غريبة في عالمك رحاب حلمي ج 5

الحلقة السادسة والعشرون
*آسف*

كانت حياة مستلقية على السرير و هي لا تزال غائبة عن الوعي وشعرها مبعثرا بشكل عشوائي على الوسادة ومريم تجلس بجانبها وفي يدها زجاجة عطر صغيرة وقطعة قطن تحاول أن تقربها من أنف حياة التي بدأت تحرك رأسها يمينا وشمالا وهي تستعيد وعيها تدريجيا إلى أن فتحت عينيها, فابتسمت مريم وهي تحمد ربها ووضعت ما بيدها على المنضدة الصغير التي بجوار السرير وقالت لحياة وهي تمسح على رأسها بحنان: حمدالله على سلامتك يا حياة, قلقتينا عليكي يا بنتي.
فحاولت حياة النهوض وهي تشعر بالوهن وساعدتها مريم إلى أن استطاعت الجلوس وهي تستند برأسها على الوسادة بالخلف, وضغطت على يد مريم والدموع تتجمع بعينيها وتسألها بتوسل: أنا كنت بحلم يا مريم, مش كدة؟ بالله عليكي لتقوليلي ان كل دة كان مجرد كابوس.
كانت مريم تتمنى أن تؤكد كلامها إلا أنها لم تستطع فنظرت إليها بعيون مليئة بالشفقة وهي تقول: للأسف يا حياة كان حقيقة, عماد شاكر عزالدين كان موجود هنا ولسة ماشي دلوقت وجوزك نزل يوصله بعد ما اتأكد انك بخير وكمان عشان يجيب حاجة من الصيدلية نفوقك بيها.
وما ان سمعت حياة ذلك حتى انهارت تماما وأخدت تلطم وجهها بيدها وتبكي بح.رقة وتتفوه بكلام غير مفهوم استطاعت مريم أن تتبين منه القليل بصعوبة حيث كانت تندب حظها: ليه بس كدة يا ربي؟ بعد ما كنت بدأت أنسى؟ بعد ما كنت بدأت أعيش حياتي؟ هو أنا مش مكتوبلي أفرح بقا؟
فجذبتها مريم إلى حض.نها وهي تبكي لبكائها و تقول لها مواسية: اهدي يا حياة واستغفري ربنا.
وبالفعل بدأت حياة تردد الاستغفار إلى أن شعرت بها مريم تهدأ قليلا فأبعدتها عنها برفق وأخذت تجفف لها دموعها وهي تقول لها محاولة التفكير بعقلانية: حبيبتي احنا لازم نشوف دلوقت احنا هنعمل ايه في المصيبة دي؟
وكأنها بسؤالها ذلك أثارت دموعها من جديد, فقالت وهي تنتحب: مش عارفة, مش عارفة يا مريم, ياربي بقا من بين كل الناس يطلع دة صاحب جوزي, الانسان اللي دبحني؟
فحذرتها مريم وهي تضع اصبعها على فمها: هسسسس,وطي صوتك عشان يوسف برة وممكن يسمعنا.
حياة: طب قوليلي انتي يا مريم, اعمل ايه؟ وأتصرف ازاي؟
مريم: مفيش غير حل واحد. انتي لازم تقولي لوليد هو الوحيد اللي هيقدر يتصرف في الموضوع دة, واهو كدة كدة عارف كل الحقيقة ومش فاضل غير انه يعرف اسم الشخص دة.
فقالت حياة ترجوها وهي تحتضن يدها بتوسل: لا يا مريم, بالله عليكي بلاش وليد, عشان خاطري يا مريم وليد لا, وليد عصبي ودمه حامي ولو عرف ممكن يق,تله, ومحدش عارف الزفت اللي اسمه عماد دة ممكن يعمل ايه؟ دة واطي وندل وممكن يأذيه, وفي الحالتين هخسر وليد.
مريم وهي تبدي تعاطفا معها: امال هتعملي ايه بس؟ ومش جايز كمان عماد هو اللي يقوله؟
حياة: لا, مفتكرش, اللي زي عماد دة جبان ومش ممكن يعترف على نفسه بجريمة زي دي.
فامتثلت مريم لطلبها: خلاص, اللي تشوفيه يا حياة, بس قومي دلوقت ادخلي الحمام واغسلي وشك, عشان وليد مش لازم يشوف الدموع اللي في عنيكي دي.
وساعدتها مريم على النهوض وظلت معها حتى غسلت وجهها, وما ان خرجتا من باب الحمام حتى وجدتا وليد قد لحق بهما, فأسرع يأخذ بيد زوجته يسألها باهتمام بالغ: عاملة ايه دلوقت يا حياة؟ مش أحسن؟ ولا تحبي اتصل بالدكتور؟
فنظرت اليه تمسح تعابير وجهه بعينيها لترى فيه قلق ولهفة كانت تمنى أن تجدهما قبل الأن مما زاد من شعورها بالألم وهي تحاول أن تطمئنة بابتسامة واهنة: مفيش داعي, انا الحمد لله كويسة, كانوا بس شوية ارهاق.
فقال لها وليد لائما نفسه وهو يساعدها على الاستلقاء مجددا على السرير: انا آسف يا حياة, كل دة كان بسببي, ما كنش لازم أتعبك معايا اوي كدة.
فنظرت اليه حياة مطولا دون أن تعلق, فبالطبع لم يكن لديها ما يمكن ان تخفف عنه به, فتولت مريم الأمر وقالت بلهجة مرحة: يا سيدي دي مراتك بس بتدلع علينا شوية.
وليد دون ان يرفع عينيه عن حياة: تدلع براحتها بس ما تقلقناش عليها بالشكل دة.
تساءلت حياة بداخلها ان كان كل هذا القلق والاهتمام الذي يحاول أن يظهرهما لها هما بالفعل ما يشعر بهما بداخله أم أن ذلك ليس الا ستارا يضعه بسبب وجود مريم معهما بنفس الحجرة, ويبدو أن مريم شعرت بما يدور بخلدها فقالت وهي تتجه ناحية الباب: طب بعد اذنكم أنا بقا.
وليد: على فين مريم؟
مريم: هنروح بقا, انا خلاص اطمنت على حياة, ويوسف قاعد لوحده من بدري.
فنظر وليد الى حياة يقول لها: طيب انا هروح أوصلهم وأرجعلك على طول.
فمنعته مريم باشارة من يدها: لا مفيش داعي يا وليد, خليك انت جنب مراتك, احنا عارفين يا سيدي الطريق كويس ومش هنتوه, وكمان احنا مش أغراب يعني للرسميات دي.
ثم وجهت حديثها الى حياة: مش عاوزة أي حاجة يا حياة قبل ما امشي؟
فشكرتها حياة: تسلميلي يا مريم, وربنا ما يحرمني منك.
مريم: طيب ان شاء الله هشوفك في الكلية بكرة؟
فهزت حياة رأسها قائلة: ان شاء الله.
فقالت مريم قبل أن تفتح باب الحجرة ثم تغلقه خلفها: تصبحوا على خير بقا.
حياة و وليد: وانتي من أهله.
وبعد أن غادرت مريم ثم سمعا صوت الباب الرئيسي للشقة ينغلق هو الأحر نظر وليد لحياة وهو يسألها: فيه ايه يا حياة؟ ايه سبب اللي حصلك دة؟ وما تحاوليش تقنعيني انه كان بسبب الارهاق زي ما قولتي قبل كدة.
فقالت حياة وهي تغتصب ابتسامة على شفتيها: امال يعني هيكون ايه بس غير كدة؟
وليد بنظرة صارمة: هو دة اللي انا عاوز أعرفه منك.
فابتلعت حياة ريقها بصعوبة وهي تتساءل بداخلها ان كان زوجها قد لاحظ أي شيء جعله يشك بسابق معرفتها بعماد أم أن عماد قد خالف كل توقعاتها و ألمح له بهذا الأمر؟ ولكنها مع ذلك قررت أن تتمادى في كذبها وهي تدعو ربها ألا تكون كل لشكوكها أي أساس من الصحة: صدقني يا وليد, مفيش حاجة تانية.
رأت حياة نظرة غريبة في عينيه عجزت عن ترجمتها وسمعته يقول لها وهو ينهض تاركا الحجرة: براحتك يا حياة, انا مش هضغط عليكي أكتر من كدة.
وعقب خروجه وبعد أن أغلق الباب خلفه بعن,ف غطت حياة وجهها بيديها وهي تجهش بالبكاء عاجزة عن تصور ما يمكنه أن يكون في انتظارها في الأيام المقبلة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أوقف يوسف سيارته في حديقة الفيللا, ولكنه لم يوقف المحرك فنظرت إليه مريم متسائلة فرد على سؤالها الصامت: انا وعدت علياء اني هروح الحفلة اللي عاملاها النهاردة, بس مش هتأخر.
فردت مريم بهدوء وكأن الأمر لا يعنيها: براحتك.
ثم اندفعت خارج السيارة وهي تركض تقريبا الى الفيلا تاركة يوسف يتساءل عما أزعجها بهذا الشكل, فهل كانت تفضل الذهاب معه؟ ولكن قد أخبرته علياء بأنها رفضت دعوتها, أم أنها كانت تفضل أن يرفض هو الآخر تلك الدعوة ويقضي الليلة برفقتها؟ حقا لقد بدأ يحتار يوسف جلال في أمر تلك الفتاة ولم يعلم كيف يمكنه أن يرضيها؟ ولكنه قرر في النهاية أن يذهب إلى ذلك الحفل أولا ثم يعود سريعا ليتحدث معها, ثم انطلق بسيارته عاقدا العزم على ذلك.
في حين صعدت مريم إلى حجرتها وهي تكاد لا ترى الطريق أمامها من كثرة الدموع التي انهمرت من عينيها حتى ألقت بنفسها على السرير وصوت بكائها يعلو بشدة بمقدار الألم الذي تشعر به وهي تفكر في موقفه ذلك حيث لم يعد يهمه أن يخفي عنها علاقته بعلياء. أيحاول أن يفهمها بكل بساطة بأنه لا يهتم بأمرها ولا يجب عليها أن تعلق أمالا على علاقتها به, ان كان كذلك بالفعل فليطمئن فهي قد استوعبت الرسالة بكل ما تحمله من معاني.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أما في شقة علياء والتي كانت تحتوي على عدد قليل من المدعوين للحفل المزعوم, فاتجهت صاحبة الحفل ناحية يوسف وهي تحمل في يدها كأسا من الخمر تسحب في يدها الآخرى أحد الرجال وتقدمه إلى يوسف: دة بقا يا سيدي يوسف محمود خطيبي.
فصافحه يوسف بحرارة وود: ألف مبروك, وربنا يتمم بخير.
فرد الأخر: الله يبارك فيك, وأنا سعيد جدا بمعرفة حضرتك.
يوسف: انا أسعد.
ثم نادى أحدهم عليه فاستأذن من يوسف واتجه إلى صديقه, فقال يوسف لعلياء باسما: مبروك يا علياء, واضح انه انسان كويس.
فردت علياء هامسة بدلال: أحسن حاجة فيه ان اسمه على اسمك.
شعر يوسف بالاحراج من فهمه للمعنى الخفي لكلامها فقال وهو يحاول التملص من أي رد يمكنه أن يشجعها على التمادي: طيب أستأذن أنا بقا؟
فتشبثت علياء بذارعه دون أن تخشى من أن يلاحظهما أحد وهي تقول له برجاء: ايه دة؟ بسرعة كدة؟
فحاول يوسف أن يخلص ذراعه منها برفق دون أن ينجح في ذلك وهو يقول معتذرا: معلش بقا تتعوض في الفرح ان شاء الله.
علياء وهي ترفض رفضا تاما أن تدعه يرحل: مش ممكن, دة الحفلة لسة في أولها, وكمان انت لحد دلوقت لسة ما شربتش حاجة.
يوسف: معلش, اعفيني المرادي.
علياء وهي تقدم له الكأس الذي بيدها: ليه بقا؟ انت مش عاجباك الشمبانيا بتاعتي ولا ايه؟ طيب حتى دوقها الأول.
فقال يوسف رافضا عرضها: لا مش كدة, انا فعلا مش ليا مزاج النهاردة.
علياء وهي تمط شفتيها بغير رضا: مش ليك مزاج ولا المدام هي اللي حرجت عليك؟
فهز يوسف رأسه نافيا: مريم ملهاش دعوة, كل الموضوع ان بالي مشغول شوية, ومش هقدر أشرب النهاردة.
فقالت علياء بدلال مستخدمة كل أسلحتها الأنثوية في هذا الرجاء وهي تقرب الكأس من فمه: طيب ولو قولتلك عشان خاطري بردو هتقول لا؟
لم يستطع يوسف أن يحرجها فأخذ منها الكأس وبدأ يتجرع محتوياته ببطء وعلياء تعلو وجهها نظرة شيطانية تثبت أنها قد حققت انتصارا كبيرا في هذه الجولة أيضا.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
صعد يوسف الدرج في فيللته متجها إلى حجرة نومه بخطوات بطيئة وثقيلة حيث بدا عليه أنه قد تناول كمية ليست بالقليلة من المسكرات, ثم فتح باب الحجرة بحذر شديد خوفا من ازعاج مريم التي خمن بأنها الآن تغط في نوم عميق وقد صدق حدسه عندما وجد أن الغرفة غارقة في ظلام دامس, فأغلق الباب بنفس الحذر وتوجه ناحية الباب الصغير الذي يصل بين الحجرتين إلى أن أوقف صوتها الذي لا يدل على أنها قد ذاقت طعم النوم: حمدالله ع السلامة.
فتحسس يوسف طريقه إلى أزرار الإضاءة التي كانت قريبة منه وضغط على أحدها فأضيئت الحجرة ليرى مريم جالسة على سريرها وكأنها كانت بانتظاره, فقال يوسف بابتسامة هادئة: مريم! أنا آسف كنت فاكرك نايمة, مساء الخير.
فأشارت مريم باتجاه الساعة الكبيرة المعلقة بالحائط وهي تقول: قصدك صباح الخير, بتهيئلي دة اللي المفروض يتقال الساعة اتنين الصبح.
تجاهل يوسف سخريتها الواضحة, وقال محاولا أن يبدو صوته مرحا بقدر الامكان: ولما انتي عارفة ان الساعة اتنين ايه اللي مصحيكي لحد دلوقت؟ انا على حسب علمي انك كنتي ما بتحبيش السهر.
فنهضت مريم من على السرير وهي تقترب منه قليلا: ولسة لحد دلوقت بردو ما بحبش السهر,بس شكلي هتعلمه على ايدك قريب.
لم يتحمل يوسف تلك المراوغة في كلامها, فقال بنفاذ صبر واضح من لهجته: انتي عاوزة ايه بالظبط يا مريم؟
مريم بصوت قاطع: عاوزاك تطلقني يا يوسف.
فنزل كلامها على يوسف كالعاصفة وردد خلفها وكأنه لم يستوعب ما قالته جيدا: أطلقك؟! ليه يعني؟ ايه اللي جد عشان تطلبي طلب زي دة؟
يوسف وصوتها يحتد كثيرا: اللي جد اني ما بقتش قادرة أستحمل الحياة دي خلاص, تقدر تقولي انت كنت فين دلوقت؟
يوسف ببساطة: مانا قولتلك اني كنت عند علياء.
مريم وقد أغاظها رده الغير مبالي كما وصفته: بتعملوا ايه؟
يوسف مستوضحا سؤالها المبهم: يعني ايه بنعمل ايه؟ وايه لزوم الاستجواب دة كله؟
مريم بتحد: ايه؟ مش من حقي؟
يوسف: وانتي شايفة انه من حقك؟
مريم وهي تستعيد رشدها تدريجيا ولكن قد ازداد عنادها أكثر: لا يا يوسف, مش من حقي, ولا عمره هيكون من حقي عشان كدة انا بطلب منك انك تطلقني.
يوسف وقد ضاق ذرعا من هذا الجدال العقيم: طب روحي نامي دلوقت يا مريم, وبكرة يبقا نتكلم في الموضوع دة.
مريم باصرار: ما بقاش فيه بكرة خلاص يا يوسف, انا مش ناوية أقعد هنا دقيقة واحدة بعد كدة, طلقني وانا هرجع فيللة جدو دلوقت.
وبالفعل كان صبره قد نفذ وهو يصرخ فيها قائلا: انا نفسي أعرف هو كان حصل ايه لكل دة؟
مريم بعد أن فلت من يدها الزمام ولم تعد تستطيع التحكم في أعصابها بعد الآن, فقالت بصوت وصل الى حد الصراخ: كل دة وبتسألني حصل ايه؟ أبدا يا يوسف ما حصلش حاجة, كل الحكاية ان الانسان اللي المفروض انه جوزي مش عامل لكرامتي اي اعتبار وهو راجع سكران بعد ما قضى طول الليل مع واحدة تانية والله أعلم كانوا بيعملو ايه طول الوقت دة؟
: مريم!
خرج صوته محملا بكل ما يشعر به من غضب فعلمت مريم أنها ربما قد أصابت الهدف فقررت أن تزيد من اسفذاذها له علها تصل لغرضها: انا ميهمنيش انت تعرف كام واحدة أو بتقضي لياليك فين يا يوسف لآننا متفقين من الأول اننا هنتطلق بعد فترة معينة, وبتهيئلي ان جدو خلاص صحته اتحسنت وهيقدر يستحمل الخبر وأنا هكتبلك تنازل عن كل حقوقي.
فقال يوسف ساخرا: وانتي شايفة بقا اني مش هقدر أدفعلك المبلغ الهايف دة دة اذا يعني وافقت اني أطلقك؟
فتداركت مريم خطأها سريعا وهي تقول: دة ما كنش قصدي, انا كنت أقصد ان أنا مش من حقي أخد منك أي حاجة. ع العموم الموضوع دة يبقا اتفاهم فيه مع جدو. المهم عندي دلوقت انك تطلقني.
يوسف: وان رفضت؟
مريم: مفيش أي سبب يخليك ترفض, لأن الطلاق هو أفضل حل لمشاكلنا دي, احنا لازم نتطلق يا يوسف عشان كل واحد فينا يقدر يعيش حياته بقا بالطريقة اللي هتريحه.
يوسف بنظرة شك: تعيشي حياتك ازاي يعني؟ قصدك انك تتجوزي حد تاني؟
وبالرغم من أن هذا الأمر لم يخطر ببالها قط إلا أنها قد قررت أن تثيرا الشك في نفسه كما يحدث بداخلها الآن: وليه لا؟ مفتكرش ان فيه حاجة ممكن تمنعني.
فقال يوسف وقد لاحظت أنه أنه يكتم غضبه: اللي هيمنعك حاجة واحدة يا مريم وهو انك لسة مراتي وأنا مش ناوي اني أطلق ع الأقل دلوقت.
مريم: أمال امتى يعني؟
يوسف: لما يجيلي مزاجي.
مريم: بس أنا بقا مش هستنى لما يجيلك مزاجك دة, أنا هطلق يا يوسف سواء برضاك أو غصب عنك.
فاقترب منها يوسف وهو يوجه إليها نظرة خطرة: قصدك ايه؟ وازاي هتتطلقي مني غصب عني؟
علمت مريم بأنها قد تمادت كثيرا في استفزازه ولكنها لم ترد أن تتراجع عما بدأته فاسترسلت في حديثها وهي تحاول أن تخفي مقدار الرعب الذي بدأت تشعر به: هرفع قضية طلاق وهكسبها.
فاتسعت عيناه من شدة الصدمة وكأن عقربة لسعته, ولكن كعادته فقد تدارك الأمر سريعا وقال لها بصوت بارد كالثلج: وتضمني منين بقا انك هتكسبيها؟
ارتعش صوتها قليلا وهي تجيب: المحامي قالي ان طالما جوازنا لسة ع الورق وبس فيبقا سهل أوي إن أي قاضي يحكم لصالحي في القضية.
يوسف بصوت لاذع وهو يقترب منها أكثر: وكمان سألتي محامي! دة واضح انك خلاص جهزتي لكل حاجة, بس اسمحيلي بقا يا مريم اني أبوظلك كل خططك دي عشان بعد كدة ما اسمعش كلمة الطلاق دي تاني على لسانك.
ثم جذبها من ذراعها إلى ح,ضنه بكل قوة وقد ظهر الذعر بعينيها وهي تسأل: انت هتعمل ايه؟
يوسف بكل هدوء: ناوي اني أحطم السبب اللي ممكن يخلي القاضي يحكم لصالحك في القضية.
وعندما استوعبت مريم كلامه جيدا شعرت برعب حقيقي يغزو كل كيانها وحاولت أن تثنيه عن قراره بالتوسل وبجمل عشوائية كالطفل الذي يحاول أن يتهرب من العقاب: لا يا يوسف أرجوك, انا اسفة ما كنتش أقصد, وهستنى لما انت تطلقني. مش هرفع قضية.
ولكن بدا أنه لم يتأثر بكل توسلاتها وهو يقول لها بكل تصميم مقربا وجهه منها: بس أنا بقا يا مريم مش ناوي أطلقك لا دلوقت ولا بعدين ومن النهاردة هتبقي مراتي قولا وفعلا.
وحاولت مريم أن تقاومه بكل ما لديها من قوة وهي تهدد حينا وتتوسله حينا ولكن بدأ أنه قد أصم أذنيه عن كل ذلك, وقد علمت مريم أنها لن تستطيع ردعه ليس لتفوقه الجسامني وحسب بل لأنها شعرت وكأنها تقاوم نفسها أيضا فقد كان هناك شيئا بداخلها يتمناه زوجا لها تكمل معه الباقي من حياتها رغم كل ما سمعته من علياء وهو ما لا تستطيع تصديقه بالكامل وتحاول نسيانه الأن فمهما كان يوسف ذلك الوحش المستغل الذي وصفته لها علياء إلا أنه هو أيضا نفس الشخص الوحيد الذي تحركت له مشاعرها, وفي النهاية استسلمت له بل لنقل أنها استجابت أخيرا لنداء القلب.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي صباح اليوم التالي, استيقظت مريم من نومها لتبحث عن يوسف في كل مكان حولها فلم تجد له أثرا حتى كادت تشك بأنه لم يعد إلى الفيللا بالأمس وكل ماحدث كان مجرد حلما عاشته وانتهى, ولكنه بالطبع لم يكن كذلك, إذن فأين ذهب؟ ثم ألقت نظرة خاطفة إلى ساعة الحائط لتكتشف أنها لم تتجاوز العاشرة صباحا, ويوسف في المعتاد لا يذهب إلى شركته إلا حوالي الساعة الحادية عشر, فما بالك اليوم؟
ثم تساءلت بداخلها إذا ما كانت بالفعل ترغب في رفقته بعد كل ما حدث؟ وكان الجواب نعم.
وحينها أدركت مريم لدرجة اليقين بأنها تحبه, بل تعشقه, ومستعدة أيضا لأن تغفر له كل ما حدث بالسابق ليبدآن معا حياة جديدة أساسها الحب والتفاهم, كما أنها أدركت أن ما كان يمنعها من الاعتراف بحبه هو كبريائها الذي أصبحت على استعداد للتخلي عنه الآن لتبوح له بكل مشاعرها, ولكن ياترى أين هو الآن؟ ثم التقطت هاتفها وهي عازمة على الاتصال به ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وقررت أن تنتظر حتى يعود فهو حتما لن يتأخر وهي ستكون في انتظاره.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة تقف تتجه ناحية باب الجامعة الرئيسي وهي تضع هاتفها الجوال بالقرب من أذنيها وتقول: المهم يا حبيبتي انك بخير انا بس قلقت عليكي لاننا كنا متفقين اننا هنتقابل النهاردة, بس ياللا خير ان شاء الله……اشوفك بكرة بقا؟……ايه؟…كمان مش هتيجي بكرة؟….. يا مريم طيب فهميني هو فيه حاجة؟ ……. طيب انتي تعبانة لاقدر الله؟……..طيب تحبي اجيلك؟……. اوك يا حبيبتي يارب دايما تكوني بخير…… مع السلامة ويبقا طمنيني عليكي.
وأنهت حياة المكالمة وقد خرجت من الجامعة في انتظار أن تعبر الطريق, ولكن لفت انتباهها ما لم يكن في الحسبان, فقد رأت هدى تتجه مسرعة ناحية إحدى السيارات الملاكي وهي تبتسم وفي غاية السعادة ثم فتحت الباب المجاور للسائق ثم انطلقت بها السيارة إلى المجهول, ولكن قبل أن تتحرك السيارة استطاعت حياة أن تتبين صاحبها والذي يمتاز بملامح يصعب على حياة نسيانها فهو بالتأكيد عماد شاكر عزالدين.
تسمرت حياة مكانها للحظات وهي تحاول أن تستوعب ما رأته منذ لحظات وهي لا يخطر في بالها سوى أمر واحد ألا وهو أن هدى أصبحت في خطر وهي لا يمكنها أن تقف هكذا مكتوفة اليدين لا تقدر على عمل شيء, فيجب أن تحاول انقاذها بشتى الطرق, ولكن بما أن هدى لم تلتق بعماد سوى بالأمس فهو لا يزال أمامه بضعة أيام ليستطيع أن يستدرجها إلى شقته هكذا كانت تسمع عنه وهو ما جعلها تحذر من التعامل معه لذا استخدم إحدى طرقه الملتوية معها, ولكن هذا لا يمنع أن عليها التفكير سريعا في حل لتلك المشكلة الجديدة والتي أُضيفت لمشاكلها المتعددة.
