لمن القرار بقلم سهام صادق ج 10
الفصل السابع والأربعون (1)
********
باتت الغيرة تعرف طريقها نحو قلبها، بعدما لم تعد تري نفسها مجرد زوجة مؤقتة في حياته..، بعدما جعلها في حبه أنانية..، جعلها لا تستطيع رؤية حياتها بدونه..
هي ليست غبية حتى لا تري نظرات الهيام التي تحتل عينين شهيرة، امرأة تحارب لتعيد طليقها إليها..
فلو كانت تسمح لبقائها في المنزل إحتراماً لقراره وحبها لحبه لابنته، ذلك الحب الذي يشعرها بالأمان معه..،
لكن ها هي غريمتها تثبت لها يوماً بعد يوم أنها مخطئة.. ،شهيرة لم تعود من أجل أبنتها التي أصبحت متشبثة بها، إنها عادت من أجله أو ربما من أجل كلاهما
– فتون
نهض عن مقعده، بعدما علقت عيناه بها وهو يري تلك الابتسامة التي تلاشت عن محياها فور أن وقعت عيناها على شهيرة التي وقفت جوارة تُطلعه على تنظيم حفلة عيدميلاد الصغيرة
امتقعت ملامح شهيرة وهي تراها قد عرفت طريقها لهنا، وبالتأكيد بعدما سينتشر خبر قدوم الزوجة الجديدة لرئيسهم.. سيبدء الجميع بالمقارنة بينهما وخصوصاً في العمر..، إنها تكره صغر سنها وحجمها الذي يشعرها وكأنها لعبة صغيرة بين ذراعي سليم وعلى ما يبدو أن ضئلة جسدها ما تزيد سليم رغبة بها.. فهي تشعره بمدي سطوته وهيمنته أثناء علاقتهما
ضمها إليه غير مصدق إنها أتت شركته اليوم حتى تفعلها له مفاجأة
– مش معقول فتون هانم اتنزلت وجات شركتي
هتف بها وهو يمسح فوق خديها، فازدادت ملامح شهيرة قتامة وهي ترصد ملامح غريمتها الصغيرة ، وقد لوت شفتيها تهكماً، فكم هو متواضع سليم ليخبر من جعل لها قيمة بين النساء وادخلها مجتمعهم بأنها من تنازلت وأتت إليه مكتبه
لم يخفي على فتون نظرة شهيرة الملتوية ولا ذلك الحديث الذي رأته في عينيها, ولكنها حاولت قدر استطاعتها تلاشي شعور الحنق داخلها، وسرعان ما كانت ترتخي ملامحها، ترسم فوق ملامحها ابتسامة جميلة وهي تبتعد عن احضانه..، فقطبت شهيرة حاجبيها منتظرة ما ستفعله تلك الخادمة التي باتت تتعلم أساليب النساء
– حبيت اعملها ليك مفاجأة، مفاجأة حلوه مش كده
القتها بفتنة ودلال، وهي تمسح فوق قميصه..فابتسم وهو يطوق خصرها بذراعه ويتجه بها نحو شهيرة التي تمالكت غضبها ورسمت فوق شفتيها ابتسامة مقتضبه، فلن تكون هي الشريرة في الحكاية بعدما باتت غريمتها تتلاعب معها
– مفاجأة طبعا جميلة يا حببتي، مش كده يا شهيرة
– فعلا يا سليم
واقتربت منهما، تحمل جهازها اللوحي.. تريها بعض اختياراتها عن ترتيبات حفل عيد ميلاد صغيرتها الذي تقدم عن موعده الحقيقي بسبب عملية شقيقها
– انا كنت عايزة اعمل للبنت حفلة كبيره، لكن الترتيبات اتغيرت لما سليم بلغني عن عملية اخوكي الصغير، طبعا احنا عيلة واحدة ولازم نقف جانب بعض
لمعت عينين سليم بتقدير رغماً عنه، عن مدي تعقل شهيرة وتقبلها للأمر..، فقد بدء يشعر أن شهيرة عادت لتوازنها وتقبلت فكرة خروجها من حياته
– أنا مضطرة أمشي دلوقتي يا سليم عشان اكمل الترتيبات مع المسئولة عن الحفلة
غادرت شهيرة مرغمة، تخفي خلف قناع هدوئها غيرة تحرق فؤادها..، فبعدما كانت هي من لها الحق فيه.. أصبحت لا شئ سوي إنها ام أبنته يحترمها من أجل الصغيرة حتى تنشأ بينهم في تفاهم دون صراعات واحقاد..
ليتها لم ترتكب ذلك الجرم حينا عرضت عليه الطلاق مقابل أن تحصل على إدارة شركة والدها من شقيقها حامد
– ممكن أعرف بقى سبب الزيارة السعيدة
تمتم بها سليم وهو يُحرك يديه فوق ذراعيها، وقد اعتلت شفتيه ابتسامة هادئة
– هو أنا جيت في وقت مش مظبوط أو مش تمام
ارتفع حاجبي سليم ذهولاً من عبارتها، التي فهم مقصدها تماماً، ثم تملصها من أسر ذراعيه وابتعادها عنه
– اممم، كلامك يا حببتي في تلميح وسوء فهم..، وأنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي سوء الفهم
التوت شفتيها تهكماً، فعن أي سوء فهم يتحدث وشهيرة كانت قريبة منه للغاية..، تتنفس رائحته في هيام
– سوء فهم، لا ما شهيرة وضحت سوء الفهم..، وجودها عشان عيد ميلاد خديجة اللي كان ممكن تتكلم فيه معاك في البيت وقدامي وكنت هشارك معاكم عشان أسعد خديجة..، لكن لا إزاي البيت مش كفاية عليها، فتيجي الشركة كمان
وقف في ذهول تام وهو يستمع إليها، لقد خرجت قطته الصغيرة من جحرها الآمن
– ومتحاولش تقنعني إنها هنا عشان تنظم معاك الحفلة وبس، هي هنا عشانك
احتقنت ملامحه، فقد بدأت أكثر النقاط التي لا يحبها في النساء.. النقاش في أمور لا يراها إلا فراغة عقل..، فلو كان يريد العودة لشهيرة لعاد إليها، حاول قدر استطاعته أن يجعل ملامحه تلين واقترب منها يجتذبها إليه
– وأنا اللي كنت فاكر مراتي، جاية الشركة ليا تدلعني شوية.. تقولي كلمة حلوه..
– سليم أنا بغير، لو كنت بسكت..
وقبل أن تتمم عبارتها، كانت شفتيه تعانق شفتيها… يبثها مشاعره وحاجته إليها..، اغمضت عيناها.. بعدما أسبلت جفنيها؛ فابتسم مرغماً يمدّ كفيه نحو خديها يمسح فوقهما
– لازم تكوني واثقة فيا يا فتون، متجوزتكيش غير بعد ما اتغيرت.. لو كنت سليم النجار القديم كنت هقول عندها حق.. راجل لعبي.. بيزهق بسرعه.. لكن أنا مش شايف في حياتي غيرك وغير خديجة
– أنت بتسكتني بكلمتين ، عشان عارف إني بصدقك علطول
انفرجت شفتيه في ضحكة صغيرة، وهو يري احتقان ملامحها بعدما هدأت ثورتها؛ فاجتذب رأسها نحو صدره وقد عادت ضحكاته تتعالا
– طبعا، لأنى زوج مسيطر يا حببتي.. ،مش سليم النجار اللي كان عنده قايمة نساء متتعدش
دفعته عنها بضراوة، فهي اكثر من كان يعلم عن صورته القديمة وركض النساء خلفه
– يا سبحان الله، كنت بس عايزك تناقشيني.. دلوقتي بتناقشي وصوتك عالي وايدك كمان بقت طويلة.. بركاتك يا حجة عبلة.. كام يوم بس وبركاتك ظهرت في حياتي.. صحيح الحموات سرهم باتع
– سليم
تعالت ضحكاته وقد علقت عيناه بملامحها المتجهمة، وتلك النظرة الغاضبة التي تذكره بغضب صغيرته خديجة
– إيه رأيك نخرج نتغدى بره، وبعدين نروح نشتري ليكِ فستان عشان عيد ميلاد خديجة ونجيب هديتها سوا
تلاشي الاستياء من فوق ملامحها، وهي تراه بالفعل تحرك نحو مكتبه يغلق حاسوبه، ثم التقط سترته ووقف يهندم هيئته
– بس أنت جايبلي فساتين كتير، ممكن البس أي حاجة من عندي
التف إليها وهو يعدل من هندام لياقة قميصه
– مافيهاش حاجة لما نشتري حاجة جديدة
تقدمت منه، وقد أنطفأت غيرتها قليلاً.. بعدما استطاع اجتذابها في الحديث بحنكته
– سليم، قولي بحبك يا فتون
رأي في عينيها حاجتها لتأكيد حبه ، فمدّ لها ذراعه لتقترب منه وسرعان ما كان يضمها نحو قلبه
– مش لازم اقولهالك ديما يا فتون، لكن خليكي متأكده إنك الست الوحيدة اللي دخلت قلبي وحبها كل يوم بيزيد..
– قولي برضوه بحبك
ضحك مرغماً، وهو يستمع لاصرارها لسماع الكلمة، فرفع انامله نحو انفها , يداعبها قبل أن يدنو منها ويخبرها بأنفاس مثقلة
– بحبك يا فتون، مبسوطه كده
…….
ابتسم بسعاده، وهو يري السعادة مرتسمة فوق ملامحها.. تخبره عن مدي فرحتها وهي تستمع لعبارات المدح من قبل استاذها بالجامعه بعدما عرض البحث الذي سلمته لزملائها وقد نالت وحدها الدرجة كامله
– كنت مبسوطة أوي يا سليم، كنت عايزه اقوله إني تلميذة لأستاذ في القانون مافيش قضيه كانت بتخرج من تحت ايده، بس من شطرته ساب الساحة وبقي بيزنس مان
انفرجت شفتيه في ابتسامة واسعة، يُطالعها بنظرة حنونة
– أنتِ تلميذة مجتهدة يا حببتي، وعايزة تكوني محامية شاطرة.
ضحكت مرغمة، ف للأسف سليم يمدحها في شئ تعلم تماماً إنها لن تكون بارعة فيه..، لأنها بدأت تكتشف أن مجال المحاماه ليس لها.. وأنها اختارت هذا المجال انبهاراً بنموذج سليم
– بس أنا مش حاسة إني هكون شاطرة في مجال المحاماه، لولا مساعدتك مكنتش هعرف اكمل في الكلية ولا حتى في المؤسسة
ضاقت عيناه، وقد توقف عن تناول طعامه..، بعدما استوقفه حديثها
– أنتِ شايفه نفسك كده لأنك لسا في البداية يا حببتي، فتون أنا عايزك تمسكِ المؤسسة مع حازم بعد ما تتخرجي..
شعرت بالتوتر وهي تستمع لعبارته، فالتقطت بشوكتها قطعة من الطعام تمضغها
– مع كل سنة تجيبي فيها امتياز ليكي عندي هدية كبيرة
حاولت رسم ابتسامة فوق شفتيها، تومئ له برأسها.. فيجب عليها أن تنجح حتى يأتي اليوم الذي يفتخر بها أمام رفقائه ومجتمعه
انتهي الغداء، وقد استمتعت باطلالة المطعم الرائعة..،وها هي تبدء جولة أخرى معه في سعادة أخرى وهو ينتقي معها ثوبها
– هيليق عليكِ ده ، ادخلي اقسيه
طالعت الفستان بنظرة فاحصة، تنظر إلى تصميمه الرائع
– حساه ممكن يكون ضيق عليا
فحصها بعينيه، مقتربًا منها هامساً
– لا ياحببتي أنتِ متخنتيش ولا حاجة، بس جسمك اختلف شوية
التقطت منه الثوب بحرج، بعدما فهمت مغزي عبارته.. فضحك علي هيئتها الخجوله واندفاعها نحو غرفة القياس
– سليم
أخرجت رأسها من غرفة القياس، وهي تراه مازال واقف ينتقي بين الأثواب ما يُلائمها..، كانت العاملة ملتصقة به تخبره عن الأفضل ولكنه لم يكن يبالي بحديثها..، وفور أن أستمع لصوتها التف لها يُركز اهتمامه معها.. فوجد على ملامحها علامات الحنق
اقترب منها، فاجتذبته داخل غرفة القياس، فانفجر ضاحكاً وهو ينظر حوله
– كده نتفهم غلط يا حببتي
– اقفل السوسته يا سليم، ومش كل شوية الاقي ست بتحوم حواليك وأنت ما شاء الله مغناطيس في جذب الستات
– وبقينا نركز في التفاصيل كمان، بركاتك يا حماتي..
ضحكت رغماً عنها، فسليم بات يظن أن هذه النصاحة أتت مع قدوم والدتها..، ولكن الشئ الوحيد الذي وضعته والدتها داخلها هو الخوف من فقده والعودة لحياتها القديمة
– امممم شايف الفستان ضيق شوية فعلا
– بس مش ضيق اوي يا سليم، وممكن البسه عادي
ابتعد عنها ليفحص الثوب بتدقيق فوق جسدها، ولكن ملامحه قد امتعضت وهو يري الثوب يفصل جسدها
– يا حببتي ضيق، ومفصل جسمك..، هخرج اجبلك الفستان التاني
– لكن عجبني
ظنته سيرضخ، ولكنه فجأها بتشبثه بقراره
– قولت هنختار واحد بديل يا فتون، لكن ما دام عجبك ده..، مافيش مشكله ناخده وتلبسيه في البيت
انصرف دون أن ينتظر سماع اعتراضها، ولكنها كانت سعيدة..، تسألت داخلها لما كان يسمح لشهيرة أن تكون متحررة في ثيابها..، رغم إنها كانت في عصمته
عاد لها بثوب اخر، فالتقطته منه متذمرة
– خدي قيسي الفستان، وبلاش مط شفايفك.. أنتِ محجبة يا فتون لازم تحترمي حجابك
– حاضر يا سليم
ابتسم بعدما أعطاها ظهره، وتحرك نحو الأثواب مجدداً.. لتقع عيناه على ثوب فاضح.. فالتمعت عيناه وهو يلتقطه
– هناخد ده كمان
وجولة أخرى من جولاتهم كانت تنتهي، وقد أتى دور هدايا صغيرته..، وذلك الصغير الذي سوف يجري جراحته بعد أيام، وبالطبع حماته العزيزة
وقفت سعيدة وهي تراه يختار هدية شقيقها
– تفتكري هتعجبه
ثم انحنت نحو الدراجة، مبتسمه بسعادة وهي تتخيل سعادة شقيقها
– جدا يا سليم
وسرعان ما كانت تندفع إليه، تحتضنه دون أن تفكر بمن حولهم
– هيفرح اوي اوي، ربنا يخليك ليا
توقفوا عن اختيار الألعاب، تنظر إليه بعدما اخرج هاتفه.. ينظر لرقم شهيرة وفور أن التقطت اسمها.. ابتعدت عنه ببعض الضيق وركزت في الألعاب المعروضه حتى تُلهي حالها إلى أن ينتهي من مكالمته
– أنت فين يا سليم، لو أنت قريب من وسط البلد.. خلينا نتقابل ونجيب هديه لخديجة سوا
تعالت الأصوات حوله، فابتعد قليلاً حتى يستطيع سماعها
– شهيرة أنا برة مع فتون، وبنجيب هدية خديجة ..
– ديه هدية بنتِ يا سليم، المفروض أكون أنا معاك مش هي
– شهيرة الصوت بيقطع، هضطر أقفل المكالمه
أغلق الهاتف، وقد عاد الأرهاق يحتل ذهنه.. شهيرة تعلق الأمال على عودتهم مجدداً، تضع ابنتهما بينهم..
دلك جبهته، واتجه نحو تلك الواقفة وقد علقت عيناها بدمية..
فاقت من شرودها والتفت نحوه بعدما استمعت لصوته وهو يخبر العامل بلف الهدايا ومنهم تلك الدمية التي ذكرتها بدمية صغيرة من القماش..، مزقتها لها والدتها حينما تلاهت عن شقيقتها الرضيعة بدميتها وسقطت أرضاً.. ،
طفلة ذو سبع أعوام تربي اخواتها بدلاً من الركض واللعب مع الأطفال
ابتلعت غصتها وهي تتذكر طفولتها المريرة، فابتسم إليها بحب
– لو في حاجة شيفاها مناسبه نجيبها
حركت رأسها نافية، فلم يترك شئ يراها منجذبه له إلا واشتراه.. كان يوم مميز..، مميز للغاية يوماً أثبت لها مكانتها الطبيعية في حياته.. هي زوجة وشريكة حياتها ويجب عليها أن تدافع عن حياتها معه حتى لا تخسر مثل شهيرة.
……
وضعت السيدة سعاد فنجان القهوة أمامه بحرج ، فرفع عينيه عن الأوراق التي كان يقرأها ..، وقد ظنها بسمة من أتت لتقدمها له بعدما أمر السيدة سعاد أن تعطيها لها وتأتي إليه مكتبه حتى يتحدث معها
– أصلها يا بني خرجت تحط أكل للقطه، أنت عارف بتحب أد إيه القطط
واردفت السيدة سعاد بصعوبة، وقد ازداد حرجها منه
– لو عايزاها في حاجة مهمه، بلغني وأنا هبلغها يا بني
امتقعت ملامح جسار، وهو يُلقي الأوراق التي كان يمسكها فوق سطح مكتبه
– إيه لعب العيال ده، اخرجي اندهيها يا دادة.. عرفنا إنها زعلانه وإني زودتها معاها وقبلت شروطها في رجوعها
ليتذكر شرطها الذي كلما تذكره، يشعره بالحنق منها.. يتمنى داخله لو استطاع خنق ذلك الذي خرج له ليُعكر صفو حياته
” هتحترمني لحد ما عريسي يا خدني، واوعدك مش هتشوف وشي تاني يا جسار بيه”
لقد جعلته عريسها، عنتر الذي حاول ا . تراه الزوج الذي سينجدها من حياتها البائسة لديه
انصرفت السيدة سعاد، بعدما رأت غضبه..، وفور أن رأت بسمه تدلف من باب المطبخ أسرعت إليها
– يا بنتِ عايزك في حاجة مهمه، البيه عصبي استحملي يا بنتِ لحد ما تتجوزي
رغم الوجع الذي امتلكها وهي تتذكر المصير الذي ألقت حالها به، إلا إنها تجاوزته وابتلعت غصتها واتجهت نحو صنبور الماء تغسل كفيها
– مافيش كلام بينا، أنا هنا مجرد ضيفه وقريب وهمشي من هنا
– يا بنتِ مش اتفقتوا تكونوا في هدنه لحد ما يسلمك لعريسك
– ايوة طبعا عنتر عريسي
اخترقت العبارة اذني جسار، وهو يراها كيف تنطقها في سعادة ..وقد دلف المطبخ للتو ، توقفت السيدة سعاد عن الحديث وطالعته برجاء أن يتحملها..، ومن نظرة عينيه فهمت إنه يصرفها ليتحدث معها
كانت بسمة غافلة عن دلوفه وانسحاب السيدة سعاده، فاستطردت في حديثها تُحاول إقناع حالها عن حياة تعرف نهايتها
– شوفتي عنتر طلع راجل إزاي يا دادة، وندم على اللي عمله فيا.. وجيه يصلح غلطه وطلب أيدي للجواز
واردفت وهو تمسح رخام المطبخ بالمنشفة المبتلة
– تفتكري امتى هيجي يا داده ويتقدم رسمي، ولا جسار بيه هيماطل في الحكاية.. ويفضل يقول اشعاراته الفارغة..
