خيوط العنكبوت 4

الفصل الثالث والعشرون

لاول مرة منذ عدة أسابيع تنام قريرة العينين دون أن يعكر صفوها الكاوبيس المزعجة، غط بنوم عميق وهادئ فلم تغمض لها جفن منذ عدة أيام فقد كانت تخشى النوم وظلمة الليل وتكره حلول الظلام ولكن اليوم شعرت بالسكينة تسري بأوصالها .
رأت نفسها تقذف كالاطفال داخل حديقة خضراء وهي ترتدي ثياب بيضاء وحجاب ابيض أيضاً وتدور حول نفسها بسعادة غامرة وصوت ضحكتها تجلجل بالمكان
فتحت عيناها على صوت المؤذن ينشد التواشيح بعد صلاة الفجر، نهضت من فراشها والإبتسامة لازالت تنير وجـ هها ،همت بمغادرة الغرفة وتوجهت إلى المرحاض لتتوضى لصلاة الفجر وتقرا سورة البقرة كما نصحها الشيخ عبدالله بالمواضبة على قراءتها يوميًا ..
❈-❈-❈
أما على الجهة الأخرى بڤيلا السعدني..
ظلت نور بغرفتها ولم تعطى أسر ردًا فيما قررته من أجل حياتهم الزو جية ،كل ما يشغلها الان هو الانتقام والخلاص من سليم الذي قـ تل جدها وأسر الذي تخلى عنها وتز وج من غيرها ،تريد الثأر لكرامتها فقد هُدرت كرامتها بذلك المنزل وعليها الآن أخذ حقها من كل من أذاها ..

وميلانا أيضا شاردة بحياتها، تشعر بالضيق بسبب الوضع التى هي به الآن
هي حقًا تكن مشاعر صادقة لأسر ولم تريد الابتعاد عنه، ولكنها تشعر بالذنب وتأنيب الضمير بسبب زو جته الأولى فهي الان تحمل طفلاً منه وإذا لم تكن موجودة بحياته الآن فكانت عادت حياتهم كالسابق وهذا الطفل سيقربهما من بعضهما مرة أخرى..
أنسابت دموعها عجزًا على اتخاذ القرار

أما عن أسر فقد جفاه النوم وكان يدور بغرفة القديمة قبل زو اجه من نور ؛ يزرعها ذهاباً وإياباً كالاسد الجريح ، داخله ثورة مشتعلة من الغضب ، وبعدما غلبه الإرهاق جلس أرضا وضم قدميه لصـ دره ينظر للفراغ وأصوات أنفاسه تحرق بداخله كأنها جمرات مشتعلة، لم يريد ابقاء نور بمكان واحد هو فيه، بعدما جرحت كرامته كرجل ورفضت الانجاب منه بحجة مرضه وهو لم يعد متقبلها بحياته مرة أخرى ، فهي من كسرت قلبه
وتحملها كثيراً لانه احبها بصدق ولم يجد منها تبادل لمشاعره ، على مدار العام كان يشعر منها بالنفور حتى بعلاقاتهم الخاصة، كان دائما يتسأل بينه وبين نفسه لماذا إذا قبلت بتلك الزيـ جة وهي لا تُحبه مثلما هو يُحبها
وإلى تلك اللحظة لم يجد بعينيها نظرة حب أو غيرة بسبب ما فعله، وجدها مثارة وغاضبة فقط من أجل كرامتها ونست تماماً أمر الطفل التي تحمله وشعر بأنها لم تتقبله .
نكث رأسه وهطلت دموعه دون توقف وظل يكظم غضبة داخله إلى أن خدر جـ سده وأسبلت عيناه وهاجمته نوبة حادة صرعيه وظل جـ سده ينتفض أرضاً

في ذلك الوقت غادرت ميلانا غرفتها وقررت أن تذهب لغرفة أسر تحاول التحدث معه وأقناعه بأن يتقبل عودتها ويحافظ هو على حياته مع نور من أحل طفلهم القادم .
طرقت الباب ودلفت بتوجس تبحث عنه صرخت بلهفة منادية بإسمه وركضت إليه بهلع تحاول أن تساعده على تخطي تلك النوبة ، احتـ ضنته بقوة وأنسابت دموعها هي أيضا وهمست بإذنه:
أسر حبيبي عم تسمعني ، أني هون جنبك ما راح أتركك يا عمري
لم يجد راحته إلا بين يـ دي تلك البريئة التي تعشقه دون قيود ولن تنتظر منه مقابل لذلك العشق ..
هذا هو الحب الحقيقي الذي يعطيك الامان ويغدق عليك بحنانه ، مشاعره تحتويك وحتى إذا كنت غافلاً فقلبك يشعر به ويطلب المزيد من ذاك الاحتواء، المشاعر الصادقة، اللحظات الجميلة التي تشعركما بالوجود في تلك الحياة..
كانه يصارع الموت ولكن ليس وحده ، يـ دها تتشبث بيـ ده ، حضـ نها يرفض أبتعاده ، عيناها تصرخ باحتيـ اجه تذرف الدموع خوفًا من فقدانه، هو امانها، سندها، بطلها وزو جها، هو كل عائلتها لم يتبقى من الدنيا سواه ولا تريد إلا إياه ، تمـ سكت به بكل ما اوتيت من قوة أقسمت على إلا يتفرقًا فهو بحاجتها ولن تبتعد عنه مهما حدث..
أستكان جـ سده بعد دقيقتين فقد كانت نوبة صراعية مميته ، يواجه الموت بعينه في كل نوبة تهاجمه ولكن وجودها جانبه وتمـ سكها به تجعله ينسى معاناته ويظل صامداً من أجلها ، نظر لها بعينين مغرقة بالدموع يطلب منها الارتواء فهو بأمس الحاجة لمشاعرها، هي وحدها قادره على أن تنسيه الألم.
دنت منها تمطره بقـ بلات متفرقة على صفيحة وجـ هه وهو أيضا يبادلها تلك المشاعر بجموح ، يطلب منها المزيد .
وبعد لحظات ابتعد عنها تذكر وعده له بإقامة الزفاف أولا ، أبتسم لها بحب وهمس بنبرة عاشق :
– هعملك أكبر عروس وهنجهز فيه من دلوقتي
قررت أن تتخلى عن حلمها من أجله ولكن رفض أسر وأصر على أقامة حفل زفاف وارتداها ثوب زفاف يليق بها ..
وسيفاتح شقيقه فيما هو نوى عليه ،وبالفعل ترك الغرفة وقرر الذهاب الى غرفة شقيقه بعدما نظر لساعته وعلمًا بأنها تجاوزت الساعة الثامنة ولابد وان شقيقه مستيقظًا الآن ..

❈-❈-❈
بالمنصورة ..
أنتهت حياة من تلاوتها للقرآن الكريم الذي يشعرها الطمئنينة والراحة النفسية ، كما أنها عادة حياة النشيطة وتركت الكسل والوهن وقررت أن تتوجه للمطبخ تعد طعام الإفطار بنفسها..

عندما أستيقظت والدتها توجهت أولا لغرفة ابنتها لكي تطمئن عليها ولكن تفاجئت بفراشها خالي، دب الرعب أوصالها وغادرت الغرفة بلهفة وقلق تهتف باسمها، ولكن ابتسمت بسعادة وهي تجدها أمامها تضع الصحون على مائدة الطعام وتهتف بصوت مجلجل :
– صباح الخير يا دودو
أسرعت إليها بخطوات واسعة تلتقفها داخل أحضـ انها وتشبثت بها بقوة منما جعل حياة تمزح معها قائلة:
– بشوش عليه يا دودو ، هتفرمي عضمي
ابتعدت عنها بضحكة واسعة ثم عادت تضـ مها ثانياً ودموعها تنساب فرحًا من أجلها
كان يقف يتطلع لهما بحنان ولسانه يذكر الله ويردد الحمدلله دائما وأبدا ، الحمدلله على بلاءه وعطاءه ، الحمدلله في كل وقت وحين.
عندما لمـ حت والدها ابتعدت عن احضـ ان والدتها وركضت إلى والدها الحبيب ترتوي منه عطش الاحتياج إليه، هو بئر امانها ومنبع حنانها، هو حبها الاول والاخير ، عشقها الابدي الذي لا يتبدل
ظل فاروق يربت على ظهـ رها بحنان ويهمس بجانب أذنها يردد الحمد لله والثناء على رسول الله ، فلم يصدق بأن ابنته بين احضـ انه بعدما كانت تصارع الموت البطيء
ابتعد عنها قبل أن تذرف دموعه وهتف لها بصوت حاني:
– عاملة ايه يا روح قلب ابوكي
ربتت على وجـ نته بكفها وقالت بهمس:
– الحمدلله في أفضل حال يا ابو حياة
أتت سناء وهي تتطلع لهم بحب وسعادة من أجل سلامة حياة ثم هتفت قائلة:
– يسعد صباحكم يارب وينور قلوبكم بطاعة الرحمن
ركضت حياة إليها تلتقط كفيها وتقـ بلهما وتنظر لها معتذرة:
– عمتو تعبتك جدا معايا ، ماتحرمش منك يا أجمل واطيب قلب عرفته
فردت لها سناء ذراعيها لتستقبلها باحض-ا نها وقالت:
– أنا جدتك وانتي حتة مني بنت الغالية بنت أخويا، وتعبك كان تعبي يا روح ستك ثم زفرت بهدوء وقالت:
– ننسى كل اللي حصل ونفكر في دلوقتي وبس
هتف فاروق مؤيدًا لكلمات الجدة سناء ولكن زفرت دلال بضيق فهي تتعود لبثينة سلفتها على ما فعلته لابنتها ومُ صرة على تلقينها درسًا لن ينسى..

التفت العائلة بسعادة حول مائدة الطعام وقرر فاروق أن يصطحب حياة بعد الفطار ليذهب إلى أستخراج جوازات السفر خاصتهم ثم الذهاب لشركة خاصة برحلات العمرة والتقديم على عمرة هو وابنته كما نصحه الشيخ عبدالله..

أما عن الوضع بڤيلا السعدني.
بعدما أستمع سليم للحديث الذي دار بينه هو وشقيقه قرر هو الآخر أن يتز وج من حياة في ذلك اليوم وأخبر صديقه عن نية الارتباط بفتاة قريبة لسراج وتعمل لديه بالشركة وفرح أسر لأجله وطلب منه أن يلتقي بها ، أخبره سليم بأنهم سيذهبون جميعاً إلى منزلها بالمنصورة وطلب يـ دها وانهاء الزواج سريعًا لكي تسافر معه لندن وإجراء العملية الخاصة به.
وبعد ذلك الحديث الذي طال بينهما لأكثر من ساعة ، أتت إليهما الخادمة تخبرهم بتناول طعام الإفطار وان والدتهم تنتظرهم..
غادر أسر غرفة شقيقه وذهب إلى غرفته ليصطحب ميلانا معه إلى الأسفل ، بينما استقل سليم المصعد الكهربائي ليهبط به إلى الأسفل
وتوجها إلى غرفة الطعام، أقترب من والدته يـ قبل يـ دها وهو يقول:
– صباح الخير يا ست الكل
ابتسمت بحنو وهي ترد:
– يسعد صباحك يا حبيبي
ات أسر في ذلك الوقت وهو محتـ ضن بكف ميلانا ودنا من والدته طبع قـ بلة على جبينها وأخره على كف يـ دها:
– صباح الخير على روح قلبي
– صباح الخير يا حبيبي
طبعة ميلانا قـ بلة رقيقة على وجنتها ثم قالت مبتسمة:
-صباح الخير إمي
دق قلبها بصخب عندما هتفت ميلانا بتلك الكلمة وتلاقت أعينهم همست ميلانا على استحياء قائلة:
– إذا بتسمحي لي أقولك إمي
أشفقت خديجة عليها وترقرقت الدموع في محجرها ، ما كان منها إلا أن تنهض عن مقعدها وتفرد لها ذراعيها تريد أن تضـ مها لصـ درها وتشعرها حقًا بأنها والدتها
ارتمت ميلانا بأحضـ ان تلك السيدة الحنونة وهمست لها خديجة قائلة بود:
– طبعا يا حبيبتي أعتبريني والدتك وانتي هنا وسط عيلتك

رمقتهما نور من اعلى الدرج وتصاعد الغضب داخلها وهبطت الدرج مسرعة لتشاهد ذلك العرض المسرحي..
وقفت تنظر لهما بضيق ثم خرج صوتها حادًا:
– صباح الخير
رمقها سليم بنظرات غاضبة، أم أسر فلا يعنيه وجودها وهمست خديجة قائلا:
– صباح الورد يا حبيبتي ، تعالي عشان تفطري
جلست على مضض بجانب خديجة فقد كان سليم يتريس المائدة وبجانبه يجلس أسر على يمينه وميلانا بالمقعد المجاور لأسر ومن جهة اليسار جلست خديجة وهي بجانبها .
وبدء الجميع في تناول الطعام أما عن نور فأرادة أن تعكر صفو تلك اللحظة السعيدة بالنسبة إليهما.
نظرت إلى أسر قائلة:
– أسر من فضلك عاوزة أروح لدكتور أطمن على البيبي
رفع عيناه ينظر لها بدهشة فلم يصدق ما قالته ولاحت شبه ابتسامة جانبية وقال:
– أنا تعبان ممكن تستني لبكرة
لوت ثغرها بضجر وهتفت بصوت غاضب :
– يعني مش مهتم بابنك ولا عاوز تطمن عليه ، مش هو ده اللي كنت بتترجاني عشان نخلف ، أيه اللي حصل ولا الست هانم هتغيرك حتى على ابنك من دلوقتي امال لم يجي الدنيا هتعمل فيه ايه
هتفت خديجة قائلة:
– أهدي يا بنتي مش كده، هو قصده
قاطعها أسر بحدة:
– ماما بعد اذنك أنا خلاص رديت عليها ، انا فعلا تعبان ونأجل الدكتور لبكرة أو يوم تاني ، ثم نهض عن مقعده وقال وهو ينظر لنور بغضب:
– ومش هسمحلك تتجاوزي حدودك معايا،ولازم تعرفي علاقتي بابني ده هيكون خاص بيني انا وهو
ثم نظر لميلانا قائلا:
– أنا نازل الشركة مع سليم
هتف سليم من خلفه قائلا:
– لا بقولك ايه اسبقني أنت على الشركة وانا محتاج ميلانا معايا في كام مشوار الاول ثم أرسل غمزة لشقيقه ففهم الاخير تلميحاته
همس سليم باذن ميلانا قائلا:
– ممكن تساعدي اخوكي الكبير لأن محتاج اخد رأيك في حاجات كتير
نظرت لأسر الذي أوما برأسه دليلا على موافقته فعادت تنظر لسليم قائلة بحماس:
– أيه فيني
اشطات نور غاضبة ونهضت عن مقعدها وتركت المكان وعادت إلى غرفتها تتطلع للحديقة من شرفة غرفتها وعيناها ترمقهم بنظرات مشتعلة من الحقد والغضب ..

اصطحبها سليم في جولة بين متجرات المجوهرات يريدها أن تنتقي هدية لحياة وتنتقي أيضا شبكتها ، ثم ذهبوا بعد ذلك إلى متجر ملابس وأخبرها بمواصفات حياة وأنها ترتدي الحجاب لكي تساعده في انتقاء ملابس خاصة بها،
كانت ميلانا سعيدة بذلك الود الذي يحدثها به سليم وحقا شعرت بأنه شقيقها، أراد أن يخرجها من الحزن ويشعرها بأنها من عائلته كما تشاركه أيضا الذؤق في انتقاء اشياء خاصة بزو جته ولمست الجانب الإنساني لديه ، غمرتها السعادة من أجله فهو من حقه أن يكمل حياته ويتز. وج رغم عجزه فهو بحاجة لفتاه تأخذ بيـ ده
انتهى اليوم باختيار قاعة خاصة من أجل يوم الزفاف المحدد بعد أسبوع من الآن …
❈-❈-❈
وفي الشركة جلس أسر مع سراج يقص عليه الوضع الذي هو فيه وبعدما استمع له سراج بانصات
افلتت ضحكته الصاخبة لوضع أسر المضحك من وجـ هة نظره وليس مُحزن كما يظن أسر
شعر أسر بسخريته وسخافته وهم بأن يغادر مكتبه غاضبًا من أسلوب صديقه، لكنه استوقفه سراج قائلا:
– استنى يا أسر والله ماقصدي حاجة ، أقعد بس ما تقفش أوي كده
جلس الاخير على مضض
هتف سراج بجدية:
– طيب وانت منكد على نفسك ليه بس ، عندك بدل الزو جة اتنين ، المصرية والسورية يا عم عيش وفكك من الهم، دة انت محظوظ
فرغ فاة وردد:
– محظوظ
– أه طبعا محظوظ عشان لم واحدة تنكد عليك تسبها وتروح التانيه ، دة انت هتعيش هارون الرشيد ، هتبقى السلطان وهم يتخانقوا عليك
أنهى كلماته بضحكة مجلجله
نهض أسر عن مقعده ونظر له بغيظ وقال وهو يهم بمغادرة الغرفة:
– تصدق أن غلطان أن جبتلك أصلا ولا قاعد بحكي معاك عن حياتي ، أنت ولا صاحبي ولا اعرفك
ثم صفع باب مكتبه بقوة وظل سراج يضحك باعلى طبقات صوته ويردد :
– هعمل ايه مش قادر أمـ سك نفسي من الضحك، انا متخيل المنظر والاتنين بيتخانقوا عليك هتقضي الليلة عند مين يا عمدة هههه

أخرجه من نوبة الضحك الهستيري رنين هاتفه باتصال من سليم ، استرد أنفاسه ثم اجابه بهدوء؛ ليخبره الأخير بأنه يريد الذهاب إلى المنصورة صباح الغد
ولم يخبر أحد فعندما يصلُ إلى هناك سيتفاجئون بزيارتهم الغير متوقعة..

تلك هي الحياة فرص فأن لم تغتنمها فلم تستطيع تعويض ما فاتك من فرص ضائعة..

الفرصة الذهبية التي تبحث عنها توجد بداخلك أنت؛ وليست في البيئة المحيطة بك ولا في ما تتلقاه من الآخرين من مساعدات ولكنها بداخلك.

أوريسون سويت ماردن

❈-❈-❈

الفصل الرابع والعشرون

أحلام وردية منتظرة، كل منهما يشرد بخياله، يغزلون خيوط حريرية ويعزفون الالحان السمفونية على معزوفة العشاق، الجميع سارح بملكوته الخاصة، تعصف بهما الرياح هنا وهناك، تتراقص الأزهار بمهب ريح حملت بطياتها نسيم الصباح العليل؛ تساقطت حبات الندا على أوراقها لتمحو عنها الأتربة والغبار الذي يهاجمها عندما تهب الرياح العاصفة وتفقدها جمالها ورونقها الأخذ للعيون.

