لمن القرار بقلم سهام صادق ج9
الفصل الرابع والأربعون (1)
********
هل فرت هاربة للتو من مشاعرها، وهل خانتها دموعها العزيزة حزناً وقهراً، وهل أندفعت نحو غرفة صغيرتها تُبحث فيها عن شيئاً تفقده؟
والإجابة كانت واضحة، بل واضحة للغاية..
استيقظت الصغيرة بعدما شعرت بضمه قوية حنونه ..، ظنته والدها كما اعتادت ولكن عيناها الناعستين سقطت على ملامح والدتها غير مصدقه إنها تضمها إليها
– مامي أنا بحبك اوي
همست الصغيرة بصوت ناعس، وعادت لغفوتها بعدما شعرت بالأطمئنان في أحضان والدتها..،
أزالت “شهيرة” دموعها، حتى تظهر لها بمظهرها المعتاد..، فوجدتها قد غفت بعدما منحتها أجمل عبارة، صغيرتها رغم هجرها لها وإهمالها تحبها دون أن تُطالبها بشئ غير حبها وعاطفتها.
عادت دموعها تُخانها، تتأمل ملامح صغيرتها التي تشبه والدها لحد كبير
– ليه هو محبنيش زي ما حبك يا خديجة؟
والصغيرة كانت غارقة في أحلامها، تدفن نفسها اكثر في احضانها.
………..
ضمها إليه بعدما أنتهت عاصفة حبهم، ابتسم وهو يراها تدفن رأسها بصدره..، تهمس له بخفوت وخجل ..، بأنها أسعد النساء..
ضحك وهو يُطالبها أن تعيد عبارتها عليه، فهو يحتاج سماعها منها
– قوليها يا حببتي بصوت واضح
ارتفعت وتيرة أنفاسها وقد شعر بانفاسها فوق عنقه، بعدما تشبثت به أكثر
– سليم
تعالت ضحكاته، وهو يسمعها تهتف اسمه حتى يتوقف عن إرباكها
– سليم مش هيسكت النهارده، غير لما تقولي بصوت عالي كنتِ بتقولي إيه؟
أصر ورفضت، فقرصها فوق ذراعها.. فابتعدت عنه تصرخ من الألم..؛ فطالعها بعبث ينظر لهيئتها التي سرعان ما ادركتها عندما ابتعدت عنه، عادت إليه تدفن جسدها بين ذراعيه
– عبري ليا عن مشاعرك يا فتون، عايز أحس إني فعلا وصلت لقلبك وقدرت ارجع بطلك زي زمان
علقت عيناها بعينيه، وقد افاقها حديثه من نشوتها واحساس الكمال الذي يجعلها تشعر به كلما تعانقت أرواحهم
– مافيش بطل يا سليم، مافيش راجل بطل ولا ست بتكون بطلة الحكاية
احتلي الذهول ملامحه، ونهض معتدلاً ينظر لها وقد ضاقت عيناه، يُركز في امرأته الصغيره التي بدأت تكبر وتنضج مع الأيام
– كنت زمان بطلك يا فتون، إيه اللي اتغير فجأة
– ومازلت بطل حكايتي
عقد حاجبيه، لا يستوعب انها أصبحت تجيد المراوغة اللذيذة والتلاعب معه بالعبارات، لم يكن بالرجل ذو الافق الضيقه.. بل كان بارع في التقاط الثغائر وفهم الملامح.. ،وصغيرته مهما نضجت وتعلمت فسيظل اكثر من يفهمها
– زمان كنت بشوفك بطل مبيغلطش، بطل لو غلط مش هيبقى بطل تاني وصورته هتضيع..، لكن كلنا بنغلط، كلنا لينا لحظات ضعف
– حياة جنات أثرت فيكي يا فتون مش كده؟
ترك كل حديثها خلفه..،وأمسك بالطرف الذي لم تظنه سيبحث فيه عن سبب تغيرها ..
طالعته في صمت، فالتقط كفيها يضمهما بين كفيه، يمسد فوقهما برفق
– الحاجة الوحيده اللي بتعلم الإنسان هي التجارب يا فتون
وهي لم تكن أهلاً للصمود، عندما تتأثر بحياة الغير
– جواز جنات دمرها يا سليم، جنات انطفت.. انا افتكرت نفسي زمان مع حسن
شعرت بقوة قبضته فوق كفيها، عندما ذكرت زوجها الأول الذي انتقم منه الله.. ومات بجرعة مخدرات زائدة بعد أن خدعته إحدى النساء الماكرات
– صحيح كاظم مش زي حسن، ومحدش عاش اللي أنا عشته
تعالت شهقتها، وقد ازداد ضغطه فوق كفيها، فهو لا يحتمل سيرة هذا الرجل..
اغمض عيناه يُحاول بقدر استطاعته تمالك نفسه وإصراف غضبه
تألمت بخفوت وقد ازدادت الألم فوق يديها تهتف اسمه
– سليم، ايدي يا سليم
انتبه علي صوتها، ينظر نحو كفيها.. ،وقد اشتد احمرارهم,
شعر بالضيق من نفسه، فانسابت دموعها فوق خديها بعدما عانقت عيناه عينيها، ثم اسرع في ضمها إليه يُطمئنها أنه معها..،
ولكن الليلة كانت طويله بشدة وهي تُخبره عن ما عاشته مع “حسن” وهو يستمع في صمت وجمود
زفرت أنفاسها أخيراً، بعدما أنتهت من سرد بعض الذكريات.. تُطالع ملامحه التي أصبحت شديدة القتامة..، أرادت الابتعاد عنه خشية، فعاد وجذبها إليه يهتف بصلابه
– رايحه فين؟
وقبل أن تهتف بشئ، كان يُخرسها بقبلاته.. ،يخبره بأنه وحده زوجها، وأنه الأول في كل شئ.. كل جزءً بها يملكه..، أخرجت الوحش الكامن داخله.. ، و لم يكن لأول مرة نفس الرجل الذي عاهدته…الحنون في لمساته
ابتعد اخيراً عنها، يلهث أنفاسه بقوة..، وكأنه انتبه علي ما كان يفعله بها..
– فتون أنا آسف
ولم تكن تتطالعه إلا في صمت، اجتذبها لاحضانه، يعيد اعتذاره لها مجدداً، يُخبرها أنها السبب.. ،فقد ضغطت علي أكثر الأشياء التي يكره تذكرها والحديث فيها
– قولتلك يا فتون بلاش سيرته.. اتكلمي معايا في أي حاجة بعيداً عنه سيرته
– أنت كأنك كنت بتعاقبني يا سليم
ضمها إليه نادماً، يمدّ كفه نحو وجهها يمسح عليه برفق
– مكنتش حاسس بنفسي ، سيرته بتفكرني إزاي كنت غبي لما صدقته في يوم.. وكنت هأذيكي بسببه.. ،كان نفسي أخدلك حقك منه بأيدي
وهل تذكرها له كان شيئاً سهلاً عليها، ولكنه كان علامة في حياتها..، بصمه وضعت فوق جسدها وشوهت روحها.. في الوقت الذي كانت براعمها مازالت تتفتح
ابتعدت عنه، تنظر له بنظرة قد فهمها
– اطلبي يا فتون، اللي أنتِ عايزاه
طالعته في صمت ، حتى تجد البداية لتخبره عن طلبها
– جنات محتاجة ترجع الشغل تاني، أرجوك ساعدها يا سليم
انفرجت شفتيه في ضحكة قويه، مما جعلتها تعبس بملامحها، تقطب ما بين حاجبيها
– كل الدراما اللي كنا فيها ديه، عشان جنات عايزه ترجع الشغل..، وطبعا تجبيلي البدايه إزاي، فلازم نفتح الدفاتر القديمه ونقلبها حلقة نكد، وقد إيه هي طلعت مظلومه من جوازها من كاظم، رغم إني حذرتها، كاظم راجل معندهوش مشاعر، راجل بتاع شغل وبس
– واحمس يتدرب في المؤسسه
توقف عن الحديث، بعدما أستمع لطلبها الأخر، وقد طلبته بكل وضوح دون مماطله
– مش أنت لسا قايل اطلب، من غير ما اضطر ما الف وادور
ارتفع كلا حاجبيه متعجباً، من نظرتها العابثة له ..، فالقطه الصغيرة لم تعد دون مخالب
– ده أمر..، ولا طلب
وببراءة كانت تعود إليها، تهتف وهي تتسطح فوق الفراش مسترخية، تحت نظراته التي تلتهمها
– طلب و رجاء يا حبيبي
– جنات اه، أحمس لاء
اعترض، وهي كانت تفهم سبب اعتراضه..، طالعت ملامحه الجامدة، لا تستوعب كيف رجلاً مثله يشعر بالغيرة من شابً ك “أحمس”
– سليم، أحمس وجنات عيلتي التانيه، وقفوا معايا في اكتر وقت كنت محتاجه حد في ضهري وجانبي
امتقعت ملامحه وهو ينهض من جوارها، يرمقها من فوق كتفه، يهتف باقتضاب
– مش جنات برضوه، كنتِ زعلانه منها في بداية جوازنا..، لأنها اتعاونت معايا عشان اعرف اتجوزك
– ما أنا طلعت كسبانه اه، و لولا إنها اتعاونت معاك مكنتش عيشت السعاده اللي أنا عايشها
توقف مكانه، وعاد يلتف إليها بكامل جسده .. ،يرمقها بنظرات فاحصة طويلة وكأنه يدرس المخلوقة الجديده التي بدأت تُحادثه بحنكة
– شايف نسخة جديدة من مراتي..، بس يا تري التلميذ أول ما هيجي يتمرد.. هيتمرد علي أستاذه
– إطلاقا سيدي!
ضاقت عيناه ،وعاد إليها يلتقطها من فوق الفراش، فتمكنت من كتم ضحكتها بصعوبة
– هعترف وهقر بكل حاجة، أنا بدأت انضم لدورات تثقيفية في الجامعه مع احمس
– احمس تاني، بلاش تخليني احلف إنك تقطعي علاقتك بي
– سليم النجار، راجل عاقل..، بيعرف يفهم الناس كويس اوي ولا إيه يا سيدي
– موافق يا فتون، لحد ما اشوف آخرة عيلتك التانيه إيه
– وبمناسبة عيلتي الأولى، عايزه اسافر لأهالي بعد الامتحانات
رمقها بملامح مبهمة، وهو يميل نحوها، يسألها عن طلباتهم الأخرى
– وإيه كمان
وببراعة كانت تنتشله من مشاعره في تغيرها ، تُخبره بتلقائيتها
– هبقي طماعه يا سيدي لو طلبت أكتر من كده
وبعنفوان أكبر كان يُدمغها بعشقه، يخبرها مراراً إنه يُحبها بل يعشقها، يعشق ضعفها وتمردها الجديد،يعشقها بكل ما فيها..، وهو لم يكن يوماً هكذا.. ،لم يكن يعشق إلا المميز في النساء واليوم علم كيف يكون العشق الحقيقي.
…….
كان هذا الصباح مختلفاً علي جنات وهي تتلقى المكالمة من “فتون” التي اخبرتها بمرح عن قبول سليم لعودتها للعمل، بل منح فرصة أيضا لأحمس
– أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا فتون..، لأول مرة هعترف ليكي، إن وجود سليم في حياتنا غير حاجات كتير
ابتسمت “فتون” وهي تستمع لحديث “جنات” عن زوجها، وكيف هو رجلاً حقيقياً
– فعلا يا جنات، نفسي اعمله حاجة تفرحه
– هاتيله طفل، وهو هيفرح
القتها “جنات” مازحة لا تقصد شئ من وراء مزحتها ، فتلاشت السعادة من فوق ملامحها.. و وقفت أعلي الدرج تزفر أنفاسها متنهدة بأسي
– باخد العلاج ومافيش حاجة يا جنات، وسليم مبقاش يهتم خلاص..
عادت المخاوف تطرق حصونها الضعيفة، فشعرت “جنات” بالحزن على حالها
– الدكتور قال مافيش سبب قوي يمنع، أنتِ بس محتاجه شوية علاج وكله هيكون تمام
دمعت عيناها،تتمنى داخلها ألا تُحرم من هذه السعادة التي تعيشها
– أسفه يا فتون، شوفي أنتِ اتصلتي تفرحيني.. ،وأنا زعلتك من غير ما أقصد
أسرعت في مسح دموعها، وعادت تبتسم وهي تُكمل هبوط الدرج، غير منتبها علي نظرات “شهيرة” السعيدة لما سمعته..
الخادمة الصغيرة لديها مشاكل بالحمل، لن يكون لابنتها أشقاء من هذه الخادمة، ولن تستمر هذه الزيجة بالتأكيد
عادت لغرفتها، تلتقط هاتفها.. تُريد أن تشارك أحداً بسعادتها لما سمعته بالمصادفة
– عندها مشاكل في الخلفة يا دينا، مش محتاجين موضوع الحبوب في حاجة خلاص..
و”دينا” كانت أكثر من سعيدة بالخبر، لقد وضعت شهيرة في الصوره، واصبحت تنتظر فرصتها من بعيد..، فلا شهيرة ولا الخادمة سيظلوا بحياته..، بعدما يبدء سليم بالضجر منهن… وسيبحث عن أخرى تُريحه وتنجب له ولداً كما يرغب الكثير من الرجال .
……..
شهقت بفزع، وهي تراه يعقد ساعديه امام صدره..، ينظر إليها بنظرة لم تفهمها.. ،تجاهلته واتجهت نحو خزانة ملابسها تلتقط منها بعض الثياب..
انتقت الثوب الذي سترتديه واتجهت نحو المرحاض حتي تتمكن من ارتداءه وتذهب لعملها الذي عادت إليه
– لو أنا بقيت شفاف قدامك قوليلي يا مدام
قلبت شفتيها ممتعضة من حديثه..، وأكملت خطواتها، فاجتذبها بغضب
– رايحة فين يا مدام
وببساطة كانت تُجيبه عن الحديث الذي أستمع إليه منذ دقائق ، زوجته المصونة قد حصلت علي عمل دون أن تبلغه وتأخذ منه قرار موافقته
– رجعت لشغلي تاني..
وبملامح مسترخية ،اردفت ببرود وهي تتجاهل نظراته إليها
– الواحده مننا ملهاش غير شغلها
– مافيش شغل، فاهمه
دفعها من أمامه، صائحاً.. فتعالت ضحكاتها ،حتى آلمتها معدتها من شدة الضحك
– ضحكتني يا كاظم باشا، مش ده برضوة كان من اتفقانا زمان..، مافيش مشكلة اشتغل بس محدش يعرف إني مراتك..، ومتقلقش أنا مش لابسه دبلة ولا حاجة، الخاتم الالماظ اللي حسيت بالسعادة وانا بلبسه اتخلصت منه ورميته في حمام السباحة
التمعت عيناه بالجمود وهو يسمعها، فاسرعت بالابتعاد عنه، فلم يعد لديها متسع للحديث معه وإضاعة وقتها
– بلاش تلعبي معايا يا جنات، أنتِ جربتي اللعب معايا كان آخرته إيه
– أخرتها إنك رجعتني أقوى، خلتني أعرف إن قبل ما قلبك يذلك ومشاعرك تخونك إتجاه غريزتك..، تقتل نفسك قبل ما ترميها تحت رجلين راجل مبيعرفش يعني إيه حب
هتفت بها بمراره وهي تتحاشي النظر إليه، رحل من أمامها في صمت تعجبته منه، لا تُصدق إنه انسحب هكذا دون أن يسمعها حديثه القاسي
خرج من المنزل وكأن إعصار قد اقتحمه، وصعد سيارته يضغط برأسه فوق عجلة القيادة، لا يعرف ما الشئ الذي بدء يتغير داخله، والإجابة كانت مفقودة وهو يتذكر حديث زوجة والده معه
” هتعيش طول عمرك وحيد، أنت شبه جودة النعماني لكن بصورة أقسي..، ظالم زيه”
وهل هي كانت بعيدة عن ما تصفه به، إنه امرأة مستغله تعشق المال، المال الذي باتوا يلحسون أقدامه ، يصمتون علي قراراته حتى لا يخرجهم من النعيم،
قسوته هي التي صنعته ولن يضعف يوماً لامرأة، النساء لا يستحقون المال، لا يستحقون إلا الأحتقار
ومع افكارة، كانت تشتد قبضته فوق عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل يديه..
اتجهت عيناه نحو المنزل الخالي الواسع الذي لا يوجد به إلا سواهم ..،
ترجل من سيارته عائداً إليها ؛ فتوقفت عيناه علي جسدها، وقد أسقطت المنشفة عنها حتى ترتدي ثيابها، خرجت شهقتها بفزع وهي تراه يقف أمامها مجدداً.. ، فاسرعت في التقاط ملابسها ترتديها بعجالة.. ، وقد تلاقت عيناها المتوتره بعينيه التي تحول الغضب فيهما..، إلي عاصفة قوية من الرغبة
اقترب منها يجذبها إليها، يخبرها بغضب
– وجودك مش هينتهي من حياتي غير بمزاجي، وزي ما اجبرتيني اتجوزك..، هجبرك علي العيشة معايا يا جنات
………
وقفت” بسمه” تتلقي الأوامر من السيدة سعاد مع بضعة من خادمات أخريات ، قد تم طلبهم من مكتب التوظيف..
اليوم هو حفلة نجاح الحملة الدعائية، والسيد “جسار” قرر الاحتفال مع موظفينه وشركاءه وبعضاً من معارفه، هتفت بهم السيدة “سعاد” بعدما القت اوامرها
– كل واحد يروح علي شغله
انصرف الجميع ووقفت هي تنتظر سيرها لتسير خلفها، فعملها سيكون بالمطبخ مع السيدة سعاد
– عايزين نكون جاهزين قبل ميعاد الحفلة، يا بسمه
حركت رأسها في صمت، وهي تتبعها وقبل أن تدلف خلفها للمطبخ.. ، التفت إليها
– أطلعي حطي البدلة اللي هيلبسها البيه علي السرير، واقفلي اوضته وهاتي مفتاحها..
صعدت لتنفذ ما أمرتها به، ضمت بذلته ومتعلقاتها إليها، تشم رائحتهم في حلماً بعيداً للغاية، فحتى هو لم يمنحها فرصة لتكون شخصاً أخر، شخصاً يحق له العيش ونيل الحياة التي يتمناها
أسرعت في وضع متعلقاته بعدما نفضت رأسها من أحلامها ، وفرت هاربه من مشاعرها.
تعثرت قدماها وسقطت أرضاً فوق ذراعها تصرخ من الألم،
لم ينتبه أحداً علي صراخها، فالجميع كان منشغل بمهامه
عادت للمطبخ متألمه، فرمقتها السيدة سعاد بضيق من تأخرها عليها
– كل ده بتعملي اللي قولتلك عليه، يلا بسرعة خلينا نشوف شغلنا
– أنا محتاجه..
وقبل أن تُخبرها إنها بحاجة لثلج تضعه فوق كدمة ذراعها، كانت تناولها إحدى صواني الطهي الكبيرة
– حطيها في الفرن، وكملي بدالي الباقي..، لحد ما اروح اشوف بيعملوا إيه في الجنينه
حملت عنها الصينية، واتجهت تضعها في الفرن كما أمرت، لم يكن لديها وقتً.. لتهتم بألم ذراعها، كل ما كان عليها أن تفعل كل ما تؤمر به،
فهذا هو عملها الذي تنال بسببه العيش في منزله والطعام الذي تحصل عليه، وايضاً المال الذي سيرفر لها حياة كريمه وتشتري منه ما تُريده
انتهى اخيراً كل شئ، وبدء الضيوف في الحضور، حتى هو أتى منذ ساعة وصعد غرفته واتبعته السيدة سعاد حتى تُخبره بأن كل شئ يسير علي أكمل وجه.
كانت تشعر بالقلق، بأن تخرج لضيوفه ويتعرف عليها البعض، ويعلمون بموضعها الحقيقي، فما هي إلا خادمة في منزله
ولكن السيدة سعاد، أعطت اوامرها للاخريات، بأن يقوموا بمهمه الضيافة
اقتربت من شرفة المطبخ بملامح مرهقة ، تنظر لبعض الوافدين للحفل بملامح حزينه، تراه يقف ويستقبل البعض بابتسامة واسعه، جعلت قلبها الخائن يتوق لها، اختفى عن عينيها، فاطرقت رأسها بحزن… ،
وعادت تنشغل في الأشراف علي الوجبات والحلوي..، حتي اقتربت منها السيدة سعاد، تهتف بها بملامح جامدة
– جاسر بيه بيقولك إجهزي عشان الحفلة
التفت نحو السيدة سعاد، تشعر بالصدمة مما تطلبه منها ، فوجدت ملامحها ممتقعة ، وكأنها تلقت توبيخاً للتو
– أنا، طيب ليه
– الحفلة معموله علي شرفك يا بسمة
قالتها وابتعدت عنها، تهتف بأمر
– تعالي يلا ورايا يا بسمة، مش ناقصه كلام من جسار بيه
والسيدة سعاد رغم كل قسوتها التي تتعامل بها معها..، إلا إنها وقفت خلفها تتأمل جمالها البسيط في زينتها وثوبها الأنيق
– طالعه جميلة يا بنتي..