ثم تنهدت، تخرج الحديث من بين شفتيها بمرارة
– أنا واحده من الشارع اخوها رد سجون.. يعني أحمد ربنا إن أتقدم ليا واحد زيه ابن ناس.. صحيح خمورجي وبتاع ستات بس هحاول اغيره
– لا ما شاء الله خطتي لحياتك معاه، وإزاي هتعرفي تغيريه
جمدها صوته، فتوقفت يدها عما تفعله.. فاقترب منها وقد شعرت بظله خلفها، يقبض فوق يديه بقوة
– يوم ما تهربي من عيشه.. اهربي لعيشه ترفعك وتضمن ليكي حياة كريمة.. مش واحد عارفه ومتأكده إنه هيرميكي بعد ما ياخد غرضه منك
……….
علقت عينين جنات بالورقة التي أعطاها لها، وكأنه كان متأكد من موافقتها على شروطه
– مجهز كل حاجة، وكأنك كنت ضامن موافقتي
ابتسم كاظم بزهو، وهو يبتعد عنها.. يجلب القلم من فوق سطح مكتبه.. حتى توقع على الشروط..، عاماً ستمنحه فيه نفسها وقتما يُريد دون اعتراض..، والمقابل حقوق ستتمتع بها ومظهر اجتماعي ومال سيجعلها من سيدات الأعمال إذا أرادت انشاء مشروع لها
– أنا راجل ابن سوق وبعرف أفهم كويس اللي قدامي
والجمود عاد يرتسم فوق ملامحه، يُعطيها نبذة صغيرة عن حياته القديمة
– اوعي تفتكري البدلة والعز ده كله جيه من فراغ..
لم تشعر بالدهشة من حديثه، فقد أصبحت تعلم الكثير عن حياته وطفولته..، وكيف استطاع بناء ثروته من لا شئ
انتبهت على القلم الذي وضعه أمامها، فازدردت لعابها ورفعت رأسها في شموخ وفي لحظة لم يتوقعها.. كان يري فتات من أوراق العقد تتناثر تحت أقدامهم.. ينظر إليها غير مصدقاً فعلتها
– صحيح وافقت على عرضك، لكن أنا مش بيعة وشروة يا كاظم باشا.. نصيب والدي في الأرض في رقبة جودة باشا، فلوسك وفرها لنفسك
– يعني إيه؟
والجواب كان يأخذه منها وهو يري ثوبها يسقط أسفل قدميها
– جسمي مقابل حريتي منك، حرية قلبي اللي سعي ورا الراجل الغلط.. ده عقابه
الفصل السابع والأربعون (2)
**************
ألقت عبارتها، وانتظرت أن تري ردة فعله..، لكنها لم تري إلا الجمود الذي أرتسم فوق ملامحه وذلك الصراع الذي لأول مرة تراه في عينين رجل مثله بقسوته ، صراع يُخبرها إنه مازال يشك بأمرها
هل هي صادقة أم مجرد لعبة تخدعه بها لتظهر له بصورة المرأة العفيفة ؟
وببطئ كان يقترب منها وصورة واحده كانت تظهر أمامه، صورة اختارها عن النساء وجعلها مرسخة داخله.. ،جميعهن لا يستحقون أن تظن بهم الصدق والوفاء، جميعهن يقودنك نحو الهلاك..
انسابت دموعها، فقد خسرت مرة أخرى حينا اقنعت قلبها انها ستتمكن من تغييره وتحريك قلبه إليها وستعيش حكاية نسجتها من حكايات الخيال
– أنتِ ملكِ يا جنات، وهتفضلي ملكِ
عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه، والتف إليها، ينظر لها ورغم الألم الذي ارتسم داخل عينيها، إلا إنه رأي نظرة ساخرة باردة
– كنت فاكره إن في أمل، لكن الصورة وضحت
وبصعوبة كانت تتحرك، تغادر الغرفة بذل أخر، تخبر حالها عليها أن ترحل من هنا، حتى لو فرت هاربة.
وقف يُطالع أثرها، لا يستوعب أن الحال وصل به لهنا، يأسرها في منزله..، رغم كل رغباته من قبل في التخلص منها وطلاقها، لقد وصل به الحال أن يكون رجل شهواني ، هو قاسي كالحجر، لكنه لم يشتهي يوماً النساء رغم الصورة التي جعل الجميع يصدقها عنه، ودون أن يشعر كان يقذف كل شئ أمامه صارخاً بعدما اكتشف بشاعة الحقيقة
– أنت محبتهاش، أنت اتعودت عليها يا كاظم.. اوعاك تتألم على حد
………
فهي لا تحتاج لتسمع منه مصيرها المحتوم، فما الذي تملكه غير ما يبحث عنه عنتر وأمثاله
عادت لقوتها ولامبالاتها بعدما ابتلعت غصتها المريرة
– يرميني او يخليني عنده..، مش هتفرق يا باشا..، ما دام الراجل عايزني في الحلال نديله فرصه
وبأمل زائف تُحاول التمسك به
– مش يمكن يكون تاب
ازدادت ملامحه احتقانًا وهو يستمع لما تمنحه لنفسها من أمل يراه مستحيلاً في رجل كعنتر لا يبحث إلا عن نزواته
– تاب
تمتم بها مستنكراً، فعنتر مازال يتوافد على الملاهي الليلة ويلتقي برفقاء السوء
– و مالك بتنطقها كده يا باشا..، كأن التوبة مش مسموحه لينا
وسرعان ما كنت تلطم كفوفها ببعضها مستغفرة ،تلوي شفتيها تهكماً
– لو افترضنا إنه تاب فعلا يا بسمه، هيتوب عشان يتجوزك ولا الإنسان بيتوب لربنا الأول
– موافقة برضوه عليه يا باشا، عنتر احسن من ناس كتير عرفتهم في حياتي
ارتفعت وتيرة أنفاسه بعدما نال الغضب منه، فهي مُصرة على الزواج منه
– ولو اتجوزتوا ، وصحي فجأة من توبته..
كأنه كان يضع لها العقدة بالمنشار، ولكنها لم تعد تأبى شئ.. ، وقد اختارت حياتها مع عنتر
– متخافش يا باشا مش هرجعلك تاني، واقولك انقذني وساعدني، لو كنت خايف يعني
إنها تُريد بالفعل إصابته بجلطة دماغية، اغمض عينيه لعله يهدء من وتيرة أنفاسه المرتفعة
– تقدري تعملي مشروعك يا بسمه، ولو على التليفون أنا..
وقبل أن يكمل عبارته ويُخبرها إنه سيجلب لها هاتف جديد بامكانيات حديثة
– أنت نسيت يا باشا إن عنتر عنده مطعم كبير، وكنت شغاله فيه..، فعلا المشاغل الكتير بتنسي الواحد
القت عبارتها ثم علت دقات قلبها، وتراقصت السعادة في عينيها وهي تُشاهده يُدلك جبينه ويزفر أنفاسه بقوة بعدما أصبحت عبارتها تصيب هدفها
– عنتر دلوقتي بقي الفانوس السحري بالنسبالك
ظن أن همسه خرج خافتاً، ولم يُدرك إنها استمعت لعبارته، اخفت ابتسامتها عندما علقت عيناه بها
– هتتخلي عن أحلامك يا بسمه عشان تتجوزي
وقد ابهرته اليوم بالدور الجديد الذي تقمصته و أجادته، والجواب الأخير كانت تخبره به, بعدما التفت بجسدها وعادت تنشغل بتنظيف ما تقع عليه يديها
– بكره أحققها مع عنتر.. ، يا جسار بيه
– إصرارك على عنتر، ملهوش تفسير غير كلام زميلتك في المطعم كان صح
اخترقت عبارته أذنيها، فها هو يفسر تصميمها على زيجة كان هو السبب الوحيد في دفعها إليها كما يحلو، حمقاء هي حينا ظنت هذا الرجل خلاصها بل كانت غبية حينا أغرمت به، وظنت أنه سينظر لها يوماً بنظرة أخرى
عادت تلتف إليه، تنظر إلى عينيه تري فيهما إتهاماً، ولكنها لم تعد تهتم لنظرة أحد نحوها
– واحده من الشارع.. تفتكر هتكون إيه يا باشا
طالت تحديقه بها ، بعدما ألجمته عبارتها.. فانسحب صامتاً يقبض فوق كفيه بقوة يخبر حالها, فلتذهب للجحيم الذي تريده.
……..
وقفت خلفه في شرفة المنزل، بعدما غادرت دورة المياة وبحثت عنه في ارجاء الغرفة
– أنتِ عارفه أنا بثق إزاي في قرارتك يا خديجة
دلكت خديجة جبينها بأرهاق، وهي تتابع الحديث معه حول صفقتهم في شراكة جديدة ستدخلها مجموعتهم الأستثمارية
– لازم تكون في الغردقة الاسبوع الجاي يا سليم، مستر فايق جاي هو وزوجته يقضوا كام يوم في مصر يستمتعوا بالأجواء، وطبعا يشوف المنتجع السياحي عشان يتمم صفقة الشراء
– صوتك مش عجبني يا خديجة
تجاوز الحديث عن عملهم، بعدما شعر بذلك الفتور الذي اخترق نبرة صوتها، ومع سماع صوت تنهيداتها كان يتأكد أن عمته الجميلة بها شئ تخفيه عنه
– محتاجه انزل مصر كام يوم يا سليم، محتاجه اشحن طاقتي منك ومن خديجة الصغيرة
ورغم البسمة التي ارتسمت فوق ملامحه بعدما أخبرته بنيتها في القدوم إليهم، إلا أن كلماتها زادته يقينًا أنها ليست بخير
– كلامك بيأكد ليا احساسي يا خديجة
– قول لديدا إن هديتها هتوصلها
وها هي تهرب من الحديث بحديثًا أخر، شعر بذراعين فتون حول خصره وكأنها تخبره بوجودها معه في الشرفة
– خديجة النجار بتهرب من الإجابة، اوعي تكوني بتحبي يا ديدا ومكسوفة تحكيلي
تجمدت ملامح خديجة، ورغم نبرته المازحة في طرح سؤاله، إلا أن الخوف أحرق فؤادها..،
ثقلت أنفاسها وقد تخيلت اللحظة التي ستظهر فيها حقيقة زواجها من أمير، أمير الذي جاء لينفذ صفقة معهم بعدما بعثة شقيقه كاظم النعماني، لينتهي بها الأمر معه أمرأة تحترق رغبة في قربه وبعده عنها
– حببتي ادخلي جوه، الجو برد عليكِ
انتبهت على الحديث الدائر بين سليم وفتون، ولا تعرف لما أتت صورة فتون القديمة إليها، فتاة صغيرة تنظر نحو سيدها بنظرة حالمة، وكأنها تري فيه بطلاً من أبطال الحكايات، وابن شقيقها لديه سحر مع النساء لا يُقاوم، والصغيرة زوجة..، زوجة وقعت بشرك الخطيئة..، خطيئة الحب
فاقت من شرودها على صرخة خافتة، ثم هتاف سليم بها قبل أن يُنهي الحديث معها
– خديجة مضطر اقفل معاكِ، نكمل كلامنا بكرة..
وبلهفة قلقة تسألت
– مالها فتون، صرخت ليه؟
ورغما عنه كان يضحك بقوة
– سلام يا ديدا
علقت عينين خديجة بالهاتف، بعدما أغلق هو.. تُحاول فهم سبب عدم جوابه عليها، لتنفرج شفتيها في ضحكة قوية مريرة غير مصدقة ما وصل إليه عقلها.
……..
أسرعت فتون لداخل الغرفة حتى تتمكن من رفع منامتها العلوية ، فعلقت عيناها بذلك الأحمرار الذي أحدثته يده العابثة بعدما قرصها في خصرها
– عمتك هتقول عليا إيه دلوقتي، أنا بقيت في نظرها وقحة
حدقها سليم للحظات، ثم انفجر ضاحكاً وهو يراها كيف تعدل من هندم ثوبها
– أنا كنت في كامل جديتي و وقاري، لكن مراتي كبرت وبقت تحب تشاغب..
وأقترب منها بنظراته العابثة التي شملتها.. ،فاطرقت رأسها خجلاً وهي تتذكر إنها هي من وقفت خلفه تحتضنه، وتعبث معه..بأفعال لا تصدق أنها أصبحت تفعلها
– تفتكري هحرمك من مشاغبتي
– أنت السبب، أنا بقيت بتعلم منك
تعالت صوت ضحكاته بقوة، يقسم داخله إنه لم يضحك هكذا من قبل،فاحتقنت ملامحها وهي تراه لا يستوعب ما وصلت إليه بسببه
– أنا يا حببتي، ده أنتِ الست الوحيدة.. اللي بقيت على ايديها راجل محترم
تجهمت ملامحها وقد ذكرها بنزواته القديمة، فالتقطت ذراعها بعدما رأها تشيح عيناها عنه تتمتم بكلمات مبهمه
– ده الفضل كله يرجع للدورات التثقيفية، بس كفايه دورات يا حببتي، هبدء اخاف على نفسي منك
– سليم
تعالا صوتها في صراخ، تنظر إليه بملامح محتقنه.. ،تراه وهو يتراجع ضاحكاً وكأنه اليوم في مزاج يسمح له بالعبث معها وإحراجها
– سليم النهاردة في مزاج عالي
عقدت ساعديها أمامها، وارتفع حاجبها الأيسر وقد راودها الشك، تتسأل بنبرة حانقة
– والسبب؟
والجواب كان يمنحه لها وهي بين ذراعيه، يضمها إليه بحب
– يمكن عشان قضيت اغلب اليوم مع مراتي الجميلة العاقلة
– سليم أنت هتفضل تحبني ديماً، مش هتتخلي عني أبداً..
واردفت بمرارة احرقتها
– متخلهومش يشاوروا عليا ويقولوا ما هي ديه النهاية، كلهم مستنينك تطلقني يا سليم..، حتى أنا مستنيه اصحى من الحلم الجميل
احرقته عبارتها، حتى أن شعور الخوف من نفسه ليخذلها يوماً عاد إليه ، فكم كان يسمع وعود والده لجده أو والدته بالتغير والخلاص من نزواته ، فالجميع يوعد والقليل من يفي بوعده حتى النهاية
وفي صمت كان يضمها إليه بقوة أكبر ، يمنحها جوابه في صمته..
شعر بسكونها بين ذراعيه؛ فاطبق فوق جفنيه متنهداً
– مش معقول حبِ ليكِ كدب يا فتون، مش معقول أكون في غيبوبة وهصحي منها
همس عبارته لحاله، يُقاوم ذلك الصراع الذي يقتحمه كلما أخبرته بخوفها من خذلانه لها بعدما جعلها لا تستطيع العيش دونه، نفض رأسه من تلك الأفكار فلو كانت زوجته مازالت صغيره تجهل تفسير مشاعرها ومشاعره ، فهو رجلاً ناضج ذو تجارب.. يعرف حاله ويدرس اختياراته
– أنا برضوه قولت بعد الضحك اللي ضحكته..، في حاجة هتحصل.. ، ما شاء الله عليكِ يا حببتي ضيعتي المزاج العالي وقلبناها مخاوف من المستقبل
ابتعدت عنه، تمسح دموعها..، لا تستوعب مزاحه
– المفروض بعد كل المخاوف اللي اتكلمت فيها معاك، تطمني يا سليم..، مقالوش كده في الدروس التثقفية
ضاقت عيناه للحظات، ينظر إليها وقد وجدها بالفعل تنتظر جوابه بجديه
– هو أنتِ يا حببتي كل ما بتتعلمي حاجة، بتكوني منتظرة ردة فعل
اماءت برأسها بنظرة مستاءة، فلم يشعر بحاله إلا وهو يلطم كفوفه ببعضهما
– لا أنتِ متحضريش دورات تاني، أنا هعلمك بنفسي
– ولما أنت تعلمني، أنا هطبق مع مين..
طالعها مصدوماً من فك عقدة لسانها، وقد ارتفع كلا حاجبيه دهشة
– هو أنا أه عايز تغيير، لكن مش للدرجادي.. ،إظاهر اندماجك مع الناس كتير وخروجك الزيادة هكون أنا ضحيته يا حببتي
واردف ممتقع الوجه، ينظر إليها يفحصها بعينيه
– كفاية دورات تثقيفية، ودورات تنمية بشرية..، وكتب فلسفة..
استمر في تذمره حتى توقف عن حديثه، وقد اتسعت عيناه ذهولاً وهو يراها تبتعد عنه بأنفاس لاهثة، لا يُصدق أنها اقتربت منه و بادرته لأول مرة مشاعر الحب دون خجل ولم يكن يستوعب صدمته الأولى، ليراها تقترب منه تمسح فوق خديه بأنفاس هادرة
– علمني التنس يا سليم، زي ما علمت شهيرة زمان
وها هي صغيرته، تنتبه على أحاديث شهيرة وذكرياتهم القديمة معاً.
………
انتبه رسلان على الاصوات التي بدأت تتضح إليه بالخارج ، بعدما اعتدل في رقدته، لقد أخبر والدته بموعد عودته ولكنه أخبرها أيضا إنه سيأتي ليلاً هو و ملك ليأخذوا الصغار
– رسلان
هتفت ملك بنعاس بعدما شعرت بتحركه جوارها ، تنظر إليه تستفهم منه، هل هناك أصوات بالخارج وقبل أن تتسأل كانت ناهد تقتحم الغرفة بأحد الصغار..
