لمن القرار بقلم سهام صادق ج4
الفصل الرابع والعشرون
*************
رفع عيناه نحوها بإنتشاء يمسح على أنفه برفق بعدما أشتم الجرعة بأكملها.. اقتربت منه تجلس على فخذيه تُحاوط عنقه بيديها تتفرس النظر في ملامحه
– شايفاك مبسوط.. إيه رأيك في التجربة دية
التهمها حسن بعينيه ويديه أخذت تتحرك بعشوائية على جسدها
إنه يشعر بالكمال يشعر وكأنه يطير على السحاب.. لقد جرب الخمر والحشيش ولكن تلك المسماه بالبودرة لم يقترب منها يومًا
– قولتلك إن أنا شديد وجامد أوي في اي حاجة
تجلجلت ضحكتها في أرجاء الغرفة.. فحسن يفعل كل شىء من أجل أن يتحدى نفسه ولا يَدري إنه في النهاية هو الخاسر
– يعجبني فيك إنك أسد في كل حاجة يا باشا
والأسد كان يزأر وهو يحملها متجهًا بها نحو الفراش يُلقيها عليه يثبت لها إنه بالفعل أسدا.. ارتفع صوت ضحكتها الرقيعة فها هو حسن يثبت لها ما أراد الشعور به في تلك الجولة التي يرى فيها نفسه رجلًا حقيقيًا
لهث أنفاسه بعدما ابتعد عنها ينظر إليها متمعنًا ثم اِستلقى جوارها فوق الفراش وقد أحتلت أخرى ذهنه
– عملت إيه في موضوع مراتك..
واقتربت منه تحرك يدها بنعومة على خده
– انت مش بتقول إن البيه بتاعك راجل غني.. ما تستفيد من الموضوع ده
وابتعدت عنه وقد أجادت رسم العبوس على شفتيها
– ولا أنت حنيت لمراتك وعايزها
طالعها حسن بعدما عقد ما بين حاجبيه نفورًا كلما تذكر حديث صديقه عنها
– الكلبه كانت بتخوني مع البيه.. عشان كده مصمم يطلقها مني
شهقت سهر وكأنها مصدومة مما سمعت تنظر إليه غير مصدقة
– بتخونك.. مكنش باين عليها يوم ما شوفتها إنها من النوع ده
سرد لها تلك التفاصيل التي أخبره بها مسعد.. خبرتها تُخبرها أن تلك الصغيره ضحية كما كانت هي ضحية يومًا ولكن ليست مهمتها تلك الفتاة وإنقاذها كل ما يُهمها أن تجعل ذلك الراقد جوارها نهايته كالأخرين
” مدمن محطم خاسر لكل شىء كان ينعم فيه ”
– زي ما لعبت بيا هي والبيه.. هلعب بيها وهخليها تيجي تبوس جذمتي عشان أرحمها هي وابوها اللي نصب عليا في فلوس المشروع.. مشروع مكنش باين ليه ملامح وانا زي الأهبل صدقته
التمعت عينين سهر تُحدق به فكما يبدو أمامها أن حسن قد حدد خطوته القادمة.. داعبت صدره بأناملها تُحرك فيه ذلك الجزء الذي يجعله طوع بنانها
– شكلك ناويلها على نية سودة
ضحك وهو ينظر إلى موضع أناملها ثم إليها.. إستخرجت باقية الحديث منه بصعوبة ولكنها كانت أكثر من سعيدة فرحلتها معه وفي تلك المدينة قد أوشكت على الإنتهاء بعد أن تنال منه تلك الغنيمة التي سيحصدها
………..
تجمدت في وقفتها وهي تستمع لصراخ ذلك الجالس على مقعده يخفى عينيه بتلك النظارة السوداء.. عيناه التي كانت يومًا تجذب النساء أصبح الظلام يحتلهما كما احتل قلب صاحبهما
– بقى على الحال ده يا بنتي من ساعة الحادثة.. قلبي بقى يوجعني عليه.. لو ينفع اديله نور عيني مكنتش هتأخر
تقطرت الدموع من عينين المرأة العجوز.. تلك التي تعد زوجة أبيه ولكن هي من ربته واعتنت به وهو صغير
– اللي كانوا قبلك مشيوا ومستحملوش عصبيته.. حبيبي لسا متحامل على نفسه ذنب موت مراته..
ترنحت السيدة فاطمة في وقفتها تقص لها بعض المقتطفات من حياته.. حاوطتها ملك بعدما تمالكت دموعها فمن يُصدق أن من يثقل الضياع والهموم كاهلها أتت لتُساعد أحدهم.. تُساعده ليخرج من قوقعته ويؤمن أن الحياة لا بد أن تستمر وعلينا أن نؤمن أن شعاع النور سيشق طريق ظلمتنا يومًا
– مدام فاطمة أنتِ كويسه.. أخدك على أوضتك ترتاحي
مسحت السيدة فاطمة دموعها وأستجمت أنفاسها تهتف بصوت متحشرج وهي تُطالع الخادم الذي انصرف من أمامهم
– تعالي ندخل يا بنتي
حدقت بتلك الخطوات الفاصلة بينها وبينه تنظر نحو السيدة فاطمة بهلع.. إنها لا تتحمل صراخ أحدهما بها.. إنها لا تقوى على تحمل هذا.. أرادت التراجع ولكن سرعان ما كانت نفسها تُحادثها
” إلى أين سترحلين…”
التقطت السيدة فاطمة يدها بعدما شجعتها بأبتسامتها الدافئة
– متخافيش يا بنتي
تأهب في جلسته يستمع لتلك الخطوات القادمة نحوه.. لقد أخبره خادمه بقدوم تلك المرافقة التي أتت لتخرجه من حالته تلك وتعطيه دروسًا في الأمل نحو الغد مع تلك الأحاديث البارعين فيها علماء النفس وكأنه لم يكن بارع في قراءة تلك الأنواع من الكتب ذات يوم
تنحنحت السيدة فاطمة بعدما رسمت على شفتيها ابتسامة واسعة
– صباح الخير يا جسار.. عمل إيه بس كامل عشان تزعق فيه كده
– حضرته جايبلي عصير بدل القهوة..
– أنا اللي طلبت منه كده
هتفت بها ملك تنظر نحوه بترقب تنتظر ردة فعله.. التوت شفتاه في استنكار يستند بساعديه على سطح مكتبه
– سامع صوت غريب معاكي يا ماما
يعلم هويتها كما تراءى لها في عينيه.. توترت السيدة فاطمة فتلك النبرة التي يتحدث بها ولدها تعلمها تمامًا
– ديه المرافقة الجديدة يا جسار..قربي يا ملك ياحببتي
استرسلت السيدة فاطمة بمزايا ملك ومؤهلاتها وملك وقفت تترصد ملامحه المتهجمة وهو يستمع لحديث والدته عنها
– جيبالي مدرسة أطفال تهتم بيا.. وعلى كده مهمتها تحايل فيا عشان أشرب الدوا وانا ساكت
واردف وقد أصبحت عيناه تواجه تلك التي وقفت تُطالعه وهو يسخر منها
– وعلى كده هتكافأني إزاي لما اسمع الكلام.. هتديني بوسة على خدي
تعالت شهقتها من وقاحته كما تعالت شهقت السيدة فاطمة تنظر لها تُخبرها بعينيها أن لا تتأثر بحديثه فهو يتعمد لإهانتها
– جرب وبعدين أحكم يا جسار بيه.. واه أنا فعلا بعامل الأطفال بالمحايله واللين.. وبتقبل تمردهم بصبر لحد ما بنقبل بعض ويفهموا إن وجودي معاهم تبادل منفعة مش فرض عليهم
احتقنت عيناه وتصلّبت عضلات وجهه للحظة فلم يروقه حديثها الذي لا يرى فيه إلا لإثبات الشجاعة
– اطلعي بره.. بره
اتسعت عيناها ذهولًا تنظر نحو السيدة فاطمة التي قبضت على يدها تحثها على الصمت
– جسار
– ماما لو سامحتي اخرجي دلوقتي وأقفلي الباب وراكي
انصاعت السيدة فاطمة لطلبه تغلق باب الغرفة خلفها وقد تعلقت عيناها بتلك التي ترقرت الدموع في عينيها
– ده طردني وكأني جايه اطلب حسنته
ربتت السيدة فاطمة على كتفها تُخبرها بما سوف تسمعه منه يوميًا مدام إختارت العمل هنا
– حببتي جسار بيطرد كل الشغالين هنا بنفس الأسلوب والكل بقى يتقبل ده.. الكل بيفتكرله اد إيه كان إنسان جميل وحنين .. أرجوكي حاولي تتقبلي ده ولا أنتِ رجعتي في رأيك
واردفت تنظر إليها بحنان بعدما رأت التردد في عينيها فلم تعتاد على عمل كهذا يومًا.. ملك المرفهة التي لم تواجه صعوبة الحياة وكما اخبرتها ناهد إنها رحمتها من قسوة الشارع والتربية في دور الأيتام
– ده أنا أرتحت ليكي يا بنتي
وهل لديها خيار أخر حتى ترفض ذلك العمل والمأوي
ابتلعت تلك الغصة التي عاد تقتحم فؤادها وصوت ناهد يتردد في أذنيها بقسوته
” أبعدي عن حياتنا.. روحي مدينة تانية لا حد يعرفنا فيها ولا يعرفك”
……….
طالعها الجد عظيم بعدما أعطته حبة الدواء.. إنه يشفق عليها وعلى تلك القوقعة التي تعيش فيها.. يعلم أن هناك من في أعمارها أكثر نضجًا منها ولكن الحياة هي من تعلم المرء النضج وكما يظهر له منها إنها عانت حتى في منزل والديها.. هناك الكثير من الفقراء ولكن إذا نظرت لأولادهم تشعر بشبعهم وقوتهم ولكن كحال فتون الأهل يعيشون في نفس الحقبة التي عاش فيها والديهم بل وأجدادهم
– أهلك عارفين إن حسن كان مشغلك خدامة
ارتعش كفها وهي تلتقط منه كأس الماء بعدما أرتشف منه القليل
– لا يا بيه
– وليه مقولتيش ليهم
اطرقت عيناها أرضًا تتذكر تهديد حسن إليها وضربه لها
– كان بيضربك ؟
اغمضت عيناها بقوة تتذكر ما نالته تحت يديه وكيف جعلها ضعيفة مكسورة
– لو كنتي قولتي لأهلك اللي بيعمله فيكي مكنش فضل يضربك ويهينك .. الأهل سند لولادهم يا بنتي حتى لو غلطوا في حقهم
انسابت دموعها على خديها تتذكر ما كانت تخبرها به والدتها
” كل الرجالة بتضرب ستاتهم .. لازم تسمعي الكلام وهو لما يلاقيكي مطيعة وبتسمعي كلامه مش هيضربك.. فتون الست لما بتطلق مبيكونش ليها عوزة”
– إمسحى دموعك يا فتون.. وأسمعيني كويس
رفعت عيناها نحوه فرمقها الجد بنظرة حانية
– بعد ما سليم يديكي ورقة طلاقك من جوزك لازم تروحي بلدك.. أهلك لازم يكونوا عارفين حياة بنتهم وصلت لأيه ولفين.. حفيدي ممكن يساعدك بالفلوس لكن ما يقدرش يقدم ليكي أكتر من كده..
طالعته بصدمة توقعها هو .. ف الفتاة لا تُريد مفارقة حفيده وكأنها ربطت حياتها به ومعه… السيد سليم أخبارها بذلك ولكنها لم تحب تلك الفكرة.. إنها تُريد أن تظل خادمته
– بس أنا مش عايزه أسيب سليم بيه.. سليم بيه حنين وبيعاملني كويس ووعدني إنه هيساعدني اكمل تعليمي وأنجح
– حفيدي مدام وعدك إنه يساعدك.. هيساعدك يا بنتي بس لازم تعرفي إن طريقك اللي هيبدء.. هيكون من غيره زي ما هيكون من غير حسن
تعلقت عيناها بعينين الجد وقد أيقن إنها تجهل مشاعرها نحو حفيده وهذا في صالحها.. فهل حفيده سيربط مصيره بخادمة كانت زوجة سائقه
– كلمي اهلك يا فتون عشان قريب هتمشي من هنا
والكلمة أخترقت أذنيها لقد اقترب موعد رحيلها الذي لم تحسب موعده
……..
بعقد زواج عرفي كانت توقعه تلك التي جاورته على الأريكة في تلك الشقة التي استأجرها
– مكنش ليها لزوم الورقتين دول يا بيه.. ما أنت عارف أهم حاجة الفلوس في شغلنا
طالعها سليم بعدما تناول منها الورقتين ينظر إليها بتقزز وهي تمضغ تلك العلكة
– صوتك مش عايز اسمعه مفهوم…وياريت ترمي اللي ف بؤك صدعتيني
– خلقك ضيق يا بيه..
بصقت العلكة من فمها مما زاده تقزز فاردفت بتسأل بعدما تذكرت المبلغ المالي الذي أخبرها به
– هو صحيح هتديني المبلغ ده يا بيه
اجتذب يدها نحو الغرفة بعدما ضجر من حديثها.. كانت أبشع تجربة يُلقي نفسه فيه.. أراد أن يجرب ذلك النوع.. أراد أن يرى تلك المتعة التي كان يحصل عليها صفوان النجار.. حاول أن ينغمس في تلك القبلات.. يتخيل التي بين يديه خادمته الصغيرة ولكنه لم يشعر إلا بالخواء
– مالك يا بيه.. هو انت طلعت منهم ولا أيه
رمقها بنظرة قاتلة بعدما وقف يمسح على وجهه.. لم يعد يفهم حاله لم يعد يعرف ماذا يُريد.. تلك النظرة التي تطالعه بها تقتحم عقله وتتوغل في أعماقه.. لقد أحب تلك الصورة.. صورة البطل.
– هي الليلة أنضربت ولا إيه
احتدت عيناه يُطالع تلك التي مازالت تنتظره مرحبة.. اقترب منها يجذبها من فوق الفراش بقوة قد راقتها
– لا أنت شكلك جامد يا بيه بس مش مركز
ركضت من أمامه تلتقط حذائها تضم المال الذي ألقاه عليها للتو بعدما أصم صراخه بها أذنيها
تهاوى بجسده على الفراش.. وذكري بعيدة كانت تأخذه للماضي
جالس هو ورفيقة طفولته أمام تلك البحيرة الصغيرة يمضغ عود القصب الذي يفشل في تقشيره فتقوم هي بتلك المهمة بعدما ظلت تُمازحه بتلك العبارة التي يمقتها
” طبعا ابن الذوات هيعرف يقشر قصب ازاي”
” أنت هتبقى حلم كل بنت يا سليم.. أنت مش شبههم.. هتكون الأمير اللي هيحب سندريلا ويخلصها من حياتها”
تبتسم بخجل وهي تُخبره بتلك العبارة.. تحلم بنفسها إنها هي سندريلا وهو الأمير.. ”
والذكريات تعود به لما مضى
” جايب لبنت الخدامة فستان.. بتشتري من مصروفك ليها هدية”
” شايفة ابنك يا صافي.. طالع خايب ازاي.. انا مش عارف مجبنهوش ليه بنت.. ده مش عارف يضرب الولد زميله ”
– كفاية.. كفاية
نهض من على الفراش يزيل عنه قميصه.. وصورة واحدة كانت تسير أمام عينيه
– ليه ظهرتي يا فتون.. ليه شوفتك فيها
…………
تذرف والدتها دموعها تُخبرها كيف أحبت ملك كأبنة لها وكيف خدعها عبدالله.. تلك الجارة التي سألته يومًا لما يهتم بها هكذا ليُخبرها إنها يتيمة تعيش مقابل شقته وقد أوصته عليها والدته رحمها الله.. تعاطفت معها بل وودتها في بعض الزيارات وفي النهاية كانت هي المغفلة
– شوفتي يا مها شوفتي.. شوفتي ابوكي ضحك عليا ازاي طول السنين ديه
وعبارة رسلان يتردد صداها داخل أذنيها
” لو كنتي أعتبرتيها بنتك بجد عمرك ما كنتي عملتي فيها كده .. أزاي جالك قلب تطرديها.. ياخسارة يا ناهد هانم”
– حتى رسلان بقى يكرهني وشايفني وحشة.. وكل ده ليه عشان عايزاه يكون جوزك أنتِ
طالعتها مها بضياع تنظر لملامح والدتها
– فين ملك يا ماما فين أختي.. أنتِ السبب في كل اللي حصل لينا.. أنتِ السبب
…………
– فتون يا بنتي.. المشروع خسر وحسن جوزك عايز الفلوس.. عايز يحبس أبوكي يا بنتي.. إترجيه يا بنتي يصبر عليا.. ضحك عليا صاحبي قالي المشروع ده بيكسب.. بقيت مديون يا بنتي
استمعت لبكاء والدتها التي أخذت تولول على خيبتهم وسوء حظهم
– جوزك كان واخد عليا وصل أمانة .. خليه يصبر عليا ده أنا حماه.. في حد بيسجن حماه
حسن يفعلها وهي أكثر الناس دراية به.. إنفطر قلبها على حال والديها.. هاتفتهم حتى تُخبرهم بمصابها ولكن حسن وضع أهلها تحت رحمته
انقطع الأتصال.. فعلى ما يبدو أن رصيدها قد نفذ.. طالعت هاتفها والعجز عاد يحتل عينيها
صورة والدها والأصفاد مُلتفة حول معصميه وأخواتها يركضون خلفه يصرخون ووالدتها تفترش الأرض مُنتحِبة.. سقطت دموعها وهي تتخيل المشهد
نهضت من على الفراش تلتف حول نفسها تُفكر كيف ستُخلص والدها من مصيبته
– مين اللي هيساعدك يا فتون.. سليم بيه هو اللي ممكن يساعدني.. انا مستعده اكون خدامة تحت رجليه بس يخلص أهلي من حسن
الفصل الخامس والعشرون ( الجزء الأول)
********************
انتفضت من غفوتها تمسح حبات العرق المتناثرة على جبينها تحاول التقاط أنفاسها الهادرة، تنظر حولها كحال اليومين السابقين كلما استيقظت هكذا.
انحدرت دموعها على خديها وشعور الوحدة والخواء يقتحمها
إنها وحيدة هنا بل في الحقيقة هي لقيطة لا تعرف لها عائلة .. لو كانت ناهد أخبرتها إنها يتيمة لكان الأمر أرحم عليها من تلك الكلمة التي لفظتها في وجهها دون رحمة.. وبعد أن توقفت عيناها عن ذرف الدموع عادت دموعها تسيل على خديها كشلال
” ناهد” رغم ما فعلته بها مازالت تراها والدتها لم تستطيع أن تراها إلا في صورة الأم.. خمسة وعشرون عامًا قضتهما وهي لا تعرف أمً غيرها مهما كانت درجة حبها إليها وتفرقتها في المعاملة بينها وبين مها وقد فهمت السبب أخيرًا ويا له من سبب قتلها.. ليت ناهد عاملتها بأنانية طيلة العمر .. ليتها حرمتها من عاطفتها ليتها فعلت ما أرادت بها و ليت الكثير فعلته دون أن تنكشف تلك الحقيقة البشعة
” منعرفش ليكِ أهل.. أهلك رموكي في الشارع.. لقيتك على الرصيف بتعيطي من الجوع والبرد صعبتي عليا اخدتك اربيكي.. بس في النهاية إيه اللي حصل سرقتي فرحة وسعادة بنتي حرمتيها من الإنسان اللي هي حبيته حرمتيني من إني أجوزها للراجل اللي عيشت عمري أتمناه ليها.. كان لازم تعرفي في يوم من الأيام إنك مش بنتنا وإن ليكي أهل يا عالم يا عايشين ولا ميتين..”
” كاميليا و عزالدين كانوا رفضينك لرسلان لأنهم عارفين الحقيقة.. محدش هيرضي يجوز أبنه من بنت ملهاش نسب ولا أصل ”
توالت العبارات على عقلها وكأنها ترفض منحها السلام حتى في سكون الليل.. كتمت صرختها المؤلمة تعض على أناملها تتذكر اللحظة التي ذهبت بها للمشفى كالسارقة تتلفت حولها حتى لا يراها أحدًا ووقفت تنظر لذلك الراقد على سرير المشفى تتأمل ملامحه الطيبة تودعه بعينيها تُخبر حالها إنها ستظل دائمًا تحبه فلم تعرف أب غيره
ودعت أحبابها قبل رحيلها.. عبدالله، رسلان الذي تمنت داخلها أن ينعم بالسعادة فما ذنبه أن يتزوج فتاة مثلها.
نهضت من على فراشها بعدما شعرت بحاجتها لأستنشاق الهواء.. ومن حسن حظها كانت شرفتها تتمتع بمنظر بديع يُريح النفس وبساتين تنعم بالروائح الزكية المنبعثة من أشجار الليمون والياسمين
أسندت ساعديها على حافة الشرفة تتأمل النجوم التي تلمع في عتمة الليل فتغمض عينيها وتهتف باسماء احبابها بشوق
– مهما نديتي عليهم عمرهم ما هيسمعوكي..
فتحت عيناها بعدما ارتجف جسدها فزعة من ذلك الصوت القريب.. تنظر نحو صاحب الصوت تضع بيدها على قلبها لتُدرك كم هي حمقاء لعدم ملاحظتها بأن شرفتها ملتصقة بشرفته
– جسار بيه!
– الظاهر عندك أسرار وحكايات كتير يا أستاذة
لفظ عبارته وعاد بأدراجه نحو الداخل.. تعلقت بالمكان الذي كان يقف فيه للتو فأخذ جسدها يرتجف من تلك البرودة التي اِحتلته
………
– عرفت حاجة عنها يا سليم
اقترب منه سليم وقد ظهرت على ملامحه الإجابه فهوى بجسده على المقعد يسند رأسه بين كفيه
– رسلان ملك بكره تظهر هي يمكن بس مصدومة من كل الحقايق اللي عرفتها فحبت تختفي لفترة
– ملك مش هتظهر تاني يا رسلان.. ناهد هانم مرحمتهاش.. طردتها.. عارف يعني إيه.. ملك أضعف من إنها تتحمل الحقيقة.. ناهد هانم عيرتها بسنين تربيتها ليها..