هبت نسمات الصباح على شرفتها الصغيرة، منما جعلها تستيقظ بنشاط وتفتح باب شرفتها لتتطلع للخارج على ذلك المنظر البديع ، زقزقت العصافير التي تحلق حول الأشجار وتعزف ألحانها على مسامعها ، رفعت حياة عيناها تتطلع للسماء حيث السماء الصافية وشروق الشمس في الأفق تنثر أشعتها الذهبية تدفء الكون
سحبت شهيقًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وولجت ثانيًا لداخل غرفتها ، ارتدت ملابسها إستعداد للخروج مع والدها بعد تناولهما الافطار ..

بعدما غادرت غرفتها وجدت والديها والجده سناء يتهامسون عن رغبة سناء في العودة إلى منزلها بالقاهرة ودلال تحاول إقناعها بأن تظل لنهاية الأسبوع ، ولكن الجدة مُصرة على العودة.
هتفت حياة وهي تقترب منها ووجـ هها يبتسم بإشراق:
– صباح الخير على الحلوين
ابتسمت لها الجدة وقالت:
– صباح الخير على عيونك يا نوارة البيت ، تعالي يا قلبي احضرينا
أبتسم لها والدها بحب وردد هو ووالدتها بنفس اللحظة:
– صباح الخير يا حياتي
وقفت بينهما ثم دنت من والدها طبعت قـ بلة أعلى وجـ نته وفعلت المثل مع والدتها ؛ ثم اقتربت من الجدة تطبع قـ بلة حانية على رأسها وكفها وهي تقول:
– خير يا ستو أنا ههه
ضحكُ على مزاحها وهتفت الجدة:
– أنا الحمدلله اطمنت عليكي وعاوزة ارجع بيتي ، بس البيت هيكون وحش من غيرك ترجعي معايا عشان شغلي ثم استرسلت حديثها قائلة:
– وانا موصية سراج يشوف شقة تكون جنبا عشان دلال تبقى جنبي وكمان صحة فاروق هتتحسن على جو وهوا مصر ، ده غير مراكز العلاج الطبيعي مالية البلد وكمان أعلى مستوى وخدمة ومابقاش في حجج خلاص البنات خلصت امتحانات
هتف فاروق قائلا:
– والله يا ست الكل حضرتك منورنا وان شاء الله قبل ما نطلع العمرة انا وحياة هنكون مستقرين جنبك في القاهرة عشان اكون مطمن على دلال والبنات ، بس ادعيلنا نخلص ورقنا وربنا يكتبهالنا ويكتبها لحضرتك يارب
رفعت سناء كفيها تدعو ربها بصدق:
– ربنا يكتبهالكم يا بني يا رب ويشفيك ويعافيكي ويطمئن قلبك على حياة يارب

بعد محاولات كثيرة انصاعت الجدة لرغبتهم في الجلوس لعدة أيام أخرى ، وبعد تناول الطعام اصطحب فاروق ابنته بعد أن تحدث هاتفيًا مع سائق أوبر لكي يأتي الي منزلهم ويقلهم إلى مصلحة جوازات السفر ، ثم يقلهم إلى شركة سياحية ليقدمون على اوارق العمرة والذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة..

❈-❈-❈
في ذلك الوقت كان يجلس بغرفة والدته يخبرها بذهابه هو وسراج إلى المنصورة اولا لمقابلة عائلة حياة وسوف يصطحبهما معه المرة القادمة، ولكن هو يريد أن يلتقي بهما أولاً
امطرته بوابل من الدعوات تلاحقه في طريقه وكما تمنت أن تتم تلك
الزيـ جة على خير وتعم السعادة على ابناءها..
ودعه أسر بضيق كان يود أن يذهب معه بذلك اليوم ولكن رفض سليم خوفًا على ميلانا وتركها بالمنزل مع نور ففضل أن يظل شقيقه يتابع عمله بالشركة ويأخذ ميلانا معه لكي تبتعد عن جو المنزل .
ثم غادر سليم الفيلا ليجد سراج في انتظاره، ترجل من السيارة وساعد سليم على الجلوس ثم عاد يجلس بمكانه خلف عجلة القيادة وانطلق في طريقه إلى المنصورة حيث منزل حياة..

بعد مرور ساعتين كان سراج صف سيارته أمام منزل والد حياة
ونظر لصديقه قائلا:
– حمدالله على السلامه يا قبطان ، وصلنا
تطلع سليم حوله لذلك المبنى المكون من طابقين وإمامهم حديقة صغيرة مليئة بالاشجار وقصاري زرع الصبار متصفة على كل جانب ، ساعدة سراج على الترجل من السيارة واجلسه بالمقعد المتحرك خاصته، عندما دلف بها الحديقة سارت قشعريرة شديدة تدب باوصله ، لا يعلم ما هذا الشعور الذي احتاج جـ سده عندما ولج اول خطواته لداخل منزلها.
تنهد بعمق ونفض ذلك الشعور من داخله ولم يكترث لتلك المشاعر
هتف سراج قائلا بأسف:
– هنا بقا للاسف ما فيش اصانسير ثم نظر لسليم بتمعن وابتسم قائلا:
– هشيلك على ضهري واطلع بيك هههه ولا هنعمل ايه
شعر سليم بالضيق وظل صامتًا لدقائق
شعر سراج بأن طريقة بالمزح أحزنته فهتف بصدق:
– سليم اوع تزعل مني أنا قصدي اهزر معاك والله
مـ د له يـ ده وقال بجمود:
– سندني وهطلع السلم معاك
حجظت عين سراج بصدمة وهتف بعدم فهم:
– يعني أيه
– يعني بعمل علاج طبيعي من فترة وفي استجابة للأعصاب وعشان كده ضرورة السفر لندن عشان اعمل العملية وارجع امشي على رجلي زي الاول
تهللت اساريره وقال:
– وأزاي خبر حلو زي ده ما يتقالش
– ماكنتش حابب ادي نفسي أمل كداب وكمان مش عاوز أمي تتعلق بحاجه وتتصدم بعدين ، فضلت السكوت لحد ما اعمل العملية
ربت على ظهره بشدة وقال:
– أن شاء الله هترجع احسن من الأول ، بس خلي عندك يقين وثقة في الله
رمقة لرفعة حاجب وقال:
– شوف مين بيكلمني عن اليقين والثقة بالله
ضحك بخفة وقال وهو يهندم من ياقة قميصه:
– ما يغركش أن هلاس شويا ، شويتين بس انا وقت الجد جد اه هههه

ضحك سليم هو الآخر على كلامه وقرر أن ينهض ويتحامل على صديقه لا يريد أن تنكشف كذبته الآن..
بعدما وصلا الطابق الثاني بصعوبة ،هبط الدرج سريعاً يجلب المقعد المتحرك ثم أراح سليم ثانيا عليه ووقف يسترد أنفاسه ويهندم من ثيابه ثم ضغط زر الجرس

استيقظت فريدة لتو وكانت تتناول طعام الإفطار بنهم ولا تعير والدتها أي اهتمام فقد كانت توبخها كالعادة وتطلب منها مساعدتها في ترتيب المنزل ،وفريدة منشغلة بالطعام
وفجأة صدح رنين جرس المنزل ،رمقتها والدتها بغضب وقالت:
– خلصي البلونه اللي في بؤقك دي وقومي افتحي الباب
نظرت لهيئتها المزرية بسبب شعرها الفوضوي ومنامتها الوردية ثم وضعت القتسوة الخاصة بالمنامة تداري بيها شعرها وتوجهت لفتح الباب
شهقت بصدمة عندما وجدت سراج أمامها بهيئته المهندمة وابتسامته الجذابة، ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت باحراج بسبب مظهرها :
– أنت أية اللي جابك دلوقتي .. قصدي أهلا وسهلا
كركر ضاحكاً على هيئتها ثم نظر بجوار لسليم لكي تفسح له مجال الدخول وهتف قائلا:
– مش لوحدي معايا مستر سليم
افسحت لهم الطريق وهي تحدث نفسها بغيظ:
– ينفع كدة يشوفني بالمنظر ده، أنا عاوزة اعيط والله
عندما لمحتهما الجدة تهللت اساريره وسارت تستقبلهما بحفاوة
أحتـ ضنها سراج وقـ بل راسها ، أما سليم فقـ بل كفها وهي ربتت على كتفه بود وأتت دلال أيضا ترحب بهما ودعتهم للجلوس بغرفة الصالون ، أما فريدة ففرت هاربة إلى غرفتها بسبب ما تعرضت له من موقف محرج أمام ما تتخيله بطلها..
غمرتها السعادة بسبب قدومهم ونهضت دلال مستاذنة لتحضر لهم مشروب الضيافة ، واستغل سليم غيابها أرسل غمزة لسراج لكي يتحدث مع الجدة عن سبب زيارتهما الآن .
دنا سراج من جدته ومال على أذنها قائلا ببسمة هادئة:
– باركي لسليم يا سنسن ناوي يدخل دنيا
نظرت له بفرحة وقالت:
– الكلام ده بجد يا سليم ؟ ربنا يسعدك يارب
أبتسم لها سليم بحب ثم قال:
– واحنا هنا دلوقتي عشان محتاجك معايا يا تيته، الموضوع مش هيتم غير بدعم حضرتك ووقوفك معايا
– انا عنية ليك يا حبيبي
قاطعه سراج وهتف متسألا:
– امال عمي فاروق فين الاول؟
– خرج هو وحياة من يجي اكتر من ساعة كدة
تشجع سليم وأخبرها بالفتاة التي يريد الزو اج منها :
– أنا عاوز أتجـ وز حياة، وحضرتك معايا تقنعي أهلها توافق بيه وان كان على ظروفي وعجزي فأنا قررت اعمل العملية وهكون الزو ج المناسب ليها باذن الله
نظرت له بحب وقالت :
– أنت عارف غلاوتك عندي من غلاوة سراج وانت تشرف يابني أي عيله، أنت لا ناقص ايـ د ولا رجل، وربنا يشفيك يا حبيبي وتقف على رجلك ، دا كله إرادة ربنا يا بني وبلاء ومن صبر على البلاء فله الاجر
أبتسم سليم وقرر أخباره عن رغبته بإتمام الزفاف بعد أسبوع من الآن لانه يريدها أن تسافر معه أثناء إجراء العملية ، ربتت الجدة على أرجله وطمئنته بأنها لن يهدأ لها بال إلا بإتمام تلك الزيـ جة وعليهم انتظار فاروق والتحدث معه ويترك الباقي عليها ..

ظلت فريدة حبيسة بغرفتها اتت والدتها إليها لكي تخرج وتساعدها في المطبخ لإعداد طعام الغذاء من أجل الضيوف ولكن رفضت أن تغادر غرفتها ، سأمت منها دلال وعادت إلى المطبخ .
في ذلك الوقت عاد فاروق وحياة المنزل وعندما ترجلا من السيارة تفاجئت بوجود سيارة سراج ، شعرت بالضيق بسبب وجوده لأنها شعرت بانجذاب شقيقتها له وهي ترفض ذلك
عندما فتح فاروق باب الشقة كان يستند على ابنته ودلفوا سويا ليرحب بالضيف ، سارت رغما عنها وعندما ولجت لغرفة الصالون شهقت بصدمة عندما رأت سليم أيضا ، دب الخوف داخلها فذلك ال سليم لن يتركها تنعم بلحظات سعادتها وسط عائلتها لابد وأن يعكر عليها تلك اللحظات التي تسرقها من الزمن، ألقت السلام عليهم وغادرت الصالون بتشتت
كانت تهم بالذهاب لغرفتها ولكن استوقفتها والدتها منادية اياها، ذهبت اليها
لتخبرها دلال بأنها تريد مساعدتها في إعداد الطعام ، ظلت معها وعقلها شاردًا بالجالس وسط منزلها يتحدث مع عائلتها بكل أريحية وكأنه يتودد لهم ومن باقي أفراد العائلة..

رحب بهما فاروق وجلس بتعب يتسامرون أطراف الحديث عن ما حدث بمصلحة الجوازات والتعسفات التي قابلتهم اليوم وعندما انتهى من جميع الإجراءات لابد من الانتظار عدة أيام أخرى لاستلام الجوازات ولم يحالفه الحظ بالذهاب إلى شركة السياحة اليوم لأن اليوم كان شاق عليه ورفضت ابنته أن تجهده فقرروا العودة إلى المنزل
عندما علم سليم برغبتهما بالسفر لأداء مناسك العمره صارحه بأنه ات اليوم من أجل طلب يـ د ابنته فهو يريدها زو جه له ويتمنى أن يقـ بل بعرضه.
تفاجئ فاروق بحديث سليم الغير متوقع
تدخلت الجدة بالحديث وحاولت إقناع فاروق فسليم شاب ناجح ، يمتلك كل الصفات ليصبح زو جًا ومسئول عن عائلته بعد وفاة والده، شاب طموح ومن أسرة ثرية ،ذا أخلاق عالية وسمعة جيدة أسمه وشركاته تتحدث عنه، وليس بعاجز فهو يفعل كل شيء وجدير بالثقة لكي يعطيه ابنته، وأنه في طريقه للشفاء وتجاوز تلك المحنة ويريد أن تكون حياة جانبه
لم يعلق فاروق على شيء وقرر أن يتحدث بذلك الأمر مع ابنته أولا فهي صاحبة الشأن والقرار النهائي لديها هي وإذا أعطته الموافقة فلابد من حديث آخر .
بعد لحظات أتت دلال تخبرهم بتناول طعام الغذاء والتف الجميع حول مائدة الطعام التي يتريسها فاروق وجلست الجدة وسراج جانبها وسليم أيضا وعلى الجانب الآخر جلست دلال فقط ورفضت الفتيات تناول الطعام ، فريدة مازالت محرجة وحياة تتهرب من مقابلته أما أمل فقد كانت خارج المنزل عند إحدى صديقاتها…
ظلت فريدة تتأفف بغيظ أما حياة فقد كانت تقضم أظافرها باسنانها وتزرع الغرفة ذهابا وإيابا وعقلها شاردًا بماذا يحدث الان وما مصيرها القادم ، اتتها نوبة اختناق وركضت إلى الشرفة تحاول استنشاق بعض الهواء ولكن لم تستطيع من شدة توترها وتشتتها كما أن دقات قلبها تتصارع داخلها ، تنبض بشدة وكأنها ستتوقف عن النبض بسبب ما تعانيه الآن
دلفت والدتها الغرفة بابتسامة مشرقة وهي تهتف باسمها:
– حياة بابا عاوزك تعملي الشاي وتنزليه الجنينة تحت
تنفست الصعداء وقالت:
– هم خلاص نزلوا تحت يعني ما فيش حد في البيت
هتفت مندهشة من حديث ابنتها :
– أيوة يا بنتي تحت ، يلا اعملي الشاي قوام
زفرت بهدوء وركضت إلى المطبخ تعد الشاي وهي تحدث نفسها :
– اكيد هيشرب الشاي ويغور في داهية، يا ترا فاتح بابا في الموضوع ولا دي زيارة عادية ،أف منك
انتهت من إعداد الشاي بالنعناع المفضل لوالدها وحملت الصينية وغادرت المنزل ، تهبط الدرج بعجالة وعندما وصلت إلى الحديقة استمعت لأصوات ضحكاتهم المجلجلة
عبثت ملامحها ووضع الصينية أمامها وهي تهتف بضجر:
– الشاي
التقط والدها كفها ودعاها للجلوس جانبه بالمقعد الشاغر:
– أقعدي جنبي هنا يا حبيبتي
جلست حياة بالمقعد الذي بين والدها وسليم وحاولت أن تكون هادئة لكي لا يشعر بها أحد وبالأخص والدها .
التقط فاروق كوب الشاي خاصته والآخر أعطاه لسراج وقال لها:
– تعالى يا سراج يا بني افرجك على الشجر اللي انا زارعه بنفسي
نهض سراج جانبه وهتف فاروق وهو ينظر لابنته ببسمة رقيقة:
– سليم محتاج يتكلم معاك وانا هنا جنبكم
أومت برأسها وعيناها تتطلع لخطوات والدتها المبتعدة، فاجئها سليم بسؤاله:
– عاملة ايه دلوقتي أحسن
تطلعت له بدهشة وعقلها يتسال ما مقصده من ذلك السوال
لاحت ابتسامة طفيفة أعلى ثغره ومال عليها قائلا:
– ما تستغربيش والدك حكالي كل حاجة
لمعت فكرة بعقلها فهتفت بغضب قائلة:
– اه عليه عفريت تحب تشوف
ضحك سليم وقال بثقة:
– هنشوف كل حاجة بعد الجو از
– أنت لسه مُصر
– جدًا
– ولو رفضت
قالتها بحزن عميق
أجابها بثقة:
– هتوافقي عشان عيلتك عندك اهم من نفسك صح ولا انا غلطان
دارت وجـ هها لتنظر لوالدها ووجدته يتحدث مع سراج بكل ألفة وود ثم عادت تنظر لسليم بعينان تتلألأ بالدموع :
– موافقة بس على شرط
شعر بغصة داخل صـ دره عندما لمح الدموع المتحجرة داخل مقلتيها العشبية وهمس بصوت خافت:
– هنفذلك إللى انتي عايزاه
وجدها تهمس كالحمل الوديع:
– سبني أعمل العمرة مع بابا الأول وبعدين نتجـ وز
تنهد بعمق وقال:
– وعدت باباكي اول عمرة هتكون معايا
نظرت له بسخرية وردت :
– أنت .. عاوز تعمل عمرة عشان تكفر عن أي ذنب عملته ؟ ثم أردفت قائلة:
– أه ويا ترا هتوب بقا عن شغلك في السلاح ولا في تجارة الأعضاء ولا ناوي تخدع ربنا وتكذب عليه ، بس مش هتقدر عشان ربنا الوحيد اللي كاشفك وعارف انك متنكر ورا قناع بس هيجي يوم والقناع ده هيسقط عن وشك والدنيا كلها هتعرف حقيقتك
ثم نهضت وتدلفت لداخل وظل سليم ينظر للفراغ بعينان متسعة ويحدث نفسه بأسى :
– يا ريت انتي كمان تشوفيني زي ما أمي والكل اللي حواليه شايفني.