تمتمت بها بحنان، جعلت دموعها تتساقط، وهي تتمنى أن تسألها لما أصبحت تُعاملها بهذا الجفاء؟
ابتعدت عنها السيدة سعاد، وانسحبت من الغرفة.. فوقفت تمسح دموعها قبل أن تلتقط أنفاسها وتمسدّ فوق ذراعها لعلا الألم يهدء قليلاً
وعلي بضعة خطوات وقفت, تنظر للجميع بتوتر ..، ف السيدة سعاد دفعتها نحوهم وانصرفت قبل أن يراها أحداً
ألتف نحوها بعدما شعر بنظرات البعض نحو فرداً ما ، فعلقت عيناه بها بنظرات طويلة.. ، اقترب منها دون أن تحيد عيناه عنها وكلما كان يقترب، كانت تشعر بأن قدميها تتراجع رهبة وخوفاً
وهناك شيئاً خفياً كان يتغير هذه الليلة.
……….
تلاقت عيناها الشاردتين بشقيقها الذي عاد من سفرته اليوم هذا الصباح، وقد اقترب منها يضمها إليه
– ميادة، حاولي تنسى يا حببتي.. أنتِ كده هتحتاجي لدكتوره نفسية
نفت برأسها، فحركت له ملك رأسها حتى يتوقف عن حديثه.. نهضت من مكان جلوسها ، وظنوا إنها ستعود لغرفتها، ولكنها فاجأتهم بذهابها نحو المطبخ..
– رسلان ارجوك بلاش تمشي ورا كلام طنط كاميليا، ميادة هترجع احسن من الأول
تنهد بأرهاق، وقد بدء جفنيه يثقلان من شدة حاجته للنوم
– مين فينا اللي المفروض يعاقب يا ملك
حركت رأسها في يأس، تنظر نحو ناهد التي اخدت تحمل احد الصغار وتتجه به نحو غرفتهم, لتضعه جوار شقيقه الأخر
– مافيش أكبر عقاب علي الإنسان، غير لومه لنفسه وإحساسه بالذنب يا رسلان
اقترب منها وقد تجاهل حديثها ، بعدما رمق خالته، وقد ابتعدت عنهم
– ملك هانم الفليسوفه، مش هندخل أوضتنا بقى
توردت وجنتاها، واتحاشت النظر إليه.. ،بعدما فهمت مغزى كلماته، فارتفع صوت ضحكاته
– لا متخافيش، النهارده أنا بقولك اطمني، ويمكن لأسبوع قدام..، شكلي هتجوزك فعليا في الأخرة يا ملك هانم
انتبهت علي عبارته، التي جعلتها تنظر إليه متسائله
– أنت هتسافر تاني؟
فدلكَّ عنقه بأرهاق وهو يجد شقيقته تقترب منهم مجدداً، تحمل أكواب العصير، وقد علقت عيناهم بها..
وضعت الأكواب أمامهم والتقطت كوبها، وجلست شاردة تتابع ما تشاهده في التلفاز بذهن شارد
– إحتمال كبير أسافر أسوان، بدل زميل ليا
تنهدت بضجر، فضحك علي تذمرها يهمس لها بعدما التقط كأس العصير لها و له
– اللي يشوفك، يقول متقدريش تستغني عني
– رسلان
طالعها بنظرات عابسه، وقد أرتشف من كأس العصير
– رسلان محتاج ينام، وهيشرب العصير وينسحب من السهرة الجميلة
وضع الكوب بعدما أرتشف منه نصفه ، واتجه نحو شقيقته يُقبل رأسها بحنان
– خليكي متأكده، إن مهما غضبت منك هكون في ضهرك
انسحب من الجلسة، فعلقت عينين “ملك” بصديقتها واقتربت منها تُجاورها.. ،تقص عليها تفاصيل الفيلم
طالعتها ميادة، وهي ترتشف كأس العصير ببطئ، حتى انتهت من شرب الكأس بأكمله
– ميادة هي الدنيا حار، ولا أنا بيتهيألي
ولكن ميادة كانت جالسة في صمت..، لا تمنحها أي جواب..
أصبحت الحرارة تحتل جسدها، وافكاراً تطرق عقلها لا تُصدق إنها تفكر بها،
أسرعت في إنتشال حالها من جوارها، واتجهت نحو غرفتها.. ،حتى تنعم بحمام بارد
اغلقت باب الغرفة تلهث أنفاسها وقد تسارعت دقات قلبها ، وهي تظن أن رسلان قد غفا..، ولكن عيناها وقعت عليه وهو يخرج من المرحاض، يُجفف عنقه
– هو عصير الفراوله ده في حاجة غريبة
والسؤال لم يكن له جوابً منها، فالجواب كان يأخذه من نظراتها، وقد وقع في نفس الشرك ثانية ولكن ليست هي من فعلت
– ملك
هتف بها معترضًا، فهو يريد أن يجعل ليلتهم الأولى مميزة
– ملك، خلينا نقضي اول ليلة لينا في شهر العسل..، حببتي أنا كنت عامل حسابي نروح أسوان سوا
وهي كانت في عالم أخر.. ،عالم يقودها نحو ما لم تجربه يوماً
أراد مقاومتها كما حاول من قبل وصرفها عن أمر أن تتم ليلتهم الأولى حتى يصبح لها طفلاً منه
– ملك، فوقي أنتِ بتعملي إيه؟
واتسعت عيناه في صدمه وهو يراها تدفعه فوق الفراش، تخبره بأخر كلمه ظن أن يسمعها منها في حياته
الفصل الرابع والأربعون (2)
*********
ضمت جسدها من شدة البرودة التي أخذت تقتحم روحها قبل أن تشعر بها تسير بين أضلعها ، وقد بدء جسدها يرتجف.. ، تنظر نحو الضيوف وقد نبذها الجميع بعدما نالوا منها أجوبة عن أسألتهم،
وهل بالفعل تركت مدينتها وبحثت عن مكاناً أخر حتى تستطيع العيش فيه.
شدَّت الضغط فوق شفتيها، كلما ابتلعت غصتها بمرارة وهي تنظر إليهم كيف يتمازحون مع رئيسهم ومع بعضهم،
فحتى هو لم يهتم لأمرها بعدما افتتح الحفل بها وقدمها لضيوفه ومدحها بينهم ببضعة كلمات ظنتها إنه يخصها بها وحدها، ولكن الكلمات لم تكن إلا خطابً منمقًا اعتاد علي الهتاف به مع كل نموذج اضاف لشركته شيئاً.
تلاقت عيناه بها ولكن سرعان ما كان يندمج مع مدراء الأقسام، وخاصه تلك التي أتت من قبل المنزل مع فريق التسويق والتصقت به الليلة كالعلكة.
انسحبت في صمت، بعدما رأت إنها لو وقفت لمائة عاماً لن يهتم بها أحداً، أندفعت بخطوات سريعة نحو الغرفة التي تُقيم بها مع السيدة سعاد، ودست رأسها أسفل وسادتها تنتحب بقهر، تسأل نفسها متي سيأتي اليوم الذي ستشعر فيه إنها تشبه هؤلاء القوم، هل لأنها فقيرة ام لأنها حاله يشفق عليها الجميع؟
شعرت بلمسة حانية فوق ذراعها وهمس خافت حزين خرج من السيدة سعاد، تلك المرأة التي مهما قست عليها فهي لا تراها إلا كوالدة لها
– متعيطيش يا بسمة
لم تشعر بنفسها إلا وهي تحتضن السيدة سعاد بقوة بعد عبارتها الحانيه، تسألها كما كانت تسأل نفسها منذ دقائق معدودة
– هفضل لحد أمتى الناس تشوفني حالة بتشفق عليها دادة، هو الفقر عيب، ليه الناس بتشوفنا إننا تحت أوي
– الفقر عمره ما كان عيب يا بسمة، اهم حاجة عزة النفس يا بنتِ
ابتعدت عن ذراعيها، تنظر إليها في صمت دون أن تتوقف عن ذرف دموعها، ثم هتفت متحسرة
– معندناش غيرها يا دادة، هي والشرف.. معنديش حاجة تانيه املكها
توقفت دموعها، ثم عادت تنساب فوق خديها وهي تتذكر تلك الليلة التي أراد فيها عنتر أن يغتصبها
– لو كان ليا أخ عارف يعني إيه عرضه وشرفه، مكنش رماني للناس والبهدلة
دمعت عينين السيدة سعاد تأثراً، فهي ظلت لأيام تدعو علي هذا الأخ الذي أراد بيع عرضه بمال بخس، بل أراد أن يجعلها عاهرة ترضي الزبائن بجسدها
وبخفوت اخذت تتأوه من وجع ذراعها وقد عاد الألم يشتدَّ عليها، طالعتها السيدة سعاد في ذعر وهي ترى نفس الذراع الذي ظلت طيلة اليوم تدلكه وتمسد فوقه وقد ظنت إنها مجرد ألم طفيف تشعر به، بعدما عاد جسدها للأعمال الشاقة في الخدمة
– ماله دراعك يا بسمة، من قبل الحفله وأنا واخده بالي بتدلكيه
والتقطت ذراعها، فخرجت صرختها، فاسرعت السيدة سعاد تنهض من جوارها
– هروح اجيبلك حاجة تسكن الألم يا بنتِ، لحد ما اشوف عمك جميل وناخدك المستوصف
………….
هل صرحت له برغبتها في امتلاكها، هل تخبره للتو إنها تُريده، تُريد أن تكون امرأته، وأن تتعانق أرواحهم وأجسادهم ؟
وحده الذهول ما كان يعيشه، رغم الشعور الذي يحرقه نحوها..
– ملك أنتِ مش في وعيك
وبانفاس مسلوبة لاهثة كانت تُخبره بوعده لها،قبل رحلة سفره..، لقد أخبرها إنه سيتمم زيجتهم حينا عودته
– أنت وعدتني
سألها وهو ينهل منها، وكأنه يقنع عقله بضرورة التوقف والأبتعاد عنها
– أنتِ عايزانا نقرب من بعض، عشان يكون عندنا طفل يا ملك
– لا أنا عايزاك أنت يا رسلان
ابتعد عنها، بعدما ألجمته عبارتها.. ،طالع ملامحها المتوهجة.. لا يستوعب ما نطقته.. فهل عاد حبهم مجدداً؟
سألها وهو غارق في النظر في بحور عينيها، يزدرد لعابه
– يعني مش هتندمي في يوم يا ملك، رجعتي تشوفي رسلان حبيبك من تاني
لم تدعه يُكمل عبارته، بل جاوبته بتوقها الشديد إليه، إنها تُريد الرجل الذي لم تري غيره طيلة سنوات عمرها، الرجل الذي نالته شقيقتها قبلها، الرجل الذي عاد القدر وجمعها به، جمعها به وهو اب لأولاد شقيقتها.., ستأخذ ما سلب منها يوماً وستنال احقيتها فيه
سكنت الأنفاس وتعانقت الأجساد، وها هو يبتعد عنها.. يضمها إليه يمسح فوق ظهرها يهمس إليها وكأنه لا يُصدق إنها أصبحت له قولا وفعلا، بل وبين ذراعيه تتنفس عبق رائحته ويتنفس عبقها
– أنا اسعد راجل في الدنيا، حاسس أني اخدت نصيبي كله من الحياة
طالعته في صمت وهي تُحرك يدها فوق ملامحه التي طالما عشقتها
– كان نفس أحساسك مع مها
هتفت بها بمرارة تسأله وهي تتذكر ذلك اليوم، الذي علمت بخبر حمل مها ، ذلك اليوم الذي ندمت فيه ميادة علي ذلة لسانها وإخبارها أنهم ينتظرون طفلين، علمت يومها أن الحبيب قد نساها وعاش حياته بين أحضان شقيقتها
انسابت دمعتها، فاسرع في مسحها وهو يميل نحوها
– بلاش تفكري في الماضي يا ملك، كفايه اللي ضاع
– أنا ليه مشوها من جوه يا رسلان، ليه أنا كده
سألته بمرارة تبحث عن جوابً منه، ولكنه لم يكن يعرف بما يخبرها به
– بتنفذي تعليمات الطبيبه
تذكرت طبيبتها النفسيه، التي أصبحت دائما الذهاب إليها مرة أسبوعياً، حركت رأسها بأسف لأنها لم تذهب إليها الاسبوع الماضي
– معرفتش اروح ميعاد الجلسه اللي فاتت، عزالدين كان تعبان
كان يداعب خدها بأنامله، ولكن يده توقفت عما كانت منشغله به..، عندما أخبرته إنها لم تذهب في موعدها لطبيبتها..
رأت نظرات الامتعاض فوق ملامحه، وقبل أن يهتف بشئ كانت تضع يدها فوق شفتيه، تهمس له برغبه
– ممكن تحبني يا رسلان، حبني وبس
وهل كانت تنتظر منه أن يخبرها بحبه، أو حتى تري شدة توقه إليها
كانت ليلة لن تُنسى، رغم إنه كان يعلم أن ما يُحركها إليه بهذه الشدة والجراءة ما هي إلا الرغبة التي انتجها هذا العقار الذي اجادت شقيقته اختياره، سيشكرها غدا علي صنيعها وهذه الليلة التي لن ينساها أبدا بحياته.
………….
انتهي الحفل، وقد عاد كل شئ بالمنزل كما كان..، القت السيدة سعاد بنظرة فاحصة علي المنزل ثم سارت عائدة للمطبخ حتى تري هل تم إنهاء كل ما أمرت به المستخدمات قبل انصرافهم..،
ولكن توقفت مكانها تلتف نحو “جسار” الذي تسأل بعدما اخذ يُطالع ساعة يده
– بقالهم أد إيه في المستشفى ، وليه مقولتيش ليا كنت اخدتها المستشفى يا دادة سعاد
طالعت قلقه، ولكنها لم تعد تراه إلا قلقاً نابع من مسئوليته عليها، أو ربما إكراماً لطليقته السيدة ملك التي توصيه نحوها دوماً
– كنت مشغول مع ضيوفك يا بني، واه عمك جميل اتصرف، زمانهم علي وصول
اماء لها “جسار” برأسه وهو يدلك عنقه من شدة إرهاقه، ثم تحرك من أمامها متجهاً نحو غرفته في الأعلي، وقبل أن يضع بأول خطواته فوق الدرج أستمع لصوت السيدة سعاد وهي تهتف متسائلة
– ايدها كويسه، طمني يا جميل
ابتسم جميل وهو يطالع بسمة التي ابتسمت هي الأخرى بملامح مرهقة
– أنتِ بس ريحيها كام يوم من شغل البيت ، وهي هتبقى زي الفل
ضمتها إليها السيدة سعاد، تهتف به حانقة
– يعني عايز تقول إني مفترية يا جميل أفندي
ضحكوا ثلاثتهم، فعلقت عيناها بذلك الواقف علي احدي درجات الدرج، ثم التف بجسده و أكمل صعوده نحو غرفته, بعدما اماء لها برأسه وكأنه يخبرها إنه اطمئن عليها ولم يعد هناك داعي ليسألها هل هي بخير أم لا ؟
ابتلعت غصتها في حزن..، فابعدتها السيدة سعاد عن حضنها، والتفت بنظراتها نحو المكان الذي كان يقف فيه جسار منذ لحظات، ولكنها لم تجده..
شعرت بالراحة وهي تري خلو المكان، وقد أكد لها الموقف أن جسار لا يحمل مشاعر لبسمة بتاتاً، ولو كانت فتاة مراوغة لتمكنت من إقامة علاقه مع رب عملها الأعزب
– تعالي يا بنتي عشان ترتاحي
تحركت معها “بسمة” في صمت، ولم تكن عينيها إلا عالقة بالدرج الذي صعده للتو
رثت حالها هذه الليلة في بكاءً صامت، تتسأل كيف أصبحت بهذا الضعف، وكيف رسمت في خيالها للحظه إنها ستحظى بقصة خيالية ومع من..، مع رجلاً بعيداً عنها تماماً في كل شئ، رجلاً فرضت عليه عبئها، رجلاً يعرف كل شيئاً عنها، رجلاً إذا أراد أن يحظى بعائلة يوماً سيختار المرأة التي تُشرفه وليست هي التي لا أصل لها.
……..
في الصباح، كانت تفتح عيناها بصعوبة.. تنظر لذلك الراقد جوارها بتشتت بعض الشئ، حتى بدأت ذاكرتها تعيد لها المشاهد التي كانت واعية لها تماماً لكنها لم تكن تستطيع مقاومة ما ترغبه وتتوق إليه غريزتها
خرجت شهقة مصدومة، وقد أقتحم ذهنها كل شئ بأدق التفاصيل..، انسحبت من فوق الفراش وهي تشعر بصعوبة الحركة ولكنها أسرعت في النهوض واتجهت نحو المرحاض تستند خلف الباب وتلتقط أنفاسها مصدومه من إلحاحها وإصرارها عليه في إتمام زيجتهم
– مش معقول تكون ميادة حطت لينا حاجة في العصير، لا لا ميادة متعملش كده
شعرت بالسخونة تتدفق فوق خديها، فاتجهت نحو المرآة التي تحتلها دورة المياة، تنظر نحو وجهها لا تصدق أن معالم السعاده مرتسمه فوق ملامحها، حتى عيناها تحتلهما السعادة
– معقول أكون فرحانه، أنا ليه بنكر شعوري..، معقول حبِ لرسلان لسا بيغزو كياني ومعرفتش اتخطاه من حياتي
أسئلة كثيرة كانت تأسر عقلها، حتى وقعت عيناها علي بضعة علامات تؤكد ملكيته له وغزوه الضاري ليلة أمس..
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها وهي تسير بأناملها فوق علامات ملكيته، تتذكر شعورها بين ذراعيه، إنها كانت راغبه بشدة علي منحه نفسها
انفتح باب المرحاض ، فشهقت مذعووة وهي تراه يقف علي اعتابه يُطالعها بقلق
– خوفت يكون حصلك حاجة، مافيش صوت للمية فقلقت
ابتسمت بتوتر، وسرعان ما اطرقت رأسها أرضاً
– أنا كويسه يا رسلان
اقترب منها بعدما شعر بتوترها، وقبضتها القوية فوق مئزرها الرقيق، ولكن توقف مكانه وهو يسمع همسها الخافت
– ممكن متتكلميش فأي حاجة حصلت امبارح
انفرجت شفتيه في ضحكة خافته وهو يرمقها.. ، يسألها بمراوغة
– هو إيه اللي حصل أمبارح، أنا مش فاكر حاجة
رفعت عيناها إليه، وقبل أن تفكر في شئ..، كان يُعانقها بمشاعره الهائجة
– خليني احبك وبس يا ملك، خليني اعوضك عن كل حاجة عشتيها، محبتش ولا هحب ست في حياتي أد ما حبيتك..، أنتِ حلم عمري
……..
وقفت “ناهد” محدقة بباب الغرفة، وقد تجاوزوا وقت الظهيرة.. قاومت رغبتها في الأقتراب من الباب، وحقيقة واحدة كانت تقتحمها..
فاغمضت عيناها وهي تعود بذاكرتها نحو الماضي.. ، يوم أن أنجبت مها وبدأت تهتف اسمها وتخطو أول خطواتها..، وملك كانت تُحاول جاهدة أن تنال منها ابتسامة او حضناً تخصها به، ولكنها لم تكن تفعل ذلك إلا في المناسبات وأمام العائلة..، حتى تريهم كم هي أمرأة مثالية، ومازالت تمنح الفتاة التي انتشلتها من فوق الرصيف تلك الليلة حبها وحنانها رغم إنجابها لصغيرتها
لم تحب أن تظهر أمام عائلتها بالصورة التي حذروها منها، أن تجلب طفلاً ليس من احشائها وتربيه في بيتها ثم بعدها تكتشف فداحة خطأها وتلفظه من حياتها .. ،فتصبح أمام المجتمع المرأة الشريرة، وأكثر الأشياء التي تحافظ عليها عائلتها هو مظهرهم أمام المجتمع ..،
يحبون مدح الناس لهم عن اخلاقهم وكرمهم النابع من أصولهم العريقة..
اخذتها الذكريات والمشاهد ، فالطفله التي انتشلتها من فوق الرصيف.. لم يكن الأمر بالصدفه بل كان من تخطيط زوجها الذي ظنته الرجل المخلص الذي كانت تتعجب من حبه الشديد لملك وإخباره لها دوماً إنها أبنته ك مها وهي كانت تصرخ به تخبره أن ابنتهم الوحيده هي “مها”
لم تكن تشعر بتحرك ساقيها للأمام ، ولا بقبضتها القوية فوق كفيها.. إلا عندما انفتح الباب وتلاقت عيناها برسلان الذي رمقها بنظرة تعرفها تماماً، نظرة محذرة، متربصة نحو كل شئ،
انتبهت علي ملامحه المبتسمة البشوشة.. وخصلاته الرطبة ثم سؤاله الذي جعلها تفيق من شرودها
– مش معقول ناهد هانم، حاسه بشعور الأم وقلقانه علي بنتها.. وجاية تخبط علي باب الأوضة عشان تعرف سبب التأخير
ازدردت ناهد لعابها، وبهتت ملامحها.. ،تخشي أن تسمع ما لم تنتظر حدوثه..، اقترب منها وعيناه لا تحيد عنها وقد لمع المكر في عينيه، يميل نحوها هامساً
– قريب ممكن تسمعي خبر يسعدك، وتبقى جدة للحفيد التالت من ملك
……….
طالعته في تسأل، بعدما دفع مقعدها قليلاً حتي تنتبه علي تلك التي اقتربت منهما بملامح غاضبة وكأنها تلقت توبيخاً للتو، فوقعت عيناها نحو “كارمن” التي أندفعت صوبها واقتربت منها
– علي أخر الزمن اتطرد بسبب واحدة زيك متسواش شئ
وارتفع صوتها عالياً وسط الجميع تنظر نحوهم
– بكرة تطرد كل واحد فيكم مش عجبها، أصل الهانم مرات المدير
شعرت بالصدمة من تدافق العبارات، فهي لم تعد تفهم شيئاً، ولماذا اصرفها السيد حازم عن العمل، هل سليم بالفعل وراء ما حدث
تقدم أحمس ووقف بينهم، يصرفها بيده
– والله مش معنى إنك اخدتي تهزئ جامد او طرد تيجي تطلعي علينا
– شوفوا اللي بيتكلم، واحد متعين عشان صاحب المدام
واردفت ساخرة وهي تطالع زملائها
– ماهي المؤسسة بقت ماشية بالواسطه دلوقتي، ومجرد عيال لسا متخرجوش بقوا وسطينا
– كارمن
صاح بها “حازم” بعدما أستمع لحديثها الذي صدح في أرجاء المؤسسة، صحيح هو ضد ما يفعله سليم خصوصا في منح زوجته فرصة تدريب وبعدها ذلك الشاب الذي تم تعينه منذ أيام
– أستاذة كارمن، ياريت تجمعي حاجتك في هدوء
تلاقت عينين “كارمن” بمديرها الذي لم يمنحها فرصة اخري بعدما اعترفت له بندمها عما فعلته، من سرقة الملف وإتهام فتون بالأمر
– كل واحد يرجع علي شغله، إحنا في مكان محترم.. وخدوا بالكم المؤسسة هتفضل طول عمرها نزيهة وبتكافأ كل فرد علي قد ما بيقدم، والخاين ملهوش مكان وسطينا
تعالت ثرثرة الواقفين وصدمتهم في خيانة كارمن للمؤسسة، فمديرهم بالتأكيد يُشير بحديثه نحوها
شحبت ملامح “كارمن” وهي تستمع لحديث زملائها عنها، فاسرعت في التقاط متعلقاتها وقبل أن تنصرف وقفت أمام “فتون” التي أصبحت الصورة واضحة لها، لا تستوعب لما تحقد عليها ولم يجمعهما إلا تعامل بالعمل فقط
– سليم النجار مر في حياته ستات كتير، وانتِ واحدة من حريمه، ومسير السلطان يزهق ويرمي الجارية ويدور علي غيرها
صعق “أحمس” مما سمعه، فقد كان قربها يتحدث معها عن حقد هذه الفتاة نحوها وألا تعبأ بحديثها، وجد ملامحها جامده فهتف ممتعضاً
– فتون مش معقول وقفتي ساكته لكلامها
عادت لعملها بعدما نفضت حديثها عنها
– هما هيفضلوا طول عمرهم شايفني مستحقش سليم، فخلاص يا أحمس خليهم متمسكين بالصورة ديه
حدقها بصدمه، وهو يستمع لعباراتها، فحرك مقعده قرب مقعدها
– لازم توقفي كل واحد عند حده، سليم النجار جوزك أنتِ دلوقتي…
توقف عن الحديث، وسرعان ما كانت تتعلق عيناه بها يسألها وهو يخشى الإجابه
– اوعي تقوليلي إنك مجرد ست في قايمة حريمة يا فتون
…………
دفع الباب بغضب قبل أن تغلقه بوجهه، فتراجعت للخلف بسبب دفعته للباب صارخة
– أنت أتجننت
كل بالفعل قد أصابه الجنون، بعدما غادرت البلد في رحلة لا يعلم إلى أين ذهبت فيها
– أيوة أتجننت..
واقترب منها يلتقط ذراعها، يُحدقها بجنون
– سافرتي، ولا كأن ليكي زوج.. ولا خديجة هانم الجواز
بالنسبه ليها خانة زيادة وقت ما تحب تمسحها, تمسحها علطول
دفعته عنها، ثم تعالت ضحكاتها بصخب وهي تُطالعه بنظرة فاحصة
– بالظبط، وهي خلاص ليلة وأنتهت.. ،ياريت نتطلق بهدوء يا أمير
ازداد جنونه وهو يراها بهذا البرود، وكأنها ليست مخطئة بحقه
– مين اللي لمسك قبلي يا خديجة
– كتير، أرتحت كده
جاوبته بهدوء تخفي خلفه بؤسها، فحتى الرجل الذي ظنته سيقبل الأمر في صمت..، كان أكثر الرجال اهتماماً بالعذرية وكأنه يختار عروساً من سنوات عمره، وليست امرأة بالغة في منتصف الأربعون
– كدابه
هتف بها وهو يقترب منها، ثم قبض فوق كتفيها يُخبرها ببطئ
– عارفة ليه كدابه، عشان الست اللي لمستها كانت زي الزهره… بتتفتح أوراقها لأول مره
سقطت دموعها رغماً عنها ، وقد عصفت بها المشاعر وهي تتذكر تلك الليلة التي جمعتهم وقد تعانقت أرواحهم وامتزجت علي نغمات الحب
– وما دام أنت شايفني كده، ليه شوفتني ست رخيصه بسلم لنفسي للرجالة من غير جواز
– من حقي يا خديجة.. ،اعرف مين الراجل اللي كان في حياتك ومحدش عرف عنه حاجة
عادت لقوتها وثباتها، بعدما دفعت عنها المشاعر السلبية التي احاطتها
– وأنا من حقي مجاوبش يا أمير، وياريت ننفصل في هدوء زي ما اتجوزنا
وهل لحديثها معنى، بعد أن أصبحت بين ذراعيه يضمها له فوق الفراش، ينظر لها بملامح عابثه يهمس لها بتملك
– أمير النعماني مش بيتخلي عن ممتلكاته بسهولة
ضحكت بقوة وهي تبتعد عنه، فعاد وجذبها إليه
– بسهولة بعرف أبيع يا ابن النعماني، متنساش أنا مين
وبسهولة كان يستطيع إغراقها في متعه اللذة، يُخبرها إنه أيضا قادر علي إعادتها إليه،
وهي لأول مرة تكون ضعيفة أمام رجلاً ، رجلاً رغم فارق العمر بينهم إلا إنها وللأسف أحبته
همست إليه بعدما أنتهت عاصفة حبهم
– أنا محدش خدني بأرادتي يا أمير، هو حرمني سنين طويله من إن يكون ليا حق اتجوز راجل ميفتكرنيش زي ما أنت أفتكرتني مجرد خاطية
والصدمة كانت ترتسم فوق ملامحه، وهو يستمع إليها..، لا يُصدق أن خديجة النجار أغتصبت يوماً.
………..
هل وقعت في حب رجلاً إذا أراد أمتلاك شئ، يضعه تحت أسره.. وكأنه أسيراً لديه
كانت حانقة وهي تعود لغرفتها، بعدما منعها الحارسين الواقفين أمام البوابة من الخروج وهذا أمر سيدهم، وقد أعاد أيضاً الخدم اليوم
التقطت ثياباً أخرى تستطيع القفز بها من السور الخلفي للقصير والذهاب لعملها…
تنهدت بضيق وهي تختار الثوب الملائم، وسرعان ما كانت ترتديه، وتسير عائدة بخطي محترسه نحو المكان الذي تعلم سهولة القفز منه،
فقد أصبحت تحفظ كل ركناً في هذا المنزل، فلم يكن لديها شئ أخر من قبل إلا هذا وبالطبع جعله يستمتع بجسدها وينال ما يُريده منها، ولخزيها كانت مستمتعه مرحبة
قفزت من السور القصير بعض الشئ، فخرجت منها آه خافته، ولكن أسرعت في النهوض ونفض بنطالها
– ماشي يا كاظم، يعني فاكر نفسك هتمنعني من الخروج
اكملت خطواتها نحو الشارع الرئيسي وهي تشعر بانتصارها عليه، فلن تخسر العمل الذي اعادها إليه سليم النجار مجدداً, ولن تخسر ذاتها من أجل أن تكون برفقة رجل لا يراها إلا في صورة العشيقه…،لن تكون زوجة بائسه ولن تُهان ثانية حتى يتم طلاقهم في يسر وتبتعد تماماً عن حياته.
بدء هاتفها بالرنين، فوقفت تخرجه من حقيبتها..، تنظر لاسمه الذي أخذ يضئ فوق شاشته، قررت ألا تُجيب ولكن عاد الرنين ثانية، فالتقطت أنفاسها وقررت أن تُجيبه بقوة، وقبل أن يخرج صوتها كانت تجد الحارسين يقتربان منها وهو يهتف متوعداً عبر الهاتف
– ارجعي البيت بهدوء يا مدام واسمعي الكلام
…………
تراجعت الخادمة للخلف، بعدما دفعها الوافدين واندفعوا داخل المنزل
حدقت الخادمة… بالسيدة التي دلفت بجلبابها البسيط، تصرخ باطفاله بأن يكفوا عن المشاغبة ولمس أي شئ، ولكن الصغار منهم اندفعوا غازين المنزل سعداء بمجيئهم لشقيقتهم الكبرى
طالع الحاج عبدالحميد الخادمة الواقفة بملامحه البشوشة ، يُعطيها البؤجة التي يحمل بها كل ما لذا وطاب حتى يُشرف أبنته أمام زوجها
– خدي يا بنتي شيلي عني
طالعتهم الخادمة في صدمة وصمت، فمن هؤلاء الناس وقبل أن تهتف بشئ وتسألهم هل يعرفوا سيدها أم اخطأوا بالعنوان
– فين فتون بتِ
الفصل الرابع والأربعون (3)
********
استمعت الخادمتان لاوامر السيدة “ألفت” ومازالوا يشعرون بالذهول من هوية هؤلاء الناس الجالسين بالخارج،
كانوا يعلمون ان زوجة رب عملهم تعود أصولها لعائلة بسيطه حتى إنها سبق لها الزواج من قبل في سن صغير، وقد تجاوزوا صدمة نشائتها وحياتها بعد فترة من دلوفها للمنزل برفقة سيدهم يُعلنها لهم إنها سيدة هذا المنزل، وقد أصبحوا منذ ذلك اليوم يصدقون الحكايات،
ولكن عاد ذهولهم وصدمتهم مجدداً بعدما عادت سيدتهم الاستقراطيه لمنزلتها في المنزل حتى لو كانت عودتها مؤقتة من أجل أن تظل جوار صغيرتها
– أنتوا مالكم واقفين كده ليه، مش في حاجات قولت تتنفذ عشان الضيوف
ارتبكت الخادمتان ونظروا نحو رئيستهم الأكبر سنًا، فطالعتهم السيده ألفت بضجر لعدم تحركهم من أمامها
– اهل الهانم اوامرهم مجابه، يتعاملوا بكل احترام.. ديه أوامر سليم بيه
حذرتهم بعينيها، فاندفعت احداهن نحو الطابق العلوي لتجهيز الغرف، وتركت زميلتها في ذهولها
– أنتِ لسا واقفه يا إشراق
توترت الخادمة وهي تفرك كلتا يديها، وقد أخذها الفضول لتتسأل للمرة التي لا تعد
– هو الباشا قدر ازاي يناسب ناس من المستوى ده بعد ما كان متجوز شهيرة هانم
– إشراق
صرخت بها السيدة ألفت بعدما قطعت استرسالها في الحديث، فاطرقت الواقفة رأسها
– أسئلة كتير مش عايزه اسمعها، واتعودي متسأليش كتير.. إحنا هنا مجرد مستخدمين بناخد مرتبنا أخر الشهر، لكن حياة الباشا ملناش علاقه بيها
حركت الواقفة رأسها، واسرعت في خطواتها متمته
– هروح أنفذ المطلوب مني
………..
القت “شهيرة” هاتفها بعنف فوق الطاولة، بعدما علمت منه بوجود أهل زوجته، أندفعت الدماء إلى وجهها وقد علقت عينين رفيقتها بها متسائلة
– مالك يا شهيرة؟
طالعتها شهيرة بملامح جامده، لا تصدق إنها بعدما ظنت إنه يُهاتفها من أجل أن يفي بوعده لها ويأتي لتناول الغداء في النادي الرياضي معها ومع ابنتهما..، يُخبرها أن أهل من جعلها سيدة في منزلها ومنزل ابنتها هناك في ضيافته, وإذا لم ترغب في العودة.. فلتذهب لمنزلها لكن إذا أرادت العودة مع أبنته يجب عليها احترامهم، فالحساب هذه المرة سيكون عسير بينهم إذا تعاملت بأساليبها الجديدة عليه معهم
– ماشي يا سليم
أخرجت حنقها في تمتمتها ثم قضمت فوق شفتيها لعلها تطرد ذلك شعور الذي تشعر به، فهناك نيران ولا تستطيع اخمادها.. ،
“شهيرة الأسيوطي” تؤمر ويجب عليها الطاعه وكل هذا من أجل أن تعيد زوجها الذي ضل عن احضانها واتجه لأخرى ماكرة أظهرت له ضعفها
– تاني سليم يا شهيرة، أنا نفسي افهم ازاي عايشه معاه ومع مراته.. ، وقابله على نفسك الوضع ده
– بلاش كلامك ده يا سوزان، مش كل مرة تفضلي تسألي نفس السؤال
زفرت الجالسة أنفاسها بضيق، تطالع صديقتها التي أصبحت متباعده عنها بشدة في الأوان الأخيرة
– ليه بتعملي في نفسك كده؟
– عايزة جوزي، عايزه سليم من تاني… سليم من حقي وحق بنته
– عمرك ما كنتِ ضعيفة كده يا شهيرة
تمتمت بها سوزان، فاشاحت شهيرة عينيها عنها.. فلن تصمت صديقتها عن الحديث نحو كرامتها المهدورة منذ أن تعرفت علي سليم وتزوجوا سراً إلى أن حملت بطفلتها ورحلت من البلد حتى تستعيد قوتها ولكنها عادت لنفس النقطة.. امرأة عاشقة لرجل لم يراها يوماً إلا لاشباع غريزته
– لو علي احتياجاتك ك ست، تقدري تتجوزي تاني يا شهيرة.. الف واحد يتمناكِ
امتقعت ملامح شهيرة من كلماتها، فعن أي زواج أخر تتحدث عنه صديقتها، فرمقتها في جمود محاوله قدر استطاعتها تلاشي حديثها في أمور خاصة التي لا تحبذ الحديث عنها
– وأنا من أمتي كنت بجري ورا شهوتي يا سوزان، سليم ابو بنتِ ومش معنى إني فوقت وبحاول ارجعه ليا من تاني يبقى بفكر اتجوز من تاني راجل غيره
استمعت سوزان لمبررها الذي لم تقتنع به، بل تُقنع نفسها بما تفعله بحالها وحال ابنتها مع طليقها الذي يسعى جاهداً في نجاح زيجته الأخرى و كونه أب لطفله من أمرأه اخري،
سليم النجار ليس أحمق ليخسر جبهتيه، وحدها صديقتها من ستخرج من معركتها خاسرة إلا إذا فاق هذا الرجل وادرك أن الزوجة الأخري لا تناسبه، أو بدأت تظهر ذلاتها إليه كأغلب النساء وعلم أن كفته الرابحه مع ام أبنته وحدها..
علق عقلها في حياة صديقتها تشعر وكأنها تعيش دراما جديده عليها، خاصه أن المرأة التي وضعت علي الهامش..، اكثر النساء عزة وثراء وقوة
– سوزان أنا هقضي اليوم عندك أنا وديدا، ماليش مزاج اروح عند عزت…
ابتسمت إليها سوزان وقد تفهمت طلبها الذي لم تصرح به إلا بعد هذه المكالمه التي أتتها ولم تفهم ما دار فيها ولكن مزاج صديقتها قد تبدل تماماً بعدها، إنها حقاً تمقت هذا الرجل وجبروته
– اكيد هكون مبسوطه يا شهيرة، و مروان هيكون مبسوط اوي كمان بخديجه
واتجهت بنظراتها نحو صغيرها الذي اندمج باللعب مع ابنه صديقتها الجميلة الناعمة
– شكلي أنا واحمد جوزي هنطلب ايديها منكم من دلوقتي، اهو نكون حجزناها قبل ما العرسان يقفوا بالدور
تعالت ضحكات شهيرة وقد تغير مزاجها وهي تنظر نحو صغيرتها التي تجذب أعين الجميع نحوها
– اه لو سليم سمعك دلوقتى
ثم اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر أفعال زوجها الجنونية وغضبه، حينا يري صغيرته قريبه من اي ذكر صغير، أو حينا يتسأل أحداً.. ماذا سوف يفعل عندما تكبر صغيرته ويتوافد الطالبين عليها
– مجنون بالبنت..وكل ما بتكبر تعلقوا بيها بيزيد
فتعلقت عينين “سوزان” بها تُخبرها دون توقع ردة فعلها الغاضبه من حديثها
– هما كلهم كده مع أول طفل، خصوصا لو كانت بنت
ثم تابعت ضاحكة
– بعد كده الاهتمام بيتوزع علي الباقين، وتقدري تقولي بيكونوا خلاص جربوا الأبوة
تجهمت ملامح “شهيره” وقد احتقنت ، فهي حتى لو عادت إليه لن تنجب ثانية، ولن تقبل أن يكون لابنتها أخوة من تلك الخادمة ومن حسن حظها أن لديها مشاكل بالأنجاب
– سليم مكتفي بس بخديجة، يعني كل حنانه واهتمامه ليها لوحدها
قررت سوزان ابتلاع باقي عباراتها، ولكن خانها لسانها في زلة منها دون قصد
– ليه هو مش ناوي يخلف من مراته الجديدة
وقد ضغطت فوق النقطه التي لا تتحملها شهيرة وخاصه إنها حاولت أن تنجب منه ثانيه قبل طلاقهم ولكنها فشلت بسبب تقدم سنوات عمرها وقد اقتربت من تخطي الخامسه والأربعون
– سليم لو كان عايز يخلف منها، مكنش صبر الشهور ديه عليها.. ،وخلينا نقوم لأن الولاد تعبوا من كتر اللعب
وها هو الحظ حليفها، وقد اصبح لديها مقدره لتثبت لصديقاتها في الوسط.. أن الزوجة الأخرى مجرد زيجة مؤقته لا أكثر
………..
احتقنت ملامحه وهو يراها تلتف نحو ذلك الذي يجب عليه تحمله لأنه من أفراد العائلة ومن غيره الصديق العزيز أحمس..
علقت عيناه بالمشهد الصغير وهو يراه يمنحها كشكولاً، واخبرها ببضعة كلمات ثم لاح لها بيده وعاد لداخل المؤسسة..، ولولا تحايله عليها بتلك الطريقه الماكرة التي أصبحت تجيدها واصبح يحبها خاصة انها تنتهي بليلة تضاف لاحد لياليهم الخاصة، ليله تشاركه فيها حبه وتتجاوب معه بتوق علي عكس ما كانت تفعله من قبل تُسلم له حالها في طاعه وكأنه واجب يؤديه
دلفت لداخل السيارة مبتسمه، تنظر إليه متسائلة وقد أصابها بعض الحماس بسبب ما هاتفها من أجله واخبرها إنه أتي إليها ليصطحبها
– إيه هي المفاجأة يا سليم؟
– خرج وراكِ ليه؟
قطبت حاجبيها دون فهم لما يتسأل عنه، ولكن سرعان ما كانت تفهم سؤاله خاصه بعدما رمقها بضيق
– أنت تقصد أحمس، كان عايز يديني كشكول المحاضرات
أستمع إليها وهي تفسر له الأمر ببساطة، فظلت عيناه نحو الطريق دون أن يُجيب بشئ.. وبعدما انتهت من تفسير سبب اعطاءها لكشكوله الذي يُلخص فيه هذه المادة تمتم متهكماً
– طبعا الأستاذ نسي يدهولك ومفتكرش غير وأنا مستنيكِ برة
ارتفع حاجبها في دهشة، تخبره دون تصديق عما وصل إليه عقله
– أحمس يعمل كده، لا أنت ظالم احمس يا سليم
وقد بدأت جلسة الدفاع عن جدعنة وطيبة أحمس وكيف هو يقف في ضهرها بل ويتحدث عنه دائما بفخر متمنياً أن يصبح يوماً مثله
رمقها بعدما أنتهت من جلستها الدفاعية، متسائلاً ببعض الضيق
– وتفتكري أن برضوه بعد كلامك عنه، هستلطفه
امتعضت ملامحها، وزفرت أنفاسها بضيق
– ما أنا مش قادرة اقتنع إنك ممكن تغير من أحمس يا سليم، غير إني اكبر من أحمس بسنه ونص
قبض فوق عجلة القيادة بضيق من عبارتها
– ومغيرش ليه يا هانم، ولا أنا مش راجل..، ومش كل ما اتكلم تقوليلي انا اكبر منه وهو اخويا الصغير.. ،ما أنا أعجبت بشهيره واتجوزتها وهي اكبر مني بعشر سنين..
ثم اردف ساخراً من نظريتها
– مش سنه ونص واخويا الصغير
ألجمها حديثه، ولم تكن تتوقع أن الحديث سيأخذهم لتلك النقطه..، طالعت ملامحه المتجهمه بعض الشئ تحاول أن تخذه لحديث أخر
– لكن برضوه مقولتليش إيه هي المفاجأة
رمقها بإحدى عينيه وهو يراها تغير محور حديثهم
– أهلك في البيت
اتسعت عيناها ذهولاً وسرعان ما كانت ترتسم السعاده فوق ملامحها
– أزاي، ومحدش قالي ليه فيهم.. ده أنا كلمتهم أمبارح بليل
ابتسم إليها وهو يري سعادتها
– حبوا يعملوها مفاجأه لينا
اتسعت ابتسامتها شيئاً فشئ، فاخيرا أتوا أهلها إليها.. أتوا بعدما ظنت أنهم تناسوها كما من قبل في زيجتها السابقة.. هي لا تلومهم.. ف والديها يعيشون كما عاش أهلهم..، لا اهتمام بالفتيات خاصة بعد زواجها وتحمل رجلاً اخر عبئها.. فتعيش راضيه صامته وقد انتهت مهمتهم معها
– أنت اللي طلبت منهم يجيوا عشان منسافرش زيارة
هتفت بها وقد تلاشت سعادتها، عندما ظنت إنه فعل ذلك حتى لا يذهب بها لأهلها
وقفت السيارة أخيرا داخل حديقه المنزل، فنظر إليها يمنحها الجواب بوجوم
– اهلك جاين زيارة ليكي من نفسهم يا فتون..، مش زي ما عقلك وصلك
وقبل أن يترجل من سيارته، قبضت فوق ذراعه
– سليم
ولكنه دفع يدها عنه برفق ، منهياً اي حديث
– اهلك مستنيك من ساعه، نأجل أي كلام بعدين
……….
داعب النسيم خديها، فاستندت إلى الشرفة حتى تتمكن من رؤية تفاصيل المكان عن قرب..
فندق علي التلال في أسوان نحو اطلاله ساحرة على نهر النيل..و رغم إنها أتت أسوان من قبل لكن لأول مرة تنبهر بمكان كهذا.. لقد خطف المكان فؤادها منذ اول وهلة ببساطة تصميمه وحسن الضيافة
اغمضت عينيها وهي تشعر بتطويقه لخصرها وضمها لصدره ، ثم دفنه لرأسه في تجويف عنقها
– مش قولتلك متبعديش عن حضني
داعب صوته جميع حواسها، فالتفت إليه تنظر لعينيه
– أنت مش ملاحظ إن بقالي يومين في حضنك واخرى اشوف المكان من هنا…، وعودك طلعت كدابة يا دكتور
انفرجت شفتيه في ضحكة رجولية جذابه، يجذبها نحو الداخل
– بعوض السنين… ، ومتحلميش أني اخرجك من حضني بسهوله
التمعت عيناها وهي تسمعه، وفي ظل حديثه المفعم بالمشاعر كان يغزوا حصونها بمهارة.. ، ابتعد عنها اخيرا ينظر نحو ملامحها المسترخية منتشياً بسعادة
– ده أنا هفضل طول عمري أشكر ميادة
……….
طالعت “ناهد” صغار أبنتها في غرفتهم بمنزل شقيقتها، وقد أصر رسلان علي بقائهم في منزل عائلته ليكون اكثر أطمئناناً، فلا وضع شقيقته يسمح لرعاية صغيريه ولا وجودهم بالقرب من ناهد يطمئنه ولولا القرابة والدم ومرضها لكان اعادها للمصحة النفسيه مجدداً
– هيرميكم زي ما أنا حاولت احطها في ملجأ زمان ..، هتخلف ليه ولاد يحبهم لأنهم منها وهيرميكم عشان انتوا ولاد مها
ونظرت حولها تبحث عن طيف ابنتها الحبيبه، ولكنه كالعادة لا تجد شئ..، فهي حتى هذا اليوم لا تصدق أن الموت أخذ ابنتها منها
اقترب منها احد الصغار متمتماً
– بابا، ماما
ثم سرعان ما هتف الصغير باسم “ملك” وكأنه يؤكد عليها أن ملك هي من يدعوها بهذا اللقب
– ملك مش ماما.. ، ملك مش ماما
بكى الصغير بعدما صرخت به بجنون يصيبها حينا يهتف احدهم باسم ملك ويكونوا بعيداً عن الأعين..، شاركه الأخر في البكاء.. ف اندفعت كاميليا لداخل الغرفة بعدما استمعت لبكاء أحفادها ترمق شقيقتها وهي تضمهم إليها دون حديث
– مالهم يا ناهد
وناهد كالعاده صامته وإذا تحدثت.. تهتف ببضعة كلمات متقطعة لا أكثر
دلفت المربية للغرفة، فرمقتها كاميليا صارخه بها
– مش منبها عليكي كذا مره متسبيش الولاد لوحدهم
اطرقت المربية رأسها تنظر نحو طبق الفاكهة المهروس الذي اعدته للصغار
– كنت بحضر ليهم طبق الفاكهة..، زي ما ملك هانم موصية
انشغلت كاميليا في إسكات الصغار، بعدما صبت غضبها فوق الخادمة.., ولكنهم لم يكفوا عن الصراخ، حتى ميادة خرجت من عزلتها وحاولت اسكاتهم ولكن ظل الصغار يبكون لا يهتفون إلا باسم ملك
– خلاص خلينا نكلم اخوكِ
وميادة لا تتحدث مع والدتها إلا بتحريك رأسها، فضاقت عينين كاميليا بضيق وقد ازداد حنقها
– أنا نفسي افهم مين يعاقب مين..، مش كفايه جوازك اللي كان في السر ولولا موته كنا اتفضحنا وسط الناس
ارتخت ذراعي مياده عن الصغار وانسحبت نحو غرفتها.. ، لتنظر كاميليا نحو أحفادها.. وتحمل هاتفها حتى تهاتف ابنها لعله يستطيع إسكات صغاره حينا يستمعون لصوته.
…….
دفعته عنها هاربه من أسر ذراعيه تُخاطبه بعدما اغلقت باب المرحاض خلفها
– ولا دقيقه تانيه في الأوضة..
فتعالت ضحكات رسلان وهو يلتقط المنشفة الصغيره التي كان يجفف بها خصلات شعره وقد القاها جانباً.. بعدما أذابته هيئتها فوق الفراش..؛ فظمأه منها لا يرتوي ولم يعد يريد إلا أن يتأكد أنها بالفعل أصبحت له.. وجولات حبهم لم تكن حلماً يعيشه في خياله كما كان يفعل من قبل
– ماشي يا ملك، بس اتأكدي انك الخسرانه وصهيب باشا هيجي متأخر هو واخواته بسببك
عانقت عبارته روحها المشتاقة لتلك اللحظه التي ستضم فيها أحشائها طفلا ..،فاستندت بظهرها فوق باب المرحاض المغلق واغمضت عيناها تهتف بذلك الاسم الذي اختاره بتلذذ
– صهيب
فاقت من شعورها وتلك النقطه التي أصبحت تستحوذ عليها.. ، تستمع لصوته مع والدته … فاسرعت في نيل حمامها حتى تتمكن من لحاق المكالمه والاطمئنان علي الصغار
– مبسوط يا حبيبي، كل حاجة تمام
تناست كاميليا كل شئ حولها، وهي تري معالم السعادة مرتسمه فوق ملامح ابنها
– الجواب باين يا كاميليا هانم
هتف عبارته مازحاً، فاتسعت ابتسامتها
-والعنوان بيقول..، كنت غرقان في العسل يا دكتور
تعالت ضحكاته بقوة، وقد ضحك الصغار علي سماع صوت ضحكات والدهما وقد وضعتهم جدتهم قربها
– حبايب بابا بيضحكوا ومبسوطين، اومال ليه تيته بتقول انكم تعبينها وبتعيطوا
رفعوا الصغار يديهم نحو الشاشه، لعلهم يستطيعون الوصول لوالدهما
– بابا… ملك
– قولوا كده عايزين ماما
كانت ناهد تجلس علي بعداً من شقيقتها تستمع للحديث الدائر، الذي استمر لدقائق طويله جعلتها تتأكد أن ابنتها أصبحت تحت التراب وقد ضاع ذكراها
– ملك، حببتي..
وملك تقترب منه، بعدما خرجت من المرحاض وارتدت ثيابها بعجالة.. تُحادث الصغار بحب
اندمجت كاميليا في الحديث معهم، ولم تنتبه علي تلك النظرات التي كانت ترمقها بها ناهد حتى اقترابها منها و وقوفها خلفها وقد علقت عيناها بعينين رسلان
وها هي الحقيقة تضربها مرة أخرى، لقد تمت العلاقه بينهم وقد حدث ما اخبرتها به العرافة منذ سنوات
………..
اتسعت حدقتيها ذهولاً بعد فتحت باب المنزل.. وعلقت عيناها بعينين الواقف أمامها تهتف اسمه بصعوبة وقد عادت بشاعة تلك الليلة لذهنها
– عنتر
رمق عنتر ثوب العمل الذي ترتديه، ثم تعمق بالنظر إليها من رأسها لأخمص قدميها واقترب منها خطوة بعدما تراجعت بخطواتها للداخل
– ده أنا قولت غرقانه في العسل مع الباشا، الاقيه مشغلك خدامه عنده في البيت
الفصل الخامس والأربعون (1)
*********
لا تعرف كيف ومتي أصبحت داخل المطبخ، تلتقط أنفاسها بصعوبة تنظر نحو السيدة “سعاد” التي اخذت تُطالعها في دهشة بعدما كررت سؤالها لمرات عن هوية من يقف بالخارج ولما تقف أمامها هكذا بملامح باهتة
– لا أنا شكلي كده هسيب اللي في أيدي، وأخرج اشوف بنفسي
ارتجفت شفتي “بسمه” تُحاول إخبارها بهوية الضيف ولكن ضيق أنفاسها واقتحام تلك الليلة التي حاولت نسيانها عقلها..؛ جعلها تقف أمامها دون قدرة علي الهتاف بشئ
تخطتها السيدة سعاد بضعة خطوات، ولكن سرعان ما وقفت مكانها وهي تري كف بسمة يلتقط ذراعها وتنظر إليها راجية
– بلاش تخرجي ليه يا دادة، عنتر جاي يأذيني من تاني والمرادي مش هيسيبني.. ، الحلم هيتحقق.. الحلم كان وحش بلاش يا داده
هتفت عبارتها بأنفاس متقطعة لاهثة غير مرتبة..، ولكن السيدة سعاد فور أن التقطت اسم هذا الرجل علمت هويته..
– عنتر مين، عنتر اللي حاول يعتدي عليكي يا بسمة
حركت رأسها وانسابت دموعها بعدما اطبقت فوق جفنيها بقوة، تُحاول طرد ذكرى هذه الليله وذلك الحلم البشع الذي يُلازمها في أحلامها كلما انتابها شعور الخوف
شعرت السيدة سعاد بالشفقة عليها، تسأل نفسها كيف صدقت حديث تلك التي تُدعي سميرة عندما أتت إلى هنا؛ حتى فقد شككتها في أخلاقها
– لا إحنا نكلم جسار بيه الأول، ونعرف منه إزاي نتصرف
اماءت لها برأسها، وقد عاد شعور الأمان إليها بعدما استمعت لاسمه.. ،زاد شعور الشفقة داخل السيدة سعاد.. ،ف بسمة تضع امال كبيره نحو السيد والسيد لا يراها إلا حالة يشفق عليها إكراماً لطليقته.
……….
غادرت الشركة مثل باقية الموظفين في الوقت المخصص، تتذكر ما فعلته في الصباح وركضها نحو سيارة الأجرة حتى تتخلص من حارسيه وتجاهلها لمكالمته.. ،
لقد اعادها “كاظم” للحظات المغامرة التي افتقدتها منذ سنوات بعدما بدأت تنضج وتتخذ صورة المرأة العاقلة التي يشهد نحوها الجميع بتعقلها في اتخاذ القرارات، ولكن لو رأها اليوم كل من شهد بحنكتها وتعقلها لطالعها في ذهول بعد زيجتها من رجل دفعت نفسها نحوه وارغمته علي زواجها..
تلاشي الحماس من عينيها وهي تتذكر ما فعلته بنفسها, تتسأل داخلها
أين كان عقلها، هل أفتنانها بها ما جعلها تطرق أبوابه، ام إنه بسبب توقها لمشاعر لم تختبرها يوما، أم أنها كلما تقدمت سناً طالبها جسدها بما يحتاجه، وسرعان ما كانت تغمض عينيها من خزيها لا تُصدق إنها سعت للزواج من أجل اسباب لا تفسر إلا شيئاً واحداً إنها امرأة ضعيفة..، وضعت حالها في مكانه مُهينة
– فوقتي متأخر يا جنات، وكأنك مكنتيش أنتِ
لم تلاحظ من شدة شرودها، أحمس الذي وقف يهتف اسمها بعدما عبر الطريق بعد أن شعر باليأس من انتباهها عليه
– جنات، لا ده أنتِ في عالم تاني
طالعته في دهشة من أمرها، لا تُصدق أن شرودها وصل بها لهذه الحالة، فابتسمت نحوه بتوتر تسأله
– أنت واقف من بدري
– من بدري، ده أنا مستنيكي بقالي نص ساعه… وكل ده ليه عشان الست صباح مش هتدخلني البيت غير بيكِ..
التمعت عينين جنات، وقد تجاهلت جميع المشاعر السلبية التي أصبحت تشعر بها
– عملتلي الحمام المحشي اللي بحبه
ابتسم أحمس وهو يجاورها في السير، يخبرها عن الأصناف التي صنعتها لها والدته، فصفقت بيدها متحمسه
– كفايه يا أحمس الريحة وصلت خلاص لمناخيري وبطني بدأت تطالبني بأحقيتها
فضحك أحمس بملء شدقتيه، واكملوا سيرهم نحو السيارة الصغيرة المصطفة جوار الطريق وقد كانت لها قبل أن تعطيها لأحمس مؤقتً حتى يوصل الحلوى التي تصنعها والدته لزبائنها
– هقدم علي موتوسيكل بالتقسيط
هتف بها أحمس وهو يقود السيارة، فطالعته بنظرات متسائلة
– أنتِ محتاجاها دلوقتي يا جنات، في الأول اقنعتيني أنك خلاص هتتجوزي واحد يقدر يشتري ليكِ عربية بديله
استمعت لعبارته تتذكر، كيف حاولت اقناع حالها ومن حولها أن زيجتها من كاظم النعماني لها فوائد كثيرة، أسهم ستمتلكها في مشروعه الجديد.. بدلاً عن الأرض التي تشارك فيها والدها قديما مع والد كاظم، وعيشة في منزل ضخم وحياة تحلم بها الكثيرات..
اردف أحمس ساخراً، بعدما وجدها تلتف برأسها وتطالع الطريق
– والباشا بصراحه مقصرش، عيشك عيشة مكنتيش تحلمي بيها
تمالكت دموعها، وانفرجت شفتيها في ضحكة قوية تخفي خلفها بؤسها وحماقتها
– بتحب كاظم اوي يا أحمس
امتقع وجه أحمس من سيرته، يهتف بمقت
– أنا لحد دلوقتي مش عارف عقلك كان فين يا جنات
واستطردت بحديثه، وهو مازال يركز بعينيه نحو الطريق وقد ازداد حنقه من نتائج هذه الزيجة التي اتضح فشلها منذ البداية
– جنات اللي الكل بيثق في رجاحة عقلها، تسعي ورا راجل وتقبل علي نفسها تكون لا شئ.. عشان هدف مش مقنع
– بتجلدني ذاتياً يا أحمس
تمتمت عبارتها بمزاح مصطنع، حتى لا تجعله ينتبه على حزنها ولكن أحمس لم يكن تركيزه معها، وقد اخذ الغضب يحتل قسمات ملامحه وهو يواصل القيادة
– حتي فتون دخلت دايرة مش بتاعتها، وكل ده عشان إيه عشان الحب ولا الفلوس نفسي افهم عقلكم كان فين
انتظرته حتي يفرغ كل ما يعتلي صدره، فاردف مستاءً يبحث عن جوابً يقنعه
– ليه واحده لسا في بدايه عمرها، تتجوز راجل كان متجوز قبلها ومخلف طفله.. ، ليه تعيش مع راجل عايزها تكون زي سيدات المجتمع عشان تليق بمستواه
ارتفع حاجبي جنات في دهشة، وقد علمت سبب حنقه الأن
– بلاش توقع نفسك في طريق مش ليك مع فتون يا أحمس، سليم النجار لو للحظة شك في مشاعرك من ناحيتها.. انسى أن يكون ليك مستقبل في مهنتك.. بسببه أنت حطيت رجلك علي بداية الطريق
توقف أخيراً بالسيارة أمام أحد محلات البقالة و التي تتعامل معهم والدته في صنع اطباق الحلوى المغلفة و الأرز بالحليب، وقد علقت عيناه بعينين جنات التي طالعته بأسي
– فتون بتحب سليم يا أحمس
تفهم حديثها، ولكنه أبي أن يعترف به.. فهتف بمرارة حقيقية
– أو يمكن تكون بتحب الحياة اللي عيشها فيها
– بلاش توهم نفسك يا أحمس، لسا المستقبل قدامك طويل وهتكتشف بعدين إن مشاعرك ناحيتها غلط
تمني ذلك داخله، وغارد من السيارة حتى يتمم مع البائع طلبيته
……
زفر عنتر أنفاسه المعبأة بدخان سيجارته ضجراً من انتظاره الذي طال، فمنذ ثلاث ساعات وهو ينتظر داخل السياره بعدما غادر المنزل بعد أن طردته تلك السيدة الهوجاء وذلك العجوز
– كله يهون عشانك يا جميل، تستهلي إني استحمل شوية
وقضم فوق شفتيه، وقد عاد خياله يُخيل له بعض اللقطات التي يتوق لها بشدة جسده
– بنت الإيه احلوت واتدورت
و فاق من أفكاره أخيراً وقد التقطت عيناه السيارة القادمه نحو بوابة المنزل، فاندفع خارج السيارة ثم القى عقب سيجارته أرضاً ودهسها بقدمه واتجه بخطواته نحو هدفه..، فلن يظل في السيارة كل هذا الوقت ويعود خالي الوفاض
هتف اسمه عالياً وهو يقترب من سيارته التي توقفت أمام البوابه، و تقدم منه يبتسم إليه بسماجة بعدما خرج جسار من سيارته هو الأخر
– عايز إيه يا عنتر، مش في محضر تعهد وقعت عليه ولا تحب نروح القسم سوا
تفاجأ عنتر من حديثه الهجومي قبل أن يهتف بشئ، فتمتم وهو يهندم لياقة سترته
– طيب اعرف نيتي الأول يا جسار باشا ولا هتعمل زي اللي مشغلهم عندك، حقيقي المقابله مكنتش لطيفة خالص وتزعل
امتقعت ملامح جسار وهو يستمع إليه، فاقترب منه بجمود يعيد سؤاله مجدداً
– عايز إيه يا عنتر، وبلاش تزعلني منك.. واعرف إني عامل حساب لوالدك الراجل الطيب لحد دلوقتي
– عايزها يا باشا
تجمدت عينين جسار نحوه ، وسرعان ما كان عنتر يتلاشى ردة فعله متمتماً
– عايز اتجوزها يا باشا ولا الجواز حرام
……….
شعرت بالخجل من تصرفات اشقاءها خاصة علي طاولة الطعام التي أعدها الخدم بالكثير من الأصناف..، سليم رجل منظم يعشق النظام والهدوء ولكن اشقاءها الصغار كانوا أبعد عن صوره الأطفال اللذين اعتاد سليم علي رؤيتهم..
طالعته بنظرات خائفة ولكن وجدته يُطالع والديها مبتسماً، حتى ان والدها الذي عاتبه في البدايه لعدم الوفاء بكلمته ومجيئه لبلدتهم الريفيه وعمل عرس صغير لأبنته أمام الأهل والأقارب حتى يفتخر به ولكن العتاب تلاشي من بضعة كلمات استطاع فيهم سليم إرضاء والدها..
– والله يا بني أنا محروج منك، دول مش عيال دول قرود
ابتسم سليم وهو يرمق الصغار وخجل الفتيات الأكبر سنًا من تصرفات اشقاءهم، فهم يتحملون عبئ مسئوليتهم وعلي ما يبدو أن زوجته قديماً كانت تُعاني الأمر مثلهن.. الأم تنجب والأكبر سنًا يُربي ويُطعم
– ربنا يبارك يا حاج عبدالحميد، حقيقي نورتوا البيت.. لو كنت اعرف أنكم جاين كنت بعت ليكم عربيه بسوق
فضحك الحاج عبدالحميد وهو ينظر لصغاره
– ده احنا عايزين أتوبيس يا بني
ابتسم سليم وهو ينظر نحو حماته التي أنشغلت في تهدأت ذلك الطفل ضعيف الجسد
– هو ماله، في حاجة تعباه
وهنا قد علقت عينين السيدة عبله به، تُخبره عن حالة صغيرها، وعن عملية القلب التي يحتاجها، ففلذة كبدها لديه ثقب بالقلب وقد أتوا العاصمه اليوم من أجل زيارة احد الأطباء في احد المستشفيات الحكومية…
شعرت فتون بالصدمه وهي تستمع للأمر لأول مرة، تنهض من فوق مقعدها متسائله
– أنا أزاي معرفش حاجة زي ديه
طالعتها السيدة “عبلة” ، وقد شعرت بفداحة ما فعلت بعدما رمقها زوجها بنظرة قوية، فالرجل فتح له محل الأعلاف الخاص بالمواشي, بعد أن رفض أن يعيش بعائلته في مزرعته ويعمل بها ويأكل من خيراتها، تكفل بمصاريف تعليم أولاده، وفي توفير منزل آدمي إليهم وفرشه باثاث أصبح اهل القرية يحسدونهم عليه
– ازاي يا حاج عبدالحميد متقولش ليا حاجة زي ديه
اطرق الرجل رأسه في خزي، كحال السيدة عبلة
– كفايه عليك اللي بتعمله معانا يا بني
تحولت جلسة الطعام لعتاب، ولكن كل شئ قد تم حله بمجرد مكالمة وقف يُجريها ويُعطي أوامره لأحدهم حتى يبدء باتخاذ الإجراءات في ذلك المشفى التي يعمل بها صديقه رسلان
تهللت ملامح السيدة عبله، تنظر لابنتها ثم احتضنتها بقوة
– ابن أصول وراجل، متأخرش عننا في حاجة، قولت لابوكي يكلمه لكن اتحرج واه مكسفناش
علقت عينين فتون به وهي تستمع لمدح والدتها عنه، وكيف سوف تفخر به وسط جاراتها حينا عودتها
انقضت الجلسة العائلية في ساعه مبكرة، فاهلها لا يحبون السهر.. وقد وزعت اشقاءها علي الغرف وقد ازداد ذهولهم نحو هذه الحياة التي تعيشها شقيقتهم الكبرى
وها هي تجلس وسط شقيقاتها اللاتي يصغرونها بالعمر ، حالمين بحياة كهذه
– جوزك حلو اوي يا فتون
والأخرى تهتف ممتعضة، وهي تنظر نحو دبلة خطبتها
– ياريتني ما كنت قبلت بخطوبة الواد سيد، وكنت جيت عيشت معاكِ هنا، ويا سلام لو لقيت واحد حلو وغني من معارف جوزك
واصغرهم سنًا تهتف بتعقل
– انتوا تافهين كده ليه، اهم حاجة الحب والسعادة مش الفلوس
دلفت والدتهم الغرفة فجأة ، بعدما اهتمت بنوم أصغر صغارها، تنظر إليهم وهي لا تُصدق أن ابنتها الكبرى تجلس هكذا منذ ساعات دون أن تذهب لرؤية زوجها
– أنتِ لسا قاعده وسطيهم، وبتسمعي كلامهم الفارغ
تذمروا من حديث والدتهم، فرمقتهم السيدة عبلة بمقت
– مش عجبكوا كلامي، قومي يا بنت بطني روحي شوفي جوزك وسيبك منهم
– سليم عارف إني هبات معاهم النهاردة
لطمت السيدة عبلة صدرها مع شهقة خرجت من بين شفتيها غير مصدقة ما تسمعه
– تنامي بعيد عن جوزك..، إيه الخيبه اللي بقيتي فيها ديه.. قومي تعالي عايزاكي في كلمتين
واقتربت منها تنتشلها من مكانها، وقد هتفت إحدى شقيقاتها معترضه
– ما هي طول الوقت معاه، إحنا مش بنشوفها خالص
ولكن من نظرة واحده رمقتهم بها السيده عبله، ابتلعوا حديثهم وانشغلوا في العراك مع بعضهن
اقتربت فتون من والدتها، تعترض ثانية علي نهوضها من بينهم
– بلاش خيابه، الست الناصحه تفضل ديما جانب جوزها.. ، مش كفايه لحد دلوقتي بطنك ما شليتش منه حتت عيل..
واستطردت في حديثها، تُخبرها عن سبب إنجابها الكثير بمعتقداتها القديمة التي عفا عنها الزمن
– الراجل لازم يتربط بالعيال، وأنت يا بنت بطني مش متجوزه أي راجل..
– عشان كده جبتينا تمانية، وظلمتينا
امتعضت ملامح السيدة عبله وهي تستمع لعبارتها
– اومال اربط ابوكم إزاي، وهو شايف نفسه عليا..بسبب حلاوته.. ،ده انتِ متعرفيش انا عملت إيه عشان اتجوزه
ارتفع حاجبي فتون في ذهول، فلأول مرة تخبرها والدتها عن هذا الأمر , ولكن قبل أن تسألها ماذا فعلت حتى تحصل على والدها..،
كانت السيدة عبلة تدفعها لخارج الغرفة
– روحي لجوزك وبلاش خيبة، مش هتفرحي لما تطلقي مرة تانية
طعنتها عبارة والدتها، ولكنها تجاوزتها كما تجاوزت الكثير من قبل..
دلفت للغرفة بملامح متجهمة، وقد أخذ يُنهي مكالمته مع صغيرته التي باتت الليله برفقة والدتها خارجاً
طالعها في دهشة.. فقد قررت أن تغفو الليلة جوار شقيقاتها
– مش قولتي هتنامي مع اخواتك
سألها وقد اقترب منها، ينظر داخل عينيها بعدما لم يسمع جوابها
– مالك يا فتون؟
حاولت نفض بعض المشاعر السلبيه عنها، وعادت لدروسها التثقيفيه تبتسم إليه
– سليم أنا بحبك اوي
التمعت عيناه وهو يسمع عبارة حبها، ثم ضافت هذه المرة بمرح
– مش عارفه هحبك اكتر من كده ازاي، قلبي ممكن ينفجر فجأة
وهنا لم يتحمل المزيد من حديثها، فجذبها إليه في عناق يبث فيه مشاعره وقد تناسي شعور الحنق خاصة بعد حديثهم داخل السيارة.
………….
فتحت جنات باب المنزل الخاص بها في البناية القديمة التي كانت تقطن بها قبل زواجها منه..، وقد ظنتها السيدة صباح مجدداً..،
فمنذ دقائق قد أتت إليها بطبق طعام .. حتى إذا جاعت ليلاً تُخرجه من البراد وتسخنه ولكن تلك المرة لم تكن السيدة صباح بل كان هو، اخر من توقعت أن يهتم لامرها… ؛ فقد ظنت سيكون خير من سعيد لبداية ابتعادها عنه بعدما الصقت حالها به واجبرته علي زواجها
– كاظم!
رمقها كاظم بنظرات قوية، يتأمل هيئتها، ثم دفعها للداخل ماقتاً تلاعبها معه
– الأستاذة حظرت رقمي مش كده
طالعته في توتر قليلاً، و اجبرت حالها علي الثبات ثم رفعت عيناها إليه تُحادثه في قوة
– ولا كلمه عايز اسمعها، تدخلي تغيري هدومك من سكات وحسابنا في بيتنا يا جنات هانم
ضاقت عيناها وهي تسمعه ورغماً عنها كانت تضحك بقوة
– بيتنا، قصدك بيتك لوحدك يا كاظم باشا… وانا اه بطلع من حياتك..، ولو سامحت ميصحش وجودك هنا.. ناس كتير متعرفش إنك جوزي
ضاقت عينين كاظم وهو يرمقها ، يعقد ساعديه أمام صدره متسائلاً
– وده دور جديد بتلعبي معايا يا جنات
تجهمت ملامحها وهي تسمع عبارته، ودون شعور منها كانت تدفعه بقبضتيها
– أنا ازاي كنت غبيه ومش شايفه اد إيه انت راجل سئ ومعقد ومعندكش مشاعر، انت فعلا صورة ابشع من جودة النعماني
احتقنت ملامحه وهي يستمع لتلك الحقيقة التي يعلمها، هو بالفعل ابشع من والده، هو لا يرحم لا يسمح لاحداً ان يقف أمامه و يُناطحه
فكيف يصبر علي تحملها..، هل بعد كل ما فعله بها لم يكسرها، التقط قبضتيها في قبضه واحده ينظر إليها بقوة
– اللعبه أنتِ اللي بدأتيها، وأنا اللي هنهيها يا جنات
– مريض
– بلاش تشوفي الصوره البشعه مني يا جنات
– هو في ابشع من كده
تراجع للخلف، ينظر إليها، يُطالع ذبول ملامحها, يُعطيها خياراً أخر
– وممكن تشوفي وش أفضل من كده
تعلقت عيناها به، تنظر إليه منتظرة أن تسمع المزيد من حديثه .. فالتمعت عيناه واقترب منها
– خروجك من حياتي متوقف علي حاجة واحده يا جنات
وانتظرت سماع هذا الشئ الذي سيكون مقابل حريتها، لتتجمد ملامحها في ذهول غير مصدقة ما تسمعه منه
الفصل الخامس والأربعون (2)
**********
لم يأتي في مخيلتها يوماً، أنها ستهوي أرضاً من شدة الضحك، بل و سوف تسلب الضحكات أنفاسها وتسقط دموعها دون أن تعرف لها معنى
حدقها بنظرات طويلة وهي يستمع لصوت ضحكاتها التي اشعرته بمدى استخفافها بحديثه؛ فتوقفت عن الضحك وهي تراه مكفر الوجه، يقبض فوق كفيه بقوة..،
اعتدلت في وقفتها تُحاول التقاط أنفاسها وقد زين ثغرها ابتسامه واسعة
– مكنتش اعرف إن كاظم باشا بيعرف يقول نكت زي الناس العادية
ازدادت تقسيمات كاظم تجهماً من عبارتها، فاسرعت في وضع يدها فوق شفتيها قبل أن تعود لهسترية الضحك التي رافقتها منذ لحظات
– مش قادرة اتمالك نفسي
والتفت بجسدها، تتحاشا النظر إليه.. تعيد عليه حديثه
– عايزني اخضع واستسلم ليك، عايزني مجرد ست بتلبي رغباتك لحد ما تزهق مني، فتقولي مع السلامة مع مبلغ مالي حلو عشان اقدر اعرف كويس اد إيه أنت راجل كريم..
ومخرجتنيش من الجوازة ديه خسرانه
عقد ساعديه أمام صدره ينتظر فروغها من حديثها الذي رافقته بلعناتها عن حقارته
– إزاي بتقدر تكون بالحقارة ديه، ازاي للحظه افتكرت إن عندك قلب ممكن يحب
– جنات
صرخ اسمها عالياً، واقترب منها يقبض فوق كتفيها بقوة..، يزجرها بنظراته الحادة
– أنتِ ليه فاكراني راجل مغفل، وهصدق الدور اللي عايشاه
اتسعت عيناها ذهولاً وهي تسمع كلماته، هل لهذه الدرجة هو أعمى البصيرة؟
– اوعي تكوني فاكرة إني مصدق الدور اللي عايشه فيه البطولة ..، مهما عملتي هفضل شايفك في صورة واحده وأنتِ اكيد عارفاها
دمعت عيناها، وهي تري نظراته القاسية نحوها بعد سماعها لعباراته القاسية
– اختارتي تلعبي معايا، رغم إني حذرتك..عرضت عليكِ الفلوس لكنك كنتِ..
– بس كفاية
دفعته عنها صارخة، لا تستوعب مدي القسوة التي تُغلف قلبه.. تنظر إليه ؛ فتصدمها نظراته المستخفه
– طماعة، مخادعة، صائدة ثروات.. مش هو ده اللي أنت عايز تقوله
تقدم منها، يشبع عينيه من صورتها المهزومة أمامه.. يمدَّ كفيه هذه المرة نحو وجنتيها.. ؛ فانتفضت عنه ولكن تمكن في جذبها إليه بتصميم، فحاولت نفض جسدها عنه تنظر إليه بملامح جامدة
– في يوم قولتلك بلاش تدخلي عرين الأسد لكنك صممتي يا جنات
تلاقت عيناهم، وقد عادت قوتها الواهية تضج في عينيها.. تسأله بنبرة تحمل الأمل
– ليه؟
وسؤالها كان مبهم بالنسبة إليه، طالعها وقد ضاقت عيناه وكأنه لا يفهم عبارتها المنفردة، فابتلعت لعابها قبل أن تمنحه تكملة عبارتها وقد ضاع أملها
– ليه عايز تكمل معايا حتى لو كوضع مؤقت..
وبمرارة اردفت وهي تتحاشا النظر إليه
– عشان تشبع غريزتك وتكتفي مني، رغم إنك تقدر تعمل كده حتى لو هتتجوز كل ليلة ست وتطلقها
انتظرت ان تسمع جوابه، شعرت وكأنها تسير لأميال بعيدة وهي تنتظر سماع جوابه..
– السبب إنك عجباني يا جنات
وقبل أن تقودها عبارته نحو الأفق، كان يُتمم حديثه
– في كيميا غريبه بينا، كيميا الجسد.. لكن اكيد ده ليه وقت وينتهي
– بالبساطة ديه!
ابتسم وهو يري تعبيرات وجهها التي تطربه، يمنحها رده
– خدي الموضوع وكأنه صفقه، والمرادي مش هتطلعي من الأتفاق خسرانه..، واظن إن من حقي استمتع بميزات الجوازة..
تركته يهذي بحديثه، الذي أصبحت تعلم تماماً سببه..، كاظم النعماني رجلا معقداً، معقداً بجدارة حتى إنه لن يمنحها يوماً جوابً يطرب به قلبها، دارت بجسدها تبتعد عن نظراته التي تجردها من ذاتها
– وأنا ليه اقبل علي نفسي كده، عشان طماعه مثلا وعايزه فلوس.. احب اقولك إني برفض عرضك يا كاظم باشا..
شعرت بانفاسه تداعب عنقها، فجذبها إليه هامساً، وقد اخذت يديه طريقها نحو جسدها
– اوعي تقوليلي إنك مش بتحسي بالكيميا اللي بينا يا جنات
اغمضت عينيها، وقد اخذ الضعف يغزو جسدها..، لكنها كانت قادرة علي التحكم باحتياجات جسدها، تركته يشعر بانتصاره قليلاً..، تركته يغزو جسدها.. وقد وجدت شفتيه طريقها
وفي اللحظه التي كاد أن يظن إنه اخضعها وانتصر، كانت تنتفض من بين ذراعيه.. تلتقط أنفاسها بعدما دفعته بكل قوتها
– لو كنت ضعفت من البداية قدامك.. لأنك فرصة اتحطت قدامي، تسميها بقى فرصه، استغلال، بجري ورا الحصان الرابح.. اي مسمي عايز تسميه هقبله منك.. لأني لحد دلوقتي بسأل نفسي ازاي رخصت نفسي كده
تجمدت عيناه وهو يري خيوط اللعبه تنسحب من بين اصابعه، هل رفضت عرضه للتو، هل أظهر احتياجه الغريزي دون أن يحصل على ما يريده..؟
وببطء كان يُدير جسده ويتجه نحو باب المنزل يتمتم وكأنه لم يسمع حديثها
– مستنيكِ في العربية
غادر قبل أن تستوعب ما نطقه، لتقف محدقة ب باب المنزل المفتوح تضغط فوق شفتيها بقوة
– ده فاكرني هنفذ اوامره، طيب يا كاظم باشا خليك مستني في عربيتك كتير
ولكن بعد نص ساعه، كانت تخرج من البناية..، طالعت الطريق واتجهت نحو سيارته المصطفة تصعدها مغلقة الباب خلفها بقوة
– اوعي تفتكر إني بنفذ اوامرك
وكاظم ينظر نحو ملامحها بتفحص، قبل أن ينطلق بسيارته يخفى خلف ملامحه الجامده.. ابتسامة لو لم يتمكن من محوها, لظنته إنه سعيد برضخوها وعودتها معها
………
الساعة تعلن دقاتها في الثالثة والنصف فجراً ، وها هو يفتح عينيه ببطء يبحث عنها جواره بعدما شعر بأن دفئ جسدها تلاشي عنه..
وقعت عيناه عليها، وهي تجلس أرضاً وفوق ساقيها تضع جهاز الحاسوب خاصتها.. وجوارها مفكرة تدون بها معلوماتها..، اضاءه خافته تأتي من شاشة حاسوبها ومن إضاءة الشرفة وحدهما ما كانت تعتمد عليهم..
اعتدل في تسطحه متعجباً من قدرتها علي المواصله في هذه الإضاءة، وكيف تجلس أرضاً بكامل تركيزها.. فهمس اسمها بخفوت وهو يزيح الغطاء عنه
– فتون
طالعته فور أن استمعت لصوته، فاردف وهو يشعل الإضاءة حتى تنير الغرفة بأكملها
– ليه قاعده في الضلمة كده
– عندي بحث لازم اعمله، مش عارفه أنا نسيته إزاي
هتفت بها وهي تفرك خصلاتها، وقد عادت لمطالعة ما أمامها
– في الضلمة يا فتون، بتعملي البحث في الضلمة.. كنتِ نزلتي المكتب، أو فتحتي حتى النور
تنهد حانقاً بعدما لم يحصل علي جوابً منها، بل انغمست في مطالعة شاشة الحاسوب والتدوين
جاورها في رقدتها، فاتجهت بنظراتها إليه مصدومة من فعلته
– مالك بتبصيلي كده ليه، هاتي اللابتوب وخليني اشوف معاكِ ماشية صح ولا هانم هتقصر رقبتي في المهنه ..
ضحكت علي كلماته، تعطيه المهمه التي تعلم تماماً إنه سينجزها بطريقة بارعة
وبالفعل بدأت معاونته لها، كانت مندمجه معه في تدوين بعض النقاط الهامه التي سوف تسير عليها وتتمكن من سردها باستفاضه..
و في ساعة واحده استطاع أن يعطيها بحثها كاملاً ولكنه يحتاج للتدوين والترتيب
تهللت اساريرها وهي تري الأمر قد حل، وقد رتب لها أفكارها
– ياريتك كنت فضلت محامي، و ياسلام لو تدرس لينا في الجامعه
ضحك ملء شدقيه، وهو يعطيها حاسوبها
– حاولي تستغلي ده، قبل ما عالم البيزنس ياخدني خالص..
– لكن اي قضية مهمه أنت بتحلها مع حازم قبل المرافعة
ابتسم وهو يري تركيزها في بعض ما أصبح يدور بالمؤسسة، وانحني صوبها يداعب خصلاتها
– ما دام مركزه وصاحيه في التوقيت ده، قومي استعدي.. كلها دقايق والفجر يأذن.. بدل ما كل يوم حجه مش قادرة اصحى يا سليم
شعرت بالخجل وهي تستمع لعبارته، فضحك بقوة علي هيئتها
– كسولة
وها هم ينتهوا من فرضهم، ولكن عيناها ظلت عالقة به وقد طال مكوثه فوق سجادة الصلاة.. التف إليها بعد وقت..، وتعجب من نظراتها إليه، كان يعلم ما يدور بخلدها ولكنه كان ذكي في إقلاب الحديث بالطريقة التي يُريدها
– لا مبحبش النظرات ديه، وقومي كملي بحثك بدل ما تيجي بكره تقولي أنت السبب في ضياع مستقبلي
لم تتحمل سماع المزيد من كلماته المعطاءة، فاندفعت صوبه تُلقي بجسدها بين ذراعيه وقد افقدته توازنه من فعلتها
– أنا مبقتش اشوفك سليم الزوج وبس،أنا بقيت اشوفك كل حاجة في حياتي… أنا معرفتش طعم الحياة والسعادة غير معاك
ضمها إليه، يخشى عليها أن تعود دماء صفوان القديمه له ثانية، دماء والده التي كان يمقتها, ولكنه سار على دروبه من قبل ..، بل وكأن نسخة أكثر دهاءً وتملكً في نيل مبتغاه مهما كان الثمن
سيطر على أفكاره وما أخذته نحوه، وابعدها عنه برفق ينظر لملامحها البسيطة الهادئة
– بنسى نفسي وأنتِ في حضني يا فتون
تخضبت وجنتيها وهي تسمعه، فمدّ كفيه نحو خديها يداعبهما
– كملي بحثك، وأنا هنزل المكتب اراجع أوراق المناقصة
وبهدوء كان ينسحب من الغرفة، يغلق الباب خلفه يستند فوق الجدار.. يُحاول طرد عبارة “حامد الأسيوطي”شقيق شهيرة
فهل ستنتصر الدماء التي تسير بعروقه، ويعود كما كان رجل يبحث عن امتلاك ما يرغبه، ينال ثم يُلقي ما ناله دون رحمه..؟
هل سيفعل بها هذا الأمر كما فعل بنسائه من قبل..؟
إنه وصل لقلب فتون الصغيرة مجدداً، وجعلها متيمة بعشقه وازال صورته السيئة من عينيها..،
فهل اقترب وقت ضجر قلبه ورغبته بالتجديد..، وها هي العبارة تعود وتقتحم عقله
” الأصل غلاب يا ابن صفوان النجار”
……….
انتظرت السيدة “عبلة” بفارغ الصبر مغادرة زوج ابنتها المنزل، لتتمكن من الانفراد بها ومعرفة سبب رؤيتها له في الصباح يخرج من غرفة مكتبه ويصعد لغرفته ثم بعد ثلاثون دقيقة كان يُغادر المنزل
طالعت الغرفة، والفراش المرتب..بعدما أندفعت للداخل حانقة من خيبة ابنتها في نجاح زيجتها كما رأت أمامها اليوم..
وما زاد من صدمتها، أن ابنتها تغفو فوق فراشها بمنامة طفولية محتشمه..، فلطمت صدرها وهي تتجه صوبها حتى تُيقظها
– عايزه تطلقي مرة تانية، يا خيبتك في بنتك الكبيرة يا عبلة
انتفضت فتون من غفوتها في ذعر ، ومازال النعاس يثقل جفنيها.. تنظر إلى والدتها التي وقفت فوق رأسها تهتف بعبارات لا تستوعبها
– جوزك كان نايم بره الاوضه ليه يا بنت بطني ، وليه مقومتيش معاه شوفتي محتاج إيه..،خيبه عليكِ.. مش هتتعلمي ابدأ ازاي تكوني زوجه
عبارات وعبارات تدافقت فوق رأسها، وهي حتى الأن لا تفهم سبب اقتحام والدتها غرفتها وحديثها بهذا الشكل
– هو سليم خرج
هتفت عبارتها وهي تلتقط هاتفها، تنظر للوقت.. ثم حكت رأسها تستعجب مغادرته باكراً عن موعده
طالعتها السيدة عبلة في مقت وتبرم.. تنتظر سماعها ولكنها لم يكن لديها جواب علي اسئلتها التي تشعرها كم هي خائبة الرجا
– جوزك لو ضاع منك، هتبقى خايبة يا بنت عبدالحميد.. ومحدش هيقبل يتجوز واحده اتطلقت مرتين
هل كان ينقصها لتذكرها بأن في عمرها هذا ولم تتجاوز بعد الثانية والعشرون من عمرها تطلقت وتزوجت مرة أخرى.. وربما كما تري والدتها من وجهة نظرها إنها ستعود لها مطلقة مجدداً
– ده اخواتك بقى وخدينك قدوة دلوقتي، ومعلقين أحلامهم عليكِ..
والحقيقة المرة التي كانت تتجرعها مع كل كلمة تنطقها والدتها، إنهم يعلقون امالهم علي سليم النجار وامواله،
وبمرارة كانت تهتف وهي تنفض الغطاء عنها
– أنتم معلقين أمالكم علي سليم مش عليا
– وماله مش جوز بنتِ
تمتمت بها السيدة عبلة، وهي تلتف بعينيها في ارجاء الغرفة.. ثم أندفعت صوب أحد الأبواب، ولكن سرعان ما كانت تُغادر ما أندفعت داخله ووجدت به ضالتها تنظر إليها مبتسمه وهي تقبض بيدها فوق احد اثواب النوم
– كده قلبي اطمن
علقت عينين فتون بالثوب الذي تحمله والدتها، وقد هدأت ثورتها بعدما تأكدت أن ليس هناك خلافات بين ابنتها وزوجها
– ابوكِ واخواتك ماشين النهاردة وأنا هفضل هنا مع أخوكِ لحد ما يعمل العملية واطمن عليه
………
دلف غرفة مكتبها ، بعدما سمحت له سكرتيرتها بالدلوف.. ،
فعلقت عيناه بها وهي بهيئتها العملية وجلوسها فوق مقعدها الجلدي الوثير.. تدقق النظر في الأوراق التي أمامها
رفعت عيناها نحوه، بعدما شعرت بعدم تحركه ووقفته التي طالت قرب باب الغرفة، ولكن فور أن تلاقت عيناها بعينيه رأت تلك النظرة التي لم تكن تظن أنه سيأتي يوماً وتراها في عينين أحدهم،
إنها أمرأة محظوظه ولكنها لم تشعر يوماً بذلك الحظ الناقص..، هي قدوة ومثال للمرأة الناجحه التي تتمنى الكثيرات أن تسير علي دروبها ولكنها وحيدة، احبها رجلاً يتمتع بالشباب, يعرف كيف يعطي امرأته الحب ولكنه يصغرها بسنوات عديدة
اقترب منها بعدما شعر أن حاجز الصمت لن ينكسر بينهم، وجلس قبالتها فوق سطح مكتبها, يلتقط خصلات شعرها مداعبًا
– الزوجة هي اللي بتتذمر من انشغال جوزها عنها، لكن في حالتنا إحنا الموضوع مختلف
ضحكت علي دعابته، وهي تفهم مغزى حديثه
– الزوج كسول زيادة عن اللزوم، عايز يفضل طول الوقت في السرير
ارتفع حاجبيه، بعدما راق حديثها له وخاصة عندما أتى ذكر احب النقاط إليه
– مش معقول أكون متجوز أجمل ست، واحب الخروج من البيت
ضحكت وهي تتراجع للخلف..، تسترخي في جلوسها وقد أزالت عن عينيها عويناتها الطبية
– كاظم بيشتكي من تأخير الشغل، بلغته أن العطله من عندكم أنتم.. فاتوقع هتلاقي منه اتصال قريب
وعلي ذكر اسم شقيقه، كان الهاتف يعلو رنينه..، فحدق بنظراتها العابثة وهو يعتدل في وقفته
– اممم، السيدة خديجة النجار بتبيع جوزها..
فتعالت ضحكاتها ،وهي تشير نحو هاتفه
– رد علي تليفونك يا بشمهندس
وبعبارات موبخة من شقيقه الأكبر، وقف يستمع.. يُعلل له السبب الذي لا يراه شقيقه إلا استخافً منه ومن عدم قدرته علي النجاح في شئ
تجمدت ملامح “أمير” وقد ابتعد عنها..، وتلاشي مزاجه السعيد وعبثه..
وهي كانت اذكي من أن لا تبدء في فهم شخصية الرجل الذي تزوجته..
اقتربت منه ،بعدما انتهت المكالمه أخيراً ودون أن تنتظر سماع شيئاً منه، جاورته فوق الأريكة التي تحتل غرفتها
– في قانون البيزنس، يا اما تنجح وتظهر لمنافسينك قوتك وذكائك أو تنسحب وتبقى مجرد شخص تابع بيحركك غيرك
– أنا مجرد تابع لكاظم وجوده باشا.. العيل الفاشل اللي قبل ما يوكلوا ليه حاجة مستنين فشله
– أنت مش فاشل يا أمير، أنت حاطت نفسك في خانة الفشل
طالعها في صمت، وقبل أن تنهض من جواره.. كان يجتذبها إليه.. يخبرها بالطريقة التي يجيدها إنه ناجح بشدة.. ناجح لدرجة استطاع الزواج من المرأة التي لم يتمكن احد للوصول إليها ولم تعري نفسها إلا أمامه.. ليته فقط يعرف من هذا الرجل الذي اغتصبها يوماً وجعلها تعيش سنوات من عمرها في مرارة ترمم فيها حالها
انتفضت عنه وهي تلهث أنفاسها، لا تصدق إنه جعلها تنجرف معه في غرفة مكتبها.. لتنهض من جواره وهي تغلق أزرار قميصها بعجالة
– أمير إحنا في المكتب
– وفيها إيه يا خديجة أنتِ مراتي
التفت إليه بعدما استمعت لعبارته التي نطقها بهدوء
– مراتك في السر يا أمير..، علاقتنا مش لازم حد يعرف بيها
وبهدوء أشد كان يُخبرها، وهو يقترب منها مجدداً
– ومين قال إن علاقتنا هتفضل في السر
لتتجمد ملامحها، وقبل أن تسأله عن معنى حديثه والشئ الذي يسعى إليه.. كانت سكرتيرتها تدلف غرفة المكتب بعد طرقة واحده طرقت بها فوق الباب
لتقع عيناها نحو رئيستها, وذلك الشريك الذي يقف قربها..
………
زفرت أنفاسها ضجراً وهي تطرق الأرض بحذائها، ومن مكالمة لأخرى كان يُنهيها كان ضجرها يزداد حتى نهضت من فوق الأريكة التي تجلس عليها في غرفة مكتبه بالطابق السفلى
– مش معقول هفضل قاعده في البيت، عشان ساعدتك موجود ومينفعش اخرج طول ما الباشا قاعد
طالعها بنصف عين ثم عاد نحو أوراقه متمتماً
– تقدري تقومي تعملي اي حاجة في البيت..، أو ممكن نطلع اوضتنا
احتدت عيناها بعدما استمعت لعبارته الأخيرة، واقتربت منه تلطم فوق سطح مكتبه بقوة وهي تميل بجسدها صوبه
– بتحلم أني ارجع لصورة الست اللي أنت عايزاها..
ترك أوراقه ومال هو الأخر فوق سطح مكتبه
– تعرفي اكتر حاجة بقيت بستمتع بيها، التحدي اللي بشوفه في عينك…، وانا راجل مبحبش اللعب مع الخصم الضعيف..
– اللعبه خلصت، وانت انتصرت عايز إيه تاني نفسي افهم
وبابتسامة عابثه كان يمنحها نفس الجواب
– عايزك لحد ما أنا اللي اقول دورك أنتهي من حياتي يا جنات
– أنت إيه بالظبط..، مش عارفه اوصفك بأي لقب.. مريض ولا متملك ولا عديم القلب.. صحيح تربية جودة النعماني هيطلع إيه
– جنات
صرخ بها قبل أن ينتفض من فوق مقعده، فانتفضت هي الأخري مبتعده، تتراجع للخلف وهي تراه يقترب منها بتلك الشرارات التي خرجت من حدقتيه
– اختارتي تدخلي العيلة ديه بأرادتك، فضلتي تدوري وتلعبي وتتوسطي لسليم النجار عشان توصلي لهدفك..، محدش ضربك علي ايدك يومها
شعرت بقبضته تفتك ذراعها، حاولت تحرير ذراعها ولكنه اخذ يضغط بقوة فوقه
– طلاق مش هطلق، وهتفضلي محبوسه في البيت لحد ما أنا اقرر امتى اخرجك من حياتي
وسحبها بقسوة نحو الشرفة التي تطل علي الحديقه، يشير نحو الاربعة الرجال الواقفين
– عارفه مهمتهم إيه؟
طالعته في ذهول، وقد علقت عيناها بالاربعة رجال بالاضافه لحارس البوابة
– أنت هتسجني
– لو مشيتي معايا بالعقل يا جنات، هتعيشي في راحه
دفعته بكل قوتها بعدما عادت تتمالك صدمتها
– اعيش معاك ازاي، وأنت عايزني مجرد ست في حياتك تلبي رغباتك لحد ما ترميني بنفسك.. ليه عايز تعمل فيا كده
والإجابة بالتأكيد ستكون كما أخبرها مراراً، سيتركها حينا يرغب، حينا يشعر بالضجر والشبع منها.. حينا تنطفئ شهوته نحوها وتصبح امرأة غير كافيه بالنسبه له، ولكن تلك المرة صمت عن الجواب والتف بجسده وعاد نحو مكتبه يهتف بجمود
– حضري نفسك، معزومين علي الغدا عند جودة باشا
……..
دمعت عيناها من فرط الضحك، وهي تري زوجها يُحاول الحديث باللغة النوبية مع الصغير ذو الملامح السمراء الجميله، الذي أخذ يُعلمه بضعة كلمات, وقد تناسي أخيراً الصغير وجع قدمه التي اخذ يضمدها له تحت نظرات والدته الشاكرة..
– خلصنا المهمه يا بطل
اتجهت عينين الصغير نحو قدمه الملتفة بالشاش الطبي..، ينظر إليه متعجبً متى فعل هذا، ثم أتجهت عيناه نحو والدته التي هتفت بكلمات شاكرة
– إحنا لازم نكرمك يا دكتور، كفايه اللي عملته معانا
داعب رسلان رأس الصغير، الذي وقف مستنداً علي كف والدته
– انا عملت وجبي، والحمدلله ربنا ستر ومتعورش جامد
– بس إحنا لازم نكرمك ونضيفك في بلادنا
ألحت المرأة بكرم أصلها وطيبته، ولكن في النهايه سارت مغادرة تلوح بيديها تتمنى لهم حياة سعيدة، والصغير يصرخ بعلو صوته
– أنا هكون دكتور زيك لما اكبر
ضحك رسلان من قلبه وهو يتمنى له أن يحقق حلمه يوماً، فاقتربت منه ملك وقد لمعت بريق السعادة في عينيها
– الولد جميل ولذيذ اوي
فالتف رسلان بجسده نحوها، يضمها إليه ويسير مغادراً المكان بعدما التقطوا الكثير من الصور به
– إيكادولي
فحدقت به، وقد وقفت عن السير تنظر إليه تستفهم معنى الكلمه، فتعالت ضحكاته مما جذب أنظار بعض السائحات نحوه بهيام
– ضحكتك يا دكتور
تمالك صوت ضحكاته بصعوبه، يمازحها
– مالها ضحكتي، فيها كهربا مثلا
– لا ديه ضاعت منك خالص
تلاشي عبارتها ، يقربها إليه اكثر وكأنه يخشى ابتعادها
– إيكادولي يعني بحبك
……..
توقف جسار أمام سيارته بعدما خرج من شركته، ليتفاجئ بوجود عنتر أمامه..، وكأنه كان بانتظاره
– بقالي يومين مستني ردك يا باشا
طالعه جسار وهو لا يستوعب قدومه إليه مرة ثانية، خاصه بعدما اوصل رساله إلى والده, ليبعده عن طريقه وطريق بسمه لأنها تحت حمايته
– أنا جاي طالب الحلال يا باشا وعلي سنه الله ورسوله، إيه اللي يمنع…
احتدت عينين جسار، قبل أن يتجاوزه ويتجه لفتح باب سيارته
– اللي يمنع إنك راجل مغتصب، حاولت تعتدي عليها.. خمورجي بتاع ستات، عايز تسمع كلام تاني ولا كفاية
حدقه عنتر بملامح جامدة، يُحاول تجاوز حديثه حتى ينال مبتغاه
– إن الله غفور رحيم يا باشا، وأنا توبت وربنا بيقبل التوبة
– طلبك مرفوض
القى عبارته وفتح باب سيارته وكأنه يُنهي الحديث بينهم هكذا، نحو هذا الأمر الغير مرحب به
– شكلك يا باشا طمعان فيها ومكسوف تقولها
هذي عنتر بعبارات نسجها، وقد علقت بعض الكلمات في أذن بعض العاملين بالشركة
والصورة كانت واضحة بالنسبة للعاملين عن رئيسهم، السيد جسار لديه عشيقة في منزله، وقد أخذها من حبيبها الذي وقف يلهث أنفاسه، يمسح الدماء عن فمه وانفه بعدما اجتذبه حراس الأمن بعيداً عن سيدهم الغاضب
– اتجوزها بدل ما أنت عايش معاها في الحرام يا باشا
الفصل السادس والأربعون (1)
**********
هل للتو أنتبهت على تبدل تلك النظرات التي وجهتها لها السيدة منال، تلك المرأة ذات الخامسة وستون ربيعاً منذ أن دلفت بقدميها معه, لهذا المنزل الذي أتت إليه من قبل ولكنها طردت منه بعدما عاملها جودة النعماني وكأنها متسوله، حينا اخبرته بحق والدها القديم..
فملامح السيدة منال قد لانت، وهي تُطالع كاظم الذي خرج من غرفة المكتب برفقة والده، ثم هتفت بابنتها “مهيار” تلك المرأة الأربعينيه, أن تذهب للخدم حتى يتم إعداد مائدة الطعام ومهاتفة زوجها بأن يأتي هو الأخر
وعلى ذكر اسم ذلك الصهر، كان يدلف السيد أشرف زوج مهيار برفقة فتاة في سن المراهقة ولم تكن إلا أبنته
تقدم أشرف من كاظم يصافحه بملامح بشوشة، كما ركضت الفتاة نحو خالها الغير شقيق تُعانقه بسعادة وما صدمها أن كاظم احتواها بين ذراعيه
– كده يا خالو متجيش حفلة عيد ميلادي
– اعذريني يا حببتي مكنتش فاضي، بس قوليلي الهدية عجبتك
صاحت الفتاة بسعادة حقيقية وهي تنظر لهاتفها بإصداره الحديث ذو العلامة التجارية الشهيرة
– جدا، جدا يا خالو
كانت عينين السيدة منال عالقة بالمشهد الذي اطربها، كاظم تميمة الحظ لها و لاولادها ، كاظم ابن المرأة التي استطاع قديماً زوجها اقناعها بأن يتزوج عليها من أجل اموال تلك الأرملة فواقفت بعد أن ظل لأيام يُقنعها..،
تضحيتها ذلك اليوم لم تذهب هباءً..، ورغم غباء زوجها وخسارة المال وأصبح كاظم المسيطر على كل شئ إلا إنه يغدق عليهم بالأموال؛ فلا بأس بطباع كاظم الصارمة ولا بسيطرته على جميع شئون العائله ورضخوهم لقرارته..
– اتشرفت بمعرفتك يا مدام جنات، حقيقي كاظم أجاد الاختيار
هتف بها السيد “اشرف” فتحولت نظرات الجميع عليها..، امتقعت ملامح السيدة منال، فها هو زوج ابنتها يذكرها بتلك الدخيلة التي اقتحمت حياتهم بمكرها وطمعها.. ،
ليت زوجها أستمع لكلامها ذلك اليوم والقى لها بعض المال دون اخبار كاظم بالأمر، فابنه عثمان لم تكن إلا ذكية..،استطاعت اللعب معهم وقد نالت الرأس الكبيرة وإلى الان لا تعلم لما تستمر هذه الزيجة التي كانت تفهم اسباب إتمامها ، إنها تحتاج بالفعل استدراج زوج ابنتها حتى تعلم سبب بقائها في حياة كاظم الذي يُجيد التعامل مع النساء فيجعلهن يفرون منه ومن قسوته ..
توترت “جنات” وهي تسمع لكلمات هذا الرجل الوقور وترحيبه بها ، ثم هتافه بابنته وكل هذا تحت أنظار كاظم الذي اتخذ دور المترقب لأفعالها
– إيه يا نادين مش هتسلمي على مرات خالك
تقدمت الفتاة منها بكبر لا يليق بسنها، وباطراف اصابعها كانت تصافحها.. ، وقد ارتفع حاجبي جنات دهشة من فعلتها التي لا تناسب سنها، وعلى ما يبدو إنها نسخة من جدتها العجوز
– أهلا
وبهدوء مدَّت “جنات” يدها مبتسمه، متغاضية عن فعلتها
– الاكل جاهز على السفرة
هتفت بها السيدة مهيار، وقد كان أول من تقدم نحو الطاولة السيد جودة، الذي اكتفي بالصمت.. وكأنه لا يراها من الأساس
– كاظم
التف إليها “كاظم” بنفس تلك النظرة المترقبة، فاقتربت منه هامسه بتوتر
– إحنا هنمشي امتى؟
ضاقت عيناه في دهشة، وقبل أن تخبره بذلك الألم الطفيف الذي بدأت تشعر به.. كانت شقيقته تتقدم منه مستغربة وقفتهم
– كاظم كلنا مستنينك، والأكل هيبرد
………
دلفت السيدة سعاد المطبخ بوجوم، تنظر نحو بسمة التي انتظرت جوابها عن سبب غضب السيد جسار عليها وصراخه بوجهها, لمجرد أن أخبرته إنها تريد الحديث معه في أمراً ما
– مش عارفه والله يا بنتِ ماله النهاردة، ده مش طايق نفسه.. حتى ايده مكدومه وكأنه كان في خناقة
هي بالفعل قد انتبهت ليده الملفوفة بشاش طبي، حينا دلفت لغرفة مكتبه.. حتى تقدم له قهوته وتتحدث معه فيما تُريده
– انا فعلا لاحظت ايده يا دادة، بس أنا عملت إيه عشان يزعق فيا
ورغماً عنها كانت تبكي، وهي تتذكر صراخه بها يُخبرها بقسوة
” هو أنا خلاص مبقتش فاضي غير ليكِ ولمشاكلك”
وبمرارة ابتلعت غصتها وقد عادت كلماته تخترق فؤادها
– أنا خلاص مش عايزة مساعدته يا دادة
– اهدي يا بنتِ، ما أنتِ اتعودتي على طباع جسار بيه
اخذتها السيدة سعاد باحضانها، تشعر بالحزن على حالها..، فقد كانت تكاد تطير من السعادة بعدما طرحت فكرتها عليها، تخبرها لما لا تنشأ قناة خاصة للطبخ كما أصبح يفعل الكثير، لما لا تُجرب حظها ولعلها وجدت مصدر دخل لها, حتى تتمكن من جمع بعض المال وتحصل على مكان تعيش به، ويكفي على السيد جسار مساعدته لها في التقديم للجامعه وعيشها تحت رعايته حتى اليوم، ولكن ها هي سعادتها تضيع وقد خاب املها في ان يوفق على الأمر..
– سبيني أنا أعرض عليه الموضوع يا بنتِ
وابعدتها عن أحضانها برفق تنظر إليها بشفقة، تلوم حالها إنها للحظات صدقت حديث تلك المرأة الخبيثه التي تدعي سميرة، ف رب عملها لا يتهاون في كسر الفتاة بقسوة طباعه، حتى هي بدأت تفكر في ضرورة انصرافها من هذا البيت وأن تبدء حياة جديدة لها..، فأين كان عقلها لتصدق بضعة لقطات صورها لها الشيطان وحديث نابع من امرأة حقودة
……….
ازاحت مقعدها ونهضت بخطوات سريعه تضع بيدها فوق فمها نحو دورة المياة التي ارشدتها إليها الخادمة..
طالع الجميع الموقف بملامح مندهشة، وقد نهض هو الاخر واندفع خلفها ، فالتوت شفتي السيدة منال وقد تركت معلقتها بعدما شعرت بالاشمئزاز متمتمه بملامح ممتقعة
– قلبت معدتي، الله يقرفها
رمقتها ابنتها حتى تجعلها تصمت عن كلماتها اللاذعه، بعدما رمقها زوجها بيأس من أفعال والدتها التي مهما تقدمت في العمر.. تزال صفاتها الكريهة
– روحي شوفيها يا مهيار، مش معقول هنفضل واقفين بنتكلم في كلام فارغ
استجابت لاوامر زوجها، فاستمرت السيدة منال في لفظ كلماتها..فرمقها زوج ابنتها بجمود وهو يتمنى داخله أن يحدث ما يتمناه لكاظم
– يمكن قريب نسمع خبر حلو يا جودة باشا، وتبقى جد
ورغم تلك اللمعة التي احتلت عينين جودة، إلا أنه أجاد إخفاءها وانصرف صاعداً لغرفته، فتجمدت عينين السيدة منال وهي تحاول النهوض عن مقعدها، في نفس اللحظة التي ظهرت فيها جنات تستند على ذراع كاظم الذي ظهر فوق ملامحه القلق، غير مصدقة أن تكون تلك الفتاة حامل منه…
……….
علقت عيناها به وهي تستمع لحديث الصغيرة، وقد التمعت السعاده في عينين شهيرة، وهي تري ملامح الصدمة مرتسمه فوق ملامح السيدة عبلة، التي رمقت ابنتها بنظرات خائبة
– ديدا كانت فرحانه اوي يا بابي النهاردة عشان جيت اخدتنا من عند طنط سوزان، وخرجنا أنا وأنت ومامي ولعبنا واتصورنا
واردفت الصغيرة، بعدما نظرت إلى والدتها التي جاورتها وأخذت تمسح لها شفتيها من أثر الطعام
– أنا بحبك اوي يا مامي
اتسعت ابتسامة شهيرة وهي تستمع لابنتها، وانحنت نحو وجنتها تقبلها متمتمه وهي تنظر نحو سليم الذي علقت عيناه بصغيرته
– وبابي يا ديدا، ولا عايزه بابي يزعل
التوت شفتي السيدة عبلة وهي تنظر للمشهد ثم ابنتها التي لانت ملامحها واختفت غيرتها ، بل وابتسمت كالبلهاء وهي تطالع المشهد العائلي
– بحبه اد الدنيا ديه كلها
التمعت عينين فتون، بنظرة حنونه وهي ترى سليم يلتقط كف صغيرته
– وبابي بيحب ملاكه الصغير اد الدنيا
والسيدة عبلة تقبض فوق ثوبها حانقة من سذاجة ابنتها، التي لم تحمل حتى اليوم منه طفلاً، وتترك طليقته تعيش في المنزل وكأنها تريد اعطاءها الفرصة لتعود لزوجها
– هتفضلي طول عمرك خيبة يا بنت بطني
التقطت شهيرة كلماتها، وداخلها كانت تشعر بالسعاده.. لأنها أستطاعت ان تقضي اليوم باكمله برفقة سليم وابنتها..، وأنها صاحبة الورقة الرابحة.. وسليم قريباً سيفيق من ذلك الدور الذي يعيشه وسيعود لعقله
انقضى وقت وجبة الطعام، وقد أشتدت ملامح السيدة عبلة قتامة.. بعدما صعدت ابنتها لغرفتها حتى تذاكر دروسها..، فما الذي ستجنيه من التعليم إذا تطلقت مرة أخرى وضاعت فرصتها في العيش بهذا النعيم
………
ناولها حبة الدواء بعدما علم بعلتها، وقد ضاع أمله في أن تكون حامل بطفله،
اغمضت عيناها وهي تتمنى أن الألم يزول فقد ظنت ان دائها قد زال منذ أن صارت على ارشادات الطبيب
– الدكتور قال بسبب التوتر والاكل الغلط
ثم اردف مستفهماً
– مقولتليش ليه إنك تعبانه
اخترقت العباره أذنيها، ففتحت جفنيها بوهن تُطالعه بنظرة باهته
– انا كنت في الجلسة العائلية مش مرئية يا كاظم باشا، اخدتني عشان تعرفني إني ضيفة تقيله اوي على عيلتك .. وان عمر ما نظرتهم ناحيتي هتتغير..، البنت الطماعة اللي قدرت تفرض نفسها على العيلة الكريمة
– هنبه عليهم في المطبخ، يهتموا بموضوع الأكل
القى عبارته والتف بجسده مغادراً، غير عابئ بحديثها.. فتجهمت ملامحها وهي تعتدل في تسطحها
– كنت خايف لاكون حامل، عشان كده اخدتني المستشفى.. متقلقش يا كاظم يا باشا مافيش حاجة هتربطك بيا
أصابه الجمود في وقفته وهو يستمع لعبارتها، وببطئ كان يلتف إليه مجدداً يتسأل بنبرة جامده
– وليه مافيش حمل حصل لحد دلوقتي
تعجبت من عبارته ، وقد أصابها التهكم وهي تتذكر رغبته في عدم الإنجاب منها
– اللي يسمع كلامك يفتكر إنك عايز تخلف من واحده زي، لكن سبب سؤالك أنا عارفاه كويس
علقت عيناه بها، ينتظر سماع السبب الذي فهمته من حديثه ورغما عنه كانت شفتيه تنفرج في ضحكة قوية لما يسمعه منها وقد وصل إليه عقلها
– كاظم باشا شاكك في قدراته العظيمة..، لكن متقلقش العيب عادي ممكن يكون مني او ده من رحمه ربنا عشان ميربطناش ببعض بعد ما نطلق
ازدادت ملامحها تجهماً ، وهي تراه لم يكف عن الضحك.. ،فور أن تفوهت بعبارتها، وبصعوبة كان يتحكم في ضحكاته
– بيتهيألي أنتِ محتاجه ترتاحي
– ممكن أعرف سبب ضحكك ، مش ديه الحقيقه
– الحقيقة لو عرفتيها هتبسطك اوي
كان يعلم إنها إذا علمت بالحقيقة من نيته في وجودها بحياته حتى الآن، لن يسعدها الأمر او ربما المال سيسعدها فستنسي ما ستمنحه له..، ولكن حتى اليوم لم يحدث حمل وقد أصبحت علاقتهم الزوجيه منعدمة منذ اخر خلاف بينهم وتمردها عليه..
احتلي الوجوم ملامحها.. وقد عاد الألم يرتسم فوق صفحات وجهها ولكنها قاومته.. فبسببه قد عاد لها داء القولون العصبي
– عمري ما هكون مبسوطه طول ما أنا عايشه معاك.. ،هفضل طول عمري كرها نفسي
– كدابه
وبملامح مسترخية كان يخبرها بالحقيقه التي تعلمها، فلم تعد معه تلك الليلة من منزلها .. إلا لأنها مازالت تُريده، مازالت مفتونة به
– مش هتتخلصي مني يا جنات غير لما كل واحد فينا يكتفى من التاني، ونكتشف اد إيه علاقتنا علاقة مريضه
لقد تجاوز حديثه كل شئ، إنه يفقدها صوبها…تتسأل للمرة التي لا تعرف عددها كيف وضعت حالها في زواجً كهذا ومع رجلاً يريد تحطيمها حتى يكتفي هو
– كل ليلة هتكون بمقابل يا جنات
………
أندفعت السيدة عبلة لغرفة ابنتها، بعدما ضجرت من رؤية هذه المرأة تنتشر في منزل ابنتها، وما زادها حنقاً وهي تراها تدلف لغرفة مكتب زوج أبنتها، و تقدم له قهوته..
– ما أنتِ لو عبيطة يا بنت بطني وعايزه تضيعي جوزك، يبقى لازم اعقلك..، شيفاها ناصحه ازاي وجايه تعيش معاكم بحجة بنتها.. ست بجحه صحيح
وقبل ان تستوعب حديث والدتها، كانت تلتقط منها الكتاب تقذفه بعيداً
– هتاخدي إيه من التعليم،. قومي ظبطي نفسك..مش سيباه لطليقته عماله تلف حواليه
– ماما مش المفروض تروحي ترتاحي، عشان هنروح المستشفى بكره مع عمر, لان الدكتور هيحدد ليه امتى العمليه
– والراحة هتيجي منين، وبنت بطني خايبة.. عايزه تضيع العز ده كله منها
اغمضت عينيها بقلة حيلة ومرارة، وتركت والدتها تهتف بعبارات الندب والحظ السئ وما ينتظرها مستقبلاً من خيبة ستحصدها بسبب سذاجتها وغباءها..
لم ينقذها إلا دلوف سليم للغرفة ينظر لملامحها وقد فهم ما دار بينهم بحنكته
– اهلا بجوز بنتِ الغالي
ابتسم إليها سليم بمجاملة ، وقد انصرفت السيدة عبلة خارج الغرفه واغلقت الباب خلفها ثم وضعت اذنها فوق الباب تستمع إليهم حتى يطمئن قلبها
– والدتك ضيقت في الكلام مش كده
لم تتحدث بل طالعته في عتاب ، فهو السبب في سماعها تلك العبارات من والدتها
– شكلك بيقول، إنك زعلانه مني وموضوع المذاكره كان حجة
اشاحت عيناها عنه، وعادت نحو الفراش تُكمل طريقها نحو مستقبلها
– لا عندي امتحان..، تقدر تروح تكمل قعدتك مع شهيرة هانم .. وممكن تخرج تسهر معاها بره كمان لو حابب
ارتفع كلا حاجبيه في ذهول، غير مصدقاً ما يسمعه منها، فعلى ما يبدو أن وجود حماته في منزله بدء لا يبشر بالخير، تمالك ذهوله واتجها صوبها
– اخرج وكمان اسهر مع شهيرة، حاسس بغيرة قوية
رمقته بمقت، والصقت الكتاب بوجهها حتى لا تتلاقى عيناهم
– واسهر ليه مع شهيرة، وأنا عندي مراتي حببتي
وفي سهوة منها كان يلتقط الكتاب، ويجذبها إليه، يوضح لها سبب خروجه اليوم مع شهيرة
– البنت اسألتها بقت كتير عن سبب عدم وجودي معاها ومع والدتها في النادي زي باقيه الأطفال..، مش هستني بنتِ تيجي في يوم وتحس بالنقص يا فتون..، هي ملهاش ذنب في عدم استمرار جوازي بشهيرة
– طيب وأنا يا سليم
وبحنكة وذكاء كان يمتاز بهما، كان يميل نحوها هامساً
– أنتِ الجزء الحلو في حياتي..، أنتِ وخديجة حبكم واحد لا أقدر استغني عنها ولا عنك
وبحب كان يفسر لها مدى عشقه له، يهمس لها تلك المرة باصرار
– هنروح للدكتور سوا، عشان نعرف سبب تأخير الحمل
………..
وقفت السيدة سعاد بتردد في مكانها بعدما وضعت له كأس الماء وحبة المسكن قبل أن تذهب لغرفتها فقد انتهى دوام العمل، ف الساعة أصبحت في الحاديه عشر
– لو في كلام عايزه تقولي يا داده ياريت يتأجل
شعرت بالحرج ولكن بطبعها كانت تُفضل الحديث دون أنتظار لوقت أخر
– يا بني بسمه
طرق سطح مكتبه في غضب، بعدما أستمع لاسمها
– يا بني البنت عايزة تمشي، وتشوف مكان تاني تعيش فيه
لقد خانت الكلمات السيده سعاد، وبدلاً أن تخبره أن خطتها المستقبلية هو ترك المنزل حتى تريحه من عبئها, ولكن رجائها منه أن يسمع لها ببدء مشروعها الصغير بين ارجاء مطبخه المجهز بأفضل الوسائل التي ستساعدها في وصفات الطبخ
بملامح جامده، كان ينهض من فوق مقعده.. مقتربًا من السيدة سعاد التي شعرت ببعض التوتر وارادت توضيح حديثها
– عايزة إيه؟
وبجنون كان يُغادر غرفة مكتبه، يصرخ باسمها.. وقد كان حظها عسر ؛ لوجودها بالمطبخ حتى تنهي تنظيفه قبل خلودها للنوم في الغرفة التي تُشارك بها السيدة سعاد
وشهقة فزعة، عبرت عن ذعر صاحبتها..بعدما اجتذبها من ذراعها
– ما دام عايزاه اوي كده، عاملين التمثلية ديه كلها ليه ..، اتفضلي روحيله مستنيه إيه
ألجمها حديثه، الذي جعلها في حالة صدمه.. تنظر إليه بشفتي مرتجفه
– تمثيلية إيه
ولكن جسار كان مازال عايش في أحداث اليوم، التقط ذراعها وقد شعر بالغضب مما استمعه على لسان رجلاً حقيراً كعنتر بسببها
– مش عايزة تمشي، امشي..
أسرعت نحوه السيدة سعاد، وقد اصابتها الصدمه وهي تراه يدفعها لخارج المنزل
– يا بني هتروح فين دلوقتي..، يا بني أنت فهمت كلامي غلط
ولكنه لم يكن يسمع إلا حديث ذلك الحقير عنه وعنها..، هل وصل به الحال بأن تصبح سمعته على المحك.. بل وتطلب منه الرحيل بتمثلية حقيرة مع هذا الرجل، وهو من تحمل بسببها الكثير إكراماً لطليقته وشفقة على حالها، وبغضب حارق كان يصيح بها وهو يغلق الباب بوجهها بعدما سقطت أرضاً بسبب دفعه لها
– عايزة تروحيله، روحيله.. خليه يتجوزك وبعدين يرميكي في الشارع اللي جيتي منه
الفصل السادس والأربعون (2)
*********
هل أرتجف جسدها للتو بسبب لسعة الهواء الباردة، أم إن ارتجافتها بسبب ذلك الشعور القاسي الذي عاد يستوطن قلبها، لم تكن المرة الأولى التي تعيش فيها هذا الشعور..، بل قد عاشته لمرات عدة..، مرات حفرت بصمتها داخلها..،
وها هي اللقطات تعود وتخترق فؤادها، تخترقه لتخبرها بقلة حيلتها، بفقرها وتشردها.. بحياة لم تختارها،
فلم تختار أن يكون لها اخ من دمائها يلفظها من حياته، اخ تركها تعيش ذليلة ، اخ أجبرها أن تترك منزلها البسيط الدافئ حتى تهرب من مصير لا عودة منه
اختارت أن تعيش شريفة حتى لو أكلت من صناديق القمامة ، حتى لو ظلت بالشارع بلا مأوى.. وليتها ظلت بالشارع، ليت عنتر كان رجلاً شريفاً كوالده وتركها بحالها تبيت في المطعم فحتى الأرضية الرطبة التي كانت تحتضنها رأتها الحياة كثيراً عليها
وبثياب مبتلة كانت تسير خارج البوابة، وقد تعجب الحارس الذي كان يجلب غرضاً ما من أحد المحلات, خروجها في هذا الوقت؛ فاسرع نحوها هاتفاً اسمها ولكنها كانت تسير دون شعور بشئ حولها
– يا بنتِ لو محتاجه حاجه اروح اجبهالك، الجو برد ادخلي
انتظرها أن تُجيب عليه، ولكنها ظلت في سيرها بخطوات واهنة، فاتبعها قلقلاً من صمتها وهيئتها
– هي الست سعاد عارفه بخروجك دلوقتي..
وأخيراً استطاعت التقاط أنفاسها، ومسح دموعها بصعوبة، تلتف لذلك الرجل الذي يعمل كحارس للبوابة
– أنا كويسه يا عم صالح، أنا خارجة أتمشى شوية
طالع العم صالح المكان حوله، وقد أستغرب رغبتها في السير هذه الساعة
– تتمشى دلوقتى، الدنيا ليل يا بنتِ.. استنيني هروح هحط الطلبات في اوضتي واقفل البوابه واجي اتمشى معاكِ
– لا، لا يا عم صالح ارجع انت مكانك..عشان البيه ميضاقش لو طلع ولقاك مش موجود
شعر العم صالح بالحيرة، وقد بدء الأمر يثيرة بالشك..، وجدها تُكمل خطواتها مبتعده فتنهد بقلة حيلة وهو يسرع عائداً للمنزل
– يا تري إيه اللي حصل بس، البت شكلها معيط وخارجه بهدوم البيت.. لا لا أنا هروح اشوف الست سعاد.. ، لو كان العم جميل هنا كنت زماني عرفت منه السبب
…….
– هتروح بس فين، ليه كده يا بني ده أنت طول عمرك قلبك طيب..، والبت قليلة الحيلة وبختها قليل
تمتمت بها السيدة سعاد وهي تفرك يديها قبل أن تتمالك خوفها من غضبه وتدلف غرفة مكتبه تترجاه أن يعفو عنها، فهي لم تفهم شيئاً من حديثه عن هذا الرجل الذي تُريد الذهاب إليه
وجدته واقف أمام الشرفة يُطالع الحديقة، يزفر أنفاسه بزفرات مسموعه
– يا بني أنت لومتني لما ظنيت فيها السوء، البت غلبانه واغلب من الغلب ولا بتروح في حته ولا بتكلم حد..، ديه يا حبة عيني عايزه تشيل همها وعبأها من عليك فحبت تعمل مشروع من علي التليفون تقدم وصفات عن الطبخ
حاولت تذكر اسم التطبيق، ولكن عقلها لم يسعفها، لتدلك جبهتها لعلها تتذكر متمتمه
– كانت جايه تستأذنك تسمح ليها تنفذ مشروعها في المطبخ ..، وكانت يا حبة عيني محرجة منك.. وأنا اللي شجعتها, قولتلها جسار بيه قلبه طيب
واردفت متحسرة، دون أن تنتبه لالتفافه نحوها وتقدمه منها
– بس انا الغلطانه.. شيفاك مضايق.. ليه افتح معاك الموضوع
توقفت عن الكلام وهي تراه يغادر الغرفة دون حديث، وكأنه لا يهتم بحديثها، ولكن الأمل قد عاد إليها وهي تراه يستمع للحارس الذي وقف قبالته بأنفاس لاهثة يُخبره عن سيرها في الطريق وحيدة بحالة مزرية.
………..
شعر بالتهكم من حاله وحالها، وهو يسمعها تخبره بأن لقائتهم لابد أن تقل هذه الأيام، حتى لا ينتبه أحداً على علاقتهما.
كانت منذ لحظات غارقة معه في بحر اللذة ..، ولكن وقت ان انتهى لقائهم فوق الفراش الذي أصبح وحده هو طريق قربهم وتعريها من مظهر تلك المرأة التي دفنت نفسها داخلها
ابتعد عنها وقد جمده طلبها، يدَّس سيجارته بين شفتيه حانقاً من تلك القواعد التي تضعها في علاقتهما
– جوازنا ومش عايزه تعلني عنه، وسكت وقولت مش مهم دلوقتي.. لحد ما نمهد الموضوع .. ،و دلوقتي تقوليلي بلاش نتقابل الفترة ديه.. طبعا خديجة هانم النجار مظهرها مهم قدام الناس
– أمير حاول تفهمني
اقتربت منه وقد بات القلق يعرف طريقه نحو حياتها
– جوازنا غلط يا أمير، وأنت عارف ده كويس
احتدت عيناه، فعن اي خطأ تتحدث عنه.. وهي التي وحدها من اتأخد طريق الحلال معها، ولكنه كان يعلم أول اسباب هذا الخطأ فور أن اطرقت رأسها أرضاً وكأنها تشعر بالخزي من حديثها
– الناس هتشاور وتقول اتجوزت مجرد عيل بالنسبه ليها، ديه مش سنه ولا اتنين ولا تلاته.. ده عمر
وهل يخجل هو من ذكر ذلك الفارق بينهم، فلو خجلت لن يخجل هو.. فهو من سعى وركض خلفها ليتزوجها.. ، اجتذبها نحوه يُخرصها بجنون مشاعره.. يُخبرها بتوقه الشديد إليها إنه لا يرى فارق العمر بينهم عائق
– قرارنا كان غلط، غلط
هتفت بضعف، بعدما عاد وأثبت لها إنها بحاجة إليه..، بحاجة لتلك المشاعر التي يقدمها لها
– ابن اخوكي اتجوز شهيرة الأسيوطي وفرق بينهم عمر برضوه وخلف منها، مافيش حاجة بتكون غلط يا خديجة ما دام في الحلال..، أنتِ اللي عايزة تشوفي علاقتنا غلط
– المجتمع والناس
– عمر ما حد فرق معايا.. ،طول عمري بعمل اللي أنا عايزه
وبثقل كانت تخرج الكلمات من بين شفتيها
– إحنا مجرد نزوة في حياة بعض يا أمير، أفهم بقى
تركها تهذي بكلمات عدة، جعلها تتنبأ مستقبلهما وعن نهاية علاقتهما، أصاب الجمود ملامحه، فهو لا يراها نزوة ولو كان ظن في البداية هذا الأمر لكن بعدما عرف هوية مشاعره نحوها..،تأكد أن زواجهم ابعد عن أن يكون نزوة
– لو ده تصورك عن علاقتنا، فأنا مش شايفك نزوة يا خديجة..
– افهم بقى، أنت ليه عايز تصعب الموضوع.. أحنا لازم ننفصل.. أنا مش هنفع اكمل في علاقة نهايتها فشل
تركها وكأنه لم يستمع لحديثها، التقط سترته وسار نحو الخارج..فقد اعتاد على تقلباتها وهو رجلاً صبوراً للغاية.
……….
انسابت دموعها وهي تمسح فوق فرو القطة التي أخذت تحوم حولها..، فالقطه على ما يبدو جائعة ولكنها لا تملك شيئاً تُعطيه لها..
– معيش حاجة ادهالك، لا عندي مكان اخدك فيه ولا معايا اكل ادهولك.. أنا زيك بالظبط رموني صحاب البيت لأن مكاني هو الشارع
خرج مواء القطه، وانكمشت بجسدها قربها وقد فهمت سبب اقترابها منها، فلم تكن تريد طعام بل أرادت الدفئ
– أنا كمان زيك بردانه، ومش عارفه هروح فين ولا اعمل إيه
وبخوف أخذت تلتف حولها، فقدت أشتدت الظلمة في المكان وعمَّ السكون الذي يبث الخوف وارتفعت أصوات الرياح ولم يعد يسير أحداً بالطريق
استندت على السياج التي تحيط أحد المنازل، التي يبدو أن اصحابها لا يسكنون بها..، واغمضت عيناها تحلم بدفئ الفراش ويد والدها تمسح فوق ظهرها يطمئنها أن كل شئ سيكون بخير
توقفت سيارة ” عنتر” الذي قرر أن يمر من هذا الطريق الليلة، وكأن شئ داخله حركه لهنا.. بعدما غادر المشفي بوجه مكدوم، متوعداً لجسار.. ، حدق دون تصديق بذلك الجسد الذي يعرف تماماً صاحبته.. غير مصدقاً أن حدسه قد صدق وألقى بها السيد المغرور بعدما ضغط على أكثر الأمور التي يهتم بها.. ، سمعته
علقت عيناه بها، ولأول مرة منذ تلك الليلة التي توفت فيها والدته.. يشعر بتلك الرجفة وذلك الشعور.. إنه الذنب،
الذنب الذي أسره لسنوات بسبب وفاة والدته.. ، يوم أن لفظت أنفاسها الأخيرة بعدما استمعت لخبر اعتقاله لعام بعد أن طعن أحد زملائه بسبب مشاجره.
اغمض عينيه والذنب يخترق كيانه، فقد طردها ذلك الأرعن في منتصف الليل..
ارتفعت وتيرة أنفاسه .. مقرراً داخل نفسه إنه سيحميها حتى من نفسه،
ولكنه عاد لمقعده يقبض فوق عجلة القيادة بقوة وعيناه عالقة بترقب ، بجسار الذي وقف بسيارته قربها
– اركبي يا بسمه
ولكن الصمت وحده ما كان يتلقاه منها، ضمت القطه بشدة إليها تشيح عيناها بعيداً عنه.. ،وصدى صوته وهو يُلقي بها خارجاً دون ذنب اقترفته يتردد داخلها
– قولت اركبي
احتقنت ملامحها وهي تراه يقبض فوق ذراعها؛ فاحتدت عينين عنتر بشدة وهو يُطالع المشهد.. ، ولكنه أراد الانتظار حتى يعلم هل ستعود معه ام سيكون لها قراراً أخر
– ابعد ايدك عني
تعالا صراخها وهي تدفع يده عنها، تسير مبتعده ، ولكنه وقف يصرخ بها
– هتروحي فين، قوليلي هتروحي فين.. لو عايزه تروحيله أنا هوديكي ليه
توقفت مكانها، فقد عاد لنفس هذيانه.. يخبرها بنفس الكلمات..، فهل يتهمها بشرفها بعدما طردها..، لم تشعر بحالها إلا وهي تندفع صوبه تدفعه بكل قوتها
– إلا شرفي، اوعاك تفكر إني ضعيفه.. الحوجة هي اللي اجبرتني اعيش عند واحد زيك
تمالك توازنه ، من أثر دفعتها التي لم يكن يتوقعها..، وبقوة عادت إليه تدفعه مجدداً، تغرز اظافرها في وجهه
– أنا عندي الشارع اهون من أني اعيش تاني عند واحد زيك، واحد ميعرفش يعني إيه رحمه..
وبصعوبة حاول تفادي هجماتها، يقبض فوق كفيها ويكمم فمها بعدما رأي أحدى الشرفات تفتح..
ألقاها داخل سيارته، وقد تجمدت عينين عنتر بالمشهد وقبل أن يستوعب فعلته, كان يتحرك بسيارته مبتعداً بها عن المنطقة
عرفت يديها طريقها نحو كل أنش بوجهه، فقسوته ولدت داخلها كل مشاعر الغضب نحوه.. ،بعدما كانت تحب أن تظهر له بمظهر الفتاه الضعيفة التي بحاجة لحمايته ولكنها كانت حمقاء فلم تجني إلا الذل والهوان
– وقف العربيه ديه، بدل ما اصرخ واقول أنك خطفني
– ابعدي ايدك يا مجنونه، هنعمل حادثه
لم تهدأ إلا عندما توقف بالسيارة جانب الطريق، يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن كل ما أصبح يعيشه بسببها
حاولت فتح باب السيارة ولكن أبواب السيارة كانت مغلقة..
– افتح الباب
طرقت زجاج السيارة بيأس، حتى تورمت يداها.. فارتخت اهدابها ،تنظر نحو يديها وقد وضعتهم داخل حجرها بأعياء
– نزلني يا بيه، نزلني اشوف طريقي وحياتي..، كفايه لحد كده ذل..
اغمض عينيه بقوة، وقد احتله الذنب، فلم يعد يعرف لما احتله الغضب عندما علم برغبتها في الرحيل وبدء حياة جديدة ..، ليس لديه الجواب ولن يفكر بالسبب
– هتروحي فين
– ارض الله واسعه
قبض فوق عجلة القيادة بقوة وفتح عيناه يُطالعها كيف انكمشت على حالها..، تطالع الطريق أمامها بملامح جامده ودموع قد جفت
– ارض الله اه واسعه يا بسمه، بس الوحوش فيها كتير.. أنتِ مدركة كام بنت نهشتها كلاب السكك او مشيت في طريق الدعارة
لم تكن تنتظر منه أن تعلم عن حقيقة المصير الذي ينتظرها
– نصيب ومكتوب يا بيه، وخلاص معدتش فارقة
احتدت ملامحه، وهو يستمع لجوابها، وقد عاد الغضب يحتله يقبض فوق ذراعيها بقوة، و يحركها بعنف
– هربتِ من أخوكِ عشان تنقذي نفسك من مصير ملهوش راجعة، وكنتِ هتدخلي السجن عشان تدافعي عن شرفك.. عملتي كل ده وجايه دلوقتي تقوليلي نصيب ومكتوب
– كفايه، كفايه حرام عليك
عادت الدموع تشق طريقها نحو خديها
– قوليلي هتروحي فين
وبجنون كان يعيد سؤاله ثانية، كان حانق، غاضب والسبب لا يعرفه، فهو يعلم إنها ليست على علاقة بعنتر بل إنها تخافه كلما رأته وتذكرت تلك الليلة التي حاول فيها الأعتداء عليها
– هروح للشارع، معنديش مكان غيره.. أو ارجع لفتحي.. يموتني، يضربي.. يشغلني خدامه، يشغلني في الكباريه خلاص مبقتش تفرق يا بيه.. مصيري وبقيت عارفاه
كانت يداه مازالت تقبض فوق ذراعيها ، وقد ازدادت عيناه قتامة
– وحلمك في دخول الجامعه، حلمك أنك تخرجي من المستنقع اللي كنت عايشه فيه كل ده راح فين
وبمرارة اجابته، تستعجب سؤاله
– امرك عجيب يا بيه، رمتني في الشارع اللي انا جايه منه.. وجاي تسألني عن أحلامي
ارتخت قبضتيه فوق ذراعيها ، وقد ألجمه حديثها.. ، فلم تخطأ في حديثها.. ،فأمره قد أصبح عجيبًا ولم يعد يفهم حاله
– عنتر مش هيسيبك في حالك، ولا فتحي اخوكي
ساد الصمت بينهم للحظات، فاغمض عيناه يُخبرها بعرض عنتر
– عنتر طلب ايدك مني
والجواب الذي لم يتوقعه كان يقع كالصاعقة على مسمعه
– وأنا موافقه على طلبه يا بيه
…….
استيقظت من غفوتها بأنفاس لاهثة، تضع بيدها فوق قلبها.. تطبق فوق جفنيها بقوه لعلها تستيقظ من كابوسها
انتفض رسلان من جوارها يفتح إنارة الغرفه، يضمها إليه بفزع وهو يستمع لاضطراب أنفاسها
– اخدوا مني يا رسلان، ملحقتش اشيله بين ايديا
لم يكن يفهم شئ، من حديثها… فمسح فوق وجهها برفق يمدّ لها يده بكأس الماء
– استعيذي بالله من الشيطان يا حببتي، واشربي مية
التقطت منه كأس الماء، ترتشف منه بأنفاس مازالت لا تستطيع التقاطها
– كأنه كان حقيقه يا رسلان ..
– اهدي يا ملك، ده كابوس يا حببتي
دمعت عيناها، وهي تتذكر الدماء التي أنساب بين ساقيها، بعدما اختطف الكلب الطفله الرضيعة التي لم تسمع إلا بكائها
– بنتنا يا رسلان، بنتنا
– يا حببتي ده عقلك الباطن، بسبب الفيلم اللي اتفرجنا عليه.. أنا أصلا مش عارف ازاي طاوعتك ودخلنا السينما نتفرج على فيلم كله دم
– مش عايزاه يتحقق يا رسلان، أنا عايزه اكون أم
ابتسم وهو يطوقها بكلا ذراعيه، يدفن رأسه بعنقها…يتمتم بعبث لعله يُلهيها قليلاً
– وأنتِ شاكة في قدرات جوزك يا ملك هانم
التفت برأسها إليه وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، ليتأمل ملامحها الفاتنة الخجلة
– هكون اسعد راجل في الدنيا، لما أشيل ولادنا يا ملك
– هنحبهم كلهم زي بعض، مش هنفرق بين حد فيهم.. مش كده يا رسلان
ضمها بقوة إليه وهو يستمع لحديثها يطمئنها إنها لن تكون ك ناهد ولن يكون ك عبدالله
– اوعي للحظه تشوفي نفسك فيها، عمرك ما هتكوني زيها يا ملك
أرادت الحديث عن كابوسها ومخاوفها، ولكنه لم يسمح لها تلك الليلة بالمزيد من الأحاديث.. فهذه الليلة اخر ليلة لهم هنا في هذا الفندق
اغمضت عينيها تلك بالمرة بشعور مختلف، تشعر بشفتيه فوق جبينها يهمس لها بوعد
– مش هضيع أي لحظة سعادة تانيه من ايدينا
……..
وقفت حانقة أمامه، بعدما علمت أن خروجها من المنزل اليوم أيضاً ممنوعاً
– لو ما امرتش رجالتك إنهم يفتحوا البوابه، هتشوف مني تصرف مجنون
ارتسم العبث فوق ملامحه، وهو يستمع لتهديدها وقد أعجبه روح التحدي وجنونها الذي أصبح يحتل جدول صباحه
– مش تقولي صباح الخير الأول، وتحاولي تكوني زوجة مطيعه وبعدين تدي أوامرك اللي مش هتتنفذ
احتدت عيناها وهي تستمع لنبرته الباردة، فمن هذا الرجل الذي أصبح أمامها في الأوان الأخيرة
– هخرج ولا اتصل بالبوليس يا كاظم
وببساطة كان يقترب منها يسألها، وقد أصبحت المسافه بينهم منعدمه
– ولما هتتصلي هتقوليلهم إيه، جوزي مش راضي يطلعني من البيت
– مش جوزي، إحنا في حكم المنفصلين
وبانفعال كانت تبتعد عنه، تدور حول نفسها حانقة من حالها لأنها عادت معه تلك الليلة
– مش عايزة اعيش معاك، سيبني في حالي بقى
والعرض كان يقدمه لها مجدداً، يقدمه لها بمدة محدوده وامتيازات ستتمتع بها
– سنه مقابل نصيبك في الأرض هتاخدي بسعر النهاردة ، وظيفه في شركتي..، كل الناس هتعرف بجوازنا..مش المقربين بس.. هتظهري معايا زي أي زوج و زوجة
لم تشعر بحالها، إلا وهي تضحك بقوة.. فما الذي تغير ليعطيها تلك الأمتيازات التي حرمها منها من قبل
– كاظم باشا بيقدم عروض من غير مقابل..، لا مش معقول
وسرعان ما كان الجمود يحتل ملامحها، تتفرس ملامحه الجامده
– المقابل إيه يا كاظم باشا
وبنبرة باردة كالصعيق، كان يهمس بالجواب قرب أذنها
– المقابل، هو المتعة يا جنات
تجمدت جميع حواسها وهي تستمع لعبارته ، التي اهانتها… ، وما دام أراد هو اللعب تلك المرة ستلعب معه حتى تفهم سبب إصراره على بقائها قربه
– موافقة
……….
وقفت السيارة التي خصصها لها لتنقلها، وعلى وجهها ملامح السعاده والذهول، وهي تنظر لضخامة الشركة التي يديرها زوجها من خلف زجاج السيارة
– وصلنا يا هانم
اختفي الذهول والأنبهار عن ملامحها، لتسأله بقلق
– هو مكتب سليم في أنهى دور يا عم رفعت
ابتسم الرجل بطيبة وهو يلتف إليها
– في الدور الخامس، اول ما هيعرفوا انك المدام متقلقيش هيرحبوا بيكِ
– وافرض ما صدقونيش
ضحك الرجل على حديثها الذي رأه طريفاً، ف تمتمت راجية تخبره إنها لا تُحب الدلوف للأماكن الضخمة التي تضم الكثير من الناس بمفردها
– اكيد أنت معروف في الشركة يا عم رفعت، تعالا معايا
رمقها الرجل الذي يقارب والدها بالعمر بنظرة حانية..، لا يصدق أن هذه المرأة الصغيره، زوجة سيده الذي عرف بأقتنائه لأكثر النساء قوة وجراءة
– أنتِ لو كلمتي سليم بيه، هتلاقي بنفسه بيستقبلك
كانت متأكده،من هذا الشئ… ولكنها أرادت أن تفاجأه بوجودها..
رافقها العم رفعت، الذي كان بالفعل معروفًا بالشركة حتى وصلت مكتبه
رفعت سكرتيرته الحسناء ، المختارة بعناية عينيها.. تنظر إلى العم رفعت وتلك التي تقف جواره وقبل أن تهتف بشئ، كان رفعت يتمتم وهو يشير نحوها
– فتون هانم مرات سليم بيه
نهضت على الفور مرحبة بها بلباقة، فازداد شعور فتون بالزهو.. وانتظرت اللحظة التي ستنفرد بها معه.. حتى تخبره عن لحظات الغرور التي اصابتها كلما نظر لها احد باحترام وهو يستمع إنه زوجة سيدهم
– اهلا يا فندم، هبلغه فورا بوجودك..
– لا، لا انا عايزه ادخله من غير ما تبلغيه… هو ينفع ولا مش فاضي
طالعتها الواقفة في دهشة من سؤالها..، ف شهيرة هانم لا تنتظر جوابها..، بل تدلف دون أن تهتم برفقته لأحد..، اماءت برأسها نافيه..ولكن سرعان ما تذكرت وجود من ترافقه
– شهيرة هانم معاه في المكتب يا فندم
توقفت مكانها، وهي تستمع لاسم شهيرة، استمرت في تقدمها نحو باب الغرفة تشجع حالها..
فتحت الباب، وقد جمدها المشهد وهي ترى شهيرة قريبة منه للغاية، هائمه به تكاد تكون بين احضانه