أسرعت ملك في الاعتدال تضم الغطاء حول جسدها في صدمة وخجل
المشهد لم يكن بعيد عن خيال ناهد، بعدما جعلت الصغار يصرخون منذ الأمس حتى صباح اليوم باسم والدهم بعد أن علمت بعودتهم ورغبتهم بالأنفراد بشقتهم بضعة ساعات ليرتاحوا من رحلتهم، لقد قتلتها الغيرة والخوف من أن تنال كل ما حرمت منه صغيرتها مها و اطفالها
وبنظرة عدوانية كان ينظر رسلان إلى خالته، بعدما نهض من الفراش يلتقط منها صغيره عبدالله، ويجذبها معه نحو الخارج، ينظر إلي والدته بضيق
– أنا مش قولت إني هاجي بنفسي أخد الولاد بليل
ارتبكت كاميليا، بعدما صرفت الخادمة التي جلبتها معها، ونظرت نحو شقيقتها التي اتخذت مكاناً بعيداً عنهم
– الولاد طول الليل بيبكوا يا رسلان، ومكنش قدامي حل غير أني اجبهم ليك ولملك
ازداد عبوسه، ينظر نحو ناهد التي انكمشت على حالها وكأنها لم تعد تسمعهم
– شايف الولاد مبسوطين ازاي إنهم شافوك
استرخت ملامح رسلان، وقد اعاد له صغيريه شعور السكينة الذي يتلاشى داخله كلما علقت عيناه بخالته التي كانت يوماً يراها كوالدة له
– صباح الخير
همست بها ملك بعدما خرجت من غرفتها.. فاسرعت كاميليا نحوها تحتضنها
اصابتها الصدمة من احتضان كاميليا لها بتلك الحرارة، ورغماً عنها كانت تغمض عيناها بألم، تُحاول الشعور بالسلام داخل حضن كاميليا التي يوماً نبذتها من حياتها
ابتعد عنها كاميليا أخيراً، تنظر إلى ملامح ابنها السعيدة بفعلتها الودودة ، وكأنها تُخبره إنها لم تعد تريد سوي سعادته
– حبايب ماما… ، مافيش ليا حضن
والصغار كانوا يدفعون والدهم، حتى يكونوا بين ذراعيها.. ضمتهم بشوق تخبرهم عن اشتياقها لهم
– وحشتوني أوي، مش هروح أي مكان تاني من غيركم
ضمها رسلان إليه، ينظر إلى والدته التي وقفت مستمتعه برؤية ولدها واحفادها معاً
– ليل، نهار مش على لسانها غير أنا عايزه الولاد يا رسلان، خلينا نرجع بقى
ضحكت كاميليا وهي تري فرحة الصغار بعودة والديهم
– ماهي الأم كده يا حبيبي
اخترقت الكلمه أذنين ناهد، التي كانت تُطالع المشهد في حسرة، أبنتها ماتت وعاشت من نبذتها عن حياتهم في السعادة التي حلمت بها لأبنتها، بل ويريدون سرقة أطفالها..
كانت تري العشق في عينين رسلان، ذلك العشق الذي دفعت المال من أجل إخماده ولكن لا شئ تغير..، رسلان كما هو عاشق لملك..، أرادت ملك مجرد مربية لابناء أبنتها، كانت مطمئنه أنهم سيعيشون معاً كالأخوة دون إتمام الزواج مهما طال العمر ومر بينهم..، ولكنها كانت خاسرة
– عايزه اشوف حفيد قريب، و تكون بنت يا ولاد سامعين
وها هي شقيقتها ترغب في حفيد أخر، حفيد من ملك، حفيد سينسيهم أطفال أبنتها.
………
اخترق أذنيه ذلك الضجيج الذي صدح بالخارج، إنه يعرف صاحبة هذا الصوت، وهل ينساها يوماً من حياته..، جيهان طليقته تلك المرأة التي استطاعت خداعه ولم تكف عن فضحه في الوسط ، إلا عندما نالت منه المال لتبتعد عن حياته
انفتح الباب، لتدلف وخلفها سكرتيرته التي حاولت منعها
– نفس البنت اللي جبتها معاك قبل ما تطلقني..، كنت عايز تطلقني عشان تخلص مني بعد ما لقيت صيده جديده ورخيصة
تعالا صراخها بحديثها الذي زاده تجهماً، فاقترب منها وقد ازدادت ملامحه قتامة وهي يري بعض الموظفين بالخارج يستمعون إليهم..
أشار لسكرتيرته بالخروج وإغلاق الباب خلفها، ولكن جيهان كانت مصممه على فضحه
– خليهم يشوفوا مديرهم العظيم، أخلاقه وصلت لفين، طلق مراته عشان يعرف يعيش مع عشيقته..
– اخرسي، أنا مش قولت مش عايز اشوف وشك تاني..
التقط ذراعها ،يدفعها خارج الغرفة التي فتحت بابها للتو حتى تجعل حديثهم على الملئ
– سهير اطلبِ الأمن خليهم يرموها بره
– بتطرد مراتك يا جسار
احتقنت ملامحه ، فعن اي زواج تتحدث وقد تم الطلاق منذ فترة وانسحبت من حياته لتبحث عن صيد جديد يعوض خسارتها
– قصدك طلقيتي…، سهير فين الأمن
توترت سكرتيرته بعدما وضعت الهاتف، تنظر لما يحدث في صدمة، هذه هي الفضيحة الثانية لمديرها في الشركة عن امرأة تقطن لديه، ولم تكن إلا نفسها تلك الفتاة التي استعانت بها شركتهم في الحملة الدعائية وقد اخفي رئيسهم صورتها حتى لا يعرفها أحداً، الجميع بات يتحدث ويثرثر..، ينتظرون جواب رئيسهم عما يُقال ولكنه كالعادة لا يتحدث
– الأمن طالع فوراً يا جسار بيه
– بتطردني يا جسار، بتطردني بدل ما تطرد عشقتك
– قولت اخرسي، اللي بتتكلمي عنها ديه مراتي سامعه
تجمدت ملامح جيهان، لا تصدق إنه تزوج بعدها وقد تمكن من نسيانها
– ما دام الكل واقف ومتابع، صاحبة نجاح الحملة التسويقية، البنت اللي هربت من اخوها عشان تحافظ على شرفها..، البنت اللي كافحت عشان تعيش بشرفها.. هي مراتي
والكلمه اخترقت اذنين الواقفين، رئيسهم يقف ينهي الحديث عن حياته الخاصه، يخبرهم عن زواجه، يصف إليهم زوجته و كم هي امرأة شريفة عفيفة
انتهت المسرحية الدرامية، وهو يري جيهان تسير مع رجال الأمن ومازالت الصدمة مرتسمة فوق ملامحها
ليُدرك للتو، إنه نطق ما لم يظن يوماً أن ينطقه.. بسمة زوجته،
كيف نطقها..؟
الفصل الثامن والأربعون(1)
*************
انسابت دموعها فوق خديها ومازال ذلك الحديث يخترق أذنيها، تعالت شهقاتها رغماً عنها وقد ازدادت حرقة عيناها من تقطيع حبات البصل..
التفت حولها لتتأكد من وجودها وحدها داخل المطبخ .. ،فقد اعطتها السيدة سعاد حرية الانغماس في أحزانها وبؤسها، بؤس لا نهاية لها منه وكأن البؤس كتب عليها
– جحيم فتحي كان أرحم ليا، ياريتني كنت سيبته يعمل فيا اللي عايزه
باتت نفسها ضعيفة، بعدما جعلتها الحياة تتجرع مرارتها وهي تري حالها تُهان تحت الأقدام
– كنتِ عايزه تبقى فتات ليل يا بسمة
خاطبت عقلها، حتى تفيق من شعور الضعف الذي أحتل روحها واخترق قلبها
– الكل جيه عليا، والدنيا بقت صعبة..
وسرعان ما كنت تستغفر ربها وتنفض رأسها من أفكارها
عادت لتقطيع حبات البصل بقوة.. ،تتذكر حديث تلك المرأة التي رأتها ذات ليلة، ليلة هربت فيها من حياتها البائسة ، لتسقط بعدها بين الأمواج تتلقفها داخل ظلمتها
دلفت السيدة سعاد المطبخ، وقد كانت حانقة ممتقعة الوجه مما هتفت به تلك المرأة التي تخلص منها رب عملها وطلقها
– أنتِ لسا بتقطعي البصل يا بسمه
واقتربت منها، بعدما شعرت بالقلق من صمتها..، لتري الدموع تغزو مقلتيها
– أنتِ كنتِ بتعيطي يا بنتِ
أسرعت بسمه في مسح دموعها، وتركت السكين بعدما أنتهت من تقطيع حبات البصل
– لا يا دادة مكنتش بعيط، البصل بس كان حامي على عيني
رمقتها السيدة سعاد بتوجس، وهي تعلم إنها تكذب عليها، اقتربت منها وقد ظنتها بسمة ستتناول منها وعاء الطبخ ولكن السيدة سعاد غمرتها بين ذراعيها
– بكره الدنيا تضحكلك يا بنتِ، واوعى تزعلي مني لما عملتك وحش، كان غصب عني.. أنا ست طول عمري في المطبخ معرفش حاجة عن اللي بقى بيحصل في الدينا
– أنا مش وحشه والله يا داده، طول عمري بعافر مع الدينا..نفسي ارتاح بقى
سقطت دموع السيدة سعاد وقد زاد ندمها، كلما تذكرت إنها للحظات ظنتها مخادعة، ابتعدت عنها بسمة بعدما استمعت لرنين جرس المنزل، فاسرعت في أزالت دموعها العالقة بأهدابها
– هروح اشوف مين بيرن الجرس
– لا يا بنتِ خليكي أنتِ بدل ما تطلع الحرباية اللي اسمها جيهان..، عارفه لو كانت هي
والتمعت عينين السيدة سعاد بشر، تنظر نحو حذائها المنزلي الثقيل الذي ترتديه
– هعرفها مين هي سعاد
ابتسمت بسمه وهي تري السيدة سعاد تغادر المطبخ، وقد تعالا صوتها بالوعيد..
هدء قلبها وعاد لسكينته فكلها أيام وسيفي عنتر بعرضه ويتزوجها وستكون له زوجة وفية مخلصة وستُحاول نسيان تلك الصورة التي شكلتها عنه، وعندما أخترق ذهنها ما فعله معها تلك الليلة..،ارتجف قلبها وهي تتخيل حياتها القادمة، إنها تقنع حالها بحياة تعلم نهايتها ومصيرها بها، حتى إنها تشعر بالنفور منه بسبب صورته القديمه التي أصبحت مستوطنه عقلها
– لا، لا يا بسمه فوقي..، عنتر هو الحل الوحيد قدامك..، مين هيقبل بيكِ ده مصيرك يا بسمه..، اللي زيك مينفعش يحلم
– بسمة، شوفتي البيه جابلك إيه هديه، والله البيه قلبه طيب بس هو للأسف عصبي زيادة
هتفت بها السيدة سعاد فور دلوفها المطبخ، تنظر نحو العلبة التي وضحت هوية ما بداخلها بعدما أخرجتها من تغليفتها
– تعالي يا بسمة شوفي، عمك مسعد السواق قالي إن الباشا اشتراه وطلب منه يروح يستلمه
طالعت بسمة الهاتف الحديث بعدما اخرجته السيدة سعاد بالكامل، ورغماً عنها كانت عيناها تتعلق بالهاتف
– جسار بيه قلبه طيب، خدي يا بنتِ افتحي وفرجيني عليه
مدَّت السيدة سعاد يدها به، ولكن يدها ظلت عالقة في الهواء..، تنظر نحو ملامح بسمة ونظراتها العالقة بالهاتف..، شجعتها السيدة سعاد بعينيها لتأخذه, ولكن سرعان ما اشاحت عيناها تقبض فوق قماش ثوبها وتبتلع غصتها بمرارة
– أنا مش محتاجه حاجة من حد، ولا محتاجه حد يحس بتأنيب الضمير ناحيتي، هو كتر خيره ساعدني بعد ما فرضت نفسي عليه والحمدلله قريب هريحه مني وأمشي
تلاشت سعادة السيدة سعاد بالهاتف، ووضعته جانباً واقتربت منها تمسح فوق ظهرها في صمت
– قوليله يا داده يمشي موضوع عنتر، أنا راضيه بعنتر
………
وضع رأسه فوق سطح المكتب بعدما قذف كل ما عليه أرضاً، يزفر أنفاسه بقوة فقد افقدته هذه المرأة صوابه، المرأة التي تزوجها لأنه رأي فيها صوره زوجته الراحله
– لو مكنتيش سبتيني وموتى ،كان زمانا عايشين في سعادة..،اتخدعت فيها وشوفتها فيكِ يا ريماس..
اطبق فوق جفنيه بقوة، يشعر بالندم لأنه أضاع ملك من يديه دون أن يُحاول جذبها إليه رغم إنها كانت زوجته إلا أن مشاعره كرجل كانت ضعيفة نحوها، لم يراها بتلك النظرة التي ينظر بها الرجال حينا يريدون النساء..، ويا للعجب جيهان من تمكنت من تحريك المياة الراكده داخله.. ،حركت غريزته كرجل وجعلته يلهث خلفها حتى ينالها ولن ينكر إنها بالفعل كانت تمنحه ما يريده ولكنه يكره الخيانة، يكره أن يستغفله أحداً
تعالا رنين هاتفه، فالتقطه ينظر نحو المتصل..، وقد كان لهاتفه نصيبًا من إفراغ شحنة غضبه..
القاه بقوة نحو الجدار، ينظر إليه بعدما سقطت قطعه منثورة على الأرض وقد توقف عن الرنين، يتمتم باسم من كان سببً في تلك الفوضى بحياته، وقد اختتمت بذلة لسانه عن زيجة يكاد عقله ينفجر من شدة التفكير
يتسأل داخله كيف نطقها؟
هل نهايته ستكون مع أمرأة ك بسمة من أصول متدنية، لا عائله لها ، كانت نموذج لحملته عن دعم شركته للفتيات اللاتي يُعانون من حياة الفقر وقسوة الأهل
– عنتر..
………
توقفت السيارة أمام المشفى التي تم حجز بها أخيها الصغير حتى تتم عمليته ، طالعته وهو يضع هاتفه فوق اذنه يُهاتف صديقه الطبيب الذي سيقوم بإجراء عملية أخيها
تسارعت دقات قلبها وقد اختفت راحتها ثانية ، وهي تسمعه يسأله إذا حجز له لدي طبيبة نسائية بارعة في تخصصها
– ايوة يا سيدي مستعجل، وعايز طفل تاني
تمتم عبارته بابتسامة واسعة وقد علقت عيناه بها، ثم التقط يدها الباردة.. يشعر بالغرابة من برودتها وذلك الشحوب الذي أصاب ملامحها فور أن أخبرها صباحاً إنه حجز لها موعد لدي طبيبة نسائية، فلم يعد يطيق صبراً لرؤية طفلاً له منها
– اه عايز اربطها بيا، لتهرب مني..، بقيت سخيف يا دكتور
تعالت ضحكات رسلان، وهو يستمع لجواب صديقه
– يا بني مراتك لسا بتدرس وصغيرة، فتأخر الحمل في مصلحتكم
أستمع سليم لعبارة صديقه، هو يعلم أن التأخير في مصلحتها.، وسيكون الأمر مرهق عليها بسبب دراستها، ولكنه يتوق لحمل طفلاً منها، مدَّ كفه حتى يلامس وجنتها وكان حالها كحال كفها، باردة كالثلج
– حببتي مالك بردانه كده ليه؟
– جيه الزمن اللي عيشت وسمعت فيه، سليم النجار بيتعامل مع النساء برقة
تمتم بها رسلان الذي علقت عيناه بملك التي دلفت الغرفة للتو، تحمل فنجان قهوته
– بقيت رايق يا دكتور، رحلة أسوان تأثيرها واضح
– اه على رحلة أسوان وجمالها
توردت ملامح ملك وهي تستمع إليه، فمنذ الصباح وهو يحرجها أمام والدته, وكأنه يُريد اخبار الجميع إنه حصل على سعادته بعدما روي ظمأه
جذبها إليه، بعدما دفعته بقبضتها فوق صدره بعد أن كانت تقف أمامه تُغلق له ازرار قميصه
– العاشق الولهان رسلان عزالدين، ياريت تنسي رحلة أسوان وتيجي المستشفى..، بدل ما اجازيك بما أني شريك
– صاحبك مش ناوي يخرج من البيت يا سليم
صاحت بها ملك التي اختطفت الهاتف من رسلان، الذي عاد يفك ازرار قميصه حتى يقضي اليوم معها، فلا بأس أن يتغيب اليوم عن العمل، لعله يعوض سنين حرمانه منها
تعالت ضحكات سليم هذه المرة، ضحكات كانت السعادة تتخللها، فقد عاد صديقة للحياة، وتصالحت ملك مع الحياة ومعهم
– أخيراً يا ملك
هتف بها بحنين نحو الأيام القديمة التي جمعته مع عائلة رسلان، عائله كان يعجبه فيهم ترابطهم.. ،ولكن خلف هذا الترابط كان هناك ماضي مدفون أحرق كل شئ بعدما عادت الدفاتر تُفتح من جديد
نظرت إليه فتون مستفهمه عن حديثه الذي كان مفعم بالحرارة مع هذة المرأة الجميلة التي لم تنساها يوماً، منذ أن رأتها بالمزرعة عندما كانت زوجة السائق وذهبت للمزرعة للخدمة، إلى حفل الزفاف الذي ذهبت إليه وكانت العروس
– أنتِ نسيتي ملك يا حببتي
– لا منستهاش، بس كلامك غريب..، كأنها كانت مسافره ورجعت
ابتسم وهو يلتف بجسده، يلتقط رابطة النفاخات التي اتي بها للصغير وبضعة العاب تُسليه وتُسعده
– حكاية طويلة يا فتون
ثم ترجل من سيارته ، فترجلت بعده وقد عاد القلق يدّب داخل اوصالها من فكرة عرض حالتها على طبيبة مختصة
سارت جواره، تراه وهو يومئ برأسه لبعض الأطباء الذين طالعوه بابتسامة مرحبه
دلفت قبله غرفة الصغير، الذي علقت عيناه بالبلاين التي بيده، ثم الألعاب التي كان يحملها سليم
– فتون
انتبهت السيدة عبلة على صياح الصغير، بعدما طوت سجادة الصلاة وقد فرغت للتو من صلاة الضحى
– فتون، البلالين ديه بتاعتي لوحدي
ثم نظر نحو الألعاب وقد لمعت عيناه بالسعادة ونسي خوفه من المشفى وشوقه لأخوته والركض مع أبناء الجيران
تناست فتون كل شوية حولها وهي تقترب من أخيها الصغير، نحيل الجسد الذي انجبته والدتها بعد زيجتها من حسن
– أيوة يا حبيبي، خف أنت بس وهتلاقي مفاجأة حلوه عمو سليم عملها ليك
التمعت عينين الصغير، ونظر نحو سليم الذي اقترب منه واخذ يمسح فوق رأسه
– خف أنت بس يا بطل، وكل حاجه أنت عايزاها هتلاقيها مستنياك
– ربنا يكرمك يا جوز يا بنتِ، والله الواحد من غيرك مش عارف كان هيعمل إيه
– متقوليش كده يا حجة عبله، إحنا اهل
ربتت عبلة فوق ذراعه، تنظر إليه وإلى أبنتها
– ابن أصول، وبنتِ محظوظة بيك يا جوز بنتِ
ثم نظرت إليه تتفرس ملامحه، تخشي ألا يكون متقبلاً للفظها بزوج أبنتها
– اوعي تكون بتضايق مني لما بقولك يا جوز بنتِ….
– لا طبعا يا حجه عبلة، اضايق ليه ما ديه الحقيقه.. أنا جوز بنتك
اتسعت ابتسامة السيدة عبلة، تنظر إلى أبنتها التي فتح لها الله أبواب الخير
– والله أنت رجل ذوق يا جوز بنتِ، وكلامك بلسم
واردفت متحمسه تغمض عينيها تنتظر سماع تلك الكلمه منه
– قولي كده يا حماتي، عايزه اسمعها منك يا جوز بنتِ.. اكيد بتطلع من ولاد الذوات ليها طعم تاني
انفجر ضاحكاً رغما عنه، فوالدة زوجته الغالية تتحدث بسجيتها
– هو أنا قولت حاجة غلط يا حبيبي
تمالك ضحكاته بصعوبه، حتى ان الصغير الذي أنشغل بأشياءه ضحك، اما فتون علقت عيناها بوالدتها تزجرها لعلها تصمت..
– ابدا يا حماتي
تهللت اسارير السيدة عبلة، وهي تربت فوق ذراعه وقد زادتها الكلمه سعاده
– شايفه يا فتون كلمه حماتي طلعت منه ازاي
طالع نظرات فتون الجامده، وقد استعجب صمتها
– يا ما نفسي اشيل عيالكم
التمعت عيناه وهو ينظر نحو تلك الصامته وقد اتخذت دور المستمع
– ادعيلنا أنتِ بس يا حماتي
رفعت السيدة عبلة يداها تدعو لهم، تدعو لابنتها ان ترزق بالكثير من الاولاد من هذا الرجل الذي احبته، كانت تظنه إنه لن يقبل بهم بحياته ولن يرحب بهم في منزله ولكنها وجدت رجل اخر غير الصوره التي تخيلته عليها ، وقد فسرت عدم مجئ أبنتها إليهم وإقامة احتفالا بقريتهم تتفاخر به امام جيرانها بزواج أبنتها, كان بسبب إنه لا يرغب بأي صلة بينهم ويكفيهم المال الذي يرسله إليهم
– أنا ليا طلب عندك يا جوز بنتِ
– ماما كفاية كلام، سليم مش فاضي لكلامنا
رمقت السيدة عبلة أبنتها حانقة، مشيرة إليها أن تصمت
– أسكتِ أنتِ، جوز بنتِ معندهوش مانع يسمعني من هنا لبكره ولا إيه يا حبيبي
نظر نحو فتون بلوم، وقد اطرقت رأسها تخشي أن تطلب منه والدتها طلبً يكون فيه مال, لتجهيز اختها التي اقترب زواجها
– اطلبِ طبعا يا حجه عبلة اللي أنتِ عايزاه
– مش قولنا تقولي يا حماتي
ابتسم بلطف، ينظر لفتون متسائلاً بمزاح
– مطلعتيش للحجة عبلة ليه؟
اتسعت ابتسامة السيدة عبلة، تنظر لابنتها التي تصفها أنها عاشقة للفقر والكفاح كوالدها
– طالعه لابوها
ثم اردفت مستاءة، بعدما عدلت من غطاء رأسها
– مالك يا بت بتزجريني كده ليه، أنا لازم اقوله اللي ناس بتتكلم عليه من ساعه ما رجعنا بلدنا
انتبهت فتون تلك المرة على حديث والدته، ولم تلمح لها عن هذا الحديث من قبل، ذلك الحديث الذي طال عرضها بعدما شوهه حسن وخاض فيه، وأخبر أهل القرية إنه طلقها بسبب علاقتها برب عمله، ذلك السيد الذي يملك المال والسلطة..
اغمضت عيناها بقهر فقد اقتص الله لها منه، حينا مات مُلقي في الطرقات بجرعة مخدرات زائدة
تجمدت ملامح سليم، ينتظر سماع باقية حديثها
– يا بني الناس فاكرينا مجوزينك البت عرفي، جواز متعه لحد ما تزهق منها تقوم مرجعها لينا من تاني، محدش مصدق إن بيه زيك ليه اسمه.. يتجوز بنت عبدالحميد الراجل الغلبان، ده غير إن بنتِ مش بنت بنوت فترضي بيها على إيه
– كفاية، حرام عليكِ كفاية
هتفت بها فتون في قهر ، واسرعت لتُغادر الغرفة..، لتنظر السيدة عبلة نحو الواقف أمامها وقد تجهمت ملامحه، ثم تحرك خلفها, لكنه وقف مكانه بعدما وجد رسلان يدلف الغرفة برفقة الطبيب الذي تابع حالة الطفل قبل استلامه لتقاريره اليوم
– كويس إنك لسا موجود يا سليم
…………
وقفت في الشرفة شاردة، تُفكر في خطوتها القادمة وهو الرحيل من هنا..، لقد أضاع كاظم كل شئ داخلها، ليتها ظلت وحيده، ليتها قتلت حالها حينما فكرت بهذا الرجل واقحمت نفسها داخل حياته المظلمة
استمعت لخطوات خلفها، فاغمضت عيناها بقهر وهي تتذكر تفاصيل تلك الليلة
– جهزي شنطتك، الطيارة بعد ساعات
التفت إليه، وقد ضاقت عينيها وهي تستمع لباقية حديثه
– هنسافر، إيطاليا عندي شغل مهم هناك
– مش هسافر معاك
هتفت بها، فعن أي سفر يتحدث وهي تُخطط للرحيل عنه
– أنا همشي من هنا، ولو مسبتنيش امشي..، هفضحك يا كاظم على مواقع التواصل الاجتماعي
ثم رفعت هاتفها نحوه، لتأكد له ما ستفعله
– هخليك تعرف إني مش طماعه وبس، لا كمان مجنونه
اتسعت ابتسامته وهو يستمع إليها، يري الوعيد في عينيها
– معنديش مشكله، الصحافة طول عمرها بتطلع عليا إشاعات
احتدت عيناها، وهي تراه يقترب منها بعدما هتف بحديثه اللامبالي بتهديدها
– بعد ما نرجع من رحلتنا، نبقى نتفاهم يا جنات في موضوع الطلاق
قطبت حاجبيها وهي لا تستوعب، كيف تغير بهذه السرعه ويُحادثها بهدوء
– يعني هنتطلق
طالت نظراته إليها، يمنحها الجواب ببساطة، وليت كان قلبها وجسدها وفياً لها، فقد ارتجف كلاهما فور أن نطقها
– هيحصل اللي أنتِ عايزاه يا جنات، لكن بعد ما نرجع
……….
حدقت السيدة سعاد بغرفة المكتب، تتسأل داخلها لما عاد باكراً، بل ومُجهم الوجه.. حتى إنه لم يرد على تحيتها..، فهي تُريد اخباره بما حدث اليوم وما فعلته تلك الشمطاء التي أتت المنزل وقد هتفت بحديث يخوض في الأعراض
اقتربت منها بسمة، تنظر نحو الباب المغلق متسائله
– هو جسار بيه رجع
اماءت لها السيدة سعاد برأسها، فاسرعت نحو المطبخ حتى تجلب علبة الهاتف لتعطيه له، فهي لا تحتاج من أحد شئ وخاصة هو
– أنتِ رايحة فين يا بسمة، البيه مش طايق نفسه.. بلاش يا بنتِ
توقفت بسمة عند الباب، تلتف برأسها للسيدة سعاد
– هو من أمتي البيه مش متعصب، ومبيخرجش غضبه فيا
طالعتها السيدة سعاد، تلطم كفيها ببعضهما.. ، تنظر إليها وهي تدلف لداخل الغرفة تترقب سماع ما سيحدث
………
ابتسم عنتر وهو يُقود سيارته، يرافقه فتحي الذي أسترخي بمقعده ينفث دخان السيجارة التي اعطها له عنتر
– سيجارة فخمه زي صاحبها
رمقه عنتر بنظرة سريعة، يشعر بالغبطة لأنه سينال ما يُريده أخيراً وستصبح بسمة زوجته
عاد خياله يسبح مع تلك الأحلام التي تخيلها بها، خيالات كانت وقحه ، فلم يشتهي أمرأة من قبل كما اشتهاها هي
– قولي يا عنتر بيه، السيارة ديه بتاعتك
افاقه سؤال فتحي من نشوته مع خيالاته، فستاءت ملامحه متمتماً
– يعني هكون سرقها
– ده كلام يا جوز اختي
تمتم بها فتحي وقد جالت عيناه بالسيارة
– أنا بسأل عشان عايز اشتري زيها
امتقعت ملامح عنتر، فاردف فتحي وقد ارتسمت فوق ملامحه ابتسامه واسعه.. وهو يرسم الأحلام في مخليته…،فسوف يجني من هذه الزيجة الكثير من المال
– بدل ما تقولي متغلاش عليك يا ابو نسب ياغالي
كشر عنتر بملامحه، بعدما لفظ بقول بذئ
– أوعى تكون فاكر، إني هدفع أكتر من العشر آلاف..، لا فوق كده ده أنت تحمد ربنا إني عايز اتجوز اختك على سنه الله ورسوله..
– ليه كده بس، ما احنا كنا حلوين وصحاب مزاج
استمرت ثرثرة فتحي، حتى ضجر عنتر زافراً أنفاسه بقوة.. ، يلوم حاله لأنه بحث عنه حتى يزوجه شقيقته و يأخذها من ذلك المتغطرس الذي يفرض سيطرته عليها وكأنها ملكً له، وسرعان ما كان يعود لخيالاته بها، يقضم فوق شفتيه
– الليلة هتكوني مراتي يا بسمه
الفصل الثامن والأربعون (2)
*********
وعلى بعداً منها، توقف بخطواته ولهفته..،توقف مطمئناً وهو يراها جالسه فوق أحد المقاعد الخشبية خارج المشفى، تُطالع ما حولها في صمت.
زفر أنفاسه وقد عاد الاسترخاء يرتسم فوق ملامحه واكمل تقدمه نحوها، يُدقق النظر فيها، وكلما كانت تقع عيناه عليها وعلى خلجات وجهها، كان يتأكد من حقيقة واحده بات يُدركها تماماً، زوجته مازالت طفله صغيره، طفله تبحث عن طفولتها التي ضاعت في النضج بين والدين لم يكونوا مؤهلين لأن يكون لديهم طفلاً واحداً وليس سبعة أطفال
جاورها في جلستها، وقد علقت عيناها به..، لم ينظر إليها بل ترك كفه الضخم الذي عانق كفها الصغير يُخبرها عما أراد إخبارها به
فالتمعت عيناها بالدموع وهي تنظر نحو كفيهم المتشابكين
– كلام والدتك كان صح يا فتون، الغلطه غلطتي أنا، لكن الغلطة هتتصلح
– وتفتكر الناس برضوه هتسكت، ساعتها هيسألوا نفسهم إزاي أنت اتجوزتني، ازاي قبلت تتجوز مرات السواق
حدق بها، وقد ألجمته عبارتها التي هتفت بها بأنفاس مثقلة وحرقة شعر بها في صوتها، لا يُصدق أنها مازالت تشعر معه بالنقص
– أنا هفضل في نظر الناس، الخدامه اللي قدرت تغوي السيد فاتجوزها
قالتها بمرارة، فكلما باتت تظهر أمام مجتمعه.. أصبح الجميع يتسأل كيف تمكنت هذه الفتاة التي لا يميزها شئ أن تنال رجلاً كسليم النجار، رجلاً لم يكن يوماً من الرجال الذين يفضلون النساء صاحبات المستويات المتدنية
السيد والخادمة بل وزوجة سائقه، فما الشئ الذي قدمته له حتى يتزوجها بعد زوجته التي تفوقها في كل شئ
امتقعت ملامحه، وقد تركها تهذي بما تُريده..
– عارفة يا فتون، الحاجه الوحيدة اللي بتثبت ليا إني عمري ما شوفتك زي ما شوفت اي ست مرت في حياتي
توقف عن الحديث، وقد علقت عيناها به تنتظر سماع باقية حديثه
– إن أنا راجل بحب أي شئ مميز، ست تكون واثقة من نفسها.. لكن معاكِ أنتِ اختياري كان مختلف
توقفت عن ذرف دموعها، تنظر إليه بتشوش وضياع وهو ينهض من جوارها
– شكلي حسدت الدروس التثقيفيه وحسدت نفسي، مش عارف متعلمتيش مني ليه الثقة بالنفس
تمتم عبارته حانقاً، فزوجته الحمقاء..كلما ظن إنهم تجاوزوا تلك النقطة عن حياتها السابقه..، تعود وتتحدث عنها
– أنا مش هنفع في أي حاجة يا سليم
ازدادت تقطيبة ملامحه وهو يسمعها، وقد بدء يشعر أن هناك شئ بها تخفيه عنه، شيئاً يراه في عينيها منذ الصباح
– فتون في حاجة مخبياها عني، أنتِ متعودة طول عمرك علي كلام الحجة عبلة، فمافيش حاجة جديدة.. ،لكن في حاجة تانية
وعند تلك النقطة كانت تلمع عيناه، وهو يتذكر شحوب وجهها عندما أخبرها بحجز موعد لدي الطبيبة
اخفضت رأسها أرضاً، تفرك يداها لا تعرف كيف ستخبره بعلتها وتطلب منه الصبر او فقد الأمل إذا لم تستطع الإنجاب
– فتون
رفعت عيناها إليه، فعاد يُجاورها ينتظر سماعها
– خايفة يا سليم
سردت له التفاصيل التي اخبرتها به الطبيبه، وذلك الدواء الذي تتناوله حتى تحل مشكله ذلك الخلل الذي حدث في هرموناتها بسبب تناول أقراص منع الحمل ، وبحشرجة تمتمت بعدما تمكنت من مسح دموعها
– لكن الدكتوره قالتلي، إن الموضوع بتاع ربنا.. ممكن يطول العلاج وممكن لاء
لانت ملامحه، وهو لا يستوعب إنها تخاف من أن يكتشف أمراً وارد حدوثه بل ويحدث
– فتون معقول خوفك وصل لدرجادي مني
– لو مخلفتش مش هيكون لوجودي أي أهمية معاك، هتزهق مني بعد فترة وترميني
احتقنت عيناه، وهو يسمعها..، مهما خرجت زوجته من قوقعتها ستظل تابعه لغيرها، تترك لهم أذنيها..، وتستمع لهم
يُخبروها إنها ناقصة..، فتجيبهم بنعم
يُخبروها إنه سيتركها.. ، فترثي حالها مصدقة على كلامهم
رمقها بنظرة، احتدت معها عينيه مؤسفًا عليها وعلى تذبذبها
– كويس إننا لسا مجبناش طفل يا فتون
وانسحب من أمامها، لا يفسر حديثها إلا إنها تخشي أن يكون رجلاً نذلاً معها
والحمقاء لم تدرك حتى اليوم إنه احبها بجميع نواقصها، احبها لدرجة أصبح لا يُصدق إنه نفس الرجل الذي كان عليه منذ سنوات، رجلا يختار نسائه بعناية
……..
وقفت أمامه تهذي بالكثير من الحديث عن الكرامه وعن عدم حاجتها لشئ منه، وقد فعل ما أوجب عليه فعله حينا ادخلها بيته وبالطبع كل ذلك كان إكراماً لملك التي لولاها ما كان ساعدها يوماً
وبأنفاس متسارعة كتفت ذراعيها أمام صدرها، تنظر نحو علبة الهاتف الذي وضعته فور أن دلفت فوق سطح مكتبه..، تنتظر سماع أي حديث منه أو حتى أن ينظر لها ولكنه كان جامد مكانه ينظر نحو ما وضعته أمامه بملامح جامده
– أمتي هتجوز عنتر يا بيه؟
أخيراً سمحت للسانها بالسؤال عن الموعد المرتقب لذلك الزواج الذي كلما فكرت به، ارتفعت أنفاسها وانقبض روحها
– هو أنا هفضل اكلم نفسي كتير
وجسار كان صامتً، يُقاوم ذلك الضجيج الذي يخترقه.. لا يُصدق أن غضبه أجبره على التفوه بكلمة زواج ومن من..، من تلك التي اشفق عليها وادخلها منزله..
– عموما يا بيه، هديتك عندك..تقدر تديها للخدامة الجديدة
احتدت ملامح جسار، وقد صوب عيناه نحوها أخيراً..، فارتجف جسدها من نظراته ولكن سرعان ما كانت تقف في ثبات وتحدي
ولدهشتها هذا اليوم، إنه لم يتحدث، بل نهض مغادراً غرفة مكتبه بعدما رمقها بنظرة طويلة ذبذبتها ولم تفهم لها معنى
اقتربت منها السيدة سعاد، بعدما أصابها الذهول تنظر إليها غير مصدقة أن السيد لم يتحدث بشئ
– لا، لا البيه فيه حاجة مش طبيعيه..، ده سابك تتكلمي من غير ما يتكلم..
– عندك حق يا دادة، ده بصلي بنظرة غريبة..، نظرة مش عارفة افسرها هي غضب ولا لوم ولا…
وابتعلت مرارة غصتها، تخشي الإعتراف بينها وبين حالها أن نظرته كان يملئها الازدراء
– يا بنتِ ما بعد كلامك ده ،كويس إن البيه اكتفي بمجرد نظرة
………
انتبهت على صوت الخادمة الذي تكرر لمرات وقد اقتربت منها، بعدما ظنتها لم تسمعها
تعلقت عينين جنات بها، وقد نفضت رأسها وفاقت من أفكارها وحزنها الذي لا تفهم له معنى بعدما أخبرها بأطلاق سراحها فور عودتهم من رحلتهم القصيرة
– بتقولي حاجة
ابتسمت الخادمة بتوتر، وهي تنظر نحو سيدتها.. تلك العروس البائسة التي تتسأل داخلها كلما نظرت إليها وإلى رب عملها.. كيف تتحمل رجل مثله، شديد الصرامة، لا يهتف إلا بالأوامر والقوانين، لا يتبسم، وجهه دوما جامد، غاضب اغلب الوقت، ذو مزاج قاتم
– في ضيفة مستنياكِ تحت يا هانم، بتقول إنها صديقتك
– فتون
هتفت بها جنات، وهي تنهض عن فراشها.. ، فهي لا تملك غير فتون واحمس أصدقاء لها، بعدما قطعت صداقتها بالكثير اللاتي لم يكونوا بحياتها إلا في خانة فارغة
صديقه لا تخبرها بخطبتها، لأنها تخشي الحسد
واخرى لا تُهاتفها، إلا لتندب حظها او تخبرها بما يفعله لها زوجها وما يُجلبه لها وكم هي حمقاء لأنها حتى هذا العمر لم تتمكن من لفت أنظار رجلاً إليها رغم إنها تعمل وتخرج وتُقابل الكثير من الرجال ..، فكان سبيلها الوحيد أن تترك تلك الصداقات البائسة التي لا تشعرها إلا بالحسرة
أسرعت في الخروج من غرفتنا، وفور أن علقت عيناها بفتون ورأت هيئتها اكملت خطواتها ركضاً صوبها تلقفها بين ذراعيها متمتمه بخشية
– اوعي تقوليلي، إن في حاجة وحشة حصلت معاكِ
– سليم، جالي إن كويس مخلفناش لحد دلوقتي يا جنات..
ابتعدت عنها جنات، تخشي سماع ما هو قادم..، لا تستوعب أن حظهم بائس لهذة الدرجة، بل وسيجتمعون مجدداً في شقتها مطلقتين..
– فتون ، كفاية عياط..، وتعالي نقعد وفهميني براحه إيه اللي حصل
– أنا تعبت يا جنات، تعبت ومش عارفة اخرج من الخوف اللي أنا عايشه فيه..، ولا حتى اتعالج من قلة الثقة بالنفس
وبشهقات متقطعة، حاولت تمالك أنفاسها التي أخذت تتسارع
– أنا ليه ضعيفة الشخصية يا جنات، مهما حاولت مافيش حاجة بتتغير جوايا
اجلستها جنات، وقد غامت عيناها بالحزن لأجل كلتاهما.. فلا الثقة والقوة نفعتها، ولا ضعف الشخصية والتأثر بحديث الناس نفع تلك التي أتتها ركضاً ترتمي بين ذراعيها تُطالبها بالنصح والأمان وهما متفقدهم هي الأخرى
– لأن البنت اللي اتسرقت طفولتها، لسا جواكي يا فتون.. فتون حبِ نفسك وأديها قيمتها قبل ما تستنى الناس هي اللي تحبك الأول
سقطت دموعها بعجز، لا هي تستطيع أن تخرج من عباءة الطفلة الصغيرة التي كبرت قبل أوانها، ولا هي تستطيع أن تكون المرأة التي تتمنى أن تكون عليها
– جواكِ لسا طفله يا فتون، طفلة اتولدت أم تراعي اخواتها اللي اصغر منها..
– أنا مشوهه من جوه يا جنات، مهما حاولت اكون زيكم.. مبعرفش.. حتى الكلية مش عارفه اكون شبه زمايلي.. لولا احمس
عادت دموعها للأنهمار، فلولا وجودهم حولها ما تمكنت على التقدم
اطبقت جنات فوق جفنيها بقوة تشعر بالندم لأنها تعاونت مع سليم حتى تتم تلك الزيجة، اقنعتها لتتزوجه رغم إنها كانت بحاجة لأن يشب عودها وتنضج وتري حياتها بنظرة مختلفة..، بنظرة بعيدة عن حياة سليم النجار .. الرجل الذي يذكرها بماضيها البائس الذي لم تتجاوزه
– أنا اسفه يا فتون، انا السبب.. ياريتني ما خليتك تتجوزي سليم على الأقل كنتِ شوفتي حياتك وسعيتِ ورا أحلامك.. من غير ما تفضلي تحسي بالنقص قدامه طول العمر
– سليم عمره ما حسسني بالنقص يا جنات، أنا اللي ديما بحسسه إني اقل من إني اكون مراته
– وده عيبك يا فتون، وبسببه بتخلي الكل يقلل منك
ازداد حزنها، وعادت تدفن رأسها بين كفيها منتحبة بشدة
– كل ما افتكر إني خلاص قدرت اوصل للصوره اللي هو عايزاه افشل
ضمتها جنات إليها، تغمض عينيها متحسرة على حالها..، وعلى شعورها بهذا النقص الذي لم يُغادرها
– كفاية عياط يافتون، أنتِ معندكيش حاجة تمنعك من الخلفة.. يمكن التأخير ده في مصلحتك
وبثقة كانت دائماً تثير إعجابها نحو الجالسة أمامها
– هتكوني قوية عشان نفسك يا فتون، لا عشان سليم ولا عشان الناس.. هتنجحي وتفتخري بنفسك يا فتون
ارتسمت فوق شفتي جنات ابتسامة حزينة ، تضمها إليها بعدما عانقتها
– ياريت كنت زيك يا جنات
والكل يتمني أن يكون مثل الأخر، ولا يدري أن حياته يتمناها الغير، فدمعت عينين جنات تُخبرها بألم خافت
– يمكن ضعفك ده نعمه يا فتون
تعالا رنين الهاتف يقطع عليهم لحظة عناقهم، الذي منح كلتاهما السلام
أخرجت فتون هاتفها تنظر نحو رقم المتصل وصورته المحبه لقلبها التي ترفقها مع الرقم، لتفهم جنات سر ابتسامتها
– سليم مش كده
اماءت لها برأسها والسعاده ترتسم فوق شفتيها، فها هو لا يتركها حزينة لوقت طويلا ولا يُعاقبها على ثغراتها الحمقاء
– ردي عليه، وأنا هقوم اقولهم في المطبخ يحضروا لينا الغدا
– لا لا غدا إيه أنا همشي، غير إن جوزك بصراحه يرهب، ده أنا حمدت ربنا إنه مش موجود
– متخافيش يا فتون، واقولك حاجه كمان هتصل باحمس يجي يتغدا معانا..، خلينا نتجمع قبل ما اسافر معاه
توقف الهاتف عن الرنين، وقد اتسعت عينين فتون تنظر إليها تُحاول استعاب ما سمعته
– تسافري تروحي فين؟
عاد رنين هاتفها يصدح من جديد، لتنظر إليها جنات مبتسمه قبل أن تنسحب من أمامها
– متخافيش ديه رحله قصيره لايطاليا اه حتى اشوف الليدي خديجة النجار عمة جوزك واتعلم منها الاستغناء عن الرجال
وبداعبة أردفت
– ردي بس على جوزك اللي خايفة يسيبك.. وهو اصلا مبيقدرش يستغنى عنك
اتسعت ابتسامة فتون، فما هذا التذبذب الذي تعيشه كلما ذكرها أحداً بأنها لا تليق بذلك الرجل الذي اختارها هو بارادته بل وأصر على تزوجها دون أن تسعي إليه
– فتون
هتفت بها جنات بعدما التفت بجسدها، تفرد اصابعها الخمس امام وجهها
– قولي الله اكبر في عيني يا بنتِ
ورغماً عنها كانت تنفرج شفتي فتون في ضحكة قويه، وقد ضغطت على زر الإجابة، فأتاها صوته
– بتضحكِ، وأنا واقف قدام المستشفى قلقان عليكِ.. وبلوم نفسي ازاي سيبتك ومشيت
– أنا أسفه يا سليم
توقف مكانه بعدما كان يتحرك بضيق هنا وهناك، غاضباً منها
– فتون أنتِ فين، ده انا سايبك معيطه ومنكدين على بعض..
– أنا أسفه، أنا لسا بخاف يا سليم..، بخاف من الناس ومن السعادة
تلاشت ابتسامته المطمئنة ، وهو يسمعها تخبره عن مخاوفها وضياعها
– فتون أنتِ فين، قوليلي مكانك فين..
رفعت كفها تزيل عن عينيها دموعها
– عند جنات
فتح باب سيارته وصعدها وقد اطمئن قلبه
– هاجي اخدك، نص ساعه وأكون عندك
اسرعت في الهتاف، بعدما تذكرت جنات
– سليم خليني شويه عند جنات، هتغدا معاها ممكن
– لو وجودك معاها هيريحك شويه مافيش مشكله يا حببتي
متفهماً هو بطبعه، يبحث معها عن سعادتها.. يشجعها على الصعود وتحقيق أحلامها، لكن العيب بها هي.. هي التي عاشت سنواتها القليلة فى ثوب أمرأه عجوز
– سليم أنا باخد العلاج من ساعه ما طلبت مني ابطل الحبوب
هتفت بها، تستمع لصوت أنفاسه العاليه..
– هنتكلم في الموضوع ده يا فتون، هنتكلم ونتعاتب لكن دلوقتي خليكي مبسوطة
تهللت اساريرها، تعبر له عن مدى سعادتها..
– أنت بطلي يا سليم
اخترقت مسمعه عبارتها، ليكتشف اليوم أن زوجته بمزاج متقلب كأبنته خديجة..،يحمد الله إنه صار أب قبل أن يتزوجها حتى يكون بهذا التفاهم والصبر
– من شوية كنت راجل ندل، هرميكي بعد مستفدتش منك بحاجة، كأنك صفقة في حياتي يا فتون
عاتبها ولم يكن يريد عتابها عبر الهاتف
– شوفت اه انت لسا زعلان مني
– فتون خلاص خلينا نكمل عتابنا واحنا سوا، اول ما تخلصي عند جنات كلميني
اماءت برأسها وكأنه أمامها، لتدرك حماقة فعلتها متمتمه
– حاضر
كادت أن تغلق الهاتف، لتتذكر اكثر ما يزيده غضباً
– جنات عزمت أحمس على الغدا
وفي ثواني كانت تشعر بالصدمة وهي تستمع لكلماته، قبل أن يغلق الهاتف بوجهها يلعنها ويلعن اصدقائها
وقد ضاعت صورة البطل، وصار البطل رجلا مثل باقية الرجال
……….
دلف لغرفة الطعام التي تعالا الضجيج الصاخب بها، يُرافقه سليم وقد أصر كاظم على ضيافته اليوم بعدما أخبرته خادمته بضيوف زوجته الغالية
تلاشي عبوس كاظم وهو يري ملامحها التي تبدلت.. ،كانت مبتهجة سعيدة تضحك وتمزح وكأنها ليست نفس المرأة التي تركها صباحاً
توقفت فتون عن تناول الطعام، وقد علقت عيناها بذلك الواقف يرمقها بجمود
– سليم
انحشرت لقمة الطعام داخل حلقها، فاسرع احمس بالتقاط كأس الماء بلهفة يُعطيه لها
– فتون أنتِ كويسه
تمتم بها أحمس وقد ظهر القلق في نظراته، لتتعلق عينين كاظم بالمشهد يقسم داخله أن هذا الشاب ينظر لزوجة شريكة بنظرة رجل معجب وليس أخً كما تخبره زوجته التي ظنت أن عزيمتها اليوم لضيوفها ستزيد حنقه بل وستظهره بصورة الرجل الجلف
– اتفضل يا سليم، حببتي اطلبِ من الخدم يحطوا اطباق إضافية
تمتم بها كاظم وقد علقت عيناه بتلك التي وقفت ترمقه بنظرات ضيقه وكأنها تنتظر صورة أخرى له
– لا شكراً يا كاظم، أنا هاخد المدام ونمشي.. معزومين على العشا بليل وأنت مسافر بعد كام ساعه
ابتلعت فتون لعابها، تنظر نحو سليم الذي اشار إليها بالنهوض
طالعتهم جنات، وقد فاقت للتو من حالة شرودها
– أنت بتقول إيه يا سليم بيه، مش معقول اول مرة تيجي بيتنا وتمشي كده، كاظم اعمل حاجه
ارتفع حاجبي كاظم مستمتعاً لأول مرة بحياته بذلك الدور الدرامي الذي يؤدوه سوياً
– مره تانية
تلاقت عينين أحمس به، وقد ازدرد لعابه من نظراته، فاقتربت جنات من فتون تحضنها هامسه
– جوزك غيران من أحمس
– فتون
تعالا صوته، فاسرعت فتون بالمغادرة بعدما اماء لها كاظم لأول مرة برأسه بنظرة لطيفة
أصبحت الغرفة خالية إلا بهم ثلاثتهم
– نورت يا استاذ أحمس
تمتم بها كاظم وهو يمدّ كفه مصافحاً، ازداد توتر أحمس وهو يري نظرات هذا الأخر إليه
– شكراً يا استاذ كاظم، جنات أنا همشي أنا كمان
– أنت رايح فين، لا اقعد كمل أكلك..
توتر أحمس من تلك النظرات التي يحدقه بها كاظم، لتعلو ابتسامة متهكمة فوق شفتي كاظم وهو يري توتره
فالشاب مازال عوده لم يشبّ ولكنه رجلاً وسليم النجار سيكون أحمقاً إذ لم يلاحظ نظراته نحو زوجته
– اقعد يا استاذ…
ثم حك ذقنه قليلا يُحاول تذكر اسمه الغريب عليه
– أحمس
جذبته جنات من يده، لتجلسه عنوة
– أقعد واحكيلي هنبدء تنفيذ مشروعنا أمتي
ابتلع كاظم قطعه اللحم بعدما مصغها ببطئ، يستمع لمخططها وبدأها في رسم حياتها وكأنها تخلصت منه
وفي قرارة نفسه كان يزداد تصميماً في استمرار زيجتهم إستمرارها لوقت بات يجهله
……….
اقتربت ناهد من باب المطبخ الذي دلف إليه رسلان منذ دقائق بعد أن علم بتواجدها فيه حتى تنهي إعداد وجبة العشاء..
تعلقت عيناها بهم، وهي تري اجسادهم في تلاحم.. رسلان طبيب العائلة الوقور, الذي لا تظن أن السنوات التي كان فيها زوج لابنتها الغاليه عاملها هكذا او كان متلهفاً عليها بتلك الطريقه التي تراها في عينيه
– رسلان الاكل على النار
ولكن رسلان كان غائب معها في رحلة شوقة وظمأه الذي لم يرتوي منه بعد
– رسلان
– عيون وقلب رسلان، وحشتيني
ضحكت مرغمه، فقد أصبحت تنسى العالم بين ذراعيه.. عالم لا تعرف لما هربت منه، لما تركتهم يحرمونها من سعاده كانت مقدرة لها لكن كانت مؤجله
– وحشتك إيه بس يا رسلان، دول كام ساعه بس اللي غبتهم في المستشفى والمفروض تكون في العياده بعد ساعه
وبأنفاس منتشية كان يخبرها بحاجته إليها، سقط كوب الماء من يدي ناهد.. ،فانتفضت ملك عنه مبتعده تربت فوق منامتها القصيره خجلاً
– كنت عايزة ميه
هتفت بها ناهد بتعلثم وبحروف متقطعه..، تنظر إليهم بنظرات كان يفهمها، انسحبت ناهد من المكان وقد وخز الألم فؤادها متحسرة علي أبنتها التي توارت خلف التراب وضاع حقها في حياة ارادتها لها، ليتها لم تطلب من ملك العودة لحياة احفادها وزوج أبنتها
……….
توقفت أمام باب شقته، تشعر بالصراع داخل قلبها..، شئ يجذبها للهرب من ذلك الجنون الذي دلفته بقدميها كمراهقة، وشئ يُطالبها بحقها في العيش.. واقتناص سعادتها
بتردد كانت تدق جرس الباب، استمرت في وقفتها تنتظر فتح الباب ولولا رؤيتها لسيارته لظنت إنه ليس بالمنزل
أصابها الشك، لا تتخيل إنه من الممكن أن يكون بين أحضان أمرأه شابة تمنحه حالها دون أن تستيقظ بعد شغفهم تخبره برغبتها في ابتعادها عنه
ودمعة سخية كانت تهبط فوق خدها، وقد امتلكها الشك بعد أن طالت وقفتها
التفت بجسدها حتى تغادر البناية، ولكن وقفت مكانها وهي تستمع لصوته الذي يحمل أثر الدهشة
– خديجة
ببطئ كانت تلتف نحوه، لتتجمد عيناها وتشحب ملامحها وهي تراه يلف المنشفه حول خصره
……..
تدلف لمكتبه تحمل بطاقتها والصور التي طلبها منها..،تضعها أمامه وقد اوضحت لها السيدة سعاد سبب طلبه لهم..، فعلي ما يبدو أن عنتر أتم كل شئ معه وسيكون عقد قرانهم بالغد
– مش المفروض أقعد معاه الأول ونتفاهم يا بيه
رمقها جسار بنظرات هادئه مختلفة
– عايزه تقعدي معاه وتتفاهمي يا بسمه
اماءت برأسها بتوتر، تنظر إليه بتوجس بعدما نهض عن مقعده واقترب منها
– من حقي يا بيه
– فعلا من حقك يا بسمة
هتف بها متهكماً، و بملامح جامده كانت عيناه تتعلق باحد المقاعد
– اقعدي يا بسمه
طالعت بسمة المقعد وقد زاد توترها من نظراته التي باتت تشعر بغرابتها
– اقعد ليه يا بيه..
– مش عايزه تتفاهمي وتقعدي مع العريس
وبدهشة تسألت وهي تنظر حولها بالغرفة
– هو فين عنتر يا بيه؟
الفصل التاسع والأربعون
*********
تراقصت عينين شهيرة سعادة وهي تستمع لاصواتهم العالية، ليس صوتها من كان يصدح بل كان صوته وحده
سليم حانق، مستاءً..؛ فهل أخيراً بدء يستاء ويضجر؟
اقتربت بخطواتها من غرفتهم وقد أخذ قلبها يدق طبولاً، إنها حقاً سعيدة بل تتمني لو القي عليها الطلاق اليوم واراحها منها ومن رؤية هزيمتها, كلما رأتها وتسألت كيف واحده بفقرها وجمالها العادي وتدني مستواها استطاعت جذبه بل وكانت مستخدمه لديه وزوجة سائقه
سليم الذي كان حينا يتزوجهم سراً كان يخبرهم أنها علاقة فراش لا أكثر، علاقة لا مستقبل لها وجميعهن كانوا يقبلون فلا امرأة فيهم كانت تبحث عن علاقة طويلة
ولكنها بكل ما تملكه احبته، رغم فارق العمر بينهم إلا إنه الرجل الوحيد الذي علمها كيف تكون راغبة، متخمة من النشوة
– مش معنى إني متفهم الصله اللي بتجمعك بيهم ..، تكوني فاكرة إني راضي عن التقارب ده ..، أنا بحاول اديكي الثقة والحرية
– لكن أنا قولتلك يا سليم، إني موجوده عند جنات وهتغدا معاها، وإنها هتعزم أحمس
التقطت أذني شهيرة الأسم، تُحاول تذكر بعض المعلومات التي جمعتها من قبل عنها وعن محيطها من الأشخاص الذين يُماثلون حالها كادحين وراء لقمة العيش، يمشون جوار الحائط
– أحمس، ده اكيد الولد اللي كان شغال معاها في المطعم
اهتز هاتفها في يدها ومن حظها كان في وضع الصامت ، طالعت اسم شقيقها حامد في ضيق وانسحبت حانقة متذكره العزيمة التي عليها حضورها معه حتى يتم إتمام الصفقة التي ستعوض خسارتهم الأخيرة، و قد ضاع عليها سماع باقية حديثهم
وها هي صورتهم تقتحم مخيلتها وهي تبتعد ، تتذكر كيف كانت تسير جواره صباحاً مبتهجة ، وجهها يشع نضارة وتوهج..، نضارة تعرف سببها..، فالخادمة التي لا يميزها شئ قضت ليلتها منتشية تتمتع بما كان حق لها منذ أشهر وبغبائها اعطتها الفرصة
– قريب سليم هيرميكي لما يكتشف غلطته..
فارت دماءه وهو يلتقط اسم من اثار غضبه، هذا الشاب الذي لا يعرف من أي طريق خرج إليه
– وشوفتيني قفلت الخط، تقومي تكملي اليوم عادي
التمعت عيناها دون فهم، فاقترب منها وقد عاد الغضب يحتل ملامحه وهو يتذكر قربه منها.. قرب يعرف معناه تماماً
– فتون ما هو حاجه من اتنين لا أنتي فعلا بتستغبي وأحيانا عسر الفهم بيكون عالي عندك، أو أنتِ بتعاندي معايا وبتسلكي طريق صاحبتك
وبغباء أشد، قطبت حاجبيها متسائله
– قصدك جنات
– يارب امنحني الصبر، مش معقول يكون ليكِ طريق نجاح في مجال المحاماه
انكمشت ملامحها في استياء من كلماته التي باتت تشعرها بالتقليل
– أنا مقدرش أبعد عن جنات واحمس، دول عيلتي يا سليم.. كانوا معايا في اكتر وقت كنت محتاجه حد يطبطب عليا، بعد ما كلكم دوستوا ومرحمتونيش
تصلب جسده، ينظر إليها بألم مازال يشعر به.. يتذكر كيف أراد ليلتها أن يغتصبها، يريها ما تستحقه بعدما وسوس له شيطانه..، اضاف على بؤسها ذكرى بائسه وقد كان سببً في تلطيخ سمعتها وترك أهلها بلدتهم هاربين من ألسنه الناس، لولا عمته خديجة التي سعت في اعطائها حياة كريمة من قبل الجمعية التي تُديرها ما كانت أصبحت هنا، بل ظلت طيلت حياتها تعيش تحت الأقدام
هي كانت ضحية حسن وضحيته هو أيضا
– هما بس اللي صدقوني، حتى اهلي كنت بشوف الشك في عينهم…، كلهم شافوني خاطية لكن هما لاء، جنات واحمس اخواتي
وبصمت كان يطبق فوق جفنيه بقوة ، يتذكر نظرة كاظم له ونظره هذا الشاب لها
– ولو قولتلك علاقتك باحمس تكون في الجامعة والمؤسسة وبس يا فتون غير كده مش عايز اشوفه
هزت رأسها رافضة
– دول عيلتي
– وأنا مش بحرمك منهم يا فتون
……..
هل انتفضت للتو من فوق مقعدها، تنظر إليه بغضب ورفض
في البداية ذهولها أصابه ببعض الراحه وأكد له موافقتها التي أتت من عدم التصديق ، ولكن تلك النظرة الرافضة .. ،جعلته يشعر بالذهول
– اتجوزك أنت يا بيه، أكيد بتهزر..
امتقعت ملامحه ، وهو يُحاول قدر استطاعته إقصاء تلك النظرة النافورة التي رأها في عينيها
– ومن أمتي وأنا بهزر يا بسمه
– اومال إيه الكلام الفارغ ده، قال تتجوزني قال
النسخة الجديدة منها كانت تزيده مقتاً، ولكن في الحقيقة باتت تبهره.. ، بسمة عادت لنسختها القديمه فتاة الحارة.. الفتاة التي تقف أمام كل من يقلل منها، حتى إنها كانت تقف أمام فتحي شقيقها ولكن في النهاية كانت تنال نصيبها حتى تحتضن الأرض جسدها
– اقعدي واسمعيني يا بسمه، وبلاش شغل الحارات
ولو كانت بسمة القديمة، لكانت خنقتها عبارته
التوت شفتيها تهكماً بطريقة جعلته يحملق بها من شدة ذهوله
– شغل حارات مقبولة منك يا جسار بيه، شوف عشان مكانتك ومقامك هعمل نفسي مسمعتش حاجه
احتدت عيناه، يقبض فوق كفيه لعله يتحكم في غضبه
– ممكن يا بسمه هانم تقعدي و تسمعي اللي هقوله
“هانم” رددت تلك الكلمه تُطالعه في دهشة، ورغم نبرة التهكم التي تحدث بها إلا أن دهشتها تزداد بسبب هدوئه العجيب عليها
– أنا عارف يا بسمه إني اهانتك كتير، لكن متنسيش إن أنتِ اللي فرضتي نفسك على حياتي
ابتلعت مرارة عبارته، فما كان أمامها تلك الليلة إلا الهرب في سيارته
– شكرا يا بيه، وعشان كده أنا بخلصك مني وهتجوز عنتر.. ،ومتنساش إني قدمت المقابل لما خرجت اتكلم عن حياتي وظروفي في حملتكم
ورغم عنها سقطت دموعها تتذكر ذلك اليوم، الذي قدمت فيه مقابل أن تنال حلم دخولها الجامعة, الذي لن تناله بعد زيجتها بعنتر، وحتى إنها عاشت في بيته مجرد مستخدمه بعد إخباره لها بصريح العبارة أن لا مكان سيقبل بها حاليا حتى يتمكن من توظيفها
– كفاية يا بيه إهانه لحد كده
ضاقت أنفاسه، فهل وصل به الزمن ليكون بهذا اللطف
– هو عرض الجواز إهانه يا بسمه
لما تتحمل سماع عرضه الذي تراه غاية لشيئاً خفي، فهتفت صارخة
– عشان العرض ده وراه هدف في نيتك يا باشا، جسار باشا هيبص برضوه لواحده معيشها عنده إشفاقاً ومن كام يوم كان بيجرها زي المتسولين ويرميها في الشارع
إنها تضغط على قدرته في الصبر، و هو ليس بالرجل الصبور الذي يجلس ويستمع ولولا إحساسه بالذنب بسبب فعلته الأخيرة معها وكسرها بتلك الطريقه ما كان اجلسها هكذا وتحدث معها
– بسمه أنا مضطر اتجوزك، وقبل ما تتكلمي.. اعرفي إنه بسببك كل ده حصل
ألجمها حديثه، لتتعلق عيناه بها
– الجوازه ديه لازم تتم
– لاء
عاد رفضها يصدمه، فاحتدت عيناه
– هو إيه اللي لاء، أنتِ كنتِ تحلمي يا بت أنتِ
أصابتها الإهانة في أعماقها، ولكنها لم تعد الفتاة القديمه الحالمه بحب السيد
– مبقتش أحلم يا بيه، والفضل يرجعلك..، أنا هلم حاجتي وامشي وكمل جميلك معايا وكلم عنتر لو لسا عايز يتجوزني يجي ياخدني لو خلاص صرف نظر.. أرض الله واسعه
– عنتر مش هيجي يا بسمه، لأن الجوازه هتم..، ولو أرض الله واسعة دلوقتي بالنسبالك فبأشارة مني مش هتكون غير أضيق من خرم الأبرة
هتف بوعيد، يري الرجفة التي احتلت سائر جسدها للحظات
– بلاش تشوفي صورة تانيه عني يا بسمه، خلينا نتفاهم ديه جوازة مؤقته ما أنا أكيد مش هكمل عمري معاكي
قبضة قوية أعتصرت قلبها ، سيظل رجلاً قاسياً مهما أظهر إليها من نبل
– هتخلصي سنين جامعتك وأنتِ مراتي، عايشه في بيتِ معززه مكرمه..، لما نطلق هوفرلك حياة كريمه ومستقبل.. فكري في كل ده
انسابت دموعها رغماً عنها، فما زالت عبارته تطعنها رغم إنها كانت تعلم إنه لن ينظر إليها يوماً ولن يرغبها
– لاء
– سميرة حامل من عنتر يا بسمه
سقط الحديث على مسمعها دون شعور، والجواب كانت تمنحه له مجدداً
– لاء يا بيه
– هسيبك الليله تفكري يا بسمه
واقترب منها يدور حولها كالنمر المتربص لفريسته
– تفتكري أنا عايز الجوازه ديه، لكن الظروف اضطرتني
……….
حدقت به بأنفاس مسلوبة، تنظر نحو هيئة جسده الرطبه وصوره واحده تقتحم عقلها، ارخت اهدابها تُقاوم خفقان قلبها من حقيقة موجعه، حقيقة لن تتحمل حتى توقعها بل ارادتها لتجده سببً لتبتعد عنه
– مالك واقفة مكانك يا خديجة، تعالي ادخلي رغم إني مستغرب إن خديجة هانم تجيلي بنفسها
طالت وقفتها، ثم تلاقت عيناهم.. وقد عادت أنفاسها لمعدلها الطبيعي
– إظاهر إن حالة الندم جاتلك، عموما الباب مفتوح.. هدخل البس هدومي لأن منظري بالفوطه مش تمام
ترك لها الباب، وعاد للداخل يزفر أنفاسه يائساً..،أستمع لباب الشقة يُغلق ثم طرقعات كعب حذائها واقترابها منه
توقفت يداه عن فك عقده منشفته وهو يشعر بيدها تلمس ظهره العاري ثم سرعان ما كانت تطوق جسده بذراعيها، تسند خدها فوق ظهره
لحظات ظلوا هكذا، وحدها أنفاسهم ما كانت تتعالا في ضجيج وصخب
كان غاضباً بقدر ما كان مشتاقاً لها، استمر صمتهم حتى شعر بقبلتها فوق ظهره وكأنها هكذا تُخبره بشوقها
يداها بدأت تتخذ مهمة العبث، ازدرد لعابه واغمض عيناه يُقاوم مشاعره نحوها
– أمير
همست اسمه، تنتظر أن يُبادلها ما كان أساس علاقتهم..، ولكنه ظل مكانه جامد الحركة
– أنت لسا زعلان مني
– لو جايه عشان عايزه الحاجة الوحيده اللي بتجمعنا، فأنا مش فاضي يا خديجة
تصلب جسدها، وارتخت ذراعيها وقد جف حلقها.. وهي تراه يزيل عنه ذراعيها ويتجه نحو ملابسه يلتقطها ويشرع في ارتدائها
– انا جتلك بنفسي عشان اصالحك
هتفت بها وقد تعلقت عيناها به وهو يرتدي ملابسه.. ،تزدرد لعابها في شوق إليه
– أنتِ جاية عشان ننام سوا يا خديجة
اوجعتها الحقيقة، هي بالفعل أتت إليه بعدما شعرت بحاجتها لذلك الشعور الذي يمنحه لها وهي بين ذراعيه..
– أمير حاول تفهمني، صدقني أنا ضايعه ومشتته.. غصب عني غصب عني
انسابت دموعها في ضعف، ضعف لأول مره تشعر به..، ضعف مكبوت، ضعف جعلها تُدرك إنها تحتاج لرجل بعدما ظنت إنها تكرههم جميعاً
– محدش هيقبل علاقتنا، أنت بالنسبالي…
وقبل أن تنطق ما يعلمه، هتف بها ساخراً
– اوعي تقوليلي مجرد عيل يا خديجة، أنا لا مراهق ولا لسا شاب في اوائل العشرينات..
ابتعد عنها، يبحث عن مفاتيح سيارته وهاتفه
– لما تعرفي تاخدي قرار نهائي في علاقتنا…
وها هو القرار تتخذه، قرار جنوني..، تخبره بالطريقه الوحيده التي علمها لها كيف يضعف القلب والجسد معاً وينهزم العقل
……
عريساً من عائلة مرموقة يتقدم لها، هكذا جلست كاميليا أمام أبنتها تُحادثها
– اعملي حسابك الناس هيجوا أخر الاسبوع..، مش هتفضلي قعدالي في اكتئاب ولا كأن بينكم كانت عشرة سنين
وخز الألم قلبها، فما الذي تظنه والدتها في المشاعر.. هل مجرد زر نكبس عليه، فننسي الذكريات وأصحابها
– كل ما افتكر عملتك السوده، دمى يتحرق..، ده أنا مش عارفه هجيبها للناس ازاي واقولهم بنتي المحترمه اتجوزت الدكتور بتاعها في اليابان بعقد مدني عشان تقدر تضغط علينا ونوافق عليه
اردفت بها كاميليا حانقة، وما كان يزيدها حنقاً صمت أبنتها الذي أصبح يصيبها بالضجر
– كفاية قعاد عند أخوكِ، هيبقى أنتِ وخالتك
– يااا يا ماما، دلوقتي بقيتي تدوري على سعادة رسلان.. رسلان اللي اجبرتي يتجوز بنت أختك ويسيب الدنيا كلها ويبعد..، حسيتي بي بعد ما حرمك منه
تجمدت ملامح كاميليا، تبتلع تلك المرارة في حلقها..، تري نظرات اللوم في عينين أبنتها
– ليه عايزه ديما تحسسيني بالذنب يا ميادة، أنا بدور على سعادتكم..، يمكن بتخوني الاختيارات.. بس أنتوا ولادي
– لأن محمد ورسلان ذنبهم في رقبتك يا ماما، كنتِ ديما بتسعي تجوزيهم بنات الحسب والنسب اللي يليقوا بمكانة بابا، محمد وعايش تعيس مع مراته وبسبب صورته ومكانته الاجتماعيه مش عارف ياخد قرار الانفصال ده غير مكانة اهل مراته ، ورسلان لولا القدر وحكمة ربنا كان فضل مهاجر وتعيس هو كمان، حتى أنك فرضه خالتي في حياتهم وانتي عارفه إنها مهما ظهرت رغبتها في جواز ملك ورسلان إلا إنها هتفضل شايفه ملك سرقت حياة بنتها، وإنها هتكون نسخة منها لأنها عارفه وأنتِ عارفة كل حاجه سلف ودين
لم تتحمل كاميليا سماع المزيد منها، لترفع كفها عالياً تصفعها فوق خدها.. ترمقها بنظرة مزدرية
– للأسف معرفتش أربيكِ
غادرت كاميليا الغرفة بملامح غاضبه، فعلقت عيناها بعينين ملك التي كانت جالسة بجوار أحد الصغار تطعمه حتى تعطيه دوائه
– ابقى عقلي صاحبتك
غادرت كاميليا ، وقد شيعتها عينين ناهد بشماته.. فلما لا تتعذب شقيقتها مثلها
أغلقت ملك خلفها الباب، تُطالع ميادة المنكمشة على حالها لا تُصدق أن التي أصبحت أمامها هي ميادة صديقتها التي كانت دائما تركض هنا وهناك تستمتع بكل ما هو متاح أمامها، تري الحياة بعينين مبتهجة.. ، تسعي وراء سعادتها وتقتنصها مهما كلفها الأمر، تطمح بأن يكون لها شأن
– ليه بتعملي في نفسك كده يا ميادة
رفعت ميادة عينيها نحوها، فاقتربت منها ملك وقد أسرعت في خطواتها بعدما رأتها تنهار في البكاء
– قلبي موجوع يا ملك، أنا عرفت دلوقتي ليه رسلان هرب وسافر لندن زمان وكره ولاده، وليه أنتي بعدتي وقبلتي تتجوزي راجل تساعديه في محنته وعيشتي مشتته في مشاعرك وضايعة ..، شعور صعب يا ملك.. انا كنت بحبه، كنت بحبه اوي..، أنا اللي كان حلمي كله أنجح واخد الدكتوراه وارجع مصر.. بقي حلمي ازاي اهلي هيقبلوا براجل من بلد تانية بعيد عن ثقافتنا ومعتقداتنا
وبأنفاس لاهثة متقطعه بعدما دفنت وجهها بين راحتي كفيها اردفت
– ديه مش عايزانى أحزن، عايزة تجوزني بأي طريقه كأن اللي عملته عار.. ياريتني كنت سيبته يمتلكني بالكامل عشان كنت جبتلها العار اكتر..
ورغم الألم الذي شعرت به ملك ، بعدما عادت الذكريات تقتحمها
– الوجع بيتداوي مع الأيام يا مياده
وفي عناق طويل، كفت ميادة عن البكاء تهتف برجاء
– اطلبي من رسلان يقف جانبي يا ملك في قرار ماما وبابا مش عايزه اقابل العريس ارجوكِ يا ملك، هنهار صدقيني..
………
غادر المريض الذي كان سعيداً بأن حالة قلبه ليست سيئة، وأن عمليته ستتم بتكلفة أقل في المشفى الخاص التي يمتلك شراكتها هو وسليم و شريك أخر ، بعد أن شرح له الرجل وضعه المادي الذي لا يُسمح بتكلفتها بالكامل
– أدخل المريض اللي بعده يا دكتور
تمتمت بها سكرتيرة عيادته، تنتظر ما سيأمرها به
– استنى خمس دقايق يا سوسن ، وبعد كده دخليه
– حاضر يا دكتور
اغلقت الباب خلفها، تعطيه الوقت الذي طلبه منها.. حتى يستعيد تركيزه ثانية بنشاط
تعالا رنين هاتفه، فالتقطت عيناه اسم المتصل.. فاسرع في الاجابه مبتسماً مازحاً
– مش معقول أكون لحقت أوحشك يا ملك
– رسلان، طنط كاميليا كانت هنا..، وأنت عارف إيه اللي بيحصل لميادة كل ما بيتم حديث بينهم
استمعت لصوت تنهيداته ثم تسأل مستفهماً
– في عريس مش كده، أنا مش عارف ماما مش صابره ليه عليها وكأنها عايزة تتخلص من عارها
– ما طنط كاميليا للأسف بتتعامل معاها كده، حتى انت يا رسلان
– أنا يا ملك
جلست فوق فراشها، تُجيبه بما هو غافل عنه
– ايوة يا رسلان، نظراتك كلها فيها لوم، ميادة غلطت في تصرفها وهي عارفه كده كويس، بس مين فين مبيغلطش يا رسلان
انتظرت سماع رده، ولكنه اتخذ الصمت مفكراً..
– لو ليا خاطر عندك يا رسلان، ارجع احتوي ميادة من تاني.. الحب صعب يا رسلان وللأسف الحاجه الوحيدة اللي بتضعفنا هو
– حاضر
والجواب كان يمنحه لها، في كلمه واحده..،ابتسمت براحه، فرسلان دوماً متعقل لا يتجادل في أخطائه
– مافيش كلمة حلوه قبل ما اقفل، ده انا هرجع الفجر من المستشفى وهكون جعان نوم..، يا دوبك هاخد بوسه واخد السرير بالحضن
انفرجت شفتيها بضحكة خافته ، استطاعت كتمها بصعوبه
– روح شوف المرضى بتوعك يا دكتور
– قلبك قاسي يا حببتي، عموما هتوحشيني الكام ساعه دول
وفي سعادة وراحه كان ينهض عن مقعده، مستعداً لمريضه الذي دلف للتو
غادرت غرفتها حتى تري الصغار، وقد اسرعوا إليها يُطالبونها بحملهم
– حبايبي مادام صاحين وفايقين كده، تعالوا احميكم بقى..وانتوا أكتر حاجه بتكرهوها المية
تمتمت بها بعدما قبلتهم تحت نظرات ناهد .. ، التمعت عينين ناهد بشر بعد أن استمعت لعبارتها الأخيرة التي هتفت بها بأمومه
– الدنيا برد عليهم، أنتِ عايزة تموتيهم
شحبت ملامح ملك وقد اخترقت عبارتها أذنيها ،فاسرعت ناهد نحو الصغار تجذبهم صوبها
فصدمتها الحقيقة التي تغافلت عنها، ناهد كما هي لم تتغير.. وقد صدق رسلان حينا أخبرها إنها مهما فعلت معها فستظل خالته بنفس سوءها وانانيتها
……..