أخفى بسره الغرام، وخاف عليكِ أن تقعي بِحُبه
انتبهي قبل أن يهوي بقلبك حُبه المعذبي
فدرب الحب محملاً بالمأسي والخذلان
واحذري الغرام فإنتي فاتنة في وادي النسيان
أنتي غامضة وأهوى عشقك الذي يوقد قلبي عذاب ولوعة
أريدك بكل جوارحي فلم يعد لقلبي سطوا
بعدما زاد الاشتياق ألما
يا وردة بتول والاشواك محاطة بك
أعلم بأنِ الشوك المعذب لاوراقكِ
وأنتِ الناعمة الساحرة الجذابة النقية
وأنا العاشق لكِ سرًا
واحذري غرامي لانه مُرً علقمًا
لم استطع الرحيل فقد فات الوقت …

الفصل الخامس والعشرون

صعدت حياة إلى المنزل وجدت الجدة تتحدث مع والدتها ويبدو بأن الحديث هام، لابد وانها تريد اقناعها بالموافقة على سليم فمن وجـ ه نظر الجميع بأنه الشاب المناسب، سارت بخطوات بطيئة لكي لا يشعرون بها؛ ثم ولجت لغرفتها لتتفاجئ بشقيقتها تركض إليها قائلة بفرحة:
-مبروك يا يويو، سمعت تيتا سناء بتقول لماما أن سليم بيحب حياة وعايز يتجوزها، وأن جاي يطلب إيدك
ثم اردفت بحماس:
– ها قوليلي كان بيقولك أية اعترفي؟انا كنت واقفة في الفراندة اراقب الجو
تركت شقيقتها تثرثر ورفضت أن تتحدث
عادة فريدة تقف في الشرفة وتراقب ما يحدث بالحديقة وعيناها تتطلع للذي سرق لُب قلبها منذ الوهلة الأولى.
بالحديقة عاد فاروق يجلس بجانب سليم مرحبًا به بعدما غادرت حياة المكان وظن والدها بأنها خجلت من رغبة سليم بالزو اج منها، شعر داخله بالقبول فتذكر عندما أستلمت عملها بالشركة وظلت تحاكيه عن مديرها الشاب الوقور الجاد بعمله ورغم عجزه إلا أنه يحمل مسؤليات كثيرة على عاتقه.
قال فاروق بود:
– بص يا بني أنا شوفت الموت بعنيه وكنت شايل هم دلال والبنات من بعدي، خصوصا بعد ما أخويا إللي من لحمي ودمي تخلي عني بعد رفض حياة الارتباط بابن عمها، وحياة اتاذت جامد من مرات عمها، والحجة سناء شافت دة بنفسها وحكتلك عن اللي حصل، انا هكلم كاب ما يملكش من الدنيا غير تلات بنات نفسه يطمن عليهم قبل ما ربنا يسترد أمانته وانا قلبي انشرحلك وهامنك أمانة واتمنى تكون قدها
ابتلع ريقه بتوتر ثم قال:
-اوعدك ياعمي هكون قد الأمانة بس اتمنى من حضرتك الزو اج يتم في الميعاد اللي حددته وان شاء الله هنفذ أمنية حياة في العمرة بس هيكون وانا واقف على رجليه ومعاها
ريت فاروق على كتفه وقال:
– اكيد يا بني عمليتك دلوقتي اهم عشان اي تأخير خطر عليك، وأن شاء الله العمرة هتتعمل بأوانها وكلها ارادة الله، ربنا يقدم لكم الخير، هتكلم مع حياة وهرد عليك بكرة بمشيئة الله
بعدما غادروا منزل فاروق قرر سليم المكوث اليوم بالمنصورة وعندما يأتي الغد ورد والد حياة بالقبول سيهاتف شقيقه بإحضار والدته وزو جته وياتُ اليه لتتم المقابلة بين العائلتين والتعارف والتحدث بكل ما يخص الزفاف..
وافقه سراج الرأي وبالفعل بحث عن فندق بالمدينة ليظلُ به اليوم..

بينما جلس فاروق مع ابنته بغرفتها يريد أن يستمع لردها وانسابت دموعه عندما همس بخوف على فراقه الحياة دون أن يطمئن قلبه عليهم فهم فلذات اكباده، حورياته الثلاثة الذي يتمنى لهما السعادة الدائمة..
لم تستطع حياة الرفض ولم تقدر على البوح بما تكنه داخل قلبها، وأعطت والدها الموافقة وطمئنة بأن سليم حقا الشاب الذي فاز بقلبها وهو أيضا يبادلها تلك المشاعر ولا داعي لقلقه فهي ستكون بأمان وتحت حمايته فهو الشخص الذي طالما حلمت به وتمنته وحقق لها ربها تلك الأمنية.
كانت تكذب بكل كلمة تفوهت بها ولكن أرادت أن يطمئن قلب والدها وهذا كل ما تسعى من أجله، ضـ مها لصـ دره بحنان وربت على ظهـ رها بحنو وبارك لها وتمنى لها الحياة الهادئة السعيدة الخالية من المشاكل، ثم نهض ليغادر الغرفة ويزف الخبر المنتظر لزوجـ ته والجدة التي تهللت اساريرها فرحًا بموافقة حياة..
❈-❈-❈
بالقاهرة..
بداخل فيلا السعدني عاد أسر وميلانا ليلًا بعدما انتهى من عمله داخل الشركة قرر ان يصطحب زو جته في نزهة لتتفتل بشوارع القاهرة ليلا وتناول العشاء على ضي الشموع بمكان هادئ يعرفة على ضفاف النيل وبعد الاستمتاع بتلك النزهة عادو إلى الفيلا وودعها أمام غرفتها بقـ بلة شغوفة ثم ابتعد عنها وقال:
– تصبحي على خير يا نبض قلبي
تبسمت له وهي ترد:
– تصبح على جنة
دلف لغرفته ليتفاجئ بنور نائمة بفراشه، زفر بضيق وتوجها لخزينة ملابسه انتقى ثياب النوم ثم دلف المرحاض ليبدل ثيابه
كل ذلك تحت انظارها الماكرة فهي تريد معرفة ما يحدث خلف ظهـ رها وما يخطط له سليم، لأن علمت بأنه لم يذهب إلى الشركة اليوم كما أنه لم يعود للمنزل حتى الآن، وكل ما يحدث داخل الشركة تعرفه بسبب الجواسيس التي دستهما بالشركة لتنقل لها كل الأخبار الخاصة بسليم ولا أحد لديه علم أين هو..
عندما غادرت المرحاض اغمضت عيناها تتصنع النوم، اقترب أسر من الفراش كان يود ان يُقظها لتذهب وتنام بغرفتها داخل جناحهم ولكن تراجع وقرر ان يتركها فهي لابد وانها متعبة بسبب الحمل، دثرها بالغطاء برفق.
فتحت عيناها تتطلع له بحزن واسبلت عيناهاتتقمص دور البريئة ثم اعتدلت وجلست على الفراش وهتفت قائلة بصوت خافت:
– أتاخرت أوي وكنت عايزة اتكلم معاك ونمت
جلس على حافة الفراش وقال بجدية:
– عايزة تتكلمي في ايه؟
قالت بصوت منكسر:
-لو وجودي غير مرغوب فيه أنا ممكن ارجع بيت جدو تاني وانت إعمل اللي يريحك، أنا غصب عني بغار عليك لم بشوفك مع ميلانا ومهتم بيها وانا هوا مش متشافه خالص
زفر بضيق ثم قال :
– ومين إللي عمل فينا كدة؟ مش انتي.. لو تفتكري ان كنت بتمنى تسافري معايا وكان ردك صدمني، فاكرة ردك ولا افكرك، على العموم مش وقت عتاب عشان ما فيش اي كلام ينفع يتقال وانا مش عاوز اجرحك، والبيت ده بيتك مش ابن توفيق السعدني اللي هيسيب مراته ام ابنه تعيش لوحدها بظروفك دي، بس اللي بينا انتهى يا نور ووجودك هنا عشان الصلة اللي بتربطني بيكي هو ابني وبس، وعلى فكرة فرحي وفرح سليم هيتم بعد اسبوع.
لم يصدمها إلا خبر زفاف سليم هتفت بصدمة :
-فرح سليم.. من مين؟
اجابها ببرود:
– مهندسة برمجة في الشركة
اشطات غيظًا وتركت له الغرفة قائلة بضيق:
-مبروك
بترت كلمتها بغضب وتركت الغرفة عائدة إلى غرفتها ثم صفعت الباب خلفها بقوة وهتفت بانفعال:
– بقا سليم هيتـ جوز ماشي أنا هعرفكم كلكم نور تقدر تعمل أية

في الصباح أخبر سليم والدته وزف لها خبر موافقة الفتاة التي اختارها قلبه بالارتباط به وتحدث مع شقيقه يطلب منه الحضور وان تأتي ميلانا معه لتتعرف على حياة وتجلب معها الهدية التي انتقتها لحياة، بارك له أسر وركض مسرعًا ييقظ ميلانا ويجعلها تستعد لذهاب معه إلى أهل العروس..

اما هي فكانت حبيسة غرفتها لم يهدأ لها بال إلا بالانتقام واقسمت بأنها ستشعل ذلك المنزل السعيد بنيران ستحرقهم جميعاً..

بمنزل فاروق كانت تتم الاستعدادات لاستقبال أهل سليم والمنزل يعج بالسعادة والفرحة اما حياة فلم تشعر بتلك الفرحة كل ما كانت تشعر به هو ألم حاد يمزق روحها، اختلت بنفسها داخل غرفتها وجلبت المصحف لتقرا سورة البقرة لعل القرآن يخفف ما تشعر به من ألم روحها وجـ سدها التي تستسلم له..
❈-❈-❈
انقضى الوقت سريعًا وتعرفت خديجة على العروس وعائلتها التي أستقبلتهم بحفاوة، كما سعدت ميلانا بذلك الثنائي فريدة وحياة ونشبت بينهما صداقة منذ الوهلة الأولى وتم قراءة الفاتحة في المساء ورفض فاروق أن يغادرون في المساء وفضل ان يمكثون بالطابق الأول كما اعدته والدة حياة من قبل، وظلت العائلتين يتسامرون بالاحاديث وقضت ميلانا وقتها بغرفة الفتيات..
وعد سليم والديها بإقامة حفل زفاف يليق بحياة وفي اليوم التالي سيذهبون إلى لندن لقضاء شهر العسل وأجراء العملية خاصته كما تمنى له الجميع الشفاء والعودة من سفرته سالمًا..

ومنذ تلك اللحظة بدأ الاستعداد للزفاف الذي سيقام بالقاهرة بعد مرور اسبوعًا..
لم يحالفه الوقت بأن يختلي بها والحديث معها ولكن من حين لآخر يطالعها بنظراته المبهمة..
قبل موعد الزفاف أنتقلت العائلة إلى القاهرة، بعدما وجد لهما سراج شقة مجاورة من شقة جدته وتم المكوث بها، أبلغ فاروق شقيقه بالذهاب إلى القاهرة كما أنه دعه لحضور حفل زفاف نجلته ولكن الاخير كان رافضًا رغم أخباره فاروق بما حدث مع ابنة حياة على يـ د زو جته ورفض شريف الاستماع إليه، شعر فاروق بالحزن الشديد وقرر ان ينشغل بعرس أبنته ولا يدع لاحد بتعكير صفو تلك اللحظة المنتظرة لطالما حلم بها وأنتظرها.

صباح يوم الزفاف
فاليوم سيزف أبنته وفلذة كبده لزو جها يوصيه بابنته خيرًا وان يكون لها الاب الحاني قبل الزو ج الحبيب، يعاملها كطفلته المدللة يكون لها الصاحب والرفيق والسند وان يعاملها معاملة حسنة ولا يبغضها ولا يخذلها وإذا را منها ما يغضبه يحدثها باللين ويكون هين معها فهي فتاة رقيقة كالقارورة لا يكسرها يغضبه فإذا أحدث بها شرخًا سيكون من الصعب أصلاحه هكذا قلب الأنثى إذا جرحته سيكون من المستحيل أعادة تطهر ذلك الجُرح..
(كسر القلوب لا يصدر صوتًا ولكنه يصدر الكثير من الألم)
لم يكن من سليم سوا الانصات اليه وان يعده بأنه سيكون لحياة كل شي يتمناه والدها..
كان يشعر بالاختناق وكان يحمل فوق صـ دره جبلا، بعدما ابتعد فاروق عن المكان وترك له حرية التصرف، وجد نفسه بحاجة إلى البكاء وتوجهًا إلى المرحاض لكي لا يرا احد ولا يشعر به.
سالت الدموع من عينيه وخبط بقبضة يـ ده بقوة على الحائط عدة مرات وبعد أن هدات ثورته الغاضبة فتح صنبور المياه ومـ د كفيه يحمل بهما حفنة من المياه وينثرها على وجـ هه لعل يهدأ..

بينما الفتيات كل عروس بجناحها الخاص ومعها الفتاة المسؤله عن المكياج.
بالجناح الخاص بميلانا كانت تجلس بابهة صورة أمام مرآتها ومصففة الشعر تقف خلفها تهندم خصلاتها البنية بعدما ارتدت ثوبها الأبيض ذات الحمالات الرفيعة مصمم على أحدث الطراز كان ضيق من عند الصـ در وينساب بضيق إلى ركبتيها ثم ينساب باتساع لاسفل قدميها، ووضعت تاج رقيق أعلى خصلاتها التي تنساب خلف ظهرها بتمويج واسع…
بينما بالجناح الاخر
كانت حياة مرتديه ثوب ابيض ذات كم ضيق محتـ ضن ذراعيها ومقفول تمامًا من عند الصـ در وينساب باتساع من منطقة الخـ صر إلى أسفلها وكانت الفتاة تلف لها حجابها الأبيض الرقيق بعدما انتهت من وضع لمساتها الأخيرة من مساحيق التجميل البسيطة المتناسبة مع بشرتها البيضاء ولون عينيها الخضراء التى تبرق بلمعان، ثم وضعت تاج فضي أعلى حجابها ليزيد من جمالها الاخذ للعيون..
هتفت شقيقتها فريدة باعجاب على مظهر شقيقتها الجذاب فقد كانت مثل الاميرات بحجابها التى حاولت الفتاة ان تقنعها بالتخلي عنه اليوم فقط من أجل انها عروس وستكون بمظهر أجمل بشعرها، رفضت حياة واصرت على إكمال زينتها بحجابها وانها لن تتهاون بحق ربها بهذا اليوم حتى وان كانت عروس فهي دائما ستكون الأفضل والأجمل بكمال دينها وعفتها بالحجاب..

داخل قاعة الزفاف بدأت المدعوين في الحضور وفاروق وسراج متولين ذلك الأمر، أما عن السيدة خديجة والسيدة دلال كانوا يشرفون على البوفيه ويتلفتون بين الحضور ليتاكدون بأن كل شي يسير على ما يرام..
اما عن العروسان الأشقاء انتهى أسر من أرتداء حُلته السوداء وهندم شعره بعناية ثم نثر عطره ووقف يتطلع لشقيقه الشارد ومصفف الشعر الرجالي ينثر له المثبت أعلى خصلاته القصيرة وكأنه بعالم اخر لم يستمع للشباب الذي يهتف متسألا :
ـ أي أوامر تانية يا باشا
تبسم أسر وربت على كتف الشاب وقال:
– تسلم انت يا منعمَ، تقدر تنزل الفرح تحتفل مع الناس
ابتسم له بود وغادر الغرفة وهو يبارك لهما ذلك الزو اج
نظر أسر لساعة يـ ده ليجد بأنها تجاوزت الساعة الرابعة عصرًا، ربت على كتفي شقيقه لينتبه له وقال:
– الساعة بقت أربعة يا سليم يعني المأذون على وصول، اجهز يا عريس عشان كتب الكتاب
أوما براسه فغادر أسر الغرفة وهو يقول:
– ميلو لوحدها هروح أطمن عليها عشان ما تحـ سش أنها من غير حد، نتقابل في القاعة
عودة لجناح حياة
كانت وحدها بمنتصف الغرفة بعدما تركتها فريدة لكي تخبر والدها بأن حياة انتهت من التحضيرات وعليه ان يصعد إليها لكي يصطحبها لزو جها

كانت تتطلع لهيئتها داخل المرآة لتتفاجئ بفتاة تقف خلفها وعلى وجـ هها أبتسامة سمحة قالت :
– مبروك يا عروسة، كان نفسي أقابلك من بدري عشان أحذرك بس للاسف ماعرفتش أوصلك
نهضت عن مقعدها ونظرت لها قائلة بتسأل:
– أنتي مين؟
تأفأفت بضجر وقالت:
– أنا نور مرات أسر
أكفهر وجـهها وقالت بعدم تصديق:
– مرات أسر إزاي وميلانا تبقى مين وفرحهم انهاردة
– ليكي حق تتصدمي، بس مش مهم أنا وجودي هنا دلوقتي عشانك، أنتي بصراحة صعبانة عليه ومش قادرة أسكت اكتر من كدة، سليم ده شيطان على الأرض وهو سبب في دمار علاقتي بأسر ورغم ان حامل شجع أسر يتجـ وز عليه ويطلقني عشان معندوش قلب ولا يعرف يحب
انهت كلماتها وغادرت الجناح قبل أن يراها أحد وتركت حياة شاردة بحديثها المبهم عن سليم
ولم تفق من شرودها إلا على صوت ولج سليم الغرفة وإغلاق الباب بالمفتاح
تطلعت له بغضب أما هو فظل يحدق بظهرها الجذاب بثوب الزفاف
حدجته بغضب وقالت:
– قفلت الباب ليه؟
فاق من تحديقه بجمالها ورد قائلا:
– عشان محتاج اتكلم معاكي ومش عاوز حد يدخل دلوقتي
– أفندم في تهديد تجديد تحب تضيفه
نهض عن الكرسي المتحرك واقترب منها يقف في مقابلتها ويتطلع لعيناها قائلا بصدق:
– أعتبري مافيش أي حاجة تجبرك على الجو از ولا في تهديد وليكي حريه القرار تكملي ولا تبعدي
– يعني ايه؟
هتف موضحًا:
– يعني في ايـ دك دلوقتي ماتكمليش الجو ازه ومش هجبرك
جحظت عيناها بصدمة ثم كركرت ضاحكة بهسترية منما جعله يندهش بسبب ردة فعلها
استردت أنفاسها وقالت بصوت حاد وعيون تهدد لتساقط الدموع جاهدت في كبتهم وضربت صـ دره بقبضة الصغيرة وهتفت :
– لا بجد أنت بتفكر إزاي؟ ده الذكاء الخارق ده يعني جاي في وقت الفرح والمعزيم مستنين ظهور العرسان وأهلي مافكرتش في أهلي وأنت جاي تقولي الكلام ده دلوقتي، عشان أيه يا سليم باشا؟
عشان ماتحـ سش أنك جبرتني على الجو ازه لسمح الله، لا بجد بتعرف تحـ س وعندك قلب ومشاعر
ثم انسابت دمعة هاربة وقالت بغصة :
– بس ده عقابي وأنا راضية بيه عشان سكت على القرف اللي بتعمله وأنا أستاهل ربنا يعاقبني بيك
كان يود أن يمـ حي تلك الدمعة ويضـ مها لصـ دره ويحكي لها كل ما يخفيه داخله ولكن لم يقدر على تلك المواجهة الان.
طرق والدها الباب فعاد سليم سريعًا يجلس على الكرسي وفتح له الباب وهو يبتسم له
دلف فاروق بابتسامته الهادئة ووقف يتطلع لابنته بحب فغادر سليم الغرفة وترك الاب مع أبنته لينعموا بتلك الخصوصية.
دنا منها واحتـ ضن وجـ هها بين راحتيه يتطلع لها والدموع تتلالا في محجرها وخرج صوته بصعوبة قائلة:
-بحمد ربنا وبشكر فضله أن عشت لم شوفتك بفستانك الأبيض وبأيـ دي هسلمك لجو زك
لم تتحمل كلماته ارتمت بأحضـ انه ودفنت رأسها بصـ دره ليشدد فاروق على ضـ مها إليه ثم طبع قـ بلة حانية أعلى رأسها وهمس بصوت ضعيف:
– هتوحشي أبوكي يا قلب أبوكي
ابتعدت عنه برفق ثم رفعت اناملها لتمحي دموع والدها المسالة على وجـ نتيه وهتفت مازحة لتبدل دموعه لابتسامة :
– وبنتك على أتم أستعداد تروح معاك أنا أصلا بتلكك ههه
ضحك فاروق وقال :
– لا خلاص يا روح قلب أبوكي المأذون وصل يعني أدبستي هههه
تبطأت ذراعه وسارت جانبه وعندما غادر الجناح وجد ميلانا محتـ ضنه ذراع أسر، اقترب فاروق منه بخطواته وقال :
– انزل انت يا عريس وأنا هسلمك بنتي التانية
أبتسمت ميلانا بسعادة وتركت ذراع أسر، أحتـ ضنتها حياة وبعد لحظات كان فاروق بالمنتصف ويشبك ذراعه بابنته من جانب والجانب الاخر تتشبث به ميلانا وهبطُ سويا درجات الدرج وعندما دلفوا لداخل القاعة أقرعت الطبول والتفت الفرقة السورية تقرع الطبل ويرقصون الدبكة السورية وبعد تلك الفقرة أقرعت الفرقة المصرية المزمار البلدي
ثم أقترب أسر يصافح فاروق ويصطحب عروسته أما عن حياة فسارت بجانب والدها يزفها إلى سليم الجالس بالكوشة منتظر عروسه.
التقط سليم كفها ورفعه لشـ فتيه يطبع قـ بلة رقيقة ويبتسم بسعادة حقيقية أنه حصل عليها، ثم ابتعد لحظات لعقد القرآن..
واعلن الشيخ صوته يصدح داخل القاعة بصوته المجلجل:
– اللهم بارك لهم وبارك عليهم وجمع بينهم في خير، أوصيك بوصية الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم
أستوصوا بالناس خيرًا، اتقوا الله في الضعيفين قال ومن هم الضعيفين يا رسول الله، قال المرأة واليتيم..

بعد عقد القرآن أشتعلت الموسيقى داخل القاعة وبدأت فقرات الحفل بأغنية بنت أبويا
أحتـ ضنها فاروق وتمايلت مع والدها على نغمات تلك الأغنية وعيناهم مغرقة بالدموع
صوت رنة المفتاح في الباب ساعة اما توصل
ومكالمة نص اليوم لما من غير داعي تسأل
والزعيق من ورا قلبك لما اصالحك وتتقل
وحضنك اللي بنسي قبله ليه كنت بزعل
رأيك اللي كله حكمة صوتك حفظته
كل موقف يوم زعلني وبعدين فهمته
انت اللي انا رافعة راسي من ورا اسمه وسيرته
بنت ابويا واه يا بختي بعمري وياك عشته
بيقولوا لي إني شبهك إني زيك حتة منك
روحي روحك واخدة قلبك في المشاعر والكلام
بيقولوا لي اللي شافوكي كتير لاقوكي بنت ابوكي
ده في سلامه واهتمامه يا بختي قالوا بنت ابويا يا سلام
لما تقلق وانا اخبي لتزعل عشاني
وأما في طريقنا نسافر ونشغل أغاني
وأما تشوف منى دمعة وتعمل مش شايفها
بتخاف تكسفني وتحسسني انك كاشفها
انت سندي وانت ضهري وصاحب عمري كله
لما بشكي لما بحكي من غيرك اقول اقوله
اللي مهما كبر سني هفضل اعيش في ضله
يا حبيب يارب يخلي صوتك العمر كله
بيقولوا لي إني شبهك إني زيك حتة منك
روحي روحك واخدة قلبك في المشاعر والكلام
بيقولوا لي اللي شافوكي كتير لاقوكي بنت ابوكي
ده في سلامه واهتمامه يا بختي قالوا بنت ابويا يا سلام

كانت تقف مبتعدة تراقب وعلى وجـ هها أبتسامة انتصار ثم قالت بغيظ :
– الحرب بدأت من دلوقتي يا سليم والشاطر إللي هيضحك في الآخر
ثم غادرت القاعة قبل أن يراها أحد واستقلت سيارتها تقودها إلى حيث وجـ هتها..

على جانب أخر من القاعة
وقف سراج خلف فريدة قائلا بأعجاب :
– زي القمر أنهاردة
دارت وجـ هها تنظر خلفها وتوردت وجـ نتيها بخجل ثم قالت بثقة:
– أنهاردة بس؟
لاحت ابتسامته وقال :
– لا الحقيقة من يوم ماقبلتك وأنتي زي القمر
تنحنح قائلا:
– تسمحيلي بالرقصة دي
نظرت ليـ ده الممدودة ورفعت حاجبيها من دهشة ثم ابتسمت ابتسامة طفيفة واجابته قائلة
– ماينفعش طبعا
– ليه ؟
– أنت بتتكلم جد ولا بتهزر عشان لو بتتكلم جد أنا هزعل بجد
هتف معتذرًا:
– أسف لو كنت زعلتك، بس طلبي دة بحكم القرابه اللي بينا بعتذر مرة تانية
أبتلعت ريقها بتوتر وهزت راسها نافية:
– حصل خير
أبتعد عنها بضيق بعدما رفضت عرضه وتحجج بانشغاله بالمدعوين
قضمت شـ فتيها بضيق وهتفت بحنق:
– باد بوي وهتتعبني معاك

أما عن الثنائي الشارد أقترب منه شقيقه ثم همس بجانب أذنه وأبتعد عن الكوشة قاصدًا الشاب المسئول عن الدي جي وطلب منه أشعال أغنية رومانسية
ونظر لشقيقه يرسل إليه غمزة وهزة خفيفة من رأسه
تشجع سليم وضغظ زر المقعد ليسير به ومد يـ ده لحياة أندهشت من فعلته وسحب كفها بثقة فسارت بجواره وهي لا تفهم شيء ، جذبها إليه لتسقط على أرجله وتلاقت أعينهم بصمت تعالت دقات قلبها بذلك القرب أما هو فاشرقت إبتسامته ودار بها وكأنه يتراقص معها على صوت النغمات الهادئة وذراعيه يحتـ ضن إياها بتملك داخل أحضـ انه ثم مال على أذنها هامسًا :
– أبتسمي عشان ماحدش يشفق عليكي على الأقل قدام الناس
هربت الكلمات من جوفها ولم تستطيع التفوه بقربه الزائد ولكن تعالات اصوات التصفيقات الحارة علي هذا الثنائي الرائع ..

أنقضى الزفاف سريعًا وودعوا العائلة متوجهين إلى جناحهم الخاص، فقد سبقه أسر ، أما هو فظل ينتظر لزو جته التي تودع عائلتها بالاحضان والقبلات والدموع المنهمرة وكأنها ستهاجر ولم يعدو يلتقون بها.
بعد لحظات قليلة دلف هو داخل المصعد الكهربائي ونظر لها بدهشة عندما هزت راسها نافية وقالت برفض:
– أنا لا يمكن أركب ده وأكون معاك في مكان واحد
ضحك سليم على هيئتها الخائفة فهو على علم بأنها لديها فوبية من المصاعد ولكن لن تعترف بذلك
جذبها ثانياً لترتمي باحض-ا نه لتخرج منها شهقة ، دنا بشـ فتيه والتقط شـ فتيها في قـ بلة ناعمة وعيناها تزداد أتساعًا بصدمة ولم تدرك الموقف بعد

الفصل السادس والعشرون
بعدما تداركت ما فعله لتو، أبتعدت عنه بغضب وقالت بأنفاس لاهثة:
– أنت إزاي تعمل كدة؟ مين سمح لك تقرب مني بالشكل ده، لا مش عشان اتجـ وزنا خلاص هيكون من حقك تقرب مني ، لا يا استاذ يا محترم ،جوا زنا ده قدام الناس وبس لكن أنا رفضاك من جوايا ومجبورة عليك ومجبورة أكمل في اللعبة السخيفة إللي أنت عملتها
نظر لها بجمود وقال بلامبالاة:
– أنا سليم السعدني ومش مراتي إللي هتمنعني عن حقوقي الشرعية اللي من حقي أخدها وقت ما أحب، بس أنت ملتلزمنيش، وقريت منك بس عشان الفوبية اللي عندك ، حبيت أساعدك مش أكتر
توقف بهما المصعد حيث الطابق المنشود الذي يوجد به الجناح الخاص بهم
جحظت عيناها باتساع عندما وجدت نفسها حقا بالمصعد ويبدو أنه تحرك بها في تلك اللحظة التي قـ بلها فيها سليم
وضعت كفها على قلبها بتوتر وغادرت المصعد بأنفاس لاهثة متقطعة تحت أنظاره المبهمة ، تحرك هو بدوره ووضع الكارت الخاص بفتح الجناح ثم دلف وهي لحقت به، حاولت تنظيم أنفاسها ، أغمضت عينيها عدة ثواني وهمست بصوت خافت مرددة الاعداد من واحد إلى عشر
كان يراقبها ويبتسم على طفولتها وعندما فتحت عيناها أعطاها ظهـ رها واستقام واقفًا وترك المقعد المتحرك جانباً ، ونزع عنه السترة ورابطة العنق والقاهم أعلى مقعد منضدة الزينة ثم وقف أمام خزينة الملابس وجلب المنامة الموضوعة داخلها ثم دلف المرحاض الملحق بالغرفة وتركها متسمرة مكانها.
زفرت بضيق وتقدمت بخطوات واسعة إلى حيث الشرفة فتحتها على مصرعها لتداعبها نسمات الهواء ، تطلعت للسماء وحدقت بالنجوم اللامعة وظلت على ذلك عدة دقائق .

غادر سليم المرحاض في ذلك الوقت بحثًا بعيناه عنها وجدها بالشرفة اقترب منها قائلا:
– أدخلي الجو برد، كمان غيري هدومك ونامي عشان عندنا سفر بدري
تأفافت بضجر فقد جعلها تعود للواقع ثانيًا ودلفت لداخل دون أن تنبس بكلمة ، وأغلقت باب الشرفة ثم اقتربت من خزينة الملابس لتخرج من فاه شهقة صادمة عندما وجدته فارغًا ولا يوجد به إلا غلالة حريرية بيضاء قصيرة ، أغلقت الخزانة بضجر وبحثت بالغرفة عن الحقيبة الخاصة بملابسها
كان يختلس النظرات إليها ويكبت ضحكته من الإفلات فهو يعلم أين توجد الحقائب ولكن رفض أن يخبرها بمكانهم وفضل أن يستمتع بتوترها وعصبيتها وهي تبحث عنهم بضيق كادت أن تبكي.
رأف قلبه بها وقال بصوت متسألا:
– بتدوري علي أيه ؟
– فين شنطة هدومي؟
– الشنط في العربية اللي هتوصلنا المطار
هتفت بصدمة :
– نعم ده إزاي يعني
رفع كتفيه بلامبالاة واردف قائلا:
– ماعرفش إزاي بس تقريبا قالوا اننا مش محتاجين هدوم في ليلة زي دي
اشتعل وجـ هها بحمرة الخجل وهتفت بغضب:
– وهروح المطار بأية بقا
– افتحي ضلفة الدولاب التانية اكيد مامتك مجهزة ليك هدوم الخروج
فتحته بانفعال وجدت به بنطال أبيض قماشي وكنزة بلون السماء تصل إلى الركبه وحزام أسود عريض عند الخصر وجاكت أبيض شتوي وحجاب سماوي اللون
ظلت متسمرة مكانها لا تعلم ترتدي تلك الثياب ام تظل بثوب الزفاف إلى الصباح ولكن شعرت بالضيق فلن تتحمل قضاء الليلة بثوب الزفاف لانه ثقيل وتود أن تتخلص منه ومن المستحيل أن ترتدي الغلالة أيضا ، حسمت أمرها وجلبت الثياب المعلقة ودلفت بها المرحاض
كان الأمر شاقًا بالنسبة لها وهي تحاول نزع ثوب الزفاف ، ظلت بالمرحاض قرابة الساعة ٱلى أن انتهت من ذلك العناء وارتدت أيضا الثياب الأخرى ووضعت حجاب راسها ثم غادرت المرحاض وهي تحمل ثوب العُرس وضعته داخل حقيبته الخاصة وتركته بالخزانه، وظلت تدور بعينها داخل الغرفة كأنها تبحث عن شيء ، تحت نظراته المراقبة لها وهو ممدد بجـ سده أعلى الفراش.
لاحت ابتسامته عندما وجدها تكبر بصوت خافت للصلاه وبدأت في صلاتها وعيناه تلاحقها في كل حركة تفعلها إلى أن أنهت صلاتها وظلت جالسة مكانها تردد الاذكار
وبعد لحظات استقامت واقفة وجلست على الأريكة الجلدية الموضوعة بالغرفة ظلت جالسة لعدة دقائق ثم غفلت مكانها ، شعر سليم بالضيق من تلك الفعلة فظل ساهرًا ليتأكد من نومها وبعد مرور ساعة أخرى نهض عن الفراش وحملها برفق واراحها على الفراش ودثرها جيدا بالغطاء وظل جوارها إلى أن غفلت عيناه ..

أما عن الجناح الآخر الخاص بأسر وميلانا
بعدما ابدلت ثوب العُرس وارتدت الغلالة البيضاء التي تنساب على جـ سدها بنعومة ، تطلع إليها أسر بعشق ثم أقترب منها يجذبها لصـ دره ثم همس بأذنها قائلا:
– شو ها الجمال
دفت وجـ هها بصـ دره بخجل ، رفع ذقنها بانامله ليجعلها تنظر داخل مقلتية لترا انعكاس صورتها داخلهم
مال بشـ فتيه يلتقط شفتيها في قـ بلة طويلة يبث بها عشقه وشوقه لها، بادلته القـ بلة ورفعت ذراعيها تطوق عنقه ، جذبها أكثر لاحضـ انه ثم حملها برفق وتوجهًا بها إلى فراشهم الخاص لينعموا بتلك اللحظة السعيدة التي يسرقونها من الزمن..
❈-❈-❈

أما الوضع بالفيلا الخاصة بعائلة السعدني .
كانت نور تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بغضب جامح لم تستطيع ردعه ، منما أثر على حالة الجنين وبدأت أحشائها تتقلص بألم حاد ، لم تستطع تحمله ، غادرت غرفتها وهي تضع كفيها على احشائها من شدة الالم الذي يهاجمها وصرخت مناديا باعلى طبقات صوتها لسيدة خديجة :
– طنط … يا طنط الحقيني مش قادرة
نهضت خديجة مسرعاً على صوت صراخ نور
– خير يا بنتي في ايه؟
كان جبينها يتصبب عرقًا وهمست بصوت متعب :
– الحقيني يا طنط أنا بموت
شهقت خديجة بصدمة واقتربت منها تسندها وعادت بها إلى غرفتها قائلا بصوت حاني :
– أطمني يا حبيبتي ، أكيد مجرد مغص طبيعي بيحصل في بداية الحمل
اراحتها على الفراش وقالت:
– هنزل اعملك نعناع دافئ هيريح معدتك
أنسابت دموع نور ونظرت لخديجة بتوسل قائلا:
– ارجوكي يا طنط أنا مش عاوزة أخسر ابني أنا مابقاش ليه غيره دلوقتي
اشفقت على حالتها وجلست بجوارها تجفف لها عرقها وظلت تمـ سد على جبينها برفق وقالت بصوت مطمئن:
– ما تخفيش أن شاء الله خير ،أنا هتصل بأسر يتصرف دلوقتي
نهضت من جوارها وغادرت غرفة نور تبحث عن هاتفها لتحاول الاتصال بأسر لكي يجلب لهما طبيب الآن .
وجدت هاتفه مغلق فحاولت الاتصال بسليم
الذي نهض مسرعاً من نومه عندما صدح رنين هاتفه ، التقطه من اعلى الكومود عندما نظر لشاشته دب الرعب بقلبه واجاب والدته متلهفًا:
– أيوة يا ماما حضرتك بخير
هتفت خديجة قائلة:
– أنا بخير يا حبيبي ، بس نور تعبانه وحاولت اتصل باخوك تليفونه مغلق
قاطعها ببرود:
– أكيد.بتمثل يا ماما عشان تبوظ لأسر الليلة
ردت بجدية:
– لا يا ابني هي تعبانة بجد والا ماكنتش كلمتك في الوقت ده
– خلاص يا ماما اقفلي دلوقتي وانا هبعت لها عربية إسعاف تنتقل المستشفى بتاعنا وهتابع حالتها بنفسي مع الدكتور
بعدما أغلق الهاتف مع والدته ، هاتف الطبيب المسؤل عن مشفى والده وطلب منه ارسال سيارة إسعاف إلى الڤيلا ومتابعة حالة نور بنفسه ويخبره بكل ما يحدث أولا بأول..
وظل مستند على الفراش بظهـ ره فقد جفاه النوم بعد تلك المكالمة..
تطلع لتلك النائمة بجواره التي حرمته من قضاء ليلتهم الأولى معًا وتنام جانبه قريرة العينين لا تحمل لدنيا همًا ولن تحمل جبال من الهموم مثلما هو يحملهم على عاتقه وزاد الحمل فلم يعد لديه قدرة على الصمود والثبات ، كان يود أن يفتح لها قلبه ويخبرها عن كل الاسرار الذي دفنها بداخله ليجعلها تشاركه احزانه وتخفف عنه ، فهو بأمس الحاجة إليها ولكن كبريائه يمنعه من الضعف والاستسلام فهو لم يعتاد إلا على إظهار قوته فقط
أراح رأسه بجانب راسها وهمس بصوت خافت:
– لو تعرفي حقيقتي هتعذريني ، نفسي احكيلك على كل اللي تابعني بس لسه ما جاش الوقت المناسب ، خايف عليكي من الجاي ..
❈-❈-❈
تم نقل نور بسيارة أسعاف ورافقتها خديجة إلى المشفى لكي تطمئن على حالتها .

وعندما وصلت إلى المشفى تم دخولها على الفور لغرفة الطوارئ وفحصها فؤاد بعناية ثم فضل أن تستلقي بغرفة خاصة ومتابعتها بإتقان من أجل سلامتها وسلامة الجنين.
وبعد أن انتهى من عمله كطبيب ، قرر أن يهاتف رب عمله لكي لا يغضب عليه ، وبالفعل وضع الهاتف على أذنه يستمع للرنين على الجهة الأخرى.

في ذلك الوقت نهض سليم من جانب حياة لكي لا يُُقظها ووقف بشرفة الغرفة وهو يجيب على الهاتف بانصات يستمع للطرف الآخر.
وبعد أن علم بأن وضع الجنين بخطر زفر أنفاسه بضيق وقال بلهجة صارمة:
– شوف شغلك يا فؤاد ومدام نور تفضل تحت رعايتك لم وضعها يستقر
– أمرك يا باشا ، ثم أردف قائلا:
– بس حابب ابلغ حضرتك أن الحمل ضعيف وممكن نفقده
ضيق حاجبيه بضيق ثم قال بصوت حاد :
– هو مش انت دكتور ولا انا بتهيالي شوف محتاجه ايه ووفرهولها اعمل اللي عليك والمطلوب منك وبس ، تفضل تحت عنيك في المستشفي لم حالتها تستقر ومش هقرر كلامي تاني يا فؤاد
ثم اغلق الهاتف دون أن يستمع لرد فؤاد
فتح حياة عينيها أثر نسمة الهواء التي لفحت بوجـ هها ، راقبته وهو يتحدث بالشرفة عبر الهاتف ، نهضت مسرعاً تريد أن تعلم ما الحديث الهام الذي يجعله غاضب بهذا الحد ، حاولت أن تسترق السمع لتعلم ما هي مخطاطته الجديدة في الأعمال المشبوة
كان يغادر الشرفة بعدما أغلق الهاتف بينما حياة تقترب من الشرفة وحدث بينهما تصادم كادت أن تسقط أرضًا على ظهـ رها ولكن كانت ذراعيه الأقرب إليها وحاوط خصرها يمنعها من السقوط
جف حلقها بسبب توترها والامـ ساك بها ، ظنت بأنه رآها تحاول أن تنصت لحديثه
قرر هو التلاعب باعصابها وهي بين احضـ انه :
– عاجبك الوضع ده انا معنديش مانع
ابتعدت عنه وقالت بحده:
– وقح
أعطته ظهـ رها لتبتعد ولكن جذب رسغها وقبض بقوة عليه عادها إليه ثانيا ونظر لعيناها بثبات قائلا بلهجة واضحة :
– مش هقبل بلسانك الحلو ده يتطاول عليه، صدقيني مش هتردد لحظة أن أخرسه وبطريقتي
ثم تركها وعاد إلى الفراش متجاهلا نظراتها المشتعلة التي ترمقه إياها ، تبسم لها بلامبالاة وتسطح الفراش وهو يدندن اغنية مازال لحنها يتردد على مسامعه منما زادها غضبا ، تركت له الغرفة ودلفت داخل المرحاض لكي تتوضا وتنتظر أذان الفجر لكي تصلي فرضها وتتلو سورة البقرة كما اعتادة فعل ذلك في الآونة الأخيرة..
وعندما تطلعت لانعكاس صورتها بمرآة الحمام رأت عينان تتوهج من نار مشتعلة تحدجها بنظرات غاضبة صرخت بفزع ووضعت يـ دها على مقبض الباب بينما صوت صراخها وصل لمسامع سليم فز من اعلى الفراش بقلق ووقف أمام باب المرحاض ووضع يـ ده على المقبض يفتحه بتوجس، وجدها أمامها وهي تلهث أنفاسها كأنها كانت داخل سباق للركض وخرجت صوتها بصعوبة:
في حد جوة أنا شوفت عنية بتبص عليه
– أهدي ما فيش حاجه ، دلف لداخل المرحاض لكي يطمئنها بأنه فارغ وليس يوجد.احد ثم عاد.اليها وجد جـ سدها يرتجف ومازالت تتحدث بهسترية:
– والله عنية نار وبتبص عليه بغل
ربت على ظهـ رها برفق وأمـ سك بذراعيها لكي تسير إلي حيث الفراش جلست على أطرافه وعينيها تتلفت هنا وهناك بخوف ثم وضعت كفيها على وجـ هها وانسابت دموعها تبكي بمرارة وقالت من بين دموعها:
– أنا كنت ارتاحت من الكابوس ده ، ليه أنا تاني أشمعنا أنا
وقف أمامها عجزًا عن تهدأتها ولا يعلم بماذا يفعل لها ، فهو يصدقها كما أخبره والدها بأنها لم تتعافى تمامًا من ذلك السحر اللعين ، بحث من بين اغراضة عن مصحف ولكن لم يجد ، فتح الهاتف خاصته وبحث عن تطبيق المصحف المرتل وعندما وجده بدء باشعاله ليصدح سورة البقرة بارجاء الغرفة وجلس بجانب حياة ووضع الهاتف اعلى الفراش لكي ترتاح منما هي تشعر به الآن .
بعد مرور نصف ساعة وجد راسها تميل على كتفه ، علم بأنها ذهبت في النوم ، حاوطها من ظهـ رها وظل جانبها؛ واغلق الهاتف من ترتيل القران وضغط زر الاتصال بشقيقه
ولكن مازال شقيقه هاتفه مغلق ، زفر بضيق وألقى الهاتف اعلى الفراش ثم القي بجـ سده هو الآخر فهو يشعر بالارهاق وجذب حياة لتتوسد صـ دره ولازال كتفه محاوطها بتملك وكأنه يخشى فقدانها ..

❈-❈-❈
أشرقت شمس الصباح وبد يوم جديد ، نهض أسر من فراشه بعدما طبع قـ بلة حانية أعلى وجنة ميلانا وبحث عن هاتفه ليجد الساعة الثامنة صباحا وموعد الطائرة الخاصة بشقيقه الساعة العاشرة، نهض مسرعاً ينعش جـ سده بالماء وابدل ثيابه ثم دنا من زو حته يحاول ايقاظها برفق لكي تستعد هي الأخرى لأنهم سيقيلون شقيقه وزو جته إلى المطار .
دنا من وجـ هها يقظها بقـ بلات متفرقة أعلى صفيحة وجـ هها وبين القـ بلة والآخرى يهمس باسمها :
– ميلو ، قلبي ، صحي النوم يا روحي
فتحت عيناها بنعاس على بسمته الجذابة وصوته الهامس:
– صباح الخير على أجمل ما رأت عيني
نهضت تعانقه بحب وتجيبه قائلة:
– يسعد صباح ها الوجه الحلو
– ولا ما حد حلو غيرك يا قلبي أنا
ثم أردف قائلا:
– اجهزي بسرعة عشان هنوصل سليم وحياة المطار
نهضت مسرعة وهي تعطية قـ بلة في الهواء وهو يبادلها الإبتسامة بسعادة، ثم التقط هاتفه واعاد تشغيله ، ليتفاجئ بعدة اتصالات من والدته أمس ومن شقيقه ايضا، شعر بالقلق وعلى الفور تحدث مع شقيقه.
اجابه سليم بهدوء:
– صباح الخير يا عريس، صبحية مباركة
– الله يبارك فيك ، طمني هو في ايه لاقيت اتصال من ماما امبارح ومنك خير في حاجة حصلت
زفر أنفاسه بهدوء وقال:
– نور تعبانة وفي المستشفى من امبارح
– ودي خطة منها عشان اقعد جنبها ولا ايه ؟
– لا هي تعبانة فعلا وانا بعت لها عربية إسعاف والدكتور فؤاد متابع حالتها
هتف أسر بجمود:
– خلاص بعد ما نوصلكم المطار هنطلع على المستشفى نطمن عليها
– تمام وأنا جاهز عشر دقائق ونتحرك
أغلق الهاتف ورفض أن يخبره بأن الجنين من المحتمل أن يفقده
كانت حياة تستمع له عندما فتحت عيناها ووجدت نفسها نائمة على صـ دره نهضت مسرعة وعندما شعرت بايفاقته تصنعت النوم .
اعتدلت في نومتها وتلاقت أعينهم بصمت
قطع سليم ذلك الصمت قائلا بصوت دافئ:
– عاملة ايه دلوقتي أحسن؟
تذكرت ما حدث معها فجرًا ، فأومت له برأسها :
– الحمد لله
– طيب استعدي عشان ميعاد الطيارة ، وأسر وميلانا هيوصلونا المطار
نهضت تدلف لداخل المرحاض توضت وغادرت مسرعة وصلت الفجر الذي فاتها ثم صلت الضحى، ووقفت أمام المرآة تضبط حجابها ، بيمنا هو كان ارتدى حُلته الرمادي وجلس بمقعدة المتحرك وغادرو الجناح سويا، ليلتقون بشقيقه أسر وزو جنه أيضا بالردهة ، اقتربت الفتيات يعانقون بعضهما بينما الشبان يتهامسان بالذي حدث لنور..
بعد غضون دقائق كان يدلف أسر بسيارته داخل المطار مودعًا شقيقه بالاحضـ ان واوصاه الأخير بالاهتمام بصحته وبوالدته بزو جاته ثم ضحك بصوت عالٍ وبادلة أسر الضحك وقال مازحاً:
– قدري انتجـ وز أتنين
ربت على كتفه:
– ربنا معاك ، ثم استرسل قائلا:
-أشوف وشك بخير
وودعت حياة ميلانا أيضا ثم سارت بجانب سليم لكي يصعدون على متن الطائرة واستقل كل منهما مقعده وجلست حياة بجانب النافذة تتطلع منها للخارج وعندما أقلعت الطائرة ظلت شاردة بالسحب وفي مصيرها القادم التي لا تعلم عنه شيء ، أما عن سليم فقد كان منشغلًا بأمر هام للغاية وتلك السفرة ستحدد مصيره القادم..

الفصل السابع والعشرون
داخل المشفى
بعدما غادر المطار برفقة زو جـ ته، قاد سيارته إلى حيث المشفى الخاصة بوالده الراحل.
وبعد مرور نصف ساعة صفا سيارته أمام المشفى وترجل من سيارته وفتح الباب لكي تترجل “ميلانا” هي الأخرى، تشابكت ايـ ديهم وهم يدلفون لداخل المشفى ووقف أمام الاستقبال يتسال عن وجود زو جته في أي الغرف.
نظرت فتاة الاستقبال لشاشة الحاسوب أمامها ودقت باناملها الاسم الذي أخبرها به “أسر”
ثم عادت تنظر له واخبرته برقم الغرفة والطابق التي يوجد به نور.
شكرها أسر بامتنان وسحب كف ميلانا وسارو الي حيث المصعد ثم دلفوا لداخله وضغط زر 4 الطابق الذي يوجد به زو جته “نور”
وعندما توقف المصعد بالطابق المنشود وترجلا من داخله سار بحثا عن رقم الغرفة وعندما وجده تركت ميلانا يـ ده وشعرت بالاحراج فلا تريد أن تغضب نور بوجودها، تسمرت مكانها وقالت:
-أسر فيني اضل هون
ظل متمـ سك بيـ دها رافضًا أن تظل وحدها ونتف قائلا بحب:
-من انهاردة أيـ دك مش هتسيب أيـ دي انتي فاهمة
– وجودي هلا راح يزعل نور، بيكفي شو صار فيها من تعب
ظلت متمـ سكة باصرارها لا تريد أحزان نور وهي تقدر تلك المشاعر وفضلت ان تنتظره.
طبع قـ بلة حانية أعلى راسها ثم طرق الغرفة وولج لداخل
نهضت والدته تستقبله باحضـ انها وتبتسم له مباركة له زو اجه وتسأل عن شقيقه الذي أخبرها بأنه اوصله للمطار قبل أن يأتي لهنا، ثم تسأل هو بدوره عن حالة نور:
-نور عاملة ايه؟
تنهدت بضيق وقالت:
-والله يا بني ما عارفه، امبارح بالليل كانت عمالة تتلوي من بطنها ولم جينا على هنا الدكتور عمل اللازم بس قال تفضل تحت الملاحظة يومين، واخدت مسكن وعلقت محلول ولسه نايمه
تنهد بعمق وهو يطالعها وهي ممدة على الفراش بسكون تام وملامح وجـ هها شاحبة، لوهلة دق قلبه متلهفًا عليها واقترب منها بهدوء وجلس بالمقعد المجاور لفراشها تفرست عيناه جـ سدها وتوقفت مقليه وهي تعانق احشائها، هنا يرقد طفله، يود أحتضـ انه والشعور به، يتمنى لو يضع كفه يلامـ س طفله وهو برحم والدته، ابتسم لتلك الأمنية وبالفعل رفع كفه ووضعه برفق على احشائها، شعرت نور بملمـ س يـ ده ابتسمت داخلها بسعادة فهذا الوتر التي ستلعب عليه في الفترة القادمة.
غادرت خديجة الغرفة لكي تترك لهما مجالا للحديث فهي مازالت زو جته وتحمل باحشائها طفلا منه وهو البذرة المشتركة بينهما وستظل بينهما إلى تنتهي أعمارهم.
التقت بميلانا التي ضـ متها إليها بحب وقررت ان تأخذها لتناول الإفطار معًا بكافيتريا المشفى..
اما عن أسر فشعر بنبض خافت أسفل كفه ووجد نور تفتح عيناها بذلك الوقت، همس بمشاعر متخبطة مزيج من الفرح والتوتر والقلق معًا وقال بصوت متلهف سعيد:
-نور انا حـ سيت بنبضه كأنه حـ س بيه هو كمان
لاحت ابتسامتها وفضلت اللعب على أعصابه وهمست برقة وهي تضع كفيها أعلى كف أسر :
– بابي هنا جنبك يا حبيبي ومش هيسبنا أبدًا
ابتلع ريقه بتوتر وقال :
– ارتاحي دلوقتي وانا هشوف الدكتور عشان اطمن عليكم
ابعد كفه وهم بالسير ولكن استوقفته قائلا بصوت ناعم :
– حبيبي أنا نفسي في الكريز ممكن ادوقه
أوما براسه وهو يغادر الغرفة بحثًا عن مكتب الطبيب ليتحدث معه عن وضع زو جته وابنه..
إما هي فظلت تضحك بمكر فهذا الطفل سيجعل أسر يعود إليها وستعاود إشعال الفتيل بين الاخوه وستنجح في انتقامها..

داخل منزل فاروق بالقاهرة..
دب القلق بقلبه وظل جالسًا على سجادة الصلاه يدعو لابنته بالسعادة والتوفيق في حياتها الجديدة، وحاول تنفيض الأفكار السلبية التي تهاجم راسه بسبب قلقه عليها وعلم بأن ذلك من الشيطان يريد نزع فرحتهم بزواج غاليته وتفاحة قلبه “حياة”
أتت فريدة تجلس بجواره قائلة:
-تقبل الله يا روقه
تبسم لها بحب ورد قائلا:
– منا ومنكم يا نور عين روقه
فركت كفيها بتردد، رمقها والدها وهو يضيق جبينه ثم هتف متسألا:
– عاوزة تقولي أيه يا فريدة
-بصراحة يا بابا عاوز اطمن ان ورقي هيتقبل في جامعة القاهرة وانا لسه ماخدتش اي أجراء والسنة الدراسية الجديده باقي عليها شهرين بس
-يا بنتي انا مش ناسي طبعا حاجة مهمة زي تعليمك، أنا كلمت سراج يسال ويشوف ايه المطلوب نعمله وهو وعدني انا هيقدم ورقك بنفسه
تنهدت بارتياح بعدما علمت بان بطلها سيحل لها امر جامعتها ورقص قلبها فرحًا فسوف تلتقي به ولابد بأنها ستلفت انتباهه يومًا ما، لأنها علمت من حديث الجدة عنه بأنه شاب يُحب السهر ويفعلو ما يحلو له دون رقيب او قيود وتريد هي أن تكون ذلك القيد الذي سيقيده عن فعل تلك الأشياء المحرمة..
طرق باب مكتبه ودلف لداخل بعدما اذن له الاخير بذلك، تقدم أسر بخطوات واسعة، وقف الطبيب فؤاد يرحب به وهو يصافحه بحرارة :
-اهلا وسهلا يا أسر باشا، ده المستشفى نورت بوجودك
هتف بود:
– شكرا يا دكتور، ثم اردف متسالا عن وضع زو جته وطفله:
– عاوز اطمن على حالة المدام والجنين
أشار له بالجلوس :
– طيب اتفضل استريح، تحب تشرب ايه؟
– لا مافيش داعي للشرب، ياريت حضرتك تقولي الوضع ايه بدون ما تخبي عليه حاجة
-تحت امرك طبعا يا باشا.،ثم استرسل قائلا بتردد:
– مدام نور متوترة الفترة دي ولازمها راحة واهتمام عشان طول ما نفسيتها كويسة البيبي كمان هيكون بخير، لأن الحمل لسه في أوله وضعيف ومعرض الاجهاض لقدر الله لو مااهتمتش بالحمية الغذائية ليها والجنين والابتعاد عن التوتر والعصبية والأفعال
ابتلع ريقه بتوتر ثم قال متسالا؛
– هل ممكن الطفل ده يحمل نفس مرضى
نظر له فؤاد بترقب وقال بعملية:
-الحقيقة الطفل بياخد كورموزات من الاب والام ولو كان الطفل ولد او بنت بتفرق في الجينات الوراثيه لو ولد بيحمل الكورموزات الأكبر من آلام ولو بنت العكس
– انا مش فاهم حاجه يا دكتور ممكن حضرتك توضحلي اكتر
هتف باسف:
– 90٪ معرض وراثة نفس المرض و10٪ ممكن يتولد طفل سليم مش حامل المرض
هتف بامل:
– نقدر نعرف أمته حامل المرض او لا
– دلوقتي العلم تطور طبعا ونقدر نعرف من تحليل من المشيمة وخزعة من الحبل السُري بعد شهرين من بداية الحمل ونحدد اذا كان الطفل ده مصاب باي مرض عضوي او وراثي او في تشوه لقدر الله كل حاجه بتعرف
تنهد بعمق ثم قال بجدية:
– عاوز اعمل التحليل ده واطمن على ابني وايه المفروض يتعمل
– مدام نور في نص الشهر التاني يعني نقدر نعمل التحليل بعد اسبوعين
أوما له براسه ونهض عن مقعده ثم صافحه مرة أخرى وغادر الغرفة وهو هائما على وجـ هه فهو لا يتمنى لابنه نفس مصيره مع المرض، لن يتحمل رؤى ابنه يعاني منما هو يعاني به طوال عمره، يتمنى لو يعطيه عمره ولن يرا به مكروه ولا يراه يتألم لحظة..
هكذا هو الاب لن يتحمل رؤية فلذة كبده يعاني الألم يود لو انه ياخذ آلام ابنه لينعم صغيره بالحياة دون حواجز او عواقب تواجـ هه..

❈-❈-❈

بينما على الجانب الاخر.
يجلس سراج داخل الشركة يتابع العمل بكل همة ونشاط بغياب سليم وأسر، وفجأة تذكر الأمر الذي كلفه به فاروق من أجل أوراق الدراسة الخاصة بريدة، ووجدها فرصة التقرب من تلك الفتاة التي يراها متقلبة تارة تبادله الحديث بود وتارة أخرى تعامله بكل جمود وجفاء، أصبحت الغامضة بالنسبة له ويريد حل ذلك الغموض، فنهض عن مكتبه وغادر الشركة يريد أن يلهو هو الاخر.
وعندما استقل سيارته، اخرج هاتفه وقرر ان يهاتف العم فاروق ويخبره بأنه يريد فريدة لكي تذهب معه إلى الجامعه ف وجودها مطلوب من قبل أدارة الجامعة وهو بنفسه سيكون جانبها ويصلها ثانيًا إلى المنزل بعدما ينتهون من ذلك الامر المتعلق بالحقاها بالجامعة..
ثم أغلق الهاتف بعدما استمع لرد فاروق بالموافقة على الذهاب إليهما وأخبر أبنته أيضا بالاستعداد للذهاب بصحبة سراج إلى الجامعة، انتابها الشعور بالحماس وعلى الفور ركضت تبدل ثياب المنزل وتنتقي ثوب مناسبًا للخروج برفقة البطل المغوار الذي سيهرب بها على حصانه الأبيض كما تتخيل من أحلامها الوردية ورواياتها الرومانسية المغرمة بهم والمتيمة بوجود بطل كما رسمته بنسيج خيالها وتتقمص هي الآن دور البطلة التي ستصلح من أخلاق البطل المستهتر المتهور الذي لا يحمل همًا ابدا، ولا يمتثل لاراء الغير..

صفا سراج سيارته أمام البناية ثم ترجلا منها ودلف لداخل البناية وصعد إلى حيث الشقة التي تقطن بها هي وعائلتها، وقف أمام الباب يهندم حُلته الكحلية وهندم ياقة قميصه الأبيض الذي ترك به اول ازراره مفتوحة لتظهر من خلفها عضلات صـ دره، وتنحنح بخفوت ثم رفع انامله يضغط زر الجرس.
فتح له دلال الباب مرحبة به:
طالعها سراج. بابتسامة هادئة وقاال؛:
– ازيك يا خالتو
– بخير يا حبيبي، اتفضل يا سراج ادخل يا حبيبي انت مش غريب، عمك فاروق في الصالون
افسحت له الطريق ثم عادت ثانيًا إلى المطبخ التي مازالت داخله منذ الصباح تعد وجبة الغداء فاليوم اشتهي فاروق المحاشي المشكلة واصرت على تناوله على غذاء اليوم..
تقدم سراج من غرفة الصالون ليجد فاروق يرتدي نظارته الطبيبة وجالس بجانب صغيرته أمل يشرح لها بعض الدروس
هتف سراج قائلا :
– سلام عليكم
اجابه فاروق بود ثم دعاه للجلوس
تبسم لامل قائلا:
– ازيك يا اموله
اجابته بهدوء:
– الحمد لله يا ابيه
نظر لها فاروق قائلا:
– بلغي فريدة أن الباشمهندس سراج موجود خليها تخلص عشان ما يتاخروش على الجامعة
نظر له سراج بود وقال:
– باشمهندس أيه بس يا عمي احنا أهل واعتبرني ابنك
ربت على ارجله بود :
– يعلم ربنا معزتك عندي يا بني، ربنا يحفظك ويبارك فيك

نهضت من جانب والدها :
– حاضر يا بابا، ثم أسرعت في خطواتها تطرق باب غرفة شقيقتها ثم ولجت قائلة بغمزة مشاكسة ثم اقتربت من شقيقتها :
– ابيه سراج قاعد مع بابا
نظرت لشقيقتها قائلة وهي تنظر لثوبها :
– ايه رايك يا أموله في لبسي
– قمر يا فيري
التقطت حقيقتها البيضاء وغادرت الغرفة بانفاس مضطربة وعندما ولجت لداخل الصالون صخب قلبها ازدادت نبضاته في حضور ذلك السراج الذي سرق لُب قلبها، جف حلقها وهربت الكلمات منها، ابتسمت ابتسامة طفيفة ثم قالت:
– مساء الخير
استقام سراج ينظر لها باعجاب ولاحت ابتسامته وهو يتقدم منها خطوة ومد يـ ده يصافحها قائلا:
– ازيك يا فريدة
صافحة بتوتر اجابته بهدوء:
– الحمد لله
ثم نظر لوالدها مستأذن أياه :
– هنمشي أحنا بقا يا عمي
خلي بالك من فريدة
في عنية ياعمي
خرجت منه بعفوية وغادر الشقة باكملها، انتظرها لحظات إلى أن تخبر والدتها بذهابها، لتخرج دلال من المطبخ وهي تنادي سراج قائلة:
– سراج لم تخلص مشوار الجامعة ترجع على هنا مع فريدة عشان تتغدا معانا يا حبيبي
– بس سنسن يا خالتو
قاطعته قائلة
– لا اطمن على سنسن لم اخلص الغدا انا هروح أجيبها بنفسي، يعني هترجع تلاقيها هنا
ابتسم لها واجابها:
– حاضر يا خالتو، سلام عليكم
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اغلقت الباب خلفهم وعادت إلى مطبخها اما عن فريدة استقلت المصعد هي وسراج وكانت لا تستطيع السيطرة على نبضات قلبها التي تكاد تفضحها
اما عن سراج فظلت عيناه تراقبها ويتفحص جـ سدها عن قرب، فقد كانت ترتدي ثوب أبيض به ورود صغيرة وخصرها الممشوق يحتضـ نه حزام رفيع بني ويصل ثوبها إلى بعد ركبتيها وترتدي أسفله بنطال ازرق بلون الورد المزركشة على ثوبها الأبيض، كم ارتدت حجاب ابيض صغير وتضع حقيبتها الكورس تنسدل على صـ درها
وقف المصعد أخيرًا وترجلت منه بتوتر اما هو فاق من تحديقه بها ولحق بها يشير إلى سيارته
فتح لها الباب وبعد أن استقلت بالمقعد نظرت له بامتنان وقالت :
– شكرا
بعدما جلس هو الاخر خلف عجلة المقود، نظر لها قائلا:
– اربطي حزام الأمان لان متهور في سواقتي
لوت ثغرها وردت قائلة بصوت خافت:
– واضح انك متهور في حاجات كتير
عاد يرمقها بنظراته وهتف بتسأل :
– بتقولي حاجة؟
هزت راسها نافية وقالت :
– ياريت تسوق على مهلك عشان نوصل الجامعة بدل ما نوصل المقابر الله لا يسيئك
رفع حاجبيه بدهشة على حديثها الذي يجعله يبتسم وقال باقتضاب:
– هحاول
❈-❈-❈
بعد قرابة الخمس ساعات من تحليق الطائرة في السماء، أقتربت من وجـ هتها بمطار لندن وهبطت الطائرة داخل المطار وبدأ الجميع في الترجل واحد تلو الأخر
وظل هم الثنائي ينتظرون من إدراة المطار أن يحضرون الدرج المتحرك المسطح لكي يترحل سليم بمقعده المتحرك عليه، سامت حياة من ذلك الوضع لأنها تعلم بأن كل ذلك إدعاء بالعجز وأستعطاف الناس وهو مثل اللهو الخفي يفعل كل الجرائم دون رادع ولكي لا يسير الشكوك حوله اتخذ من المقعد متحرك حاجزًا ليبعد عنه الشبهات.
بعد برهة من الوقت، كانوا يغادرون المطار بعد انتهاء الأوراق ووجد سيارة في انتظاره صافح الشاب الذي يبدو على ملامحه بأنه من جنسية أمريكية وتحدث معه باللغة الانجليزية بعيدًا عنها لكي لا تستمع لحديثه ثم عاد إليها والتقط كفها ثم قدمها لذلك الشاب الذي يُدعى “جانً وأخبره بأنها زو جته
ثم استقلوا سيارة” جان” الذي ساعد” سليم” على الجلوس بالسياره اذا هذا الشاب أيضا لا يعلم عن خدعة سليم، وقاد السيارة متوجهًا إلى المشفى التي من المفترض أن يجرا بها سليم العملية، كل ذلك يحدث تحت انظارها المندهشة ولم تستطيع أن تُعقب عليه.
ودعه جان بالمشفى ثم أعطاه مفتاح شقة خاصة بسليم، وغادر جان المشفى اما هي فظلت على صدمتها وتسمرت مكانها تهتف بغضب:
– ممكن افهم بقا احنا هنا ليه؟
حدجها بغضب وضغط على أسنانه قائلا بغيظ:
– نتكلم بعدين مش هنا
أتت فتاة شقراء تصافحه بود وقرب زائد كما انها دنت منه تقـ بله من وجنتـ يه تحت نظرات حياة الصادمه وظلت مكانها تنظر حولها بضيق وهو يتبادل أطراف الحديث مع تلك الشقراء الذي يناديها ” كريست”
قضمت اظافرها وهي تتطلع لتلك المسرحية السخيفة من وجـ هه نظرها وبعد دقائق كانت كريست تدفع الكرسي المتحرك الخاص بسليم أشارت لحياة بأن تتبعها واوصلتهما إلى الطابق الخامس من ذلك الصرح الضخم، وودعتهما بابتسامة لطيفة.
اغلقت حياة الباب خلف تلك الشقراء بغضب وصرخت بوجـ هه منفعلة:
– ممكن أفهم في ايه؟ انا مااحبش اكون مهمشة كده ومش فاهمة أيه اللي بيحصل حواليه
حدجها بنظرات فاترة خالية من المشاعر وقال بجمود:
– تعرفي باي صفة
– أنا مراتك ومن حقي اعرف أنا هنا ليه وليه احنا هنا في المستشفى مدام مافيش عملية من الأساس
نهض عن مقعده واقترب منها بخطوات ثابتة تراجعت هي للخلف بخوف بعدما دب الرعب باوصالها
ولم يعد يفصل بينهما إلا خطوة واحده، صوب انظاره بعينيها مباشرةً وقال بصوت هامس:
– مين قال ان مافيش عملية هتعمل؟
ثم دس كفيه داخل جيب بنطاله ولانت عظام وجـ هه الحادة وقال :
– كل الانفعال اللي انتي عملاه ده ليه، عشان انتي تبقي مراتي بجد معلومة جديدة عليه
ثم دار وجـ ه لجهة الأخرى وافلت ضحكته الساخرة على ما تفوهت به قبل لحظات.
اما عنها فقد سألت دمعتها الحزينة ولا تعلم لماذا تذرف الدموع الآن ولا تعلم عن أي مصير تواجهـ ه مع هذا الشخص الغامض الذي يكون زو جها..
❈-❈-❈
عودة إلى القاهرة وبالتحديد داخل جامعة القاهرة الخاصة بكلية التجارة.
انتهى سراج من الأوراق المطلوبة لكي تنتسب فريدة للجامعة بداية من العام الدراسي الجديد.
شكرته فريدة على كل ما فعله من أجلها، وهذا ما شجعه على الحديث معها بصفو نية، فقد دعاها للجلوس بإحدى الكافيهات، وافقت على مضض ولكن لديها شعور بأنها تريد أن تتعرف عليه عن قرب.
بعدما جلسوا الكافية وأتى النادل يدون طلباتهم
نظر لها سراج قائلا؛
– تحبي تشربي ايه؟
– عصير مانجة
ابتسم لها ونظر للنادل قائلا:
– قهوة مظبوطة وعصير مانجة
– حاضر يا افندم
غادر النادل ليحضر لهما المشروب وظل الصمت قائم بينهما
حك سراج عنقه ثم قال بترقب لردة فعلها :
– فريدة انتي زعلانه مني؟
هزت راسها نافية؛
– لا خالص وهزعل لسه؟
– يمكن عشان طلبت منك امبارح نرقص مع بعض، مش عارف حاسـ س انك بعيدة بعد
قاطعته بصدمة؛
– بعد ايه انا مش فاهمة حاجة
– اديني فرصة اخلص كلامي الأول ممكن
أومت براسها وظلت صامتة تستمع له
– يوم ما قعدنا في الفراندة وفتحتي ليه قلبك وشاركتيني حرنك ووجعك يومها، رغم اننا كنا لسه متعرفين، حـ سيتك عفوية كده وفجأة بعدتي تاني وكنتي بتهربي مني لم جيت مع سليم نطلب ايـ د حياة وكمان في كل التحضيرات حاولت أقرب منك افهم انا صـ در مني أيه زعلك اوي كده وبردو كنت بلاقيكي بتهربي، ممكن اعرف السبب دلوقتي؟
آت النادل في ذلك الوقت ووضع فنجان القهوة أمام سراج وكأس العصير أمام فريدة وشكره سراج ورحل اما سراج فظل يتطلع لفريدة ينتظر جوابها
ضحكت بعفوية إلى أن توردت وجنتيها حمرة ثم تذكرت ذلك اليوم الذي رآها بمنامة المنزل فقد كانت تشعر بالخجل ولذلك تهربت منه في ذلك اليوم وبالفعل وجدت نفسها تسترسل له ما حدث معها بعفوية شديدة
ابتسم سراج هو الاخر والتقط كفها بين راحته منما جعلها تنظر له بصدمة وقال هو بمشاعر صادقة:
– تعرفي كنت زعلان جدا اكون زعلتك من غير ما اقصد وكنت طول الفترة دي عمال أحاسب نفسي عملت اي تصرف غلط معاكي، غير في الوقت ده انشغلت جدا بالتفكير فيكي، لدرجة بطلت سهر وهلس زي ما تيتا بتقول، وحـسيت ان بقيت سراج جديد، بدلتيني من غير ما تقصدي وكنت هتجنن ببعدك ده، حبيت أقرب منك امبارح واقولك على اللي في قلبي ناحيتك ولاقيتك صدتيني، جالي احـ ساس وقتها بعدم القبول، انهاردة وانا في الشغل طيفك جالي وقولت لازم أقرب واقطع الشك اللي جوايا، فريدة انا اتعلقت بيكي من اول لم عيني جت في عينك وشوفت دموعك وكان نفسي اخفف عنك، من وقتها مش بتفارقي أحلامي، حتى وانا صاحي بشوفك برده
تبسمت في خجل وسحبت كفها من بين راحته وقالت بهمـس:
– يعني ايه؟
– يعني بحبك يا بنت الناس ورايد اسمك يرتبط باسمي الباقي من عمري
ثم بادلها الابتسامة بمشاغبة وقال:
– تتجـ وزيني ولا اقوم ارمي نفسي في النيل واريحك
ضحكت برقة وقالت:
– لا هرضي بيك واكسب فيك ثواب، حرام تموت منتحر وكافر
– الله على لسانك اللي بينقط عسل يا بت
ثم ضحك هو الاخر واستقام واقفًا و مـ د يـ ده لتعانق يـ دها ولم تجد إلا أن تضع كفها بيـده ومال على اذنها هامسًا : بحبك يا فريدة قلبي وعقلي
نظرت له بحدة وكانها تذكرت امر ما ثم اشهرت سبابتها أمام وجـ هه وقالت:
– تعرف يا سراج لو عيونك الحلوين دول بصوا لحد غيري مش هتشوف بيهم تاني يا روحي
ضحك على جنونها وضـ مها من كتفها وقال:
– مااقدرش يا روحي، أنا توبة خلاص على ايدك
غادرُ سويا الكافية واستقلُ السيارة عائدين إلى منزلها وقرر في المساء التحدث مع جدته ووالديه لكي ياتون من دبي وتتم خطبته على محبوبته والزفاف سيقام بعدما يعود سليم وحياة من الخارج ليكون الاحتفال الأكبر بنجاح عملية سليم والوقوف على قدميه ثانيًا..

❈-❈-❈
في لندن..
بالمشفى جلس سليم على الفراش وأعاد تشغيل هاتفه ثم هاتف شقيقه يخبره بوصوله وبعد أن اطمئن عليه وعلى وضع زو جته، شعر بحزن شقيقه وعندما تسأل عن الأمر، اخبره الاخير بأنه يخشى على طفله ان يحمل نفس مرضه
انتابها الفضول في التحدث عن شقيقه فيبدو بأن تلك العائلة جمعيهم غامضون، وجدت جانب اخر من سليم وهو يحدث شقيقه بحنو ويحاول ان يبث له الطمأنينه داخله ولن يخاف على طفله فالرحيم لن يتركه.
اندهشت من حديثه ونظرت له بتسأل
– وهل تعلم حقًا بأن الرحيم لن يتركه، تتحدث عن الله سبحانه وتعالى وعن لطفه وانت تغضبه
لم ينطق بها لسانها ولكن نظراتها كانت كالسهام التي تُصيبه بقلبه، اشاح وجـ هه مبتعدًا عن حصار نظراتها التي تجلده بالسياط، وترك الغرفة وداخله براكين مشتعله لو خرجت لاحرقت الأخضر واليابس، اخرج هاتفه وتحدث مع “جان” الشاب الذي كان يعمل مع والده ذراعه الأيمن في كل تلك الأعمال الاجرامية التي كان يفعلها والده لكي يصبح في عالم المافيا شخصاً لن يستهان به..
املي عليه اوامره بأنه يريد اللقاء مباشرةً مع المافيا فلديه شحنة أسلحة ضخمة ويريد الخلاص منها بأسرع وقت، ثم أغلق الهاتف وهو يزفر أنفاسه بضيق

الفصل الثامن والعشرون
كان طارق حبيس لغرفته، لا يتحدث مع احد، فقد زهد الدنيا وما فيها بعدما فقد حياة وتزو جة من آخر، لم يقدر على رؤيتها باحضـ ان غيرها، وهو يستحق ذلك بسبب كل مافعلته والدته، كما أن والده أيضا خسر شقيقه الأصغر، حاولت والدته إخراجه منما هو فيه ولكن كان رافضًا تمامًا منطوي على نفسه وكأنه ينتظر الموت الذي سيخلصه من هذه الدنيا الغرورة.
ولج شقيقه الأصغر يحاول ان يتحدث معه ويساعده في أخراجه من عزلته.
دنا من فراشه وجلس “محمد” على طرف الفراش ونظر لشقيقه بأسى:
-وبعدين يا طارق هتفضل كده رافض الاكل والشرب وحتى تخرج من اوضتك، ووقفت شغلك وحياتك، حرام عليك صحتك إللي بضيع كدة
رمقة بنظرات حزينة وظل صامتًا
ربت محمد على كتفه وقال باسف:
– مش عاوز اسافر وأنا قلقان عليك يا طارق، أنا مسافر هربان من والدتك واللي بتعمله، مش قادر اكمل حياتي بالشكل ده، مش هسمح ليها تدمر إللي باقي من حياتي، كفاية خسرتني خطيبتي وحب عمري، دمرت كمان حياتك مع حياة، والدتك دي لازم تحـ س بغلطها، انا مش راجع تاني يا طارق ان قررت الهجرة مافيش رجوع تاني، هعيش حياتي زي ماانا مختار، واول لم اموري تتحـ سن هبعت أخد أحمد اخوك هيكون خلص جامعه، وانت كمان فكر في نفسك وحياتك، لو لاقيت نفسك محتاجللي كملني يا حبيبي ابعتلي ورقك هلاقي ليك فرصة عمل كويسه انت محاسب في بنك لو خدت قرار السفر مش تتردد انا موجود جنبك، احنا اتوجعنا كتير ياطارق مش هفضل هنا محلك سر، فكر كويس في كلامي يا حبيبي، أشوف وشك على خير
جذبه طارق باحضـ انه وشدد في عناقه بقوة مودعًا شقيقه، فهم ثلاثتهم عانوا طوال حياتهم بسبب تسلط وتجبر والدتهما وتحكمها الزائد بادق تفاصيل حياتهم وهذا جعلهم يخسرون الكثير..
❈-❈-❈
بالمشفى..
شرد أسر بحديث الطبيب وذفرت دموعه بصمت، رأته ميلانا يبكي ومبتعدًا عن الجميع، يبدو عليه الشرود، أقتربت منه بقلق وجلست بجواره متسألة:
– شو في حبيبي؟ ليش عم تبكي نور صار ليها شيء؟
زفر أنفاسه بحرقة ونظر لها قائلا:
– لأول مرة أحـ س أن نور كان معاها حق انها ترفض تخلف مني
نظرت له مندهشة ثم قالت:
-ليش عم تحكي هيك؟
بتر كلماته بحزن:
-عشان البيبي معرض يحمل نفس مرضى،صعب اتحمل اشوف أبني او بنتي بتعاني من الصرع طول عمرها، بجد صعب وامتحان قاسي بالنسبالي مش هقدر اتحمله
ربتت على ذراعه برفق وقالت بهدوء:
– ما حدا بيعلم بالغيب، هون على حالك وضل واقف مع مرتك هي بحاجتك
ضـ مها بحنان وهمس قائلا:
– بحبك يا أطهر وأنقى قلب عرفته، ثم اردف باسف؛
– أنا آسف ان بعرضك لمواقف صعبه، بجد أسف
-لا تقول هيك، أنا اللي دخيلة على حياتكن
هتف معترضًا:
-لو قولتي كدة تاني هزعل منك بجد، ثم طبع قـ بلة أعلى خصلاتها وهمس بصدق:
-ربنا يخليلي أياكِ يا عمري
ثم نهض من جانبها متذكرًا رغبة زو جته في تناول الكريز فقرر ان يذهب ويجلبه لها، ويعود ثانيًا ليظل جوارها فهي ليس لديها احدًا غيره، ولكي تعود والدته إلى المنزل برفقة ميلانا..
❈-❈-❈
داخل منزل فاروق
التفت العائلة حول مائدة الطعام، بعدما عاد سراج وفريدة من الخارج، وكانُ يتبادلون النظرات الخلسة بينهما؛
انتابه الشعور بالراحة بعدما حصل على فتاة ك فريدة وهي حقًا فريدة من نوعها،كونها فتاة جميلة ورقيقة ولديها أيضا مخالب لن يستهان بها، كما انها لم يسبق لها التجارب وهو الشاب الأول الذي اقتحم حياتها وهذا ما يجعله يشعر بالانتصار انه حصل على فتاة مثلها “خام” كما يقولون لانه سبق له عدة تجارب سابقة وكان يخشى ان يقع بشباك فتاة لعوب كما هو، كان يفعلو ما يحلو له وعندما يمل من الفتيات يبتعد عنهن بدون سابق أنذار، ويبحث عن غيرهن لم يصدق بأن تلك المشاكسة الصغيرة هي من أستحوذت على قلبه وعقله، لابد بأنها ستصله للجنون يومًا ما بسبب جديتها معه.
شعور بالنشـ وة انه حصل بالنهاية على مبتغاه، سوف يتحدث مع جدته أولا ليخبرها بعشقه لفريدة وعليها ان تتولى جدته اقناع ابنتها بالعودة من أجل خطبته وحضور زفافه أيضا.
كلما تطلع إليها وتلاقت أعينهم تنكس براسها في خجل وهذا ما جعله يرقص فرحًا داخله.
قطع صمتهم على الطعام رنين هاتف فاروق، الذي أجابه بلهفة عندما وجد شاشته تنير بأسم أبنته الغائبة الخاصرة بقلبه، ازداد أشراق وجـ هه ببسمة هادئة وهو يجيبها قائلا بحنو:
– حبيبة أبوها واحشاني
❈-❈-❈
على الجانب الاخر في لندن..
كانت تشعر بالوحدة بعدما غادر سليم غرفته بالمشفى وتركها وحدها لا تعي شيء، لم تجد أمامها ألا ان تهاتف والدها لتستمد منه الأمان والقوة التي هي بحاجته.
عندما استمع لصوت والدها الحاني تماسكت لكي لا تذرف الدموع ويشعر بالقلق ويعرفها من نبرة صوتها، لذلك هتفت بصوت مجلجل وكانها في غاية السعادة:
-واحشني أوي يا بابا؛ عامل ايه من غيري يا روقه
ابتسم بحنان واجابها هامسًا:
– قلب روقه مش بيرتاح غير وبناته في حضـ نه، ثم اردف قائلا:
– طمنيني عنكم يا حبيبتي
ردت بهدوء :
– الحمد لله كله تمام واحنا بخير
– وسليم الدكتور حدد ميعاد العملية يا بنتي، ابقى طمنينا عليه ربنا يرده سالم معافى يا رب
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بكذب:
– لسه يا بابا واكيد هطمنكم يا حبيبي اول بأول،
سلملي على ماما واخواتي
-وهم كمان بيسلموا عليكي يا قلبي، خلي بالك من نفسك، في رعاية الله وحفظه
أغلقت الهاتف ونهضت تغادر الغرفة بحثًا عنه، فلماذا تركها وحدها بهذا المكان.
ارتدت الجاكت أعلى ملابسها وغادرت الغرفة بضيق وعندما سارت بخطوات مسرعة اصطدمت بشاب يرتدي المعطف الأبيض الخاص بالاطباء، وهتف معتذرة :
– اعتذر
تطلع لها الشاب بدهشة ثم تحولت الدهشة لابتسامة هادئة على محياه وهو يردد أسمها :
– حياة… مش معقول ايه الصدف الجميلة دي
كانت تنظر له بصدمة، لم تصدق وجوده
عاد يهاتفهًا قائلا:
– انتي هنا بتعملي أيه؟ ثم ضيق حاجبيه وهتف بقلق :
– أنتي هنا مع باباكي؟
هزت راسها نافية لياتي من خلفها سليم يجذبها أليه من خصرها وشدد على قربها منه ليجعلها ملتصقة بجـ سده وقال بصوت حاد:
– لا حياة هنا مع زوجها “سليم السعدني”
ثم تطلع لها بنظرة باسمة :
– مش تعرفينا يا حبيبتي
هتفت بتوتر وهي تشير إلىز ذاك الشاب قائلة:
– دكتور” أدم” كان مسئول عن حالة بابا وهو إللي عمل العملية لبابا
أوما سليم براسه ثم مد يـ ده يصافحه ويقبض على كفه بقوة قائلا
– تشرفت بمعرفتك يا دوك
جف حلقه عندماعلم بهويته، فهو زو ج الفتاة التي تمنى أن تصبح زو جته ولولا سفرته المفاجأة لكان صارح والدها بأمر الارتباط، خرج صوته مبحوح أثر صدمته وقال:
– أنا هنا في تدريب مهم تبع شغلي، وسعيد أن شوفتكم، لو محتاج لحاجه أنا موجود
ثم اكمل حديثه قائلا:
– بس وجودهم هنا في المستشفى في حد تعبان اقدر أساعد
هز سليم راسه رافضًا وقال:
-شكرا يا دكتور، أحنا هنا في زيارة مريض، احنا زي ماانت شايف عرسان جداد وهنا لشهر العسل، بس صديق لي تعبان وكنت لازم اطمن عليه، فرصة سعيدة ان التقيت بحضرتك
أوما له ادم بتفهم ثم سار في طريقه اما سليم فبعد ان تأكد من اختفاء ادم، جذب حياة بقوة ودلف بها إلى الغرفة ثم خرج صوته غاضبًا:
– أنتي أيه اللي خرجك ممكن افهم، كان ناقصنا اللي اسمه أدم ده كمان
ابتعدت عنه بغضب وقالت:
– والمفروض افضل محبوسه هنا ومش فاهمة اللي بيحصل حواليه، وانت كمان سبتني لوحدي هنا ومش عارفه روحت فين
زفر بضيق وقال؛
– لازم نسيب المستشفى فورًا، يلا مافيش وقت، هنروح نقعد في شقتي
– شقتك؟
رفع سماعة هاتف الغرفة وتحدث لطلب المساعدة في حمل الحقائب وإيجاد سيارة تقلهم إلى شقته الخاصة ثم أغلق الهاتف.
بعد لحظات كانُ يغادرون المشفى وعانقته كريستينا مودعة اياه، لوت حياة ثغرها بضجر وولت لداخل السيارة، لحق هو بها واملئ العنوان المنشود على السائق.
في غضون دقائق كان يعطي السائق نقوده ثم ترجلا من السيارة وحمل الحقائب يدلفون داخل العقار الذي يوجد به الشقة الخاصة بسليم، فتح بابها وولج لداخل وهي خلفه تشعر بالتعب والإرهاق ولم يعد جـ سدها قادرًا على التحمل، ألقت بجـ سدها على أقرب أريكة بتعب
كان يود ان يتسال عن ذلك الطبيب المصري ولكن اشفق على حالتها المتعبة فتسال بهدوء :
– هطلب أكل، تحبي تاكلي إيه؟
نظرت له بنعاس وهزت راسها وهي تريح جـ سدها على الاريكة بملابسها واغمضت عيناها في ثواني، اخرج تنهيدة عميقة ثم لاحت ابتسامته وحمل حقيبته ودلف بها احدى الغرف، ابدل ثيابه وعاد إليها حملها برفق وتوجهًا بها إلى غرفته اراحها على الفراش بهدوء ونزع عنها حجابها وظل يتطلع لها بشرود إلى أن نام هو الآخر بجوارها..
❈-❈-❈
في القاهرة.
آت السائق الخاص بسليم بعدما هاتفه أسر وطلب منه الحضور إلى المشفى ليقل والدته وزو جته ميلانا إلى الفيلا، وبعد عدة دقائق كان يودعهم ويطلب من والدته الاهتمام ميلانا.
ثم عاد ادراجه إلى حيث غرفة نور لكي يهتم بها وجلب لها ما تريد .
طرق باب الغرفة ودلف وهو يحمل بيـ ده حقيبة بلاستيكية داخلها طبق من الكرز الذي اشتهته ، دلف أولا ليغسله تحت المياه الجارية ثم جفف حباته بالمحارم الورقية ودنا منها يجلس أمامها على طرف الفراش وبدأ في اطعامها ولكن نظرات عيناه حزينة ، مشتتة ، ظل يطالعها بصمت لا يعلم هل يخبرها بما عرفه من الطبيب أم يصمت ولا يزعجها بتلك الأفكار ولكن داخله متردد فهي من حقها أن تعلم بالأمر الذي سيلحق الضرر بجنينها.
قطع شروده صوتها الهامس وهي تقول بصوت شجن:
– أنت ملاك أوي يا أسر ، أنا أسفه بجد أن غلطة في حقك كتير، أنت ما تستحقيش مني كدة
ربت على وجنتـ ها بحنو وقال بأسي:
– أنا اللي ظلمتك معايا يا نور ، سامحيني انتي كان معاكي حق، أو ليكي حق أنك تأجلي موضوع الحمل والأطفال
أخرج تنهيدة حارقة وبتر كلماته بحزن شديد:
– الدكتور قالي الحمل في خطر، وأحتمال كبير الجنين يحمل مرضي الوراثي ، وفي تحليل لازم يتعمل ليكي وياخدو عينة دم من الحبل السُري عشان نتأكد إذا معرض للإصابة بنفس مرضي أو لا
كانت تتطلع له بصدمة وتزداد عيناها إتساعًا غير مستوعبة لما يتفوه به أسر، هي حقًا كانت رافضة لذلك الطفل ولا تريد أنجاب أطفالاً يحملون نفس مرض والدهم ولكن عندما شعرت بنمو الطفل داخل رحمها وهي تعلق به وإرادة أن تنتقم من زو جها وشقيقه بذلك الطفل، وسوف تنفذ أنتقامها عند يعود سليم ويعلم أسر بالفاجعة الكبرى لتقلب حياتهما رأسًا على عقب، ستتحمل ذلك الوضع فقط لحين عودة سليم و زو حته المصون وستهدم سعادة الجميع ..

❈-❈-❈

عودة إلى لندن ، داخل شقة سليم، أنتفض من نومه بفزع، فقد راوده كابوساً مفزعًا، أسترد أنفاسه بهدوء وتطلع جواره ليجدها مازالت تغط بنوم عميق ولم تشعر به ، تنهد بارتياح ونهض عن الفراش ثم التقط هاتفه وأجرا مكالمة فيديو لكريستيا.
أبتسم لها عندما فتحت هي الكاميرا لتستقبل مكالمة، وهتف قائلا:
– هاي كريست.. ،كيف حالك الآن
إجابته بهدوء:
– على ما يرام سيدي
ألقى نظرة على تلك النائمة ثم عاد ينظر لكريست قائلا بجدية:
– هل تم تحديد الموعد مع الزعيم ؟
– أعتذر عزيزي لم يتحدد بعد
قال بضيق:
– لما كريست؟ أرجوكِ لا تدعيني أنتظر أكثر من ذلك ، فلدي أمر جاد للغاية ، أنها مسئلة حياة أو موت .
ابتسمت له بمراوغة وهي تلف خصلاتها الشقراء على أطراف أصابعها وهمست له برقة قائلة:
– ومتى يحين لقاءنا عزيزي ؟
حاول أن يظل مبتسمًا وهو يطالعها بود مرغمًا على ذلك ثم أجابها بتصنع:
– أتشوق لكِ حقًا ، ولكن يقتحم عقلي الكثير من المشاكل اود حلها والخلاص منها أولاً
– حسنًا عزيزي سوف أجعلك تنتهى من كل متاعبك لتتفرغ لي
– حسنًا أتفقنا ، إلى لقاء حلوتي
رمشت بعيناها عدة مرات لم تصدق بأنه يتحدث مع تلك الفتاة ويتودد لها، شعرت بالاشمئزاز منه ومن أفعاله الحمقاء ، ونهضت عن الفراش وكأنها كانت نائمة على جمر ، تريد التخلص منه، ركضت لخارج الغرفة ، لحق بها ظن بأنها روادتها تلك الكاوبيس الماضية فهي مازالت تعاني منهما إلى الآن ، وهتف مناديا لها:
– مالك يا حياة ؟
نظرت له بغضب وهتفت بأنفعال:
– هو أنت ايه بالظبط؟ بنى ادم زينا وعندك قلب بيقدر يحـ س بالناس ، ولا شيطان وعايش في هيئة ملاك ، أنت أزاي قادر تعيش بالشكل ده، إزاي قادر تبص لشكلك في المرايا ، انت شايف نفسك إزاي بجد نفسي أعرف ؟
أجابها ببرود:
– أعتبريني كل دول ، وبلاش تسألي وتعرفي أكتر عن حياتي عشان مش تتأذي
– يا ريت تقتلني وتريحني من العذاب إللي أنا فيه، مش قادرة أتحمل أكثر من كدة، كنت فاكرة أن أكتر حد أذاني مرات عمي بالسحر ، بس السحر قدرت اتعالج منه بالقرآن والخير اللي جوايا قادر يبطله بإرادة ربنا، لكن الحقيقه أن أكتر حد أذاني هو أنت يا سليم ، أذتني لدرجة أن كاره نفسي ومش قادرة أبص في وشي في المرايا وأنا عارفة كل اللي بتعمله وساكته ، الحقيقة المرة أنا كمان بقيت شيطان أخرس ، الساكت عن الحق شيطان أخرس ، أنت نجحت تخليني شيطان زيك وأنا بقيت مجرمة زيك بالظبط
أنسابت دموعها قهرًا وخرت قواها ركدت على ركبتيها وظلت تبكي بمرارة ، لم يتحمل رسم الجمود جلس على ركبتيه أمامها وقال بصوت حاني:
-لو متخيلة أن أقدر أاذيكي يا حياة تبقي غلطانه، أنا بحاول أحميكي ، لو عرفت الحقيقة الكاملة هتكون حياتك في خطر ، والافضل أنك تفضلي كدة مش عارفة حاجة ولا فاهمة حاجة
تطلعت له بعينان مُغرقة بالدموع وخرج صوتها مبحوح قائلا بحيرة:
– هو لسه في حقيقة أكتر من اللي شوفته وعرفته
هز رأسه نافيا وقال:
– للاسف مش هقدر أجوبك دلوقتي…

الفصل التاسع والعشرون

لم تصدق الجدة “سناء” رغبـ ة حفيدها بأختياره لفريدة لتصبح زو جته، تهللت اساريرها وربت على كتفه بحنو وهي تهتف بفرحة قائلة:
– بتتكلم بجد يا سراج ؟ ولا بتسرح بستك
أبتسم بحب وطبع قُـ بلة حانية أعلى راسها وقال:
– والله العظيم بتكلم بجد ، أنا بحب فريدة وعاوز أتجو زها وتكون شريكة حياتي وعمري كله
– يا زين ما أخترت يا حبيبي ، بنات فاروق ودلال ربنا يحفظهم يارب ويحرسهم من العين، جمال وتربية وأخلاق مافيش بعد كدة ، ربنا يسعدكم يارب
– هتكلمي بقا ماما وتبلغيها تنزل هي وبابا عشان يستعدو وينزلوا عشان يشاركوني فرحتي، تيتا أنا فرحتي مش هتكمل غير بوجودهم لازم تعرفيهم كده
– طيب يا قلب تيتا ما تتصل تكلم مامتك وتعرفها بنفسك
هز رأسه نافيًا :
– لا افضل حضرتك ، عشان أنا ممكن اتضايق لو قالتلي مش فاضين ينزلوا ووقتها لسانه ده مش هيسكت، فأنا بتلاشى الخناق ، عشان خاطري
– حاضر يا حبيبي أنا هكلمها ماتحملش هم ، واياها تقول مش هنقدر ننزل ساعتها بقا ستك اللي هتتخانق معاهم ومش هتسكت
قبل وجنتها واستقام واقفًا:
– تصبحي على خير يا أعظم تيتا في العالم
– بكاش أوي
ضحك بخفة وترك غرفتها ثم توجهًا إلى غرفته، أبدل ثيابه وألقى بجـ سده داخل فراشه ليغوص في نوم عميق…
❈-❈-❈
أما عن الوضع بلندن كان متأذم بينهما.
ابتعدت حياة عنه وظلت جالسة مكانها بعد نوبة الانهيار التي احتاجتها، صدح رنين هاتفه، ابتعد هو بخطواته عنها ليجيب على الهاتف بعدما را المتصل ” جان”
ظل سليم منصتًا لمحادثة جان باهتمام، وبعد لحظات أغلق الهاتف دون أن يبدو أي ردة فعل..
كان يتطلع لها خلسة، يراوده الشعور بالقلق من أجلها ، فتح هاتفه وأجرا اتصالا هاتفيا بمتجر الخضروات والفاكهة وطلب إحضار عامل التوصيل ومعه كل ما يلزم من طعام ،ثم أغلق الهاتف وجلس ينتظر وصول عامل التوصيل .
أما حياة فتحاملت على قدميها واستقامت لتدلف إلى الغرفة الأخرى وأغلقت الباب خلفها بقوة ، ألقت بحجابها ارضًا فقد كانت تشعر بالاختناق جراء ما حدث بينهما .
ثم تقوقعت على نفسها داخل الفراش وعيناها جاحظة باتساع تنظر للفراغ بشرود تام وكأنها بعالم اخر.
بينما جاء عامل التوصيل وأعطاه سليم النقود ثم أنصرف وولج سليم يحمل الحقائب البلاستيكة إلى المطبخ، وضعهما على الطاولة المستديرة ونزع سترته وضعها أعلى المقعد ثم شمر عن ساعديه وبدأ في فتح الاغراض ليعد هو الطعام بنفسه ..
اشعل الموقد ووضع المقلاة ثم وضع القليل من الزُبد وقطع الخضار مكعبات صغيرة ثم وضع قطع الدجاج الجاهزة وتركها لتنضج سواها داخل المقلاة، ووضع أناء اخر به ماء وعندما غلت المياه سكب بها المعكرونه الازباجته وظل يقلبها عدة دقائق ثم اغلق الشعلة.
وعاد فتح غطاء المقلاة ليتأكد من طهي الدجاج ثم رفعها ووضعها جانبًا بينما وضع اناء أخر ووضع داخله القليل من زيت الطعام وبعض حبات الثوم ثم سكب الصلصة ووضع التوابل ، ثم جلب المعكرونة من المصفاه وسكبها على الصلصة التي نضجت وظل يقلبها لثواني ثم اغلق الشعلة وبدا في إعداد سفرة الطعام..
القي نظره أخيرة على الطعام الموضوع أعلى المائدة بإعجاب وقرر أن يطرق بابها ليدعوها لتناول الطعام.
طرق بابها عدة مرات ولم يأتي بالرد ، فتح المقبض ودلف بحثًا عنها بقلق ، وجدها نائمة بالفراش مثل القنفد المتقوقع وعيناها مفتوحة ، دنا منها يناديها:
– حياة ممكن تخرجي عشان تأكلي
لم يرف لها طرف عين ، ولكنها لم تستمع له ولم تراه ،انتابه القلق فجلس على طرف الفراش يهزها برفق لكي تنظر له ولم يجد منها أجابها فقط دموعها تسيل على وجنتيها بصمت
لم يتحمل رؤيتها بذلك الوضع جذبها بقوة وضـ مها إليه ، كانت مستكانة ، مستسلمة ، لم ترفضه ولم تقدر على الحراك ، همس بجانب أذنها بصوت دافئ:
– حياة ممكن تفوقي وتفضلي قوية زي ما عرفتك
لم يجد منها اجابه فحملها وغادر بها الغرفة ثم وضعها أعلى المقعد خلف المائدة وسكب لها الطعام بصحنها وبدأ هو في اطعامها كانه يطعم صغيرته ، ولكن هي رافضة لتناول الطعام
هتف قائلة بجدية:
– والله الاكل ده بفلوس حلال ، ممكن تأكلي بقا ؟
كأنها داخل حلم تسمع صوته يأتي من بعيد ، هزها سليم برفق ليجعلها تفيق من شرودها وتتناول طعامها ومـ سح دموعها المنسالة على وجنـ نتها وهتف معتذرًا:
– أنا أسف أن السبب في كل اللي بتواجهيه ، بجد أسف أن وصلتك للحالة دي، حياة أنا مش وحش إوي زي ما انتي شيفاني كدة ، أنا حاسـ س إن لوحدي رغم وجود أمي وأخويا بس بردو لوحدي، شايل جبل من الهموم لوحدي، بعاني في صمت من غير ما حد يعرف ، واجهة كتير مصائب ومتاعب ومشاكل وكان عليا حلها لوحدي بردو من غير ما أشيلهم هم ولا خوف من اللي جاي، ولسه مستعد أدفع عمري كله عشان يعيشوا في أمان

كان حديثه حرك مشاعرها وفاقت من شرودها تهمس بخفوت وعيناها تعانق عيناه الغامضة:
– وأنت مش لوحدك أنا معاك دلوقتي وهشارك كل همك بس تصارحني بكل حاجة
لاحت ابتسامته العذبة وقال بحماس:
– تأكلي الاول قبل ما الاكل يبرد وتقوليلي رأيك بعرف اطبخ ولا لأ
أومت برأسها ولكن رفع هو الشوكة والتقط بها المعكرونة وقربها من فاها ليطعمها بنفسه، نظرت له بحيرة فهذا الشخص ليس بالشخص القاسي الذي عرفته من قبل وانما ينبعث من صوته وملامحه الدفئ والأمان ، يعاملها بحنان ويخاف عليها
شعر هو بحيرتها فهمس قائلا بقربها:
– هتفهمي كل حاجة ، أوعدك هحكي ليكي كل حاجة عشان مش قادر أشوفك بتنهاري بسببي وأنا بصراحة محتاجك معايا في اللي جاي.
هزت راسها بالايجاب وتناولوا الطعام سويا، بعد لحظات قليلة نهضت عن مقعدها تحمل الصحون وتدلف بهم المطبخ ، لحق بها سليم وقال بصوت حاني:
– بتحبي تشربي الشاي بعد الاكل مش كدة
هزت راسها مؤكدًا على ذلك ووقفت أمام الحوض تجلي الصحون بينما وقف سليم خلفها يعد الشاي بالغلاية الكهربائية..

❈-❈-❈
بالمشفى
لم تغمض لها جفن بعدما قص عليها زو جها ، ظل بالها منشغلًا بالتفكير ، ماذا ستفعل هل ستخسر جنينها بعد كل هذا ، شعور بالحقد احتاج قلبها ، تريد أن تحرق الاخضر واليابس، لن تتركهما يتهنون بلحظات من السعادة وهي منكبة حزينة على ضياع كل شيء من حولها، بالاول خسرت حُ بها “سليم”
وبعده خسرت علاقتها بزو جها وفقدت جدها للابد ولم يبقى لها إلا الطفل الذي ينمو بداخلها ولكن لن تتقبل خسارته قبل أن يدفع كل ما تسبب بألامها وحزنها ثمن ما فعله بحقها..

هتفت مرددة لنفسها:
– لن أقبل بالهزيمة بعد اليوم وسيدفعون الثمن غاليًا ، أضعاف ما شعرت به
هكذا حدثت نفسها وبعد ذلك حاولت أن تنام لتهرب من ذلك الواقع المرير كما تظن …
كان أسر جالسًا بالمقعد مجاورًا لفراشها ، لا يعلم بماذا تفكر به نور ، وما القرار التي اتخذته ، فبعد ما أخبرها بكل شيء ظلت صامته وطلبت منه أنها تريد النوم ، تركها تفعل ما تشاء وداخله عدة هواجس، وترك بالنهاية القرار لها ، كما أنه يتمنى ولادة طفله مهما كانت العواقب فهو لن يتخلى عنه، كيف يتخلى عن قطعة من روحه بإرادته ، طالما حلم بتلك اللحظة عليه أن يتمسك بها مهما كان بلاءه أشد فعليه الصبر والتحمل من أجل طفله القادم الذي ينتظره بشوق …
زفر أنفاسه بحرقة تخرج من قلبه على ذلك الوضع الذي لا يحسد عليه وبعد تفكير طويل حاول اغماض عيناه ولكن اهتز هاتفه معلن عن وصول رسائل عبر تطبيق الواتس اب
أخرج هاتفه ليجد ميلانا هي التي تراسله كما دون أسمها ” رفيقة العمر”
أبتسم بحب عندما فتح تلك الرسائل ليقرأ محتواها بعينيه
– كيفك حبيبي ؟.
– هلا موعد دواك ، لا تنساه
دقق بانامله وهو بجيبها كاتبًا
– حبيبك بخير وأخدت الدوا ، تعرفي أنك واحشاني كتير
ارسلت له ايموجن الضحك وردت
– وأنا اشتقتلك كتير
بادلها الايموجن بقلب أحمر كبير ورد
– كان نفسي اسمع صوتك قبل ما انام بس مش عاوز اجرح نور بتصرفي
كانت متفهمة لردة وكتبت:
– انشالله تكون منيحه هلا
– والله ما عارف ، أنا صارحتها بكلام الدكتور ومش قادر أعرف هي ناوية على ايه ولا بتفكر في ايه
– أن شاء الله بصير خير
– يارب
– حبيبي فيك تنام هلا واترك التفكير العظيم
– حاضر يا روح قلبي،تصبحي على حضـ ني
تبسمت بحب وردت :
– تصبح على سعادة
أغلق الهاتف وهو يتنهد بارتياح فكلمات بسيطة من ميلانا قادرة على السعاده فهي دائما ترسم البسمة على محياه ، بوجودها جانبه لم يحمل همًا للغد …

❈-❈-❈

عودة إلى لندن ..
كان جالس على الأريكة الجلدية وحياة بجانبه ، صوب أنظاره أليها وبدء في سرد ما حدث معه منذ خمسة أعوام .

عاد سليم بذاكرته لتلك الخمسة أعوام الذي عان فيهما الكثير ، عندما أفاق من غيبوبته أثر حادث السير الذي كان يودي بحياته ، عندما فتح عيناه وجد والده جالسًا بجواره يمـ سك بيـ ده وتنساب دموعه وهو يعتذر منه عن ما حدث بسببه وأنه المُخطى وعليه دفع ثمن أخطاءه وجرائمه التي أقترفها بعدما زين له الشيطان الثروة التي سيحظى بها من تجارته الغير مشروعة بالاتجار بالسلاح ولم يكتفي بذلك فقد أتخذ مشفى خاصة ليغطى أعماله المشبوهة بداخلها ، فقد كان يسلب أعضاء المتوفين داخل المشفى ومازالت اعضاءهم صالحة وهذه تسمي سرقة أعضاء بشرية وكان يأخذها من يستحقها من ذا سلطة من رجال الأعمال وبعض رجال الدولة والقانون ، فمنهم الذي كان بحاجة لزراعة كبد، وأخر لقلب وأخر لكلى ، كما كان يستخدم قرنيات العيون لعمل زراعة قرانية لاطفال ولشباب بحاجة لتلك العمليات ، كل ذلك في الخفاء ويتاخذ المشفى ستار ليغطى أعماله الغير قانونية ويعمل لحساب المافيا الأمريكية ،ومن أموال تلك العمليات يحولها بحساب اخر ببلدة أوروبية ويتم غسل الأموال لكي يريح ضميره ولم يعرف بأنه يفعل الجرم المشهود والشياطين توسوس له بأنه على صواب فهو يساعد الاناس فقط ويأخذ الاعضاء من المتوفين وليس الاحياء هكذا سولت له نفسه.
ومن أجل فضح أمره بعدما واجهه سليم بأفعاله وحدثت الفاجعة بالحادث الذي جعل سليم طريح الفراش لعدة شهور .
قرر توفيق أن ينهي كل تلك الأعمال مع مافيا السلاح وتجارة الاعضاء ولكن لن تتركه المافيا بعدما علم بكل أسرارهم ولذلك تم قتله وأخفى سليم خبر مقتله وتواطد مع الطبيب فؤاد بأن يخبر والدته بأن والده توفي إثر أزمة قلبية ، ورفض سليم أن تراه والدته وهو متوفي لكي لا ينفضح سبب مقتله، وفي ذلك الوقت ات الشاب الأمريكي”جان” لزيارة سليم بالمشفى وأخبره بأن المافيا تريد اكمال عمل والده وإذا رفض سليم سوف يكون أسر هو الخسارة القادمة ولن يتحمل سليم فقدان شقيقه لذلك قرر أن يتصنع بأنه قعيد ولم يقدر على الحراك ريثما تبتعد عنه المافيا وقرر مساومتهم سيظل يعمل معها بصفقات السلاح فقط ، أما اعمال المشفى وتجارة الاعضاء لن يكملها وهددهم بفضح أمرهم لانه لديه ملف خاص بجميع عملياتهم التي تمت بداخل القاهرة وخارجها وكل المعلومات التي تخص كل عضو من أعضاء المنظمة
صمت قليلاً يسترد أنفاسه لتقاطعه حياة بوجه مكهفر :
– مش مبرر يا سليم تكمل في الشغل معاهم
وضع كفه على فاها ثم قال باسمة:
– أنتي لسه مش فاهمة ؟ يا حبيبتي أنا على مدار الخمس سنين اللي فاتوا كنت بفشل كل عملياتهم وفي اتفاق بيني وبين الشرطة المصرية وكمان الملف معايا على فلاشة وهسلمه للشرطة الفيدرالية هنا ، عشان تعبت من كتر حبسي على الكرسي المتحرك ، تعبت من كتر الجبل اللي انا شايلة لوحدي ، مش قادر افضح سر ابويا وأمي تكتشف أنها اتخدعت في زو جها وحب عمرها كل السنين دي,كمان أسر مش هيتحمل يعرف أن بابا شارك في كل العمليات الإجرامية دي ، انا حافظت على كيان البيت والعيلة وعمال المم الجروح اللي بابا سابها ، أنا ماعشتش افضل سنين عمري كاي شاب ، من حقه يكمل في حياته ويكون أسرة ، ولم اكتشفتي انتي الملف على اللاب توب بتاعي واخترقتي الحساب ، كان لازم ابعدك في الوقت ده ، أنا عارف إن غلطت غلطة عمري لم خطفتك بس كنت مجبر ابعدك ، ماكنش ينفع حد يعرف عن المستخبي حاجه ، أنا آسف
طبع قـ بلة حانية أعلى راسها وكرر اعتذاره ثم نظر لها بمشاعر صادقة وقال:
– وجودك جنبي دلوقتي مهم جدا بالنسبالي واكبر دافع أن أكمل في طريق الحق ، انا لم يمكن أاذيكي أو أاذي اهلك لاني بكل بساطة بحبك واهلك كمان أهلي ، بس كنت في حرب ولازم أكسبها وعشان كده ماكنش قدامي غير اجبارك على الجواز ، منها استغل معايا نكمل الخطة اللي البوليس اتفق معايا نكملها طبيعي وان مسافر عشان اعمل عملية
لكن الاستغلال الحقيقي كان لقلبي انا محتاج وجودك عشان يقويني ، مهما كانت النتيجة أو اللي هيحصلي بعد كدة ، بس ماقدرتش اشوفك منهارة وبتتعذبي بسببي واقف اتفرج عليكي عشان كده أنا بصارحك بالحقيقه الكاملة بدون زيف
هتفت بقلق:
– يعني حياتك انت كمان في خطر هنا
هز رأسه نافيا:
-مش مهم حياتي قصاد حياة كل اللي بحبهم يعيشوا في سلام وأمان
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
– لا يا سليم مش لازم تضحي بحياتك اللي لازم تحارب عشانه هو انك تفضل عايش ومكمل في حياتك عشان اهلك محتاجينلك
غمز لها لمشاكسة وقال:
– أهلي بس ..؟
أبعد انظارها عنه بتوتر وكانت تهم بأن تنهض من جواره ولكن امـ سك بها يمنعها الهرب من حصاره ورفع وجـ هها لتعانق مقلتيه البنية مقلتيها العشبية النضرة وهمـ س بعشق دفين أخفاه عنها منذ أن التقى بها وشعر بذلك القابع بصـ دره ينبض بصخب في حضورها وعندما تبتعد يشتاق لها ويتمنى قربها
طالت النظرات بينهما دون حديث ولكن تحركت شـ فتيه تعرف طريقها للوصول لشـ فتيها المنتكزة يرؤي ظمى عشقه وشوقه لها ،في قـ بلة شغوفة متلهفة لمزيد من المشاعر الجميلة ولحظات من العشق المباح ..

حصل بالنهاية على مراده وتنمى لو يفديها بعمره فلم يبخل عليها بتقديم روحه فداءها ، جرفته المشاعر بتملكها وهو يخشي عليها أن يكون قد توقعها بالخطر بسبب كل ما عرفته، حتى اللحظات الجميلة التي عاشها مع محبوبته لم يتردد عقله بالتفكير والخوف منما هو قادم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *