوع ، لكن أنا مرحب والله
– سليم
هتفتها وهي تشيح عيناها عنه ولكنها كانت سعيدة لأنه عاد يهتم بها ويتجاذب معها الحديث
– عموما موافق يا فتون، رتبي الموضوع مع سكرتيرتي ورشحي ليا العدد بس متوعديش حد بحاجة لسا مش مضمونه وانسي إنك مراتي في الحاجات ديه لأن الشغل محتاج حد جدير ويستحق
………..
ركضت الصغيرة نحو والدتها بعدما فتحت لها الخادمة ورحبت بها
– أنتِ كذبتي عليا كمان النهاردة يا مامي وقولتيلي هترجعي بدري
ارتسم الندم فوق ملامح شهيرة، فالأعمال متراكمة والشركة تحتاج لوجودها، فلن تنهزم أمام شقيقها ولا أمام ذلك الشريك الذي اجبرها شقيقها على تحمله وبالطبع لم يكن إلا ماهر الذي بات يُعاملها كند له بعدما فشلت محاولته معها بالزواج
– أسفه يا حببتي! مامي غصب عنها, اوعدك بكرة اخدك ونروح النادي ونتغدا كمان هناك
ابتعدت عنها الصغيرة، فذلك الوعد صارت توعده به دوماً ولكنها في النهاية تقضي يومها مع مربيتها
– كل مره تقوليلي كده، بابي مكنش بيكذب عليا
أسرعت الصغيرة نحو غرفتها تجر خلفها دميتها، هي باتت تُصدق أن سليم كان أجدر منها في رعاية الصغيرة ولكنها ستُحاول حتى تفهم صغيرتها أن كل ما تفعله من أجلها
زفرت أنفاسها بأرهاق، ليت كانت حياتها سهلة ليتها كانت مجرد أمراة بسيطة لا يثقلها الأعمال والصراعات
– أحضر العشا يا هانم
اماءت برأسها للخادمة وعادت تلتقط أنفاسها، ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة، تتجه نحو غرفة صغيرتها
– ديدا
اشاحت الصغيرة عيناها عنها، فاقتربت منها وقد اورثها سليم من طباعه العناد والتذمر السريع
– مامي تعبانه ومش هتخف غير لما تاخد منك حضن كبير
اخذت شهيرة تقص لها عن يومها المشحون حتى بدأت الصغيرة تستمع إليها
– أنتِ بتعملي ده كله يا مامي لوحدك
حركت شهيرة لها رأسها، ولم تكن تنتظر من صغيرتها إلا النظر إليها وتفهمها
ورغمًا عنها كانت دموعها تنساب فوق خديها وهي ترى أبنتها تُحاوطها بذراعيها
– خلاص يا مامي أنا مش زعلانه، متخافيش بكره لما اكبر هساعدك ومش هتتعبي تاني
………..
ودع كاظم ذلك الصديق الذي لم يراه منذ زمن وكان من حظه أن يراه هنا في إيطاليا.
صديقه غادر بعجالة بعدما تلقى إتصالًا هامًا معتذراً منه، فقد أراد الجلوس معه لفترة أطول.
طالع هاتفه بتوجس بعدما رأي رسالتها، وقد ضاقت عيناه مدهوشًا من طلبها
” عايزة برقوق يا كاظم”
ركز بالرسالة لمرات، هي تصف له حجم ولون وطعم البرقوق الذي تُريده
ورغمًا عنه كان يبتسم مجيبً على رسالتها
– برقوق لونه أخضر وطعمه مزز اجيبهولك منين ده يا جنات
اصطدم دون قصد منه بأحد الأشخاص، فالتف معتذراً منه
تقبل العامل اعتذاره. فتوقف مكانه للحظات يُحملق في جسد المرأة التي أخذت خطواتها تقترب من المصعد، هي لم تراه لانشغاله بمطالعة الهاتف.
وعبارة واحدة عادت تقتحم ذاكرته هذه المرة بأهتمام، صديقه الذي التقاه وغادر قبله الفندق اخبره إنه رأي شقيقه أمير فهو يتذكر شكله ولم يتمكن من مصافحته وتذكيره بنفسه لأنشغاله بمكالمة هاتفيه
أمير هنا في الفندق، و خديجة النجار تخفي عينيها بإحدى النظارات تسير بخطوات مرتبكة بعض الشئ
– معقول خديجة النجار عشيقة أمير