اطرق سليم عينيه شفقة على حال تلك المسكينة وعلى حال صديقه ..لم يجد كلام يواسي به صديقه فقرر الصمت
– تفتكر تكون راحت فين يا سليم..
واردف وقد أمتلك اليأس قلبه
– أستخدمت نفوذ والدي وبرضوه معرفتش مكانها.. هتجنن خلاص..
– إحنا مش بندور غير ف حدود القاهره بس.. ما يمكن تكون راحت محافظة تانيه يا رسلان
التمع الأمل في عينيه وهو ينظر نحو صديقه.. إنه استبعد رحيلها بعيدًا فهو يعرف ملك عالمها محدود بهم
– تفتكر يا سليم..
– ملك مصدومة ومجروحه واللي عملته فيها مدام ناهد مش هين.. فأكيد هتدور على مكان بعيد تروحه تهرب فيه من كل الناس اللي تعرفهم
……..
– ها يا بنتي كلمتي أهلك
هربت بعينيها بعيدًا عنه فعن ماذا ستخبره.. حدق بها الجد بعدما تناول كأس الشاي خاصته يرتشف منه القليل ينتظر جوابها الذي طال
– وجودك في حياة حفيدي مينفعش يا بنتي.. لو كان ينفع الأول دلوقتي لاء.. هتكوني ست مطلقة ومش بس كده كنتي مرات السواق بتاعه.. الناس كلامها كتير .. لازم ترجعي قريتك وأهلك يعرفوا بدناءة حسن معاكي
لمعت الدموع بعينيها إنها تفهم وتعي الكثير من تفكير المجتمع.. المجتمع الذي لم يرحمها وهي فتاة.. فما الذي يجعل الفتاة ترفض عريسً في نظرهم كامل مدام لديه شقة و وظيفة ومهما كان صغر سنها فالمقولات التي توارثت عبر الأجيال مهما كان التقدم مازالت مرسخة في بعض العقول
” الجواز ستر للبنت ومسيرها في يوم تتجوز ”
” الأصغر منها بيتجوزوا..”
اطرقت عينيها حتى لا تنال شفقة الجد فيكفي ترحيبه بها في بيته حتى اليوم
– حاضر يا بيه..قولي أمتي أجمع حاجتي وأمشي من هنا
شعر الجد بالشفقة عليها… شىء داخله يجعله يخشى على حفيده وشىء أخر يجعله مشفقًا عليها
– خلي والدك يجي ياخدك بنفسه يا فتون.. وبعدين يا بنتي وعدي ووعد حفيدي ليكي زي ما هو.. هنتكفل بكل مصاريفك لحد ما تكملي تعليمك
وكم كانت تفرحها تلك العبارة ولكن ما ينتظرها لن يجعل لها رفاهية نحو أي شىء.. حسن وضع عائلتها تحت رحمته.. عليها أن تجد حلًا سريعًا فالسيد سليم لن يأتي للمزرعة هذه الأيام كما علمت من الجد صباحًا
انصرفت من أمام الجد فأخذ يضرب الأرض بعصاه.. المخاوف تزداد داخل قلبه وسؤالها الدائم عن حفيده وتلك اللمعة التي يراها في عينيها كلما جاء ذكر اسمه وحديثه الصباحي مع خديجة عبر الهاتف ازاد الأمر فهم لديهم نفس الشكوك
سليم متعاطف مع الخادمة بطريقة غريبة على رجل مثله
– يا ترى يا سليم عطفك عليها شفقة زي ما قولتلي ولا عايز تورط نفسك في حاجة تانية
………
وقف حازم يرمقه بنظرات فاحصة بعدما أعطاه تلك الأوراق التي أرادها لقد تم رفع قضية الخلع وكل شئ أصبح جاهز
– مفضلش غير إمضتها والقضية بسهولة نقدر نكسبها.. علاقة حسن بالرقاصة وتعاطيه للمخدرات غير إنه بقى عاطل عن العمل واللي هيسهل الموضوع أكتر البنت لسا قاصر
طالع الملف الذي يحتوي على جميع الإثباتات يهز رأسه وهو يسمعه
– آيات هتمسك القضية ديه يا حازم.. خلينا نشوف قدرتها بتاعت الطبقات والوسايط
أبتسم وهو يتذكر تلك المحامية الجديدة التي أنضمت إليهم مؤخرًا.. ورغمًا عنه تحولت ابتسامته لضحكة مجلّجلة صدحت في الأرجاء.. فشاركه سليم الضحك وهم يتذكرونها عندما أتت ضمن العديد من المرشحين وشجارها مع مدير الموارد البشرية
انتهت وصلت الضحك التي اخرجتهم من جمودهم ولكن سرعان ما عادوا لجمودهم
– سليم أنت متأكد من اللي بتعمله
رفع عيناه نحوه فتلك النظرة التي يراها في عينين حازم نفس النظرة التي رأها في عينين خديجة وجده
– متأكد يا حازم
– سليم أنا مقصدش أدخل في قرارك.. بس ديه مرات السواق بتاعك عارف يعني إيه.. يعني سهل جدًا حسن يتهمك إن كان بينك وبينها حاجة
انتفض حازم في وقفته ينظر صوبه بعدما ضرب سطح مكتبه بكل قوته
– ده أنا أوديه ورا الشمس لو قال حاجة في شرفها
استجمع حازم أنفاسه التي هدرت ينظر نحو الذي تغيرت معالم ملامحه
– سليم أنا بقول اللي ممكن يحصل ولازم تفكر فيه
ولكن تلك النظرة التي رمقه بها جعلته يتراجع في حديثه ويصمت
– اللي يريحك يا سليم أعمله
انصرف حازم لتتعلق عيناه بخطواته إلى أن أغلق باب الغرفة خلفه.. هوى بجسده على مقعده يرخي رابطة عنقه ليأخذه عقله إليها.. شرد في حلمه ليلة أمس بها.. تذكر كيف كانت بين ذراعيه يجمعهما شعورًا لم يشعر به من قبل.. القبلة كانت حانية ولمسته لها كانت مختلفة
نفض رأسه وضحك على حاله
– حالتك بقت خطيره يا سليم.. بتحلم بالخدامة لا وكمان حتت عيله عمرك ضعف عمرها
………
– أنت متأكد من المعلومات ديه يا حسن
مدد حسن ساقيه على الطاولة ينظر نحو سهر وذلك الرجل الذي جاءت به.. إنه يشعر بالفخر بنفسه وذكاءه
– أنتِ ناسية أني كنت سواق البيه ومن قبله أبويا الله يرحمه كان سواق عند العيلة ديه
والتقط كأس الماء يرتشف منه ثم مسح على فمه ينظر نحو ذلك الرجل الذي لا يعجبه ولكنه مضطر لتحمله
– بكرة فلوس المحاصيل بتروح لعظيم بيه وتاني يوم بيوديها البنك مع المحامي
واعتدل فى جلسته يفرد تلك المرة ذراعيه على ظهر الأريكة ويرتخي بظهره للخلف
– يعني فرصتنا بكرة.. ومن حظنا إن المزرعة مش بيحرسها غير غفير سجارة حشيش تبسطه وتخليه ينسى شغله والعمال هناك بيناموا من بدري…
وضحك متهكمًا وهو يتذكر ذلك الجد الذي يشبهه حفيده
– مرضاش يأمن المزرعة.. الباشا مطمن عشان وسط أهله وناسه.. يعني العملية ديه في جيبنا
– حسن بلاش الثقة الزايده.. ديه عملية سرقة كبيره يعني فيها بوليس ودول مش أي ناس فكل حاجة لازم تكون مدروسة
جذبها حسن نحوه يُسلط عيناه نحو شفتيها المطلية بذلك اللون الذي يثيره
– بتشكي في سونه حياتك يا سهر.. مش عيب
انتقلت يداه على جسدها.. فاشاح الجالس عينيه بعيدًا عنهما.. دفعته سهر على صدره تمسح فوق شفتيها حانقة وتعدل ثوبها
– بعدين يا حسن.. خلينا دلوقتي في المهم.. العملية بكرة يعني مش قدامنا كتير
……….
وقفت أمامه ترتجف من الخوف.. إن هذا الرجل يشعرها وكأنه أسد ينتظر سقوط الفريسة تحت قدميه ثم ينهشها بأسنانه
دار حولها فضمت سترتها حول جسدها ورغم عدم برودة الجو تلك الساعة إلا إنها شعرت بالبرودة تدب في أوصالها.. لقد فهمت لما من اتوا من قبلها لم يكملوا في رفقته إلا أسبوعًا واحدًا ورحلوا دون أن يلتفوا وراءهم
– بنت من عيلة كبيرة ليه تهرب من أهلها
تعلقت عيناها الجامدتين به كما وقف هو ثابت في مكانه يترقبها من صوت أنفاسها التي أخذت تتعالا
– تفتكري أنا ممكن أسيب حد في بيتي هربان من عيلته
خرج صوتها أخيرًا بعدما ابتلعت لعابها ورطبت حلقها
– ورقي فيه كل المعلومات.. مكنش ليه لازمة تعمل تحريات يا حضرت الظابط
صدحت ضحكته مبتعدًا عنها وقد أخذته قدماه نحو صورته المعلقة على الجدار وهو يُكرم من رؤساءه
– كويس إنك عارفه مهنتي قبل ما أكون عاجز.. عشان تعرفي إن جسار الجمال مش مغفل
– أنت تقصد إية
التف نحوها ومن تلك النظرة الساخرة التي أحتلت عينيه عرفت الإجابة التي تمنت ألا تسمعها
– بنت ربوها ناس أغنية وبعدين طردوها من بيتهم.. تفتكري ممكن أفكر ف أية
– انا مسمحش ليك تكلمني كده ولا تتهمني بالطريقة ديه
رمقها متهكمًا مُتلذذًا بسماع نبرة صوتها المرتعشة
– بقى واحده من الشارع تقولي أنا مسمحش.. بيتي مش لأمثالك والله أعلم مخبية وراكي إيه
– جسار
صرخت السيدة فاطمة تنظر نحوه وقد لمعت عيناه بالنصر فقد حقق ما أراد
– أنا عارفة كل حكاية ملك يا جسار.. مش من طبعك تجرح الناس حتى لو عايزها تطفش قولها أمشي بالذوق بس ذنبها إيه تتهمها إتهام باطل
احتدت عينيه ورغم علمه بقسوة حديثه إلا إنه رفض أن يعترف بفداحة حديثه
– البنت ديه تمشي من هنا
انصرف بخطوات يعرفها لتتعلق عينين ملك بتلك السيدة التي فتحت لها ذراعيها
………..
عادت ناهد تجر أذيال الخيبة خلفها.. لقد تركها عبدالله وعاد لحارته وشقته القديمة.. عاد لذكرياته ورائحة أحبابه
اقتربت من غرفة مها التي لم يعد يعجبها حالها منذ أن عادت من رحلتها
توقف لسانها عن الهتاف باسمها كما تيبست قدماها أمام غرفتها تستمع لصوت شهقاتها وحديثها مع صديقتها
– أنا ضيعت يا فريدة.. ماما لو عرفت ممكن تروح فيها.. أنا مش عارفه عملت كده أزاي كنت سكرانه ومش حاسة بنفسي.. عرفت من ريسيبشن الفندق إنه سائح إيطالي
– اهدي يا مها وكفاية عياط.. اللي حصل حصل … قوليلي هنعمل إيه دلوقتي
التقطت مها كفيها بعدما مسحت دموعها تستنجد بها
– مش أنتِ قولتيلي إن صديقة كريمان بنت خالك عملت علاقة مع واحد ضحك عليها وقبل ما تتجوز عملت عملية ترقيع غشاء البكارة
انتفضوا من مكانهم بعدما استمعوا لذلك الشىء الذي سقط خارجًا
– شكل حد سمعنا يا مها
اسرعت فريدة نحو الغرفة لتقع عيناها على جسد ناهد المُلقى على الأرض شهقت مذعورة تصرخ باسمها
– طنط ناهد.. طنط ناهد ردي عليا
تجمدت عينين مها على جسد والدتها تصرخ هي الأخرى
– ماما.. ماما ردي عليا يا ماما
…..
– خالتك مالها يا رسلان.. خالتك كانت عندي النهاردة وكانت كويسة مكنش فيها حاجة.. رد عليا
احتضن والدته يُطمئنها
– ماما حاولي تتمسكي قبل ما تدخليلها هي عايزاكي.. هتكون كويسة متقلقيش
ابتعدت عنه تمسح دموعها
– مش حاسة يا رسلان.. الحلم اللي شوفته امبارح بيقولي إن فيه حاجة وحشة هتحصل
التفت حولها تبحث عن مها
– هي مها راحت فين يا بني.. البنت شكلها مش عجبني.. روح شوفها لتعمل في نفسها حاجة
دلفت الغرفة تشعر بثقل وهي تتحرك نحوها..تُجاهد في تمالك دموعها التي خانتها وأخذت تنهمر على خديها
– ناهد قومي يا حببتي متزعليش مني.. أنا عارفه إن كلامي معاكي الصبح ضايقك وأنتِ فيكي اللي مكفيكي.. أنا أسفه
فتحت ناهد عينيها تُطالعها والدموع تتساقط منهما
– ملك يا ناهد.. أنا أزاي نسيت إن في يوم قررت أربيها و ربنا عوضني بحلم الأمومة واداني النعمه اللي فضلت أتمناها منه.. أنا بقيت وحشه
التقطت كاميليا كفها تمسح عليه برفق
– ناهد بلاش تعيطي قومي بس بالسلامة يا حببتي وندور عليها
– لما ترجع اطلبي منها تسامحيني قوليلها إن كنت أنانية.. قوليها إني مكملتش معروفي للأخر وخسرت
– حببتي أقولها إيه أنتِ اللي هتقوليلها وهترجعوا عيلة واحدة من تاني
ومازحتها حتى تجعل ذلك الشعور يُطرد من داخلها
– ويا ستي لو على رسلان نرجعه تاني لندن يروح يشوفله خوجاية يتجوزها
– لا.. لا يا كاميليا
لفظتها بصعوبة تقبض على كف شقيقتها
– لو عايزة تريحيني خلى رسلان يتجوز مها.. هاتي المأذون يا كاميليا مافيش وقت.. مافيش وقت
ورفعت يدها حتى تقبلها.. تتوسلها وكأنه أخر رجاء لها في الدنيا
– اخر طلب هطلبه منك يا كاميليا.. لو عايزه تريحيني اعمليلي اخر حاجة نفسي فيها
……..
تعلقت عينين الجالس جواره به ينتظر منه إشارة رأسه بأن اللحظة قد أتت.. ارتجفت يدين حسن وساقيه يُريد التراجع
– أنا بقول انتقم من الباشا في حاجة غير ديه
– إحنا هنهزر يا خويا
رفع الرجل سلاحه نحو صدره.. فازدرد حسن لعابه يُطالع الطريق أمامه بخوف
ترجل حسن من السيارة يُحاول أن يستجمع شجاعته يتذكر كرهه لتلك العائلة ولما لا يكون سيد مثلهم ولديه المال
لمعت عيناه وهو يتخيل حاله صاحب متجر كبير
تحرك أمام الرجل بثقة فهو يعلم طريقة من تلك الجهة التي تُسهل الدخول للمزرعة
والخطوات كانت تقترب..
الفصل الخامس والعشرون (الجزء الثاني)
******************
تتقلب على الفراش يمينًا ويساراً تستجدي النوم ولكنه كان أبعد عنها تلك الليلة.. أبدلت وضيعة نومها حيث أصبح ظهرها مفرود بإستقامة على الفراش.. حاولت وحاولت ولكن في النهاية نهضت تزفر أنفاسها تُطالع الحقيبة الصغيرة التي وضعتها جانب الخزانة .. فغدًا سترحل من هنا.. الجد حسم قراره الليلة.. أغمضت عينيها تمنعهما من ذرف المزيد تتذكر قبل ساعات عندما وقفت أمام حجرة الجد كي تخبره بالحقيقة التي تمنعها من العودة لوالديها
والمشهد يعود بتفاصيله أمام عينيها والعبارة تتردد في أذنيها
” مساعدتي ليكِ يا فتون ولأهلك قدامها مقابل.. تبعدي عن حفيدي”
لم تفهم عبارة الجد ولكن الجد كان رجلًا صريحًا للغاية قد علمه الزمن الكثير
” أنتِ صغيرة وحلوة يا بنتي وحفيدي راجل عازب .. إنخراطك وتجاوبك معاه في المشاعر مهما كانت براءة نيتك ناحيته فالشيطان أقوى منكم ”
الجمتها عبارات الجد وقد شحبت ملامحها وسرعان ما أدركت مقصده.. خرج صوتها مهزوزًا
” هو أنا عملت حاجة غلط يا بيه .. سليم بيه بيعاملني كويس عشان يعني..
عضت فوق أناملها حتى تتحمل مرارة تلك الكلمات
” سليم بيه بيعطف عليا.. شايفني حالة تستحق الشفقة زي ما بيعمل ما أي حد محتاج لعطفه ”
رمقها الجد بنظراته العميقة يضرب بعصاه أرضًا كما اعتاد كلما أراد إتخاذ قرارًا
” بكره الصبح هديكي الفلوس اللي تسدي بيها وصل الأمانة.. وبكده عيلتك مش هتكون تحت رحمة حسن.. وهتكملي تعليمك .. هتبلغي سليم إنك مش عايزة تتعلمي ومش عايزه إحسانه وشفقته من تاني وكفاية عليه إنه خلصك من حسن وبكده انتهى دوره من حياتك..”
تعلقت عيناه بها يترصد خلجات نفسها الواضحة على ملامحها
” هتفضلي طول عمرك في نظر حفيدي حتت خدامة.. يوم ما هيفكر فيكي هتكوني مجرد متعة ”
بهتت ملامحها وتسارعت أنفاسها… فكلمات الجد قاسية، بررت له صورته
” سليم بيه عمره ما هيأذيني.. سليم بيه طيب..أنا عارفه أني خدامة يا بيه والخدم مينفعش يبصوا على أسيادهم..”
ولكن الجد لم يكن يُريد سماع المزيد نهض من مجلسه وسار بضعة خطوات.. توقف لثواني وإستدار على عقبيه يُطالعها قبل أن يتجه نحو غرفته
” عايز ردك عليا الصبح يا فتون.. والعرض مش بيتقدم غير مره واحده.. ”
فاقت من شرودها على ذلك الألم الذي لم تستطيع تحمله مسحت على بطنها لعل الألم يهدء ولكن الألم كان يزداد.
نهضت من على الفراش بصعوبة تضم بطنها بذراعيها تخرج من غرفتها وتسير عبر الردهة المظلمة.. تيبثت قدماها وتراجعت للخلف تكتم صوت شهقتها وتحملق بعينيها بالصورة المنعكسة نحو خيال أحدهم .. أرتعشت أطرافها وصوت شئ يسقط بقوة على الأرض.. أرتجف جسدها وعادت عيناها تتسلط نحو الجهة التي تقع بها حجرة الجد.
استجمعت أنفاسها المتلاحقة من شدة الخوف تحسم قرارها..
تلتف حولها ذعرًا تحمل تلك الأنتيكة التي وجدتها في طريقها تخبر حالها كي لا تتراجع
” ده جد سليم بيه يا فتون.. الناس ديه ساعدتك كتير.. لازم تردي ليهم معروفهم قبل ما تمشي”
…….
توقف عن الركض ينظر خلفه وقد سقطت الحقيبة من يده يُحاول إلتقاط أنفاسه المسلوبة.. توقفت تلك الدراجة النارية ورفع صاحبها تلك الخوذة عن رأسه.. ولم يكن قائدها إلا سهر
– اركب بسرعة يا أشرف، البوليس زمانه على وصول
استجاب لها وهو يلتقط أنفاسه يلتف حوله
– خد إلبس ديه
وضع الخوذة على رأسه.. لتنطلق سهر بأقصي سرعة
– كويس أنك عرفت تخدعه وتسبقه.. خليه يشيل الليله
وصدحت صوت ضحكتها مع تزايد سرعة الدراجة.. فاخيراً تخلصت منه وكانت هي الرابحة
……………
تسارعت دقات قلبها وهي ترى الجد منبطح على وجهه فاقد الوعي.. صرخت بفزع عندما شعرت بإحدهم يكبلها من الخلف
لم تستطيع الصراخ فقد كتم صرختها بكفه.. قاومت بضراوة إلى أن أستطاعت التحرر منه.. لينظر نحو كفه والدماء تسيل منه يسبها بإبشع الألفاظ بعدما قاوم آلمه يدفعها نحو الحائط ويضرب رأسها به
أغمضت عينيها وقد تشوشت الرؤية أمامها ولكن صوته كانت تعلمه إنه هو.. حسن زوجها
– حسن!
تجمدت عينيه .. لقد كشفته تلك اللعينة رغم إنه يخفى وجهه بذلك القناع الذي لا يظهر إلا عينيه ويجعل صوته مكتومًا
تملكها الدوار بشدة فترنحت والدماء تسيل من جبهتها ومازالت تردد اسمه..
لم يعد لديه متسع لقد جمع تلك المجوهرات التي يحتفظ بها الجد اللعين الذي أعاق هروبه خلف شريكه
استجمع شتاته يجثو قربها بعدما سقطت على الأرض
– مدام عرفتيني يبقى أنتِ الجانية على نفسك يا فتون..
واردف متوعدًا
– مصير أبوكي السجن وأنتِ هتحصليه بعد ما البسك تهمة السرقة
حاولت رفع رأسها ولكنها فقدت قدرتها من شدة الضربات
كان يعرف طريقه تمامًا.. كان سعيد بتلك الغنيمة التي حصل عليها كلما اقترب من موقع السيارة وذلك الشريك الذي ينتظره
ولكن كل شىء تحول في لحظة.. سيارات الشرطة تقترب وهو يقف يُطالع الطريق من كل الجهات
– اه يا بنت ال.. بعتيني يا سهر
………
تهاوى حسن على المقعد وهو يلهث بأنفاس متقطعة ومسعد يقف أمامه يُحدق بتلك الحقيبة التي سقطت من يده عند دخوله
– ايه ده يا حسن؟
ثم تعالت الصدمة على ملامحه ينظر إليه
– أوعى تقولي إنك سرقت سليم النجار زي ما قولتلي.. يا نهارك أسود
وأخد يُولول كالنساء مُقتربًا منه
– وجاي عندي عشان توديني في داهية معاك.. يا شيخ ملعون أبو صحبيتك اللي تودي في داهية
ضجر حسن من عويله ونهض يدفعه على صدره نحو الجدار
– ما تسكت شويه وخليني أفكر هخفي الحاجة فين.. مش كفايه سهر الكلب خانتني هي والراجل بتاعها.. أه يا بنت.. بقى تضحكي عليا أنا وتبلغي عني الحكومة
– البوليس .. لا لا لا مش هروح في داهية أنا… خد حاجتك وأمشي من هنا
التقط مسعد الحقيبة يدفعها نحو باب الشقة كحال صاحبها لتسقط مرتطمة في الأرض يتناثر حولها تلك القطع التي جعلت عينين مسعد تتسع على وسعهما ويجثو على ركبتيه يلتقط إحدى القطع
– العقد ده ألماظ مش كده
التمعت عينين حسن بعدما رأي الإنبهار في عينين صديقه.. هندم ملابسه يُسرع نحو الحقيبة ينتشلها من أمامه
– ما كنت من شوية خايف.. عمومًا يا صاحبي انا كنت جايلك عشان نتصرف في الحاجة ونخبيها لحد ما الدنيا تهدا ونقسم الحاجة سوا
وابتعد بالحقيبة يوهمه إنه سيغادر ولكن مسعد سرعان ما قبض على ذراعه يهتف به
– أنا عندي مكان نخبي في الحاجة ولا اللهو الخفي يعرف طريقها
………
تجمدت عينيه نحو جسد جده فاقترب منه الطبيب يربت على كتفه
– أربعة وعشرون ساعة لو عدي مرحلة الحظر هيكون كويس.. للأسف الخبطة كانت قوية عليه
إنصرف الطبيب نحو وجهته تاركًا إياه يُحدق في الراقد أمامه يقبض على كفيه بقوة يتوعد لمن الفعل الأمر
أخذته قدماه إليها بعدما تمالك ذلك الإحساس الذي أحتلي قلبه منذ أن علم بخبر الحادث
تأمل وجهها وتلك الضمادة البيضاء التي تلتف حول جبهتها.. تحركت أنامله نحو وجهها يلمسه وقد لمعت عينيه بوحشية ووعيده يزداد نحو الفاعل
فتحت عينيها بصعوبة ومازالت الرؤية مشوشة أمام عينيها تهتف باسم الجد
– عظيم بيه.. عظيم بيه
– فتون متتحركيش عشان جرح راسك
تعلقت عيناها به فانحني هو صوبه
– عظيم بيه.. ضربوه.. معرفتش اعمله حاجة
– اهدي يا فتون.. بلاش حركة قولتلك
ابتلعت لعابها وبدء الصداع يداهمها بقوة لا تتحملها والتفاصيل تعود لتسير أمام عينيها
غادر سليم حجرتها بخطوات سريعة كي يجلب الطبيب من أجل معاينتها.. فعادت لغفوتها هاربة من الحقيقة التي اقتحمت عقلها
” حسن هو السارق ”
……..
لم يستطيع سماع تلك المباركات التي تهاوت على مسمعه.. ولا بتردد تلك العبارة التي مازال صداها في أذنيه
” قبلت زواجها”
لقد تزوج مها وضاعت ملك من يديها وأنفطر القلب على محبوبته وضاع الحلم
مذاق العلقم كان في حلقه.. الدموع غشت عينيه وهو يهوى بجسده على المقعد الخشبي خارج المشفى
لماذا أحب.. لماذا ذاق مرارة الحب.. إن مرارة مذاقه صعبة للغاية صعبة لدرجة مميتة
– كل الطرق كانت ضد حبكم يا رسلان من البداية.. محدش بيعاند قدره يا بني.. خالتك روحها متعلقة بجوازك من مها
نكس رأسه فلم يعد لديه قدرة لسماع المزيد
– الأعمار بيدي الله يا بابا.. خلاص أنا عملت اللي أنتوا عايزينه وماما عايزاه.. اظن إن مهمتي خلصت
نهض من على المقعد يجر خطواته يزيل عنه معطفه الطبي يُلقيه خلفه..
وقف عزالدين يُطالعه مُتحسرًا لقد حاول مساندته في البداية ولكن كما نحن نؤمن ” كله مقدر ومكتوب ”
……..
اغمضت ناهد عينيها تهرب من نظرات عبدالله اللائمة قبل أن يُغادر الغرفة ويبتلع غصته.. سالت دمعته من بين جفنيه ينظر نحو أبنته التي وقفت في الخارج باكية وصوت شهقاتها يتعالا
اسرعت مها نحو غرفة والدتها تجثو على ركبتيها وتلتقط كفها
– ليه عملتي كده يا ماما.. ليه ؟
اشاحت ناهد عينيها عنها بعدما رمقتها بنظرة قاسية
– روحي أعملي العملية.. قبل ما تفضحينا مع ابن خالتك
– رسلان لازم يعرف الحقيقة..
نفضت ناهد كفها تنظر إليها بوعيد
– رسلان لو عرف الحقيقة هيطلقك في ساعتها.. مش بعد ما أعمل كل ده عشانك تضيعه
وعادت تضع بيدها على قلبها متصنعة المرض كما تصنعت الموت الليلة الماضية ونالت خوف شقيقتها.. وكاميليا كانت أضعف من أن تتحمل أن ترى شقيقتها الوحيدة في تلك الصورة.. أجبرت رسلان وضعت أمومتها أمام زواجه من مها وقد تم كل شئ
– لو فضحتي نفسك يا مها مش هتكوني بنتي ولا أعرفك
………..
تعلقت عينيه بالجِزْدان وتلك البطاقة التي ظهرت فيها صورة صاحبها .. قبض بيده على البطاقة بقوة وشعورًا واحدًا كان يمتلكه ” الغضب ” من كان يُعامله وكأنه ليس مجرد مستخدم لديه من كان يمد له يده بالمعروف عض يديه
” حسابك تقل أوي يا حسن..”
طالعه الحارس بنظرة فرحة فأخيرًا قد أكتشفوا من وراء جريمة السرقة .. صحيح أن الشرطة علمت بالسرقة وقد فر منهم السارق تلك الليلة ولكن من أتصل وأخبرهم بالجريمة لم يصرح باسم السارق وتخلص من خط هاتفه ولكن الحقيقة قد بانت ولكن الكابوس لم ينتهي فالجد حالته لا تبشر بالخير
– والله يا سليم بيه الكل زعلان على اللي حصل.. عمرها ما حصلت يا باشا.. الكل هنا بيحب الجد.. ربنا ينتقم منك يا حسن كنت هتضيع البيه الكبير
ورفع الرجل يديه عاليًا يدعو للجد بالشفاء
– ربنا يشفيك يا عظيم بيه وترجع تنور المزرعة من تاني
انصرف الحارس بعدما شعر أنا وجوده وثرثرته قد طالت
اغمض عينيه يخفى خلف جفنيه المغلقين تلك النيران المشتعلة
……
– البنت ديه ليه لسا قاعده هنا.. ولا هي فاكره إن بيتي ملجأ ليها
اقتربت منه السيدة فاطمة بعدما وقفت صامته للحظات تنتظره أن يفرغ غضبه
– والناس ذنبهم إيه تطلع غضبك عليهم يا جسار
– قصدك إيه يا ماما.. أني بقيت إنسان معقد ومريض
مسحت على ظهره بحنو وانسابت دموعها على خديها
– الدكتور أتصل بيا قالي إن حالتك أتوافق عليها وبقي في أمل إنك ترجع تشوف من تاني
تجمدت عينيه يتحرك بعشوائية حول نفسه.. فضمت كفيه بكفيها
– قبل ما تقولي إنك تستحق تفضل أعمى طول عمرك.. لازم تعرف الحقيقة يا جسار
حاولت الثبات قدر المستطاع حتى تظل صورتها الدائمة في عينيه.. إمرأة قوية لا يهزمها شئ ولكن المرض يهزم المرء دون إستطاعته
– الأدوية مبقتش تعمل مفعول يا جسار.. حالتي بدأت تتأخر.. مش هفضل طول عمري جانبك
– أدوية إيه؟
نطقها بلهفة يرفع كفيه يبحث عن وجهها.. فاندفعت لحضنه تضمه بكل قوتها وحنانها
– بعد الحادثة بتاعتك أكتشفت إني مريضة كانسر.. حالتي بتتأخر ومافيش أمل
دار حول نفسه لا يستوعب شئ.. إنه يحترق من الداخل.. صرخ بكل قوته.. هل سيفقد كل ماهو غالى عليه دائمًا
– في أمل أكيد.. نسافر برة.. هنلف العالم كله..
عاد لثباته الواهي يبحث عن كفيها يلتقطهما باكيًا
– ماما ردي عليا..
شاركته بكاءه لم ترغب في إخباره بتلك الحقيقة ولكن لم يعد لديها متسع.. لابد أن تجعله يعود كما كان.. لا أحد سيكون جوار صغيرها إذا رحلت
– أتجوز يا جسار.. لازم تتجوز يا بني.. اتجوز عشان أرتاح
………
دلفت إليه تحمل بين أيديها بعض الكتب التي كان يعشقها.. قد علمت ذلك من خادمه المخلص.. التقطت أنفاسها تستعد لتلك الحرب الطاحنة التي يشنها عليها ولكن مهلًا تلك السحابة من الدخان تكتم أنفاسها
جالس هو على مقعده يُدخن بشراهة.. ولكن رائحة الدخان كانت غريبة عليها.. سعلت بشدة تقترب من مكان جلوسه
– سيد جسار…
لم تستطيع لفظ المزيد لتعود لسعالها
– لو سامحت كفاية شرب سجاير
التف جسار بمقعده يُحاول النهوض من عليه حتى استطاع تثبيت قدميه
ترنحه جعلها تتراجع للخلف.. سقطت الكتب من يديها وتعالت شهقتها تنظر نحوه ذعرًا بعدما أجتذبها من ذراعها
– تاخدي تجربي.. يمكن تنسى إن أهلك مطلعوش أهلك
– أبعد أيدك عني… أنت مش في وعيك..
دفعته بكل قوتها ولأول مرة تكون شجاعة بحياتها.. وقف مصعوقًا من صفعتها وقد تحجرت عينيه بوحشية
– فوق بقى.. عندك أمل تخف لكن بترفضه.. عايز تفضل بين أطلالك عاجز وحيد….
واغمضت عينيها تتذكر حقيقتها التي بات يخبرها بها يوميًا حتى جعلها تحفظ من أين أتت
– حقيقتي خلاص أنا عرفاها بنام وأصحى وأنا عارفه إني من الشارع لا أب ولا أم.. مبقتش محتاجة أسمعها منك…وليك الفضل طبعا خلتني أقتنع بالحقيقة اللى رفضتها
صفقت بيديها له ومازالت عيناه جامده نحوها يضم عقب السيجارة بكفه ويضغط عليه
جثت على ركبتيها تحمل الكتب التي سقطت منها
– متخافش همشي من هنا قريب .. بس أعرف طريقي هبدءه أزاي ومن فين.. حاول تستحمل وجودي
ووضعت الكتب على سطح مكتبه وانصرفت بخطوات سريعة تمسح دموعها التي أغرقت خديها.. سترحل من هنا قريبًا.. فلا طاقة لديها لتحمل المزيد ولولا الحاجة التي تُجبر المرء ما كانت لتتحمل
……..
– خلاص يا باشا.. أنا هقولك مكانه.. بس أبوس أيدك إرحمني
لفظ بها مسعد بعدما سقط أرضًا يلتقط أنفاسه
– حتى مكان المجوهرات هقولك عليها… بس أنت وعدتني يا باشا مش هلبسها معاه
أخبره بمكان حسن وبكل شئ يهرب بعينيه من شدة الخوف..طالع سليم صديقه المقرب ورجاله
– عمار ممكن تستناني برة
أماء عمار برأسه يُشير لرجاله بالخروج
– فتون كانت تعرف؟
سؤال كان واضح.. سؤال يُريد إجابته أكثر من أي شئ.. جده هذا الصباح عندما أفاق أخبره بما سمعه قبل أن يتلاشى كل شئ حوله
” سمعت اسم حسن منها وبعدها محستش بحاجة يا سليم”
الشك يتلاعب به… عقله يخبره لما لا تفعل هذا وقلبه يُطالبه بعدم التصديق
اطرق مسعد عينيه
– معرفش حاجة يا باشا.. بس حسن قالي إن فتون شافته
اظلمت عينيه.. جده لم يُخطئ…فتون أنكرت أمام الشرطة رؤيتها لأحد
قبض على كفيه بقوة.. لأول مره يُخدع من إمرأه وعن أي إمرأة يتحدث خادمته الصغيرة
خرج من الغرفة التي أحتجز فيها الرجال مسعد.. يشير إلى صديقه أن يُكمل ما اتفقوا عليه
……..
سقط كأس الماء من يدها بعدما التقطته من على الكومود.. ارتجفت يديها تنظر نحو الزجاج المنثور تشعر وكأن الهواء ينسحب من رئتيها.. خرجت راكضة من غرفتها لا ترى أمامها..تراطم عنيف حدث لتتتأوه من شدة الألم تسقط أرضًا كما سقط هو الأخر
– أنتِ كويسة
صوت تنفسها العالي ثم بكائها كان لا يُبشر بالخير.. ازداد قلقه فهو المخطئ.. فهو من كان يسير شاردًا يفكر في حقيقة مرض والدته
– أنتِ كويسة… ردي عليا
هتف عبارته يتحرك على ركبتيه يُحاول أن يُحدد مكانها.. قبض فوق ذراعيها يتنفس براحة
– في حاجة حصلتلك.. ردي عليا
ازداد نحيبها حتى فقدت القدرة على إلتقاط أنفاسها
– كفاية عياط وردي..
– أنا كويسة…
لفظتها بصعوبة تُحاول النهوض والعودة لغرفتها
– صوتك مش بيقول كدة…
الشعور السئ كان ازداد ولم تشعر إلا وهي تمسك يديه الأثنين بقوة
– فيه حاجة وحشة هتحصل… حاسة أني بتخنق
– إهدي وأتنفسي براحة.. متخافيش مافيش حاجة وحشة
الشخص الذي كان جالس جواره لم يكن ذلك الرجل الذي عرفته في الأيام القليلة التي عملت لديه.. يُخاطبها برفق يُهدء من روعها..
……..
وقع الخبر على مسمعي الجميع صدمة… عبدالله رحل وفارقهم
سقطت الحقيبة التي تحملها كاميليا تنظر نحو حالة شقيقتها
– قوليلى إنهم بيكدبوا يا كاميليا… قوليلي إنه كدب… عبدالله مامتش… إنتوا كنتوا مستنين أنا أموت مش هو
سقطت دموع كاميليا ولم تكن تُصدق هي الأخرى الخبر
– عزالدين قالي إن المكوجي لقاه ميت في شقته في الحارة
– عبدالله مش ممكن يسبني…. عبدالله مش ممكن يسيب ناهد
استندت مها على الجدار تكتم شهقتها.. تنظر نحوهم والدموع تغرق خديها
…………
– عملت كده عشان بكرهك.. أبويا طول عمره عايزني أكون زيك .. طب إزاي أكون زيك وأنت ابن الباشا وأنا ابن السواق
لفظها بكل راحة يزفر أنفاسه يُطالع نظرات عينيه المصدومة يستطرد حديثه
– فتون طلعت أصيله ومبلغتش على جوزها
مسح على شاربه ينظر لذلك الذي أظلمت عيناه.. وارتسمت على وجهه ابتسامة منتشية بعدما حقق مراده
– سليم باشا عرفت تخدعه مرات السواق.. شوفت الزمن يا باشا
لم يتحمل سليم سماع المزيد فنهض يقبض على طرفي قميصه يدفعه نحو الحائط في تلك الزنزانة الكريهة.. ولكن حسن وكأنه وجد فرصته
– لولا مسعد الخاين اللى باعني وعرفك طريقي كان زماني أنا وهي سوا بنتمتع من خيرك.. أومال يعني هشغل مراتي خدامة من غير هدف ياباشا
سقط حسن على أثر تلك اللكمة القوية التي نالها للتو… وعاد يلتقطه مجدداً يُخرج فيه غضبه بأكمله
– أخرس يا زبالة..هدفعك التمن أنت وهي
تعالت ضحكات حسن.. ليدلف الضابط ينظر نحو سليم ويجذبه نحو الخارج
– سليم كفاية كده… هينال عقابه
– نتفق يا باشا وأديهالك تعمل كل اللي نفسك فيه
هتف بها حسن ينظر نحو سليم الذي عاد يلتف إليه…
……..
سقطت دموعها وهي تستمع لعبارات المواساة من السيدة فاطمة.. اليوم علمت لما كان شعورها القاتل منذ يومين.. لقد مات الرجل الذي أحبته ورباها وكأنها أبنته
– مكنتش عايزة أبلغك يا بنتي.. أنا أسفة
وصمتت السيدة فاطمة لثواني تستجمع باقية حديثها
– أختك أتجوزت رسلان
نار بل نيران كانت تنهش فؤادها نهضت عن مقعدها تقبض على قماش ثوبها تكتم صرختها..فالألم لم يعد يُحتمل
شعرت السيدة فاطمة بالأسى نحوها ولكن عليها أن تُكمل ما تبقى
– انا عارفة إنه مش وقته الكلام ده.. لكن يا ملك خديها نصيحة من ست عمرها ضعف عمرك و أكثر.. مش هتقدرى تكملي الحياة لواحدك.. الوحدة وحشة يا بنتي
انهمرت دموعها على خديها… تغمض عينيها بقوة فهل أحدًا يختار وحدته
– ملك أنا عايزاكي زوجة لجسار.. أنا مكنتش عايزة مرافقة عادية لجسار أنا كنت عايزه طبيبة نفسية.. تقدر تعالجه لكن حقيقي لما شوفتك مقدرتش أرفضك..
– بكرة الصبح هجمع حاجتي وأمشي من هنا
تجمدت عينين السيدة فاطمة فلم تكن تتوقع تلك الإجابة منها
اقتربت تقف قبالتها
– الكل كمل حياته.. هتفضلي طول عمرك كده
” الكل كمل حياته.. هتفضل طول عمرك كده”
ترددت العبارة في أذنيها فهزت رأسها حتى تتخلص من تأثيرها فيكفيها عبارات ناهد التي ستظل طيلة عمرها تسمع صداها بأذنيها
– وجودك مبقاش ينفع قرب العيلة اللي أقهرتك ولا هنا في مصر … جوازك من جسار مجرد منفعة متبادلة.. جسار محتاج حد جانبه لحد ما يعمل العملية يا ملك
هزت رأسها رافضة..فقبضت السيدة فاطمة على ذراعيها برفق
– اسم عيلة كبير… منصب عالي في شركة في إيطاليا.. حياة تانية هتثبتي للكل إنك مش مجرد بنت من الشارع.. والجواز مؤقت يعني مش هتكوني خسرانه
…….
المنزل كان فارغ إلا بها.. الكل غادر دون أن يجيبوا عليها.. دارت بجسدها داخل الغرفة التي تقيم بها
– هما ليه سابوني لوحدي… أنتِ بتفكري في إيه يا فتون دلوقتي فكري أزاي تقولي لسليم بيه إن حسن هو اللي سرق
تسارعت دقات قلبها دون أن تعرف السبب
– أنا لازم أقوله النهاردة لو جيه المزرعة… لازم سليم بيه يعرف الحقيقة
دب الرعب في قلبها وتيبثت قدماها وهي تستمع لصوت بوق السيارة… اسرعت نحو شرفتها لتتأكد من هوية القادم
ركضت بكل سرعتها لأسفل تستقبله
– عظيم بيه فاق يا بيه… طمني عليه ده بقاله أكتر من أسبوع في المستشفى
تخطاها صاعدًا دون أن يُجيب عليها وكأنه لم يسمعه… فوقفت تفرك يديها تهتف لحالها
” لازم اقوله الحقيقة.. لازم”
انتفضت فزعًا على صوته وهو يأمرها بنبرة باردة كالصعيق
– حضريلي العشا وهاتيه على أوضتي فوق
نفذت ما أمرها به.. وصعدت لأعلى تتقدم نحو غرفته.. إهتزت يديها وهي تقف أمام الغرفة تُحادث نفسها للمرة التي لا تعرف عددها
– مالك يا فتون خايفة كده… لا لازم تقولي للبيه كل حاجة النهاردة
استجمعت أنفاسها تتقدم نحو الداخل تبحث عنه بعينيه.. صوت المياة أجتذب إنتباهها .. وضعت صنية الطعام على الطاولة الصغيرة وقررت الخروج والعودة إليه بعدما ينهي طعامه
– رايحة فين؟
جمدها صوته.. فالتفت إليه بعدما هربت الدماء من وجهها تنظر نحوه وسرعان ما وضعت كفيها على عينيها
– نازله المطبخ يا بيه
ارتفعت زاويتي شفتيه سخريةٍ ينظر إليها بإستخاف واقترب منها يجذب كفيها يضعهما على صدره العاري بعدما تخلي عن قميصه
– مش قادره تشوفيني كده..
جذبت يديها من قبضتيه بعدما تعالت شهقتها
– إبعد أيدك يا بيه… أنت بتعمل كده ليه
تجرأت يديه فلفهما حول خصرها يُقربها منه أكثر
– مش الخدامة ليها مميزات تانية المفروض..
وباغتها بردة فعله التي لم تتوقعها من شدة صدمتها فاجتذب حجابها من فوق رأسها ينثر بيديه خصلاتها
– مش خسارة الجمال ده ميقدمش خدمات تانية ويكون هو الكسبان
لقد وصل لها المعنى بكل وضوح.. صرخت بعلو صوتها وهي تُحاول تخليص جسدها من آسر ذراعيه
– إبعد عني.. أنت بتعمل إيه… لا لا أنت مش سليم بيه
انسابت الدماء من شفتيها.. بعدما نال حرمة شفتيها.. دفعته بكل قوتها بعدما تمكنت تسرع نحو باب الغرفة ولكنه كان أسرع منها وهو يغلق الباب يُحاصرها بجسده
سالت دموعها على خديها تتوسل إليه وقد استوحشت عينيه
– سيبني أمشي يا بيه أبوس ايدك متأذنيش
ولكنه تلك اللحظة لم يكن يسمع إلا صوت حسن الذي يتردد في أذنيه
– بقى خدامة زيك تضحك عليا انا… بقى انا سليم النجار اتخدع في حته عيله لا وكمان خدامه… لعبتيها معاه صح وطلعتيني مغفل… سليم النجار يتلعب بي على إيد خدامة
تراجعت للخلف مذعورة من نظراته المتوحشة ومن تلك اللكمات التي يضرب بها على الجدار خلفها.. فاضت عيناها بالدموع تنظر اليه تُبرر له صمتها
– انا كنت هحكيلك كل حاجة … بس حسن..
لم يمنحها فرصة لتُخبره ولم يمنح نفسه فرصة بأن يسمعها للنهاية
– حسن طلقك وقبض تمنك .. لعبتكم أتكشفت وجيه وقت دفع التمن
وابتعد عنها يدور حول نفسه لا يُصدق انه انخدع فيها.. من حماها من نفسه ورغباته من أراد أن يُخلصها من تلك الزيجة الفاشلة ويعطيها حياة كريمة عضت يديه
حاولت فتح الباب تطرق عليه بكل قوتها كي يسمعها أحدًا ولكن المنزل كان فارغًا إلا منهما…
عاد يتفرسها بعينيه يُدقق النظر جيداً بمعالم جسدها الذي يغطيه فستانها الواسع
– محدش هيسمعك …
واقترب منها بخطواته يهتف بها
– محدش علمك إن اللعب مع الكبار نهايته وحشة
– هددني إنه هيحبس أبويا ليلتها .. كنت هقولك يا بيه كل حاجة بس خوفت
وعادت تهتف برجاء وتنظر حولها لعلها تجد مخرجًا
– أرجوك يابيه سيبني اروح لحالي
– هووس
انكمشت على حالها وازداد إرتجاف جسدها كلما اقترب منها بخطواته.. فرت من أمامه للجهة الأخرى ولكنه كان اسرع منها وهو يجذبها إليه يلصقها نحو الحائط
عم السكون للحظات قبل أن تعلو شهقتها وهي تستمع لصوت تمزق فستانها
– حسن باعك تمن حريته وقبض تمنك.. وصل الأمانة بتاع والدك اتدفع.. من حقي أخد التمن
وتعلقت عيناه بها يرى الخوف في عينيها
– والتمن أنتي يا فتون
الفصل السادس والعشرون
**************
تسارعت أنفاسها مع لمساته وأنفاسه الهائجة، ذلك التمزق الذي أحدثه في ثوبها وتلك الصرخة التي خرجت من شفتيها متوسلة منه الرحمة.. يديها تلملم ثوبها لتغطي ما عراه من جسدها.. اندفاعه بها نحو الفراش يكبلها بقبضة واحدة.. يديه أصبحت أكثر جراءة وشفتيه كانت تصل لما يريد صاحبها.. يقطف منها ثمرته المحرمة.. يدمغها بقبلات جائعة.. ويزداد في إقتناص ما لا حق له.. تتوسل وتصيح تدفعه بكل قوتها… إلى أن خارت قوتها.. واصبحت تطالع ما يفعله بأعين جامدة… تنتظر اللحظة الفاصلة
انتفضت مفزوعة من غفوتها تمسح حبات العرق من فوق جبينها تضع بيدها على صدرها تلهث أنفاسها
– نفس الكابوس برضوه
اقتربت منها جنات بعدما اندفعت داخل حجرتها تضئ إنارة الغرفة وتضمها إليها
– فتون.. حسن مات .. انسى ذكرياتك معاه.. فكري في اللي وصلتي ليه.. فكري إن خلاص حلمك بدء يتحقق.. وبكره هتبدأي أول خطوة
والجميع هكذا يظنون.. يظنون أنه حسن .. التقطت أنفاسها أخيًرا تنظر نحو التي تمدّها بالدعم منذ أن وضعها القدر في طريقها…. مسدت جنات فوق كفيها تطمئنها
– أنا عارفه إني غلطت لما قولتلك أخر اخبار حسن… بس حسيت أنك هتفرحي
واردفت متحمسه
– ربنا مسبش حقك يا فتون سليم النجار في الأول لما حصلتله الحادثه ودلوقتي حسن
تجمدت عينيها عند ذكر أسمه.. فاستطردت جنات بحديثها
– بكرة أول يوم في الجامعه ياحضرت الباشمحاميه.. مش عايزين اي تخاذل.. ولا عايزه رقبتنا تبقى اد السمسمه أدام الحاج عبدالحميد
– لا يا جنات مش هخذلكم.. التعليم هو اللي هيوصلني وهيخليني ادافع عن حق كل بنت بتتظلم.. نفسي اكون زيك شجاعه
هتفت عبارتها التي سلبت أنفاسها وكأنها تُسارع شئ داخلها
رمقت جنات أنتفاضتها وأنفاسها التي أخذت تتسارع بأعين حزينة… فهى خير من يعلم ما عانته فتون منذ أن وضعها القدر أمامها حافية القدمين بثوب ممزق ودموع تغرق خديها تسير في الظلام دون هدف لتسقط أمام سيارتها الصغيرة
– هو حد زعلك في زيارتك الأخيرة لأهلك .. أنتي من ساعة ما رجعتي من يومين وحالك مش عجبني يا فتون
سقطت دموعها وتلك الغصة عادت تستحكم حلقها وصوت والدتها يتردد في أذنيها
” هتاخدي ايه من التعليم يا بنت بطني وانتي مطلقه.. لا زميل هيحبك ولا حد هيرضي ياخد واحده في ظروفك.. الاستاذ عبدالرحمن مناسب ليكي يابنتي.. مدرس اد الدنيا وراضي بظروفك وميعرفش عننا حاجة بعد ما حسن الله ينتقم منه فضحنا في البلد وخلانا نطفش منها ”
– اوعي تقوليلي إن الست عبلة لسا برضوه شايفه إن طلاقك عار وأنك عمرك ما هتلاقي اللي يرضي بيكي
– أنا تعبت يا جنات ..
واردفت تنظر لتلك التي تطالعها بنظرات تحمل الدفئ
– هو انا ليه مينفعش اعيش زي اللي ف سني.. ليه كبرت قبل الأوان
– مافيش حاجة أسمها كبرت قبل الآوان يا فتون.. إحنا اللي بنكبر ونعجز نفسنا
واتسعت ابتسامتها تنظر إليها بأمل
– خلصتي الثانويه العامه اللي كنتي بتحلمي بيها وهتدخلي كلية الحقوق زي ما اتمنيتي.. والدك رغم متعقداته إلا إنه بقى واقف في ضهرك وعايز يشوفك زي ما بتتمني.. الجمعية هتساعدك في مشروع المطعم يعني كل حاجة كنتي عايزه تحقيقها بتحققيها يافتون
واستطردت بحديثها مازحة
– إلا لو كنتي انتي غاويه نكد
ورغما عنها كانت تضحك وتنسى أوجاعها تنسى الأعوام التي مضت من عمرها.. تنسى تلك الليله بتفاصيلها
– يلا ننام بقى عندي مقابله شغل بكره
– إن شاء الله هتتقبلي محدش يضيع منه حد زيك
اتسعت ابتسامة جنات ترفع من هندام منامتها تهتف بمزاح
– طبعا محدش يلاقي مني اتنين
والضحكه عادت تحتل وجوههم وسرعان ما أندفعت فتون إلى حضنها تدعو الله داخلها ألا تحرم منها كما حرمت من تلك السيدة الطيبة التي مرت بحياتها كالطيف الجميل
………
استيقظ من سباته يلهث أنفاسه ينظر حوله ويمسح حبات العرق فوق جبينه.. هدأت أنفاسه رويدًا حتى بدء عقله يعود لواقعه.. مازالت ذكرى الحادث في أحلامه ذلك الحادث الذي نجا منه بأعجوبة أخبره بها الأطباء.. لقد كتب له الله حياة جديدة.. حياة كانت كالفرصة إليه
نهض من فوق الفراش متجها نحو دورة المياة يتوضأ وخرج بعدها ينشف وجهه يستعد للصلاة.. أنهى صلاته ينظر نحو صغيرته الواقفة تمسح دموعها وتحمل دميتها الصغيره تهتف اسمه
– بابي… حلم وحش يا بابي أنا عايزه انام معاك
واندفعت نحوه ترتمي بين ذراعيه بعدما فتح لها مكانها وحدها .. إنها الهبة الأخري من الله… ” خديجة الصغيرة ” صغيرته التي لم يعلم بوجودها إلا بعد ولادتها وبعد حادثته .. يتذكر ذلك اليوم بتفاصيله يوم لا يُنسي ولا ينساه عندما دلفت إليه شهيرة تحملها بين ذراعيها تنظر إليه و إلى تلك التى هي قطعة منه
غفت الصغيره في حضنه بعدما مسد على خصلاتها يزفر أنفاسه متنهدًا
أخذه سلطان النوم مجددًا فغفت عيناه تلك الساعات المتبقية ينعم بدفئ صغيرته.
وعلى قبلات صغيرته بدء يستيقظ لتقفز عليه صغيرته تتشبث في عنقه
– بابي كفايه نوم
ضحك رغما عنه وهو يدغدغها
– بابي يلا ننام.. بابي كفايه نوم.. بابي مش عارفه يعمل ايه من ديدا هانم
– ديدا حلوه بابي زي ديدا
لثم وجنتيها المنتفختين يتذكر خديجة الكبرى عمته والتي تشبهها أبنته وكأنها نسخة مصغرة منها
– طبعا يا حبيبت بابي..
ونظر إليها متسائلا بعدما اخذت تداعب لحيته بأناملها الصغيره
– فين الداده بتاعتك
طرقات على باب حجرته جعلته ينظر نحو الطارق ثم دلوف مربية صغيرته التى جاءت ركضًا تبحث عن الصغيره
– كده يا خديجه سيباني أدور عليكي وانتي عند البيه
– مافيش مشكله يا مدام ألفت خدي نفسك براحه
وداعب خدي أبنته التى اخدت تنظر إليه ببراءة
– حبيبت بابا مش عارف طالعه شقية لمين
اتسعت ابتسامة السيدة ألفت وهي تنظر إليه.. لا تصدق أن هذا هو رب عملها القديم لقد عادت إلى خدمته بعدما لم تعد تتحمل العيش مع أبنها وزوجته عادت لتربي أبنته ورغم كبر سنها إلا إنها كانت الوحيدة التي أستأمنها على صغيرته ..
سليم النجار اب حنون وزوج رائع ولكن لا تعرف أن تضع لزواجه مسمى.. فشهيرة أبعد من أن تكون زوجة وأم هي سيدة أعمال بارعة ليس إلا
– خليهم يجهزوا الفطار يا داده..
ونظر نحو أبنته محذرًا
– ديدا متتعبيش دادة ألفت.. عايز اخرج من الحمام وانزل الاقيكي على الفطار ومسرحه شعرك ولابسه هدوم نضيفه
والصغيرة كانت تستمع بإنصات توافق على أوامره.. تتجه نحو مربيتها بعدما هندمت منامتها الصغيرة وأعطت كفها لمربيتها وكأنها لا تبلغ من العمر ثلاث سنوات وبضعة أشهر
صباحه كان مبهج وهو يهبط الدرج بعد نصف ساعه يتحدث في هاتفه وعيناه على صغيرته التى تركت مربيتها وطعامها الذي تناثر بقاياه حول فمها قبل أن تمسحه لها مربيتها..ابتسم وهو يُكمل مكالمته ورفعها إليه..
أنهى مكالمته ينظر إليها ويلتقط المحرمة الورقية من السيدة ألفت التي طالعته بقلة حيلة يمسح لها شفتيها
– مش قولنا لما نكون بناكل منسبش أكلنا لغير لما نشبع
– ديدا شبعت الحمدلله.. بس هتاكل تاني معاك
ضحك كما ضحكت السيدة ألفت.. اتجه بها نحو المائدة فاسرعت الخادمة في وضع فنجان قهوته أمامه وهو منشغل في وضع المحرمة فوق ثوبها وملئ طبقها لتنعم صغيرته بفطور اخر معه
– حمدلله على السلامه يا هانم
صدح صوت الخادمة بالترحيب بسيدتها التى القت نحوها سترتها
– حبيبي وحشتني
لثمت خده وانحنت نحو صغيرتها تلثم خدها وتخبرها عن شوقها لها
– حمدلله على السلامه يا شهيرة
القى كلماته وهو يغادر.. لتقف تُطالع أثره بجبين مقطب وسرعان ما عادت ملامحها لوضعها تزفر أنفاسها.. فما الجديد؟ في علاقتهما إلا التباعد والفتور
– نجهز فطارك يا هانم
رمقتها شهيرة بعدما وقفت بخطواتها أمام الدرج
– المفروض تكوني فوق بتجهزيلي الحمام.. مش واقفه لسا بترغي
أسرعت الخادمه أمامها وأكملت هي خطواتها غير عابئة بنظرات صغيرتها العالقة بها.. فوقفت السيدة ألفت تطالع الصغيرة متنهدة بحزن.. فسيدة المنزل لا تهتم إلا بنجاح شركات والدها وإثبات تفوقها على شقيقها “عزت ” والتنافس بينهم بمن يستحق تولي إدراة الشركات
………….
خطواتها نحو حلمها كانت تقترب وهي تنظر نحو اللافته المعلقة عليها اسم ” كليه الحقوق جامعه القاهره”
الطالبه فتون هكذا أصبح اسمها ولم تعد تلك الخادمة ولم تعد تلك التي شوهها حسن من الداخل ولم تعد تلك الحمقاء الصغيرة التي ترى الرجال من الخارج أبطال خرافية
انتهى اليوم الأول الذي كانت ترهبه.. لم تندمج مع أحدًا ف مازالت تشعر بالغربة وسط الناس… تشعر من أعينهم وكأنهم يعرفون قصتها
عادت للشقة التى تعيش بها مع جنات تضم كشكولها تزيل حذائها وترخي من حجابها وقبل أن تفكر بما تعده لهما من الغداء كان رنين هاتفها يعلو برقم والدها الذي فور أن هتفت باسمه جاءها رده
– حلوه الجامعه يا فتون.. هتبقى اكبر محاميه ف البلد وتاخدي حقوق الناس من الظالمة
حديثه البسيط الحالم معها اطربها.. ولكن سرعان ما عادت الخيبة ترتسم فوق ملامحها
” بدل ما تقنعها يا خويا تتجوز بتشجعها على العلام.. هتاخد ايه منه بس”
“بس يا وليه بطلي ندب خليني اعرف اكلم البت… ها يا بشمحاميه”
اطربها ذلك اللقب الذي نداها به والدها… فاغمضت عينيها تستشعره داخلها لعله يزيح ذلك النقص الذي تدمغه بها والدتها بأنها لم تعد فتاة كباقي الفتيات
– اختك رحمه بتقولك إنها كلها تلت سنين وتجيلك الجامعه… بتقولك هتذاكر كويس
ازالت تلك الدمعة التى انسابت على وجنتها تستمع لحديث شقيقتها عبر الهاتف والذي يخبرها به والدها
– بابا متشلش هم دروس رحمه… أنا شغلي ماشي كويس هنا والجمعية بتساعدني
– ربنا يبارك فيهم يا بنتي ويستر طريقهم وطريقك.. ابقى سلميلي على جنات بنت الناس الطيبين الله يرحمهم
وانتهى الاتصال الذي شعرت فيه بسعادة والدها وتغيره من أجلها واجل شقيقاتها
……..
وقفت جنات ترمق ذلك الذي كان يسير أمامها والموظفين يرحبون به ويطالعونه بابتسامه محبه .. لقد نالت شرف رؤية سليم النجار ذلك الذي اخبرتها عنه فتون.. ذلك الذي لا تجد وصف يليق به إلا بالحقارة والدنائه.. شئ يدفعها بأن تصرخ عاليا وتكشف حقيقته
– شكله ميدلش على اللي عمله في فتون..سبحان الله الهدوم بتداري وساخة الناس
ومن حسن حظها اليوم إنها شعرت بقبولها في الوظيفه ومن سوء حظها أن تلك الشركة تابعة له فرجلا جدوده أصحاب أملاك فماذا ستنتظر؟
زفرت أنفاسها تكمل خطاها للخارج تتمتم داخلها
– لولا إن الفرصه مش بتيجي غير مره واحده كنت أتمنيت أني متقبلش في الوظيفه ديه
……….
دلفت غرفة مكتبها ترفع عن عينيها نظارتها الطبية وتُلقي بدفترها جانبًا
– أنا مالي مضيقه كده… ما هو عرض عليا جوازنا يستمر ويكون طبيعي وانا اللي صممت اطلق
وهوت بجسدها فوق المقعد تحدق بالفراغ الذي أمامها وتحاكي حالها
– البنت ديه هتضيع جسار.. جسار بقى معمي شايف فيها مراته الله يرحمها
زفرت أنفاسها على دفعات متتاليه وهي تتذكر كيف عانقته الأخرى وقبلته دون أن تهتم بوجودها معه
طرقات على باب مكتبها افاقتها ليدلف بعدها ينظر إليها
– انا وجيهان هنخرج نتغدا بره تيجي معانا
نهضت عن المقعد لتجلس على المقعد الاخر خلف مكتبها وتتناول ذلك الملف تفتحه
– ورايا حاجات كتير عايزه أخلصها عشان إجتماع بكره
ابتسم وهو يرمقها واقترب منها يلتقط ذلك الملف
– ساعه مش هتعمل حاجه يا ملك.. انتي مش ملاحظه إنك بقيتي قافله على نفسك
وتلك التي أصبحت تسميها بالعلقة كانت تدلف نحوهم تهتف به
– جسار مش يلا بقى
التف نحوها جسار
– ثواني يا جيهان
طالعته جيهان بمقت وهي تنظر نحو التي لا تعرف سبب لتلك المكانه لديه رغم طلاقهم .. فكيف لها أن تحظى بذلك التقدير والشأن في شركته وحياته … ستجاهد في التخلص منها تماما حينا تصبح زوجته وتصل لهدفها
– حقيقي يا جسار مش جعانه وعندي شغل مهم.. روح انت
دفع إليها الملف وضحك وهو يرى جيهان تجره نحو الخارج بتذمر طفولي أصبح يسلب فؤاده
اغمضت عينيها تزفر أنفاسها بضيق
– خايفه عليك يا جسار… انا مصدقت بقيت إنسان طبيعي ونسيت وجعك وفوقت من الماضي
………..
ركضت نحوها فتون بعدما تركت الطعام الذي تقوم بتفريزه من أجل السيدات العاملات بجانب الطعام الذي تعده في المنزل
– ها طمنيني عملتي ايه
ازالت جنات حذائها تنظر نحوها ثم تخطتها لتهوي بجسدها على الأريكة
– يعني احتمال كبير اتقبل.. بس بصراحه مش عايزه اتقبل فيها
اتبعتها فتون تستغرب حديثها تجلس جوارها
– ليه؟ ده انتى تعبتي من التدوير على شغل من ساعه ما سبتي شركة السياحه اللي كنتي شغاله فيها
– ادعي متقبلش وخلاص يا فتون.. لاني لو متقبلتش مش هقدر أرفض الشغلانه ديه
رمقتها فتون متعحبة لتقبض فوق كفيها
– جنات في ايه من امتى بنخبي على بعض حاجه
اشاحت عينيها بعيدا عنها تخبرها اخيرًا بالسبب
– الشركة طلعت تبع سليم النجار… شوفته النهارده فيها واللي عرفته أنه بيديرها.. شكله كده بطل مهنه المحاماه ولا هو شكله شغال في كل حاجة
استطردت في حديثها دون أن تنظر نحو التي تسارعت أنفاسها وعاد ذلك الضجيج يعلو داخلها
” لا يا بيه متعملش فيا كده.. ابوس ايدك ”
ذلك الصقيع الذي احتل جسدها للتو يذكرها ببروده تلك الليلة وهي تركض في الطريق المظلم
– كان نفسي اهجم عليه وافضحه قدام الناس
انسحبت من جوارها.. فتعلقت عينين جنات بها تعاتب حالها
– كان لازم يعني لساني يتسحب مني واقولها
………….
جوابه أصم أذنيها.. وما هو الجديد فكل مره تخبره عن أبناءه يهتف بتلك العبارة
” معنديش ولاد…”
سقطت دموعها وهي تنظر نحو الصغار وهم يركضون مع مربيتهم
– دول زي الملايكه يا بني حرام عليك.. انت بتعاقب مين فينا بس
– مدام كاميليا… يا هانم
هتاف خادمتها جعلها تفيق من ذكرياتها
– هتخرجي يا هانم
– ايوه يا صباح عندي جلسة في المجلس… خدي بالك من الولاد مع المربية
اماءت لها الخادمه.. وانصرفت من أمامها فتعلقت عينين كاميليا بأحفادها
– ربنا يسامحك يا ناهد دمرتي حياة ابنى … مش قادره اقول غير كده
………..
طالع الصور التي بعثت إليه ينظر إليهم بتمعن والسخريه ترتسم فوق شفتيه
– هوجعك يا ملك… هوجعك زي ما وجعتيني… بكره اخليه يطردك وتلاقي نفسك من غير ولا شئ..هخليكي تركعي تحت رجلي
وسرعان ما كان يلقي هاتفه فوق الفراش بكل قوته ..اقترب من المرآة ينظر لحاله يرفع شفتيه متهكمًا لقد أصبح رجلًا آخر رغم استمرار تفوقه في مجاله كطبيب إلا إنه أصبح قاسي عابث
عاد هاتفه يعلو بتلك النغمة المخصصة للرسائل فاسرع في إلتقاط هاتفه يتوقع صور أخرى ليجد صوره لصغيريه.. للحظه لمعت عيناه وهو ينظر إلى ملامحهم التي تشبه تماما ولكن سرعان ما مسح الصوره التي بعثتها له والدته لعلها تحرك غريزة الأبوة داخله.. اهتز هاتفه الذي أخذ يقبض عليه بقوه فلمعت عيناه وهو يفتح الخط يستمع لصوت المتصل
– الخطه ماشيه صح.. جسار قريب هيكون ليا يا رسلان.. و ملك تقدر تعمل فيها كل اللي انت عايزه بعد ما اخليه يكرهها ويطردها من النعيم اللي معيشها فيه
” ومن الحب ما قتل” ❤️
يتبع بإذن الله ( قراءة ممتعة)
********
اقتباس من الفصل القادم
اغمضت عينيها تستمع إلى صراخه.. تشير نحو مديرة مكتبها بالإنصراف وتلعن حظها إنها من جعلته يذهب للجمعيه لتكريم السيدات اللاتي ساعدتهم الجمعية ونجحوا في تخطوا ازماتهم
– كنتي عارفه مكانها.. مش كده يا خديجة.. كنتي بتمنعي أي معلومه اعرف اوصلها بيها.. خليتي أهلها يسيبوا بلادهم وكل ده ليه ردي عليا
خرج صوتها أخيرا بعدما إستعادة رابطة جأشها تزفر أنفاسها متمهلة
– عشانها يا سليم.. عملت كده عشانها.. شوف دلوقتي فتون بقت إيه
وهل بقيت فتون كما هي.. واردفت حديثها
– عندك فتون جديدة مش الخدامة اللي حاولت تغتصبها عشان صدقت شوية كلام من جوزها اللي كنت عارف ومتأكد إنه زباله
وهل أخطأت في شئ خديجة.. الحقيقه تظهر مع الزمن وهذا ما علمه.. حسن اضله وهو اضاعها
– شكلي هبدء احاول أصدق إنك فعلا حبيتها يا سليم.. لكن اوعي تنسى في شهيره وفي بنتك!!
الفصل السابع والعشرون (1)
*****************
ذرفت ما يكفي من الدموع على حلقة اليوم من مسلسلها الكئيب كما تسميه ولكنها كل يوم في موعيده تنتظره.. حقا هي غريبة الأطوار.
ضحكت ساخرة من نفسها وسارت نحو الشرفة الواسعة فلعلا هواء البحر المنعش يعيد لها مزاجها.. اغمضت عينيها تستمتع بملمس الهواء على بشرتها تضم جسدها بذراعيها والزمن يأخذها لما مر من سنوات…
ثلث سنوات وأشهر والمشهد لا يُنسي
تحمل حقيبتها مغادرة بعدما رفضت ذلك القرار الذي اهانتها به السيدة فاطمة..السيدة فاطمة قبلت عملها حتى تجعلها زوجة مؤقته بعدما أوصلت لها الرساله ” أنها بلا عائلة ومأوي”
تجمدت عينيها على تلك السيارة التي اوقفها سائقها أمامها
– عمي عزالدين
الصدمة كانت مرتسمة فوق ملامحها وهي ترى عزالدين يهبط من سيارته.. التفت خلفها لتتعلق عينيها بعينين السيدة فاطمة التي أماءت برأسها لعزالدين كأنها كانت تنتظره .. الصورة أخذت تتضح لها رويدًا رويدًا
وهي ترى إشارة السيدة فاطمة بعينيها نحوهم بأنهم يمكنهم الدلوف للمنزل والحديث بحديقته
– ممكن يا بنتي نتكلم كلمتين
وتعلقت عينيه بحقيبتها التي تحملها قبل أن يسحب ذراعها برفق لتتقدم أمامه
سارت معه كالمغيبة.. نبضات قلبها أخذت تتسارع وهي تهوى بجسدها فوق احد مقاعد بحديقة المنزل
– أنتي أكيد فاهمه سبب وجودي هنا يا ملك
لم يكن لديها سؤال أو جواب هي تنتظر سماع ما يريده وعن المنفى الذي سيخبرها به حتى لا يروا لها أثرا في عالمهم..
– أنتي عارفه إن عبدالله الله يرحمه
انحدرت دموعها على خديها.. فاستطرد بحديثه
– رسلان و مها اتجوزوا…
زفر أنفاسه وهو يتمهل في إستكمال حديثه.. يشفق عليها ولكن رحيلها من هنا وزواجها من أخر لا بد أن يحدث و إلا إبنه سيضيع كلما راءها حره.. لعلا ما سيحدث يريحه
– وجودك في نفس البلد وظهورك ليهم هيدمر حياتهم… رسلان بقى حلم مستحيل يا ملك
” حلم مستحيل “! …
انسابت دموعها على خديها تفتح عينيها تُطالع ظلام الليل تهتف ساخره بعدما فاقت من ذكرياتها التي تعيدها لما تخطته ومضت
– حلم مستحيل…؟
اخذ رنين هاتفها يتعالا برقم ميادة، ورغم كل شئ إلا أن صداقتها بميادة استمرت.. نعم ابتعدت عنهم كما نبذوها حتى عندما عادت من إيطاليا مع جسار منذ عام بعد وفاة السيدة فاطمة وصراعها مع المرض.. لم ترغب في العيش بالقاهره ومن حسن حظها أن جسار استقر بفرع شركته الأم بمدينة الاسكندرية
– يعني لو مسألتش أنا متسأليش عني يا ملك
عادت للداخل بعدما اغلقت الشرفة خلفها تهتف معتذرة
– غصب عني يا ميادة.. الشغل واخد كل وقتي
– يا سلام.. ما انا كمان بشتغل وبدرس وقاعده في الغربه ومش بنساكي يا ست ملك
لم تجد ملك ما تخبرها به.. فقد ازدادت قوقعتها على نفسها واصبحت اكثر انطوائية
– رايدن قالي إنه بيحبني يا ملك
هتفت بها حالمة.. فابتسمت ملك وهي تستمع إلى الطريقه التي أجادها رايدن في التعبير عن حبه…البروفيسور العظيم المعقد الذي أرهق صديقتها الطموحه المشاغبه احبها ومن حسن الحظ إنه مسلم الديانة ولكن إختلاف العادات والبلدان كانت العائق ولكن رايدن اتخذ اول خطوه
– انا فرحانه ليكي اوي يا ميادة
وبعدما كانت ميادة غارقة في أحلامها وحماسها زفرت أنفاسها خائفه
– متوقعش إن عزالدين بيه وكاميليا هانم هيوفقوا ولا حتى رسلان
وعلى ذكر اسمه الذي لم تكن تقصده… خفق قلبها.. عضت ميادة على شفتيها بعدما أدركت ما تفوهت به
– عزالدين و عبدالله عاملين ايه.. بقالك كتير مبعتيش ليا صورهم
ومشاعر الخالة كانت أكبر وأقوى من أي مرارة دفنها الزمن
– هبعتلك صورهم حالا.. بقوا شبه رسلان مخدوش اي حاجة من مها الله يرحمها
والمزيد من الكلمات كانت تفتح جروحً ولكنها فور أن وقعت عينيها على الصغيرين اتسعت ابتسامتها
– ذنبهم ايه يحرمهم رسلان من حنانه.. رسلان بقى صعب قوي وقاسي
واستطردت في حديثها بعدما زفرت أنفاسها
– استحاله تكون قسوة رسلان عليهم بسبب موت مها.. في حاجة حصلت غيرته اوي كده
اخذت تفضفض ميادة بما تشعر به واسترسلت في حديثها دون شعور ولكن ملك كانت غارقه في ابتسامة الصغار.. إنهم أبناء شقيقتها مهما حدث.. مها شقيقتها من والدها تلك الحقيقه التي لم ينكرها أحدا بعد أن تخلي عبدالله عن صمته قبل وفاته وصرخ بها
وبقلب محب لشقيقتها التي كانت تنساق خلف ناهد هانم كما أصبحت تنطق اسمها بعدما فاقت على الحقيقة التي تقبلتها هتفت بأعين دامعه
– ربنا يرحمك يا مها..
…………..
طالعت وقفتها المرتكبة فتركت ما تفعله واقتربت منها تضم كفيها
– اتقبلتي في الوظيفه مش كده
اماءت جنات برأسها وهي تشعر بالخجل منها.. فكيف لها أن تعمل ضمن موظفين ذلك الدنئ وهي تعلم حقيقته
– جنات ده مستقبلك.. أنا بسمع إن شركاتهم حاجة واصله يعني فرصه متتعوضش.. وانتي شايفه حال البلد..
– صدقيني يا فتون لولا فعلا قلة الفرص في البلد مكنتش قبلت اشتغل عنده
أطرقت عينيها تخبرها بمرارة بما أخفته رغمًا عنها
– الجمعية اللي اتولت مشكلتي وساعدتني اكمل حلمي ومشواري ومتولية مشروع المطعم وهتدعمني خديجة النجار هي اللي مأسساها
رمقتها جنات مندهشة فالأول مرة تصرح لها فتون عن ذلك الأمر
– إزاي يا فتون.. الجمعية مموله من رجال الأعمال ومدام سحر هي اللي بتديرها
وسرعان ما اتسعت عينين جنات تربط الأحداث ببعضها.. مقتطفات قد مرت زيارة السيدة سحر لها بعدما توفي والديها في إنهيار إحدى المباني السكنية منذ أشهر لم أحد يتحرك لدعمها ولكن كل الدعم أتى إليها بعدما وجدت فتون في ذلك الطريق الزراعي تسير حافية هاونة الجسد بهيئة كانت لا تفسر إلا شيئًا واحدًا
” محاولة إغتصاب ”
– يعني مساعدتهم ليا كانت إشارة من خديجة النجار
واردفت وقد فهمت سبب رفضها للتبليغ عن ذلك الحادث وخاصة عائلتها وكيف أصر والد فتون على رفضه
” إحنا ناس غلابة يا بنتي.. خلينا متدارين جانب الحيط ”
– ليه محكتيش ليا يا فتون… ليه خبتي كل ده
اشاحت عينيها تمسح دموعها التي أخذت تنساب على خديها
– أنتي كنتي محتاجه مساعدتهم زي يا جنات… كنتي هتفضلي عايشه مع عمتك اللي جوزها مش طايقك ولا ابنها اللي بيحاول يتحرش بيكي… انتي وانا كنا محتاجين مساعدة خديجة النجار.
وعبارة خديجة تتردد في أذنيها عندما التقت بها لأول مره في الجمعية
” الفرصه مبتجيش غير مرة واحده يا فتون..مكنتيش هتخدي حاجة لو كنتي بلغتي عن سليم… في الأول والأخر أنتي خدامه عنده.. أنا اسفه أني بقولك كده بس ديه الحقيقه وأنا عايزه اساعدك مش عشان سليم لا عشانك أنتي ”
ارتجف جسدها بعدما أخذت تنفض الذكريات من عقلها لتلتقط كف جنات
– الماضي انتهى يا جنات مش ده كلامك ليا.. لازم تتخطى الماضي بحلوه ومره.. سليم النجار صفحة واتقفلت خلاص
” صفحة وانتهت “؟ هتفت بها جنات شاردة فعلى ما يبدو أن الصفح عادت تنفتح من جديد
وها هي تخطو داخل الشركة وتوقع على بعض الأوراق المطلوبة منها.. واصبحت إحدى موظفينه بل وقلبها يخفق بسعاده بتلك الوظيفة التي يحلم بها الكثير
………….
يعرف تماماً كيف يجعلهم يلهثون أمامه يقدمون له اجسادهن.. يرى نظرات الرغبة والتوتر في عينيها منذ أن فتح لها باب شقته
ودلفت بخطوات مرتبكة
– مش بقدم مشروبات كحولية يا صوفيا أعذريني..
اماءت برأسها فنسابت بعض خصلاتها الناعمه على جبينها تلتقط منه المشروب الغازي ترتشف منه
– لا أشرب الخمر
تمتمت عبارتها بلكنتها الإنجليزيه فأبتسم وهو يرمق خلجات وجهها
– جميل
طالعته وهو يتحرك أمامها.. فاسرعت في النهوض خلفه
– دكتور رسلان
التف إليها… ينظر نحوها بتلك النظرة التي تجعل ضربات قلبها تخفق بجنون.. فمنذ أن أصبح يرتاد المطعم الذي تعمل به ويخصها ببعض البقشيش والمعامله البشوشة وتلك النظرة الساحرة لم تعد تلك الفتاه التي لا تفكر إلا في تخرجها من الجامعه والبحث عن وظيفها بمجال تخصصها
– سأحضر لكِ الكتاب وأعود على الفور صوفيا
ولكنها كانت أسرع منه وهي تُقدم له البداية… قبلة فجأته بها وكأنها تخبره بها إنها طوع بنانه.. يفعل ما يُريد
لهثت أنفاسها وابتعدت عنه تخفض عينيها…انتظرت أن يقدم هو الخطوة الثانية..ولكن سرعان ما انتبهت على خطواته وهو يبتعد عنها ثم عاد لها بذلك الكتاب الذي كانت تبحث عنه ولديه نسخة منه
– تفضلي صوفيا.. اعتبري هدية مني لكِ
التقطت منه الكتاب بيدين مرتجفه وعينين متسائلة
– الكتاب؟
ابتسم وهو يرى صدمتها
– بالتأكيد صوفيا.. يجب أن اكون بالمشفى بعد نصف ساعة
انصرفت تحت نظراته بعدما رمقته بنظره أخيرة خائبة.. فزفر أنفاسه يتمتم لحاله
” هكذا نحن نربح … وليست تلك المثالية التي كنت تعيشها رسلان.. ”
…………
تعلقت عينيها بصدمة بتلك التي تجلس جواره ملتصقة.. رحبت الخادمة بها فطالع نظراتها يبتسم إليها بوهن وهو يرى الملفات التي تحملها من أجل توقيعه
– أكيد جبتي أوراق الصفقة عشان أمضيها يا ملك.. مش بتضيعي أي وقت
قالها دون أن ينتبه نحو تلك النظرات التي تصوبها ملك نحو جيهان
– مش معقول يا جسار حتى وانت تعبان شغال..خد كمل شربتك
وبدلال تجيده كانت تكمل إطعامه دون أن تترك فرصه للأخري أن تسأل عن حاله أن تقدم إليه يدها كما كانت تفعل… يومًا كانت عكازه.. عامين إستمر فيهم زواجهم كانت خير رفيقة له ولكن زوجة حقيقة لم تكن.. رغم إنه كان ينسجم بعض الشئ معها ولكنها لم تسمح ويا للحسرة إنه مازالت تحب ذلك الذي تزوج شقيقتها وانجب منها ” رسلان ” الرجل الذي قبله عاشت مكسورة الفؤاد وبعده أصبحت حطام أنثى..
الرجال فحياتها يبحثون عن راحتهم… يقدمون لها القربان ثم يتركونها في المنتصف او في الحقيقه هي الخائبة لا تفعل كما يفعلون الأخريات
– أنتي لسا واقفه يا ملك..
هتف اسمها فاقتربت منه تسأله
– انت كويس يا جسار.. امبارح مكنش فيك حاجه
طالع جيهان ينظر نحوها بحب يهتف مازحًا
– يا سيتي جيهان النهاردة عدت عليا عشان نخرج نفطر سوا.. لقتني بعطس كام عطسه عملتلي حكاية
– كده يا جسار.. انت مش شايف نفسك تعبان..
تذمرت حانقة وتركت الطبق من يدها غاضبه ولكن سرعان ما التقط يدها يلثم راحة كفها
– حببتي شكرا إنك معايا… حقيقي يا جيجي وجودك غير حياتي
ويا لها من حسرة وهي تنظر نحوهما
– هاتي يا ملك الورق امضي لأن شكل جيجي هتفضل معطلانا كتير
قالها بمزاح فابتسمت جيهان بنصر.. ها هي تظهر بصورة المرأة التي يرغبها الرجال كأمثال جسار.. مرأة محبه، لطيفة، مرحه ، تبحث عن راحته
– وادي الورق يا ستي.. في حاجه تانيه محتاجه توقيعي
لململت الأوراق تنفي برأسها
– انت كويس دلوقتي يا جسار.. مش محتاج مني حاجة
– انا موجودة معاه
هتفت جيهان عبارتها تضم نفسها نحوه بقلة حياء.. فلم تعد عينيه تتعلق ب ملك كما كان يفعل من قبل إنما عينيه كانت مع تلك التي لفت خيوط لعبتها بإحكام
انسحبت من أمامهم بعدما شعرت أن وجودها ليس مرحب به
– ملك هانم.. ملك هانم
– في حاجة يا فهيمة
أطرقت الخادمة عينيها
– أنتي والبيه مش هترجعوا لبعض يا هانم
واستطردت في حديثها تخبرها عن مخاوفها
– الست ديه قلبي مش مريحني ليها يا هانم.. ديه استغفر الله العظيم بقت اغلب الوقت مع البيه حتى أوضة نومه بقت تدخلها وحضرتك اكيد فاهمه يا هانم
…………..
طالعت السيدة سحر سعادتها وهي تجول بعينيها بينها وبين عقد الإيجار
– يعني من بكره اقدر افتح المطعم…
اماءت السيدة سحر برأسها سعيدة لسعادتها
– ايوه يا فتون.. ده عقد إيجار المطعم.. طبعا الجمعيه متكفله بكل حاجة لحد ما تقفي على رجلك..
سعادتها اليوم لا توصف وهي تحلم بغد افضل لها ولاشقائها دون الحاجة لأحد
– بكره في حفله الجمعية عملاها يا فتون… الحفله ديه مهمه .. رجال أعمال وصحافه ناس كتير هتكون موجوده وهيكون في تكريم ليكم منهم
– حفله؟
تسألت برهبة… فالتقطت السيدة سحر رهبتها من رجفة نبرتها فنهضت عن مقعدها تقترب منها تطمئنها
– الحفله ديه عشان تثبتوا ان كل ست تقدر تقوم وتواجه من تاني.. وإن حياتها من غير الراجل ممكن تكمل.. حكاية كل ست فيكم يا فتون هتكون دافع لكل ست مظلومه
………
تعلقت عينيها بشقيقتها بعدما وقفت جوارها طبيبتها تصف لها حالتها
– مدام ناهد بقت رافضه أى تحسن.. لدرجة إنها بقت تشوف واحده من الممرضات في صورة بنتها
تنهيدة طويلة مثقلة خرجت من شفتي كاميليا… فانصرفت الطبيبة وظلت كاميليا كما هي تطالع شقيقتها
تحركت نحوها لا تعرف أتبكي عليها أم تبكي على ابنة شقيقتها التي توفت في رعيان شبابها وتركت طفلان أم تبكي على رسلان الذي يرفض العودة للبلاد
– بتعملي في نفسك كده ليه يا ناهد…
كلما جاءت لزيارتها كان نفس السؤال الذي تسأله لها ولكن لا إجابه كانت تحصل عليها ولكن اليوم
– رسلان فين
هتفت بها ناهد بعينين شاردتين فارتسم الحزن على وجه كاميليا وتنهدت بحسره
– رسلان في إنجلترا… بقاله سنتين هناك
– عايزه رسلان يا كاميليا
طالعتها كاميليا دون أن تستوعب طلبها..وسرعان ما وجدتها تنكمش على حالها تردد بصوت هامس
– عايزه رسلان… ملك
……….
تعلقت عينيها بالمقاعد المصطفه والاستعدادت التي تمت في تلك القاعة المخصصة لندوات الجميعة.. تقدمت نحو رفقاءها اللاتي جمعهن هذا المكان.. حيّتها السيدة سحر بإماءة من رأسها بسبب إنشغالها مع البعض… تمنت تلك اللحظة لو كانت جنات معها تشاركها تكريم اليوم
زفرت أنفاسها ببطء تستمع إلى حديث البعض من ثرثرة..
عدد الوافدين اخذ يتضاعف… فتعلقت عينيها بتلك الطاوله الموضوعه فوق المنصة التي اكتمل عدد جالسيها إلا مقعد واحد منتظر صاحبه
الأصوات بدأت تتعالا بالثرثرة اكثر فأكثر.. تشعر بتوتر شديد لا تعرف سببه ولكن كما اخبرتها السيدة سحر وجنات إنها مثال للفخر والتحدي
عادت تزفر أنفاسها مجددًا ببطء
– ممكن رجلك عشان اعرف اعدي
ابتسمت وهي تزيح ساقيها من أجل أن تسمح لتلك السيدة بالمرور
انتبهت على سقوط حقيبة يدها فانحنت تلتقطها وتضعها على ساقيها
تعالا تصفيق الحضور فرفعت عينيها نحو المنصة ويديها تتحرك كي تصفق مثلهم فعلى ما يبدو أن الندوة ستبدء وقد جاء الضيف المتبقي
– خلينا نرحب يا حضرات بأستاذ سليم النجار.. اكبر داعم ومساهم في الجمعية
الفصل السابع والعشرون (2)
******************
الظلام، تلك البرودة التي تحتل قدميها، صرير السيارة، وفتاه تجلس جوارها تهتف بها راجية بأنها لم تقصد
، تتوسلها أن تفتح عينيها
” ارجوكِ افتحي عينك… مكنش قصدي والله.. مكنش قصدي”
وعندما فتحت عينيها كانت تلك الشابه الجميلة شاحبة الوجه تناسب دموعها على خديها
والماضي عاد لينسحب فلم يعد مكانه الآن… التصفيق يتعالا بعدما انتهت مديرة الجمعية من إلقاء خطابها
– سليم بيه ممكن تقول كلمتك يا فندم
عيناها كانت جامدتين خاوية من الحياة.. والصوت يتردد داخل أذنيها
” اوعي تفتكري إنى رحمتك عشان صعبتي عليا…أنا رحمتك عشان قرفان… سليم النجار ملهوش في الخدامين ”
التصفيق يتعالا مجددًا بصخب والأصوات جوارها يتهامس أصحابها بخفوت بالإنبهار والمدح
” بيقولوا إنه متجوز… يا بختها مراته.. الفلوس والعز فعلا بيخلوا الناس ولا نجوم السينما”
– كل ست فيكم فخر لأي ست بتتحدي ظروفها… إنتم أثبتوا لينا ولغيرنا إن لولا الظروف كنتوا هتوصلوا لكن كنتوا محتاجين الفرصه.. مافيش ست ناقصه عن غيرها ”
التصفيق يتعالا بقوة وإنبهار الجالسين يزداد
” بقى حتت خدامه تتضحك عليا..”
وهكذا كان النقيض!
حاولت النهوض عن مقعدها ولكن قدميها لم تسعفها.. رغم بشاعة ما عاشته مع حسن إلا أن تلك الليلة ظلت مرسخة داخلها فقد سقط الإقناع واكتشفت الحقيقة
” ف رب عملها لم يكن بطلًا ”
– شكرا سيد سليم على كلمتك.. وشكرا على دعم مؤسسة النجار لينا
توالي ضيوف الشرف كلمتهم… وهي تشاهد وتسمع تريد الإنسحاب ولكن جسدها يأبى الحركة.. حان وقت التكريم و وقت الهروب فقد فاق عقلها أخيرًا من غفوته
نهضت عن مقعدها وتخطت أقدام الجالسات يمينها.. لكن توقفت مكانها وإحداهن تقبض على ذراعها
– أنتي رايحه فين يا فتون.. ده أحنا هنتكرم.. اقعدي جانبي اقعدي
اجلستها عنوة تحتضن ذراعها تخبرها عن مشروع مشغلها الذي تكفلت به الجمعية وكم هي سعيدة
واسم وراء اسم كانت تهتف به السيدة سحر…
اخذت دقات قلبها تتسارع تنظر نحو المنصة ثم تدور بعينيها نحو باب الخروج
تعالت الأصوات مجددًا ومن حظها قد أنسحب سليم.. اغمضت عينيها وقد عادت دقات قلبها لمعدلها الطبيعي
– فتون عبدالحميد
نهضت عن مقعدها تُسرع في خطواتها تخبر حالها إنها ستلتقط شهادة تكريمها وتلك الهدية الرمزية وسترحل على الفور
اتسعت ابتسامة السيدة سحر تنظر لنقطة ما خلفها وقد توقفت يدها عن إعطائها شهادة تكريمها
– لا أنتي بالذات لازم سليم بيه النجار هو اللي يديكي هديته
ارتجف جسدها وشحب وجهها وتلاحقت أنفاسها مع إتساع بؤبؤي عينيها والسيدة سحر تردف
– سليم بيه محامي معروف ومن أشهر محامين مصر …
ابتسم وهو يستمع إطراء السيدة سحر ورغم إنه لم يعد يترافع عن قضايا واتجه لعالم المال إلا إنه يظل فخورًا بمهنته المحبه
– اتفضل يا سليم بيه.. كرمها بنفسك فتون تستحق التكريم
تجمدت عينيه وهو يسمع الاسم..ويتمتمه دون وعي
– فتون
فلم يعد هناك مفر للهرب وقد صدقت جنات ” الماضي ما انتهاش من حياتك ولا خرجتي من عالم سليم النجار طول ما خديجه النجار بتدعمك يا فتون”
التفت نحوه ببطء بعدما عاد ذلك الصوت يصدح داخلها
” لم تعدي خادمته.. لم تعدي فتون القديمه”
…………
ركض خلفها بعدما فاق أخيراً من صدمته… لقد كانت قريبة منه لتلك الدرجة.. طالعته السيدة سحر متعجبه ما حدث تتسأل داخلها هل يعرف فتون من قبل؟
عادت السيدة سحر لضيوفها بعدما رمقت أخر طيف له داخل القاعة
دار بعينيه على الطريق يزفر أنفاسه بعدما اهلكه البحث عنها
وضعت بيدها على فمها تكتم صوت أنفاسها خلف السيارة التي يقف جوارها وتختبئ خلفها
اسرع سائقه إليه يسأله بعدما رأي سيده يقف في الطريق دون هدف
– في حاجه بتدور عليها يا بيه
التف سليم خلفه لعلا عينيه تلتقطها
– في بنت خرجت قبلي مشوفتهاش
حرك السائق رأسه نافيا فهو للأسف لم يكن منتبهاً نحو باب الدخول
– لا يا فندم
زفر أنفاسه يقبض على كفيه بقوة ومازالت عينيه تدور بالمكان
غادر أخيرًا بسيارته.. فخرجت من مخبأها تسرع بخطواتها
– مالك يا فتون… مال وشك مخطوف كده
تهاوت بجسدها فوق الاريكة فاقتربت منها جنات تنتظر أن تلتقط أنفاسها وتخبرها
– شوفت سليم النجار
– ما ده المتوقع يا فتون… انتي مخرجتيش من عالم سليم النجار.. انتي لسا في دايرة العيله ديه لسا متحكمين فيكي
وأطرقت جنات رأسها بعدما رأت تلك الكسرة في عينيها
– متزعليش مني يا فتون… ما أنا كمان زيك بقيت بشتغل عنده
– مش زعلانه منك يا جنات .. ديه الحقيقه
ودمعت عينيها وهي تتذكر أن اليوم كانت تلتقط منه شهادة التكريم ومفتاح المطعم الذي سيكون بداية مشروعها
– أحلامي بتتحقق بفلوسهم… لسا باخد منهم حسنتهم… فتون الخدامة
أسرعت جنات في ضم كفوفها تنهرها
– أنتي مش لسا فتون القديمه… انتي واحده تانيه ناجحه قويه..اتحملتي حاجات محدش يتحملها
واردفت بحقد نحو اشباه سليم النجار
– لو النهاردة البدايه الحقيقيه لدخول سليم النجار حياتك.. يبقى جيه الوقت اللي تاخدي فيه حقك
…………
قبض على هاتفه بقوه بعدما لم يتلقى إجابة من خديجة… عمته تلاعبت به والرجل الذي جعله يبحث عنها كان ولاءه لها.. يعطيه المعلومات التي تُريدها خديجة لا أكثر
– عرفتي تضلليني يا خديجة… واتفقتي مع الراجل بتاعي يوصلي معلومات غلط
واغمض عينيه يعود بذاكرته لذلك اليوم
” اعمل اللي قولتلك عليه يا محسن.. دور عليها وعلى أهلها”
أندفعت خديجة لداخل الغرفه تنظر نحو الرجل الواقف بترقب
أشار إليه سليم بالإنصراف… لتتعلق عينين خديجة به بعدما قطبت ما بين حاجبيها بتسأل
” مشيت الراجل بتاعك أول ما دخلت عليك ليه.. في حاجه بتعملها من ورايا”
التقط من جواره كأس الماء يرتشف منه القليل
” هطلع أمتي من المستشفى… زهقت”
” انت لسا تعبان يا سليم… مش كفايه عِنادك وبقيت تضغط على رجلك بالعافيه عشان تتحرك”
وكالعادة كانت تشعر أن حديثها ليس له معنى ومدام قرر أن يخرج من المشفى سيخرج مهما فعلت وحاولت
” حامد مانع شهيرة تخليني اشوف بنتي مش كده..؟”
والجواب كان واضح على ملامح خديجة… التي أخذت تلعن حامد وتهتف بمقت
” سيبت كل الناس وملقتش غير شهيرة تتجوزها في السر وتخلف منها.. اه خليت حامد يتحكم فينا…”
واردفت دون رغبه في حدوث تلك الزيجة ولكن وجود طفله بين العائلتين يحتم ذلك الأمر
” مقدمكش غير تتفق انت وشهيرة وتتجوزوا لكن المرادي في العلن عشان بنتكم… ”
زواج!!! إنه كان يريدها هي وحدها ليعوضها عن ما اقترفه بحقها ويظل بطلها المغوار كما كانت تراه ويربي معها إبنته … ولكن الواقع كان غير ذلك
وها هو يعود للحاضر وشهيرة تدلف إلى مكتبه بغلالتها الحريرية القصيرة تقترب منه بخطوات هادئة
– مستنياك في أوضتنا بقالي كتير من ساعه ما وصلت
طالعها بعينيه والتقط ذلك الملف الذي اراده أن يكون حجة
– عندي شغل يا شهيرة… ف اطلعي نامي انتي
تمايلت نحوه بعدما اخذت تمسد كتفيه
– بكره بليل مسافره الغردقه عشان أمضي عقود الصفقة الجديدة..
وهمست إليه ببضعة كلمات راغبه.. لم يعد ذلك الرجل الذي يريد متعته لا أكثر حتى علاقته بشهيرة هي تفهم تماما أن زواجه منها مجددا لم يكن إلا من أجل أبنتهما
ابتعدت عنه بعدما لم تجد أي إستجابة منه تعزز أنوثتها
– سليم أنت بقالك كتير مقربتليش.. مبقتش أعجبك يا سليم مش كده… بقيت محتاج واحده غيري أصغر واحلى
امتقع وجه من تلك العبارة الدرامية التي أصبحت معتادة عليها مؤخرًا
– بلاش الدراما اللي بتسمعيها من دينا مرات حامد أخوكي يا شهيره…سليم النجار بتاع زمان انتهى ومبقاش في حياته غير بنته وشغله
– وأنا يا سليم امتى هكون حاجه في حياتك… كل الحب اللي حبتهولك برضوه لسا شايفني مجرد ست كانت من ضمن الستات اللي اتجوزتهم مش اكتر ولا أقل
– أنتي ام بنتي يا شهيره صورتك زي ما هي ست بقدرها وبحترمها لكن الحب مقدرش اكدب فيه
اغمضت عينيها تخفي ذلك الشعور الذي يطعن أنوثتها ولكن سرعان ما تلاشته فما الجديد في علاقتهما منذ أن تزوجها ثانية من أجل أبنتهما
– عجبك لون شعري الجديد… حاولت اكون في صوره مختلفه
ومالت نحوه ثانية
– الدكتور قالي فاضلي فرصه أخيره قبل ما اوصل لمنتصف الأربعين والموضوع يكون صعب.. عايزة طفل منك تاني يا سليم
…………..
استيقظ على قبلات صغيرته التي استيقظت بسعاده ونشاط اليوم في أحضان والدها
– بابي.. أصح بقى كفايه نوم
تمطأ برفق على فراش صغيرته يفتح عينيه بصعوبه ينظر نحو ساعة معصمه فلم يغفو إلا ساعتين تقريبا بعدما قضى ليلته بالخارج بعد إنتهاء حديثه مع شهيرة في أمر إنجاب طفلا أخر… يعلم إنه كان قاسي معها حينا رفض ولكن شهيرة لا تصلح أن تكون أم…كان يتمنى ان يجد فيها صوره أخرى غير صورة والدته ولكن للأسف شهيرة كل يوم تثبت إليه إنها نفس الصوره
– ديدا شربت اللبن النهاردة وهتكبر.. صح يا بابي
الصغيره تخلق حديثً معها… هو عالمها وهي عالمه.. لثم وجنتيها بقبلات عميقه فعبست بملامحها وتذمرت وابتعدت عنه تمسح وجنتيها
– بتمسحي بوستي يا ديدا هانم..
وعاد يقبلها ويدغدغها فتعالت ضحكاتها.. وقفت شهيره تطالعهم وتتذكر حديثه معها
” أنتي مش عارفه تكوني ام لطفله واحده يا شهيره.. هتعرفي تكوني أم لطفلين.. بنتك طول اليوم مع الخدم.. قوليلي تعرفي بقت تحب أيه وتكره ايه… فكريني اخر مره اشتريتي ليها فستان جديد أو اخدتيها في حضنك و نامت”
تلاقت عيناهم فانسحبت على الفور من أمامه… تمنى أن تأتي إليه تخبره إنها ستحاول أن تكون أم.. ستعطي حياتهم وقتً كما تعطي لأعمالها ومنافستها القويه لشقيقها ولكن ثيابها العملية أخبرته بوجهتها… العمل في المقام الأول
……………..
تعلقت عينيها به بصدمه
– أنت قصدك أيه بكلامك ده يا جسار… إن أنا السبب في ضياع الصفقتين من ايدينا
اشاح عينيه بعيداً عنها يلتقط سيجارة ويدسها بين شفتيه حانقًا من نظرتها للأمر كأتهام
– ملك أنا مش بتهمك وانتي عارفه كده كويس… أنا بفكر معاكي… محدش بيطلع على أوراق الصفقه غيري وغيرك والمستشار القانوني استاذ عبدالرحيم وإحنا عارفينه كويس من أيام والدي الله يرحمه… اكيد في حد بيسرب المعلومات من عندك
تجهم وجهها تنظر نحوه وقد احتلت الصدمه كيانها
– بتلف وتدور وتتهمني يا جسار مهما حاولت تغير في الكلام… مافيش تفسير غير إن الخيانه من عندي أنا
القى عقب سيجارته أرضًا يضغط عليه بحذاءه ويلتقط أخرى يشعلها بقداحته التي أخذت تعانده
– يييه يا ملك أنتي بقيتي حقيقي صعبه كل حاجه بتفسريها غلط… مش معقول كده.. أنا غلطان أني بتكلم معاكي واناقشك
انسابت دموعها تنظر نحوه وهو يغادر مكتبه.. فما الذي تغير بينهم… لقد وعدها سيكون أوفى رجل بحياتها.. سيكون عائلتها وعكازها كما كانت هي يومًا
ازدادت دموعها إنهمارًا على خديها وهي تتذكر كيف مضت السنوات التي جمعتهم، اكثر من ثلاث أعوام كل منهم واجه خوفه كل منهم رفض الأخر ثم تقبله… هو عاد له بصره وهي عادت لها حياتها
– أرجوك يا جسار متتغيرش زيهم
…………
طالع الملف الذي أمامه.. كل شئ أراد أن يعرفه عنها أصبح بين يديه.. تلك الفتاة التي انتشلتها من على الطريق منذ تلك الليلة عندما صدمتها بسيارتها.. مقر سكن والديها الأن ومكان إقامتها مع تلك الفتاه التي أصبحت تعمل الأن في شركته.. المطعم المستأجر من أملاكه… إلتحاقها بكلية الحقوق…
وزفر أنفاسه متنهدًا وصورتها تعود لتقتحم عقله.. اشتاق إليها اشتاق لصغيرته المبهورة به كبطل جميل.. اشتاق لنظرة عينيها اشتاق لأشياء لم يكن يظن إنه سيشتاق لها..
ظن إنها نزوة ومجرد شهوة تقوده ولكن رغم مرور الوقت إلا إنه مازال يشعر بنفس ذلك الإحساس الذي كان يشعره معها..شعور لا يعرف له وصف.
صدح رنين هاتفه فانتشله من حالته تلك… نظر نحو رقم المتصل ساخرًا.. فأخيرًا تذكرته خديجة بعد يومين
– اسفه يا سليم.. المشروع الجديد واخد كل وقتي…
وابتلعت باقية حديثها تستمع لسؤاله
– أنتي اللي منعتي أي معلومه توصلي عنها.. مش كده يا خديجة
صمتت دون أن تعطيه إجابة واغمضت عينيها تستمع إلى صراخه وإتهامه .. تشير لمديرة مكتبها بالإنصراف وتلعن حظها إنها من جعلته يذهب للجمعيه لتكريم السيدات اللاتي ساعدتهم الجمعية ونجحوا في تخطوا ازماتهم
– كنتي عارفه مكانها.. مش كده يا خديجة.. كنتي بتمنعي أي معلومه اعرف اوصلها بيها.. خليتي أهلها يسيبوا بلادهم وكل ده ليه ردي عليا
خرج صوتها أخيرا بعدما إستعادة رابطة جأشها تزفر أنفاسها متمهله
– عشانها يا سليم.. عملت كده عشانها.. شوف دلوقتي فتون بقت إيه
وهل بقيت فتون كما هي.. واردفت حديثها
– عندك فتون جديدة مش الخدامة اللي حاولت تغتصبها عشان صدقت شوية كلام من جوزها اللي كنت عارف ومتأكد إنه زباله
وهل أخطأت في شئ خديجة.. الحقيقه تظهر مع الزمن وهذا ما علمه.. حسن اضله وهو اضاعها
– شكلي هبدء احاول أصدق إنك فعلا حبيتها يا سليم.. لكن اوعي تنسى في شهيرة وفي بنتك!!
………………
ابتسم بمهنية يطالع المريض الراقد على فراش المشفى
– لا النهاردة أنت تمام خالص.. واقدر ابلغك إنك خلاص تقدر ترجع مصر
تهللت اسارير الرجل كما كان حال زوجته التي ترافقه
– بجد يا دكتور
انبسطت ملامح رسلان أكثر.. فهو مع تلك العائلة عادت له مشاعر كادت أن تضحمل
– بجد يا مدام… اهم حاجه بلاش تزعليه
قبضت المرأة على كف زوجه بقوة
– عمري ما اقدر ازعله ده شريك عمري وابو ولادي
قلبه خفق وهو يري كيف أضاءت عينين الرجل بحديث زوجته.. تعالا رنين هاتف الزوجة فانسحبت معتذره تخبره أن أحد ابناءهم يتصل
رمق الرجل زوجته وعاد يسترخي بجسده على الفراش مبتسما
– لو تعرف يا دكتور حكايتنا هتستعجب
أراد الرجل الحديث خاصة وهو يري شخصًا من موطنه و طبيبه الخلوق الماهر كما أخبرته زوجته
– أنا ونهال ولاد خاله… حبتها من وإحنا أطفال صغيرين… لكن للأسف أخويا حبها وكان لازم اضحي… اخويا الصغير اللي مربيه كبر وحب وعايز يتجوز… كان اسعد يوم في حياتي وهو بيقولي عايز اتجوز ولقيت شريكة حياتي
واغمض عينيه والزمن يعود به لذلك اليوم
– فرحتي ضاعت وبقي أتعس يوم في حياتي لما قالي مين هي اللي عايزني اخطبهاله … سافرت بعيد وحاولت اكمل حياتي لكن مقدرتش.. اتجوزت وطلقت…بقيت اشتغل زي الآله
تعلقت عينين رسلان به بعدما قبض فوق التقرير الطبي الذي مازال يمسكه بين يديه يتذكر حكايته… صمت الرجل ولكن قلب رسلان لم يصمت.. القلب يريد أن يعرف كيف اصبحوا الآن معا
– عايز تعرف ازاي بقينا لبعض… القدر يا دكتور… محدش بيحارب المكتوب… نصيبنا نفترق في البداية… هي تتجوز وأنا اتجوز… هي كانت نعمة الزوجه لأخويا رغم إنها محبتهوش واتقبلت طريقها معاه.. وأنا كملت حياتي ووصلت لطموحي
– وبعدين
ابتسم الرجل وهو يرى تفاعل رسلان معه.. وكيف نسي نفسه في غرفة مريضه
– أخويا مات… حصلتله حادثه.. اوعي تفتكر أني سعيت عشان أتجوزها بالعكس أنا مقدرتش أفكر فيها تاني ك ست عايز امتلكها بعد ما اتجوزت أخويا.. لكن كل حاجه كانت مترتبه.. تدبير ربك.. نهال صغيره واترملت ولسا شابه وكانت حامل ف ابن اخويا… اخواتها بعد ما ولدت وعدت سنه حاولوا يجوزوها وراجل كل يوم بيتقدم.. لحد ما واحد من أخواتها قالي بطريقه تهكمية ما تتجوزها انت وتربى ابن أخوك واه من لحمك و دمك بدل ما أنت معترض أوي على جواز حد من رجالة العيله منها ولا ستات بره بقوا عجبينك..
ولمعت عينيه وهو يتذكر تلك اللحظه التي أصبحت فيها زوجته
– بقالنا عشرين سنه متجوزين… وبقي عندنا 4 ولادك.. تلت ولاد وبنت
– ربيت ابن اخوك
اعتدل الرجل في رقدته مبتسم بفخر
– حضرت الظابط عمر ده ابني البكري… وسند اخواته وأمه من بعد ربنا وبعدي
وانقطع الحديث مع دلوف إحدى الممرضات تخبره بضروره وجوده في مكتبه
عاد لمتابعة مرضاه وها هو اليوم ينقضي وحديث الرجل عالق في أذنيه وسؤال واحد كان يسأله لنفسه اليوم
” أنت بتعاند مين يا رسلان..؟”
قطع أفكاره رنين هاتفه ينظر لرقم المتصل متعجبًا فوالده لا يتصل به إلا إذا كان هناك أمرًا متعجلًا
– لازم تنزل مصر بسرعه… ابنك تعبان يا حضرت الجراح العظيم… ابنك محتاج عمليه قلب مفتوح
………….
منذ أسبوع يأتي لهنا… يأتي ليُطالعها في مطعمها الصغير من خلف زجاج سيارته… يُطالع إحباطها ويأسها من قلة الزبائن ومحاولتها هي وصديقتها في أن تجعل وجهت المطعم جذب للزبائن
أراد الخروج من سيارته ولكن كلما تحركت يده نحو الباب تراجع وتمالك مشاعره.. فتون لن تتقبله في عالمها بتلك السهوله عليه أن يخطط ويفكر كيف يعيدها لحياته ثانية
تعالا رنين هاتفه فهتف بالمتصل متسائلا
– عملت اللي قولتلك عليه
– ايوه يا فندم… كل مدراء فروعنا وحفلاتنا هيتم التعاقد مع المطعم… غير معارفنا يا فندم
والنتيجة التي أخبره بها رجله كان يراها بعينيه من بعيد… صديقتها تحتضنها بسعاده وهي تهلل بيديها
اتسعت ابتسامته وخفق قلبه يتمتم لحاله دون وعي
– المرادي هتدخلي عالم سليم النجار مراته مش خدامه يا فتون
الفصل الثامن والعشرون (1)
***************
مسح حبات العرق من فوق جبينه بعد ان ازال قفازه الطبي وعقم يديه.. إسترد أنفاسه اخيرا وقد عاد يشعر بخافقه ينبض من جديد
يا له من شعور قوي على قلبه وطفله كان منذ ساعات يتمدد أمامه في غرفة العمليات
خرج من الغرفه ينظر إلى والدته التي سرعان ما التقت عينيها به وهرولت إليه تضم جسدها نحوه ودموعها تغرق خديها
ضمها نحوه بعدما تلاشت كل المشاعر الحاقده داخل قلبه… نعم كان حاقد على عائلته على نفسه على كل شئ جعله كاللعبه
احب أمرأة ضعيفة تركته دون أن تهرول إليه تطلب منه أن يكون موطنها لقد كان يعد لكل شئ حتى تسافر معه وتبتعد عن كل شئ… ولكنها فضلت أن ترحل
والدته لم ترحمه وضعت امومتها وحبها أمام زواجه من ابنة شقيقتها الخائنة… زواج يعد باطل وأطفال كرههم رغم عنه لأنهم منها
دائرة الحقد كانت أقوى منه… رسلان الذي تعلم دومًا أن يكون رجلا حقيقيا لا تهزمه الرياح هُزم مع أول تجربة وضع فيها وكان كباقية البشر… قانط نحو كل شئ
ابعد والدته عن ذراعيه.. فنظرت إليه بندم
– أنا اسفه يا حبيبي… أسفه إني….
وضع كفه فوق شفتيها يحثها على عدم إكمال حديثها.. أطرقت كاميليا عينيها بخزي… فلم تجد أي حديث تخبره به وعادت ترفع عينيها نحوه تسأله
– عبدالله هيكون كويس مش كده
– محتاج رعاية وإهتمام خاص…
– هجيبله كل اللي يحتاجه… ممرضه وداده وكل حاجه يحتاجها
واردفت متحمسه تتمنى أن تنال الإجابه التي ستطرب قلبها
– هتيجي تعيش معانا في الفيلا
والبهجة التي كانت ستعود لترتسم فوق ملامحها قد تلاشت وهو يخبرها صراحة بقراره
– لا يا ماما انا اشتريت شقه وهعيش فيها أنا و ولادي… أنا خلاص قررت أستقر تاني في مصر
…………..
تلاشت ملامح السعاده من فوق ملامحها واصبحت الصدمه وحدها المرسومة.. هزت رأسها لا تستوعب ما سمعته هل يضعها شقيقها بين اختيارين هكذا
– انت بتقول إيه يا حامد… عايزني اطلق واسيب بنتي واجي اقعد معاك في القصر مقابل إن امسكي إدارة الشركات كلها واتولي مكانك في إدارة المجموعة… انت اكيد حصلك حاجه
– والله يا شهيرة ده المقابل وافقتي اتنازل ليكي عن المنصب موافقتيش خلاص نفضل زي ما إحنا بنحارب بعض
طالعته بعينين مازالت الصدمة تغشاهما تهتف دون تصديق
– انت سامع اللي بتقوله كويس
– تمام يا شهيرة كده أنا عرفت إن العرض مرفوض.. اعتبري إن مسمعتيش حاجة
رمقته بحقد لا تصدق أن شقيقها وصل لتلك البشاعة
– أنت عايزني اكون زيك وحيده محدش يهتم بيا.. معنديش عيلة
تجلجلت ضحكته تصدح في ارجاء المكان.. فالتقطت حقيبتها تنظر نحوه بتقزز ومقت.
تجمدت عينيه نحو الفراغ الذي تركته خلفها يزفر أنفاسه ببطء
– متأكد إنك مش هترفضي يا شهيره..
وعاد يضحك بجنون ينتظر جوابها الذي لن يطيل
……………
واصبحت عادته يوميا يأتي صباحا عندما تفتح المطعم وفي موعد غلقه.. غامت عينيه بالحنين وهو يراها كيف تضحك مع صديقتها
تحرك بسيارته بعدما انعطفت نحو الطريق الأخر..
وفي المكان الذي كان يجمعه برفيق دربه كان يقف بسيارته ويخرج منها ينظر نحو رسلان الذي وقف جوار سيارته يتكئ عليها ويعقد ساعديه أمام صدره
– بقالك كتير
رمقه رسلان بنظرة خاطفه ثم عاد ينظر نحو ظلام الليل
– متعود ديما استناك
جاوره سليم في وقفته مبتسما
– تعرف إني مش مصدق لحد دلوقتي رجوعك… كفايه هروب بقى يا رسلان
– جيهان خرجت من حياة جسار
تعلقت عينين سليم به ينتظر أن يستطرد في حديثه اكثر
– مش هدمر حياتها ولا حياة حد… هبص لولادي ومستقبلي
التقط سليم أنفاسه بعدما شعر بالراحه من قرار صديقه وما فعله
تعالا رنين هاتفه فابتلع الحديث الذي في جوفه وأخرج هاتفه.. هتف بقلق في مربية أبنته
– مالها خديجة يا مدام ألفت
أنتبه رسلان على صوت صديقه القلق وقد ابتعد عنه ينصت للسيدة ألفت
– مدام شهيرة مبتردش على التليفون… والبنت سخنه جامد.. مكنش قدامي حل غير إني اتصل بيك يا بيه
أغلق هاتفه وأسرع في تشغيل سيارته تحت نظرات رسلان القلقه
– مالها خديجة يا سليم
– حرارتها مش راضيه تنزل والأم العظيمه كالعاده مشغوله عن بنتها
انطلق سليم بسيارته وخلفه رسلان الذي اتبعه… مر الوقت وها هي الصغيره تفتح عينيها تنظر نحو والدها تهتف اسمه
– بابي
ضمها لحضنه يلثم جبينها الذي لم تنخفض حرارته إلا قليلا
– كده يا ديدا تقلقي بابي عليكي
وقف رسلان يطالعهم ودون شعور منه كان يبتسم… خفق قلبه وهو يري ابوة صديقه.. وكيف تتمسح الصغيره بوالدها
حاله من الإنتشاء المحب للقلب كانت تغمره
أندفعت شهيرة نحو الغرفه تنظر نحوهم
– مالها خديجة يا سليم
ابتعد سليم عن صغيرته يسحبها خلفه حتى لا تري الصغيره شيجارهم
– المربية رنت عليكي كام مره… ردي يا هانم
نفضت يده عنها تدلك ذراعها
– كان عندي عشاء عمل مهم والتليفون كان صامت
– عشاء عمل.. اجتماع.. سفر… ندوة… حفله.. إيه مافيش في حياتنا غير كده.. بنتك فين من كل ده
– بنتي هتكون فخوره بأمها وهي شيفاها واصله لأعلى المناصب
دار حول نفسه قبل أن يفقد صوابه
– بنتك عايزه ام مش عايزه سيدة أعمال
واردف متهكما
– وقال إيه عايزه نخلف طفل تاني
تعلقت عينيها برسلان الذي أراد الإنصراف دون رؤيته حتى لا يشعرهم بالحرج من وجوده… انسحبت من المكان تتمتم بكلمات حانقه مما جعل رسلان يزداد حرجًا
– مكنش ليه لازم لكل ده يا سليم
رمقه سليم ساخرا يربت فوق كتفه
– ده العادي في حياتنا انا وشهيره يا رسلان
…………
طرق على سطح مكتبه بقوة بعدما ضاق ذرعًا من إيجادها وها هي المعلومه الأخيرة تصل إليه إنها رحلت من البلد بأكملها.. لا يستوعب إلى الأن أن جيهان تركته ورحلت
اغمض عينيه بقوة يتذكر الليله الأخيره التي اتفقوا فيها على الزواج بعدما لم يعد يتحمل قربها دون أن تكون زوجته
دلفت ملك مكتبه تحمل بعض الأوراق تنظر نحوه قلقلًا من هيئته تلك
– عرفت عنها حاجة
طالعها بعدما تهاوي بجسده على مقعده يفرك خصلات شعره
– لسا هعرف على أي بلد سافرت
واردف وقد كاد شدة تفكيره يسلب عقله
– كنا كويسين مع بعض يا ملك
اقتربت تضع الأوراق أمامه وقد أدركت أن تلك المرأة جعلته مهوس بها
– جسار أنت مش شايف تعلقك بجيهان بقى مرض… جيهان مش هي..
وقبل تردف بباقي عبارتها كانت ترى رجًلا غير جسار الذي عرفته بعدما أنتهت رحله علاجه وعاد له نور عينيه
– جيهان هي ريماس.. كل حاجه في جيهان كانت في ريماس مراتي… القدر بعتهالي عشان اعوض اللي كان نفسي اعيشه معاها.. فاهمه يا ملك فاهمه
ابتلعت لعابها بخوف تتراجع للخلف من هيئته … وقد سقط قناع الحقيقة أمامها اليوم
” جسار لم يُشفي بعد من حادث زوجته… جسار تحرر من الظلمة التي غشت عينيه ولكن ذلك الحادث لم يُشفي منه .. مازال يريد زوجته الراحله، مازال ضميره يؤنبه بسبب موته ”
………….
وقف بسيارته أمام المصحة النفسية التي تتعالج بها خالته… اغمض عينيه واخذ يلتقط أنفاسه يتذكر ذلك اليوم بتفاصيله
” للأسف مقدرناش ننقذ الأم.. البقاء لله ”
إنهارت ناهد صارخه تهرول نحو الغرفة التي مازالت قابعة فيها أبنتها تهتف بها راجية أن تستيقظ…تُحرك جسدها بين يديها والكل يقف يُطالعها في ذهول … أما هو كان يقف يُطالع كل شئ بعينين جامدتين حتى تعلقت عينين ناهد به وركضت نحوه تدفعه وتصرخ به
” أنت اللي موت بنتي… أنت اللي موتها..”
ولم تكن مها هي من ماتت اليوم وحدها هو أيضا مات ولم يعد كما هو.
فتح عينيه بعدما تلاشت تلك الذكرى من عقله… يلتقط أنفاسه المتلاحقة يقبض فوق عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل أصابعه .
ترجل أخيرًا من سيارته يسير نحو الداخل…التقي بطبيبتها التي لم يكن لديها ما تقوله إلا أن الحاله كما هي ولكن اسم واحد أصبحت تردده هذه الأيام ” ملك ”
ارتجف قلبه عند سماع اسمها … إنه يصارع رغبته في نسيانها والبعد عنها وتركها في حياتها.. فما الذي جانته من عائلتهم
والحنين أخذه إلى أول ذكرى رأها فيها بعدما عاد من لندن بعد رحله دامت لسنوات ليُحقق اسمه… عاد ليري ابنة خالته ليست كالتي كانت قبل ذهابه نحو مستقبله…. خطفت قلبه وعيناه بضحكتها…
ارتجفت عينيه وشعور قاتل يحتله.. إنها كانت في حياة رجلًا اخر كما أعطي هو اسمه لأمرأة خائنه انجب منها طفلان.
اقترب من غرفة ناهد بعدما أشارت إليه ممرضتها بالدلوف واغلقت الباب خلفها لتتركه معها.. تقدم منها ينظر إليها كيف أصبحت وللحظه إهتز قلبه شفقة ولكن سرعان ما تلاشت شفقته ولم يبقى إلا الحقد داخله
فتحت عينيها بعدما شعرت أن هناك من يقف قرب فراشها… لم تكن تُصدق إنها ستراه ثانية.. ها هو رسلان جاء إليها.. سقطت دموعها ترفع كفها نحوه ولكنه ظل جامد في وقفته يُطالعها بملامح باردة
تمتمت اسمه بصعوبه بعدما تمكنت تلك الجلطة منها
– رسلان… مها
ارتسمت السخريه على شفتيه… يعلم من نظراتها له ماذا تريد أن تعلم… واعطاها الجواب الذي اراحها
– متخافيش مفضحتهاش في النهايه هي أم ولادي يا ناهد هانم
اغمضت ناهد عينيها وانسابت دموعها
– مبسوطه دلوقتي
وعندما لم يجد منها إجابه التف بجسده وقد فضل الرحيل…فهو لا يريد تذكر ذلك اليوم و مها تخبره على فراش المشفى تلفظ أنفاسها الأخيرة إنها لم تكن عذراء واجهضت جنين كان في رحمها نتج عن تلك الليلة وإنه لم يقربها ضعفًا منه ولكنها هي من وضعت له المخدر حتى يقترب منها وتحدث علاقه بينهم.. زيجة كانت باطله وضعته داخلها بل وجعلت أولاده ينتجون عنها
– ملك
تجمد في حركته عندما أستمع لصوت ناهد الخافت…ف اكمل خطواته نحو الخارج
– ولاد مها.. ملك بس اللي هتحبهم.. متخليش حد غيرها يربيهم..
ملك مش هتعمل فيهم زي ما عملت فيها.. ملك هتحبهم
قبض على مقبض الباب فلم يعد لديه قدرة لتحمل المزيد
– اتجوز ملك
………..
” إستدعاء من السيد سليم”… تلك العبارة التي تلقتها من مديرها المباشر الذي رمقها بنظرة فاحصة قبل أن يعود لمكتبه.. ارتجف قلبها للحظات ولكن سرعان ما كان شعور الحقد يعود إليها.. وقفت بثبات تفرد جسدها ترفع شفتيها إستنكارا تخبر حالها
” وانتي خايفه ليه منه يا جنات… ده هو المفروض يخاف منك ويعملك الف حساب”
وإستنتاج اخر كان يدور في خلدها فقضمت فوق شفتيها تفسر وتحلل لحالها
” اكيد عرف علاقتي بفتون… وعايز يهددني إني مفضحوش”
ولم تكن تشعر بخطوات قدميها إلا عندما استمعت لصوت مديرة مكتبه تهتف بها
– ايوه يا أستاذه حضرتك واخده في وشك كأن مافيش حد موجود
تراجعت جنات خطواتان تطالعها بإستغراب إلى أن تداركت الأمر
– جنات من قسم الشئون الإداريه.. سليم بيه طالبني في مكتبه
أشارت إليها الجالسه بالدلوف وعادت تتابع الأوراق التي أمامها… رمقتها جنات بمقت واطرقت فوق الباب ثم تقدمت تنظر لداخل الغرفة الفسيحة…
تعلقت عينيها به وهو يقف قرب مكتبه يعطيها ظهره ويتحدث في هاتفه.. التف إليها يُشير نحوها بالجلوس حتى يُنهي مكالمته… دقيقتان لا أكثر وكان ينظر لها يسألها بأدب
– تشربي ايه يا انسه جنات… قهوه ولا عصير
اتسعت عينين جنات ذهولا من مقابلته
– لا يا فندم شكرا
واردفت بجديه بعدما زال ذهولها
– حضرتك كنت مستدعيني
شملها بنظرة خاطفة عرف خلالها إنها تعلم كل شئ عنه وعلى ما يبدو أن فتون أخبرتها عما فعله بها… ذلك الذنب الذي لم يغفره لنفسه حتى اليوم
– فتون
انتفضت جنات عن مقعدها تحدق به بقوة
– عايز إيه من فتون تاني مش كفايه اللي عملته فيها… اوعي تكون فاكر إن فتون العيلة الصغيرة اللي جوزها الواطي كان مشغلها خدامه عندك لسا زي ما هي
والتقطت أنفاسها وعاد الحديث ينبثق من بين شفتيها وسليم يُطالعها بذهول
– لولا إنها زمان رفضت تبلغ عنك وتفضحك كان زمانك مفضوح دلوقتي بين الناس
– انسه جنات ممكن تديني فرصه اتكلم…
ولكن جنات لم تصمت… لم يتحمل سماع المزيد من إهانتها لها فضرب على سطح مكتبه بقوه فتراجعت للخلف تتمالك أنفاسها وتنظر إليه بترقب وهو يقترب منها بخطوات ثابته
– أنا عارف كل الصفات الوحشه اللي فيا بس متحاوليش تخرجي سليم القديم
وجنات لم تصمت كعادتها فاندفعت هاتفه
– أنت بتهددني
زفر أنفاسه بضيق فعلى ما يبدو إنه اختار الشخص الخطأ للحديث معه
– إظاهر يا أستاذة إننا مش هنعرف نتكلم بهدوء… كل اللي كنت عايزه منك إن اساعد فتون عشان تكبر في شغلها واكون بعيد عن الصوره لكن انتي واخده وضع الهجوم
اردف عبارته الأخيره متهكما.. فتجهمت ملامحها بإستياء ترمقه بمقت ثم غادرت مكتبه فوقف يُطالع اثرها يزفر أنفاسه بضيق
………..
– مالك يا جنات سرحانه كده ليه ؟
تسألت فتون وهي تلتقط منها المعلقة تُقلب بها الطعام بدلًا عنها
– عنده بنت جميله، مراته سيدة أعمال ناجحه
قطبت فتون حاجبيها تنظر لها دون فهم
– هو مين ده؟
– سليم يا فتون
بهتت ملامحها قليلًا وسرعان ما عادت لطبيعتها.. اكملت تقليب الطعام في صمت ولكن جنات لم يكن الصمت ما تريده منها
– أنا بقولك إنه معاه بنت عشان تعرفي إنه كمل حياته وكنتي ولا حاجة يا فتون
أرادت جنات أن تجعلها تفقد أي مشاعر تقودها نحوه… وقد أصابة الكلمه هدفها “هي لا شئ” وهي تعرف ذلك تماما… وضعت جنات يدها على كتفها
– اوعي يا فتون تنسى هو عمل فيكي ايه
…………….
انتفضت من غفوتها تنظر حولها تضع بيدها على قلبها حتى اخذت أنفاسها تهدء رويدًا.. عادت لوسادتها ثانية تضع رأسها عليها تُحدق في السقف بشرود
– ليه جتيلي في الحلم يا مها… ديه أول مره.. عايزه مني ايه
ورغمًا عنها سقطت دموعها… لم تكره مها يومًا… من فرقتهما هي ناهد وحدها… شقيقتها كانت تسير خلفها تنفذ اوامرها وقد افسدها الدلال
عاد الحلم يقتحم مخيلتها في صحوتها… فالحلم غريب.. مها تبكي لها ثم تسقط داخل البئر تصرخ بها أن تنفذها
وهكذا استمر تفكيرها بالحلم طيلة اليوم… حتى هاتفت أخيراً حالها
– أنا هكلم ميادة… واسأل عن ولادها
والإجابة كانت تحصل عليها من ميادة…عبدالله الصغير مريض ومنذ اسبوع اجري عملية بالقلب و رسلان عاد لأرض الوطن وانفصل عن العائلة بأطفاله
– رسلان أخد الولاد يا ملك من ماما… أنا مش عارفه ليه بيعاقبها كده… طب هما ذنبهم إيه يتبهدلوا كده والولد مريض والتاني مبقاش ياكل وكأنه حاسس بأخوه
وبعدما كان الحلم وحده ما يُورق مضجها أصبح ما سمعته أيضا يُحزن قلبها على الصغيرين
…………….
وقفت أمامه بعدما اتخذت قرارها الأخير بعد أيام عديدة
– سليم إحنا لازم ننفصل
التف إليها وتوقفت يديه عند منتصف صدره ثم عاد يكمل إحلال ازرار قميصه…
اقتربت منه فتلاقت عيناهم لوهلة عبر مرآة الغرفة
– سليم ده في مصلحتنا ومصلحة بنتنا
وعند تلك النقطه عاد ينظر إليها ينتظر سماع المزيد مما ستخبره به
– حامد حط طلاقنا شرط قدام إني أكون رئيسة مجلس الإدارة.. إحنا ننفصل لحد ما كل حاجة تبقى في أيدي وبعدين
– وبعدين إيه يا شهيرة
خرج صوته متهكمًا… فتراجعت للخلف تنظر إليه تبحث عن رد منطقي تقنعه به
– نرجع لبعض من تاني وهنكون إحنا الكسبانين
صدحت ضحكته حتى دمعت عيناه فشعرت وكأنه قد فقد عقله
– سليم إحنا ناس بتوع بيزنس لازم ندور على اللي يكسبنا
واقتربت منه مجدداً تتحسس صدره بأظافرها المطلية تنظر في عينيه تنتظر الإجابة….ابتسم إليها ومال برأسه نحو كتفها فاغمضت عينيها بإنتشاء
– أنتي طالق يا شهيرة
اقتباس من الفصل القادم
***********
دلف لغرفة صغيريه متلهفًا بعدما أخبرته الخادمة أن خالة أولاده بالداخل… تلاشت لهفته عندما تلاقت عيناهم ولم يجد في عينيها إلا الخواء
– ولاد اختي هيعيشوا معايا يا دكتور
ضيق عينيه وهو يقترب منها بخطواته يشير للمربية أن تنصرف حتى يسمع ما تخبره به ثانية
– مسمعتيش اللي قولتيه
اقتربت منه تنظر إليه بقوة وتعيد عليه ما أراد سماعه
– ولاد اختي أنا اللي هربيهم
الفصل الثامن والعشرون ( 2)
********************
رفع عينيه نحو ذلك المبنى بعدما تأكد من العنوان..
إنه هنا في فينيسيا من أجلها… صعد الدرجات القليلة الفاصلة بين المبنى والشارع ومن ثم صعد الدرج حتى الطابق الرابع ينظر للشقتين المقابلتين لبعضهم…
إلتقط أنفاسه التي أخذت تتسارع وكأنها تشتاق، ثواني مرت وهو يقف هكذا شئ يخبره أنه فعل الصواب وشئ يدفعه أن يتراجع
كاد أن يرفع يده حتى يدق جرس الباب… فانفتح الباب ببطء وتعلقت عيناه بها ينظر إلى تفاصيلها التي أشتاق إليها يهتف اسمها كما هتفت هي اسمه
– جيهان
……….
– مراتك فين يا حامد… مبقتش أشوفها ليه هي وابنها
تجمدت عينيه نحوها ثم عاد لأرتشاف قهوته
– طلقتها!
شهقت شهيرة بخفوت تنظر إليه ببعض الدهشة ولكن سرعان ما زالت دهشتها وارتسمت السعادة فوق محياها فها هي تخلصت من دينا فقد كانت تخشي أن يُنجب شقيقها منها ويضيع كل شئ من يدها
اتخذت الأمر مزحة لم تعجب حامد الذي رمقها ساخرًا
– مكانتش لايقة عليك الصراحه يا حامد
– ولا ابن النجار كان لايق عليكي… أكيد أنتي عارفه السبب
تجهم وجهها وقد فهمت مقصده وقد جرح أنوثتها
– سليم عمره ما فرق معاه فرق السن بينا يا حامد…صحيح هو محبنيش بس عمره ما جرحني… عشان كده سيبتله بنتي هو يربيها هيبقى احن عليها مني ومنك يا حامد
ارتفعت شفتيه مستنكرًا تلك الخطبة العظيمة التي تمدح فيها شقيقته ابن النجار وحفيد رأفت
– عارفه أنا طلقت دينا ليه
واردف منتشيًا يرفع حاجبيه متهكمًا ينتظر رؤية ملامحها
– كانت بتحب جوزك وعايزاه
انصدمت ملامح شهيرة تحدق به لعله يكذب عليها
– و سليم
وخرجت باقية الكلمات متعلثمة فابتلعت لعابها
– كان بيحبها؟
تسألت وخشيت أن تسمع الإجابة ولكنه أعطاها ما أرادت ينظر إليها متشفّيًا ويُلقى عليها إحدى الصور
إنحنت تلتقط الصوره تنظر نحو ملامح تلك الصغيرة وقد إرتجف قلبها
– اسمها إيه
والإجابة اخذتها منه بعد ضحكة صدحت بالإرجاء
– فتون
………….
لم يتحمل رؤية المزيد من دموعها.. دموع أجادتها حقًا.. فجعلته يُصدق كل كلمة اخبرته بها عنها … انسحب عقله وانسحبت كل ذكرى جميله كانت فيها خير من وقف جانبه ولم يفكر إلا إنها حاربت حبه وكادت أن تدمر سعادته
اقترب منها يضمها إليه أسفًا
– مكنتش فاكر إن ملك ممكن تطعني في ضهري وتعمل كده
دفنت رأسها بحضنه تتشبث به وصوت شهقاتها يعلو
– أنا أسفه يا جسار… بس هي لما قالتلي كده أنا قولت لازم أبعد
وابتعدت عنه تنظر في عينيه ودموعها مازالت تغرق خديها
– كان صعب عليا يا جسار أعرف إنك مش بتحبني وإنك متعلق بيا بسبب إن فيا شبه من مراتك الله يرحمها
ازدادت شهقاتها واشاحت عينيها بعيدًا تضع بكفها فوق فمها
– قالتلي إن ولا حاجة في حياتك وإن بسهوله هتقدر تستغني عني وترميني
كانت بارعه في رسم دورها وكان هو أمامها كالمغيب.. إحداهن ماتت وكانت إمرأة لا تعوض وأخرى كانت أكثر النساء عطفًا و وفاء وإخلاص… حتى زوجة أبيه السيدة فاطمة كانت إمرأة عظيمة ربته وكأنها أمه أعطته حنانها وحبها دون بخل… نساء مروا بحياته أثبتوا له كل المعاني الجميلة قدموا له كل شئ.. وهنا كان وقت السقوط
رفع كفيه نحو خديها يجفف دموعها بأنامله بعدما اجتذبها نحو وتلاقت عيناهم
– جيهان أنا مبقتش قادر ابعد عنك…. خلينا نتجوز يا جيهان
تسارعت دقات قلبها طربًا… لقد ربحت وحصدت ما سعت لأجله بعدما أنهى رسلان اللعبه وصرفها بعيدا.. ابتلعت لعابها تنظر إليه غير مصدقه
– نتجوز؟
– أيوة نتجوز يا جيهان… عايزك تكوني مراتي… أنا مبقتش عايز غيرك
…………
اندمجت مع لحن الغنوة التي تصدح نغماتها من هاتفها.. تتراقص ساقيها وتُحرك رأسها في متعة وهي ترى كيف أجادة صنع كعكة العيد ميلاد الضخمة
انفتح باب المطعم فرفعت عينيها وقد توقفت حركتها.. تنظر نحو القادم فرسمت ابتسامة لطيفة على محياها ومسحت يديها واقتربت منه بعدما القت نظرة نحو الطاولات القليلة المرتصَّة بعناية بمفارشها النظيفة
– اتفضل يا فندم
طالع الرجل المكان بنظرة فاحصة وترتها.. فرغم تلك التعاقدات مع بعض الشركات التي أتت إلى المطعم ولكن المطعم زبائنه قلائل بل لا يعدوا… إنها تعتمد على ربح إعداد الأطعمة وتجهيزها
– الباشا محتاج يحجز المطعم النهارده… المطعم لفت نظرة وهو معدي على الطريق فعايز يجرب اكله
تهللت اساريرها وقد دلف للتو ذلك الشاب الذي لم يتجاوز عمره التاسعة عشر واقترب منهما وقد سمع العرض فتهللت اساريره هو الأخر
– الباشا.. باشا مين حضرتك
تسألت فتون بقلق… فمطعمها بسيط لن يروق لتلك الطبقة خاصة بموقعه في تلك المنطقة البسيطه النائية بعض الشئ
– ايوة يا أستاذة… عنده إجتماع مع وفد ياباني.. ها هحجز ولا أشوف مكان تاني
اسرع أحمس في جذب ورقة وقلم من فوق سطح الرخامة
– لا لا يا يا باشا أتفضل قول طلباتك وكل اللي عايزه… مش كده يا فتون
تلاشي توترها ونظرت نحو أحمس
طالعهم الرجل بنظرة شامله قبل أن يهتف بطلبات سيده
– بكره الساعه 6 مساء
غادر الرجل بعدما تمم على كل شئ يجب أن يكون معد وألا يخجلوه أمام سيده وضيوفه
– مالك يا فتون قلقانه كده ليه.. المفروض تكوني مبسوطه.. المطعم ما شاء الله بيكبر بسرعه
فركت فتون كفيها وقد علقت عينيها بجسد الرجل الضخم
– مش عارفه يا أحمس… بس مش شايف إن كل اللي بيحصل ده يخوف
ضحك على خوفها ورمقها قبل ينظر نحو ما دونه بالورقة ويجب أن يبدئوا تحضيرها من الآن
– ده رزق حد يقول للرزق لاء يا فتون
انبسطت ملامحها بعدما زال خوفها.. فمنذ لقاءها بمسعد منذ ايام رفيق حسن وقد عاد الخوف يدب داخل قلبها خاصة وأن مسعد أصبح رجل ثري
– عندك حق يا أحمس… يلا خلينا نشوف الطلبيه اللي في ايدينا ونروح السوق
ولطمت جبينها تتذكر أن لديها محاضرتين غدا بالجامعه
– عندي محاضرتين بكره ولازم أروحهم… اعمل ايه طيب
ضحك أحمس على فعلتها
– أنتي أحضري محاضره وانا احضر محاضره وبكده نكون ظبطنا الدنيا
قوست ما بين حاجبيها شاردة في كل ما يدور حولها إلى أن صرخ بها أحمس
– لا مش وقت تفكير دلوقتي يا فتون…. يلا بسرعه نخلص اللي في ايدينا على ما جنات تيجي من شغلها تساعدنا
……….
التقطت جيهان هاتفه الذي أخذ رنينه يتعالا…فارتسم الزهو فوق ملامحها وهي تطالع رقم ملك.. اردات أن تُجيب عليها وتقهرها ولكنها فضلت أن تكون لحظة إنتصارها مرئية أمام عينيها
” نفسي أشوفك مقهورة زي ما خلتيني أتقهر وأنا بقدم حبي لراجل عمره ما شافني وفي النهاية استخدمني عشان اكون حبيبت راجل تاني وكل ده عشانك… عشان مش قادر يشوفك مع راجل غيره”
والتمعت عينيها بالحقد وهي تتذكر كيف أحبت رسلان منذ أن التقت به في لندن
شعرت بيدين جسار تسير فوق كتفها العاري يهمس قرب اذنها
– حببتي سرحانه في إيه
وحدق بهاتفه الذي مازال قابع في يدها.. فانتبهت على أمرها
– ملك كانت بترن عليك
شعر بالتوتر قليلًا من سماع اسمها ولكن سرعان ما تجمدت عيناه
– جسار أنا مش هقدر استحمل قربها منك… ومهما كان هي كانت طليقتك
واردفت بوداعة تجيد رسمها عندما ظلت ملامحه جامده نحوها
– حتى لو كان جوازكم صوري زي ما حكتلي… أنت إديتها كتير ووقفت جانبها غير الأسهم اللي ليها في شركتك
ابتلعت لعابها وهي تراه يرمقها بتلك النظرات التي ترهبها.. فهي مازالت تعلم أن ملك لديها مكانه لدي جسار لم ولن تهتز مهما حدث ولكنها ستفعل كل شئ حتى تبعدها
– حبيبي أنت عملت كل حاجة ورديت ليها الجميل… مش هتوقف حياتك معاها…وبصراحه أنا بغير عليك أوي منها يا جسار
لمحت ابتسامة خاطفة على شفتيه سرعان ما أجاد إخفاءها عنها ولكنها علمت إنها نجحت في إستمالته نحوها
اقتربت منه تحتضن وجهه بين كفيها ثم رفعت يدها تحركها على خصلات شعره الرطبه
– انت متعرفش أنا بحبك أد إيه
أشعلت قلبه وجسده بكلماتها وبغنجها البارعة فيه… لحظات وكان يسحبها معه في عالم يُريد العيش فيه… فتحت له كل الأبواب لينعم بطراوة جسدها..رنين هاتفه كان يعلو ثانية ولكنه كان في جنته غير عابئ بأحد غير التي بين ذراعيه.
القت ملك الهاتف فوق فراشها بعدما يأست من إجابته عليها… جلست على الفراش ولم تشعر بدموعها التي انسابت على خديها
لديها شعور قوي أن هناك شئ سيحدث… شئ سيعكر صفو حياتها الهادئه
مسحت دموعها تبث في نفسها العزيمة
– أنتي قوية يا ملك… سامعه أنتي قوية
نهضت من فوق الفراش تلتقط هاتفها وحقيبتها… وقد اتخذت قرارها أخيرا ستذهب لرؤية أولاد مها.. ستذهب لتجلبهم حتى يعيشوا معها وستقف أمام تلك العائله التي جارت عليها يومًا
………..
كل شئ تم إعداده بدقة… والمطعم أصبح مُهيأ لإستقبال الوافدين… نظرت نحو ساعتها بقلق… ف جنات قد تأخرت عليها وأيضا أحمس
تعلقت عينيها بالسيارات التي اصطفت خارج المطعم فارتجف قلبها تهتف بصوت قلق تخاطب حالها
– اتأخرت عليا ليه يا أحمس.. هعمل إيه دلوقتي
ثواني وكان الوافدين يدلفوا المكان ينظرون إليه بنظرات فاحصة مما زاد توترها فعلى ما يبدو أن مطعمها البسيط لم يروق لهم.. اسرعت نحوهم بأدب ترحب بهم
فابتسم البعض إليها محركين رأسهم بتحيه متمتمين بلهجة لم تفهمها هتفت داخلها وقد ازداد توترها بشدة
“هتعملي ايه يا فتون لوحدك… دول شكلهم ناس تقيلة وأجانب ”
حاولت تجاوز خوفها تمسح يديها المتعرقة في ثوبها.. طالعها الرجل الذي أتى أمس لحجز المطعم يسألها
– كل حاجة اتعملت زي ما طلبت
اماءت برأسها تنظر نحو الطاولات والمقاعد.. واسرعت إليهم حتى تساعدهم مع ابتسامة لطيفة جلعت دقات قلبها المتسارعة تهدء
أدركت فداحة خطاءها بعدما نظرت نحو الطاولتين .. فأين زجاجات الماء… عادت بأدراجها نحو المطبخ بنظامه المفتوح حيث يكون كل شئ يتم إعداده أمام الزبائن كالنظام الأوربي
– شكرا ليكي
واخيرا نطق أحدهم بعدما أرتشف من زجاجة الماء… اتبعت الأمر بوضع السلطة والشربة وما يخص وجبة الأسماك الدسمة.
شهقت بفزع عندما ارتطم جسدها بشئ صلب…فهتفت أسفه وهي تخفض عينيها أرضًا
– أسفه
– خدي بالك
وهل نسيت صوته يومًا… رفعت عينيها نحوه وقد إرتجفت اهدابها تبتلع ريقها تُقاوم تلك الرجفة التي انتقلت لسائر جسدها
– سليم بيه .. الضيوف
نظر خلفه نحو مساعده وكان يومًا ما صديقه… حركة من عينيه جعلت الأخر يتقدم من الضيوف والمترجم بدء دوره في ترجمة كل شئ يريدونه
اندفع أحمس داخل المطعم ولكن سرعان ما تمالك إندافعه ورتب هيئته بعدما علقت به أعين الجالسين.
رحلة طويلة دامت بينهم عندما تلاقت عيناهم… الكلمات تريد أن تخرج من بين شفتيه.. يريد أن يخبرها كم إشتاق إليها وافتقدها وبحث عنها
– فتون معلش أتأخرت عليكي.. المواصلات صعبة
افاقها صوت أحمس من تلك الحالة التي أصبحت فيها… ويا للأسف مازال يحمل ذلك السحر الذي اسقطه فيها يوما ولكن هي ليست فتون الضعيفه الخادمة التي ترى العالم من نافذة صغيره
بللت شفتيها بلسانها تتمالك حالها ثم تجاوزته… نعم تجاوزته سليم النجار تجاوزته امرأة.. قبض على كفيه بقوه يلتف نحوها وكيف اتجهت نحو ذلك الشاب الوسيم ذو العينين الخضراوين
أنتبه على نظرات ضيوفه… فجاهد نفسه للعودة لهيئته المنمقة الجادة
– مالك يا فتون… وشك مخطوف كده ليه
وضعت يديها فوق الرخامة تلتقط أنفاسها تنظر نحو أحمس الذي اسرع في ارتداء ثياب المطعم وعاد إليها يحمل معها الأطباق ويخرج الصواني من الفرن
– مافيش يا أحمس… خلينا نشوف شغلنا
وها هم أعدوا كل شئ كما تم طلبه منهم…. والضيوف منهمكين بتلذذ ومتعة في تناول وجبتهم.. أما هو كانت عيناه عليها من حينًا إلى أخر وكيف تتهامس مع ذلك الشاب ويضحكون
تجمدت يده فوق شوكته وقد علقت عيناه بأحمس وهو يلتقط منها الورقه والقلم بعدما دفعها بيده برفق
– سليم بيه… الضيوف بيقولوا لحضرتك أد إيه اختيارك للمطعم نال إعجابهم… وإنهم أحبوا بساطة المكان
أنتبه على صوت المترجم بعدما اخذ “شادي” مساعده يتنحنح حرجًا حتى يلفت إنتباه
أماء برأسه إليه يحاول تمالك نفسه ولكن عيناه أبت ان تبتعد
نهض عن مقعده بعدما مسح شفتيه بالمنديل وعينين مساعده عالقة به
اندفع إليها ينظر إلى ذلك الشاب بمقت
– فتون
طالعه أحمس مدهوشًا من نطقه لاسمها وكأنه يعرفها وكيف اشاحت هي عينيها منشغلة في ترتيب اطباق الحلوي التي ستقدم بعد قليل
– افندم يا سليم بيه.. في حاجة ناقصه او مش قد المستوى
– فتون بصيلي
اقترب منها حتى يجذب ذراعها ولكن أحمس وقف بينهم يحدق به
– حضرتك ممكن تكلم معايا أنا… أنا هنا المسئول لو في مشاكل مع الزباين
تعلقت عينين سليم بيد أحمس التي قبضت فوق ذراعه.. اغمض عينيه ثم ازاح قبضة أحمس
– هنتكلم يا فتون… هنتكلم كتير أوي
وعاد لطاولته يبتسم بدبلوماسية إلى ضيوفه ثم مال نحو مساعده يهمس بخفوت
– تحاول تتصرف مع الولد اللي واقف هناك… قبل ما الضيوف يمشوا تكون اتصرفت فاهم يا شادي
وشادي يفهم وينفذ في صمت
………….
هل ما يسمعه من خادمته حقيقي أم هو أصبح يتوق لذلك .. لم ينتظر سماع المزيد من خادمته واندفع نحو غرفة صغيريه ينظر إليها متلهفًا… فالخادمة لم تخطئ …
تلاشت لهفته عندما تلاقت عيناهم ولم يجد في عينيها إلا الخواء
نهضت من جوار الصغيرين بعدما قبلتهم ومسحت فوق وجنتيهم.. والتحدي وحده ما كان يحتل كيانها
– جيت عشان أخد ولاد اختي يعيشوا معايا يا دكتور… ياريت نعرف نتفاهم بهدوء لأني مش هتنازل عنهم
ضيق عينيه وهو يقترب منها بخطواته يشير للمربية أن تنصرف حتى يسمع ما تخبره به ثانية
– مسمعتيش اللي قولتيه يا مدام ملك
ضغط على أحرف كلماته ينظر إليها بشوق استطاعت عيناه إخفاءهم ولكن قلبه خانه… اقتربت منه تعيد عليه حديثها
– ولاد اختي أنا اللي هربيهم… اظن إنك سامع كويس
– ومين اللي هيسمحلك بكده
– أنت… وده الأفضل ليهم…
واردفت متهكمه ترمقه بتحدي
– أنت لسا فاكر إن ليك ولاد يادكتور
غامت عينيه ينظر نحوها بملامح قاتمة
– وانتى كنتي فين… مش المدام برضوه بتكره العيلة بكل افرادها
واستطرد بجمود يقطع عليها حديثها حتى يستفزها
– ولادي أنا هعرف كويس أربيهم.. هما مش محتاجين غيري
واولاها ظهره مغادراً الغرفة
– نورتي البيت يا مدام ملك… وتقدري تشوفي ولادك أختك زي ما أنتي عايزه
ولكن توقف في مكانه ينظر نحو قبضة يدها فوق ذراعه مدهوشًا من فعلتها
– من أمتي انت حبتهم… أنت كنت سيبهم ومسافر بره وعايش حياتك… كفايه أوي عليهم لحد كده مع عيلتك ومعاك… كفايه ظلم ليهم
التف إليها وقد أنتبهت للتو إنها مازالت تقبض فوق ذراعه وقريبة منه للغاية
– قولتلك انا أبوهم… سامعه كويس ولا محتاجه اكرر كلامي
– وأنا خالتهم… مها عايزانى انا أربيهم
طالعها بنظرة غامضه فاشاحت عينيها بعيدًا عنه
– أقول للخدامة تحضر العشا ولا معندكيش وقت
إستطاع إثارت حنقها من تلك البرودة التي يتحدث بها فمال نحوها ينتظر سماع إجابتها
– ولاد اختي هعرف اخدهم منك كويس يا رسلان.. بيني وبينا المحاكم
صدحت ضحكته عاليا فلم يعد يتمالك حاله من ثقتها
– شوفي انتي هتعملي إيه وبلغيني
أندفعت من أمامه حانقة نحو غرفة الصغار تلتقط حقيبتها ثم عادت تتخطاه راحلة
تشبثت قدماها مكانها دون أن تلتف إليه
– في طريق أقصر من التحدي ومن كل ده يا ملك..
واردف ساخرًا يلوي شفتيه إستنكارًا
– أنتي طول عمرك بتضحي عشان الناس.. فمجتش من مره تالتة تقدمي التضحية ديه كمان
اقتباس من الفصل القادم
***********
انهارت أسفل قدميه تكتم صوت شهقاتها تتذكر تفاصيل تلك الليلة
– متعملش فيا حاجة… متعملش فيا حاجة.. أنا معملتش حاجة
إنحدرت دمعة فوق خده سرعان ما ازالها ينظر إلى هيئتها وينحني صوبها يُحاول إنتشالها من فوق الأرضية وضمِها إليه
– مش هأذيكي يا فتون صدقيني… أنا أسف.. سامحيني
– أبعد عني… أبعد عني
دفعته بيديها فتهاوي للخلف بعدما فقد السيطرة على جسده بسبب وضيعته تلك.. تحكمت في نوبة فزعها ونهضت تجذب إحدى الزجاجات تدفعها فوق رأسه
فاقت من صدمتها وهي ترى الدماء تغرق رأسه ثم إنبطاحة فوق الارضيه..
نظر ت إليه في ذعر وانكمشت على حالها نحو الجدار لا تستوعب ماذا فعلت.. ارتجفت يديها وقد وضعتهما فوق شفتيها ومازالت الصدمة والضياع تحتل عيناها
حاول أن يرفع رأسه لعله يطمئنها وقاوم شعوره
– متخافيش يا فتون
وسقط بعدها في دوامة الظلام… فجحظت عينيها تنفض رأسها مما هي عليه وتستوعب تلك الكارثة التي فعلتها
– سليييم
رواية لمن القرار.
بقلم سهام صادق.