ارادت أن تطمئن عليها قبل أن تبدء بترتيب ملابسها في حقيبة سفرها بعد أن رفضت أن تفعل لها الخادمة الأمر، شعرت بالخجل من حالها لو كانت هي من اصابتها بالعين بعدما رأت أهتمامه بها
– فتون هو انا عيني وحشه ولا إيه، ده انا عماله اقول لنفسي يا سلام لو اقابل راجل زي سليم النجار، رغم إني في الأول مكنتش بطيقه…
واردفت حانقة من حالها، لأنها السبب فيما حدث..، فكثيراً ما نبهت أحمس على نظراته التي تخونه نحو فتون التي لم تعد جارته الضعيفه التي يجب عليه حمايتها والإعتناء بها بطريقة ملفته
– أنا قولتلك، قولي الله واكبر في عيني..، طلعت عيني وحشه
لم تتحمل فتون حديثها الذي اجبرها على الضحك
– ايوة كده اضحكي، اللي انتوا بقيتوا فيه ده يا فتون حاجه عاديه في الجواز.. ، مع الوقت هتلاقي نفسك لا انتي عارفه ليه بتتخانقي ولا هو عارف السبب ..
– كأنك خبرة يا جنات
ارتسم الألم فوق ملامح جنات، ولكن سرعان ما تمالكت تأثرها
– فتون، سليم بيحبك وديه حقيقه كل يوم بتأكد منها.. فحافظي عليه وحاولي تتكلمي معاه، بلاش كل معلومه بتاخديها تطبيقها عشان تظهري ليه بصورة الست الناضجة، وفي نفس الوقت حاولي تتجاوزي صورة الخدامه اللي لو فضلتي حطاها في دماغك هتفضلي شايفه نفسك قليلة..، شوفي نفسك عالية يا فتون
وبتعقل أصبح مختلف لدي جنات، فهي لا تُريد لها أن تفشل زيجتها الثانية وتعيش طيلة عمرها بأحلام خائبة
– اقفى قدام المراية، وشوفي فتون الجديدة..، فتون اللي قدرت تتجاوز كل شئ وتدخل كلية الحقوق..، فتون اللي قدرت تخطف قلب راجل زي سليم النجار.. ، فتون اللي كلها تلت سنين وتتخرج من الجامعه وتدخل المحكمه تدافع عن الناس..
اقتربت فتون من مرآتها، تنظر لهيئتها.. شعر معقود بترتيب، ملامح متوردة رغم تورم عيناها من البكاء..، جسد بدء ينضج وليست تلك الصورة التي مهما هربت منها مازالت مرسخة في عقلها
صورة الخادمة ذات الضفائر والجلباب البسيط
– جوزك بيغير عليكِ يا فتون..، وأي راجل بيحب مراته هيغير عليها حتى لو كان أحمس بالنسبه ليكِ مجرد اخ وأصغر منك
هتفت بها جنات بعدما استجمعت قواها وابتلعت المرارة التي استوطنتها، تُعطيها الجواب على سؤالها الذي سألته لها في بداية مكالمتهم، لما كاظم لا ينظر لاحمس كما ينظر له سليم
……….
تراجع كاظم بخطواته عن غرفتها، بعدما أستمع لحديثها بالكامل
دلف غرفته، واقترب من فراشه يجلس فوقه بعدما ثقلت أنفاسه بشعور غريب عليه..
– ليه بدأت تتحرك، أنت كنت مت من زمان.. مت مع القسوة
لم يمنحه قلبه الجواب، فالراحه باتت بعيده عنه منذ أن دخلت حياته، إنه بدء يُهزم.. يُهزم في طريق الحب الذي يعرف نهايته السقوط دون رجعه
وفي خضم معركته مع مشاعره، كانت تندفع داخل الغرفه تهتف به بملامح جامدة أجادة رسمها
– أعمل حسابك اول ما تخلص الرحله ونرجع مصر، هرجع شقتي علي طول و ورقة الطلاق توصلني..، لا إلا المحاكم هتكون بينا
والذهول وحده ما كان يرتسم فوق ملامحها، وهي تراه يضحك بقوة وكأنها تُخبره بمزحه
فاقت من ذهولها واقتربت منه حانقة، وقد ارتسم التهكم فوق شفتيها
– بيتهيألي مقولتش نكته، عشان تضحك بالطريقة ديه
توقف عن الضحك، وهو يراها تطالعه بمقت.. تهز ساقيها مستاءه تنتظر جوابه وإقراره بالموافقة على حديثها،
وسرعان ما كانت تشهق صارخه، بعدما أجفلها وجذب ذراعها نحوه لتصبح بين ذراعيه
– مش عارف قولتها ليكِ قبل كده، ولا لاء..
حاولت أن تتملص من أسر ذراعيه، ولكنه احكم قبضته حول جسدها
– ابعد عني
– كاظم النعماني مبياخدش أوامره من حد
تعالت أنفاسها ترمقه بحقد، تدفعه ..، ثم اشاحت عيناها عنه، فرفع كفه نحو وجهها حتى يعيد نظراتها الثائرة نحوه..
حاولت دفعه مجدداً ولكنه كان مُصّر على نيل ما يريده هذه اللحظه بعدما ثارت مشاعره
وقبله عنيفة كان يقتنصها، قبلة كانت جامدة فيها مهما حاول في إبطائها حتى يشعر بذلك الشعور الذي كان يشعره معه..، عندما كانت راغبه مستمتعه بين ذراعيه
دفعته عنها بكل قوتها، تمسح فوق شفتيها بعنف..، ترمقه بازدراء أصابه ولكنه تجاوزه ينظر إليها مستمتعاً وهو يلعق شفتيه، يراها تخرج من الغرفة بنفس العاصفة التي دلفت بها
– ياريت تكوني جاهزة بعد ساعه، عشان ميعاد الرحلة
……….
خرجت شهيرة من المطعم بملامح حانقة، لا تستوعب حتى الأن كيف لابن السائق الذي كان والده مستخدم لديهم.. أصبح من المستثمرين وقد عاد للوطن ليستثمر فيه
– اوعي تكون اتضايقت من أسلوب شهيرة يا ماهر باشا
طالعه الجالس بعدما اشاح نظراته الجامدة التي كانت عالقة بها وهي تُغادر، شهيرة الأسيوطي المرأة الجميلة التي ورثت جمود المشاعر والكبر وقله الذوق من عائلتها
– مافيش مشكله يا حامد باشا، خلينا نرجع لكلامنا
ابتسم حامد، فمازال باشا كما هو ولكنه نسي إنه منذ لحظات كان ينعته أيضا بنفس اللقب وقد تساوت الرؤوس
توقفت شهيرة أمام سيارتها، بعدما تعالا رنين هاتفها.. زفرت أنفاسها بحنق وهو تري رقم دينا وبتأفف كانت تُجيبها
– خير يا دينا، وياريت لو معندكيش حاجه تفيد تقفلي.. لأني مزاج مش تمام
ابتسمت دينا، تنظر لذلك الذي كان يُشاركها الفراش منذ ساعات..
– بدل ما تباركيلي على خطوبتي
امتقعت ملامح شهيرة، فما الجديد الذي تعيشه هذه المرأة إلا الزواج والطلاق
– أنا فكرت في حاجة تحرق دمها، زي ما هي حارقه دمك..
وبوداعه اردفت ،بعد أن وجدت شهيرة تترك لها أذنيها وتسمعها خاصة بعدما صمتت
– متهونيش عليا يا شهيرة تفضلي في كفة الست المهزومه، وسيرتك على كل لسان في النادي والحفلات
– مين اللي بيتكلم عني، قوليلي مين يا دينا وبلاش شغل التلميح ده
– دول كتير يا شهيرة، بس محدش يقدر يتكلم قدامك
اطبقت شهيرة فوق هاتفها بغضب ، تلعنهم جميعاً وتلعنها معهم
– خليني اقولك تحرقي دمها إزاي، وتخلي الكل يعرف إنها لسا خدامه عند سليم..
الفصل الخمسون
*******
اقتربت شهيرة من باب الحجرة التي وقفت أمامها منذ ساعات، تستمع لصراخه عليها، وضعفها أمامه.. ف مثيلاتها هكذا ينحنون ويضعون أنفسهن تحت الأقدام حتى يعيشون في ثراء أتاهم بعد جوع بل و كان حلماً بعيداً
هي مؤمنة بالتوافق الفكري والاجتماعي..، ولا تتنبأ لهذه الزيجة إلا بالفشل..، وسليم كعادته مهما أعطى وأظهر من نبله هي متأكده تماماً إنه سيضجر منها حينا يرى أمرأة أخرى مختلفة
وضحكة مستهزءة خرجت من شفتيها..، فهي لم تعد تفهم شخصية الرجل الذي توغل داخلها وجعلها لا ترى رجلاً غيره
والضحكة اتبعتها مرارة اقتحمت حلقها بعلقمها ؛ فسليم حتى اليوم لم يظهر ندمه من هذه الزيجة ولم تتمكن أي امرأة من جذبه، إنه بات مخلصاً، ملتزماً متفاني في عمله كعادته..، فقد كان رجلاً مختلفاً في فترة زيجتهم.. الفترة التي ركضت هي وراء طموحاتها بشراسة حتى تنال رئاسة الشركة من شقيقها بعد وفاة والدهما
وحقيقة موجعة ها هي تضربها في مقتل، سليم صار مؤخراً يوكل عنه نائبه المخلص ” كامل” في الكثير من رحلات العمل، وإذا فكرت بالأمر.. ستجد الغيرة والحقد تقتلها بل قتلتها منذ زمن
حاولت قدر استطاعتها السيطرة على تلك المشاعر السلبية التي اخترقتها، وقد توغلت فكرة دينا التي تراها كيد نساء عقلها رغم إنها لم تروقها في البداية
وبخطوات هادئة تقدمت مع إبتسامة هادئة رسمتها فوق شفتيها حتى تجيد الدور
ثواني وقفتها تُجمع أفكارها المبعثرة تزفر أنفاسها، تنفض عباءة الكبرياء عنها..، فحتى لو كان الطلب الذي ستطلبه منها مكيدة إلا إنه بالنسبة لها إهانة
انتبهت فتون على الطرقات، وقد كانت جالسه تُذاكر دروسها
– ادخلي يا داده ألفت
انفتح الباب، وببطئ كانت تدلف شهيرة تُقاوم مشاعرها، تخشي أن تراها بثوب نوم اختارته له الليلة حتى تتمكن من إرضاءه وتحريك رغباته
ارتسمت الصورة التي ترسمها لهم كل ليلة حينا تغفو مفكرة كيف تقضي الخادمة ليلة جامحة بين ذراعيه، كيف تنال من كان لها يوماً
عاد الألم يضربها في نقطة عميقة، وهي تتذكر كم هو سليم بارع في إمتاع إمرأته
– شهيرة هانم
تمتمت بها فتون في صدمة، بعدما رفعت عيناها عن الكتاب الذي كانت غارقه في دراسة محتواه، لا تستوعب وجود شهيرة لديها
انتبهت شهيرة على صوتها، فقد اخذتها أفكارها لنقاط بعيدة غير مترابطة، وبهدوء كانت تعيد خصلة شعرها النافرة دوماً من تسريحتها المهندمة
– أنا عارفه إنك مستغربه وجودي في اوضتك يا فتون
طالعتها فتون بتوجس بعدما نهضت من فوق الفراش، تعدل من هندام منامتها المحتشمه التي اظهرتها وكأنها فتاة في اطوار مراهقتها وليست امرأة استطاعت تحريك قلب وغريزة رجل كان تاريخه حافل بالنساء، وبتوتر اجابتها.. تمسح فوق خصلاتها تخشي أن تكون بمظهر غير لائق فيكفيها ما ترتديه أمامها
– هو وجودك بصراحه غريب في اوضتي..
ثم اردفت وقد ظنت مجيئها لغرفتها للبحث عن سليم
– سليم لسا مرجعش من بره..
– لا، لا.. أنا وجودي مش عشان سليم.. ،سليم بعرف اوصله كويس
نطقتها شهيرة عن قصد، تشعر بالراحه وهي تري النتيجة مرتسمة فوق ملامحها .. ؛فملامح غريمتها الصغيره تجهمت وقد انتبهت للتو على ما ترتديه، مما زادها اعتزازاً بانوثتها التي لم تصل إليها تلك الصغيرة هزيلة الجسد
– طبعا يا شهيرة هانم، أنتم مش برضوه تعتبروا شركاء في البيزنس
احتدت ملامح شهيرة لثواني، ف الخادمة تُلمح لها بالحديث إنهم شركاء لا غير، فهل نست من لم يكن قيمة لها وسط النساء إنها أم أبنته..
ابتسمت شهيرة واقتربت منها، فهدفها اليوم لا يتطلب منها إلا الهدوء وإظاهر صورتها الودوده
– فتون هو أنا أقدر اطلب منك طلب صغير ..
ارتفع حاجبي فتون في دهشة، حتى إنها بصعوبه استطاعت إعادتهم موضعهم بعدما تصلبت ملامح وجهها للحظات من عبارتها
– انا حقيقي محرجة منك، بس لما فكرت مين يقدر يساعدني.. ملقتش غيرك أنتِ.. لكن لو رفضتي مافيش مشكله.. هحاول اتصرف بسرعه رغم إن مافيش وقت وكل المحلات المعروفة ملتزمين باوردرات
اقطبت فتون ما بين حاجبيها تلك المرة، فعن أي متاجر تتحدث.. وما دخلها هي بالأمر
– فتون ديه كانت شغلتك الاساسيه، يعني اكيد هتقدرى تنفذي الموقف ونفرح ديدا
وبحنق اجادة رسمه فوق ملامحها ثم اردفت
– أنا مش عارفه الغلطه كانت من مديرة مكتبي ولا البنت اللي اخدت منها الاوردر..، حصل لخبطه في التاريخ..،أنا أصلا هقطع اي تعامل مع المحل ده رغم إنه محل حلويات مشهور اكيد سمعتي عنه
كانت شهيرة تتحدث دون إعطائها فرصة للحديث، لكنها فهمت ما تُحاول إصاله لها شهيرة بوضوح.. ،إنها تُريدها أن تقوم بهذا العمل، هي بالطبع لن ترفض بل ستوافق من أجل الصغيرة ومن أجل إنها تُحب هذا العمل وشغوفه به
– أنا معنديش مشكله، لاني بحب شغلي القديم .. لكن عيد ميلاد خديجة بكره
ألجم شهيرة ذلك الفخر الذي تتحدث به عن عملها القديم.. ، فهي تُريد إحراجها أمام ضيوفها بعملها..، تظهرها لهم بأنها كانت خادمة ثم بائعة وجبات منزليه و مطعم صغير نالت إستئجاره من جمعية خيرية
– بس ما دام عشان سعادة خديجة، أنا هعمل ليها أحلى تورتة عيد ميلاد
وأسرعت في التقاط كراسة وقلماً بحماس، جعل شهيرة تتسأل هل ستنجح خطتها الفاشلة مع دينا وستتمكن من تسليط نظرات ضيوفها عليها؟
– إيه اللي ممكن نحتاجه في الحفل؟
وأندمجت فتون في إخبارها بما تحتاجه حفلات أعياد الميلاد، وقد دونت كل شئ اقترحته لتكون الحفل في أبهى صورة..
غادرت شهيرة الغرفة حانقة دون سبب ، ترفع هاتفها فوق أذنها حتى تُهاتف دينا التي اجابتها مع أول رنين متسائله
– أوعى تقوليلي الخدامه رفضت
– وافقت ومبسوطه كمان إنها هتفرح خديجة..
وزفرت أنفاسها وهي تسير نحو الرواق المؤدي لغرفتها
– قال إيه بتحب بنتِ وأي حاجة تفرحها.. تعملها وهي مبسوطه
– لا بنت الإية ناصحة..، عايزه تظهرلك بالصورة المثالية وتوريكي أد إيه هي بتحب خديجة
وبتهكم اردفت دينا وقد تجهمت ملامحها هي الأخرى
– هي بس تضمن وجودها أكتر في البيت وتجيب لسليم طفل، وهتشوفي صورتها الحقيقية، غير سليم بعد ما لسا سامح ليكِ لحد دلوقتي إقامتك في بيته ومهتم عشان زعل خديجة، إشارة منها هتخليكِ بره ولا هيفرق مع سليم زعل بنته..، الجديدة بتكسب ديما يا شوشو
ارتسم الأشمئزاز فوق شفتي شهيرة، تستنكر كلماتها التي أشعلت نيران حقدها ولكنها كما اعتادت تظهر ثقتها في الرجل الذي عاشت معه بضعة سنوات
– سليم مش كده يا دينا، أنتِ متعرفهوش زي ما أنا عارفاه.. ده كان جوزي وأبو بنتِ..، يعني أكتر واحده عرفاه
توترت دينا وأسرعت في الحديث تُداري حقدها
– هو الكلام أخدنا ليه لنقطه تانيه، خلينا في خطتنا..
– خطتك أنا متنبأه ليها بالفشل
امتقعت ملامح دينا
– على الأقل بدل ما الناس مش بتتكلم غير على إزاي رجعتي تعيشي في بيت سليم مجرد ام بنته، و وجودك مش لطيف بعد ما طلقك و أتجوز، يرجعوا يتكلموا عن إزاي قدرت مرات السوق اللي كانت بتخدم عنده تغويه ويتجوزها بعد ما كان متجوز شهيرة الأسيوطي بنت الحسب والنسب
تعمدت دينا تذكيرها، كيف تمكن سليم من تجاوزها في مدة قصيرة لا تُذكر
………..
ارتسم الذهول فوق ملامح السيدة سعاد، وهي تستمع لما تُخبرها به بسمه، وكيف أصبحت سمعتها ملطخه والجواب إنها تعيش تحت سقف بيته، فالمعروف الذي صنعه معها أنقلب عليه
– ليه كل شويه بيعايرني بمعروفه يا داده، أنا مهربتش من فتحي غير بعد ما حطني بين نارين..، ياريت بابا كان عايش كان حماني من شره
اخذت السيدة سعاد تُقلب حديثها بعقلها، ولم تنطق بشئ بل ظلت مستمعه، فهناك سبب يخفيه رب عملها، سبب مجهول دفعه ليتخذ أمر الزواج بتلك الطريقة
– جسار بيه عارف كويس إني مش مناسبه ليه، وزي ما بيذلني بمعروفه..، هيبصلي بندم إنه اتجوزني ويمكن بعدين يعايرني بفضله
– وليه متوافقيش يا بسمه، ما دام الجواز صوري ومؤقت
توقفت بسمه عن سكب كل ما اعتلى فؤادها، وقد أدهشها حديث السيدة سعاد ونظراتها التي ما زالت تحمل الحيرة
– اسمعيني يا بسمه
واقتربت منها السيدة سعاد، تُجاورها فوق فراشها الصغير تلتقط كفيها
– جوازتك من عنتر.. الله اعلم نهايتها إيه، ويخوفي يعمل فيكِ زي رجاله كتير.. اول ما تخلص حاجتهم من الست يرموها وأنتِ يا بنتِ مالكيش حد، وممكن تطلعي من الجوازه بعيل
اطرقت بسمه رأسها، وهي تتخيل حالها بطفل يعيش مأساتها، غير أن سميرة حامل بطفل منه وهي أكثر من يعلم بعلاقتهم
– متزعليش من كلامي يا بنتِ، لكن كل حاجه وارده في الحياه..، وعشان كده بقولك أسعى ورا أحلامك
وبنظرة لامعه، واحلام تمنت السيدة سعاد يوماً تحقيقها
– أدخلي الجامعه واتخرجي بشهادتك، اعملي مشروعك الصغير.. أنجحي ، أسعي إنك تكوني ست قوية، ست مبتحتاجش لحد، اعتبري جوازك من السيد جسار مجرد محطه
مسحت بسمه دموعها، تنظر لعينين السيده سعاد
– لكن يا داده..
– أنتِ بتحبي السيد جسار يا بسمه
قطعت السيده سعاد حديثها، بعدما عادت بعض الأفكار تقتحمها
– أوعي يا بنتِ قلبك يضعف، أنتِ الوحيده اللي هتتعذبي..
– لا ،لا..أحبه إزاي يا داده وأنا عايزه امشي من هنا بأي طريقة
ابتسمت السيدة براحه، فهي لا تُريدها أن تبني أمال زائفة..، وضعتها هي يوماً مع والد جسار الرجل الأرمل الذي ظنت لطفه معها حبً وفي النهاية تزوج السيده فاطمه رحمها الله وكانت فتاة جامعيه ذو شخصية قوية ومتحدثة لبقة وجميلة المظهر
– يبقى وافقي يا بنتِ، وعيشي مرتاحه البال حتى لو لفترة من حياتك واعتبري الجوازة كأنها محصلتش
وبمرارة كانت تُحرك رأسها لأسفل، توافق على حديث السيدة سعاد، تقتل داخلها أي أمل كان يقودها يوماً لتحلم بهذا الرجل
وحينا صار الحلم حقيقة، اخبرها القلب ألا تحلم
………..
توسدت صدره العاري بأنفاس لاهثة ، ترخي جفونها بأرهاق لذيذ
شعرت بيده تتحرك فوق خصلات شعرها، فزادتها حركته راحة واطمئناناً أسقطتها في غفوة قصيرة
طالع ملامحه الفاتنه، فرغم سنوات عمرها الخامسة والأربعون التي تتحدث عنها دوماً، إلا إنه لا يراها إلا فتاة في منتصف العشرون
، فتاة بتول تفتحت أزهارها على يديه
إنها بالفعل تجعله متخم معها بكل شئ، لقد أصبح يرى النساء فيها ، لا يتخيل حياته دونها، عندما تتلاحم أجسادهم يشعر بتوق للمزيد ومهما نال يظل عطشاً لها
وابتسامة متلذذة داعبت شفتيه، وقد أخذ شريط الساعات الماضية يسير أمامه فيزيده توق، فتلك الليلة هي أجمل لياليهم معاً، فلم يكن هو المبادر بمارسة الحب إنما كانت هي من تدفعه وتجذبه إليها
وأبتسامة عابثة هذه المرة ارتسمت فوق ملامحه ،بعدما عادت بعض اللقطات تقتحمه، ومع تحركها فوق صدره ثم تحسسها موضع نومها وكأنها تظن حالها تحتضن وسادتها، زادته توق وعادت رغبته توقد من جديد
– أمير
وبنعاس اخذت تفتح عينيها، تنظر إليه بنظراتها الناعسة.., نظرات بعيدة عن نظرات الجمود والجدية التي عاهدها في أجتماعات الشراكة
– تعرفي إنك أجمل ست شافتها عينيا
إنه يأخذها لشعور يسرق أنفاسها، شعوراً يُخبرها إنها أمرأة ، بل صبية صغيرة تخطفها الكلمات والهمسات
أنفاسه القوية داعبتها بقوة، فجعلت توقها إليه يعود ثانية ، داعبت عنقه بكفها، فمال عليها هامساً
– إزاي قدرتي تخليني أحبك كده يا خديجة
– أوعى تبعد عني يا أمير، أوعدني تفضل تحبني كده حتى لو أنفصالنا
ابتعد عنها بعدما عادت لنفس الحديث الذي تنتهي به كل علاقة حميمية بينهم، حاول النهوض عنها يزفر أنفاسه وقد احتل الغضب قسماته
– رجعنا لنفس النقطه يا خديجة
ولكن يدها كانت الأسرع، تجتذبه إليها نادمه هامسه
– مهما أقولك متبعدش عني، كل اللي بيحصلي غصب عني..، حاول تستحملني يا حبيبي، أنا عيشت سنين طويله وأنا لوحدي عمري ما كنت افتكر إني هعيش اللي بعيشه معاك دلوقتي
“حبيبها” خديجة تُخبره بحبها، تخبره إنها لم تعد تستطيع العيش دونه، ولم تكن تعيش من قبل
عانقت عيناه عينيها، فابتسمت وهي تراه يعود إليها.. وفي صمت كان يفتح لها ذراعيه, لتنظر إليه بتيه وضياع لا تفهم إشارته، فحرك رأسه يُخبرها أن ما فهمته صحيح، حضنه هو مكانها الوحيد
لبت ندائه، فضمها إليه بقوة
– مهما هتعملي هكون متفهم يا خديجة، و مهما باخد قرارت بتراجع فيها لأني للأسف مقدرش أعيش من غيرك
سقطت دموعها وقد رفرف قلبها من أثر كلماته ، ولكن سرعان ما كانت تتمالك حالها تبتعد عنه تُمازحه
– للأسف، قصدك إيه يا أستاذ
تراقص حاجبيه لا يُصدق مزاحها البعيد عن شخصيتها
– اوه، خديجه النجار بتمسك في الكلام زي أي ست
اتسعت حدقتيها في ذهول مصطنع تسأله عابسه
– قصدك إني مش ست
– وكمان بنتقمص، لا ده الموضوع بقى خطير
زمت شفتيها، تشيح عيناها عنه حتى لا تفلت ضحكتها
– أنا شكلي فعلا هتقمص منك
احكمت الغطاء فوق جسدها، حتى تتمكن من النهوض
وشهقة قصيرة خرجت منها ، تنظر إليه بعدما ألقاها ثانية فوق الفراش
– طيب خليني أصالحك، لتقولي عليا زوج مقصر
……..
– مدام ألفت، قولي اللي عايزه تقوليه أنتِ عارفه مكانتك عندي
ابتسمت السيدة ألفت، تربت فوق كفها
– معدنك يا فتون من المعادن الاصيله اللي مبتتغيرش
اطرقت فتون رأسها، تخبرها بحزن
– عمري ما هنسي أصلي يا مدام ألفت، ولا حتى الناس
– الناس يا بنتِ مبيحبوش يشوفوا غير اللي هما عايزينه
علقت عيناها بعينين السيدة ألفت، التي أسرعت في التبسم إليها بعد إلقاء عبارتها
– أنا واخده دور المتفرج يا بنتِ بقالي مدة، وشيفاكي رغم محاولاتك إلا إنك ضايعه.. وعذراكي يا بنتِ عيشتي حاجات كتير من عمرك في سن صغير..، سن غيرك من البنات كانوا لسا فيه بضفايرهم
دمعت عيناها رغماً عنها، تتذكر ضفائرها وفستانها الطفولي وقد خلعت عنها كل هذا لترتدي ثوب المرأة
– أنا مبقتش عارفه نفسي يا مدام ألفت
طالعتها السيدة ألفت بتفهم، تمدّ كفها تمسح فوق وجنتها بأمومه
– عارفه يا بنتِ إنك تايهه، والحياة الجديده كبيره عليكِ..، يمكن سليم بيه غلط لما سابك تندمجي في حاجات كتير، فاكر إنك هتنضجي مرة واحده، لكن برضوه يا بنتِ الغلط من عندك أنتِ
علقت عينين فتون بها، فاستطردت السيدة ألفت
– لازم تعرفي تخدي قراراتك كويس يا فتون، اعملي فتون اللي أنتِ عايزاها مش الناس عايزاها.. ، سليم بيه راجل متفهم لو اتكلمتي معاه هتلاقيه في ضهرك واوعي تخليهم يأثروا عليكِ ويهزوا صورتك في نفسك حتى لو كانت الست عبلة والدتك
ارتسم الألم فوق ملامحها، فكم تمنت أن تتلقى النصح من والدتها
– ربنا جعل رزقك يا بنتِ في زوج حنين زي سليم بيه، أمسكِ فيه جامد يا بنتِ ومتسمحيش لحد يقلل منك..، هو مختاركيش وحياتك القديمة مجهوله بالنسباله بالعكس هو كان عارف وعايش تفاصيل حياتك مع حسن
وعند ذكر اسم من كان سببً في حياتها البائسة وما نتج عنها من ضعف شخصية، شحبت ملامحها
– أنسي أي حاجة كانت في الماضي ملهاش لازمه يا بنتِ، اتعلمي تكوني قوية ومتتنزليش عن حقك ما دام مبتجيش على حق حد
نهضت السيدة ألفت، وفضلت أن تحتفظ بذلك الحديث الذي استمعته بالصدفة بين شهيرة وتلك المدعوه ب دينا
اغمضت فتون عيناها بأرهاق، ثم التقطت هاتفها تنظر للوقت وعلى ما يبدو أن سليم مازال غاضب منها
هاتفته ولكن هاتفه كان خارج نطاق الخدمة
ظلت جالسة فوق الفراش تمسح فوق وجهها، تُفكر في حديث جنات والسيدة ألفت
– أنا فعلا محتاجه اتكلم مع سليم، واول حاجه محتاجه اتكلم فيها معاه إني مش حبه أروح المؤسسة تاني
ورغم عراقة المكان والخبرة التي تحصدها منه، إلا إنها تمتص منه طاقة سلبية مريرة كلما تسألت إحداهن كيف تمكنت من نيله وكانت مجرد مستخدمه لديه ، أو كلما قصوا حكاية عن أمرأة نالت رجلاً من زوجته فينظرون إليها..
ولولا خوفهم من فقد وظيفتهم لكانوا قالوها صراحة دون تلميح، فالكل يبلع حديثه الصريح خوفاً ولكنها تري وتسمع الهمسات و اللمذات، حتى السيد حازم صديق سليم مازال ينظر لها بنظرة غير راضية عن وجودها بينهم
إنها تهوى الطبخ وصنع الحلويات، تهوى مهنتها القديمة التي استطاع سليم اجتذابها منها بعد حرق المطعم ثم اعاد المكان بعد ترميمه لسلطة السيدة سحر مديرة الجمعية
– هاخد شهادة الحقوق، بس همارس الحاجة اللي بحبها وبلاقي نفسي فيها، وسليم اتجوزني وهو عارف أنا مين وحياتي كانت إزاي
وهاهي تستعد لمعركة الإعداد لحفل غد، حتى تُبهر الضيوف وتُسعد الصغيرة التي أصبحت تتجنبها
وجدت السيدة ألفت وإحدى الخادمات بالمطبخ..، ينظرون للأغراض التي احضرها السائق وقد اخبرهم إنه احضر كل شئ طلبته منه السيدة شهيرة
التفت السيدة ألفت نحوها مبتسمه، فهي تعلم بالمهمه التي ورطتها فيها شهيرة، ولكنها فضلت الصمت
– لو محتاجة حاجه يا بنتِ، خلي ورده تعملهالك وتطلعها اوضتك
تقدمت منها فتون بحماس، تنفي برأسها، تُشمر أكمام بلوزتها
– أنا محتاجه المطبخ اعيش فيه لوحدي
ضحكت السيدة ألفت، كما ضحكت الخادمة الأخرى
– يعني نتطرد بالذوق من مكانا
– لا طبعا يا مدام ألفت، المكان مكانك
وبفضول تسألت” وردة” الخادمة
– هي الأغراض اللي جابها عمي حسين السواق، لحفلة بكرة يا مدام ألفت..
وسرعان ما كانت تشهق مصدومه
– معقول إحنا اللي هنحضر الحلويات، يعني هنضايف وكمان نحضر..، أه يا هدت الحيل ياريتني كنت روحت مع هدى
تعالت ضحكات فتون، فشاركتها السيدة ألفت لا تُصدق أن العاملات أصبحوا بهذا الكسل
– روحي يا وردة، خدي حاجتك وروحي مع عم حسين
– بجد يا ست ألفت، يعني مش هنجهز حاجة خلاص
– ما انا قولت روحي يا وردة مع عمك حسين يا بنتِ
ابتسمت فتون وهي ترى الخادمة تُغادر وقد ذكرتها بحالها
– المطبخ يا بنتِ ليكِ، لو احتاجتي حاجة مني تعالي صاحيني
اماءت لها فتون برأسها، لتُغادر السيدة ألفت متمته داخلها
” بكرة هتشوفي مين اللي دمه هيتحرق يا مدام شهيرة”
……….
التف بجسده نحوها مستعجباً بطئ سيرها، أصابه الذهول وهو يراها تمشي ناعسة خلفه ومازال النعاس يُسيطر على جفنيها
اقترب منها وقد ارتسمت فوق شفتيه ابتسامه، اسرع في اخفاءها
– مش معقول نايمة على نفسك يا جنات
انتبهت جنات على صوته، الذي ازعجها في رحلة سيرها
– أنت اللي خطواتك سريعه
القت عبارتها ثم تجاوزته حانقة، فاتسعت حدقتيه من فعلتها.. بل من أفعالها وقد بدأت تستغل هدوئه وهدنته
التقط ذراعها، فزمت شفتيها متذمرة تُحاول إفاقة حالها
– اوعي تقولي إن الفندق بعيد
– جنات فوقي كده، اول مره اكتشف إنك بتتحولي لما حد بيصحيكي من النوم
انكمشت ملامحها في ضيق، وقد بدأت بالفعل تفيق
– شكلنا هنفضل مطولين في صالة المطار، امشي يا هانم
وبعنف طفيف ليس غريبً عليه، اجتذبها من خصرها يضمها لصدره
وأخيرا خرجوا من بوابة المطار، ليُسرع السائق المكلف بأنتظاره في تناول الحقائب مرحباً به
– نورت يا باشا
اماء له كاظم برأسه، يُحرك تلك التي تحاول التملص من محاوطته لها
صعدوا السيارة، فابتعدت جنات عنه..، مما جعله يرفع حاجبه الأيسر مستاءً من فعلتها
– اطلع على شقة حضرتك ، ولا الفندق يا باشا
– اطلع على الشقة
فتعجبت جنات من امتلاكه سكناً هنا، فالتفت إليه متسائله
– هو انت عندك شقة هنا
طالعها بعدما عبث بأزرار هاتفه، يدق على شقيقه ليبلغه بوصوله
– شقة وشركة كمان
استاءت من طريقته، فاشاحت عيناها عنه مجدداً
– ما أنا عارفه إنك بيزنس مان تقيل متقلقش
وبتوجس انكمشت على حالها، وهي تراه يلتصق بها يميل نحوها فتضرب أنفاسه خدها
– بتبهريني كل شوية يا حببتي
وسرعان ما كان يبتعد عنها، ينظر لهاتفه حانقاً
– اكيد الاستاذ نايم، أو مع واحده
وأكثر ما كان يخشاه أن يجد شقيقه بصحبة فتاة في شقته كالمعتاد عليه منه
………
اجتذبه الصوت الذي اكتشف مصدره بعد أن توقف فوق أول درجات الدرج، إنه صوت الراديو
سار نحو المطبخ، يستنكر الأمر في هذه الساعة المبكرة وقد عاد للتو من الخارج، بعدما قضى ليلته في شقته التي كان يقضي فيها اوقاتً كثيرة قبل زواجه منها
أصابه الجمود، وهو يراها واقفة بالمطبخ منهمكة في إعداد الكثير من أشكال المعجنات
– أنتِ بتعملي إيه يا فتون في الوقت ده
سقط كوب الدقيق من يدها، تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما أجفلها صوته
– سليم!
اقترب منها، ينتظر سماع ردها..، فأين هم الخدم لتكون هي الواقفة بهذه الساعه داخل المطبخ
هدأت أنفاسها، تنظر إليه بشوق ولهفة ثم أندفعت إليه تحتضنه
– قلقتني عليك، كنت فين كل ده.. ده الصبح طلع
احتضنته بقوة، ولكن كما أندفعت نحوه.. ابتعدت فجأة عنه تنظر لملابسه وقد لطخته بيديها، ليُطالع مكان نظراتها مبتسماً
– تعالي كملي الحضن ما أنتِ كده كده بوظتي القميص
شقت ابتسامة واسعة وجهها، ليعود لسؤاله وهو يتأمل هيئتها وما تعده
– مجاوبتنيش يا فتون على سؤالي، إيه اللي بتعملي
والجواب كانت تخبره به ببساطه
– بحضر لعيد ميلاد خديجة
وقبل أن يتفوه بشئ وقد استنكر جوابها.. اخذت تقص عليه ما اخبرتها به شهيرة
– هخليك تدوق احلى فطاير محشية
لم يكن يستوعب ما سمعه للتو منها، فوجد ما يُحشر داخل فمه تسأله متحمسه
– فاكر طعم الفطاير ديه يا سليم
وهل نسى مذاقها يوماً
– هعملك شاي، عشان تستمتع بطعمها أكتر
أسرعت نحو الموقد تعد له الشاي، فمضغ القطعة بهدوء وهو ينظر إليها مستمتعاً راضياً
– عملتي كل ده عشان خديجة يا فتون
التفت إليه، بعدما أشعلت النار تحت إبريق الشاي تنظر له وقد وترتها نظراته
– البنت مستنيه عيد ميلادها..، وممكن تزعل لو اتأجل
– لكن أنا ممكن أتصرف يا فتون وبسهوله كمان
اطرقت رأسها، وقد وصلت رسالته.. شهيرة استغلتها وهي كانت تعلم ذلك
– هو أنت مضايق يا سليم
ازدادت ابتسامته اتساعاً، يجذبها لاحضانه يمنحها الجواب
– بالعكس أنا مبسوط جدا، وكل يوم بكتشف اد إيه أنا اختارت الطريق الصح اللي يريحني
وقبلة قوية كان يُعانق بها شفتيها، يؤكد له قلبه أن تلك الفطرة والسذاجة التي تعيش داخلهم زوجته تزيده حبً بها لأنه في الحقيقة رجلاً قوياً وماكراً
وصوت خرج مصدوماً مستنكراً ما يرى
– سليم!