عبرت حياة الطريق شاردة تقريبا ولكن ذلك لم يمنعها من ملاحظة تلك السيارة التي كانت تقف قريبة من سيارة عماد التي رحلت وعندما مرت بها أثبتت صحة شكوكها وهي أنها قد رأت تلك السيارة من قبل وتأكدت من ذلك حين رأت ماهر يستند بمرفقه عليها وبدا أنه قد رأى ما رأته منذ قليل, ولكن ما الذي أى به في ذلك الوقت بالذات؟ وأرادت أن تتحقق من الأمر وأن تكتشف منه ما ينوي على فعله, فاقتربت منه قليلا وهي تقول باسمة محاولة إخفاء توترها: السلام عليكم, ازيك يا أستاذ ماهر, عامل ايه وإيه أخبار طنط وردة.
فأجاب ماهر بوجوم: الحمد لله بخير.
بدا أنه ليس في حالته الطبيعية ولكن ذلك لم يثنيها عن الاستمرار في المحاولة وقررت أن يكون سؤالها مباشرا: هو انت ايه جابك النهاردة هنا؟ انت ليك حد في الجامعة مستنيه؟
فرد ماهر بسخرية مريرة وهو يتطلع الى الطريق الذي انطلقت فيه سيارة عماد: كنت مستنيه, بس اظاهر كدة اني وصلت متأخر.
وقد صدق حدثها عندما توقعت أن ماهر يكن عاطفة من نوع ما ناحية هدى وقررت أن تستغل ذلك لصالحها فقالت بنبرة تشبه التوسل: ارجوك ياريت لا يوسف ولا وليد يعرفوا أي حاجة.
بالطبع لم يكن ماهر بحاجة إلى التوضيح حيث بدا أنها تقصد ما حدث منذ قليل على مرأى منهما فهز ماهر رأسه موافقا وهو يقول: اطمني يا مدام حياة, محدش فيهم هيعرف, بس يبقا قولي لهدى تاخد بالها من نفسها.
تعمدت حياة أن تبدي جهلها بتحذيره المبطن فقالت له مبتسمة: هدى لسة عيلة صغيرة, وزي كل البنات بتحلم انها تخرج وتتفسح وتعيش حياتها يعني.
ماهر ساخرا: وهي فاكرة بقا ان عماد دة آخره فسحة وخروجه؟ يبقا مجنونة وبتلعب بالنا,ر اللي مش هتحر,ق أي حد غيرها.
ثم غير الموضوع سريعا وهو يفتح باب سيارته ويقول لها بود: لو حضرتك مروحة اتفضلي أوصلك.
فاعتذرت حياة سريعا: لا معلش, انا اسفة. انا بحب اتمشى وكمان البيت مش بعيد, عن اذنك.
وتركته حياة وكلماته كانت لا تزال تتردد في عقلها حين قال: و هي فاكرة بقا ان عماد دة آخره فسحة وخروجة؟
ياليته يعلم أنها أعلم الناس بنوايا هذا الشخص الوضيع ولكن هيهات أن تعترف أمام أي أحد بتلك الحقيقة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ارتدت مريم أفضل ثيابها المناسبة للخروج, ثم جلست أمام التسريحة لتستخدم بعض أدوات الزينة التي لم تكن تعرف كيف تستخدمهم حتى الآن ولكن اليوم هو مميز بالنسبة لها وتريد أن تظهر في أبهى صورة ممكنة, وقامت بتثبيت الطرحة فوق رأسها بشكل رائع, فقد كان كل شيء بها يوحي بالكمال, ثم أسرعت تنزل درجات السلم ونادت بصوتها الناعم على الخادمة, فجاءتها تلك السيدة العجوز وسألتها مريم والسعادة تشع من عينيها: ام ابراهيم, هي هدى نامت؟
أم ابراهيم: من بدري يا بنتي, هي جات من كليتها تعبانة فكلت ونامت على طول, تحبي أجهزلك العشا؟
مريم: لا, انا هستنى يوسف, والا أقولك؟ روحي انتي كمان نامي شكلك تعبانة.
أم إبراهيم: ازاي بس يا بنتي انام قبل ما الباشمهندس ييجي وأجهزلكم العشا؟
مريم: لا, ماهو احنا احتمال نخرج ونتعشا برة. ما تشغليش نفسك انتي.
أم إبراهيم مستسلمة: اللي تشوفيه يا بنتي, ع العموم لو احتجتوا أي حاجة صحيني, تصبحي على خير.
مريم: وانتي من أهله.
وعندما أدرات الخادمة وجهها مستعدة للذهاب إلى حجرتها نادتها مريم: ام ابراهيم!
فتوقفت السيدة ونظرت اليها متسائلة: خير يا بنتي؟
مريم متردد: هو أنا كدة حلوة؟
تعجبت الخادمة من السؤال في البداية ولكن سرعان ما قالت بابتسامة واسعة وبلهجة مليئة بالصدق: زي البدر في ليلة تمامه, الله أكبر عليكي, ربنا يحرسك من العين ويهديلك الباشمهندس.
فقالت مريم وهي تؤمن على دعائها: الله يا أم إبراهيم, ما تعرفيش أنا أد ايه كنت محتاجة للدعوة الأخيرة دي, ياللا بقا تصبحي على خير.
وذهبت السيد, فجلست مريم على الأريكة في انتظار زوجها الذي قد تأخر قليلا عن موعده, ولكن مهما تأخر فستنتظره, وعدى ما يقرب من الساعة قبل أن تسمع مريم صوت باب الفيلا ينفتح ثم يغلق مرة أخرى. وكادت تقفز من مكانها لتستقبله, ولكن قد تغلب صوت العقل بداخلها فقررت أن تنتظره في مكانها بكل ثبات, وماهي هي إلا لحظات حتى أصبح يوسف أمامها وبدا أنه لم يلحظ التغيير الذي قد أحدثته بنفسها حيث قال لها بوجوم: مساء الخير.
فردت مريم بخيبة أمل ظهرت بوضوح في نبرة صوتها: مساء النور.
سألها مريم وهي يتفحص ثيابها بنظرة سريعة: انتي خارجة؟
وكانت تلك الصدمة الثانية التي تتلقاها منه منذ وصوله, فل هذا فقط هو ما لاحظه؟ فأين تلك الكلمات الرقيقة والحنونة التي منت نفسها بسماعها طوال اليوم وهي تختار تلك الثياب بعناية فائقة بعد أن أخرجت كل الثياب تقريبا من خزانتها, ولكنها لم تفقد كل الأمل فردت عليه: يعني على حسب.
فقال يوسف وهو يحاول تجنب النظر اليها وهي لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك منذ عودته كما لاحظت مريم ولاحظت أيضا مدى التوتر الذي يتخلل صوته على غير المعتاد كما انه ما زال واقفا مكانه لم يبد أي رغبة للجلوس: مش فاهم يعني ايه؟
مريم: يعني على حسب الكلام اللي هنقوله دلوقت.
ونهضت من مكانها كي تستجمع القليل من شجاعتها وهي تقول: يوسف احنا لازم نتكلم مع بعض شوية.
يوسف موافقا دون أن يبدي أي حماس لذلك بعكس ما كانت تشعر هي به: عندك حق, احنا فعلا لازم نتكلم مع بعض, انا حقيقي في كلام كتير عاوز اقولهولك بس لأول مرة في حياتي أحس إني مش عارف أبدأ ازاي؟
هل ما تسمعه الآن هو حقيقي؟ فهل في نيته أن يبدأ هو ويعترف بحبه لها؟ ليتها تكون الحقيقة, فهذا بالفعل ما تتمناه فهو بذلك سيوفر عليها الكثير من الخجل الذي بدأ يورد خديها.
: مريم! أنا آسف!
لم تدر مريم إن كانت كلمة الاعتذار تلك قد خرجت عن يوسف أو عن أي شخص آخر مما جعلها تتلفت حولها لتحقق من ذلك, وحين لم تجد أحد غيرهما بالمكان أيقنت بأنه هو من تفوه بتلك الكلمة فرددت بدون وعي: آسف!
بالطبع لم يمكنها استيعاب الأمر, فلقد أهبت نفسها لسماع الكثير من الكلمات منه ولكن لم يكن من ضمنها تلك الكلمة, وبينما ظلت واقفة في مكانها لا تقو على الحراك أو حتى التفوه بأي كلمة أخرى, سمعته يسترسل في كلامه قائلا: انا فعلا اتسرعت امبارح, كنت شارب كتير وتقريبا ما كنتش في وعيي الكامل علاوة على ان كلامك استفذني لدرجة خليتني اتهورت وما قدرتش اتحكم في تصرفاتي, مريم كل اللي بطلبه منك انك تقدري تسامحيني, وأنا مستعد لأي تعويض.
و كالعادة رددت مريم خلفه دون وعي: تعويض!
وبدا انه قد لاحظ أخيرا أنه قد استخدم كلمة غير مناسبة تماما, لذا حاول معالجة الأمر سريعا فقال: آسف, انا قصدي اني مستعد أنفذلك أي طلب تطلبيه مهما كان في سبيل انك تغفريلي الغلطة دي.
مابه؟ فهل سيستمر في إهانتها هكذا بينما هي تقف جامدة لا تستطيع الرد عليه أو ايذاؤه بأي كلمة؟ وبدا أنه ينتظر قرارها, أو بالأحرى ينتظر طلبها الذي يرى بأنه سيكون التعويض المناسب عن خطأه كما يسميه: طلقني يا يوسف.
خرجت الكلمة من فمها كالطلقة النا,رية بعد أن طنت بأنها عاجزة عن إخراج صوتها, فنظر اليها يوسف وبدا ان طلبها ذلك لم يدهشه كثيرا, وعلى عكس مااد توقت من أنه سيصر على رفضه إلا أنها وجدته يقول بإذعان: حاضر, لو هو دة اللي انتي عاوزاه , انا هعمله. بس ممكن نأجله شوية؟
مريم باصرار: النهاردة يا يوسف, انا مش هقدر أعيش معاك ولا لحظة تانية وأنا في عصمتك. انا هطلع ألم هدومي عشان خلاص ما بقاليش مكان هنا.
وانطلقت مريم صاعدة الدرج وهي تجر أذيال الخيبة, فلم تكن هذه هي النهاية التي تتوقعها لتلك الليلة, بل لم يكن في حسبانها على الإطلاق بأنها ستكون الليلة الأخيرة لزواجهما.

الفصل السابع والعشرون
*بين براثن الثعلب*
كانت تلك هي إحدى المرات القلائل التي يخرج فيها عبدالرءوف الكامل عن هدوئه وهو يقول والغضب يتأجج في عينيه وهو يقف مستندا على عكازه: وهو احنا من امتى يا يوسف وعندنا بنات بتتطلق؟
كان يوسف يجلس أمامه في حالة من السكينة والاستسلام كما لم يره عبدالرءوف من قبل وهو يرد بصوت يسمعه بالكاد كل من عبدالرءوف و ابنته وردة التي كانت تجلس على كرسي في مواجهة يوسف حزين على مصير ابنة أخيها من جهة ووقلقة على والدها من الانفعال الزائد الذي حذره منه الأطباء من جهة أخرى: مريم مصرة وما كنش ينفع اني أجبرها انها تعيش معايا غصب عنها.
فانفعل عبدالرءوف أكثر وهو يقول: يعني ايه مصرة؟ وانت اصلا من امتى وانت بيهمك رأي حد تاني؟ جرى ايه يا يوسف؟ هو اي ست بتطلب الطلاق من جوزها بيطلقها؟ بالشكل دة ما كنش فيه أي جواز استمر لحد دلوقت.
يوسف: بس المرادي مختلفة, وصعب اوي ان مريم تتراجع عن قرارها.
عبدلرءوف بشك: ليه يعني؟ وهو حصل ايه بينكم لكل دة؟
وعندما لم يتلق أي رد من يوسف فلم يصر على سؤاله بل قال وقد خرج صوته رزينا: ع العموم خلاص, وكويس انك ما اتسرعتش وطلقتها قبل ما تيجو, فسيبها قاعدة معانا شوية لحد ما تهدى وبعدين هيبقا لينا كلام تاني.
يوسف: اللي تشوفه.
ثم نهض مستعدا للرحيل: طيب عن اذنكم انا بقا.
عبدالرءوف: مع السلامة
وبالفعل رحل يوسف, فنظر عبدالرءوف الى ابنته يسأله باهتمام: هي مريم لسة صاحية؟
وردة بنبرة حزينة: انا سيبتها كانت لسة صاحية ويا حبة عيني وشها بقا زي الليمونة من كتر العياط ورافضة انها تتكلم مع أي حد.
عبدالرءوف: طيب انا طالعلها.
فنهضت وردة عارضة مساعدتها: طيب تحب أطلع معاك يا بابا؟
عبدالرءوف رافضا: لا , خليكي انتي, انا عاوز اتكلم ماها لوحدنا, ولما نشوف أخرة العناد دة ايه؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلس وهي تغطي وجهها بين ركبتيها وقد جفت دموعها من كثرت مريم في حجرتها القديمة بفيللا عبدالرءوف الكامل التي لم تكن تتخيل أنها ستعود إليها بتلك السرعة بعد ثلاثة شهور فقط من زواجها الذي رغم تنبؤها بفشله منذ البداية إلا أنها لم تكن تتوقع له تلك النهاية, كانت مريم تستعيد في ذاكرتها كل ما سمعته من يوسف في لقائهما الأخير وكلمة آسف التي رددها على مسامعها وقد جر,حتها أكثر مما تداويها على عكس ما كان يظن, ثم أخذت تفكر ما الذي جعله يتغير إلى هذا الحد بين ليلة وضحاها؟ وكان الجواب في كلمات علياء التي كانت قد حذرتها منه, فهل ما حدث يعني بأنها كانت على حق؟ وأن يوسف قد اعتذر منها فقط لأنه لم يرد لعلاقتهما أن تتطور إلى تلك الدرجة التي يصعب عندها الانفصال؟ هل كان هذا سبب اعتذاره لها؟
سمعت مريم طرقا على الباب فمسحت وجهها بيديها سريعا من أثر الدموع وهي تسأل: مين؟
فرد الطارق: أنا جدك يا مريم افتحي.
مريم: اتفضل يا جدو.
فدخل عبدالرءوف وأغلق الباب خلفه, ثم اقترب من حفيدته وجلس بجوارها وهو يتأمل وجهها الحزين بدقة وقلبه يتفطر من الألم بسببها, ولكنه لم يدعها تشعر بذلك فسألها وهو يبتسم: عاملة ايه دلوقت يا مريم؟ مش أحسن؟
فقالت مريم دون أن تشعر بأي تحسن فعلي بداخلها: اه, الحمد لله. خلصتوا إجراءات الطلاق؟
عبدالرءوف مشككا: انتي لسة مصرة ع الموضوع دة.
مريم: طبعا يا جدو, انا مش هقدر أعيش يوم تاني بعد النهاردة وانا لسة في عصمته.
عبدالرءوف بحكمة و لطف: شوفي يا مريم, انا مش هتدخل في خصوصياتكم واسألك ايه اللي حصل؟ بس كل اللي أحب اقولهولك يا بنتي ان الطلاق دة مش حاجة سهلة كدة زي مانتي متصورة, دة بيت بحاله بيتخرب يا بنتي, وكمان انتو لسة ما كملتوش تلات اشهر ويمكن تكونوا لسة معرفتوش بعض كويس واللي حصل بينكم دة أيا كان كان مجرد سوء تفاهم, عشان كدة لازم تدي نفسك فرصة توزني الامور بعقلك أد عواطفك وأنا واثق انك هتغيري رأيك.
نظرت مريم إلى جدها وهي في حيرة من أمرها, أستخبره بما اكتشفته وسمعته من علياء الآن؟ وهل سيصدقها؟ أم أن ثقته بيوسف ستحول بين أن يصدق أي كلمة سيئة عن هذا الرجل الذي يضعه في منزلة ولده؟
ثم انتبهت مجددا على صوت جدها وهو يقول: قولتي ايه يا مريم؟
لم ترد مريم أن ترى نظرة الأمل التي تملأ عينيه تتحطم فجأة بكلمة منها, ولكنها لا تستطيع أن تتعلق بمزيدا من الأوهام, أو أن تسمح لرجل كيوسف أن يخدعها مجددا, لذا خرجت كلمتها الفاصلة تقول: لا يا جدو, انا عاوزة أطلق و النهاردة مش بكرة.
بدا أن عبدالرءوف قد استنفذ كل أسلحته لاقناعها, لذلك قرر استخدام سل.حا جديدا قلما يستخدمه مع مريم, فقال لها بصوت قاطع ونبرة لا تقبل النقاش وهو ينهض من على السرير: وانا هخليه يطلقك يا مريم, بس مش دلوقت, لان لو خبر طلاقك وصل للبلد الايام دي هتبقا فضيحة احنا مش أدها.
ثم تركها دون ان يسمع منها اي كلمة اعتراض واحدة على قراره.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخل يوسف فيللته بوجه مهموم جعله يبدو أكبر كثيرا من عمره الحقيقي, وقد كان كل من وليد ومريم وهدى بانتظاره, وفور أن رآه وليد علم بأن الأمر خطير كما توقع تماما فنهض سريعا واتجه إلى أخيه وهو يسأله باهتمام شديد: يوسف! فيه ايه؟ مالك؟ من ساعة ما اتصلت بيا وقولتلي هات مراتك وتعالى وانا قلقان وحاسس ان فيه حاجة ما تطمنش؟ هي فين مريم؟
يوسف بصوت ثابت بعيدا كل البعد النزاع الدائر بداخله: مريم عند جدها؟
وهنا سألت حياة بصوت قلق: ليه؟ خير! هو حصل حاجة؟
وعندما لم يرد يوسف على سؤالها قررت صياغته بشكل آخر فسألت: طب هي بخير؟
فهز يوسف رأسه موافقا مما أراح حياة قليلا, وقال يوسف محدثا وليد: المهم, انا اتصلت بيكم دلوقت لأني مسافر بكرة الصبح لبنان, وطبعا مش هينفع أسيب هدى لوحدها, و أم إبراهيم بحكم السن طبعا مش هتعرف تاخد بالها منها, وتقدروا تستخدموا العربية بتاع مريم توديكم وتجيبكم سوا من الكلية.
فاندفعت هدى تقول محتجة: انا مش صغيرة ومش محتاجة حد ياخد باله مني.
فأشار إليها يوسف بإصبعه محذرا وعينيه تنذر بالخطر وهو يقول مشددا على كل كلمة: اللي أنا قولته هيتنفذ بالحرف الواحد, ومش عاوز أي كلمة زيادة, واتفضلي ياللا روحي اطلعي اوضتك.
وعندها رأى أنها لم تحرك ساكنا ارتفع صوته قليلا وهو يقول: حالا.
وتنفيذا لأمره صعدت هدى الدرج دون أن تتفوه بأي كلمة, وأشار وليد بعينيه إلى زوجته ففهمت الاشارة وقالت لهما قبل أن تحذو حذو هدى: تصبحوا على خير.
وظل وليد ويوسف وحدهما بالمكان, فقال وليد بعد أن تأكد من خلو المكان تماما ومن أنه ليس بمقدور أحد سماعهما: أدينا بقينا لوحدينا يا سيدي, قولي بقا, زعلت مراتك ليه؟
فقال يوسف وهو يلقي بنفسه على أقرب كرسي له: تقدر تقول كدة اني حسيت اني ما استاهلهاش.
وليد ساخرا: ياراجل! انت جاي تقول كدة دلوقت!
يوسف: تقول ايه بقا؟ اهو اللي حصل.
شعر وليد بحجم المرارة التي يتحدث به أخيه فقال وهو يجلس على كرسي آخر بالقرب من يوسف وهو يدقق النظر إلى عينيه: بس انت بتحبها بجد يا صاحبي ودة يخليك جدير بيها.
يوسف بألم: مش كفاية, انا ليا حياتي ومريم ليها حياة تانية مختلفة تماما عني عاملين بالبط زي الخطين المتوازيين اللي عمرهم ما هيتقابلوا.
وليد: بس دة في الهندسة يا صاحبي, لكن الحياة ليها حسابات تانية, يعني ببعض التنازلات هتتقابوا بشرط انكم انتو الاتنين تكونوا عاوزين كدة.
يوسف ساخرا: طيب مانت بتعرف تنصح غيرك كويس اهو , ما بالمرة بقا تنقي لنفسك نصيحة كويسة كدة يمكن تنفع معاك وتقدر تصلح علاقتك بمراتك.
وليد: لسة يا يوسف, لسة فيه حاجز بيني وبينها لما يتشال ساعتها بقا هنقدر نعيش صح. المهم بقا, ايه موضوع سفرك الجديد دة؟
يوسف: هو بردو كان جديد عليا, انا اصلا لسة واصلالي الأوامر النهاردة.
وليد: ع العموم يبقا خلي بالك من نفسك يا صاحبي.
يوسف: سيبها على الله, ياللا بقا اطلع اوضتك عشان تنام وتبقا فايق بكرة في الشغل يا وليد بيه.
استطاع وليد أن يتبين نبرة المرح في صوت أخيه, فرد عليه بمثلها وهو ينهض: ماشي يا يوسف بيه, تصبح على خير.
يوسف: وانت من أهله.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة قد أبدلت ثيابها ببيجاما تخص وليد حيث لم تكن قد أحضرت ثيابا لها, فهي لم تأت اليوم بغرض المبيت,وبما أن تلك البيجاما كانت تبدو طويلة عليها فقامت بثني رجليها وكذلك الكمين أما بالنسبة لاتساعها فلم تجد أي وسيلة لتداريه, وقفت حياة في الحجرة تتأملها بعناية ودقة حيث كانت المرة الأولى لها التي تدخلها بل قد شارت إليها مريم في إحدى زياراتها القليلة للفيلا ولكن لم تحاول أن تدخلها من قبل, فكانت غرفة واسعة تشمل خزانة ثياب كبيرة وكذلك تسريحة عريضة وكرسيين وأريكة مريحة وباب صغير يؤدي إلى حجرة حمام خاصة بها, ثم اتجهت عيناها إلى ذلك السرير العريض الذي يتسع لأكثر من شخص وبالرغم من ذلك الاتساع إلا أنه لا يزال سريرا واحدا وحياتها مع وليد حتى الأن لا تسمح لهما بمشاركة نفس السرير, ثم أخذت تفكر في الكيفية التي ستكون عليه وضعهما في ذلك المكان وهل حان الوقت الذي سيذوب فيه أخيرا الجليد الذي بينهما؟
: انا هنام ع الكنبة.
كان ذلك صوت وليد الذي وقف بجسمه الطويل يسد الباب تقريبا, ويلوي شفتيه باسما بسخرية وكان كمن يقرأ أفكارها فشعرت حياة بالخجل جعلها تخفض عينيها هربا من نظراته العابثة, وأدارت وجهها وهي تحاول أن تجمع ثيابها التي كانت قد وضعتها على الأريكة قبل أن تعلم أنه قرر أن ينام عليها, ولم تشعر باقترابه منها إلا عندما أمسك بيدها وأدارها لمواجهته وهي يتفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها بنظرات مبهمة, ولأنها كانت تعلم يقينا بأنها تشبه الطفل الذي يرتدي ثياب أخيه الكبير في تلك البيجاما ففسرت نظرت على أنها سخرية من نوع آخر, فقالت مدافعة عن نفسها: ما كنتش عاملة حسابي في أي هدوم, فدورت في دولابك ومش لقيت حاجة تنفعلي غير البيجاما دي؟
وعندما لم تتلق منه أي تعليق, قالت معتذرة: انا اسفة لاني أخدتها من غير ما استأذنك.
لماذا لم ينتهز الفرصة ويلقي بإحدى تعليقاته اللاذعة أو الساخرة كعادته؟ إذن فهو لا يسخر منها كما كانت تعتقد, إذن فما معنى نظرته تلك؟
وفجأة امتدت يده لتبعد خصلة صغيرة من شعرها ويضعها خلف أذنها, فاتسعت عيناها بشدة مندهشة لحركته التي خدرت أطرافها فلم تعد تقو على تحريكهما وهي تنظر إليه في ترقب, فوجدته يقترب منها أكثر وبينما وهو يضع يديه حول كتفيه وكأنه على وشك احتضانها رن هاتفه.
فأنزل يده بغضب ووضعها في جيب سترته لإخراج جواله وكأنه يريد تهشيمه ثم نظر إلى شاشته ليتعرف على شخصية المتصل الذي من حسن حظه أنه يتصل هاتفيا حيث لم يكن في استطاعة وليد ايذاؤه , ثم فتح المكالمة ووضع الهاتف على أذنيه وهو يقول: أيوة يا أستاذ عماد.
وعندما سمعت حياة الاسم ابتعدت عنه لتخفي ارتباكها, وتلتقط ثيابها من جديد التي كانت قد سقطت على الأرض لتضعها على الكرسي بينما سمعته يقول: لا أبدا مفيش ازعاج ولا حاجة……
ثم صمت للحظات ليستمع إلى عماد الذي يحادثه, وأخيرا قال قبل أن ينهي المكالمة: لا خلاص, انا بكرة ان شاء الله هكون في الموقع وأشوف اللي بيحصل…….تمام, مع السلامة
ألقى وليد بالهاتف على الأريكة بلا اهتمام وقال لها بجفاف: أنا هدخل الحمام أغير هدومي, وياريت قبل ما تنامي تحطيلي مخدة وغطا على الكنبة.
ثم توجه إلى الخزانة ليخرج منها ما سيرتديه للنوم وبعدها توجه إلى الحمام دون أن يتفوه بأي كلمة أخرى تاركا حياة تقف مشدوهة من تغير موقفه المفاجىء تجاهها وكأن الجليد الذي ظنت بأنه قد ذاب أخيرا قد عاد مجددا ليبني حاجز أخر بينهما, فبالفعل لقد احتارت حياة في أمره. فهل هو ذلك الشخص المليء بالحنان والمشاعر التي قد رأتها منذ قليل أم أنه ذلك الرجل الجليدي الذي يعاملها بجفاف وسخرية ورغم ذلك لا تستطيع أن تكرهه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ونذهب مجددا إلى مشهد كثيرا ما يتكرر في شقة علياء التي كانت بصحبة عماد الذي كان يقدم لها خاتم قيم من الألماس وهو يقول: دة تقدير بسيط مني لذكائك وبراعتك.
فتناولت علياء الخاتم وهي تنظر له بلا مبارلاة وتقول لعماد: مش بطال, بس دة ما كنش اتفاقنا.
عماد: لا يا ماما, اتفاقنا دة لما يطلقوا.
علياء: انت مش بتقول ان الاخبار وصلتك انهم خلاص زعلوا من بعض ومريم راحت بيت جدها, يبقا فاضل ايه تاني؟
عماد: بردو مش كفاية, لما اسمع خبر طلاقهم بودني ساعتها بقا هعملك كل اللي انتي عاوزاه.
علياء: ماشي يا عمدة, بس يا ترى انت واثق في البنت اللي اسمها هدى دي؟
عماد: لا, دي خلاص بقت زي الخاتم في صباعي.
علياء بنظرة خبيثة: وياترى بقا آخرة الخاتم دة ايه معاك؟
فرد عماد بنفس طريقتها بالمراوغة: دة بقا يا حلوة ما يخصكيش.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت مريم لا تزال جالسة على السرير تفكر في مصيرها بعد ذلك بعد انفصالها عن يوسف المحتوم, ثم فجأة قفزت كلمات كان قد قالها يوسف نفسه في السابق حين كان يحدثها عن جدها: : هو انتي دايما كدة؟
مريم: كدة ازاي يعني؟!
يوسف: يعني دايما بتوقفي حياتك على شخص واحد, في الاول كان باباكي وبس , ودلوقت جدك وبس, دة حتى ساعة الفرح حسيت انك موقفة فرحتك على وجود صاحبتك اللي اسمها حياة. ليه كدة؟
قال تلك الكلمات وهو لم يخطر في باله حينها بأنه سيأتي اليوم الذي سيكون فيه هو الشخص الذي ستوقف سعادتها على وجوده, ولكنها علمت بعد ذلك بأنه محق, فما تفعله هو خطأ كبير في حق نفسها, وبالرغم من أنها قد أدركت تلك الحقيقة مؤخرا إلا أنها قد قررت أن تبدأ في الاعتماد على نفسها بعد ذلك, ولن توقف حياتها على شخص آخر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة تنتهي من تثبيت طرحتها على رأسها حين طرق أحدهم الباب, فقالت وهي لا تزال تنظر إلى المرآة: ادخل.
ففتحت هدى الباب ودخلت بخطى ثقيلة وكأنها مرغمة وهي تقول: أنا جاهزة, انتي لسة ما خلصتيش؟
فقالت حياة و هي تنظر اليها بوجه باسم: انا خلاص يا حبيبتي خلصت.
واقتربت منها حياة لتمسك بيدها وتتوجه إليها ناحية السرير وهي تقول: بس أنا كنت عاوزة أكلمك في حاجة الأول.
فقالت هدى بتأفف: مش وقته, المحاضرة قربت تبدأ.
حياة مصرة وهي تجلسها بجوارها: هما خمس دقايق بالظبط وهنمشي.
فجلست هدى على مضض وسألت: خير؟
وبالرغم من تردد حياة كثيرا فيما إذا كانت ستحدثها في هذا الأمر أم لا, إلا أن هذا التردد لم يظهر في لهجتها وهي تسألها بطريقة مباشرة: هو انتي فيه ايه بينك وبين عماد شاكر رجل الأعمال؟
ظهر الارتباك على وجه هدى وتلعثمت وهي تقول: مين عماد شاكر دة كمان اللي هيكون بيني وبينه حاجة؟ دة انا هو قبلته مرة واحدة عندكم زي مانتي عارفة.
حياة: بس انا اللي أعرفة كمان اني شفتك امبارح وانتي بتركبي معاه العربية أدام الجامعة.
بدا أن قول حياة قد صدمها ولكنها أخفت ذلك وراء غضبها وحدة صوتها وهي تنهض وتقول: انتي بتتجسسي عليا؟ بتراقبيني؟
فنهضت حياة هيالأخرى وكانت لم تتخلى عن هدوئها بعد: لا يا حبيبتي, انا لا بتجسس عليكي ولا براقبك, انا شفتكم بالصدفة.
هدى بتحدي: طيب وانتي عاوزة ايه بقا دلوقت؟ ايوة أنا أعرف وخرجت معاه كمان.
حياة: انا عن نفسي مش عاوزة أي حاجة, بس كل اللي بتطلبه منك انك تخلي بالك من نفسك كويس, وما تثقيش في اللي اسمه عماد دة لأنه شكله مش سهل, دة غير انه متجوز يعني.
هدى: هو قالي انه هيطلق مراته لأنه مش بيحبها ولا طايق يعيش معاها.
حياة: طب وبعد ما يطلقها؟
هدى بحماس: هنتجوز طبعا.
إذن فهذه هي الطريقة الجديدة التي يستخدمها لخداع الفتيات الصغيرات اللتي في عمر هدى وبراءتهن وبدا أنه قد نجح تماما في ذلك, ولكن حياة لم تيأس في محاولة إقناع هدى بأنه ليس إلا مجرد مخادع ويجب عليها ألا تأمنه وحاولت استخدام العقل في ذلك وهي تقول: طيب وايه اللي مسكته لحد دلوقت؟ يعني ليه مطلقش مراته من زمان مادام هو مش طايقها للدرجادي زي مانتي بتقولي؟
هدى: لأنه عنده شغل معاها مستني لما يخلص الأول وبعدين هينفذ اللي اتفقنا عليه.
من الواضح أنه قد أجرى لها عملية غسيل مخ كاملة كي تدافع عنه بتلك الطريقة المستميتة, ولكن حياة استمرت في محاولاتها: يا حبيبتي دة كلام ما يدخلش العقل, صدقيني دة بيضحك عليكي, فكري كويس أرجوكي وهتعرفي ان كلامي صح وأنا والله غرضي مصلحتك.
فقالت هدى بانزعاج ونفاذ صبر: والله بقا أنا حرة, وانتي كمان محدش عينك واصي عليا, و ياريت بقا نخلي الأمور واضحة بينا من دلوقت وكل واحد لازم يعرف وضعه كويس في المكان دة وياريت بقا من هنا ورايح ملكيش دعوة بيا خالص, ولا كمان لسانك ييجي على لساني في خير أو في شر.
ثم توجهت ناحية الباب بخطوات سريعة وقبل أن تصل إليه, استدارت مجددا ناحية حياة التي كانت لاتزال تقف في مكانها مبهوتة حائرة لاتدري كيف تتصرف, فقالت لها هدى محذرة: اه, ونسيت أقولك ياريت وليد ويوسف مايعرفوش بالموضوع دة لحد ما انا اقولهم بنفسي ولو سمعت انهم عرفوا منك أي حاجة صدقيني هيكون ليا تصرف تاني معاكي.
واندفعت خارجة من الغرفة بعد أن قالت جملتها الأخيرة وهي لا تدرك أن حياة أحرص منها على ألا تخبر أيا من يوسف أو وليد أي شيء يتعلق بعماد, ولكن يجب أن تكون هناك وسيلة أخرى لإنقاذها من براثن هذا الحيوان المفترس.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخلت مريم حجرة المكتب لتجد عبدالرءوف جالسا خلف مكتبه يطالع أحد الكتب وقد كانت تلك هوايته المفضلة والتي يبدو أنه قد علمها ليوسف, وعندما رآها عبدالرءوف أغلق الكتاب الذي في يدو ووضعه على المكتب وهو يقول لها بابتسامة حنونة: تعالي يا مريم.
فاقتربت مريم منه بخطوات مترددة وهي تقول: مش هعطلك عن القراية يا جدو؟
عبدالرءوف: تلاتة بس مسموح ليهم انهم يعطلوني عن أي حاجة بعملها حتى لو كانت القراية وهما عمتك وانتي ويوسف.
أجفلت مريم لسماع اسمه ولكنها لن تدع ذلك يثنيها عما عزمت على إخبار جدها به, فاقتربت مريم أكثر من المكتب وجلست على أحد الكراسي في مواجهة جدها وهي تفرك يدها محاولة استجماع شجاعتها لتخبره بقرارها وقد لاحظ عبدالرءوف ذلك فسألها باهتمام: فيه ايه يا مريم؟ مالك؟
مريم: الحقيقة يا جدو أنا كنت فكرت في اني اعمل حاجة كدة وكنت عاوزاك تساعدني.
عبدالرءوف: أكيد لو شفت انها فيها مصلحة ليكي مش هقول لا, ياترى ايه هي بقا الحاجة دي؟
مريم: فاكر يا جدو لما قولتلك اني عاوزة أفتح محل ملابس؟
عبدالرءوف بحذر وهو يتوقع ماهي مقدمة على إخباره به: فاكر انك قولتي انك هتعملي المشروع دة بعد ما تخلصي دراستك.
مريم: صحيح انا كنت ناوية على كدة, بس انا غيرت رأيي و عاوزة أعمل المشروع دة دلوقت.
عبدالرءوف: طيب ممكن أعرف السبب اللي خلاكي تغيري رأيك.
مريم: عاوزة أكبر يا جدو.
تفاجأ عبدالرءوف من ردها وبدا أنه لم يستوعب تماما ما تعنيه بتلك الجملة, فسألها: يعني ايه؟
مريم موضحة: هما مش بيقولوا ان عمر الانسان الحقيقي بيتقاس بالخبرات والتجارب اللي بيعيشها؟ وأكتر حاجة ممكن تكسبني خبرة هو الشغل اللي هيسمحلي اني اتعامل مع كل الناس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية, ودة هيساعدني اني أفهم الدنيا أكتر.
سرح عبدالرءوف قليلا وهو يفكر في الكلام الذي قالته حفيدته للتو, ثم قال لها: طيب ودراستك هتعملي فيها ايه؟
مريم: هحاول أوفق ما بينهم وبخصوص الكلية فأنا هروح المحاضرات المهمة بس والمحاضرات التانية هبقا انقلها من أصحابي.
عبدالرءوف وهو ينظر إليها بإعجاب وقد بدا أنه عليه الاقتناع: طيب انتي شايفة ان واحدة في سنك وعديمة الخبرة تقريبا تقدر تدير مشروع زي دة لوحدها؟
مريم بسعادة وحماس زائد جعلا جدها على استعداد لأن ينفذ لها أي طلب شرط أن يراها دائما في تلك الحالة: ماهو أنا الأول هاخد كورس مضغوط في ادارة الأعمال دة غير اني أعرف واحدة صاحبة بوتيك ممكن أروحلها كذا مرة كدة وأفهم منها بعض الأمور الغامضة بالنسبالي ومفتكرش انها هتمانع, بس دة كله يكون أثناء التجهيز للمحل عشان ما اضيعش وقت.
عبدالرءوف بنبرة إعجاب واضحة: ما شاء الله, دة انتي تقريبا مجهزة لكل حاجة أهو, امال عاوزة مني انا ايه بقا؟
مريم: كنت عاوزاك تشوفلي حد كويس يعملي داسة جدوى للمشروع عشان أعرف التكاليف بالظبط قبل ما أبدأ.
عبدالرءوف: يا ستي ابدأي انتي والتكاليف دي ملكيش دعوة بيها خليها عليا أنا.
حاولت مريم أن يكون في اعتراضها بعض اللطف وهي تقول: لا, معلش بقا يا جدو, انا عاوزة أعمل المشروع دة من مالي الخاص, عشان أحس بقيمة الحاجة اللي بعملها, انت بس شوفلي الشخص اللي انا قولتلك عليه وكتر خيرك على كدة.
وفي تلك اللحظة ظهر ماهر وهو يطرق على باب المكتب الذي لم يكن مغلقا تماما, فقال الله عبدالرءوف مداعبا بلهجة مرحة: ادخل يا ماهر, دي أول مرة في حياتك تيجي في الوقت المناسب.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة تمشي في ذلك الممر الطويل بخطوات تكاد تكون متعثرة, فتلك هي المرة الأولى التي تدخل فيها هذا المكان, ولكن لم يكن ذلك هو السبب الحقيقي لقلقها الذي كان في الحقيقة أساسه هو خوفها من ردة الفعل التي ستواجهها بسبب تلك الزيارة الغير متوقعة, وصلت حياة بالنهاية إلى باب أحد الغرف المكتوب عليه سكرتيرة المدير العام, فطرقت الباب ثم دخلت مباشرة, واقتربت من تلك الفتاة التي تجلس خلف المكتب وترمقها بنظرات متفحصة وقد بادرتها بسؤالها: خير يا فندم؟
حياة: لو سمحتي, انا عاوزة أقابل الاستاذ عماد.
السكرتيرة مستوضحة: قصدك عماد بيه المدير العام؟
حياة: ايوة.
السكرتيرة وهي تتفحصها مجددا باستغراب: وياترى فيه ميعاد سابق؟
حياة: لا.
السكرتيرة: يبقا أنا اسفة اني أبلغ حضرتك ان عماد بيه صعب يقابل حضرتك في الوقت الحالي, تقدري يافندم تتصل بينا في التليفون واحنا نحددلك ميعاد مناسب.
شعرت حياة باليأس يتخلل كيانها, ولكنها قالت بلهجة واثقة: انا متأكدة انه لما يعرف اني موجودة هنا مش هيرفض انه يقابلني, ياريت بس لو سمحتي تقوليله حياة محمود حرم الباشمهندس وليد جلال.
فنظرت اليها السكرتيرة في شك ولكنها وبعد أن دونت بعض الملحوظات في مفكرتها قامت بتنفيذ ما طلبته منها حيث رفعت سماعة هاتفها الداخي وضغطت أحد أزراراه ثم قالت: فيه واحدة عندي هنا يا فندم عاوزة تقابل سيادتك وبتقول ان اسمها حياة محمود وبتقول كمان انها حرم الباشمهندس وليد جلال……… حاضر يا فندم, تحت أمرك.
ثم أعادت السماعة مكانها, ونهضت وهي تقول ل حياة وقد زادت لهجة الاحترام في صوتها وهي ترشدها إلى باب أخر بمكتبها: اتفضلي يا مدام.
وتوجهت حياة لتدخل من الباب الذي كانت قد فتحته لها تلك الشابة ثم أغلقته خلفها, فجالت حياة بنظرها في ذلك المكتب ليس لتفقد محتوياته بل لتبحث عن ذلك الشخص الذي وجدته يجلس خلف مكتبه بكل تعالي وغرور, وما ان وقعت عينيها عليه حتى رأته ينهض من مكانه وهو يقول لها مرحبا: اهلا أهلا مدام حياة. نورتي المكتب اتفضلي.
وبالفعل تقدمت حياة من المكتب وجلست أمامه حيث أشار لها, ثم جل هو على كرسيه و هو يسألها: تحبي تشربي ايه؟
حياة بجمود: انا مش جاية هنا عشان أشرب, انا جيت بس عشان أقولك كلمتين وهمشي على طول.
عماد: خير يا مدام؟
ولأنها كانت تعلم جيدا أن رجلا كعماد هو خبير في أمور التحايل واللف والدوران, لذلك قررت أن تدخل في الموضوع مباشرة: انا جيت هنا عشان أقولك ابعد عن هدى. انا عارفة انكم بتخرجوا مع بعض زي مانا متأكدة اوي انك بتضحك عليها, عشان كدة جاية أحذرك وأقولك مليكش دعوة بيها نهائي.
عماد بمراوغة: طب طالما انتي عارفة كدة كويس, أكيد كمان عارفة اني ما ض,ربتهاش على ايدها وكل اللي بتعمله دة بمزاجها. يبقا ليه بقا ما قولتيش الكلام دة ليها هي وكنتي وفرتي على نفسك المشوار؟
حياة: هدى مش قابلة أي كلام مني في الموضوع دة.
فقال عماد وكأنه يكمل لها جملتها: ولا في أي موضوع تاني, مش كدة. اصلها يا حرام متضايقة منك أوي لانك خطفتي خطيبها منها وخلتيه يسيبها ويتجوزك انتي, مش هو دة اللي حصل؟
ان كان غرضه مما قاله هو استفذاذها فقد نجح مائة بالمائة في ذلك الأمر لدرجة أن حياة لم تعد بمقدورها أن تتفوه بكلمة أخرى مما سمح له أن يستمر ليزيد آلامها أكثر: وأنا بصراحة من ساعة ما عرفت انك مراة وليد وانا همو,ت وأعرف انتي قدرتي تضحكي عليه ازاي؟ الحقيقة انا لحد دلوقت مش قادر أصدق ان واحد زي الباشمهندس وليد اللي كل الناس بتتكلم عن رجولته وذكاؤه يطلع مغفل بالشكل دة.
لو كانت في ظروف أخرى لقامت من مكانها وصفعته بكل قوة ردا على اهانته لزوجها, ولكنها لم تنسى هدفها الرئيسي من تلك الزيارة, لذلك تجاهلت كلامه, وقالت له بلهجة قوية مهددة: عماد, ابعد عن هدى أحسنلك وإلا هقول لوليد ويوسف.
لم يبد أن تهديدها قد لاقى أي اهتمام من قبل عماد الذي قال لها ساخرا: ياترى بقا هتقوليلهم عن علاقتي بهدى دلوقت ولا علاقتي بيكي زمان؟
وعندما لمح التردد باديا على وجهها أكمل وقد استلم هو دفة الحديث وأصبح هو من يقوم بتهديدها: اسمعي يا شاطرة, ياريت تخليكي في حالك أحسن, لانك مش أد المشاكل اللي ممكن أعملهالك لو حسيت في لحظة انك واقفة في طريقي, وياللا بقا الزيارة انتهت.
ثم أدار كرسيه ليصبح ظهره هو المواجه لها معبرا عن رغبته في انهاء الحديث, فنهضت حياة وخرجت من المكتب بخطى بطيئة وهي تلوم نفسها على تلك الزيارة وعلى غبائها الذي خيل إليها بأنها قد تجد في عماد بعض اللين, ولكن هيهات للنذل أن يبدي بعض الشهامة!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
مر اسبوعان ببطء شديد لم يحدث فيهما أي جديد إلا عودة يوسف من السفر وتجهيز مريم لمحل الملابس بمساعدة ماهر الذي استطاع أن يقنعها بأن تقبل مشاركته لها بهذا المشروع والذي قد أوشك على النهاء حيث كان العمل به قائم على قدم وساق, ومريم كما أخبرت جدها قد التحقت بأحد الدورات التدريبية الخاصة بادارة الاعمال وجدها وعمتها يشجعانها على ذلك حيث لاحظا بأن هذا المشروع قد أعادها إلى الحياة من جديد بعد أن فشلت كل وسائلهما في إخراجها من جو الاكتئاب الذي كانت قد سجنت نفسها فيه, أما حياة وهدى فلم تتغير علاقتهما, حيث كانت هدى تتجنب الحديث مع حياة في مختلف المواقف بينما كانت حياة حريصة على ألا تدع تلك الصغيرة تلاقي نفس مصيرها, وفي إحدى الليالي وقف يوسف يصيح في حضور كل من وليد وحياة : يعني ايه تتأخر لحد دلوقت وما نعرفش مكانها؟ ولا حتىنعرفلها أي أصحاب ممكن نكلمهم عشان نطمن عليها؟ دة يبقا اسمه تسيب واستهتار. البنت دي مسئوليتنا كلنا ولو جرالها حاجة هيبقا ذنبها في رقبتنا.
فقال له وليد مهدئا: طيب بالراحة بس يا يوسف عشان نعرف نفكر ممكن نعمل ايه؟
وبدلا من أن يهدئه كلامه الا أنه قد زاد من انفعاله: احنا لسة هنفكر, الساعة تسعة يا بيه وكل لحظة بتعدي وهي لسة برة فيها خطورة عليها والله أعلم هيكون نوعها ايه.
ثم وجه غضبه الى حياة: وانتي يا حياة, ازاي تسيبيها وتيجي, مش نبهت عليكم انكم تروحوا مع بعض وتيجوا مع بعض؟
حياة والقلق يمزق فؤادها أكثر منهما: انا ما سيبتهاش, انا بعد ما خلصت محاضراتي روحت ع المكان اللي احنا متفقين اننا نتقابل فيه, والمفروض اني كنت الاقيها مستنياني هناك لان محاضراتها النهاردة بتخلص قبلي, بس روحت ما لقيتهاش واستنيتها اكتر من ساعة وبردو ما كنتش جات, دة انا حتى دورت عليها في كل مكان بالجامعة ممكن تكون فيه بس ما لقيتهاش ولما اتصلت بيها تليفونها بيدي مغلق.
يوسف: يعني ايه؟ هتكون راحت فين يعني؟
كان هناك صراع بداخلها بين أن تخبرهما بكل ما تعرفه علهما يستطيعان نجدتها قبل فوات الأوان, وبين أن قلقها مما سيحدث ان كان قد فات الاوان بالفعل ولن تكون قد ربحت شيئا في النهاية الا كشف السر الذي عملت على إخفائه لمدة طويلة. ودعت ربها بصمت أن أن يحمي هدى من شر عماد ويرجعها إلى البيت سالمة, كما دعت أن يلهما الصواب في حسن التصرف في تلك المشكلة, حتى واتتها فكرة لم تكن قد خطرت على بالها من قبل, فاستأذنت منهما لتخرج الى حديقة المنزل بينما كان يوسف يستعد لإبلاغ الشرطة و وليد يبحث في سجل الهاتف عن أسماء بعض المستشفيات ليسأل عن هدى علها تكون قد أصيبت في حادث ما وتم نقلها إلى المستشفى, لذلك لم يبال أحد بها
وفور خروج حياة إلى الحديقة ضغطت على بعض أزرار هاتفها, وانتظرت قليلا حتى تلقت ردا فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, ايوة يا مريم…………

الحلقة الثامنة والعشرون
*طرف ثالث*
كانت هدى تجهش باالبكاء وهي تجلس في قاعة الجلوس بفيللا عبدالرءوف الكامل على الأريكة بجوار مريم وتضع رأسها في ح,ضنها ومريم تعمل على طمأنتها وتربت على كتفيها ورأسها وهي تلقي على سمعها بعض الكلمات المواسية على مرأى من ماهر الذي جلس على كرسي آخر بالقرب منهما وهو يتابع المشهد الذي أمامه بعيون جامدة ويبدو عليه السخط الشديد: اهدى يا هدى أرجوكي. خلاص يا حبيبتي كل حاجة انتهت وانتي دلوقتي في أمان وسطينا, انا مش عارفة بس ايه اللي كان وداكي عنده؟ كان فين عقلك وقتها؟
فقالت هدى وهي تبتعد قليلا عن ح,ضن مريم وتقول وقد اختنق صوتها من البكاء: والله يا مريم ما كنت اعرف, والله ماكنت اعرف انه كدة, هو قالي انه عاوز يفرجني على شقته عشان اشوف اللي مش عاجبني فيها ويغيره عشان دي الشقة اللي هنتجوز فيها.
وبنظرة سريعة ناحية ماهر أدركت أنه يحاول بقدر استطاعته أن يحافظ هدوئه حيث قد ضاعفت كلمات هدى من غضبه و أحتضنت مريم بكفيها وجه هدى وهي تقول لها برقة: خلاص يا حبيبتي, دي كانت تجربة وعدت ولازم تنسيها.
فقالت هدى وقد ازداد نحيبها: انساها ازاي؟ انساها ازاي يا مريم؟ ودي حاجة تتنسي؟
هدى مؤكدة: هتتنسي يا هدى, صدقيني هتتنسي.
وفجأة سمعا جرس الباب بالفيللا وما هي الا لحظات قلائل حتى دخل كل من يوسف و وليد وحياة القاعة كالعاصفة وعلى الفور ألموا بالمشهد أمامهما وكان يوسف أول من تحدث وهو لم يفت عليه رؤيته لهدى وهي تكفكف دموعها سريعا وتلك العينين الحمراوين من شدة البكاء فسأل وقد اكتست نبرته بلهجة غاضبة: انا عاوز أعرف ايه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها مريم بعد انفصالهما فشعرت بأنها لن تحتمل هذا الموقف وأنها لن تقوى على الكلام, ومع ذلك هي التي تولت الرد على سؤاله بكل ما تستطيع من هدوء: مفيش حاجة بتحصل, كل المسألة اني وحشت هدى فجات عشان تزورني واتأخرت شوية ونسيت انها تتصل بيكم فلما قالتلي اتصلت بحياة عشان ابلغها.
بالطبع لم يقتنع يوسف بكلامها فهو يعلم بأن ابنة عمته لم تكن في يوم من الأيام على وفاق مع زوجته, كما أن دموعها تلك قد جعلته يشعر وكأنها تعرضت لكارثة ما, فهو يعلم تمام العلم أن هدى قلما تبكي, لذلك كان سؤاله التالي لهدى: بتعيطي ليه يا هدى؟ ايه اللي حصل؟
بالطبع لم تجد هدى الرد المناسب على سؤاله فأخذت تنظر الى مريم في قلق تطلب منها العون وقد حدث. فقالت مريم على الفور وهي تختلق كذبة جديدة: اصل حصل مشكلة في الكلية بينها وبين دكتور عشان كدة هي خايفة من انه ممكن يستقصدها ودي اول سنة ليها.
يوسف بشك: واسمه ايه الدكتور دة وانا هروحله واحل معاه الموضوع؟
بدت مريم في ذلك الوقت وكأنها لم تبرع في شيء الا الكذب حيث استمرت في اختلاق كذبة جديدة: وعلى ايه تعطل نفسك يعني؟ الموضوع مش مستاهل, انا وحياة هنروح معاها بكرة ان شاء الله وهنكلمه واهي حياة تعرفه لانه كان بيديها.
ثم قالت لتنتقل الى أمر آخر منهية هذا الموضوع الذي وان استمر أكثر من ذلك فلن تستطيع أن تتنبأ بنتائجه, وقد وقفت سريعا مبتسمة وهي تحاول أن تقوم بدور المضيفة: اتفضلوا اقعدوا, انتو واقفين ليه؟
وبعد أن جلس يوسف بالقرب من هدى وهو يرمقها بنظرات مليئة بالشكل وعقله يرفض تصديق كل ما قالته مريم, وهدى تحاول ان تتهرب من نظراته وهي تخفض عينيها, وقد احتل وليد كرسي آخر أما حياة فظلت واقفة بجوار مريم التي قالت: سوري لأن جدو وعمتو نايمين, قولولي بقا تحبو تشربوا ايه.
لم يشعر يوسف بأنه في حاجة لتناول أي شيء ولكن رغبته في المكوث بقربها أطول فترة ممكنه جعله يقترح بالنيابة عن الجميع: ياريت قهوة.
مريم: اوك, هروح أعملها.
ولكن قد أشارت لها حياة وهي تمنعها من مغادرة المكان: خليكي انتي يا مريم, انا هروح اعمل القهوة بنفسي.
فهمت مريم من نظرات صديقتها بأنها تريد مغادرة المكان وقد تأكدت من ذلك حين لمحت نظرتها المريبة الى ماهر والذي قد فهمها جيدا, وبعد أن خرجت حياة, نهض ماهر وهو يقول معتذرا: طب انا اسف يا جماعة لاني مضطر اني امشي دلوقت.
ثم أكمل مازحا: معلش بقا الواحد خلاص بقا متعود ع الالتزام انام بدري واصحى بدري, سلام عليكم.
فردوا عليه السلام , ورحل فجلست مريم مكانه وهي تتجنب نظرات يوسف اليها ليس لقلقها كما كان الحال مع هدى, بل لأنها كانت تشعر بانقباض في قلبها كلما وقع نظرها عليه فهي لا تريد أن تحبه ولا تستطيع أن تكرهه,
خرج ماهر من الفيللا ليجد حياة في انتظاره بالحديقة, ولم تنتظر حين يصل اليها بل أسرعت هي اليه وقد لمح السؤال في عينيها القلقة قبل أن تتفوه به: طمني يا استاذ ماهر, هدى جرالها ايه؟
فظهرت شبح ابتسامة على ثغره أدخلت الطمأنينة على قلبها وهو يقول: اطمني يا مدام حياة, هدى بخير, تقدري تقولي اني لحقتها, فجبتها هنا ومريم فوقتها.
ولكن لم تكتف حياة بهذا الرد فأرادت مزيدا من التفاصيل: يعني هي فعلا كانت عنده في شقته؟
ماهر: ايوة, انا لقيتها في الصالون كانت تقريبا مغمى عليها.
حياة بخضة: وانت ايه عرفك انه ما لمسهاش؟
ماهر: اولا لاني عارف عماد كويس, يعني اقدر اعرف هو بيفكر في ايه حتى قبل ما يقوله لانه كان صاحبي من زمان وتقريبا كنت زيه, دة غير ان اي انسان مهما كان ما يقدرش يكدب وهو على وشك المو,ت.
حياة: ايه؟ انت قت,لته؟
فقال ماهر بنبرة حانقة: كنت على وشك اني اعمل كدة, وكنت فعلا ناوي أقت,له لو عرفت انه لمس شعرة واحدة منها.
حياة وقد ارتاحت كثيرا لكلامه: الحمد لله.
ثم قفز سؤالا الى ذهنها فلم تستطع أن تتركه يذهب قبل أن تسمع رده عليه: استاذ ماهر تسمحلي أسألك سؤال؟
ومع أنها كانت مترددة بعض الشيء في طرح هذا السؤال الا أن ابتسامته المشجعة قد محت أي تردد كان يخامرها وكذلك موافقته السريعة ذات النبرة الدافئة: تحت أمرك.
حياة: انا من فترة لاحظت اهتمامك بهدى وحسيت ان مشاعرك بدأت تتحرك ناحيتها, فيا ترى اللي حصل دة غير أي حاجة؟
صمت ماهر قليلا فاستنتجت حياة الرد ولكنها فوجئت بقوله: شوفي يا مدام حياة, انا مش هقدر أقولك ان اللي حصل دة ما كنش ليه أي تأثير عليا واني مش هلوم هدى لأنها فعلا تستحق اللوم. بس دة مش معناه اني أحط كل الذنب عليها. لأني زي ما قولتلك انا عارف عماد كويس وعارف كل ألاعيبه, واذا كان هو بيقدر يغوي ستات اكتر خبرة فما بالك بقا بواحدة زي هدى لسة ما تعرفش حاجة في الدنيا؟
انشرحت أساريرها من كلامه و أرادت أن تطمئن أكثر فسألته: طب معلش, سؤال تاني واعذرني على تطفلي, يعني ممكن تتقدملها دلوقت؟
ماهر على غير توقع منها وبصوت قاطع: لا.
فساد الحزن وجهها وهي تقول في نفسها بأن الرجال كلهم يفكرون بنفس الطريقة, ولكنها فوجئت به يقول: مش هينفع الا لو اتأكدت انها بتبادلني نفس الشعور ودة مش ممكن يحصل دلوقت وخصوصا بعد التجربة اللي مرت بيها النهاردة واللي صعب انها تنساها بسهولة, يا مدام حياة انا لو اتقدمتلها دلوقت ممكن توافق صحيح بس مش علشان هي عاوزاني , لا دة هيكون لأنها عاوزة تنسى بيا اللي حصلها وانا مش ممكن أقبل بكدة.
فهزت حياة رأسها في تفهم وقد كبر ماهر في نظرها أكثر بعد موقفه الشهم تجاه هدى كما أنه لم يستغل الفرصة ليجبرها على الارتباط به كما يمكن أن يفعل أي شخص في مكانه أو كما فعل وليد معها هي من قبل.
لاحظ وليد شرودها وكان يريد أن ينصرف في حينه دون أن يقطع عليها تفكيرها ولكن غلبه فضوله فسألها: مدام حياة, تسمحيلي أنا بقا اسألك سؤال؟ هو انتي ليه ما حاولتيش تبلغي وليد أو يوسف بكل اللي تعرفيه عن علاقة ماهر بهدى؟ يعني أعتقد ان دة كان أفضل و أسرع من كل اللفة دي؟
كان هذا أكثر سؤال تخشاه حياة ولكنها كانت قد أعدت له الاجابة المناسبة مسبقا حيث كانت تتوقعه, فأجابت: انت أكيد عارف يوسف ووليد كويس وأد ايه هما عصبيين جدا وحاجة زي دي عمرهم ما كانوا هيسكتوا عليها, واذا كنت انت قدرت تمسك نفسك في الموقف دة فمفتكرش انهم كانوا هيقدروا وكان لازم هتحصل جريمة عشان كدة أول ما شكيت ان احتمال هدى تكون مع عماد النهاردة اول انسان خطر على بالي اني اطلب مساعدته كنت انت لانك الوحيد اللي على علم بالموضوع دة وانت بردو اللي ممكن تعرف مكان عماد وتتصرف بشكل مش ممكن يأذي حد فاتصلت بمريم عشان اخد رقمك منها والحمد لله انك كنت في الوقت دة معاها.
ثم انتبهت فجأة الى أنها قد قضت معه الكثير من الوقت وربما يقلق عليها أحد في الداخل لذا اعتذرت وهي على عجلة من أمرها: ع العموم انا متشكرة جدا ليك ع اللي عملته مع هدى واللي بيثبت انت أد ايه فعلا انسان شهم, بس عن اذنك بقا عشان زمانهم قلقوا عليا جوة.
ماهر: اتفضلي.
واتبعها بعينيه وهي تدخل الفيللا, اما هو فانصرف خارجا بخطى ثابتة واثقة لم يبدأ يشعر بها الا منذ فترة قصيرة عندما أصبح يعتمد على نفسه في كل أموره وأصبح للحياة طعم آخر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان كل من يوسف ووليد وحياة ومريم يتناولون قهوتهم في صمت يتبادلون النظرات ذات المعاني المختلفة, وبعد ان انتقل وليد بنظره بين يوسف الذي لم يرفع عينه عن زوجته ومريم التي قررت أن تغض الطرف عن ذلك,قرر أن يقطع هو الصمت وقد وجد موضوعا مناسبا للحديث فسألها: قوليلي بقا يا مريم انتي عاملة ايه في مشروعك؟ سمعت ان الافتتاح هيبقا قريب ان شاء الله.
لا تعلم لم شعرت بالتوتر عندما نظرت إلى يوسف؟ ولكنها أعرضت بوجهها عنه سريعا وأجابت وليد وقد نجحت في رسم ابتسامة واسعة على شفتيها كانت هي نفسها في أمس الحاجة إليها لتعطيها مزيدا من الثقة: ان شاء الله بعد أسبوعين بالكتير.
وليد: بالتوفيق ان شاء الله, واحنا بقا معزومين على حفل الافتتاح ولا ما عملتيش حسابنا؟
مريم: والله يا وليد انا ما كنتش عاوزة أعمل حفلة لانها هتكلفنا كتير أصلا بس ماهر أصر وقال انها نوع من الدعاية لازم تتم وطبعا انتو مش محتاجين عزومة.
وليد مازحا وهو يغمز ليوسف: الله الله يا عم يوسف, مراتك طلعت سيدة أعمال اقتصادية من الدرجة الأولى هنيالك يا عم.
لم يعلم أنه بمزاحه ذلك قد ضغط على الجر,ح وجعله ينزف من جديد, ولكن هل كان قد اندمل بالفعل؟! ونظر إلى زوجته ليجد حياة تنظر إليه وهي تضغط على شفتيها وكأنها تحذره من التمادي في هذا الأمر, ولكن قرر وليد أن يضر,ب بكل تحذيراتها عرض الحائط, فهو يشفق على حال أخيه منذ أن تركته زوجته دون سبب معلن, انه بالطبع لا يريد أن يتدخل في حياتهما الشخصية ولكن كان من وجهة نظره أنه مهما كانت هناك مشاكل بين الرجل وزوجته فلا يجب عليهما مطلقا التفكير في الانفصال إلا إذا استحالت المعيشة بينهما بالفعل ومما يراه أمام عينيه قد أكد له أن كل منهما لايزال يكن للآخر مشاعر خاصة فاستمر يقول وهو يتعمد تجاهل علامات الاستهجان على وجهيهما: وانتي بقا يا مريم ناوية ترجعي بيتك امتى ولا عجبتك العيشة في بيت جدك خلاص؟ وبصراحة بقا انا كمان عاوز ارجع بيتي انا ومراتي. وطبعا دة مش هينفع يحصل بوجود هدى لوحدها, واللي هيقدر يحللنا المشكة دي هي رجوعك تاني يامريم.
عجزت مريم عن الكلام واكتفت بنظرات السخط البادية على وجهها والتي خصت بها يوسف الذي انتفض فجأة من الغضب ونهض يقول في عجل ناظرا إلى ساعة يده: طيب ياللا بينا بقا يا جماعة, انا شايف اننا اتأخرنا اكتر من اللازم, ولازم نسيب مريم ترتاح بعد الازعاج اللي احنا سببناهولها دة.
ثم وجه حديثه الى مريم معتذرا: احنا اسفين جدا يا مريم, وكمان متشكرين ع اللي عملتيه مع هدى.
فنهضت مريم وهي تشعر وكأن يوسف يقصد من وراء كلامه شيئا آخر غير ما يبديه, فهي تعلم أن أكذوبة كالتي أطلقتها بسبب هدى لم تنطلي تماما على زوجها, فقالت وابتسامة باهتة تعلو شفتيها: انا ما عملتش حاجة تستوجب الشكر.
وقال يوسف موجها لكلامة الى حياة: لو سمحتي يا حياة روحي شوفي هدى فين عشان نمشي.
وعندما همت حياة بالمغادرة فأوقفها صوت مريم التي قالت في شبه رجاء: يوسف! لو سمحت ممكن هدى تقعد معايا يومين هنا؟ وصدقني انا هاخد بالي منها كويس.
أخذ يوسف يتفرس في وجهها الطفولي ببطء وهو يدرس طلبها بعقلانية مندهشا من طريقة كلامها بل وطلبها أيضا ففارق السن بينها وبين هدى لا يتعدى السنتين تقريبا ومع ذلك تطلب منه أن يترك هدى في رعايتها! هو يعلم بأن أمرا خطيرا يحدث وابنة عمته طرفا فيه, ولكنه على يقين بأن لا أحد يمكنه أن يبوح بهذا السر على الأقل في الوقت الحالي, فأبدى موافقته بفتور: مفيش مانع, واضح فعلا ان هدى محتاجة تغير جو, بس اسمحيلي اني ابقا اطمن عليها من وقت للتاني.
مريم: في أي وقت.
ثم قالت لحياة: وانتي يا حياة يا ريت تلمي شوية هدوم لهدى وتجبيهم بكرة أو لو كنتي مش فاضية فممكن تبعتيهم مع السواق.
حياة: حاضر
وتبادلت مع صديقتها نظرات ذات معان كثيرة ولكنها مليئة بعلامات الرضا والارتياح, فلقد انتهت احدى مشاكلهما على خير.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
فور أن أصبحت حياة بمفردها مع وليد عبرت له عن رأيها الصريح في تصرفه تلك الليلة ولكن برفق: بس اللي انت عملته دة يا وليد غلط, ما كنش لازم تحرجهم بالشكل دة.
وليد وهو يجلس على الأريكة استعدادا للنوم: كان لازم حد يفوقهم شوية, كتر البعد بيعلم الجفا زي ما بيقولوا وانا مش عاوز علاقتهم توصل لكدة. وعشان نفس السبب انا قولت اللي قولته. فمهما كان حجم المشكة اللي حصلت بينهم فأنا متأكد انهم لو رجعوا يقربوا من بعض من جديد هترجع المية لمجاريها من تاني وينسوا كل اللي حصل.
حياة بتمني وصوت حالم وكـأن تلك الأمنية لنفسها قبل ان تكون لصديقتها: ياريت يا وليد.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي شقة عماد نجده ممدا على الأريكة يئن من الألم وعلياء تجلس بجواره تحاول أن تمسح الدم عن جروحه التي نتجت من شجاره مع ماهر أو بالأدق نتيجة ضر,ب ماهر المبرح له والذي لم يستطع صده لأنه كان في حالة من السكر لم تسمح له بمقاومته. فسألته علياء وهي تضع قطعة قطن صغيرة على جبينه: انا بس اللي عاوزة أعرفه هو ماهر عرف ان هدى عندك ازاي؟
فقال عماد على الفور: وهي دي محتاجة كلام؟ مفيش غير حياة طبعا هي اللي تعرف علاقتي بهدى.
علياء بحيرة والدهشة: حياة! مش حياة دي تبقا بردو مراة وليد؟
عماد ويبدو عليه الضجر: ايوة هي يا ستي.
علياء: طب ودي عرفت منين؟
عماد: شافتها معايا مرة واكيد استنتجت الباقي دة غير انها جاتلي الشركة عشان تطلب مني اني ابعد عنها.
علياء وهي تشعر بمزيدا من الفضول: لا, استنا عليا شوية بقا عشان اقدر استوعب اللي انت بتقوله, اولا ايه اللي يخلي حياة تحاول تنقذ هدى وهما اصلا مفيش بينهم اي عمار زي ما قولتلي؟ وثانيا بقا والاهم هي ايه اللي خلاها اصلا تشك في نواياك ناحية اللي اسمها هدى دي وانت بتقولي ان علاقتك بوليد تمام وانه بيثق فيك؟
عماد وهو لم يحاول حتى ان يخفي مدى سأمه من الأمر: لانها معرفة قديمة, ومن الاخر كدة وعشان ما تسأليش كتير انا اتعرفت عليها لما كنت لسة طالب في الكلية وزارت شقتي مرة.
علياء وهي تضع يدها على فمها لتكتم شهقتها من المفاجأة: حياة! ازاي يعني؟ دة انا حتى كنت بسميها في سري الشيخة حياة وكنت بحاول اني ما احتكش بيها بأي شكل, اتاريها في الاخر تطلع كدة.
فاعترف عماد على مضض: الحقيقة هي لما جات ما كنتش تعرف انها شقتي و كل اللي حصل بينا بعد كدة تقدري تقولي انه كان غصب عنها.
علياء بنظرات شيطانية: ووليد لبس المقلب دة؟ مع ان اللي يشوفه يقول عليه راجل مفتح وصعب ان حد يضحك عليه, ازاي واحدة زي دي قدرت تعمل كدة؟
عماد: دة بقا السر اللي انا مش قادر اعرفه لحد دلوقت.
علياء: طيب مانت تقدر تستغل دة كنقطة في صالحك ومادام الكارت اللي كان في ايدك خلاص اتحر,ق وهدى طبعا صعب انها ترجعلك تاني, فانت ممكن تعوضها بحياة وتضغط عليها باللي حصل بينكم وتهددها بانك ممكن تفضحها.
فقال عماد رافضا اقتراحها: مش هينفع, حياة ما بقتش البنت الساذجة اللي بقا ينفع يضحك عليها او حتى تتهدد لانها خلاص ما بقتش باقية على حاجة تاني, وكمان اللي يخليها قدرت تضحك على وليد بالشكل دة يخليها تقدر تخليه ما يصدقنيش في أي حاجة ممكن أقولها عنها وخصوصا ان مش معايا أي دليل على كلامي.
علياء: طب وهتعمل ايه بعد كدة؟
عماد بنظرات شرسة: الاول اخلص من اللي اسمه ماهر دة لان شكله كدة هيقفلنا زي اللقمة في الزور. بس وديني لأخليه يندم ع اللي عمله دة.
وقبل أن تتمكن علياء من الرد عليه, دق جرس الباب فنظرت اليه باستغراب: هو انت مستني حد؟
فرد عماد مستخفيا بسؤالها: تفتكري هستنا حد ازاي وانا في حالتي كدة؟ دة انا اتصلت بيكي بالعافية.
ولم يتوقف صوت جرس الباب عن اصدار رنينه فقالت علياء والقلق باديا على وجهها: امال تفتكر مين اللي ع الباب دلوقت؟
عماد وهو يحاول ان يضبط انفعاله حتى لا يثور في وجهها: لو فتحتي الباب اكيد هتعرفي.
وبالفعل توجهت علياء ناحية الباب بخطوات مترددة وفتحته بيد مرتعشة وما ان وقعت عيناها على الزائر حتى أصابتها صدمة شديدة جعلتها تتيبس مكانها وهي تحاول ان تستوعب تلك المفاجأة, ولانها كانت تسد الفجوة الصغيرة التي فتحتها من الباب, فلم يجد ماهر بدا من أن ينحيها جانبا وهو يقول مازحا: ايه يا لولا؟ مش عاوزة تدخليني ولا ايه؟ امال لو كانت دي شقتك كنتي عملتي معايا ايه؟
ثم دخل وقد أغلقت علياء الباب بحركة تلقائية, وعندما تقدم الى الداخل ورأى عماد ممدا كما هو على الأريكة فتح ذراعيه كمن يستعد لاحتضان أحدهم وهو يقول: حبيب قلبي يا عمدة.
لم تقل دهشة عماد عن علياء حيث كان ماهر هو آخر من يتوقع ان يزوره بعد ما فعله معه منذ ساعات, ونهض عماد وهو يتحامل على نفسه متحملا كل الآلام وهو ينظر الى ماهر بغضب ويقول: انتي ايه اللي جابك هنا؟ انت ليك عين توريني وشك تاني بعد اللي عملته؟
وتفحص ماهر بعينيه الكدمات التي خلفها في وجه عماد بدقة ونظرة عابثة, ثم قال بلهجة مرحة: ياااااه, انا عملت فيك كل دة؟ دة انا طلعت جامد بقا على كدة وانا معرفش.
واقترب اكثر من عماد وهو يقول معتذرا بنبرة لاهية: معلش ياصاحبي بقا, كان لازم اسبك الدور كويس.
فتعجب كل من عماد وعلياء من كلامه وقد عبرت علياء عن عدم فهمها بسؤالها الصريح: دور ايه؟
ماهر مبتسما: طب اقعدوا بس وانا افهمكم.
ولم ينتظر ردة فعلهم بل بادر هو بالجلوس على أحد الكراسي بارتياح تام, وقال لعلياء: جرى ايه يا لولا؟ انتي بقيتي بخيلة بجد ولا ايه؟ مش ناوية تعزمي عليا بكاس.
وبعد أن تبادلت علياء النظرات مع عماد الذي أومأ لها برأسه موافقا, ذهبت الى طاولة صغيرة كانت تحمل زجاجة خمر وسكبت منها القليل في أحد الكئوس وقدمته لماهر, ثم جلست على الأريكة بجوار عماد الذي بادر بسؤال ماهر بنفاذ صبر واضح وكان الأخير يرتشف من الكأس بعض القطرات على مهل: قولي بقا انت ايه اللي جابك؟
ماهر: جاي عشان نتفق على باقي الخطة.
عماد بضيق وقد سأم من مراوغته: خطة ايه؟ ما تقول كلام مفهوم يا جدع انت.
ماهر: ماشي انا هحاول انزل لمستواكم وافهمكم. انا كل اللي عملته دة كان جزء من خطة انا بنفذها عشان اخلي اخوانا البعدا يثقوا فيه ويأتمنوني على كل أسرارهم وساعتها بقا اقدر اضر,ب ض,ربتي.
عماد بغير تصديق: يا سلام! يعني عاوز تفهمني ان كل اللي حصل دة النهاردة عشان تخليهم يثقوا فيك؟ مش مصدقك يا ماهر.
ماهر موافقا: معاك حق, دة ما كنش السبب الوحيد للي انا عملته, فيه سبب تاني كنت بفضل اني احتفظ بيه لنفسي بس طالما بقا بقينا بنلعب ع المكشوف فانا ممكن اقولهولكم. السبب هو الغيرة.
فقال كل من علياء وعماد بصوت واحد في ذهول: الغيرة!
ماهر موضحا: ايوة الغيرة, الحقيقة انا اول ما عرفت ان هدى مع عماد واحتمال كبير تكون في شقته اتجننت, وما حستش بنفسي انا بعمل ايه ساعتها.
فسأل عماد وقد بدأت الصورة تتضح أمام عينيه: يعني انت عاوز تفهمني انك بتحب هدى وبتغير عليها؟
ماهر: بغير عليها اه, لكن بحبها ممممممممممم مش عارف. المهم اني مش قادر اتخيل انها ممكن تكون لحد غيري.
ثم اشار باصبعه في الى وجه عماد وهو يقول محذرا: حتى لو كنت انت يا عماد.
عماد ضاحكا بسخرية: واااااو, دة خبر الموسم, بقا ماهر بجلالة قدره يقع الوقعة دي!
تجاهل ماهر سخريته وقال بنبرة جادة: المهم دلوقت اني بقيت بالنسبة ليهم الرجل المناسب في المكان المناسب, وقريب اوي هنقدر نوقعهم.
ثم وجه كلامه الى علياء: على فكرة يا لولا حفل الافتتاح الخاص بالبوتيك اللي المفروض انا شريك فيه مع مريم هيتم قريب وانتي لازم تبقي موجودة فيه.
علياء : ليه لازم؟ وكمان هروح بأي صفة؟
ماهر: تبقي موجودة عشان تقطعي الخيط اللي باقي بين مريم ويوسف, اما بقا بالنسبة لصفتك فالمفروض انك صاحبة سلسلة بوتيكات والطبيعي ان واحدة زيك تحضر الحفلة, دة غير ان انا اللي هبقا مسئول عن الدعوات, ولاني المفروض اني معرفش حقيقة اللي بينك وبين يوسف ومريم فعادي جدا اني اعزمك. المهم ان قبل الحفلة دي ما تخلص يكون يوسف ومريم متفقين على الطلاق, وساعتها بقا مريم تقدر تزن على جدها عشان يسحب كل الامتيازات اللي عطاها ليوسف في شركته, وطبعا بعد كدة مش هيبقا قدامه غيري يمسكه زمام الامور خصوصا بعد ما بدأ يشهدلي بالالتزام والكفاءة.

لم يستطع عماد أن يخفي مدى اعجابه بخطة ماهر فصفق له عاليا, ثم قال: ايه دة يا عم؟ دة انت دماغك دي طلعت متكلفة.
ماهر: امال عاوزني اسيب كل أملاك جدي تروح للي اسمه يوسف جلال دة ولا ايه؟ دة انا كنت بعد الشر أمو,ت فيها.
عماد: بعد الشر يا كبير.
ماهر: المهم بقا, انتوا عملتوا ايه في شغلكم التاني؟
وعندما لم يأته أي رد, قال لهما لائما: ايه يا جماعة, انتوا مش مآمنيني ولا ايه؟ بقا انا اكشفلكم كل اوراقي وانتوا في الاخر تبقوا مش واثقين فيا؟
علياء: طيب ما تسأل باباك, ماهو شريك معانا بردو.
ماهر بأسى: بابا مقاطعني من ساعة اللي حصل بينه وبين ماما وانا خالفت كلامه وروحت فيللا يوسف عشان اطمن عليها, ع العموم لو ما كنتوش عاوزين تقولوا حاجة فدة براحتكم, بس لو احتجتولي بعد كدة فياريت تبقا تعتبروني مش موجود.
وبعد نظرة سريعة ألقاها عماد إلى علياء, جذب ماهر الذي كان قد نهض استعدادا للرحيل من ذراعه وأجلسه مجددا ولكن هذه المرة بجواره على الأريكة من الجانب الأخر وأحاط كتفه بذراعه ليطيب خاطره: ودة اسمه كلام بردو يا ماهر؟ ما طول عمرنا سرنا واحد, شوف بقا يا سيدي. احنا اتفقنا مع عدنان على صفقة جديدة…………
وأخذ عماد يشرح له بالتفصيل كل المعلومات الخاصة بهذا العمل المحاط بالسرية التامة وماهر يستمع إليه بانتباه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
: انتي مجنونة؟ ازاي تروحيله لحد عنده؟
كان ذلك الصوت اللائم هو صوت مريم التي كانت تحاول أن تجعله منخفضا بقدر المستطاع وهي تتحدث مع حياة في مكان ما بالجامعة
فقالت حياة بصوت ضعيف وهي تشعر بقلة الحيلة: انا نفسي معرفش انا عملت كدة ازاي؟
مريم: انا بس عاوزة أعرف, كانت ايه وجهة نظرك من كدة؟ يعني لما فكرتي انك تروحيله كان ايه هو هدفك من الزيارة دي؟
حياة: معرفش يا مريم, انا لما لقيته ما قالش لوليد ع الحقيقة افتكرت انه ممكن يكون اتغير او ع الاقل اتعدل شوية عشان كدة روحتله اطلب منه يبعد عن هدى.
مريم: يا سلام يا فالحة, وانتي شايفة بقا ان واحد زي الزفت اللي اسمه عماد دة ممكن يتعدل؟ دة زي العنكبوت بيخدر فريسته الاول قبل ما يتغذى عليها, وانتي كان المفروض تجربتك معاه كانت علمتك خلاص.
حياة: اهو اللي حصل بقا. المهم طمنيني هدى عاملة ايه دلوقت؟
مريم: الحمد لله تمام, يعني تقدري تقولي انها بدأت تفوق من الصدمة اللي اتعرضتلها, وكمان طنط وردة معاها وواخدة بالها منها.
حياة بارتياح: الحمد لله, متعرفيش انا كانت سعادتي أد ايه لما عرفت ان ماهر قدر يلحقها.
مريم: ماهر دة فعلا طلع شهم, اول ما سمع انها ممكن تكون في شقة الزفت دة خد عربيته وطار بيها, دة تقريبا كان سايق على سرعة 120 كيلو.
حياة: هو انتي كنتي معاه؟
مريم: طبعا بس اول ما وصلنا للعمارة حاولت اني اطلع معاه بس هو اصر اني استناه في العربية لكن لما لقيته اتأخر فوق قلقت فطلعتله لقيت هدى شبه مغمي عليها و هو نازل في عماد ضر,ب وكان خلاص قرب يقضي عليه.
حياة: فعلا والله, كتر خيره.
مريم: تصدقي بقا انه لما جدو عرض عليا اني اشغله معايا كنت قلقانة شوية وقلقت اكتر لما عرض عليا الشراكة بس دلوقت بقا اتأكدت ان جدو كان معاه حق, دايما عبدالرءوف الكامل معاه حق.
حياة بنظرة خبيثة: طيب ماهو على فكرة جدك بردو هو اللي اقترح مسألة جوازك من يوسف. يعني معقول يبقا عنده حق في كل حاجة اللا في دي؟
فعقدت مريم ما بين حاجبيها وقد ظهر الضيق على وجهها وهي تقول محذرة: حياة! لو سمحتي مش عاوزة كلام في الموضوع دة تاني.
حياة معتذرة وهي تضع ذراعها على كتفها: خلاص يا ستي ما تزعليش بس انتي عارفة اد ايه بحبك وصعبان عليا حالتك دي.
مريم وهي تحاول ان تخفي مسحة المرارة التي بدأت تشوب صوتها: ومالها حياتي يعني؟ مانا كويس اهو, وهبقا احسن ان شاء الله اول ما المشروع يبدأ.
ثم أكملت بصوت باك: خلاص مش هيبقا في حياتي غير دراستي وشغلي وبس, هحاول اشكل حياتي بنفسي وابطل اعتمد على حد تاني.
: السلام عليكم.
انتبهت الفتاتان الى ذلك الشخص الذي ظهر أمامهما فجأة, ولكنهما تمالكتا نفسيهما سريعا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم خصص كلامه لمريم وهو يقول: ايه يا مدام مريم؟ فينك؟ اديلنا كتير مش بنشوفك يعني؟ لعل المانع خير ان شاء الله
مريم محاولة الابتسام: الحمد لله يا استاذ خالد, بس انا كنت مشغولة شوية في المشروع الجديد بتاعي, اصلي هفتح محل ملابس حريمي.
خالد با عجاب: بجد! الف مبروك.
مريم: الله يبارك في حضرتك.
خالد: وياترى الافتتاح هيكون امتى؟ اصل ممكن اختي تبقا زبونة عندك.
مريم: اكيد طبعا دة يبقا شرف ليا, وان شاء الله حفل الافتتاح هيكون يوم الخميس اللي بعد الجاي وأكيد حضرتك والانسة أختك معزومين.
خالد: ان شاء الله طبعا هنيجي, مش ان شاء الله الحفلة هتكون في فيللا الباشمهندس يوسف؟
مريم وقد شعرت بغصة في حلقها وهي تجيب: لا, في فيلا جدو عبد الرءوف.
لا تعلم ان كانت النظرة التي رأتها في عيون خالد نظرة مواساة أم انتصار؟ ولكن قد نبأها حدسها بأنها ستقع في مشكلة أخرى قريبا لا محالة.

الحلقة التاسعة والعشرون
*رصاصة في الصدر*
في حفل الافتتاح الذي اقيم بفيللا عبدالرءوف الكامل والذي أشرف على إعداده كل من ماهر ومريم, وكما أخبر ماهر علياء وعماد فهو بالفعل الذي تولى بدعوة الضيوف لأن علاقاته الاجتماعية كثيرة ومتشعبه بحكم عمله مع عبدالرءوف الكامل من جهة ومع والده من جهة أخرى, وقد كان الحفل شبه مكتمل وقام ماهر بتقديم مريم إلى العديد من سيدات الأعمال وكذلك زوجات رجال الأعمال الكثيرين, كانت مريم تبدو سعيدة بذلك التغيير الذي طرأ على حياتها والذي بدأ ينسيها إلى حد كبير بعض همومها.
أما خارج الفيللا فنجد علياء تجلس في سيارتها التي قد ركنتها أمام الفيللا منذ ما يقرب من ربع الساعة ولكنها لم تبد أي استعدادا لمغادرتها حتى أنها لم تطفىء محركها وكأنها تنتظر شيئا ما, إلى أن جاءت اللحظة التي تنتظرها حيث تراءت لها في مرآة السيارة الخلفية سيارة يوسف القادمة نحوها وقد اختارت ذلك الوقت بالذات لتطفىء المحرك وتخرج من السيارة بكل ثقة وهدوء وكان يوسف قد أوقف سيارته بالقرب منها, ثم ترجل منها وحياها بابتسامته الساحرة, فأبدت علياء بعض الدهشة لرؤيته وسألته: معقول يا يوسف انت لسة جاي؟ دة انا افتكرت انك جوة مع مراتك من بداية الحفلة.
يوسف: لا يا ستي, انتي النهاردة ممكن تعتبريني ضيف عادي زيي زيك بالظبط.
علياء وقد رسمت على وجهها علامات الحيرة وعدم استيعاب ما يقول: ازاي دة؟
يوسف وهو يتجنب الدخول في تفاصيل: يعني, اصل حصل بين وبين مريم تاتش كدة فخلاها تسيب البيت وتيجي تقعد عند جدها.
علياء: بقا عشان كدة هي عملت الحفلة هنا؟ انا بردو استغربت لما الدعوة جاتلي ومكتوب عليها فيللا عبدالرءوف الكامل, طيب تحب اتدخل؟
يوسف شاكرا اياها بلطف: لا بلاش. المهم هو فين يوسف خطيبك؟
علياء متصنعة الحزن: ما رضيش ييجي يا سيدي وعمل فيها زعلان علشان يعني الدعوة كانت موجهالي انا مش ليه هو. وانا كمان ما كنتش هاجي بس قولت انك ممكن تزعل ما كنتش أعرف ان العلاقة بينك وبين مراتك وصلت للدرجادي.
ثم أكملت بدلال وهي تميل نحوه: تسمحلي بقا ندخل مع بعض وانا ايدي في دراعك. اصل بصراحة مش عاوزة ادخل لوحدي.
فقدم لها يوسف ذراعه وهو يقول مبتسما: يا سلام! وانا أطول؟ دة يبقا شرف ليا.
ثم وضعت علياء يدها في ذراعه ليبدو لكل من يراهما كالعاشقين وهذا بالضبط ما كانت تريده علياء عندما أعربت عن طلبها.
وبالفعل دخلا سويا الفيللا حيث كان الحفل في الداخل بالطابق الأرضي, وكانت مريم تجول بين ضيوفها لتلبية طلبات ضيوفها والرد على أسئلتهم حين وقع نظرها على باب الفيللا لتراها متأبطة ذراعه بتملك ونظرات الرضا بادية على وجهه, اذن لم يعد يخامرها الشك في حجم العلاقة التي تربطهما والتي لم تنقطع حتى بزواجه من مريم تلك الزوجة المغفلة التي كانت في يوم ما تمني النفس بحياة سعيدة ستعيشها معه وإلى الأبد وهي لم يخطر ببالها أن موافقته على الزواج منها لم يكن الا لتيقنه بأن مصلحته هي التي كانت وراء ذلك الزواج الذي لم يدم لأكثر من ثلاثة شهور وها هو الأن يعود لماضيه مرة أخرى, ومن يعلم ما ينويه الآن؟ فهل يرغب في أن يتزوجها؟ أم أنه قد تزوجها بالفعل؟ فدخوله معها في ذلك الوضع الحميمي في حفلة هي التي أقامتها لا يفسر الا بتلك الطريقة, حسنا فلقد اختار طريقه وعليها هي أيضا أن تختار طريقها بعيدا عنه.
لم تكن مريم تعلم أنها خلال تلك الأفكار التي تزاحمت في عقلها دفعة واحدة, كانت تحدق فيهما بشكل واضح, إلى أن أدركت ذلك مؤخرا فأعرضت بنظرها عنهما ولكن بعد فوات الأوان حيث قد لاحظاها ولكنها لم تأبه للأمر واتجهت ناحية ماهر الذي كان يقف مع رجل أعمال أخر لم تتذكر مريم اسمه في تلك اللحظه فحيتهما في فتور واستأذنت منهما لتنتحي بماهر جانبا وهي تلومه بصوت مرتفع قليلا ينم على ما تشعر به من غضب: ايه اللي جاب اللي اسمها علياء دي هنا؟
ماهر ببساطة: انا. ليه؟ فيه أي مشكلة يا مريم؟
مريم: المشكلة اني ما كنتش عاوزاها تحضر.
ماهر: ليه بس؟
وعندما لمح الغضب يتأجج في عينيها, قرر احتوائها سريعا حتى لا تقوم بأي عمل متهور يفسد الحفل, فقال وهو يعمل على تهدئتها: شوفي با بنت خالي, اهم حاجة لازم تعرفيها عن عالم المال انك عشان تبقي سيدة أعمال ناجحة لازم تبطلي تخلطي بين حياتك الشخصية وشغلك, وانا واثق ان علياء دي هتفيدنا كتير في شغلنا.
لم يدخل كلامه قلبها ولكنه قد امتلك مفاتيح عقلها الذي اقتنع تماما بما يقول ماهر ثم تساءلت في نفسها: أليس ذلك هو المبدأ الذي يستخدمه يوسف بالفعل؟ وها هو الأن استطاع أن يثبت نفسه في مجال عمله لتصبح شركته من أكبر شركات المقاولات في البلد, اذا فلتستعمله هي الأخرى, ولكن ظل هاجس بداخلها يرفض التعامل مع يوسف أو تلك السيدة التي تدعى علياء, فقالت لماهر: ماشي يا ماهر انا ممكن أقبل وجودها هنا بس يا ريت ما تطلبش مني اني اتعامل معاها بشكل طبيعي لاني مش هقدر, ومن الاحسن اني ما اتعاملش معاها خالص.
ماهر مبتسما: خلاص يا ستي ولا يهمك. سيبيلي انا الموضوع دة, وعن اذنك بقا هروح ارحب بيهم, اديلهم فترة طويلة محدش مننا راح يستقبلهم.
فنظرت مريم باتجاههما ووجدت يوسف يميل على جدها الذي كان يجلس في أحد الأركان على كرسي مريح, ويهمس في أذنه ببضعة كلمات جعلته يبتسم وعلياء تأكلهما بعينيها وهي تتابع الحوار الدائر بينهما, فحولت مريم نظرها عنهما وهي تقول لماهر ساخرة مما تراه و في نفس الوقت مستنكرة موقف جدها من ذلك الشخص الذي بعد كل ما جرى لم يتغير موقفه منه وكأن يوسف ساحر بارع استطاع بمواهبه أن يسيطر على عقله تلك المهمة التي لم يفلح فيها غيره: لا ما تخافش, واضح ان جدو قايم بالواجب وزيادة.
ماهر: بس الحفلة دي بتاعتنا واحنا المضيفين ودي مهمتنا احنا مش مهمة جدي.
فهزت مريم رأسها تأييدا على كلامه, ثم تركها ماهر وتوجه إلى ضيفيه ورأته يرحب بهما بحرارة, وللحظة قصيرة التقت عيناها بعيني يوسف التي لمحت فيهما نظرات لائمة جعلتها في حيرة من أمرها وتتساءل من فيهما يحق له أن ينظر إلى الآخر بتلك النظرات؟
وبينما هي سارحة في أفكارها جاءها صوت تحبه من الخلف وكانت في أمس الحاجة لسماعه, فقالت لها حياة بصوت مرح وهي تحيط بكتفيها وتحمل في يدها علبة صغيرة قد تم تغليفها بعناية وبشكل أنيق: هو الجميل سايب ضيوفه وسرحان في ايه.
فأدارت مريم وجهها وهي تبتسم وتقول لصديقتها بعتاب: بس يا بت انتي, انا مخصماكي.
وعندما وقع نظرها على وليد الذي كان يقف بجوار زوجته رحبت به مريم وهي تقول: ازيك يا وليد, عامل ايه؟
وليد وقد افتر ثغره عن ابتسامة رقيقة: ازيك انتي يامريم, وألف مبروك, وبالتوفيق دايما يارب.
مريم: متشكرة.
فتدخلت حياة وقد تعمدت أن تبدو علامات الغيظ على ملامحها وهي تقول لمريم: طب بتكلمي جوزي ليه بقا؟ هو مش المفروض انك مخصماني وبما ان وليد جوزي يبقا لازم تخاصميه هو كمان.
ثم نظرت بطرف عينيها ناحية وليد لترى وقع كلاماتها على وليد, وردة فعله على استعمال كلمة زوجي بسهولة مع صديقتها ولكنها لم لم ترى في عينيه سوى الرضا والابتسامة التي أحبتها, فشعرت بالارتياح وهي تسمع مريم تقول لها مغيظة: انا قولت اني زعلانة منك انتي, اما وليد دة بقا فأخوية وما ينفعش ازعل منه.
حياة: يعني هينفع انك تزعلي مني انا؟ وهو انا مش أختك انا كمان ولا ايه؟
فردت مريم نافية: لا طبعا ما ينفعش, ماهو يا انتي ياهو, لكن لو انتو الاتنين اخواتي فيبقا جوازكم دة لا يجوز يا هبلة, وانا بقا اخترت وليد, عشان هو اخ جدع, اما انتي بقا فندلة عشان تسيبيني النهاردة طول اليوم لوحدي واديكي اهو تقريبا جاية في نص الحفلة.
حياة معتذرة: لا, في دي بقا انتي معاكي حق, بس والله غصب عني يا مريومة. سماح المرادي بقا.
لم ترد مريم على الفور ولكن وقع نظرها على العلبة التي كانت في يد صديقتها فاختطفتها كالطفلة سريعا من بين يديها قبل أن تستطيع حياة منعها من ذلك, وقالت مريم وهي تهم بفك الشريط من عليها: الهدية دي عشاني مش كدة؟
حياة وهي تضر,ب كفا فوق كف متعجبة من طريقتها الطفولية: يا بنتي بطلي هبل بقا. المفروض انك بقيتي خلاص سيدة اعمال محترمة. الا صحيح فين هدى؟
مريم بعد أن قامت بفتح الهدية وهي تبدي إعجابها بالأسورة الجميلة التي أخرجتها من العلبة: مش رضيت تنزل, وقالت انها ما تعرفش حد وهتحس انها غريبة في وسط الضيوف وانا مش رضيت اضغط عليها وقولت اسيبها براحتها.
حياة: طيب انا هروح اطلعلها.
مريم: تحبي أجي معاكي؟
حياة: لا خليكي انتي شوفي ضيوفك.
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة نظرت تلقائيا إلى وليد وكأنها تطلب منه الإذن, فقال لها مبديا موافقته: يبقا سلميلي عليها.
فهزت حياة رأسها في صمت ثم تركتهما وابتعدت متوجهة ناحية الدرج,وسأل وليد, وهو يجول بعينيه في أنحاء المكان: امال هو يوسف لسة ما جاش ولا ايه؟
فقالت مريم ساخرة وهي تنظر ناحية يوسف والذي كان لا يزال يقف بجوار جدها برفقة كل من ماهر وعلياء: هناك اهو, وواضح جدا انه مستمتع بصحبته.
التفت وليد حيث أشارت بعينيها وفهم ما ترمي إليه ولكنه لم يعلق عليه وقد ران الصمت لبعض الوقت وهما يراقبان المشهد من بعيد حيث كان يمسك ماهر بدفة الحديث وبدا انه يشرح لهم محتويات المحل الذي كانت مريم قد اشترطت أن يضم جزءا خاص بالمحجبات وقد وافق ماهر على الفور, و لاحظت مريم أن يوسف لا ينتبه لحديث ماهر بل كان يتطلع إليها هي بنظرات مبهمة ولكنها بعد لحظات تحولت إلى استهجان لم تفهم مريم سببه إلى أن سمعت ذلك الصوت الذي أصبح مألوفا لديها وهو يلقي بالتحية إليها وإلى وليد, فردت مريم على خالد الذي فوجئت برؤيته أمامها وبرفقته أخته التي تعرفت عيها سريعا حيث قد رأتها معه من قبل في المطعم الذي ذهبت إليه بصحبة يوسف وكان سببا للشجار بينهما, وحيتها مريم بود. فقدمت تلك الشابة لها هدية صغيرة وهي تقول بابتسامة واسعة: الف مبروك يا مدام مريم, وان شاء الله تبقا فتحة خير عليكي.
فقبلت منها مريم الهدية شاكرة وبدأت بتقديمهما إلى وليد والعكس فصافحه وليد بود وهو يقول: اهلا استاذ خالد. وبالرغم من انها جات متأخرة شوية الا اني احب أحييك على تمثيلك في مسرحية الجامعة.
خالد بدبلوماسية: متشكر لحضرتك. الحقيقة كل واحد في المسرحية قام بدوره على أكمل وجه وعشان كدة المسرحية خرجت بالشكل اللي حضرتك شوفته.
ثم أكمل وعيناه تنظران إلى مريم وتحملان الكثير من المعاني وهو يقول: ولو كان في حد فينا يستاهل الشكر فعلا فيبقا مدام مريم اللي برغم من ظروفها وظروف جدها في الوقت دة الا انها ما فكرتش تعتذر وكملت شغلها زي ما كان مطلوب ويمكن أحسن كمان والديكور طلع روعة.
وعندما أرادت مريم أن ترد على ثنائه ببعض الكلمات المهذبة وجدت غيرها قد سبقها إلى ذلك وقد أحاط خصرها بذراعه وهو يجذبها برفق إليه وكأنه يثبت بالبرهان لكل من حوله أنها ملكه هو, ومع ذلك خرج صوته طبيعيا وهو يرد على خالد: مراتي طول عمرها عنيدة وطالما أصرت انها هتعمل حاجة فبتعملها مهما كانت الظروف, مش كدة يا حبيبتي؟
لا تعلم إن كانت كلامته تمتدحها أم تذمها؟ ولكنها قررت أن اعتراضها سيثير الكثير من المشاكل التي هي في غنى عنها, فأومأت برأسها بصمت وهي ترى علامات الاستياء على وجه خالد صلاح وتساءلت لم اختار يوسف تلك اللحظة بالذات ليقترب منهم؟ وكيف لم تره قادما نحوهم وهو لم يغب عن نظرها سوى بعض الللحظات؟ كما انها لا تعلم الدافع لتصرفه على هذا النحو. فهل هي لعبة جديدة يهدف بها الى مكسب آخر سيجنيه من وراءها؟ حقا لا تعلم, ولكن ما تعلمه جيدا أنها لن تسمح لآي شخص مهما كان أن يتلاعب بها مجددا حتى وان كان يوسف جلال نفسه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
عاد وليد وحياة إلى شقتهما تقريبا عند منتصف الليل , فقالت حياة والابتسامة لا تزال على وجهها: الحفلة كانت روعة بصراحة, ومريم قدرت تكسب كم زبونة كويسة كدة منها, حقيقي هي تستاهل كل خير وربنا يباركلها.
فخرج صوت وليد ليعلن عما يشغل باله في تلك اللحظة ويفصح عن القلق الذي يشعر به: بس الجو اتكهرب في الآخر.
فقالت حياة وكانت تجهل ما حدث غيابها: ليه بقا؟ دة انا حتى لما نزلت ولقيت يوسف واقف معاكم حمدت ربنا وقولت ان الامور خلاص بدأت تتصلح بينه وبين مريم.
وليد وهو ينزع عنه سترته: طول ما الحرباية اللي اسمها علياء دي لسة في حياة يوسف يبقا مفيش حاجة هتتصلح واللي عقد الموضوع اكتر ظهور اللي اسمه خالد صلاح دة, انا مش عارف هو ايه بس اللي كان جابه الحفلة؟
حياة مندفعة: اصله لما سأل مريم عن سبب تغيبها من الجامعة وقالتله انها بتستعد لافتتاح مشروعها, فأحرجت وعزمته.
وليد بعصبية: وانتي عرفتي الكلام دة منين؟
حياة: ماهو انا كنت واقفة مع مريم لما شافنا وكلمنا.
بدأت عيناه تلتمعان من الغضب وهو يسألها وفي صوته رنة معينة لم تفهمها في البداية: وياترى بقا هو متعود ان كل ما يشوف واحدة فيكم في الكلية يقف معاها ويكلمها؟
حياة بحذر وقد ملأ الخوف قلبها وهي تحاول أن تخفي الارتعاش في صوتها: قصدك ايه يعني؟
وليد وقد بدأ يفقد أعصابه: قصدي كان واضح يا هانم. وان كنتي مش قادرة تفهميه فاسمحيلي أفهمك كويس.
حياة: تفهمني ايه؟
وليد بتهديد لم تجد حياة صعوبة من اكتشافه بنبرة صوته: افهمك انك بقيتي مراتي وشايلة اسمي وسمعتي واللي مش هسمحلك انك تهينيهم طول مانا عايش.
حياة وقد أوشكت على البكاء: وانا كنت عملت ايه يعني عشان تقولي الكلام دة؟ مش هو اللي جه ووقف معانا؟ كنت هعمل ايه يعني, اسيبهم وامشي؟
وليد: ايوة يا حياة, كنتي تاخدي صاحبتك وتستأذنوا وتمشوا هو دة الصح واللي كان المفروض انه يحصل, لكن انتي بقا تلقاكي ما صدقتي وقعدتي تتكلمي وتهزري وانتي ولا على بالك انك واقفة مع واحد غريب مشكوك اصلا في سلامة نواياه ودة اللي كان واضح اوي وهو بيبص لمريم النهاردة والله اعلم كان بيبصلك انتي ساعتها ازاي؟
لم تجب حياة بلسانها بل تولت الدموع تلك المهمة التي قد أدتها وبإخلاص شديد وهو ما لم يكن بالجديد عليها, فلطالما ذرفت الدموع بسبب اهاناته وجر,حه لها في أغلب المناسبات ولكنها لم تعد تحتمل, لذلك كفكفت دموعها بكفيها سريع وقالت له بوجه جامد وصوت قوي مناقضا لذلك الوهن الذي أصابها: طلقني يا وليد.
لم يبد على وليد بأنه قد تأثر ولو قليلا بطلبها وكأنه لم يسمعها فحاولت أن تعيده وبنبرة أعلى ولكنه سبقه وهو يشير إليها بالرحيل ولم يبد على وجهه أي تعبير: ادخلي اوضتك ونامي يا حياة.
أبتلك البساطة يتعامل مع طلبها؟ ألهذه الدرجة يستخف برأيها ورغباتها؟ ولكنها لن تستسلم هذه المرة, فلقد اتخذت قرارا وتنوي تنفيذه مهما كلفها الأمر لذلك قالت بتحدي: انا لو دخلت اوضتي دلوقت, فهدخل بس عشان ألم هدومي.
وليد ساخرا: دة انتي مصممة بقا!
فردت حياة وقد أصاب الوهن عزيمتها ولكنها حاولت أن تبقي صوتها قويا كما هو عندما قالت: ايوة مصممة, ومفيش أي حاجة ممكن تخليني أتراجع.
وليد بتحدي مماثل: بس انا مش هطلقك يا حياة لا دلوقت ولا بعدين.
فقالت حياة وقد أثارها تحديه كثيرا فلم تفلح في ضبط انفعالها: طب ليه؟ ايه اللي مخليك متمسك بيا للدرجة دي؟
وليد: افتكر اننا فتحنا الموضوع دة اكتر من مرة, والكلام فيه خلاص انتهى.
حياة باصرار: لا يا وليد, ما انتهاش, لاني مش مصدقة ولا كلمة من اللي انت قولتها.
وليد بهدوء ونبرة عادية وكأنها تحدثه في أمر لا يعنيهما: وهو ايه بقا اللي انتي مش قادرة تصدقيه؟
حياة: عاوزة اعرف السبب الحقيقي اللي خلاك تتجوزني واللي هو بردو اكيد نفس السبب اللي مخليك متمسك بيا لحد دلوقت وبلاش تقولي زي كل مرة انك عملت كدة عشان انت عاوزني لانك لحد دلوقت ما عملتش اي حاجة تثبت ان كلامك دة حقيقي.
لم تكن تعي بأنها قد تمادت كثيرا في غضبها الذي جعلها تتفوه بكلام كانت تعلم بأنها ستندم عليها فيما بعد, وقد أدركت ذلك فقط عندما جذبها نحوه بشدة لتلتصق به ثم ركز نظراته اللاهية على عينيها المذعوة وهو يسألها: أفهم من كلامك دة ان دي دعوة صريحة ليا عشان أطالب بحقوقي؟ بس يا ترى بقا انتي مستعدة لدة فعلا؟
فتلعثمت حياة وهي تقول وقد سلبت منها المفاجأة كل قواها ووسائلها في الدفاع أو المقاومة: انا ما كنتش أقصد, انا بس كنت…………
وقبل ان تتم جملتها وجدت نفسها طليقة مرة أخرى بعد أن أفلتها وليد وقد أشاح بوجهه عنها وهو يقول لها بلهجة تحذيرية: ادخلي نامي يا حياة وياريت ما تقوليش أي كلمة تاني غير لما تكوني مستعدة كويس اوي انك تتحملي نتايجها.
لم تعارضه حياة كما فعلت منذ قليل, بل انها كانت تنتظر طلبه هذا لتبتعد عنه بسرعة قبل أن تخونها قدماها كي تنفرد بنفسها قليلا وتفكر في ذلك التغير الطفيف الذي قد طرأ على علاقتها بوليد, فلأول مرة منذ زواجها يبدي رغبته في اتمام زواجهما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
مر أسبوع على حفل الافتتاح وقد بدأ الجميع في محل الملابس يعملون بجد, و كانت مريم تبدي حماسا شديدا في إدارة المكان بمساعدة ماهر, حيث كان عملها بالمحل هو سلواها الوحيدة تمكن من شغل عقلها وإبعاد تفكيرها عن يوسف وما فعله بها, ولكنها كانت صريحة مع نفسها ولم تتمكن من الادعاء بأنها قد نسيته تماما وكان شاهدا على ذلك تلك الليالي التي لم تستطع فيها النوم بسببه وهي تفكر في مدى العلاقة التي أصبحت تربطه بعلياء.
اقترحت عليها هدى أن تعمل معها بالمحل في فترة ما بعد الظهر بعد أن تعود من الجامعة وقد وافقت مريم على الفور لاكتشافها حقيقة أن العمل هو العلاج الوحيد لبعض المشاكل والضغوط النفسية كالتي تعاني منها هدى, وبالفعل لقد أثبتت هدى قدرات متميزة في التعامل مع العملاء وكذلك كانت بارعة في المسائل المالية مما جعلها تعيد التفكير في نوعية دراستها إلى أن توصلت لقرار نهائي وهو أن تتجه لدراسة التجارة بدلا من الاعلام, وعندما اقترحت ذلك الأمر على يوسف و وليد قد وافقاها وشجعاها على ذلك , وبالفعل سحبت ورقها وقدمته لكلية التجارة, وفي أحد الأيام حيث كانت تقف في قسم المحجبات وقد جذبتها طرحة جميلة ولامعة من الشيفون كانت تتناسب مع كثيرا مع التنورة التي ترتديها, فأخذتها هدى ووقفت أمام المرآة تنظر إلى وجهها به بتردد ثم عقدت العزم وقامت بلف الطرحة حول وجهها, وقد حاولت تعديلها بكافة الطرق ولكن بدا لها الأمر في غاية الصعوبة حيث كانت المرة الأولى التي تحاول فيها ارتداء الحجاب وقد اختارت مريم تلك اللحظة بالذات لتدخل المكان , فابتسمت وهي تراقب تعثر هدى في محاولة تثبيت الطرحة بلا جدوى فاقتربت منها قليلا وهي تقول: مش هتثبت بالشكل دة.
أجفلت هدى لدى سماعها صوت مريم حيث قد فاجأها ظهورها وقالت متلعثمة وهي تحاول الاعتذار وتنتزع الطرحة من فوق رأسها وتهم بوضعها مكانها: انا اسفة, انا بس كنت عاوزة……….
وتاهت بقية الكلمات من عقلها فلم تعد تعلم ما السبب الذي يمكنها اختلاقه في ذلك الموقف, ولكن أخذت مريم الطرحة من يدها وجذبت هدى ناحية المرآة برفق وهي تقول لها: تعالي بس كدة, شوفي يا قمر الطرح الشيفون صعب انها تثبت لوحدها على الشعر عشان كدة هي محتاجة الأول بطانة قطن تحتها عشان تقدر تثبتها
ولم تنتظر مريم تعليق هدى حيث أسرعت وأحضرت البطانة التي تحدثت عنها والتي تتناسب مع الطرحة وبالفعل بدأت تساعدها في ارتداء الطرحة بعد أن عقدت شعرها الطويل إلى الخلف وعقصته على شكل كعكة كبيرة وعندما حاولت هدى أن تعترض وهي تقول: بس انا مش عاوزة البسها.
مريم مبتسمة: جربيها الأول وبعدين يبقا قرري.
وانتهت مريم من ذلك سريعا وأدارت وجه هدى ناحية المرآة وهي تقول لها بكلمات إطراء قد أكسبت هدى المزيد من الثقة بنفسها: شوفي لايقة عليكي ازاي؟ بجد بقا بقيتي زي القمر فيها.
فدققت هدى النظر إلى شكلها الجديد في المرآة وقد اعترفت بصحة كلام مريم ولكنها مازالت مترددة قليلا وهنا ظهر ماهر وهو يطرق الباب المفتوح للقسم, فانتهزت مريم الفرصة للقضاء على آخر اعتراضات هدى و قالت وهي تأذن لماهر بالدخول: تعالى يا ماهر وقولي بقا ايه رأيك في المفاجأة دي؟
فدخل ماهر وهو يفحص وجه هدى الذي قد ازداد براءة بالحجاب وزادته جاذبية حمرة الخجل التي علت وجهها وهو ينظر إليها ونظرات مريم تنتقل بينهما في صمت الذي وجدته قد طال أكثر من اللازم فقالت مداعبة ماهر: جرى ايه يا عم روميو؟ ما تتكلم ولا انت شغال silent النهاردة؟
فانتبه ماهر إلى كلام ابنة خاله وسألها: هه! كنتي بتقولي ايه يا مريم؟
مريم: كنت بقول ايه رأيك في الحجاب بتاع هدى.
ماهر دون أن يحول نظره عن هدى وهو يقول بصوت حالم: حلو, حلو أوي.
وعلمت مريم أن قصة جديدة بين عائلة الكامل وعائلة سليم على وشك أن تبدأ ولكن السؤال هنا هل يا ترى سيكون مصير تلك العلاقة هو الفشل كسابقتيها؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي إحدى الأمسيات التي غاب عنها القمر لتبدو الليلة حالكة الظلام في تلك الصحراء الشاسعة والتي لا يضيئها سوى مصابيح تلك السيارات التي كانت تقف على جانب الطريق بشكل يدعو للريبة ووقف بجانب السيارات كل من عماد وعلياء و كمال و رجل أخر طويل وذات جسم ممتلىء يبدو وكأنه أحد التجار بما يرتديه من عباءة واسعة يظهر من تحتها جلبابا فضفاضا, ويحيط بهم بعض الرجال المسلحين . بدأ كمال الحديث وهو يقول لذلك الرجل الغريب: أهلا يا معلم حمدان. ياترى فلوسك جاهزة؟
حمدان: جاهزة يا كمال بيه بس انت مش شايف ان عشرة مليون كتيرة اوي.
وهنا تدخل عماد وقال: احنا هنعيده تاني يا معلم حمدان؟ مانت شوفت البضاعة بنفسك وعارف انها تستاهل.
حمدان: هي من جهة تستاهل فتستاهل, بس بردو احنا كنا عشمانين فيكم حبتين, وخصوصا ان دة مش اول تعامل بيننا.
عماد: ماهو عشان دة مش اول تعامل بينا فانت طبعا عارف ان كلمتنا واحدة, دة غير ان الصنف دة جامد ومدام علياء ممكن تقولك بنفسها هو أد ايه مطلوب يعني ممكن تغلي زي مانت عاوز
حمدان: طب لما نشوف.
عماد: ياللا بقا ورينا فلوسك يا معلم.
فأشار حمدان بيده لبعض الرجال الذين يقفون خلفه, وقد أسرع اثنان منهم إليه وفي يد كل واحد منهما حقيبة صغيرة وضعاهما على مقدمة سيارة عماد كما أمرهما حمدان ثم تنحا جانبا مفسحين المجال له لتقدم من الحقيبتين وفتحهما وهو يقول لعماد: وادي الفلوس يا عماد بيه عشرة مليون بالتمام والكمال ولو تحب تعدهم مفيش مانع.
عماد مبتسما: عيب يا معلم, وهو احنا من امتى بنخون بعض؟
حمدان بامتنان: عشت يا عماد بيه, فين البضاعة بقا؟
فنظر عماد إلى كمان نظرة ذات معنى جعلت كمان يتجه إلى سيارته ليعود ومعه حقيبة متوسطة وضعها على فتحها أمام حمدان وقد كانت مليئة بأكياس من السم الأبيض المسمى هروين, فتقدم حمدان من كمال ليدقق النظر إلى البضاعة ثم قال باستحسان بعد أن حمل أحد الأكياس بيده وقربه إلى أنفه: كله ألسطة.
وقبل أن يتمكن حمدان من إعادة الكيس إلى الحقيبة أضيء المكان حولهم بمصابيح كبيرة وقد أحاط بهم العديد من رجال الشرطة شاهرين أسلحتهم, واقترب أحد الضباط من كمال و حمدان الذين قد سمرتهما المفاجأة كما كان الحال مع الجميع, فقال الضابط ساخرا: أهلا أهلا بالمعلم حمدان. كنت فين يا راجل من زمان؟ دوختنا وراك يا انت وكمال وعماد بيه, وكمان مدام علياء؟ يا محاسن الصدف, متجمعين في أراميدان إن شاء الله.
فقال حمدان وهو ينظر إلى الحقيبة التي كانت لاتزال في يد كمال: الحاجة دي مش بتاعتي يا سعادة البيه.
الضابط: الكلام دة بقا يبقا قوله في التحقيق, ياللا قدامي ع البوكس.
وقبل أن يتحرك أحدهم سمع الجميع صوت طلقات نا,رية تأتي من مكان مجهول جعلتهم جميعا ينبطحون على الأرض وبدأ تبادل إطلاق النا,ر بين رجال الأمن ورجال العصابة الذين استغلوا الفرصة وحاولو الهرب وبعد فترة ليست بقليلة استطاع رجال الشرطة السيطرة على الوضع وقاموا بالقبض على كل رجال العصابة بما فيهم المعلم حمدان وكمال, ولكن لسوء الحظ قد تمكن عماد وعلياء من الهرب.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي إحدى السيارات نجد عماد وعلياء يجلسان في المقعد الخلفي بها, بينما يتولى القيادة شخصا آخر ضخم الجسمان وبجانبه رجل بنفس حجمه تقريبا إلى أن توقفا أمام في مكان ناء أمام إحدى الفيللات التي بدا من هيكلها الخارجي وكأنها مهجورة ولكنها لم تكن كذلك بالفعل حيث فتح أحدهم الباب الرئيسي فور سماع صوت منبه السيارة, فقادها السائق إلى الداخل, وعلى الفور أغلق خلفهما الباب لنرى الحديقة بها بعض الرجال المسلحين الذين قد تم توزيعهم بحذر في جميع أنحاء الفيللا, وقبل أن يترجل عماد من السيارة قال لقائدها: كدة بقا يا ابو السباع انت عملت اللي عليك النهاردة.
فقال له الرجل بصوته الخشن: احنا دايما في الخدمة يا عماد بيه.
عماد: طب ماتنساش بقا معادنا بكرة
الرجل: عيب يا عماد بيه, انت عمرك طلبت مني حاجة وانا خذلتك؟
عماد: بصراحة لا, بس المرادي بقا لو نفذت المهمة دي صحة حلاوتك عندي هتبقا كبيرة اوي, اكبر مما تتصور.
الرجل: يا عماد بيه انت على طول خيرك مغرقنا, طب ايه رأيك بقا ان المرادي هتبقا مجاملة مني ليك.
فربت عماد على كتفه من الخلف وهو يقول: ادها وأدود يا ابو السباع, وانا مستني منك خبر بكرة.
الرجل: بكرة قبل الشمس ما تغيب هيجيلك خبره.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان وليد يجلس مع أخيه يوسف في مكتبه بشركة المعمار ووليد يقول بضيق: فلت منها ابن اللذين.
يوسف: ما تقلقش, الجايات أكتر.
وليد: طب البوليس لحد دلوقت لسة ما عرفش مكانه لا هو ولا علياء؟
يوسف: لسة بيحققوا.
وليد ونبرة صوته محملة بالكره الشديد: امتى بقا نخلص منهم كلهم ونرتاح.
يوسف بهدوء: قريب جدا ان شاء الله.
ثم نهض يوسف استعدادا للانصراف وهو يقول لأخيه: ياللا بقا انت مش مروح ولا ايه؟
فنهض وليد بدوره وأمسك بيد أخيه وقد تردد قليلا قبل أن يقول له: طيب انت مش ناوي بقا تقول لمريم الحقيقة؟ بتهيئلي كفاية زعل لحد كدة.
يوسف بنبرة ألم: حتى لو عرفت دة مش هيغير أي حاجة.
وليد: طب ما تجرب.
يوسف: مش دلوقت يا وليد, ياللا بقا عشان انا ما نمتش من امبارح وتقريبا جعان نوم.
وليد: تنام ايه يا عم؟ والغدا اللي مستنيك في البيت, دي حياة غابت من الكلية مخصوص عشان تحضر للعزومة دي.
يوسف معتذرا: معلش اعفيني انا بقا ياوليد, وبالهنا والشفا ليكم.
وليد مصرا: لا يمكن. انت النهاردة هتتغدى معانا يعني هتتغدى معانا, دة خلاص قرار غير قابل للنقاش.
يوسف مستسلما: أمري لله ياللا بينا.
وخرج الأخوان جنبا إلى جنب يجذبان كل الأنظار برجولتيهما ووسامتهما التي يحسدهما عليها الكثيرون. ثم خرجا من الباب الرئيسي للشركة ليتوجها إلى سيارتيهما, وفي خلال ذلك نجد سبعاوي أو الملقب بأبو السباع يجلس في الكرسي الأمامي لسيارته وفي يده سلا,حا وبجانبه نفس الشخص الذي كان برفقته أمس والذي يتولى هو قيادة السيارة اليوم, وعندما رأى سبعاوي وليد ويوسف يغادران الشركة قال لرفيقه: هو دة يا نمر ياللا اتحرك.
وبالفعل انطلق المدعو نمر بالسيارة باتجاه وليد ويوسف, وقد أعد سبعاوي سلا,حه لإطلاق النا,ر وأخرجه من نافذة السيارة, وعندما أصبحا على مسافة قريبة منهما ضغط سبعاوي على الزناد لتخرج منه رصاصة ذات صوت مدوي, ثم هرب الاثنان في لمح البصر دون أن يتسنى لأحد التحقق من السيارة أو صاحبيها. أو أن يصيبها أحد الأعيرة النا,ر.ية التي انطلقت من أسلحة رجال الأمن بالشركة الذين كانوا يقفون خارج البوابة.
بالطبع لقد كان سبعاوي أحد الق,تلة المرتزقين المعروفين بدقة التصويب لذلك قد أصابت الرصاصة هدفها لتستقر في صدر يوسف من الناحية اليسرى, ورغم ذهول وليد إلا أنه قد استطاع أن يمسك بأخيه وهو يصرخ بصوت عال: يوسف.
ولكن لصدمته لم يستطع أن يحمله بل جلس به في الأرض ووضع رأسه على فخذه وهو يقول وقد أبت دموعه أن تبقى في محجرها فتساقطت من عينيه كالشلال: يوسف! رد عليا, رد عليا أرجوك.
واستطاع يوسف أن يفتح عينيه قليلا وهو يقول بصوت واهن وشبح ابتسامة يظهر على وجهه متحملا في سبيل ذلك الألم الفظيع الذي يشعر به: فاكر لما قولتلك وانت صغير لما أبونا مات اني مش عاوز أشوف دموعك دي تاني؟ ولا حتى عشاني يا وليد.
وبدل من أن تكون كلماته سببا لإيقاف دموعه فقد كانت السبب لزيادتها وهو يقول بصوت يخنقه الحزن: أنا ما عشتش مع أبويا أد ما عشت معاك يا يوسف, انت بالنسبالي الأب والأخ والصديق, انا مقدرش أعيش من غيرك.
يوسف وهو يجاهد ليخرج الكلمات: الحياة ما بتقفش على حد يا صاحبي, بس انت ما تتصورش سعادتي أد ايه عشان انت كنت آخر حد أشوفه قبل ما أمووت.
فأسرع وليد يقول: لا يا يوسف, مش ممكن تمو,ت دلوقت, انت فيه حاجات كتيرة لازم تعملها قبل ما تمو,ت. نسيت مريم يا يوسف؟ انت لازم تعيش عشانها لو ما كنش عشاني أنا.
يوسف: مريم! يبقا ما تنساش تقولها تسامحني.
وليد: انت اللي هتقولها بنفسك يا يوسف, انت اللي لازم تعيش حياتك معاها. حياتك اللي انت مقدرتش تعيشها من غيرها.
ولم يستطع يوسف أن يرد على أخيه وقد ازداد ألمه ولم يتمكن من أن يمنع تلك الآهة التي خرجت من بين شفتيه والتي شعر وليد بأن روحه تخرج معها, فلقد كان يشعر بأن تلك الرصاصة قد اخترقت صدره هو وليس صدر أخيه ,فصرخ في كل المحيطين به وكان أغلبهم من العاملين بالشركة حيث انتقل إليهم الخبر بسرعة البرق: اسعاف, اتصلوا بالاسعاف حالا.

الحلقة الأخيرة
*معك وللأبد*
إذا فارقك حبيب باختياره, عندها تشعر بالمعنى الحقيقي لمفارقة الروح للجسد وعندها تفعل كل ما بوسعك حتى تلغي هذا القرار أو على الأقل تعمل على تأجيل لحظة الفراق, ولكن ماذا إن كان هذا الفراق ليس إختيارا؟ ماذا إن فرض عليكم هذا الفراق ماهو أقوى منك ومنه؟
المو.ت هو عدو كل المحبين ومحب كل الأعداء, فماذا إن كان المو.ت هو الذي فرض عليكم الفراق؟ هل يمكنك أن تتحداه كما تتحدى أقصى الظروف قسو,ة وصعوبة؟ حتى وإن كنت تمتلك القوة الكافية لخوض هذا التحدي فما الفائدة وأنت على يقين بأنك ستكون الخاسر لا محالة؟!
إذن أيها الحبيب فهذه رسالتي إليك أدعوك فيها إلى الاستسلام لقلبك ولو لمرة واحدة دعه يحركك, فلم يعد لدينا المزيد من الوقت لذلك الجفاء الذي أصبح يق,تلني, و أنا أمامك الأن أتنازل عن كبريائي وأعترف لك بحبي وبأنه لا يمكنني أن أعيش بدونك لحظات إضافية, حقا لا يمكنني ذلك. وسأكررها دائما وأمام العالم أجمع الذي لم يعد يهمني فيه أحد سواك. وها أنا أقف في انتظار اعترافك.
____________________________________________
كانت مريم تقف في المحل تعلق بعض الثياب على الحاملة عندما جاءها صوت من الخلف يقول: مساء الخير.
فالتفتت مريم لترى خالد صلاح يقف أمامها وبجانبه أخته ليلى تلك الفتاة الهادئة والابتسامة التي لا تغادر وجهها فقالت مريم مرحبة: اهلا أستاذ خالد.
ثم صافحت ليلى بحرارة وهي تقول وقد اتفقتا على رفع الألقاب بينهما: عاملة ايه يا ليلى؟ وحشتيني.
ليلى بصدق: انتي أكتر والله يا مريم, المحل جميل جدا, ربنا يباركلك فيه. حقيقي خالد كان عنده حق لما وصاني أشتري فستان خطوبتي من هنا.
مريم: تسلمي يارب كلك ذوق, بس ايه دة؟ انتي اتخطبتي ولا ايه؟
ليلى: اه يا حبيبتي, قرينا الفاتحة, وان شاء الله الخطوبة الاسبوع الجاي.
مريم: ايه دة بجد؟
ثم حض.نتها بسعادة وهي تقول: ألف مبروك يا حبيبتي , وربنا يتمملك بخير.
ليلى: الله يبارك فيكي يا قمر.
ثم أكملت بمزاح وهي تغمز لأخيها: مانا قولت بقا كفاية كدة. خالد هيعنس بسببي, اصله ما كنش راضي يتجوز الا لما يطمن على مستقبلي الأول, فأنا قولت بقا أكسب فيه ثواب وأوافق.
فردت مريم على مزاحها بالمثل: والله فيكي الخير, هو فعلا ابن حلال ويستاهل التضحية الكبيرة دي.
وبدا أن ليلى كانت تنتظر تلك الفرصة فاستغلت ما قالته مريم لتؤكد على كلامها وتقول بنبرة خاصة: اه والله يا مريم. هو ابن حلال أوي, ويا بخت اللي تكون من نصيبه.
شعرت مريم بالانزعاج بسبب الاتجاه الخطر الذي قد أل إليه الحديث وقررت أنه قد حان الوقت لاستبداله بموضوع أخر فقالت وهي تجذب ليلى من يدها: طب تعالي بقا انا افرجك على أحسن تشكيلة عندي.
فسحبت ليلى يدها برفق وهي تعتذر بتردد بعد أن تبادلت نظرة سريعة مع أخيها: لا يا حبيبتي خليكي انتي, انا عاوزة أخد جولة كدة لوحدي في المحل, اصلي ليا مواصفات خاصة في الفستان اللي هختاره ويمكن لوشفت حاجة أحسن اغير رأيي, وكمان مش عاوزة خالد يقعد لوحده اصل مش ليه في الحاجات الحريمي دي بس هو جه معايا عشان ما يسيبنيش لوحدي.
مريم مصرة حيث كانت تخشى أن تبقى مع خالد بمفردها لسبب تجهله رغم وجود العاملات في كل مكان بالمحل: ماهو يا حبيبتي عقبال ما استاذ خالد يشرب قهوته اللي هطلبهاله هنكون احنا خلصنا.
ولكن كانت ليلى أعند منها ولكن بطريقة خاصة لم تستطع مريم الاعتراض عليها: ايه دة يا مريم؟ انتي كدة هتقلقيني وتخليني أفتكر انك مش عاوزة تقعدي مع خالد. طب دة حتى أبيه خالد طيب أوي وما بيأذيش.
فقالت مريم وهي تحتوي الموقف سريعا: يا خبر, مين قال كدة؟ انا بس كنت بعرض مساعدتي, دة واجبي كصاحبة المحل.
ليلى وهي تهم بتركهما: مانا عارفة والله يا قمر, بس انا زبونة متعبة شوية عشان كدة بفضل اني اروح لوحدي, ياللا بقا اسيبكم وأبدأ مهمتي الصعبة وما تخافوش مش هأخر عليكم.
ثم رحلت ولكن لم يخف على مريم تلك الغمزة التي أرسلتها لأخيها قبل أن تتركهما, ولكنها تجاهلت ذلك واتجهت إلى مكتبها ودعت خالد إلى الجلوس أمامها, ثم قالت له بابتسمة متوترة: يا ترى قهوتك ايه بقا يا أستاذ خالد؟
خالد: لا, مفيش داعي.
مريم: مفيش داعي ازاي بقا؟ انت عاوز ليلى ترجع ما تلاقيش القهوة تتهمني بالبخل.
خالد ضاحكا: لا وعلى ايه؟ لو ضروري يعني يبقا خليها مظبوط.
فقالت مريم لتلك الفتاة العاملة التي كانت بالقرب منهما: لو سمحتي يا حنان اطلبي واحد قهوة مظبوط.
حنان: أمرك يا مدام مريم.
وذهبت حنان لإحضار القهوة, وبدا الجو متوترا من الصمت الذي طال, مما دعا مريم إلى أن تقول لمجرد فتح مجالا للحديث ليخفف من حدة التوتر: واضح ان العلاقة بين حضرتك وليلى قوية أوي لدرجة انك وافقت تيجي معاها مشوار زي دة مع ان كل الرجالة تقريبا ما بيكرهوش أد ان هما يلفوا مع بنت في المحلات.
خالد: ليلى دي هي الوحيدة الي ليا في الدنيا بعد وف,اة ماما وبابا, وانا اللي شلت مسئوليتها بعدهم وبقت هي بتعتمد عليا في كل حاجة تقريبا.
مريم: ربنا يخليكم لبعض.
خالد: يارب.
ثم أكمل بنبرة خاصة جعلت مريم تشعر بمدى خطورتها: بس هي خلاص هتتجوز ويبقا ليها بيت وزوج وتبدأ بقا تستغنى عني, الحقيقة أنا لحد دلوقت مش عارف أقلم نفسي على اني أعيش لوحدي.
مريم: ما حضرتك كمان مسيرك تلاقي الانسانة المناسبة اللي تشاركك حياتك وما تبقاش مضطر انك تعيش لوحدك.
ودون أن تقصد مريم فقد أعطته الفرصة لأن يحدثها بتلقائية ويخبرها بما حاول أن يخفيه طوال تلك المدة منذ رآها لأول مرة, فبدأ يقول وقد شعر أخيرا بأن عقدة لسانه قد انحلت فانساب الكلام من فمه دون تفكير أو تردد: بصراحة بقا يا مريم, هو دة الموضوع اللي أنا كنت عاوز أكلمك فيه. انا من أول يوم شفتك فيه في الجامعة و أنا حسيت ان انتي فعلا الانسانة اللي عاوز اقضي معاها بقية حياتي, بس لما فكرت اعترفلك بدة كان فات الاوان وعرفت انك اتخطبتي ليوسف جلال, وكنت خلاص فقدت الأمل بس بعد ما عرضتوا عليا اني أكون معاكم في المسرحية اللي هتقدموها ومن خلال قربي منك أكتر حسيت أد ايه ان انتي مش سعيدة في جوازك وخصوصا إني كنت بسمع كتيرعن ماضي يوسف وان اللي زيه مش بتاع جواز واستقرار, وفي الفترة الأخيرة اتأكدت ان شكوكي كانت في محلها واللي أكدلي دة فعلا يوم الحفلة لما شفت هو أد ايه كان بيحاول يتجاهلك في الوقت اللي كانت فيه واحدة تانية مستحوذة على كل اهتمامه واللي سمعت بعد كدة انه ناوي يخطبها.
كانت مريم على علم بهذا الأمر فلقد وصلها هذا الخبر في اليوم التالي من الحفلة حيث كتبت الجرائد عن مدى العلاقة التي تربط يوسف بعلياء واستنتجت بأنهما على وشك الزواج, كما تذكرت أيضا ذلك الشجار الذي حدث بعد ذلك بينها وبين جدها وإصرارها على التعجيل بالطلاق, ولكن كالعادة كان لدى جدها الأسباب التي جعلتها تعدل عن رأيها وترضخ للرغبته وإن لم تكن مقتنعة.
أفاقت مجددا على كلام خالد الذي استمر يقول: انتي لازم كمان يا مريم تشوفي حياتك زي ماهو شاف حياته, لان مش من العدل ابدا انك توقفي حياتك على كدة في حين ان هو ولا على باله.
لم تحتمل مريم مزيدا من الألم الذي سببه كلام خالد والذي كانت تقر بصحته في داخلها ولكنها اعترضت وقد ارتفعت نبرة صوتها: أرجوك كفاية.
فأدرك خالد بأنه قد تمادى كثيرا لذا قال معتذرا: انا اسف يا مريم, بس انا مش قادر أشوفك بتتعذبي كدة أدامي وانا مش قادر أخفف عنك.
مريم راجية: أستاذ خالد أرجوك ما تنساش اني ست متجوزة وان الشخص اللي انت بتتكلم عليه دة لسة لحد دلوقت جوزي.
خالد: لحد امتى يا مريم؟
فاجأها سؤاله الغير متوقع ولكنها تعمدت وكأنها لم تفهم ما يعنيه: قصدك ايه؟
خالد بالحاح: قصدي لحد امتى هيستمر جوازكم ؟ لحد امتى هتقدري تستحملي الحياة بالشكل دة؟
ثم تغيرت نبرته إلى الرقة: مريم! انا مستعد اني استناكي وتأكدي ان سعادتك هتكون معايا بس اديني أي أمل يخليني أستنى.
وبالرغم من أن مريم كانت بحاجة ماسة إلى أن تسمع مثل هذا الكلام إلا أن خالد لم يكن الشخص الذي تتمنى أن يسمعها إياه, ولكنها لم تشأ أن تجر,حه, فما الحل إذن؟ وكيف يمكنها أن تخبره بأنه رغم أنه على حق فيما يقول إلا أنها ليس باستطاعتها أن تتخيل نفسها إمرأة رجل أخر سوى يوسف ذلك الشخص الذي لم تذق معه حتى الآن سوى العذاب.
ولكن جاءتها النجدة من السماء حيث ظهر ماهر في تلك اللحظة فوفر عليها عناء الرد, وبسبب ارتباكها لم ترى آثار الحزن البادية على وجهه, بل نهضت مسرعة وهي تقول له: ماهر! كنت فين كل دة؟ انت ناسي ان عندنا شغل كتير النهاردة؟
وعندما لم تجد منه ردا بدأت تدقق النظر إليه, فقالت له وقد اجتاحها قلق عارم: فيه ايه يا ماهر؟ جدو حصله حاجة؟
فقال ماهر بكلمات متقطعة: جدي بخير.
لما تطمئنها كلماته بل قفزت سريعا إلى استنتاج آخر: يبقا عمتو, طمني هي مالها؟ انا سايبها الصبح كانت كويسة.
ماهر: ماما بخير يا مريم.
مريم بنفاذ صبر: أمال ايه اللي حصل؟
ماهر: يوسف يا مريم.
مريم بلهفة: ماله يوسف؟
ماهر: في المستشفى بتتعمله عملية وهو دلوقت بين الحياة والمو,ت.
لم يكن في استطاعتها أن تتحمل مثل هذا الخبر, بل إنها لم تتمالك نفسها كي يمكنها أولا التحقق من الأمر, وفي لحظة واحدة سقطت على الأرض مغشيا عليها.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ننتقل إلى المستشفى أمام حجرة العمليات لنجد الجميع يتشاركون مشاعر واحدة وهي القلق على حياة يوسف فمنهم وليد الذي يبكي بحر,قة خوفا من فقدان أعز الناس على قلبه وبجواره زوجته التي تحاول أن تواسيه وهي التي كانت بحاجة إلى من يواسيها فهي تتعذب لعذابه, ومنهم عبدالرءوف الذي كان يجلس بالقرب منهما على أحد المقاعد بالمستشفى وهو يدعو الله أن يجنبهم تلك المصيبه فهو لن يتحمل فراق ولده الثاني وهو لايزال على قيد الحياة وبجواره ابنته التي كانت تقرأ في مصحف صغير بيدها بصوت منخفض عل السكينة تنزل على قلوبهم جميعا و يأتيهم خبر نجاته بعد قليل, وفي المقابل نرى هدى والتي كانت تبكي بصمت حتى احمرت عيناها من شدة البكاء.
وهنا ظهرت مريم التي كانت تقريبا تركض نحوهم والدموع تسبقها, وكان ماهر خلفها ويحث الخطى كي يمكنه اللحاق بها, وعندما اقتربت منهم أسرعت إلى جدها وهي تسأله بلهفة وصوت باك: فين يوسف يا جدو؟ ايه اللي حصله؟
فربت عبدالرءوف على كتفها وقال محاولا التماسك: ادعيله ربنا ينجيه يا بنتي.
فقالت مريم بقلب يكاد أن ينفطر: يارب يا جدو. يوسف مش ممكن يمو,ت.
وهنا تحامل وليد على نفسه واقترب من مريم وهو يقول محاولا أن يبدو صوته ثابتا: لو سمحتي يا مريم عاوزك في كلمتين.
فنظرت إليه مريم بعينين تائهتين ثم سارت في إثره كالمغيبة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
: معقول اللي بتقوله دة يا وليد؟
لم يستطع عقلها أن يستوعب كل تلك المفاجآت دفعة واحدة فأرادت أن تتأكد أكثر لذلك سألت وليد الذي قد اختار غرفة الاستراحة ليخبرها بكل الأسرار التي كانت تخفى عليها: يعني انت عاوز تفهمني ان ما كنش فيه أي علاقة بتربط بين يوسف وعلياء؟
بالفعل كان هذا هو كل ما يهمها من كل ما سمعته منه, فقال وليد مؤكدا كلامه السابق: يا مريم يوسف بعد ما اتجوزك وهو معرفش ست غيرك, فبالرغم من كل عيوبه الا ان عمره ما كان خاين.
مريم: طب ليه ما حاولش يقولي؟
وليد: ما كنش ينفع, المهمة دي كانت سرية لأقصى حد ولولا انهم احتاجوني فيها انا كمان ما كنتش هعرف.
مريم: وياترى دة حصل امتى بالظبط يعني قبل جوازنا ولا بعده؟
وليد: يوسف قالي ان جدك كان شاكك من زمان في سلوك جوز عمتك, وكانت فيه شبهات كتير بتدور حوالين شغله وحس انه لفه ودوارانه عشان يمسك ادارة شركة الكامل كان مجرد انه عايزها تبقا ستارة لشغله المشبوه دة عشان كدة جدك اوكل بادارة شركته ليوسف وهو اللي قدر يكشف اللعبة وخصوصا بعد ما جند اللي اسمه محمد جمال دة اللي جوز عمتك كان مخليه جاسوس في شركة الكامل وهو بردو كان الشخص اللي حط أجهزة التسجيل في مكتب كمال وهدان واللي من خلاله احنا قدرنا نتوصل لكل الدلايل اللي ممكن تدينه وكان ما فاضلش غير انه يتمسك متلبس.
مريم: وعماد و علياء كانوا بيشتغلوا معاه؟
وليد: عماد هو اللي كان بيوردله المخدرات من برة وعلياء هي اللي كانت بتجيبلهم الزباين.
ثم أكمل ساخرا: وطبعا البركة كانت في شغلها اللي خلاها على علاقة بصفوة المجتمع من زوجات رجال الأعمال الفاضيين ومش لاقيين حاجة يعملوها فبيضيعوا وقتهم في تناول المخدرات.
مريم: وهما دلوقت اتقبض عليهم؟
عماد: للأسف يوسف قالي انهم قدروا يهربوا, وأكيد اللي حصله دة هما اللي وراه, بس اللي مجنني وهمو,ت وأعرفه هما ازاي قدروا يكتشفوا ان يوسف هو السبب في القبض عليهم؟
لم تكن مريم بحاجة إلى سماع المزيد, فكل ما كان يشغل بالها الآن هو أنها قد ظلمت يوسف باتهامه بالخيانة من جهه و الجشع من جهة أخرى, يوسف الذي قد خاطر بحياته لإنقاذ جدها من خطر زوج عمتها, يوسف الذي أصبح الآن بين الحياة والمو,ت, وقد تضاعف ألمها, فإن كانت قد سامحته فور علمها بخبر إصابته وهي على يقين بسوء نواياه, فكيف هو شعورها الأن بعد أن اكتشفت براءته من كل التهم المنسوبة إليه؟
علم وليد بأنها بحاجة لبعض الوقت كي تخلو بنفسها حتى يمكنها استيعاب كل تلك الصدمات التي انهالت عليها واحدة تلو الأخرى, فقرر الانسحاب من الغرفة بهدوء وقبل أن يصل إلى الباب وجد حياة وكانت تلهث من الجري وهي تقول بلهفة: وليد! مريم ! يوسف خرج من العمليات.
وعلى الفور ركض وليد خارج الحجر ومريم وحياة تحاولان اللحاق به.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
في فيللا شاكر عزالدين وقد كان يسود الحزن أيضا ولكن من نوع آخر, وقالت الأم التي قد جفت عينيها من كثرة الدموع: انا مش قادرة أصدق, بقا عماد ابني اللي متربي على ايديا يتاجر في المخدرات؟
شاكر بنبرة عتاب كانت لنفسه أولا قبل أن تكون لزوجته: للأسف يا مديحة احنا اهتمينا بارضاء رغباته وبس أكتر من اننا نعلمه الحلال والحرام والصح والغلط, ولأنه كان ابننا الوحيد فكنا مش عاوزين نرفضله أي طلب ونتجاهل كل أخطائه ونعمل اننا مش شايفينها, ودة اللي خلاه يتمادى اكتر وأكتر لحد ما وصل للي وصله دة. يعني قبل ما نلومه هو احنا لازم نلوم نفسنا في الأول.
مديحة: طب وهو فين دلوقت؟
شاكر: معرفش, محدش عارف طريقه لحد دلوقت, والبوليس عمال يدور عليه ومش لاقيه.
مديحة: طب واحنا هنفضل ساكتين كدة؟ ماهو بردو ابننا يا شاكر واحنا لازم ندور عليه ونقومله أحسن محامي.
ثم نظرت إلى نهال والتي كانت تجلس في كرسيها ملتزمة الصمت: طب انتي يا بنتي ما تعرفيش هو ممكن يكون فين دلوقت؟ انتي مراته وأكيد عندك أي فكرة عن المكان اللي ممكن يكون مستخبي فيه.
وقبل أن تجيب نهال بلهجتها الجافة التي قد اعتادت عليها مديحة, فقد سمعوا صوت جرس الباب الذي تصاعد رنينه بشكل يكاد يصم الآذان, مما جعل شاكر ينفعل كثيرا وهو يصرخ في أحد الخدم الذي كان يتجه إلى الباب ليفتحه: ما بسرعة شوية يا عبدالجليل, وتشوف البني آدم اللي مش جايله صبر دة.
فأسرع عبد الجليل في سيره, وفتح الباب ليجد أحد الضباط أمامه وعلى مقربة منه وقف مجموعة من العساكر, ولم ينتظر الضابط الاذن بالدخول بل اقتحم المكان على الفور وأخذ يوزع العساكر الذين كانوا تحت رئاسته في جميع أنحاء الدور الأرضي بالفيللا, فاقترب منه شاكر يسأله وهو يستعد لتلقي صدمة جديدة: هو فيه ايه يا حضرة الظابط؟ انا شاكر عزالدين صاحب الفيللا.
الضابط: انا معايا أمر بتفتيش الفيللا.
شاكر بألم: الفيللا تحت أمركم, بس لو كنت بتدور على عماد ابني, فللأسف مش هتلاقيه.
الضابط: احنا بندور على حاجة تانية يا استاذ شاكر, اما موضوع ابنك فدي مهمة ناس غيرنا.
وبعد فترة من التفتيش عاد العساكر يقولون: مفيش حاجة يا فندم.
فقال الضابط لشاكر وهو يشير إلى الدور العلوي: بتهيئلي ان أوض النوم هي اللي فوق؟
شاكر: ايوة يا فندم.
ودون كلمة أخرى اتجه الضابط إلى الدرج وصعد السلم مشيرا إلى العساكر بتتبعه, وصعد خلفهم كل من شاكر ونهال ومديحة اللتان قد استوعبتا الصدمة أخيرا, وبعد أن سألهم الضابط عن غرفة نوم ابنهم, توجه إليها على الفور ويتبعه الأخرون, ثم أعطى أوامره بتفتيش الغرفة, أما هو فأخذ يجول بعينيه في مختلف محتوياتها حتى وقعت عيناه على حقيبة سفر صغيرة بجوار السرير سأل عنها نهال بعد أن علم بأنها زوجة عماد: بتاع مين الشنطة دي يا مدام؟
نهال: بتاعتي و فيها شوية تحف كنت اشتريتهم عشان أخدهم معايا لبنان كتذكار يعني.
الضابط: طب لو سمحتي افتحيها.
فحملت نهال الحقيبة ووضعتها على السرير, ثم فتحتها لتظهر بداخلها بعض التماثيل الصغيرة, فاقترب منها الضابط وأخذ يتفحص التماثيل بعناية واحدا تلو الآخر حتى توقف عند أحدهم وقد كان أحد التماثيل التي قد أهداها لها عماد ذات يوم لعلمه بعشقها لذلك النوع من الفنون وفوجئت نهال بأنه ينزع رأسه ليبدو التمثال مجوفا من الداخل وفوجئت أكثر عندما وجدته يفرغ ما بداخله في يده لتظهر العديد من حبات الألماس اللامعة, فقال الضابط لنهال: تقدري تقوليلي ايه دة بقا يا مدام؟
نهال متلعثمة وقد أصابها الذعر: معرفش.
فأومأ الضابط برأسه وهو يقول لها: طب تسمحي بقا تيجي معانا؟
نهال: على فين:
الضابط: على مكان اللي انا وانتي هنقدر نعرف فيه يبقا ايه دة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ومر ما يقرب من الأسبوعين ويوسف لايزال في المستشفي بعد أن تمكن الأطباء من إخراج الرصاصة من صدره بصعوبة وقد ظل في العناية المركزة لعدة أيام, ثم بعد أن اطمئن الأطباء على استقرار حالته أمروا بنقله إلى احدى الغرف العادية والتي كان قد اجتمع فيها الآن وليد وحياة وماهر وهدى الذين كانوا يتناوبون على زيارته ومريم التي أبت أن تغادر المستشفى إلا وهي برفقة يوسف, وقد عملت هي على خدمته طوال هذه المدة, إلى أن أصبح الأن في حالة تسمح له بالجلوس وكذلك الحديث, فقال لوليد: طمني يا وليد مفيش أخبار عن عماد وعلياء؟
وليد: لا لسة بس وديني مانا سايبهم.
يوسف مبتسما: يعني انت بايدك ايه تعمله؟
وليد: بايدي كتير يا يوسف. وهتشوف.
يوسف مازحا وهو يشير إلى الضمادة التي تحيط بكتفه: لا ورحمة أبوك, كفاية اللي أنا شفته لحد دلوقت. احنا مش ناقصين مصيبة تانية.
وليد: ما تقلقش يا يوسف, ان شاء الله خير.
فنظرت إليه حياة بقلق, فقد كانت بالفعل قلقة عليه من شر عماد ذلك الشخص الذي يمكنه أن يفعل أي شيء بغرض الوصول لهدفه, ولكنها لا تستطيع أن تبوح له بذلك, مازالت لا تستطيع.
ثم سمعوا طرقا على الباب, وبعدها دخل الطبيب وبصحبته احدى الممرضات وقال ليوسف: عامل ايه دلوقت يا باشمهندس؟
يوسف: الحمد لله يا دكتور.
ثم وجه الطبيب حديثه للآخرين وهو يقول: طب لو سمحتوا يا جماعة تطلعوا برة عشان نغير للمريض.
فقال وليد لأخيه مستئذنا: طب عن اذنك بقا يا يوسف وان شاء الله هجيلك بكرة ومعايا أخبار كويسة.
يوسف بقلق لم يرد أن يبديه: خلي بالك من نفسك يا صاحبي.
ثم غادر الجميع الحجرة ولم يبق سوى مريم, وبعد أن أنهى الطبيب مهمته وقد استعد أن يغادر الغرفة سأله يوسف: أنا امتى هسيب المستشفى يا دكتور؟
الطبيب ممازحا: ايه دة؟ خلاص زهقت مننا أوام كدة يا باشمهندس؟ وع العموم يا سيدي اطمن كلها أسبوع تاني بالكتير وهكتبلك على خروج.
يوسف: متشكر أوي.
وخرج الطبيب وخلفه الممرضة, فحاول يوسف أن يستلقي مجددا على السرير وأسرعت مريم لتعدل من وضع الوسادة تحت رأسه وساعدته في أن يعدل وضعه فقال لها يوسف بامتنان: متشكر أوي يامريم.
مريم مبتسمة: انا اللي المفروض اني أشكرك يا يوسف.
يوسف: بس………
فوضعت مريم كفها على فمه وهي تقاطعه قائلة: ما تقولش أي حاجة, المهم دلوقت انك تقوم بالسلامة وساعتها يبقا نتكلم.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان عماد في قمة غضبه وهو يقف في بهو الفيلا التي كان يختبىء بها والتي تضم أيضا علياء وهي تجلس على كرسيها بكل هدوء تقلم أظافرها, وسبعاوي يقف مطرقا رأسه لتحمل كل إهانات عماد الذي كان يقول: واضح انك خلاص كبرت وايدك تقلت وما بقتش قادر تشيل السلا,ح.
سبعاوي وهو يحاول أن يدافع عن نفسه: ما تقولش كدة يا وليد بيه, هو بس اللي كان حظه نا,ر وقدروا يلحقوه, أعمل ايه؟ لسة ليه عمر بقا؟
لم يخفف هذا الكلام من ثورته: ماهو لو كانت رصاصتك دي جات في مق,تل او كانت اكتر من رصاصة ما كانوش هيلحقوه يا فالح.
سبعاوي: ع العموم حقك عليا يا عماد بيه. وان كانت خيبت المرادي فانا أضمنلك بحياتي انها مش هتخيب المرة الجاية.
عماد باستهزاء: المرة الجاية! وانت فاكر ان هيبقا فيها مرة جاية؟ ما خلاص يا فالح, زمانهم دلوقت خدوا احتياطاتهم وأمنوا نفسهم.
سبعاوي بثقة وتحدي: بردو هجيبه, ولو كان في فيللته ووسط أهله والمديرية كلها بتحرسه فأنا مش هسيبه, دة بقا خلاص تار شخصي يا عماد بيه.
عماد: لا دي بقا محتاجالها ترتيب تاني خالص, مانا مش هسيب البلد غير لما اخلص منهم كلهم دفعة واحدة.
وهنا رن هاتفه الجوال فأمسكه وليد ثم وضعه على أذنه وقال: ايوة يا أسامة, فيه ايه؟……….. مين؟….. ماهر؟
فانتفضت علياء فور سماعها الاسم ولكنها انتظرت إلى أن ينهي المكالمة حيث سمعته يقول: ودة ايه اللي جابه؟………. طب هو لوحده ولا معاه حد؟……… لا طبعا دة جاه لقضاه………. فتشه الأول وبعدين دخله بس لوحده وخلوا بالكم من اللي معاه, وخليكم مستعدين في اي لحظة.
ثم أنهى المكالمة فأسرعت علياء نحوه وهي تكاد تحترق من القلق والشك: تفتكر ايه اللي جاب البني آدم دة هنا؟ وايه اللي عرفه مكانا أصلا؟
عماد: كلها ثواني ونعرف
وبالفعل ماهي إلا ثواني قليلة حتى حضر ماهر وبصحبته حارسا مدججا بالسلا,ح, وفور أن رأى عماد فتح ذراعيه وأسرع إلى عماد يحتضنه وهو يقول: حبيب قلبي يا عمدة, فينكم يا راجل؟ قلقتوني عليكم.
لم يبد عماد أي استجابة لتلك الحرارة التي أظهرها ماهر نحوه بل ظلت ملامحه جامدة, ولكن ماهر لم يبال بالأمر كثيرا بل استمر يقول بعتاب: بقا ياراجل تعمل معايا انا كدة؟ تخلي رجالتك يفتشوني على باب الفيللا؟ بس ياللا هسامحك المرادي لأني مقدر ظروفك.
ثم ضغط على ذقن علياء وهز وجهها بيده بلطف: ازيك يا لولا, عاملة ايه يا قمر؟
وقد حذت علياء حذو عماد فلم تجب, أما عماد فقد تخلى عن صمته وهو يسأله: انت ايه اللي جابك يا ماهر؟ وعرفت مكانا هنا ازاي؟
ماهر متصنعا الحزن: بقا هي دي أهلا وسهلا بردو اللي بتقولها لضيوفك؟
فكرر عماد سؤاله ولكن بنبرة أعلى: جاوب على سؤالي يا ماهر, وقولي عرفت مكاني منين؟
فقال ماهر وهو يجلس على الأريكة بارتياح دون أن يأخذ الإذن من أحد: لا يا صاحبي, انت سألتني سؤالين. انا عرفت مكانك ازاي؟ وجيت هنا ليه؟ وانا بقا مش هكون بخيل زيكم وهجاوبك ع الاتنين.
ووقف عماد وعلياء يرمقانه بنظرات شك في انتظار أن ينهي حديثه, فاستمر ماهر يقول: اولا كان سهل عليا اوي اني أوصل لمكانكم وخصوصا اني أعرف كل أسراركم واللي كان منها الفيللا دي واللي انت اشتريتها من سنة وكتبتها باسم مراتك وهي ما تعرفش, ولا نسيت ان انا اللي عرفتك على السمسار؟
لم يستطع عماد أن ينكر ذلك لأنه كان حقيقة ولكنه لم يطمئن تماما لماهر فسأله: طب وانت عاوز ايه دلوقت؟
ماهر: جينا بقا للسؤال التاني أنا جيت هنا ليه؟ انا جيت عشان نشوفلنا حل للمصيبة اللي حصلت دي.
علياء: وانت يهمك ايه في اللي حصل؟ اهو كله وقع على دماغنا.
فنهض ماهر مرة أخرى وهو يقول بغضب: يهمني ايه ازاي؟ انتو نسيتوا ان بابا محبوس دلوقت على ذمة القضية؟ يعني المصيبة دي ضرتني زي ماهي ضرتكم, والله أعلم بقا القضية دي هترسي على ايه؟ ومش جايز كمان الحكومة تحط ايدها على كل الأملاك باعتبار انها جاية من طريق غير مشروع , وساعتها بقا هبقا يا مولاي كما خلقتني.
عماد: طب واحنا ممكن نعملك ايه دلوقت؟
ماهر: خدمة قصاد خدمة.
عماد: ازاي يعني؟
ماهر: انا مش طالب كتير, هو اتنين مليون دولار يا صاحبي أخدهم وأسافر أعيش بيهم حياتي برة.
فشهقت علياء وقالت: ايه؟ اتنين مليون ايه؟
ولكن لم يبد على عماد أي تأثر بل سأله بهدوء: وانت بقا هتقدملنا ايه في المقابل؟
ماهر: انا عرفت انك عاوز راس يوسف وأخوه لأنهم كانوا السبب في اللي انتوا بقيتوا فيه دلوقت مع اني بصراحة هتجنن وأعرف انتوا اكتشفتوا دة ازاي؟
فاندفعت علياء تقول: واحنا بنهرب أنا وعماد لمحت عربية يوسف واقفة قريب من عربيات البوليس فاتأكدت ان هو اللي بلغ عننا وان كل اللي كان بيعمله دة كان مجرد لعبة علينا.
عماد: بس انت يا ماهر لسة ما قولتلناش انت هتقدملنا ايه مقابل المبلغ دة ؟
ماهر: هدية يا صاحبي هتفرحك أوي وتخليك تضر,ب عصفورين بحجر واحد.
عماد: هدية ايه؟
ماهر بغموض: هتعرفها حالا بس خلي الرجالة بتوعك يدخلوا الناس اللي برة.
وعلى الرغم من أن عماد لم يرتح للأمر تماما إلا أنه أمسك بهاتفه واتصل بحارس البوابة الخارجية, وقال له: دخل الناس اللي عندك, أيوة اللي كانوا مع ماهر. وانت كمان تعالى معاهم وهات معاك حسام ومجدي ومعتز.
ثم انتظروا قليلا حتى جاء اربعة من الحراس مما يعملون مع عماد وبرفقتهم ثلاثة رجال أخرين, من ضمنهم رجلا مقيدا بالحبال وتغطي وجهه طاقية سوداء فنظر عماد وعلياء إلى ماهر بتساؤال مما جعل ماهر يقترب من الرجل المقيد وهو يدور حوله بعينين عابثتين و يقول, اسمحولي أرفع الستار عن هديتي المدهشة.
ثم نزع الغطاء عن وجه ذلك الرجل ليكتشفا أنه وليد جلال وقد كان ينظر إليهما بغضب, لذلك علت الدهشة وجهيهما معا, فقال لهما ماهر: ايه رأيكم بقا في المفاجأة دي, أدي وليد أدامكم بشحمه ولحمه, تقدروا تعملوا فيه اللي انتوا عاوزينه, وطبعا مش محتاج أقولكم مو,ت وليد ممكن يعمل ايه في أخوه؟ ماهو حاجة من الاتنين يا اما يحطمه تماما لدرجة تخليه ما يقدرش بعدها انه يأذي حد فينا, يا إما يخليه يغضب ويثور و يحاول ينتقم ليه بسرعة وساعتها بقا يخرج من جحره وتقدروا تصطادوه براحتكم.
ولأول مرة تظهر الابتسامة على وجه عماد وإن كانت ابتسامة شيطانية, أما وليد فقد وجه غضبه إلى ماهر وهو يقول: كنت شاكك فيك من البداية بس كنت بحاول أكدب نفسي, صحيح البني أدم اللي زيك عمره ما هيتعدل أبدا.
ماهر: معلش بقا يا عم وليد, المصلحة تحكم بردو.
وليد: ماشي يا ماهر ليك يوم.
وهنا رد عماد ساخرا وهو يقترب من وليد بعد أن أخرج سلا,حه ليشهره في وجهه: جرى ايه يا باشمهندس؟ انت مش شايف نفسك ولا ايه؟ مش حاسس انك في موقف ما يسمحش لواحد في حالتك انه يهدد بأي حاجة.
وليد: لو كنت فاكر ان عشان اللي انا فيه دة هركع تحت رجلك وأترجاك انك تطلق سراحي تبقا غلطان, مش وليد جلال هو اللي يعمل حاجة زي دي. انا أهون عليا أمو,ت ولا اني أتذلل لواحد زيك.
ماهر: لا راجل بصحيح.
ثم قرب فمه أكثر من أذنه وهو يقول بصوت أشبه إلى الهمس: وياترى بقا كنت راجل أوي كدة مع المدام اللي قدرت تضحك عليك وتفهمك انك أول راجل في حياتها؟
وعندما لاحظ عماد احمرار وجهه من الغضب ولكن لم يكن بيده القيام بما هو أكثر من ذلك فأطلق عماد ضحكة عالية تردد صداها في أرجاء المكان, ولكن قاطعه ماهر وهو يقول له وقد بدأ نفاذ الصبر يبدو على ملامحه: بقول ايه يا عماد؟ انا كدة عملت اللي عليا, اديني بقا نصيبي, وخلي رجالتك يرجعولنا السلا.ح.
فنظر عماد لأحد رجاله وقال له وقد اطمئن تماما من ناحية ماهر: رجعلهم سلا,حهم يا أسامة.
وبالفعل أعاد أسامة السلا,ح لماهر والرجلين الذين كانا يرافقان وليد, وسأل ماهر عماد: طب ونصيبي؟
عماد: ومستعجل على ايه يا سيدي؟ انت مش عاوز تحضر حفل التأبين اللي هنعمله للباشمهندس ولا ايه؟ ولا انت قلبك خفيف وما بتحبش تشوف الحاجات دي؟
ماهر بسخرية: لا ازاي؟ دة وليد دة حبيبي, وواجب عليا أحضر جنازته. بس ياريت تخلصنا بسرعة.
عماد: حبيبك ازاي وانت عاوز تخلص منه بسرعة؟ ياعم خلينا نتسلى شوية.
ثم فتح مسد.سه وقال وهو يخرج منه الرصاصات واحدة تلو الأخرى: كان فيه لعبة زمان بيحب يلعبها الأغنياء لما بيعدموا واحد من أعدائهم وكان اسمها رصاصة الرحمة, واللعبة دي أساسها انهم يخلو رصاصة واحدة بس في المسد.س ويبدأوا ينشنوا على الهدف وهو وحظه بقا ممكن تكون الرصاصة دي رقم واحد او اتنين أو تلاتة, لكن في كل ضغطة على الزناد بيمو,ت فيها الهدف مليون مرة, انا بقا يا ماهر نفسي ألعب اللعبة دي دلوقت.
ثم لف بكرة المسد.س بيده بعد أن تأكد بأن ليس بها سوى رصاصة واحدة فقط, ثم قال لماهر: تعالى يا ماهر عشان تلعب معايا وانتي كمان يا علياء وهنعمل رهان اللي الرصاصة تطلع من نصيبه ياخد من كل واحد فينا جنيه صحيح المبلغ تافه, بس اللعبة مسلية, وكمان الهدف ما يستاهلش أكتر من كدة.
وبالفعل اصطف الاثنان بجانبه, ماهر على يمينه و علياء على يساره بعيدا عن وليد بما يقرب من ثلاثة أمتار,بينما تنحى باقي الرجال جانبا تاركين وليد واقفا وحده في المنتصف, فتبادل عماد النظرات مع كل من ماهر وعلياء وسألهم: تحبوا مين يبدأ الأول؟
وعندما لم يلق جوابا قال مقررا: خلاص يبقا أبد أنا باعتباري صاحب الفكرة وبعدين ماهر لان هو صاحب الهدف وعلياء في الأخر.
ولم ينتظر موافقة أي منهما أو اعتراضه بل انه أشهر مسد.سه ناحية وليد, في حين ألقى ماهر بنظرة سريعة ناحية رجليه حملت نوعا من التفاهم بينهم لم يلاحظه أحد, وعندما استعد عماد ليضغط على الزناد, وجد ماهر مصوبا سلا,حه إلى رأسه وهو يقول مهددا: انت أعقل من انك تعملها يا عمدة.
صعقت المفاجأة كل من علياء وعماد الذي قال: ايه دة يا ماهر؟ انت اتجننت؟
ماهر: قصدك عقلت ومن زمان أوي يا عماد.
عماد: يعني انت كنت كل دة…………..
ثم توقف عندما وجد أن الرجلين التابعين لماهر قد نزعا الس’لاح عن رجاله ثم توجه أحدهما وفك قيود وليد الذي أخرج سل,احا كان تحت سترته , وسمع ماهر يفسر له الأمر وهو يأخذ من يده السلا,ح: أحب أقدملك الرائد خالد والنقيب عمر.
وبعد لحظات اقتحم العديد من رجال الشرطة المكان وكانت علياء وعماد لا يزالان مبهوتين بسبب ما يحدث, وقد ألقي القبض عليهما وكذلك جميع الحرس الذين يعملون بالفيللا حيث بدا أنهم جميعا مطاردون من قبل رجال الشرطة.
وفي الخارج وقف وليد و ماهر مستندين على سيارة ماهر, فقال وليد: متشكر أوي يا ماهر بجد انا مش عارف أقولك ايه؟
ماهر: ما تقولش يا باشمهندس, دة كان واجبي ولازم أعمله.
وليد بتردد: طب بخصوص والدك……..
فقاطعه ماهر بحزن: بابا اعترف على نفسه بكل حاجة وخرجني انا من القضية كلها بالرغم من ان انا كنت مستعد اعترف بكل الجرايم اللي اشتركت فيها معاه. بس هو ما رضيش يحملني أي مسئولية وعزائي الوحيد اني حاولت أحذره قبل كدة أكتر من مرة بس هو كان بيرفض يسمعلي ويمكن يكون دة السبب اللي مخليه حاسس بالندم دلوقت.ومستعد انه يتحمل أي عقوبة.
فربت يوسف على كتفه مواسيا: احنا بردو مش هنسيبه, هنقومله أكبر محاميين وان شاء الله ياخد حكم مخفف.
فابتسم ماهر بامتنان واكتفى بإيماءة صغيرة من رأسه, في حين قد ظهر رجال الشرطة محيطين بكل من علياء وعماد الذي لمح من وليد وماهر من بعيد فنادى على ماهر: استاذ ماهر! كلمة واحدة لو سمحت.
فانتصب ماهر واقفا واتجه ناحية عماد بخطوات بطيئة بينما ظل وليد مكانه, وعندما أصبح ماهر على بعد خطوتين فقط من عماد الذي كان يمسكه اثنان من رجال الشرطة وقال له هذا الأخير: انت النهاردة كنت الشخص الوحيد اللي قدر يثبتلي أنا أد ايه كنت غبي, عشان كدة بحب أقدملك تحياتي..
وعندما أراد أن ينحني قليلا وجد أن رجال الشرطة من حوله يتأهبون فقال لهم وهو يشير بعينيه إلى حذائه ذات الرباط المفكوك: ايه؟ انا بس كنت عاوز أربط الجزمة.
فأرخى العسكران قبضتيهما من على ذراعه, ثم أفلتاه, وأكمل قائلا لماهر وهو ينحني نحو حذائه: دلوقت بقا صعب أوي ان انا وانت نعيش على أرض واحدة.
وقد شدد على الكلمة الأخيرة وهو ينزع خنجرا صغيرا من تحت شرابه واندفع به ناحية ماهر ناويا قت,له, وماهر لا يزال واقفا قد صدمته المفاجأة في انتظار الطعنه تأتيه في مق,تله, ورجال الشرطة كل يقف في مكانه لم يتمكن أي منهم منعه حيث قد حدث كل شيء سريعا, ولم يتمكنا إلا من انتظار النتيجة, ولكن لدهشة الجميع وقبل أن ينغرز الخنجر في قلب ماهر خر عماد على الأرض صريعا نتيجة لطلقة نا,رية أصابت جبهته فاتجهت الأنظار ناحية المصدر ليجدوا وليدا ممسكا بمسد,سه وقد كان في وضع إطلاق النا,ر, وعندما نظر ماهر إليه رأى شبح ابتسامة تتراقص في عينيه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وبعد عدة أيام عاد يوسف إلى فيللته وقد أصرت مريم على البقاء بجانبه حتى يتم شفاؤه نهائيا, أما وليد فقد ظل فترة طويلة متغيبا عن المنزل ما بين عمله في الثلاث شركات, شركته وشركة أخيه وكذلك شركة عبدالرءوف الكامل والتي كان يساعده في إدارتهم ماهر وعبدالرءوف نفسه بعد أن استرد صحته كاملة, وبين سرايا النيابة يدلي بشهادته, وكانت حياة التي تجهل كل ما حدث حيث لم يخبرها وليد بأي شيء فكانت لا تراه إلا لماما وربما أوقات النوم فقط, وفي أحد الأيام ذات مساء, كانت حياة تتصفح أحد الجرائد, بعد أن شعرت بالملل يتسرب إليها, فلقد افتقدت وليد , افتقدت حتى سخريته فمهما كانت لاذعة فهي أهون من ذلك الفراغ الذي أصبح رفيقها في الأيام السابقة, وبينما وهي تقلب صفحات الجريدة وقع نظرها على صورة عماد وهو يرقد على الأرض صريعا, فكتمت شهقتها وهي لا تصدق ما تراه أمامها, ثم بدأت تقرأ ما تحت الصورة بصمت والتي قد أوضحت بأنه تم قت,له وهو في طريقه إلى سيارة الشرطة على يد رجل أعمال آخر أغفلت ذكر اسمه, وقد أوضحت سبب مقت,له بأنه حاول التعدي على هذا الشخص المجهول فكان الآخر أسرع منه وقد أدى ذلك إلى مصرع عماد والذي كان هاربا من العدالة ومتهما بالاتجار في المخدرات وقد ذكرت الصحيفة أيضا بأنه تم القبض على زوجته نهال من قبله وجاري التحقيق معها لاتهامها بسرقة وتهريب فصوصا من الألماس يصل قيمتها إلى خمسة ملايين من الدولار الأمريكي.
ظلت حياة مصدومة لبعض الوقت حيث لم تسمع صوت وليد وهو الذي قد دخل لتوه, ولم تشعر به إلا عندما رأته أمامها, فشهقت بخفوت لدى رؤيته, ولكنه تجاهل ذلك وقال لها: مساء الخير.
حياة متلعثمة: مساء النور.
ثم نهضت متجهة إلى الداخل بعد أن وضعت الجريدة على المنضدة وهي لا تدري بأنها لاتزال مفتوحة على الصفحة التي بها ذلك الخبر وقالت وهي تحاول أن تخفي ارتباكها: ربع ساعة بالكتير ويكون العشا جاهز.
ولكن منعتها يد وليد الذي أمسكت بذراعها وأدارتها نحوه بلطف وهو يسألها بنبرة هادئة مشيرا إلى الجريدة: عرفتي أنا ليه بقا كنت متغيب عن البيت طوال الفترة اللي فاتت؟
الفترة اللي فاتت؟
ولم ينتظر ردها بل أجاب هوقائلا: لأنهم كانوا بيحقق

الحلقة الأخيرة جزء ثاني والأخيرة

أكتر من اللازم واللي أكدلي دة انك كنت مستعد تطلقني وقتها بكل سهولة, ويمكن اللي منعك ساعتها هو جدو عبدالرءوف.
فقال يوسف وقد قطع الخطوة التي كانت تفصلهما وقد بدأت الحقيقة تتجلى أمام عينيه, وقال لها وهو يحتضن كفيها بحفيه ولا يبعد عينيع عن عينيها: أنا قولت اللي قولته ساعتها لما شفتك مستعدة انك تمشي.
مريم: مانت لو كنت ركزت وقتها, كنت شفت أنا أد ايه كنت سعيد ومبسوطة , وكنت جاهزة أخرج فعلا بس عماك عشان كنت عاملة حسابي اننا نتعشى برة.
يوسف: يعني انتي مستعدة يا مريم انك تعيشي بقية حياتك معايا.
فاستولى الغضب على مريم وهي تقول: يوووووووووووه, يوسف! والله همشي لو كررت السؤال دة تاني.
ثم أكملت مصححة وهي تشير إلى بطنها وهي تقول: اولا اسمها معانا, وثانيا انا مستعدة أعيش حياتي دي وحياة فوقيها كمان معاكم انتو الاتنين.
فابتسم يوسف لزوجته التي لاتزال طفلة بكل انفعالاتها, وقال لها: بحبك يا مريم بكل جنانك دة.
هي الكلمة التي كانت تتمنى سماعها منذ وقت طويل, فأخيرا اعترف يوسف بحبه لها, وأعرب عن رغبته في قضاء بقية حياته معها, أرادت أن تحتضنه بشدة لتعبر عن مدى سعادتها, وبدا أن عينيها قد فضحتاها فبادر يوسف بذلك ولكن ما إن أخذها بين ذراعيه حتى رن هاتفه ودون انقطاع, فتخلص يوسف من عناقها برفق وهو يقول مصرا على أسنانه: مين الرخم اللي بيتصل دلوقت دة؟
ونظر إلى شاشة الهاتف ليتحقق من هوية المتصل ثم فتح المكالمة وسمعته مريم يقول محاولا كتمان غيظه وهي تراقبه بنظرات مشاكسة: ايوة يا عم الرخم……..مش تبقا تختار الاوقات اللي تتصل فيها يا بايخ انت.
فظهر وليد على الطرف الآخر يضع هاتفه بجوار أذنيه وقد أجفلته طريقة أخيه في الحديث معه ولكنه استطاع تدارك الأمر سريعا وقال معتذرا: معلش بقا يا يوسف, انا بس كنت يتصل عشان أبلغك اني مسافر لمدة شهر وعاوزك تاخد بالك من الشركة في غيابي.
يوسف مندهشا: مسافر رايح فين يعني؟ وانت مش شايف ان شهر دة كتير؟
وليد وقد شعر بالخجل وهو يقول: اصلي انا وحياة اتفقنا اننا نقضي شهر العسل في شرم الشيخ.
يوسف: شهر عسل!
وقد بدأ يوسف يفكر للحظات, ظن فيها وليد بأن بأن أخيه لم يسمعه جيدا أو أن هناك خللا بالشبكة: يوسف! انت معايا؟ قولت ايه بقا؟
يوسف مشاكسا: وهو انا كنت النايب بتاع سعادتك, ولا انا كمان مش ليا حق في شهر عسل أنا التاني؟ بقولك يابني أنا ومريم مسافرين معاكم.
وليد: طيب والشركتين؟
يوسف ممازحا: جه الوقت بقا اللي ناخد فيه أجازة وعبدالرءوف بيه وماهر يثبتوا انهم أد المسئولية.
وبعد مرور عامان تقريبا, نجد الجميع بمنزل عبدالرءوف الكامل وهم يتناولون القهوة ويترأسهم عبدالرءوف و ابنته وردة بعد وجبة العشاء اللذيذة التي قد أعدتها حياة ومريم التي كانت قد أتقنت فن الطبخ وإدارة المنزل مؤخرا, وقال يوسف مثنيا عليها: تسلم اديكي يا حبيبتي, وربنا ما يحرمني من أكلك أبدا.
مريم مبتسمة وهي تشعر بنظرات الجميع مسلطة عليهما فقالت بخجل: ولا يحرمني منك يا حبيبي.
فض,ربت حياة وليد في كتفه بكوعها وهي تقول له بغضب: شايف الناس المتجوزة بصحيح, هو انت ليه يا وليد ما بتقوليش كلام حلو زي دة؟
وليد ضاحكا: لمي الدور يا أم يوسف وكلي عيش أحسنلك.
حياة مدعية الحزن: بقا كدة يا وليد, ماشي. انا بقا زعلانة منك.
فاحتضن وليد كفها بين كفيه ورفعا إلى شفتيها وهو يقول: وانا مقدرش يا حبيبة قلب وليد من جوة.
وهنا تنحنح ماهر وهو يقول بغيظ: يا جماعة ما تراعوا شعورنا بقا, واللا احنا عشان مش عارفين نتهبب ونتجوز هتقعدوا تغيظونا بالشكل دة.
وليد : وانت حد كلمك يا عم انت؟ ما تتجوز وهو مين اللي منعك؟
فأشار ماهر ناحية هدى التي كانت تجلس على كرسي آخر بجواره: الهانم, قال ايه مش مكفيها سنتين مخطوبين ومكتوب كتابنا, وقال ايه مش عاوزة تتجوز غير لما تخلص دراستها, يعني هقعد في العذاب دة سنتين كمان.
هدى بدلال: وان كان عاجبك.
فنهض ماهر من كرسيه وجلس على طرف كرسيها وأخذ كفها بيده وهو يقول مستعطفا: وفيها ايه يا روحي لو تكملي السنتين دول في بيتنا, ماهو مريم وحياة عملو كدة, انتي مش شايفة الجواز حلو ازاي؟
ثم قال موجها حديثه لكل من مريم وحياة مستنجدا بهما: ولا ايه يا مدامات, ما تفهموها بقا.
فقالت مريم بجدية: انا الحقية رأيي من رأي هدى, أصل صعب أوي انها توفق بين بيتها ودراستها.
ماهر محتجا وقد ارتفع صوته كثيرا: نعم يا ختي؟
مريم مستمرة في شرح مبرراتها: دي الحقيقة, فعادة الست بتكون مضطرة انها تهمل دراستها عشان تهتم ببيتها وجوزها ودة طبعا بيضايقها جدا.
وشعرت بأصابع يوسف تمتد إلى خدها وهو يسألها برقة: دة بيحصل فعلا؟
فقالت مريم وهي تبتسم في خجل وقد ذابت من لمسته: لا طبعا, مش في كل الحالات.
فعلا صوت ماهر وهو يقول معترضا: والله حرام بقا اللي بيحص دة.
وهنا تعالت ضحكات الجميع يسودهم الألفة والحب وكانت مريم تشارك في الضحك ولكن عينيها لم تفارقا زوجها وهي تتامله بصمت, وتتعجب من موقفها الرافض له في بداية تعارفهما حين لم تكن تعلم بأنه سيأتي عليها اليوم الذي ستعشقه فيه إلى هذا الحد وهو ايضا يبادلها نفس الشعور حيث لم تعد غريبة عن عالمه.

تمت بحمد الله.

رواية غريبة في عالمك.

بقلم رحاب حلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *