سطور عانقها 4
الفصل الثالث والعشرون
******
لا تعرف متي وكيف كان قر.يبً منها للغاية ، أنفاسه تلفح صفحات وج.هها ، يزدرد لعا.به ببطئ ، ينظر إليها بنظرة كانت غريبة عليها ، ولكنها جعلتها تشعر بالحر.ارة تحتل سا.ئر ج.سدها ، أغم.ضت عيناها لا تقوي علي قربه ولا النظر في عينيه ..، وبصعوبة كان يهمس وهو يرفع كفه يمسح به فوق خ.د.ها ببطئ
– أنتِ جميله أوي يا صفا
سلبت كلماته أنفاسها ، فتسارعت دقات قلبها ..، فتحت عيناها بتمهل، بعدما شعرت بأنها لا تقوي علي لمساته ، رأها تنظر إليه بنظرة كانت شبيها بتلك النظرة التي كانت تخصه بها حبيبته الراحله ، انتفض عنها بعدما شعر بفقدانه لسيطرته علي مشاعره ..
خرج من الغرفة بخطوات سريعه ، وكأنه يهرب من شئ ما ..، ولكن الحقيقة كانت واضحه بالنسبه إليها بل مؤلمه..، إنه يهرب منها وحدها
……………………
جففت جبينها بارهاق من شدة اعيائها ، تنظر نحو لدلو الماء وقد بدء جسدها يؤلمها ..، ولكنها تحاملت علي نفسها ..، واكملت مهامها ..، أكملت تنظيف المنزل ومسحت الأرضيات
عادت تجفف حبات عرقها ، فاقتربت منها نساء ..، تنظر للمنزل بنظرات فاحصة ..، حتي أرتسم الرضي فوق ملامحها ولكن سرعان ما أحتل الأستياء ملامحها
– ما أنتِ زي القرده أه ، اومال ليه كنت عملالي فيها تعبانه
واردفت بتهكم ، رغم إنها تري المرض ظاهر علي ملامحها
– مكنش دور برد ده اللي عايزه تقضيه في السرير ، ولا أنا علي كده جبل ..، شايله عنك كتير
– ربنا يديكي الصحه يا سناء
هتفت بها “حياه” وهي تتجاهل كلماتها ، أمتقعت ملامح “سناء” وهي تستمع لعبارتها ..، فالماكرة تُريد أن تكون بصورة الملاك ، وتظل هي الشريرة
– خديني بكلمتين يا ختي ، يلا أنجزي وخلصي مش هنقضي طول اليوم تنضيف ، ولا عايزه اخويا مسعد يجي يلاقي البيت يضرب يقلب ، والأكل لسا مخلصش
– معلش ياسناء هخلص اه ، ما انتي عارفه غسيل الهدوم اخد اليوم كله مني
رمقتها “سناء” بضيق ، فهي لا تُريدها صامته هكذا ..، تُريدها أن تفتعل شجاراً معها ، لعلها تستطيع التخلص منها ، وبحقد ألتمع في عينيها ..القت عبارتها وهي تنتظر تلك المرة , أن تري ثورتها وغضبها ..، حينا تعلم بالقرار الذي أتخذته هي و زوجها وسيأتي شقيقها اليوم من أجل هذا القرار.
– مسعد هيقرء فتحتك النهارده مع رجب.. هو رجب ملقيش
سقط دلو الماء من يدها ، فاغرقت المياة الأرضيه ، صرخت سناء بضيق غير عابئة بشحوب ملامحها ، ولا تظراتها التي فاضت بالصدمه والألم ، وبانفاس اصبحت ثقيلة تسألت
– رجب وافق علي مسعد !
و “سناء” تمنحها الجواب بنظرات شامتة ، وهي سعيدة بقرب الخلاص منها
…………………..
ظل عقلها شارداً ، بأحداث الليلة الماضية ، وكيف خرج من غرفتها سريعاً وكأنه يهرب منها ..، حتي إنه لم يرغب بتناول وجبة العشاء معها ..، رغم إنهم مؤخراً أتفقوا علي تناولها سوياً ..، ما دام اقامتهم مستمرة حتي ينتهي هذا العام ..، فلن يظل كل منهما يتعامل مع الأخر وكأنه غريب
جلست فوق الأريكة في صمت، تستعجب دعوته لها في غرفة مكتبه ، وقد تركها معتذراً منها حتي ينهي مكالمته
نهضت عن الأريكة ، بعدما طالت عودته ..، وسمحت لنفسها بتأمل الكتب المرتصة فوق الأرفف ، تعجبت من كمية الكتب واخذها الفضول لتلقط البعض ..، تنظر داخلهم
ابتسم وهو يتجه نحوها ، يراها تنظر ممتعضه لكتاب باللغة الأنجليزيه ، وقد اصبحت تسبب لها عقدة
– مش عجبك الكتاب ياصفا
سألها مازحاً وهو يري امتعاضها ، ويلتقط منها الكتاب ..، ليعلم السبب
رمقته بتوتر ، وهي تسمعه يقص لها عن الكتاب ، ومن حديثه كان الكتب كنز ثمين يجب عليها قراءته
– حقيقي أنا برشحه ليكي تقري يا صفا
اطرقت رأسها خجلاً وهي تمنحه الجواب ، الذي تغافل عنه
– بصراحه مش هعرف اقراه ، انا كويسه في الالماني بس الانجليزي لاء بصراحه لغتي فيه ضعيفه شويه وممكن تقول شويتين
ابتسم علي عبارتها ، فقد اصبحت تجعله يبتسم من حديثها الذي لا تتصنعه ، وضع الكتاب جانباً ، والتقط كتاب أخر
– تحبي تقري شعر
كان الكتاب عبارة عن دواوين شعر ، راقبها وهو ينتظر جوابها ..، فوجد السعاده تلمع في عينيها تومئ له برأسها وتُشاكسه بالحديث
– بس ياريت يكون مترجم ، ما انا مش لسا هترجم سطر سطر
صدحت ضحكته التي أصبحت تتعجبها منه في الأوان الاخيرة
– لاء متخافيش ياستي انا هترجملك وهقرهولك كمان
ويا للصدمه حبيبها يقرء شعراً عن الرثاء ، اغمضت عينيها وقد ضاعت أمالها ، فقد ظنته ديوان عن الغزل ، وبصوت خافت أخذت تُحادث نفسها
– رثاء ، احلامك كلها ضاعت يا صفا
……… ……..
اليوم هو قدوم عمتها وعمها من العمره ، كانت السعادة تعم المنزل الكبير والكل يستعد لأستقبالهم ، ورغم السعادة التي ملئت قلبها لعودتهم إلا إن الألم من حيناً إلي أخر كان ينغز قلبها , فتلمع الدموع بعينيها وهي تري حالها منبوذه بينهم ..، فالجميع ذهب بالسيارات لاستقبالهم ولم تبقي إلا هي بالمنزل بين الخدم تُساعدهم في الطهي والأمور العالقة ، وكأنها غريبة عنهم ولا حق لها في أن تُشاركهم شئ ، علقت الدموع بعينيها ..، ورغماً عنها كانت تنساب فوق خديها وسرعان ما كانت تتمالك حالها تمسح عنها دموعها ..، تنظر نحو احدي السيدات العاملات في المنزل
– عنك يا خالة هنية ، هاتي اكمل عنك
لطمت العمه “هنية” صدرها ، وهي تراها تُحاول أن تلتقط منها إناء الطهي ، وللحقيقة هم لا يجعلوها تفعل شئ ..، لأنهم لا يروها إلا سيدة في هذا المنزل وزوجات كبير العائله بل بلدتهم
– لا ياست جنه ، متودنيش في داهيه ياغاليه انا وصالحه هنخلص كل حاجه قبل الحاج والحاجه ما يوصلوا بالسلامه
– وفيها ايه ياخاله هنية ، هو أنا مش زي صالحه بنتك .. خليني اساعدكم انا قاعده فاضيه
ألحت في طلبها ، حتي قبلت العمه “هنية” عرضها بصعوبة ، ابتسمت “جنه” وهي تحمل عنها الإناء وتضعه فوق الموقد ، ولكن سكنت مكانها وهي تستمع لسؤال “صالحة” أبنة هنية عن سبب عدم ذهابها معهم
– هو انتي مروحتيش ليه مع جاسر بيه جوزك ياست جنه ، فاخر بيه أخد معاه الست هدي وكمان اروي .. اشمعنا انتي
زجرتها والدته بعينيها ، بعدما رأتها تتدخل فيما لا يخصهم
– مالكيش صالح بلي بيحصل ياصالحه ،اسكتي خالص وخليكي في شغلك وريني همتك
– هو أنا قولت حاجة يا أماه ، أنا بس بسأل الست جنه
تجاوزت “جنه” سؤالها ، فبماذا ستخبرها ..، هل ستُخبرها أن السيد جاسر لا يراها زوجة وأنها لا تقل شئ عنهم ، اتجهت نحو السكين تلتقطه حتي تُكمل تقطيع الخضار وعلي وجهها ابتسامة واسعة تخفي خلفها قهرها
– ها هنعمل ايه تاني ،قبل ما يجوا من …
كادت ان تكمل عبارتها ، إلا إنها وجدت كل من يعمل بالبيت يركض بعدما استمتعوا لطلقات النار وصوت السيارات يعلو خارجاً …
انتفضت مذعورة ، وسارت نحو الخارج مثلهم ..، حتي تُطالع ما يحدث
وقفت تنتظر عمها وعمتها بفرحه وقد تقدمت عن الخدم ، بعدما شعرت بالحرج بوقوفها بعيداً منزوية بحالها ، بهتت ملامحها ..، وقد ألجمها ماتراه , زوجها يسير برفقة أبنة خالته التي تسعي جاهدة لتتزوجها حتي لو ستكون زوجه ، تركها تتباطأ ذراعه غير عابئ بها ولا بنظرات الخدم إليها
ابتلعت غصتها ، واشاحت عيناها بعيداً عنه .. فانتبهت علي صوت عمها عبدالرحمن الذي تقدم منها ، يمد لها يده حتي يصافحها , بعدما طردها اشر طرده عندما جاءت تطلب مساعدته
عبدالرحمن : اهلا ببنت اخويا الغالي ومرات ابن اخوي
…………………..
اخذت دموعها تنساب فوق خديها ، تنظر نحو أخيها برجاء ، وقد ثقل الألم فؤداها ولم تتبقي إلا المرارة في حلقها وهي تسمعه
رجب : هتفضلي لحد امتي ترفضي اللي بيتقدمولك ياحياه ، مسعد راجل مش هتلاقي زيه
حاول شقيقها إقناعه ، رغم إنه يعلم بكذبته ..، ولكن لم يعد بيده أي شئ يفعله
حياه : مش عايزه اتجوز يارجب ، وبالذات مسعد الله يخليك
تألم قلبه ، وهو يراها تجثو فوق ركبتيها تتوسله ، تكاد تُقبل قدميه ..، علقت الدموع بعينيه وانحني يلتقطها من فوق الأرض يمسح دموعها التي أغرقت خديها وقد تعالت شهقاتها
– انت زهقت مني يارجب ، لو عايزني اطلع من البيت وأروح اعيش عند خالتي همشي يا اخويا
لم يتحمل “رجب” رؤيتها هكذا ، واسرع في طرق رأسه حتي لا تري دموع عجزه ، يُخبرها راجياً موافقتها ..، حتي تُخلصه بما ورط حاله به
– لازم تتجوزي مسعد ياحياه ، مسعد كاتب عليا شيك كبير اوي لا إلا كده اخوكي هيتحبس
تجمدت عيناها نحوه ، وقد صدمها ما تسمعه منه..، اشاح عيناه عنها ..، فاقتربت منه ترفع وجهه إليها تسأل بتعلثم
– عليك كام ليه يا رجب ؟
شحبت ملامحها ، وهي تستمع للمبلغ المالي الضخم ، فابتعد عنها وهو يعلم أن خلاصه بها وحدها ..، فهو لن يتحمل دلوف السجن وترك أولاده مشردين دونه
– أنا أجلت كتب الكتاب لأسبوعين قدام نكون جهزنا حاجتك يا حياة ..
…………………..
الألم يزداد اكثر واكثر في قلبها ، فتجدهم جميعهم يجلسون يتمازحون إلا هي تجلس في زاوية بعيده تتلاعب بتطريز عباءتها الورديه ، تتذكر حديث والدتها,عندما حادثتها صباحاً
” الست الشاطره تكسب جوزها يابنتي ، وجوازات كتير كانت كده ونجحت بالعشره والموده .. ابن عمك راجل ميعبهوش حاجه متضيعهوش من ايدك ”
التمعت عيناها بالدموع ، فعن أي زوج تتحدث والدتها ..، إنها لا يراها من الاساس ولا يرغب بوجودها ، يُهينها ويُهمش وجودها بحياته ..، وما عليها إلا الصمت , فقد ارتضي والديها بتلك الزيجة وما عليها إلا الدفع الثمن
اصرفت عيناها بعيداً ، ولكن سرعان ما كانت تفيق من شرودها وتعود بالنظر نحو عمها حسن، وهو يدعوها للأقتراب منه :
– تعالي يامرات والدي جانبي
وتابع حديثه وهو ينظر نحو جاسر وقد ضجر من حديثه عن العمل :
– جوزك زهقني من كلامه اللي كله عن الشغل والاراضي
نهضت عن مقعدها بصعوبه ، وهي تنظر البعض تترصدها ،أقتربت من عمها تُلبي رغبته في قربها ..، وقد أسعدها اهتمامه بها ، وعادت السعاده تلتمع بعينيها المنطفأه
رمقها بنظرات جامدة تفرسها ، يتأخذ طرف الأريكة حتي يترك لها مكاناً جوار والده
– ومينفعش اقعد انا جنبك ياجوز خالتي
هتفت بها “نيرة” وكادت أن تنهض ، ولكن نظرات حسن القوية جعلتها تتراجع وتعود لمقعدها
وبهمس خافت كان يُتمتم ، وقد أستمعت إليه “جنه” وقد اتسعت ابتسامتها : قبر يلم العفش
اصبحت الجالسة هذه المرة محور الحديث عنهم ، وعن رغبتهم في رؤية حفيداً لهم ، تخضبت وجنتاها وهي تستمع لحديث العم والعمه منيرة ..، فحدقها بنظرات جامده ، ونهض من فوق مقعده بعدما شعر بالأختناق ينظر نحو هاشم أبن عمه ، وفاخر شقيقه الذي اخذ يُلاعب طفله الرضيع
: عايزك يافاخر انت وهاشم في المكتب
هتف عبارته بقوة ، وهو يسرع بخطواته نحو غرفة المكتب ، فهو يُريد الهروب من تلك الجلسة ، فلم يعد يتحمل حديثهم الذي يزيده حرقة وألماً ، فهو لا يُنجب ولن يروا أولاده يوماً.
شحبت ملامحها، وهي تراه ينهض بتلك الطريقة ،وقد أتجهت أعين الجميع عليهم ..، متعجبين الحالة التي أصبح عليها فجأة
نهضت “نيرة” عن مقعدها ، بعدما أتتها الفرصه واقتربت منها ونظرات الحقد تحتل ملامحها
– أول ماقربتي منه ، مطقش يقعد جانبك وقام ..
وبمكر كانت تردف بهمس
– متحلميش إن الجوازه ديه تستمر ، وإنك هتفضلي مرات جاسر المنشاوي
…………………
اسبوعا طويلا قد مر عليه وهو يقاوم رغبته في الذهاب إلى ذلك الملجأ ، فقد اتخذ قراره وحسم الأمر ..، هي الزوجة المطلوبة ..، هي من وضع فيها شروطه
انتابه شعور بالضيق من حاله قليلاً ، فكيف يُفكر بالزواج بتلك السرعه .. ،وهو لم يفيق من زيجته من فريدة ..، ولكن عاد وميض الحقد والأنتقام يلمع في عينيه .. سيريها هي والدها كيف لا يكون رجلاً
نهض عن مقعده وهو يلغي احدي إجتماعته الهامة تحت نظرات سكرتيرته المتعجبة
وقف بسيارته أمام الملجأ ، ولدقائق ظل مكانه ..، يُفكر للمرة الأخيرة ..، ترجل من سيارته بعدما فتح له سائقه الباب ، وبخطي واثقه كان يتحرك نحو بوابة الدار
تهللت أسارير السيدة “فاتن” ، وهي تراه سائقه خلفه يحمل بعض الهدايا
أقتربت منه تهتف بسعاده وقد ركض الأطفال أمامها:
عامر بيه نورت الدار ، انا قولت خلاص مش هنشوفك تاني
صافحها “عامر” ينظر حوله ، لعله يجدها اليوم ..، ولكن أمله قد خاب .، ولكن سرعان ما ألتمعت عيناه ، فالسيدة “فاتن ” منحته الجواب قبل أن يسألها عن عنوانه ..، بل وسهلت عليه عرضه حينا يتقدم لها ، فكل شئ في قبضة يده ، وستتم تلك الزيجة بصورة سريعه ..، فالمال وحده من سيكون المتحكم بالقرار
– حياه هتتجوز ومش هتيجي الدار تاني خلاص
…………………….
وقف مصدوما وهو يتأمل صديق عمره الواقف أمامه الان ، إلى أن سار بسعاده نحوه يحتضنه بشوق
أحمد : مش معقول يارامي ، انت هنا في أمريكا
– قولت مش هتنساني ونستني يا ابن السيوفي ، بس أنا مطلعتش قليل الأصل زيك
تجلجلت ضحكات “احمد ” ، وقد شعر رامي بالغرابه قليلا ..، فصديقه قد بدء يعود لعهده قديماً ، دعا داخله أن يستمر به الحال هكذا ، وتنهد وهو يسأله مازحاً , بعدما أرتشف القليل من مشروبه .. : مفاجأه حلوه صح
احمد : اكيد ، بس ليه مقولتليش قبل ما تيجي
– ياسيدي جالي عرض عمل هنا ، غير ان البنت اللي بحبها مقيمه في امريكا
عادت أبتسامة “أحمد” تتسع ، وهو يغلق بضعة ملفات أمامه ، يتذكر تلك العلاقة التي كان لا يُحبذها
– البنت اللي عرفتها عن طريق مواقع التواصل الأجتماعي ، مش معقول يا رامي
طالعه “رامي” وهو يعلم ما سيُلقيه عليه صديقه ، من عبارات مستاءة
– بلاش تفضل تديني مواعظك وحكمك والفشل والكلام ده .. انا بحبها بجد يا احمد
لم يرغب “احمد” في الحديث عن الأمر، قد أتخذ فيه صديقه قراره
– ربنا يسعدك يا رامي ، وعلي فكرة أنا مبسوط إنها جابتك أمريكا
تحدثوا بمواضيع عدة ، وعن اسم الشركة التي سيعمل بها صديقة عنه ..، عرض عليه “احمد” أن يعمل معه ، ولكن “رامي” فضل العمل في هذه الشركة ، يُخبره بمزاح
– لا أنت بالذات يا ابن السيوفي ، محبش إنك تكون مديري ..، أنت منضبط زي الساعه
تعالت ضحكاتهم ، وحل الصمت بينهم للحظات ..، فوضع “رامي” كوب مشروبه فوق الطاوله يتسأل بفضول :
– انت أزاي اتجوزت ، انا مش مصدق الخبر لحد دلوقتي
أشاح “أحمد” عيناه عنه ، فهو لا يحب الحديث عن هذا الأمر:
– حبيت اتجوز فأتجوزت .. ، غير ظروف الشغل هنا خلتني أفكر فعلا في وجود زوجه حتي لو فترة غربتي
حدقه “رامي” في صدمه ، مما يسمعه منه :
– بس مش شايف ده ظلم ليها ، الطلاق مش سهل علي أي ست يا أحمد ، وافرض بقي في ولاد بينكم يا احمد
تجمدت ملامح أحمد ، وهو يستمع لعبارات صديقه ..، فعن اي أطفال يتحدث صديقه ، وزيجته ب صفا بعقد مشروط وهو لن يمسها حتي تنتهي مده زواجهم ويستطيع التحرر من هذه الزيجة
– أنا وصفا متفقين علي كل حاجه ، هعوضها لما ننزل مصر بشغل في أكبر الشركات ، وهديها الفلوس اللي هي عايزاها
فسر له الزيجة بعبارات بسيطه ، وقد فهم “رامي” الأمر ..، وقد أزدادت صدمته
– وهي راضيه بكده
وبهدوء كان يُجيبه حتي يُنهي هذا الحديث ، وقد نهض عن مقعده .. متجهاً إلي مطالعة الطريق بالخارج
– جوازنا زي عقد العمل يا رامي
…………………………
كانت حره طليقة تتمتع بحريتها وسط الأراضي المزروعه ، تستنشق رائحة المحاصيل في موسمها، وتستمع بطراوة الهواء.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة محبة وهي تتأمل ملامح أطفال القريه وهم يركضون ناحية بركة صغيره في الجانب الأخر..يسبحون بها
ظلت أبتسامتها تتسع رويداً ، وهي تتذكر بأن اليوم هو بداية تمردها عليه ،
و قد أصبح وجعها يفوق قدرتها فيكفيها وجعاً وتحملاً من قوانينه
خرجت متحججه من عمتها بأنها تريد العوده إلى بيتها .. ورغم إصرارعمتها بأن تمكث معهم كما أعتادت حينا يُسافر للعاصمه ، حتي يعود من رحلة سفره ولكن كان الافضل لها ان تنفرد بحالها بل وتتمرد علي قيوده اللعينة وكأن زواجهم حقيقاً ..
لقد اصبحت تستقلي فوق فراشه دون أن تخاف ، بل وستخبره أن يكون لها فراشاً مريحاص مثله
دغدغها نسمات الهواء العليلة ، وهي تشرد في رائحة عطره التي تعبئ وسادات فراشه فحتي في غيابه يترك لها اثره
زفرت أنفاسها بخيبة فكلما خفق قلبها بحبً صغيراً نحوه دمره هو بأفعاله الظالمه .. فما ذنبها ان تتحمل ماضيه بقسوته
فاقت من شرودها ، وقد تعالا رنين هاتفها , فتخرجه سريعا من جيب عباءتها
– أيوه يا أروي
– انتي لسا زعلانه من كلام هدي ياجنه ، هي بس عايزه تفرسك ياهبله
اعاد حديث “أروي” لها ما حدث وحاولت تناسيه ، عادت الدموع تلتمع بعينيها وهي تُجيبها بألم:
– انا منسيه من حياتكم كلكم يا أروي ، متقلقيش عليا انا كويسه هتمشي شويه وراجعه
تعلثمت أروي في حديثها متمتمه , قبل ان تنهي المكالمة وقد شعرت بحزنها :
– جاسر قرب يوصل ، فاخر هيروح يجيبه من المطار
وعادت تكمل سيرها تحادث نفسها ، فهو في رحلة لسويسرا ، ولم تعرف إلا من عمتها ، فلم يكلف نفسه عناء ان يخبرها بشئ .
سقطت دمعة من عينيها وهي تتذكر كلام هدي عن اتصاله الدائم بوالده وعمته واخاه فاخر للأطمئنان عليهم .. ولكن اين هي من كل هذا؟
انتبهت على صرخات احد الاطفال الذين لا يتجاوزون عمر الثانية عشر ويفلحون في الارض ، ويد أحدهم تصفعه
ركضت ناحيته بأشفاق ، تنهض الطفل من الارض ..، تمسح عنه الغبار تسأله برفق إذا كان بخير ، اماء لها الطفل برأسها وهو يتحاشي النظر نحو ذلك الذي وقف يرمقه بوعيد أخافه :
– ابعدي ياحرمه انتي من هنا ، بدل ما أطخك .. حرمه وشها مكشوف
لم تتحمل “جنه” كلماته المهانة ، واقتربت منه وقد احتدت عيناها ، تصرخ به :
– انت بتضربه كده ليه ، انت راجل معندكش رحمه
حدقها الواقف في صمت ، وسرعان ما كانت تصدح ضحكته عاليا ، وقد التف بعد المزارعين حوله يستنكرون وجودها هنا ويتساءلون عن هويتها ، فهتف احدهم :
في حاجه ياحاج منصور
جذب منصور يد الصغير يدفعها بعيداً ، حتي يتفرغ لها :
– خد حسابك وامشي ، وقول لامك معندناش شغل ليك ، وانتِ بقي لازم اعرف أنتِ تبع مين ياحلوه ، و واقفه تبجحي قدام الرجاله
لم تعبأ بتهديده ، وصاحت بصوت مرتفع وهي تجذب الصغير ليها
– هبلغ عنك البوليس ،سامع ياعديم الضمير والرحمه
………………….
جلس بإسترخاء يتأمل الشخص الواقف أمامه بعينين مفترسه ، فمنذ أن وضعها داخل رأسه ، فاصبح تفكيره بها محصورا حول دائرتها وحياتها وحياة شقيقها
أسبوعا أخر ، منذ ذهب للملجأ وعلم السيدة “فاتن” أمرها ، ولولا سفره ذلك اليوم لأمر عاجل لكانت زيارته لتلك العائله قد تمت
ويا لحظه السعيد ، كل شئ يسير لصالحه ، فالشقيق لم يكون إلا عامل بأحد مصانعه
دلف “رجب” بخطوات عثرة مكتبه ، يخشي طرده أو شئ أكبر من هذا القبيل ..، داخله كانت مخاوف كثيره ..، فلم يحدث أمر هكذا من قبل وتم أستدعاء السيد الكبير , لأحد من عماله ..، حتي ان مديره قد تعجب الأمر
طالعه “رجب” وهو يزدرد لعابه ، ينتظر سماعه ، التمعت عينين “عامر” بفخر وهو يري مكانته وسلطته في أعين الناس
– تعالا يارجب
حدق به “رجب ” ، وتقدم منه بخطوات مرتجفه ، وعلي وجهه تساؤلات كثيرة لسبب وجوده اليوم هنا ، أشار اليه بأن يجلس , حتي يرحمه من هذا الذعر
ارتبك “رجب” وهو يُنفذ أمره ، ينظر إليه بقلق
– هو أنا عملت حاجه ياعامر باشا، انا موظف أمن غلبان عندك وفي حالي والله ياباشا
أشعل عامر سيجارته ، ومدّ له بعلبة سجائره .. حتي يلتقط منها واحده , فاسرع “رجب” في تناول واحده ، ارتسم الذهول فوق ملامح “رجب” وهو يراه ينهض عن مقعده ويتقدم منه ليشعلها له
– مالك يا رجب خايف كده ليه
– العين متعلاش علي الحاجب يا بيه
أنفرجت شفتيه في ضحكة عاليه ، وهو يستمع لعبارته
– اقعد يا رجب ، خلينا نتكلم
عاد “رجب” لمكانه يتسأل حتي يطمئن قلبها
– هو أنا عملت حاجة يا بيه
جلس “عامر” قبالته ، يتفرس ملامحه الخائفه
– وتفتكر لو كنت عامل حاجة يا رجب ..، كنت هتبقي موجود هنا في مكتبي
زفر “رجب” أخيراً أنفاسه ، بعدما اطمئن قليلاً وأنتظر سماعه
– اومال حضرتك ليه طلبتني ياباشا مدام معملتش حاجه
عامر : انا عايز اتجوز اختك حياه
انتفض “رجب” عن مقعده ، ينظر إليه مدهوشاً مما سمعه ، لا يستوعب ما نطق به رب عمله .. ، وبتعلثم أخذ ينطق
– تتجوز مين يا بيه ، أختي حياه
حدقه “عامر”، وهو ينفث دخان سيجارته , مشيراً إليه بالعودة لمقعده:
اكيد طلبي مش مرفوض يا رجب
ازدرد “رجب ” لعابه :
بس حياه كلها يومين وتتجوز
التمع الجمود في عينين “عامر” ، ولكن سرعان ما كان يميل نحوه يسأله:
هترفض طلبي يارجب
– مقدرش ياعامر بيه ، لكن مسعد كاتب عليا شيك ب مائة ألف جنيه
تعالت قهقهات عامر ، وهو يسمع الثمن ..، نهض من أمامه وعاد لمقعده ليجلس خلف سطح مكتبه بشموخ
عامر : مش مهم ، الفلوس هدفعلك أضعافها يارجب
والعرض كان سخياً بشده ، علي رجلاً مثل رجب
الفصل الرابع والعشرون
******
– أمسك الحُرمه اللي متربتش ديه ياواد يا عنتر ، انا لازم اعرف من أنهي عيلة في البلد
هتف بها الواقف ، واردف وهو يتفرس ملامحها ويستمع للهجتها ، وقد ظهر فوق ملامحه الوعيد لها ، نحو ما ينتظرها ، فكيف لأمرأه في بلدتهم أن تقف هكذا أمام الرجال ، إنه لعاراً لهم
– شكلها مش من نواحينا ، بناتنا وحريمنا متربين وعارفين أصولنا
احتدت ملامح “جنه” وهي تستمع لعبارته وسط رجاله بتلك الروعنة ، فستنتظر ليعرف هويتها بنفسه , حتي يخرس تماماً
– واللي يدافع عن حق عيل صغير يبقي مش متربي ، قصدك جبان ميعرفش يعني إيه رحمه
تعالات أصوات الواقفين ، لا يُصدقون إنهم تهينهم بهذا الشكل المُهين ..، بل وتقف أمام ناظرهم “السيد منصور” الذي توكله عائلة المنشاوي علي جزءً من أملاكهم
تجمع الرجال حول “السيد منصور” ، مما جعل كل من يتحرك سيراً علي الأقدام في البلده يقف ليُطالع المشهد ، فالأول مرة تقف أمرأة لديهم تتبجح أمام رجلاً
التمع الوعيد في عينين “منصور” بحده ، يصرخ بأحد المزارعين
– حد يشوفلني من أي بيت الحرمة ديه
تجهمت ملامح “جنه” وهي تستمع لعبارته وتراه يناديها بهذا اللقب ثانية ، ضمت الصغير إليها ، تهتف بلامبالاة ..فتهديده لا يفرق معها بشئ
– اعلي ما في خيلك أركبه ..، و أنا مستنيه تجبلي كبيرك ..عشان يعرف إزاي يشغل راجل ظالم زيك
احتقنت ملامح “منصور” ، و ازدادت عيناه قتامة ..، و قد أنتهي وقت صبره ..، ترقب الجميع ما ينتظرونه ، ولم يخيب منصور ترقبهم , فرفع كفه لأعلي بعدما أندفع صوبها
– يبقي لازم تتربي ، الحُرمه اللي زيك ناقصها راجل يشكمها
……………………
– اخبار سفريتك ايه ياجاسر
تسأل “فاخر” ينظر نحو شقيقه بنظرة خاطفة ، يقود به عائداً لبلدتهم , اغمض “جاسر” عيناه متنهداً بإرهاق
– هحكيلك كل حاجة ، لما أفوق يا جاسر
تنحنح فاخر حرجاً ، فلم يعد يري الوقت مناسب لأخباره برغبته في الأبتعاد عن هنا ..، والذهاب لفرعهم بمدينة الأسكندرية ، رمقه “جاسر” بعدما شعر بأن شقيقه يريد إخباره بشئ , فخشي أن يكون شيئاً يخص أمور العائلة
– قول اللي عايز تقولهولي يافاخر
تركزت عينين “فاخر” نحو الطريق ، فتمتم مؤجلاً حديثه
– لما ترتاح يا جاسر من سافريتك الأول نبقي نتكلم
وبنظرة كان يعلمها “فاخر” ، بعدما رمقه “جاسر” منتظراً سماعه دون مماطلة
– أنا عايز امسك فرع شركتنا الجديده في اسكندريه ياابن ابوي ..
……………………
الجميع كان يترقب ، هبوط الصفعة فوق خدها، تراجعت للخلف وقد دب الرعب في عينيها ..، ولكنها قاومت أرتعاش جسدها ووقفت بصلابه تنظر إليه بتحدي ..، ولو كان “منصور” في البداية يُهددها وينتظر تراجعها وسماع أسفها ..، فبعدما وقفت أمامه هكذا وعماله ينتظرون رؤية ما تستحقه هذه المرأة حتي لو كان معها الحق في البداية
– منصور
صرخ بها “جاسر” الذي هبط من سيارة شقيقه ، بعدما أستوقفه المشهد وتجمع الناس وقد شعر بالقلق هو وشقيقه
انتفض “منصور” فزعاً ، يهتف بخوف وهو يراه يتقدم منه ، وخلفه السيد “فاخر” شقيقه :
– جاسر بيه ، فاخر بيه نورتوا الأرض
تجاهله “جاسر” واتجه نحو الواقفه وسط الرجال ، و التقط ذراعها بقوة وقد اشتعلت عيناه بوعيد لها ..، ولكن الغضب الأكبر كان لذلك الذي كان للتو سيصفعها ، سيصعف زوجته ..، زوجه “جاسر المنشاوي” وابنة عمه
– من امتى بنرفع ايدينا علي ست يا منصور ، ولا ظاهر نسينا النخوة والرجوله
امتقع وجهه منصور ، فعن أي سيدة يتحدث رب عمله ، إنها لا تمت بالنساء لشئ ، إنها وقف تُناطحه أمام رجاله
– ديه حُرمه قليلة الادب ياجاسر بيه .. ، ومعدومة الربايه حتي أسال الرجاله
أماء الواقفين بروؤسهم ، فالتف إليها يرمقها بملامح جامده ، وقد ازدادت عيناه قتامة و وعيد ، أرتجف جسدها من نظرته..، وخشيت مما ينتظرها ..، فلو ظنت ان “جاسر” سيأخذ حقها ، ستكون أكبر مغفلة ..، فجاسر لا يراها إلا زوجة قد فرضت عليه , و من أجل الحفاظ علي مال العائله واقف علي هذه الزيجة
تشبثت قدميها أرضاً ، و ضمت الطفل أكثر إليها وكأنها تستمد منه قوتها ، مما جعل عيناه تتوقف علي ذراعيها وهي تحتضن الطفل وبثبات كانت تهتف أمام الرجال ، وقد استعادة قوتها
– مش همشي من هنا ، غير لما الراجل ده يسيب الولد في حاله .. ده ممكن يضربه ياجاسر
وما كان منه سوى ان جذبها بعنف اكبر دون أن يمهلها أن تكمل حديثها ، ألتفت نحو الصغير وقد دفعها هو أمامه نحو السيارة ، متجاهلاً نظرات الواقفين يُطالعون الامر في صدمه :
– هجيلك تاني ، ومحدش هيقدر يعملك حاجه
دفعها جاسر داخل السياره بعدما اشبع أذنيها بالسب ، واتجه نحو منصور مجدداً.. ، ابتلع “منصور” لعابه ، بعدما علم بهويتها , هو والجميع من فاخر الذي طالع خطوات شقيقه الغاضبه ، يخبر منصور بعينيه ..، أن ينتظر تلقي ما يستحقه علي فعلته
ركض “منصور” إليه حتي يستسمحه في فعلته ، فلم يكن يعرف إنها زوجته
– والله ما كنت اعرف انها مرتك ياجاسر بيه ..
وانحني ، يُحاول ألتقاط كفه حتي يقبله ، ولكن “جاسر” انتشل يده منه .، فجعل منصور يترقب طرده أمام الجميع
– انا كنت ممكن اقطع رزقك يامنصور ، بس مش هقطع رزق واحد غريب جيه بلدنا يطلب العون ..
ونظر نحو الصغير الواقف خوفاً، وعلامات الضرب ظاهره على وجهه فاردف بجمود : – بوس راسه دلوقتي وقدامي يامنصور، مش كفايه بتشغلي أطفال في الارض ..
هرول منصور يُنفذ امره ، و انحني يُقبل رأس الصغير امام الجمع الواقف , وقد فتح الجميع أفواههم مصدومين مما يحدث أمامهم ..
وبلطف أشار “جاسر” نحو الصغير ، فاسرع الصغير إليه وقد أطرق عيناه أرضاً :
– من هنا ورايح متشتغلش وأنا هتكفل بمصاريفك
هللّ الجميع بكرمه ، يرفعون أيديهم داعين لهم ..، أما منصور وقف يعض فوق شفتيه
اتجه نحو سيارته ، وسار فاخر معه يخاف أن تخرج عاصفة جنونه بتلك التي جلست منكمشة علي حالها بالسيارة
…………………..
صار مللها يزداد كل يوم ، اصبحت لا تطيق غربتها التي وضعت نفسها فيها بجانب حلماً ظنته سيتحقق ولكنها وجدت نفسها مجرد زوجه بعقد ، ورفيقة ليس إلا حتي يُهون عليه وعليه ا..أيام مكوثهم معاً
تنهدت بضجر، وأخذت تطالع جدران المنزل.. وسرعان ما كانت تلمع فكرة داخل عقلها ، فانتفضت من مكانها تنوي تنفيذها لعلها تُخلصها من ضجرها
فالبيت رغم نظافته من أهتمام تلك الخادمه الاجنبيه إلا انها لا بد ان تضع لمساتها كأنثها عربيه
أخذت تدور في كل ركن من أركان المنزل ،وبعدما اعدت ادوات تنظيفها تحت نظرات خادمتها المذهوله
بدأت تتأمل هيئتها برضي وهي تقف بأحد الثياب الخفيفة المؤهلة للمسح والتنضيف .. ، لملمت خصلات شعرها في كومه واحده بمشبك مثبت .. وبدأت مهمتها المهلكة وهي مطمئنه بأن وقت قدومه مازال طويلا .. وستُسلي نفسها
مر الوقت دون أن تشعر به ، وقد أهلكتها فكرتها الحمقاء ، وبدء جسدها يؤلمها، فالبيت واسع ومكون من طابقين ..
حملت أدوات التنظيف ثانية وهبطت نحو الأسفل ، مقررة إكمال مهمتها في الطابق الارضي ، واول حجره فكرت بها في هذا الطابق .. ، كانت حجرة مكتبه و ليتها لم تفكر .. و ليتها سمحت لخادمتها بتلك المهمه بعدما طلبت منها ان تساعدها
كانت قد انتهت من تنظيف الغرفه ومسحها ولم يتبقي لها سوى مرحلة تلميع الزجاج والاسطح .. ، تأملت تلك اللوحه الهندسيه المرسومه بدقه وملونه أيضا حسب مساحات الخُضره , ومساحات المياه التي ستحيطها ، مالت فوق الرسمه بفضول وأعين منبهرة ، تُحدق بها بالطبق الذي وضعت داخله الماء والصابون ومنشفتها الموضوعه على احد كتفيها ..
وقد أخذ الطبق المملوء بالمسحوق يتمايل بخفه بين يديها ، وهي ما زالت تُطالع اللوحة اللوحه الهندسيه بفضول ، وكيف سيتم تنفيذها علي أرض الواقع ، لم تكذب يوما والدتها عندما كانت تخبرها بلقب المساطيل الحمقا
وها هي تري اللقب يتجسد أمام عينيها ، وقد اتسعت حدقتاها ذعراً ، وهي تري الطبق ينسكب محتواه فوق اللوحة .. ف اللوحة الجميله قد تشوهت معالمها وأصبحت الخطوط جميعها داخل اللوحه متداخله ..
فشهقت بفزع وهي تري تشوه اللوحه الجميله :
– ماهو السبب في حد يحط شغله كده ، هو اللي مهمل
واسرعت في وضع يدها فوق شفتيها تهتف ببؤس علي حالها :
– هعمل ايه أنا دلوقتي.. ، أنا مهندسه كمبيوتر ..، وصحيح شاطره في تقليد الرسومات ، لكن مش بارعة والموضوع هواية
أحتلي التفكير ملامحها ، لعلها تجد حلاً يُخلصها من الأمر
– هحاول اقلدها براحه
وسرعان ما كانت عيناها , تلتقط احدي اللوحات الفارغه المُلقى جانبا وبدأت تنفذ فكرتها الحمقاء ، تدعو الله أن توفق في موهبتها
مرت ساعه واثنان وثلاث .. ومازالت المحاولة مستمره حتي غفت على اللوحه بعدما انهكها جسدها
وكعادته كل يوم يأتي من عمله بالشركه ، يدلف حجرة مكتبه اولاً .. ، تجمدت عيناه نحوها ، وهو يراها غافية علي سطح الطاوله التي يضع عليها رسوماته وتجلس علي المقعد خاصتها ، التقطت عيناه القلم القابع في يدها ، واللوحه القديمه التي تشوهت ، وتلك اللوحة التي تضع رأسها فوقها
ورغما عنه كان يبتسم ، وهو يرمقها متفحصاً علي شئ بها .. ، أنحني برفق نحوها يتحسس وجهها وبصوت هامس اخذ يتمتم وعيناه غارقة في تفاصيلها الناعمه :
– صفا ، اصحي نامي في أوضتك
كرر هتافه بها ولكن كان النعاس يثقل جفنيها ، ضحك وهو يحملها فوق ذراعيه .. لتستقبله الخادمه راكضه نحوه ، تشرح له كل مافعلته سيدتها اليوم
صعد الدرج وقد تجاهل حديث الخادمه ، ودء يشعر برأسها تُدفن أكثر في تجويف عنقه ..، وقد تعالت وتيرة أنفاسها وأنفاسه أيضاً
وضعها برفق فوق فراشها بعدما دلف غرفتها ، وشيئاً فشئ كانت أبتسامته تتسع وهو يراها تتماطئ فوق الفراش ..، تبحث عن وسادتها دون أن تفتح عيناها وتضمها لأحضانها
بدأت الرؤية تتضح إليه، وقد علقت عيناه بردائها القصير الملتصق بجسدها إلى حد ما , وشعرها الذي تساقطت منه عدت خصلات متمرده
عادت وتيرة أنفاسه ترتفع ، يصحبها حرارة جسده ، فجلس جانبها يتحسس ذراعيها العاريين بدافئ بهمس بأنفاس راغبة لا يعرف كيف ومتي أصبحت تُشعلها داخله :
– صفا اصحي طيب غيري هدومك بدل ما تتعبي …
تلملمت في الفراش بنعاس ، تُحاول فتح عينيها بصعوبه , تهتف بتذمر كالأطفال..، بعدم رغبتها في الأستيقاظ ..، ولكن سرعان ما كانت تنتفض من غفوتها ، بعدما تداركت أين هي
– اللوحه راحت فين ، انا كنت قربت اخلصها
ونهضت من فوق الفراش وما زالت غافية علي روحها ، تقص عليه احداث اليوم بأكمله إلى أن زفرت أنفاسها تسأله :
– انت مش هتزعقلي صح ، ولا هتضربني ولا هتطردني
تعالت ضحكاته ، وهو يري تسارع أنفاسها بعد الحديث الكثير الذي أخبرته به ، أقترب يقبض فوق كتفيها برفق ..، يتأملها بأنفاس مسلوبه ، وأعين تشتعل بهم الرغبه .. ولكن تمالك نفسه وهو ينظر في عينيها الناعستين ، ويربت على احدى وجنتيها بخفه ورفق
– في نسخه تانيه من الرسمه في الشركه يا صفا ، ديه النسخه اللي بعدل فيها مش اكتر ..
ارتسم الأرتياح فوق شفتيها ، وزفرت أنفاسها براحه ، ابتسم وهو يراها كيف التمعت عيناها
: ومش هزعق ، ولا اطرد ولا اشتم
اتسعت ابتسامتها ، رغم نعاسها وهي تستمع لعبارته ، وبرغبة اصبحت تحرقه وهو لا يري فيها إلا صورة تلك التي رحلت عن عالمه ..، كانت يقترب
ارتجف جسدها وهي تري انعدام المسافه بينهم ، وقد أخذت أنفاسه تُداعب عنقها ..، تراجعت للخلف وهي تشيح عيناها عنه ، فعاد يتقدم منها ولكن تلك المرة كان يفيق من سحرها أخيراً ، و مال نحو أحد خديها يلثمه ، رغم توقه لتذوق شفتيها .. أنتفض جسدها من فعلته ، فاسرع في الأبتعاد عنها يتمتم قبل أن يُغادر غرفتها هارباً
– غيري هدومك عشان متبرديش
أغلق باب الغرفة خلفه ، لتهوي بجسدها فوق الفراش تضع بيدها فوق قلبها ، تلهث أنفاسها غير مصدقه قربه منها وقبلته التي حطت فوق خدها
………………………
نظرات قاتلة منه كان يرمقها بها ، فقد ضجر وتعب منها ولم يعد يستطيع تحملها طيشها ، ولم يعد راغب بإذاقها المزيد من عنفوانه ، جلس اخيراً فوق فراشه بإرهاق ..، يضع رأسه بين راحتي كفيه
: واقفه قدام الرجاله ، وكأنك راجل قدامهم
وببطئ كان يعود ويرفع عيناه بها ، بعدما زفر أنفاسه متنهداً ..، ارتجف جسدها في خوف ..، تنتظر سماع المزيد منه
– البلد كلها زمانها دلوقتي بتتكلم عن شجاعتك العظيمه
أرادت الحديث ، ولكنه نهض من فوق الفراش واقترب منها .. بعدما فارت دمائه ، وهو يتذكر المشهد وكيف رفع أحد رجاله يده كي يصفعها أمام الجميع بعد تبجحها فيه كما وصله من الواقفين
– ولا كلمه ، مش عايز أسمع صوتك
وبعند كانت تهتف
– أنا عملت كده ، لما شوفته بيضرب الولد الصغير
– وأنتِ مالك؟
وببساطه كان يُعطيها جوابه مستطرداً
– شايفه حاجه مش عجباكي ، احكي لفاخر أخويا أو أحكيلي أنا
– أحكيلك أنت
هتفت عبارتها بمرارة ، فعن أي شخص يُخبرها أن تتحدث معه ..، عن شخص يتجاهلها وكأن لا وجود لها
حدق بها وهو يري الدموع تتعلق بأهدابها ، و تتمالك دموعها أمامه ..، فزفر أنفاسه بحنق فلم يعد يُريد صداع الرأس الذي بدء يشعر إنه سيناله من وراء أفعالها ، وبهدوء كان غريب عليه ، كان يجعلها تقف مدهوشة الملامح تستمع لعباراته المُهينة :
– لولا انك بنت عمي في الاول والاخر .. كنت رميتك في الشارع من اول يوم اتجوزتك فيه بس للأسف بنت عمي حتي لو متجوزك غصب
فتتجمد عينيها من كلماته الجارحه ، واحتقنت ملامحها هاتفه بقوة ، دون أن تخشي غضبه :
– وانا كمان مغصوبه عليك ، هو انت حد يقدر يستحمل يعيش معاك يوم
تصلبت ملامحه ، وغلت الدماء بعروقه .. يرمقها بمقت وأقترب منها يقبض فوق ذراعيها بقوه :
– شكل عمي معرفش يربيكي
شعرت بقبضته تتحجر فوق ذراعيها ، فاغمضت عينيها بألم تسمع سبابه ولعناته
جنه : وانت بقي اللي هتربيني
وسرعان ما كانت تنفض ذراعيها عنه وقد استعادت قوتها :
– اخلص مني وطلقني ، واه اريحك مني خالص
لم يرحمها منه سوى رنين هاتفه الذي أهدأ من غضبه قليلا بل اكثر
ليلتف إليها بعدما انهي مكالمته ، وعاد يحملق بها بضيق :
– طلاق ومش هطلق غير بمزاجي ، واللي حصل النهارده عارفه لو اتكرر تاني .. متلوميش غير نفسك ياجنه
التفت بجسدها مبتعده عنه غير عابئة بالشر الذي يتطاير من عينيه .. ، وقفت مكانها وعادت تطالعه مرة أخري ولكن ببتسامه هادئه
جنه : كان شكلك حلو اووي وانت بتساعد الطفل ، طلع في قلبك رحمه يا أبن المنشاوي
وبتهكم كانت تردف قبل أن تفر هاربة من أمامه ، وعلي وجهها أبتسامه واسعه
– رغم الرحمه بتيجي عندي أنا ..، وتتحول لقسوة
وبملامح محتقنه ، كان يتحرك داخل غرفته ..يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن ردودها ، بل ومن مشاعره التي بدأت تتغير نحوها
…………………..
أرتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوه داخل مكتبه بعدما سمحت إليها سكرتيرته أخيراً بالدلوف
أستجمعت شجاعتها وهي تعيد كل ما ستقوله له من رجاء بأن يتركها بحالها ، فهي يكفيها ما عاشته وتعيشه ..فرجل مثله لن يتزوجها إلا من أجل غرض في نفسه
طالعت كل جزء من أركان مكتبه الفخم ، تبحث عنه ولكن الحجرة كانت فارغة
– أتأخرت عليكي
هتف عبارته وهو يقف يُحدقها بنظراته ، بعدما خرج من المرحاض القابع بابه في ركن من أركان غرفة مكتبه الواسعه
انتفض جسدها على أثر صوته ،والتفت إليه ببطئ ..، تُحاول إلتقاط أنفاسها
فاتسعت عيناها من هيئته.. ، فاخذ يُجفف شعره ووجهه من الماء ، واكمام قميصه مطوية لأعلى ، وازرار قميصه العلوية مفتوحه للمنتصف .. هيئته كانت عابثة بجدارة مما جعلها تخفض عينيها تهتف بتعلثم
– مش هينفع نتكلم وأنت كده
وهنا كان تنفرج شفتي “عامر” بضحكة مستمتعه ، فكل يوم يتأكد هي العروس المناسبة له ولمخططه
تخلي عن منشفته الصغيره ، واعاد فرد أكمام قميصه وغلق أزراره ببطئ وتمهل وهو يرمقها بتقيم ..، ينظر نحو هيئتها المرتبكه ، وعيناها تُسلطهما بعيداً عنه ..، حتي يفرغ من هندمة هيئته ، وبجمود كان يتحرك نحو مكتبه يجلس عليه متمتماً بعدما عاد لعامر السيوفي
– أتفضلي أقعدي ..، أنا سامعك
استغربت من سرعة تحولها ، فازدردت لعابها وهي تُطالع نفس الراجل الذي التقط به من قبل ..، وقد شعرت بسطوته وهيمنته
ودون أن تقبل دعوته ، هتفت وهي تُطالعه بقوة واهية
– رجب اخويا قالي إن انت اللي دفعت فلوس الشيكات لمسعد ،انا جيت اشكرك على اللي عملته معانا .. واطلب منك انك تكمل كرمك وتسبنا في حالنا
تعالت قهقهته التي صدمتها ، وقد عاد ينهض من مكان جلوسه مقترباً منها ، يمنحها الجواب دون مراوغة
– عامر السيوفي مبيسبش حاجة عايزها يا حياة
ألجمتها عبارته ، فتجهمت ملامحها وقد أعجبه الأمر وشعر برغبة قوية في أن يجعلها زوجته اليوم ، فهي المزيج الذي يُريده بحياته ، وسرعان ما كان يمدّ كفه نحوها بجراءة وكاد أن يلمس وجهها ولكنها أنتفضت مبتعده وفاقت من صدمتها
– أنا مش أنتيكة تقدر تشتريها يا عامر بيه ، واحب أبلغك إني مش موافقة
اعاد ذراعه جواره ، ينظر إليها وقد زاده الامر لوعة ورغبة ..، فنوع حياة جديداً عليه وهناك شئ يُحركه نحوها أعمق من أنتقامه من الاخري ومن والدها ، أو حتي إنجاب الوريث
– ومين قال إني شايفة أنتيكه يا حياه ، أنا عايزك زوجه فعلية ، و زي ما قولتلك مش هتنازل عنك
بهتت ملامحها ، وقد علقت عيناها تهز رأسها برفض
وبتملك وتجبر كان يردف وهو يُعطيها ظهره ، وكأنه ينهي هذا الحديث
– أنا اتفقت علي كل حاجه مع رجب أخوكي ، واختاري أنتي بين سجن أخوكي وتشرد ولاده وبين جوارزه هتكوني أنتي فيها الكسبانه
وبعينين جامدتين ، عاد يُحدق بها يري صدمتها وحيرتها ، ورغبتها في الحديث ..، ولكن كل شئ أرادت الصراخ به كان يقف علي طرفي شفتيها وهي تتذكر توسل شقيقها إليها ، وقد ظنت أن هذا الرجل سيصرف أمر الزيجة بمجرد أن يعلم برفضها له
التقط سماعه الهاتف من فوق سطح مكتبه، يلقي بأمر لسكرتيرة مكتبه
– خلي السواق يجهز العربيه ، عشان يوصل انسه حياه .., يا هالة
……………….
أزداد جنونه وهو يتأملها وصوت ضحكاتها يتعالا هي وشقيقته ، فحدق بهما بقوة قبل أن تقذف هي بأحدي الزجاجات على غريمتها أروي .. ليتلقاها صدره فيرمقها بجمود ، فشهقت بفزع وخلفها اروي ضاحكه وهي تتأمله واقف امام غرفة مكتبه يستشيط غضبا
فتنحنحت أروي حرجاً وهي تتمتم :انا بقول الوقت اتأخر ،ولازم اروح
وما كان من جنه سوي ان جذبتها من معصمها : هتبعيني ياأروي
فتأملت الاخري عينين أخيها الجامدتين فتهتف ضاحكه : راجل ومراته انا مالي بيهم ، سلام بقي وهبقي اطمن عليكي
وركضت تلك الجبانه كعادتها ، و للمرة الثانية تفر هاربة وتتركها لبطش أخيها بمفردها
اقترب منها جاسر ، بعدما شيع شقيقته بنظرات قاتمة , ولكنه لن يُلقي بغضبه إلا علي تلك الواقفه:
– هو انا متجوز طفله في البيت ، ولا ايه ياهانم
فارتجفت هي من سماع صوته ، ولكن سرعان ما رفعت عيناها بكبرياء قد استشاط هو منها بالفعل
جنه: ألعب في الشارع يعني
القت عبارتها ، وقد أشتغل الغضب داخله ، ضاقت عيناه وهو يرمقها متجاهلاً عبارتها الطفولية التي تمت للنساء بصلة :
– لاء وعلي ايه ألعبي هنا ،بدل ما تفضحيني
واقترب منها ، حتي أنعدمت المسافه بينهم ، يمدّ كفه نحوها ، يربت علي أحد وجنتيها ساخراً وهو يري نظرات القلق في عينيها
– اجلي اللعب يا شاطرة ، لحد ما تبقي في البيت لوحدك ، لاني مبحبش جو الهبل والعيال الصغيره
………………..
ليله طويله قد قضاها بجوارها يتحسس سخونة جبهتها ، ليتنهد بأرتياح بعدما وجد حرارتها بدأت تنخفض ، ولكن نبضات قلبه وهو يعيد بذهنه شريط اعترافها بحبه مازال يعصف داخله .. فتنهد بألم لما فعله بها فقد أحبته حتي اصبح اسمه محفورا بداخلها
فتمتمت بتعب ومازالت أثار الحُمي عليها
صفا : احمد انا بحبك ، مش بحب مراد زين
فتجمدت ملامحه وهو يستمع لباقية اعترافاتها فهي تعلم بحقيقة مراد زين ، فلا بد بأن عامر قد اخبارها بذلك
وتابعت بحديثها الذي تطويه داخل قلبها قائله بأنفاس تحمل معها السخونه :
– متسبنيش يا احمد ، بابا وماما سبوني اوعي انت كمان تسبني
ويالها من كلمات قد جعلته ينتفض من جوارها ، ينظر إليها وقد اصابته كلماتها الراجيه ، فهي تطلب منه أن يظل جوارها وألا يتركها كما تركها والديها
عاد ينحني بجسده نحوها ثانيه ، بعدما تمالك مشاعر وتحكم في صراعه بين قلبه وعقله، أخذ يتحسس وجنتيها وجبتها مجدداً ، وقد أرتسمت الراحه فوق ملامحه ، يهمس لها بنبرة حانية لم يشعر بها سوي قلبه:
– صفا ، صفا فوقي
استمعت لصوته وكأنه يأتي من أميال عنها ، وبصعوبه فتحت عينيها , تُقاوم ثقل جفنيها تتأمل ملامحه القريبة منها بابتسامه ظلت مرتسمه فوق ملامحها المرهقة .. رغم عودتها لأغلاق عيناها مجدداً ، تطلب منه بهمس خافت ما جعل ملامحه تتصلب وتتسارع دقات خافقة
صفا : احضني
أسرع في ضمها إليه بعدما نفض أي شعور داخله ، شعر بأحتياجها القوي إليه , فمنحها ما أرادت مرحباً
برفق أخذ يمسد فوق ظهرها، لا يُصدق ما عاد يفعله معها ..، فهو يغمرها بذراعيه وقد كان يوماً واحده فقط من تحتلهما ، تنهد بوجع مشفقاً عليها ، فقد أحبته “صفا” لقد وقعت في الشرك الذي حذرها منه ، احبت شخصاً أسير الذكريات ..، لا يرغب بمنح أمرأة قلبه ثانية ، سيكون اكبر كاذب إذا أستمر في تعليقها به .. ، سيمنحها جرعات من الحب ثم سيتخلي عنها ، وعندما راودته تلك المشاعر , كان ينتفض عنها كالملسوع ..، ينظر إليها بعدما غفت ولم تعد تشعر به ..، متأملاً تعرقها وشحوب وجهها .. فهو اكثر من يعرف مرارة الحب ، فكيف يذيقها حبه ثم يتخلي عنها ؟
– أنا قفلت علي قلبي خلاص يا صفا ، قلبي ملكته ست زمان ..، ومش مستعد أتجرع مرارته من تاني
وبهمس كان يعود لوعده لتلك الحبيبه ، التي سيظل يراها بصورة ناقيه مهما حدث
– منستش وعدي ليكي يا مها ، هدفن نفسي في الذكريات .. زي ما دفنتك في قبرك يا حببتي
ولم تكن هي إلا غافية في أحلامها الجميله ، تظن نفسها بأنها ما زالت بين ذراعيه وتتوسد صدره .
الفصل الخامس والعشرون
*********
أصبحت شغلتها كل يوم ان تراقب ذلك اللص الصغير الذي يتسلل برشاقة وجسمه الضئيل ويعبر داخل حديقة منزلهم ، ليسرق من شجرة المانجه ما يحب .. فضحكت وهي تراه قادم بعباءته الصغيره وقفطانه المتسخ من الطين ، واقترب من شجرته المفضله ووقف يطالع ثمارها الناضجة قبل ان يحسم قراره ويتسلقها بخفه ، ثم يبدء بالتهام الثمار حتي يشبع اولا ، وبعدها يأخذ ما يكفيه و يغادر قبل أن يلتقطه حارس هذا المنزل.
هبطت “جنه” الدرج راكضة ، تلمع في عينيها الشقاوة وكأنها طفله صغيره .. تعلقت عيناها به وهو يصعد الشجر بسرعة قصوي بعد أن القي بنظره خاطفه حوله ، تقدمت من الشجرة المقصوده بخفه ، تتحرك بخطوات لعوبة نحو هدفه ، وهي تنوي بأن اليوم سيصبح الارنب الذي ستصطاده ، ضحكة علي أفكارها الطفولية وقد اصبحت أخيراً اسفل الشجرة
شهقت بفزع ، تكتم صوت شهقتها بعدما سلطت عيناها للأمام
– عش دبابير
وصلت شهقتها للصغير ، وعندما ألتقطت اذنه ما هتفت بها ، لم يتحكم في توتره وسقط علي الفور من فوق جزع الشجره وثمرة المانجه بين أسنانه يقضمها ، وقد وضعها للتو داخل فمه
تعالت ضحكتها رغماً عنه من المشهد ولم تكن تقصد سقوطه ، فزحف الصغير بجسده المنبطح أرض وهو يُشعر بالأم ، يُحدقه بفزع :
– مش هعمل كده تاني والله ، بس ما تقوليش للراجل ابو شنب كبير يضربني
فضحكت جنه اكثر وهي تعلم بمن يقصد ، فلا يقصد سوا بغفير بيتها ، قطبت ما بين جبينها ، تحك أنفها تُفكر في طلبه ، وقد أنتظر سماع جوابها وهو يُحاول الوقوف حتي يهرب من أمامها:
– مش أنت سرقت لازم تتعاقب
انصدم الصغير من عبارتها ،وهتف برجاء :
– أخر مره والله ..، مش هعمل كده تاني ومش هسرق حاجة بعد كده
فنظرت اليها جنه بدعابه اكثر : أنت لص ولازم تتعاقب
احتدت ملامح الصغير وهو يسمع عبارتها
– أنا مش لص ، وأنتوا عندكم شجر كتير ومانجه كتيره ، حرام تاكلوها لوحدكم
ارتفع حاجبي “جنه” ذهولاً ، فقد جعل لحاله الحق في السرقه :
وكمان لمض الله الله
كشر الصغير، وقد اعتدل من سقوطه وأخذ يُنفض ثيابه ، ثم قذف إليها ما التقطه متمتماً :
– خدي مانجتكم أهي ، مالكيش حاجة عندي خلاص
سار بخطوات عرجاء من أمامها ، وبشجاعة أدهشتها ..، فهو لم يخاف منها بل جعلها هي المخطأه ، ارتسمت فوق شفتيها أبتسامة واسعه تسأله وهي تسير خلفه
– طب والمانجه اللي سرقتها قبل كده فين
التف الصغير نحوها ، قبل أن يُسرع في خطواته حتي يتخلص من ثرثرتها التي تُعطله عن هربه ، فيكفيها إنها أضاعت ثمارها وجعلته يسقط أرضاً :
– كلتها ، افتحلك بطني يعني عشان تاخديها
استمعت لعبارته قبل ركضه ، فاتسعت حدقتيها ذهولاً ..، وسرعان ما كانت تفيق من دهشتها تهتف بعلو وقد صدحت ضحكاتها
جنه : تعالا خد اللي انت عايزه ، بس متسرقش تاني لان ديه سرقه والسرقه حرام
توقف الصغير مكتنه ، والتف نحوها ببطئ .. ينظر في عينيها لعله يجد الصدق بهما ، عاد الصغير اليها مهرولاً ، حتي ينال كل ما يريده من حديقه هذا المنزل بعدما سمحت له ، وبانفاس لاهثه أخذ الصغير يُخبرها عن سبب سرقته :
محمود صاحبي قالي ان ديه مش سرقه ، عشان أنتوا ناس اغنيه ومش هتفرق معاكم المانجه اللي هاخدها
أشفقت علي حاله ، وقد علقت عيناها للتو برثة ثيابه ..، جثت فوق ركبتيها أمامه ، تمسك يديه بحنو وعطف
– طب هو اللي مش بيسرق ، بيدخل من علي السور خايف ولا بيدخل لأصحاب البيت من الباب
فحرك الصغير رأسه بتفهم ، يتمتم بنبره قد جعلتها تحتضنه بقوه :
– ما انا لو مسرقتش المانجه مش هاكلها خالص ، وانا بحب المانجه
التمعت عينين “جنه” بالدموع ، وقد ذكرها بطفولته .، فرغم ثراء أهل والدها إلا إنها لم تكن تحيا إلا حياة البسطاء كحال الكثير من الناس ، يجلبون الضروريات وينسون شئ يُسمي بالرفهيات ، نهضت من امامه بعدما مسحد فوق خديه برفق :
– تعالا كل يوم اديك المانجه اللي أنت عايزها ، فرحان بقي يا سيدي
ليتهلل اسارير الطفل ، متسائلاً بعدما أنحني نحو ثمار المانجة التي سقطت منه أثناء سقوطه يلتقطها ويمسحها بثوبه:
– ينفع أجيب محمود صاحبي معايا
اماءت له برأسها ، لتتسع عينين الصغير بسعاده ، وركض من امامها بعدما حصل علي ما أراده.
……………………..
أخذ لقاءها به يقتحم عقلها دون هواده ، تتذكر حديثه ونظراته ولم تكن غبية في أن تظن أن هذا الرجل ..، ارادها زوجة دون أي نوايا أخري ..، دفعه لشقيقها المال ووضع المساومه ، فاما تركه ليتم سجنه أو مساعدته من اجل خلاصه
زفرت أنفاسها بثقل ، تُغمض عيناها بأرهاق ..، فلو كانت تعلم أن حينما سجدت داعية الله ان يخلصها من حياتها التي انهكتها ، كان دعاءها مسموعاً وسيستجيب الله دعاءها , خرجت من زيجة لتدلف مرغمة زيجة أخري ،وليست زيجتها بالرجل أخر كحال زيجتها من مسعد ..، إنه “عامر السيوفي” ذلك الرجل الذي لا تُناسبه بتاتاً لا هي ولا عائلتها
اقتحمت المخاوف عقلها ، بالتأكيد هي نزوة ليست إلا ، وسينالها ثم يُطلقها وتحمل لقب مطلقة
أشتد الألم داخل رأسها ، تستمع لصوت زوجة اخيها السعيد بتلك الزيجة التي بالتأكيد ستعود عليها وعلي أولادها بالنفع ، تعالت زغروطتها وقد تم كل شئ واصبحت زوجة لهذا الرجل في ظرف يومين، وكما أخبارها إنه لا يترك شئ يُريد ..
– مبرووك ياحياه ولا وبضتلك في القفص واتجوزتي واحد مالي مركزه ومعاه فلوس متتعدش
القت “سناء” عبارتها ببعض الحقد ، سقطت دموع “حياه” وهي تقبض فوق فستانها الأبيض واقتربت من الشرفة ، تنظر نحو مدخل حارتها ..، فقد زين لها شقيقها الشارع بالأنوار حتي يُشعرها بكونها عروساً
– جوزك مستنيكي يا حياه
تمتم بها “رجب” الذي دلف للتو ، يطرق عيناه أرضاً ، يقتحمه شعور الذنب لأنه أجبرها علي هذا الزواج حتي تُخلصه من السجن
التفت نحوهم ببطئ ، بعدما جففت دموعها ..، فلم يعد لبكائها داعي ، فقد أصبحت زوجته وأنتهي الأمر ، تحركت نحو باب الغرفه ترفع فستانها بيديها ، تسير بملامح باهته وأعين يحتلهما الخواء ، تلاقت عيناها بعينين شقيقها ، فعاد يطرق “رجب ” راسه يهتف باسف وندم ..، مما جعل “سناء” ترمقهم بنظرات ممتعضه علي تلك الدراما التي تراها ..، فلو كانت مكانها لطارت من السعاده لزواجها من رجل كهذا ..
– سامحيني يا حياة
…………………….
دلفت من باب المنزل بتوتر ، وهي تُطالع نظرات الخدم الذيم وقفوا مترقبين رؤية العروس الجديدة الثانية لسيدهم ، الكل كان متعجب من زيجته الاخري السريعه ..، ولكن لا أحد يستطيع التحدث بشئ ..، بل الجميع أبتلع تساؤلاته وأنتظروا العروس الجديده
ارتجف جسدها تنظر نحو كفه بعدما قبض فوق ذراعها يحركها برفق جواره ، طالع أرتجافها يرمقها بحده ..، فابتلعت لعابها وأخذت أنفاسها تعلو وهي تشعر بالخوف مما هو قادم
اتجه بها نحو سيدة تجلس باستقراطية فوق مقعدها ، ومن هيئتها علمت إنها والدته
– ناهد هانم ، والدتي يا حياه
نهضن “ناهد” عن مقعدها ، بعدما ساعدتها مرافقتها ، فمدّت كفيها تتحسس وجهها بيديها ، و رغم صعوبة ما يحدث لها إلا إنها تقبلت فعلتها برحابة صدر ..، تنتظر تقيم السيده الكبيره لها
– مبرووك !
هتفت بها “ناهد” بجفاء بعدما فرغت من ملامسة كل أنش بوجهها ، ثم اشاحت عيناها عنها ..، كأنها تُخبرها أن وجودها لا تُحبذه في بيتها ولم تنال إستحسانها ،
ابتلعت غصتها في ألم ..، والدته لا تطيقها ..، بالتأكيد لأنها ليست من مستواهم ولا تليق بهم ، هذه كانت الافكار التي عادت تقتحم عقلها
ألتفت نحو الواقف خلفها بهيئته الجامده يطالعهما حتي قال هو أخيراً ، بنبرة جامده بعدما رأي عدم ترحيب والدتهم بها :
– ” حليمه” خدي ناهد هانم علي أوضتها عشان ترتاح
اسرعت المرافقه ، في تلبية أمره .. فاتجهت “ناهد” بعينيها صوبه ..، ليري في والدته نظرت كان يعلمها ..، شيعها بعينيها وهي تسير جوار مرافقته يقسم داخله إنه سيروض الزوجة الجديده علي طباعها ..، سيجعل من حاله قصة جديده
“للسيد والزوجة التي لا تهتف إلا بكلمه نعم ”
أخفضت “حياة” تلك المسكينه عيناها ، بعدما عد ذلك الثقل يجثم فوق روحها المنهكة
أقترب منها الواقف أخيراً ، بعدما أسرع الخدم أيضاً بالأنصراف والعودة إلي أعمالهم:
– الهانم كبيرة طباعها صعبه شويه ، ومش بتتقبل الناس بسهوله ..
وبصوت خالي من المشاعر وقف يأمرها ، بعدما رفع وجهها نحوه ، وقد أصبح يشعر بالضيق من حركتها هذه حينا يُحادثها
– اتمني مسمعش شكوي من حد فيكم ، ونعيش بسلام في البيت ..، لاني حياتي مش فاضيه لسماع المشاكل
و وقف يخبرها عن نظام حياته ، وما يُحبه ولا يحبه .. وهي تستمع لكلماته ..، فركت كفيها بقوة ..، تشعر برغبة قوية في البكاء ..، ولكنها تمالكت بؤسها ووقفت تسمعه
– مسمتعش كلمة حاضر أو مفهوم ..، ولا كلامي مش واضح
وبجمود حاول إظهاره في صوته تسأل ، وقد أخذت عيناه تتفرس ملامحها الشاحبة
– حاضر
منحته الكلمة التي أرادها ، فارتسمت أبتسامته وسرعان ما كان يمحيها من فوق ملامحه ..، يشعر بالزهو والسلطه
– طول ما أنتي مطيعة يا حياه ، هلاقيني معاكي راجل تاني .. لكن
وقبل أن يُكمل عبارته ، هتفت بألم
– متقلقش يا عامر بيه
– عامر و بس يا حياه ..، متنسيش إنك مراتي
والتقط يدها يصعد بها نحو غرفتهما ، بعدما طال وقوفهم بالأسفل ، توقفت خارج الغرفه تلهث بأنفاسها وقد شعرت بقرب اللحظه التي ستصبح فيها زوجته بالفعل
وبخوف تسألت :
– هي ديه أوضتنا
التمعت عينين “عامر” بخبث يمنحها الجواب :
– تفتكري هتكون إيه يا حياه
ابتلعت لعابها ، وهي تراه يضع بيده فوق مقبض االباب ، ابتعد قليلاً يمنحها المرور أولاً ..، طالعته وقد علقت عيناها به برجاء
– أدخلي يا حياة
واخر شئ كان يظنه أن يسمعه هذه الليله ، هو كلمة لا منها عندما أراد الأقتراب منها والحصول علي حقه
– لا ، متلمسنيش
…………………..
تأملت هطوول الأمطار بألم ، وهي تتذكر قسوته التي أزادت من قمم جليده معها ، فمنذ ان تعافت من وعكتها الصحيه .. أصبح شخصاً اخر لا تعرفه شخصاً اصبح ينفرها
شردت برجفة أحتلت سائر جسدها ، وقد عادت كلماته اللاذعه تقتحم عقلها ، لقد أخبرها بكل قسوة ، ألا تحلم بأن تكون حبيبته يوما
خرجت زفراتها مثقلة بالخيبة والكسره ، فقد احبت رجلا أسير الذكريات ، رجلاً كلما شعرت إنها وصلت لقلبه ..، لم تجد إلا السراب والخواء
أغلقت نافذتها ورغبه مُلحة تدفعها للركض ، خارج المنزل حيث سقوط الأمطار لعلها تغسل أوجاعها
لا تعلم كم أستمرت من الوقت وهي تستمتع بسقوط المطر فوق جسدها ، ولكنها بدأت تشعر بتخدر جسدها ..، انتبهت علي صراخه باسمه ، ثم اندفعه صوبها
احمد : انتي مجنونه
سحبها خلفه ، عائداً بها نحو الداخل ، ولكن وجدها تنفض ذراعيها عنه بقوه ، وتعود لوقفتها أسفل الأمطال
عاد لجذبها ثانية ، ينظر إلي ملامحها التي بدأت تشحب وقد ثقلت أنفاسها واحمرت وجنتيها
– ايوه مجنونه ، مجنونه عشان شيفاك حلم جميل نفسي أحققه
هتفت عبارتها ، فابتعد عنها مصدوماً ..، صرخت بكل ما تحمله داخل فؤادها له ، وهو وقف يسمعها ببهوت وصمت
– انا أسف ياصفا ، مكنش قصدي أذيكي بس مينفعش تحبيني ، لازم تفوقي من أوهامك .. انا كنت بعملك كضيفة مش أكتر ، مسيرنا في يوم هنفترق
……………………..
نظرت الي بعض الأطفال حولها ، وصغيرها اللص الذي اصبحت تعشقه .. رفعت بسبابتها محذره له خصيصاً
جنه : محدش يحاول يغش من التاني
ليلتف كل منهما نحو زميله الأخر ، محاولين اللجوء للغش .. وكان اولهم في المحاولة صغيرها اللص ، فتستخدم سلاحها في تحذيره
– مافيش مانجه ولا عنب كمان
وتنهدت بتعب بعدما أدركت انهم مازالوا لا يستوعبون شرحها ، بل لا يرغبون إلا بالركض في حديقة المنزل
……………………
كان يسير بشموخه وقامته المرتفعه وسط بعض ضيوفه ، فانتبه أحدهم علي شيئاً و وقف يتسأل متعجبا مما يري ويتمتم ضاحكا وهو لا يُصدق أن “جاسر المنشاوي” يستغل حديقة منزله مقرأة لأطفال البلده :
– أنت فتحت حضانه هنا ياجاسر بيه ولا إيه
فامتقع وجه “جاسر” من حديثه الساخر ، وهو يُحدق بما وقف ضيوفه يُسلطون عيناهم نحوه
التقطت عيناه جسدها الضئيل وهي تجلس في المنتصف ، ويلتف حولها أطفال لا يعرف من أين أتت بهم ، أغمض عيناه بضيق.. يقبض فوق كفيه وهو يستمع لعبارات ضيوفه ، سيطر علي غضبه بصعوبه ، وعاد يلتف اليهم يجذب نظراتهم نحوه ، يرسم علي محياه أبتسامه بسيطه مصطنعه وهو يقودهم لداخل المنزل :
– اصل زوجتي بتحب اطفال البلد اووي ، وعندها أهداف إنها تمحي الجهل من البلده وتساعد الأطفال
تمتم بها وهو يُحاول أن يُداري خلف حديثه مقته ، من تصرفاتها الهوجاء دون الرجوع إليه بشئ ، أماء كبار البلده بروؤسهم وقد أعجبتهم الفكره
قادهم نحو الحجرة التي أعتادوا الجلوس فيها ، ومناقشة مشاكل بلدتهم وحل الأمور العالقة ، اغلق باب الغرفه ..، وحاول التقاط أنفاسه وهو يتحرك بخطوات متوعده ..، يسرع باسم الخادمه التي بعثتها إليهم عمتها
– انتي يازفته يا روحية
هرولت الخادمه نحوه ، وقد احتلي الخوف ملامح وجهها
– مش قولتلك تقولي للهانم ، اني جاي ومعايا ضيوف مُهمين ، وتروح بيت العيله
أسرعت الخادمه في طرق رأسها أرضاً ، تُخبره إنها نفقذت أوامره بالفعل
– قولتلها والله ياجاسر بيه
أحتدت ملامح وجهه وقبض علي كفيه بقوه وهو يلعن عنادها معه واخراج غضبه بأستمرار ، اسرع في خطاه خارج المنزل بنظرات متوعده
فوجدها تودع الاطفال ببشاشه ، وتخبرهم إنها تنتظرهم الحصة القادمة ، اقترب منها بطوله الفارع وجسده القوي بحنق .. يجتذب ذراعها ويتجه به نحو المنزل :
– عايزه تحرجيني قدام ضيوفي ياجنه
ازدردت لعابها ، وهي تري نظراته التي أرجفت أوصالها ، وسرعان ما كانت حيلة من حيالها التي تعلمتها مؤخراً تلمع في عينيها ، ترفع أناملها نحو وجهه المتصلب تمسح فوق خده وقد شبت قوق أطراف أصابعها حتي تستطيع الوصول إليه
جنه : نسيت إن النهارده جاي لينا ضيوف مهمين ، المرة الجايه أوعدك مش هنسي يا حبيبي
القت كلماتها ، وتركته في ذهوله من كلمتها الأخيره التي نطقتها ..، علقت عيناه بها وقد التفت نحوه وما زاده دهشة ..، إنها تمنحه ابتسامه واسعه ، صحيح يري داخل عينيها التلاعب ولكن ليس إلا تلاعبً قد بدء يُحرك فيه غريزته
وبأعين قاتمه ، كان يضغط فوق شفتيه متمتماً
– بتلعبي بالنار يا جنه !
………………….
أغمض عيناه بتعب بعدما أنتهي من أجتماعه الذي استمر طويلا ، فظهرت صورتها أمامه ف ارتسمت ابتسامة على محياه ، سرعان ما أزالها ..، فمهما منحته الطاعه وتوسم فيها الزوجة الصالحه ، لن يراها إلا أداه لتحقيق ما يرغب ..، و رغم إنه لم ينالها وما زال زواجهم حبراً علي ورق ..، ولكنه أراد منحها فرصه
رمقه أكرم بعدما التقط ابتسامته يهتف بمزاح حتي يُضايقه قليلاً :
وحشتك ولا ايه ياعريس
تجهمت ملامح “عامر” يرمقه بضيق من مزاحه الفظ الذب لا يستهويه
– ياراجل في حد يسيب عروسته بعد يومين جواز ، انت بصراحه جبار ياعامر
– أكرم
صرخ بها بحده ، بعدما تجاوز “أكرم” حدوده معه ..، فحرك أكرم يأسه بيأس منه
– بلاش تضيع حياتك يا عامر ، عشان أفكار عقيمه عايشه في دماغك ..، مش كل الستات شبه بعضها
تمتم بها “أكرم” قبل أن ينسحب من غرفته ، فتنهد “عامر” ضجراً ..، لقد أصبح يخرج حنقه فوق روؤس ناس ليس لهم ذنب بما يعيشه
دلك عنقه ، وزفر أنفاسه بأرهاق وهو ينهض عن مقعده ، يتذكر تلك الورقة التي دستها في سترته قبل ذهبه ..، وقد تناسي أمرها ومعرفة ما بها ..، التقط سترته ليخرج منها الورقة ، ينظر إلي ما سطرته بيدها وقد تجمدت ملامحه وهو يقرأ دعوتها له ، وتوصيتها في عدم تجاهله لفروضة ، وأنها تنتظره ليتناولوا وجبتهم معاً
وشئً واحد كان يقتحم عقله ، يخبره أن هذه المرأة غريبة الأطوار
………………………..
وقفت أمامه ببرود أصبحت تجيده منذ تلك الليله ، ثم رفعت وجهها نحوه , تطالعه وهو منهمك في غرفة مكتبه ، منكب بين روسامته الهندسيه
صفا : ممكن تليفونك
هتفت بها “صفا” ، فانتبه علي وجودها ..، يستعجب طلبها ..، رأها تلتف بجسدها بعدما استنبطت من نظراته إنه ليس راغب في إعطاء هاتفه
– رايحه فين ، مش هتاخدي التليفون
التفت نصف إلتفافه نحوه ، تبتلع غصتها وهي تُجيبه
– شكلك محتاجه ، مافيش مشكله خلاص
رمقه بتدقيق ، يستعجب حالتها الجديده ، ولكن نفض ما يُفكر به ..، فهذا هو ما أراده منها
تقدم منها ، يمدّ لها بكفه متسائلاً بفضول
– هتتصلي بي مين
التقطت منه الهاتف ، وهي تُحرك رأسها نافيه ..، تجيبه عن سؤاله
: مش هتصل بحد ، هدخل علي النت لأني زهقت من القعده لوحدي وبقيت حافظه كل اللي بيتعرض علي التلفزيون ، حتي صوفيا زهقت مني
منحته الجواب ، الذي أراد معرفته ..، فشعر بالضيق من حاله ..، فهي بالفعل تعيش حياة خالية من كل شئ ..، لا خروج إلا لو كان حفل دعاه إليه أحداً وقبل هو الدعوه .. غير ذلك لا يمنحها أي شئ .. لا هاتف ولا حاسوب ..، حتي نسي أن يسألها يوماً أين هو هاتفها
تركته في شروده ونظراته التي كان يرمقها بها ، وكأنه يلوم حالها ..، وجدها تلتقط حاسوبه تسأله وهي تنتظر قبوله أيضا ..، تشعر بأحقيتها في أشياءه ما دام لا يمنحها حبه ولا يُريد منح قلبه لها
– ممكن استعير لابك شويه
فاق من شروده ، وقد اتسعت أبتسامته شيئاً فشئ ، يسلط عيناه عليها وهي تضم حاسوبه إليها وكأنها تُخبره إنها لن تنتظر موافقته ، وبمرح أخذ يهتف :
– هتستولي علي حاجتي ولا ايه ياصفا !
تقبلت مزاحه بملامح جامده: شكرا خلاص
حدق بجسدها بعدما أنصرفت بحاسوبه وهاتفه ، وسرعان ما كان يفوق من ذهوله ، يلتقط ذراعها يُقربها إليه وقد ضجر من برودها وحالة الصمت التي اصبحت عليها
– مش معقول هنكمل حياتنا كده يا صفا
– حياتنا !
تجاهل نطق كلمتها ، غير عابئ بمحاولتها في التخلص من قبضته ..، عانقت عيناه عينيها يسألها بارادة مسلوبه
: مش هتسهري معايا شويه ياصفا
أبتسمت بتشفي وهي تراه لا يستطيع السيطرة علي مشاعره ، التي يُحاول جاهداً في إخفاءها ، فها هو يطلب قربها بعدما دفعها عنه ونبذ قربها وحبها :
– ماليش مزاج اسهر مع حد ، انا بحب اقعد لوحدي بعشق الوحده وأوضتي
اذهلته عبارتها ، فهو يطلب قربها الذي أنتظرته ، ويقاوم مشاعره المضطربه ، تخلي عن جموده وصعوبة الكلمات وهي ينطقها ، وقد أسرت عيناه عينيها :
محتاجك اووي ياصفا
وأنحني بجسده كي يقبلها ، ولكن أسرعت في أشاحت وجهها عنه ، فسقطت قبلته قرب ثغرها
– صفا
أبتعدت عنه ، بعدما شعرت بعدم قدرتها علي صده أكثر ، فقد أحرقتها أنفاسه ، وازدادت دقات قلبها :
– ممكن تسيب دراعي
تجاوز مقته ، ورغبته في الهرب منه ..، تجاوز كل شئ بتناقض عجيب عليه يُخبرها تلك المرة بمراوغة جديده عليه
– هسيبك بس بشرط يا صفا
حدقته بتذمر ، تمط شفتيها للأمام ..، تنتظر سماع شرطه ، فتمتم ضاحكاً وهو يري عبوسها
– تقعدي معايا هنا وأنا بشتغل
……………………
أرتفع صرخاه بها وهو يرمقها بنظراته القاسيه ، فأنتفضت من نومتها فزعا وهي تراه يطالعها بعينين لا توحي إلا بالهلاك ، ونهضت من فوق أريكتها مذعورة ، تُحدق بعينيه وقد أخذ الشر يتطاير من داخلهما
– عايزه أطفال ياجنه ، وبتشتكي لعمتي
بهتت ملامحها من عبارته ، تزدرد لعابها من شده قربه منها وتخلصه من عباءته :
– ابدا انا مقولتش حاجه ، هي سألتني وانا بلاعب ابن فاخر بحب الاطفال ولا لاء .. وقولتلها هو في حد مبيحبهومش
وتابعت حديثها بخوف ، وهي تري نظراته وقد أندلعت منها الرغبة
جنه : أنت بتقرب مني كده ليه ؟
وشهقت خرجت منها وهي تراه يلقفها بين ذراعيه يتجه بها صوب فراشه بإصرار عما يعزم عليه
– هاخد حقوقي .. لتفتكري إني مش راجل يا هانم
تعالت صرختها ، وهي تري ينقض عليها كالذئب الجائع .. تهتف راجيه :
لا لا ياجــــــــاســــــــــــر !!
الفصل السادس والعشرون
**********
كان كالمغيب وهو يمزق ثيابها ، يقبلها بشراسة ..، يفترسها بين ذراعيه وهو لا يري إلا صورة واحده أمام عينيه ، صورة تلك الخائنة التي غدرت به يوماً ..، ملوحة دموعها كان يلتقفها كلما عاد يُقبلها ، ولم يكن إلا صوت بكاءها وحده يسمعه ، حتي فاق أخيراً من ذلك الجرم الذي سيفعله بها فهو ليس مغتصب .. لينال زوجته كرهاً
هدأت شعلة جنونه ، وقد بدء عقله يسبح معه في بحور ذكرياته .. عاد صوت نحيبها وشهقاتها يخترق أذنيه بخفوت ، حتي بدء يتلاشي تدريجياً و لم يعد يسمع لها صوتً ..فلم تعد تمتلك قدرة لتُحارب ضراوته ولا ثقل جسده وقبضته القويه التي يأسر بها ذراعيها
ابتعد عنها أخيراً ، يميل بجسده متسطحاً جوارها ، فانكمشت علي حالها باكية لا تُصدق إنه قد تركها
عاد الماضي يخترق حصونه ، حصون عتية وضعها حول قلبه وعقله ..، استمع لنحيبها الذي كان يصل إليه وكأنه يأتي من بعيداً ، فالتف إليها ليراها تُلملم ثوبها ودموعها تغرق خديها وعلاماته القاسية قد دمغت عنقها ونحرها
اغمض عيناه بقوة وقد عاد أقسي ما سمعه يوماً يخترق فؤاده ، عاد الشئ الذي جعله يصبح هكذا ..، رجلاً قاسياً ، زير نساء .. لا يتزوج النساء إلا ليجعلهن يُدركون قيمة أنفسهن ..، إنهم ليسوا إلا متعة للفراش
” كان لازم أخونك ، ازاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش .. انت عقيم ياجاسر ، وأنا عايزه طفل حتي لو هنسبه ليك وهو مش منك”
قتلته الذكري ، كما قتلته من قبل ، نغز الألم قلبه ..، فلم يشعر إلا وهو يصرخ بها ، حتي يخرسها عن نحيبها الذي لا يزيده إلا إنغماساً في حقده وكرهه
– اطلعي بره ، مش عايز أشوفك قدامي
هتفها بصراخ ، وهو يرمقها ..، فهرولت من أمامه بعدما لملمت ثوبها بأحكام وسارت راكضه نحو مكان تحتمي به منه
اندفعت نحو احدي الغرفه ، وتهاوت أرضاً وما زالت تشعر بأنفاسه ولسعات قبلاته فوق جسدها
لم يكن حاله مختلفاً ، فقد عاد ظلام الماضي يصحو داخله ، ظلام ظن إنه يطفئه كلما تزوج من أمرأه جعلها تحبه ثم تركها بقايا امرأه محطمه
نهض من فوق الفراش ، وهو يشعر بثقل يحتل قلبه .. واتجه نحو الشرفة الواسعه عاري الصدر ، يطالع ظلام الليل وقد عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه ، يضغط فوق شفتيه بقوة، يهتف داخله لو عاد به الزمن لكان قتلها بيديه دون رحمه
وها هي صورة أخري تقتحمه ، ومن سواها ..تلك التي دلفت لحياته وظلامه ، تزوجها مجبراً لا هو يستطيع دمغها باسمه وكشف سره ، ولا هو قادر أن يظل يُكرهها بعيشتها معه ..، فقد فعل المستحيل لكي ترحل ولكنها أعتادت علي قسوته ..، وبهمس كان يخرج من شفتيه
– هتتحرقي بنار قسوتي يا جنه ، لو مخرجتيش من حياتي !
……………………
وقفت أمامها بأمل ، ثم تعلقت عيناها بجمالها رغم مرور الزمن .. تنهدت بعمق وهي تري عبوس ملامحها ، عندما علمت من مرافقتها بأنها موجوده الان معهم
– ايه اللي جايبك أوضتي ، قولت مش عايزه اشوفك
سقطت دموع “حياة” قهراً ..، فيكفيها ما تعيشه مع قسوة أبنها ، وبقلق أقتربت منها وجثت فوق ركبتيها جوار فراشها
– ارجوكِ متكرهنيش ، صدقيني انا مش وحشه ..، متقبيش زيه قاسيه
تجمدت ملامح “ناهد” وهي تستمع لعبارتها الاخيره ، صحيح إنها أصبحت تعلم أن ولدها يغفو بغرفة منفصله عنها ، وقد أخبرتها الخادمه إنه تركها ليلة الزفاف وهو حانق بعدما سمع كل من بالقصر صراخه عليها ..يُخبرها أن صبره لن يطيل عليها وأنه دفع المال فيها ، كما إنها ليست بالفتاه التي تليق بشخصاً ك “عامر السيوفي”
صور كثيرة لهذا الزواج قد افترضتها “ناهد” بعدما أصبحت لا تفهم سبب لوجود هذه الفتاه هنا ، خاصة بعد طلقه السريع والعودة لجموده وقسوته
– عامر أتجوزك أزاي
تسألت بها “ناهد” بعدما أدركت أن الجواب ستعلمه منها ، بهتت ملامح “حياه” وهي تستمع لسؤالها وهي تتذكر تهديده لها بعدم إخبار أحداً لطريقة زواجه منه وخاصة والدته
– لو مش هتتكلمي ، اطلعي من أوضتي عايزه أرتاح
تعلقت عينين “حياة” بها ، وبصعوبة كانت تتحرك ولكن توقفت مكانها تطرق عيناها
– هحكيلك ، بس خلينا لوحدنا
انتبهت “ناهد ” علي وجود مرافقتها ، فهتفت بتلك الواقفه وقد كان لديها فضول لتعرف سبب زيجة السيد الكبير بفتاة كهذه لا تليق بمستواه
– سبينا لوحدنا يا حليمه
خرجت الخادمه مرغمه ، فوقفت “حياة” مكانها ..، تفرك يديها بقوة حتي ضجرت ناهد من صمتها
– هتحكي ولا خايفه منه
ورغماً عنها كانت تخبرها بتفاصيل زيجتها من أبنها ، بداية من لقاءتهم المتفرقة ..، ثم دفعه المال لشقيقها وعرضه عليه مقابل المال
استمعت ليها “ناهد ” بانصات ، وشئ واحد كانت تشعر به ..، إن ولدها لم يختار هذه الفتاة إلا ليضع عليها تجبره وسطوته
– عامر قرب منك
ألجمها سؤالها ، فازدردت لعابها ..، لتهتف بها ناهد
– يبقي مقربش منك ، لو عايزه تنجحي في جوازك من أبني ..، اوعي تبقي ضعيفه وتستسلمي ليه ..، لو استسلمتي ليه هتعيشي طول عمرك معاه علي الرف
شحبت ملامحها وهي تستمع لحديثها ، وسرعان ما كانت تزداد صدمتها
– أو هيستني تخلفي ليه طفل ، وبعدين يخرجك برة حياته ..
كان هذا أكبر مخاوفها ، فلم تسمع عن الأثرياء إلا الغدر ..، فهم يندمون بعدما تضيع الزهوة ويكتشفوا سوء أختيارهم
– أنا عارفه إن كلامي صعب عليكي ، لكن أبني بيحسب كل حاجة بعقله
وبحقد نحو تلك التي أعادت غضبه ، وجعلته يعود لصورتها القديمه بعدما كانت تشعر بتحرك قلبه
– عامر ، لسا مطلق مراته من شهرين
ولو كان ما علمته منذ لحظات صدمها ، لكن عبارة “ناهد” الأخير جعلته تترنح في وقفتها وقد اتسعت حدقتيها ..و “ناهد” تتمم عبارتها بملامح حزينه
– طلقها بعد جوازه منها بشهرين
والحقيقة الوحيده التي بدأت تصل إليها ، إنها ليست بالفعل إلا نزوة ..او غرضاً سينال منه شيئاً ثم سيلقيها خارج أسوار قصره
– لو عرفتي تكسبي قلب عامر يا حياة ، هتعيشي أسعد ست في الدنيا ..، لكن لو خسرتيه زي اللي قبلك .. هتطلعي أنتي الخسرانه
طالعتها “حياة” بملامح مشوشة ، تلتقط أنفاسها بصعوبه ..، فهي لم تكن تُريد إلا زوجاً يُخلصها من حقد زوجة أخيها ، بيتً دافئاً صغيراً وأطفال حولها ، شعرت “ناهد” بالشفقة عليها .. فهتفت برفق وسماحة
– قربي يا حياة
أنتبهت علي صوتها ، وقد علقت عيناها بها وهي تعتدل فوق فراشها .. تمدّ لها ذراعيها
– هخليكي تعرفي توصلي قلب أبني يا حياه
……………………..
تنهدت بألم وهي تري لمعان الحب في عين أروي وهي تقص عليها حكاية حبها وعشقها لهاشم أبن عمها
فارتسمت أبتسامه شاردة فوق ملامحها ،.. ولا تعلم لماذا شرودها أصبح بهذا الرجل رغم كل ما فعله بها .. ،وخاصة تلك الليلة التي كاد يغتصبها فيها ، وسرعان ما كانت ابتسامتها تتلاشي ..، فق هجرها وسافر دون أن يهتم لأمرها وكالعاده لا تعلم بخبر سفرته إلا من العائلة
اردات البكاء ، ولكنها تمالكت حالها ..وعادت تنتبه علي حديث “أروي”
– انا مش مصدقه إنه بيبادلني مشاعر الحب يا جنه
وبحالمية أردفت وهي تغمض عينيها
– ده أنا قولت هنقضيها نظرات لحد ما نعجز
ورغماً عنها كانت تضحك علي حديث أبنة عمها ، لكن اختفت ضحكتها وهي تستمع لسؤال “أروي”
– حبيتي جاسر يا جنه
سؤالاً كان جوابه صعبً عليها ..، فلو أحبته هي ، هو لن يُحبها ،خرجت تنهيده عميقه من أعماقها ، وهي تتخيل لو كان جمعها الحب هي وجاسر لكانت تحيا حياة سعيده ، كتلك الحياة التي عاشتها زوجته الأولي معه
– أخوكِ عمره ما هيحبني يا أروي ، هيفضل طول عمره شايفني الزوجه اللي اتجوزها إجباراً من العيلة
شعرت “أروي” باألامها ، ومدّت كفها تمسح فوق كفها برفق , لعلها تُخفف عنها
– جاسر اخويا كان حنين اوي وكان الحب ده من اول الحاجات اللي بيؤمن بيها ، واتحدي العيله والدنيا كلها عشان يتجوز مرام .. حتي نيره رغم انهم ديما كانوا بيقولوا عليهم في العيله انهم لبعض بس مفرقش معاه ، ومن سبع سنين بس كل حاجه اتقلبت أخويا مبقاش هو
هتفت بها أروي وهي تشعر بالمرارة علي حال شقيقها
– هي مرام راحت فين يا أروي
تسألت بفضول ، ولكن أروي أنشغلت عنها في مطالعة هاتفها ، بعدما صدح رنينه تُتمتم ضاحكة
– ديه نيره ، اه لو عرفت اننا قاعدين سوا وبندردش دلوقتي
طالعتها “جنه” بيأس ، فلم تحصل علي جواب منها يُريحها ويُريح قلبها ، صرخت اروي بسعاده ..، مما جعلها تنتفض من فوق مقعدها فزعاً ، لتقترب منها أروي وتضمها بقوة هاتفه والفرح يحتل ملامحها ، وهي لا تُصدق ما أبلغتها به نيرة
– جاسر وافق علي هاشم ،وهيرجع من سافره يوم الخطوبه يا جنه .. انا مش مصدقه نفسي ، أخيراً هلبس دبلة الانسان اللي بحبه يا جنه
ورغم سعادتها ، لتلك الفرحه التي تراها تلمع في عينين أروي ، إلا إنها ابتلعت غصتها بمرارة ، وهي تري نفسها لا شئ بحياته ، فلو كانت زوجه حقيقية بحياته لكانت هي من زفت الخبر لأروي ، وليست نيرة
وبصعوبة تسألت
– هي نيرة بتشتغل مع جاسر
و أروي منحتها الجواب بسهوله ، لا تُصدق إنها لا تعرف أن “نيرة” تعمل سكرتيرة لجاسر
نيره سكرتيرة جاسر ياجنه ، هو أنتِ متعرفيش
…………………….
تنهد بعمق وهو يري سعادتها بالهاتف والحاسوب الجديد ، فلمعت عيناه لشدة افتقاده لمرحها..
أبتعادها عنه أصبح يزداد كل يوم لدرجة جعلته يشتاق إليها وهو لا يعلم كيف يشتاق لها هو من يطردها بعيداً عن حياته ،رغم إنها صارحته بحبها
انتبه علي سؤالها ، وقد أخرجته من شروده الذي أصبح يُلازمه كلما أصبحت قربه
– طيب أشغل التليفون ده ازاي ، مش عارفه افتحه
ابتسم “احمد” وهو يري أستياءها ، فاقترب من فراشها وجلس عليه ، يُخبرها وهو يُحدق بملامحها الجميلة وبرائتها التي باتت تُرهقه
– تعالي ، أوريكي بيشتغل ازاي
اقتربت منه بتوتر ، لتجلس قربه تتسأل بأرتباك وهي تتحاشي النظر إليه :
– لو مفهمتش فيه هاخد تليفونك
دفعته عبارتها ، للضحك بقوة .. لا يُصدق إنها طامعة بهاتفه
احمد : ده انتي طلعتي، حاطه عينك علي تليفوني بقي ، طيب ايه رأيك ان تليفونك احدث من تليفوني بمراحل
فنهضت متذمره من جوارها ، تضع بيديها فوق خصرها ، ارتفعت تنورتها القصيرة بعض الشئ، فما كان منه إلا أن علقت عيناه بساقيها وقد سلبت شقاوتها أنفاسه، جذبها إليه فسقطت فوق ساقيه ، لتشحب ملامحها وهي تري حالها قريبة منه لهذه الدرجة ، وقبل أن تعترض كان يُخبرها صراحة
– مش هشرحلك التليفون بيشتعل إزاي ، إلا وأنتِ كده ومش عايز أسمع أعتراض
– نعم
وبأعتراض كانت تهتف ، فلمعت عيناه بخبث وهو يراها تُحاول الخلاص من قبضته حول خصرها
– ممكن تبعد عني
وبأنفاس مسلوبه ، كان يهتف دون شعور
– مش قادر أبعد عنك يا صفا
ارتفعت أنفاسها ، وهي تسمع عبارته ..وتري توقه إليها ، ولكن سرعان ما أنتبهت علي حالها وهي تشعر بملمس يديه فوق ساقيها ..، لتُدرك أن ما يدفعه نحوها ليس إلا رغبة
– الاصدقاء في بينهم حدود ، ولازم مانتجاوزش الحدود ديه
انتفضت عنه ، بعدما هتفت بعبارتها التي ألجمته ، ولم تكن عبارتها إلا حديثه الذي أخبرها به من قبل
– صفا ..أنا
وقفت الكلمه علي طرفي شفتيه ، لو كان قالها لكانت منحته نفسها مرحبة ..، رأت الضياع والتردد في عينيه .. فتأكدت إنها ليست إلا أمرأه تُحرك غريزته ، وها هو يخذلها مرة أخري..
وسرعان ما كانت تخرج من الغرفة راكضه ، تخفي دموعها التي علقت بعينيها
…………………….
أتسعت أبتسامة عمتها وهي تراها بكل هذا الجمال ، وبفستانها الذي قد اظهر كل شئ من أنوثتها .. وقد زادها جمالاً فوق جمالها
– أه لو كان جاسر هنا دلوقتي ، وشاف قد إيه هو محظوظ بالجمال ده كله
ألمها حديث عمتها ، فاغمضت عينيها تمنع هبوط دموعها ، فابتعدت عنها “منيره” تضم وجهها بين كفيها :
– أنا عارفه اني بتدخل في حياتكم اوي يابنتي ، بس صدقيني من حبي ليكم .. ومتأكده إن في يوم هشوف الفرحه بتلمع في عينيكي ، وهتشكروني انتوا الاتنين
حاولت تمالك دموعها ، فعن أي فرحه و أمل تتحدث عمتها .. ، جاسر لا يُحبها بل هي من تورطت وأحبته
تعالت أصوات الزغاريط وطلقات النار ، فتهللت أسارير منيره :
– أكيد كتبوا كتب الكتاب ، هروح أشوفهم واشوف جاسر ، وانتي أدخلي للبنات وفرحيهم يا بنتي
مسحت “جنه” تلك الدمعه التي أنسابت فوق خديها ، واسرعت بالدلوف نحو الحجره الواسعه التي تضم معظم نساء وبنات عائلتهم والعائلات الاخري أحتفالاً لهذه المناسبه السعيده ، واقتربت من أروي تحتضنها بقوة تُهنئها:
– مبروك يامدام أروي قولاً بس وليس فعلا
تخضبت وجنتي أروي خجلاً وهي تستمع لعبارتها ، فقرصتها جنه فوق ذراعها غامزه تُشاكسها
اقتربت منهما نيرة ، وهي تشعر بالحقد ، خاصه وهي تري جميع النساء يمدحون جمالها ، وحظ كبيرهم في الزواج منها:
– عقبال لما تبقي انتي كمان مدام فعلا مش بالأسم بس
احتقنت ملامح “جنه” غضبا من وقاحتها ، فحدقت بهم أروي بغرابه، وخاصه وهي تري أحتقان ملامح جنه ..، اسرعت في جذبها بعيداً عن نيرة ، حتي تنهي تلك النيران التي تطاير من نظراتهم نحو بعضهم :
– هنرقص انا وانتي صح ، اوعي تنسي وعدك ليا
فصدحت ضحكات نيره وهي تستمع لحديث أروي :
– وانتي إنها بتعرف ترقص ، بلاش تخليها تكسفنا قدام الناس..
وتابعت حديثها وهي ترمقها بغيظ : أقعدي بقي ياأروي وبلاش فضايح قدام الناس
ابتلعت “جنه” عبارتها ، وقد التمع التحدي في عينيها ، تجذب ذراع أروي في وسط الغرفة
– معندناش عروسه تقعد ، وبما أننا بنات وسط بعض .. فهنعمل اللي يعجبنا
لتحتقن ملامح نيرة ، وهي تراها ترقص ببراعة وأعين الجميع حولها ، يتهامسون بين بعضهم عنها ، يتسألون هل ترقص كل ليلة أمام كبيرهم
…………………….
وقف يتأملها وهي تلتهم بقوه وجبة عشائها سرا في مطبخهم المُظلم، لتتسع أبتسامته وهي يراها تتلذذ بطعم الطعام بهمهات مُتلهفه .. فأقترب منها بحزر
أحمد : عشان تحبسي نفسك في اوضتك تاني من غير أكل
لتنتفض فزعا ، تتأمله وهو يقف امامها حتي قال بتنهد : صفا انا مش عايزك تبعدي عني
وجذب بيديها متمتماً برجاء :
– عايز اوريكي تصميم المنتجع الجديد اللي انا صممته وكان بسببه وجودي هنا
فتحركت خلفه مسلوبة الاراده ، وصعدت معه نحو غرفته ، أجلسها فوق فراشه ، فأخذت تطالعه بأرتجاف وضعف وكادت ان تنهض وتهرب من خفقان قلبها الذي أطفئته منذ ان جرحها ورفض حبها بوحشيه .. فجذب ذراعها وأجلسها ثانية وجلس جانبها فوق الفراش وفتح حاسوبه، قبل أن يمنحها فرصة للهرب
– ها ايه رأيك
لمعت عيناها بأنبهار حقيقي ، تُدقق في حاسوبه وقد تناست أي مشاعر اخري
– انت اللي صممت ده
تعالت ضحكاته ، وهو يراها تُشكك في قدراته:
– جوزك مهندس شاطر علي فكره يامدام
ألجمتها عبارته ، فتعالت أنفاسها وقد أخذت كلمته تتردد داخل أذنيها ، تنظر إليه :
– كنت اتمني اني أصمم المشروع ده في مصر
وتابع حديثه بفخر : وجودي في أمريكا ، كان بسبب براعة المشروع ،
بس عارفه ياصفا اجمل حاجه لما تقدري توصلي لأحلامك اللي بتحبيها مش اللي فرضاها لنفسك
حدقته ، وهي تسمع لحديثه ، وقد اتمعت عيناه بعدما علم بأنه يثرثر كثيرا عن نفسه فتسأل حتي يجذبها نحو حديث أخر
أحمد : نفسك تحققي إيه يا صفا من احلامك
وأه لو اخبرته عن حلمها الذي تتمناه ، إنه هو من كان حلمها الذي تمنته ، أنتظر أن تمنحه جوابها ، وعندما طال أنتظاره ، رفع كفه نحو خدها يمسح فوقه متمتماً
– هتاخدنا علاقتنا لحد فين يا صفا ؟
……………………
ألتمعت عين أروي بشقاوة وهي تطالع مقطع الفيديو ، بعدما انتهت حفلة عقد قرانها ،حدقت بشقيقها الذي جلس بهيمنته يتحدث مع فاخر ، ورغماً عنها كان يخرج صوتها عاليا ، فجعلت الجميع ينتبه عليها :
– ديه جنه طلعت أستاذه
طالعها الجالسين ، لا يفهمون مقصدها ، فالتف بوجه نحو شقيقته ، عندما استمع لاسمه من فم شقيقته وقد ترك فنجان قهوته ، ولم يكن غير هدي هي من فهمت حديث أروي ، فهتفت بضيق مستنكرة ما حدث
– كسفتنا قدام حريم العيله ياعمتي ، فضلوا يسألوا مين ديه .. واول ماعرفوا انها مرات كبير عيلة المنشاوي ،معرفناش نخرس ألسنتهم
تعالا صوت صراخ فاخر ، بعدما أنتبه علي ملامح شقيقه
– هدي
فامتقعت ملامح “هدي” ، غير عابئة بصراخه عليها
– مالها نيره أختي عقله وراسيه وبنت اصول
قبض جاسر فوق كفيه وهو ينهض عن مقعده ، وقبل حديثه بشئ ..، كانت “منيرة” تهتف بحده ، وقد أحتقنت ملامحها :
– وبنت أخوي بنت أصول برضوه ياهدي .. خد مرتك يافاخر وعلمها أزاي تعرف تحترم الكُبار
وصرخت بوجه أروي التي انكمشت علي حالها ، بعدما أكتشفت فداحة فعلتها
– وانتي أمسحي المسخره اللي علي تليفونك ديه
– فين جنه ياعمتي
صدح صوته ، بعدما تمالك غضبه وطالع شقيقه الذي شعر بالحرج من عدم إحترام زوجته لأفراد عائلته وعدم إحترامها لتحذيره
– إحتراماً ليك مش هتكلم علي اللي قالته مراتك يافاخر
تقدمت منهم غافلة عما حدث بغيابها ، وتلك النيران التي تتطاير من عينيه ، تهتف بسعاده بعدما أنهت حديثها عبر الهاتف مع والديها :
– بابا وماما بيسلموا عليكوا ، وباركوا لعمي علي خطوبة أروي
ونظرت نحو عمتها هاتفه :
– عمي حسن عايزك فوق ياعمتي عشان تكلمي بابا
حدقتها عمتها بنظرات طويله ، ونهضت عن مقعدها تومئ لها برأسها ..، وقبل أن تتجه نحو الدرج شيعت نظراته نحو الواقف يقضم فوق شفتيه بقوة ..تُطالعه بنظرات راجيه
– مالكم يا جماعه ، ساكتين ليه
وبقسوة كان يجذبها من ذراعها ، يجرها خلفه
– مش عايز أسمع ليكي صوت
شعرت بالأهانه ، من جره لها بتلك الطريقه ..، وبصعوبة حاولت التخلص من قبضته
– براحه ، أنت بتجرني كده ليه
وبحده كان يعود لالتقاط ذراعها مجدداً ، يدفعها تلك المرة أمامه
– قولت مش عايز أسمع صوتك
……………………………
نظرت اليه طويلا وهي تحمل حقيبتها
– انا مش هقدر أكون الست اللي أنت عايزها
ليطالعها هو بجمود ، بعدما فقد كل ذرة تعقل داخله ..، فيكفيه إنه ما زال صابراً عليها ، يمنحها العذر رغم ضيقه :
– هو لعب عيال ، فوقي ياحياه مش معني اني بدأت اعاملك كويس وصابر عليكي يبقي انا ضعيف ياهانم .. بلاش أوريكي قسوتي اللي بجد
حدقته ساخره ، وقد أنسابت دموعها فوق خديها :
– أنت مش عايزني غير ست ضعيفه ، تفضل تحسسها إنك ولي نعمتها ، وأنا مش هفضل طول عمري كده ..، حرام عليكم
لم يتحمل “عامر” حديثها ، واقترب منها يلتقط ذراعها يضغط فوقه بقوة ، مما أزاد إنهمار
– لولا فلوسي أخوكي كان دخل السجن ، أو كنتي أتجوزتي تاجر مخدرات ..، شايفه إزاي أنا ولي نعمتك
دفعها عنه بعدما انهي حديثه ، لتتعالا شهقاتها بعدما صدمتها عبارتها ، فهي ليست نداً مع هذا الرجل ، وبمرارة كانت تهتف
– مش من حقي ادلع صح ، ولا من حقي احب ولا من حقي يسألوني تتجوزي مين ولا من حقي اختار حاجه خالص.. لازم انا بس اللي أضحي وأسامح واتحمل وأتهان وأسكت ..أنا مكنتش عايزه لا قصر ولا فلوس .. أنا كنت محتاجه راجل يحبني
ألجمته عبارتها ، فعن أي حب تنتظره منه ..، وهو أقسم ألا يسمح لأمرأه تُحرك قلبه ..، طالع دموعها وهي تُخبره بأحلامها مع الرجل الذي تمنته ، وبذكاء كان يقترب منها يضمها إليه رغم أعتراضها ، يمنحها ما تُريده كذباً
– وليه متحاوليش معايا يا حياه
توقفت دموعها ، ورفعت عيناها إليه ..، لا تستوعب حديثه
– أنا عارف إني بجرحك بكلامي ، بس أنا من طبعي قاسي ..، ومش بؤمن بالحب ..، لكن ليه متحاوليش معايا
كان يعلم بأنها ليست بالمرأة الذكية اللعوب ، فلو كانت ذكية لكانت طبقت حديث والدته الذي استمع إليه بالمصادفه ، أو كانت أستخدمة صلاحيتها كزوجة ، وتنتهز الفرصه التي منحتها لها الحياة ..، وتعيش حياة الرفاهية ..
– أحاول
وبخفوت كانت تسأله ، تتذكر نصائح ناهد إليه ..، نحو الشد والإرخاء حتي لا يضجر منها ..، شعرت بذراعيه تطاوق خصرها ، يُلمس جسدها بحنو غير تلك الطريقه التي اعتاد فرضها عليها حينما يرغبها وينتهي الأمر ببكاءها
– أنت مبتحبنيش
– ما أنتي كمان مبتحبنيش يا حياه
بمراوغة كان يُجيبها ، حاولت التملص من اسر ذراعيه وسحر عيناه الناعسة
– عشان كده بقولك نحاول
وببطئ كان يقترب منها ، يلثم خدها ثم قرب فكها ..، يتجه بشفتيه نحو عنقها ..، ارتخي جسدها بين ذراعيه ..، فلمعت عيناه بشقاوة ..، فبمجرد كلمات هادئه ..ينال ما أراده ، اتجه بها نحو الفراش.
– هنحاول يا حياة ، هنحاول نحب بعض
هتف بالكلمه التي يعلم إنها ستعيدها لأغماءتها القصيرة معه ..، وبتروي ورفق كان ينالها
وللعجب إنه ظن إنه سيكتفي معها بمرة واحده ، ولكن هيهات كان لا يستطيع الخروج من سحرها وخجلها الفطري ، لقد أشعرته برجولته وبمشاعر لم يشعر بها من قبل ولكنه لن يفسرها .
الفصل السابع والعشرون
******
وقفت أمامه تشعر بأن هناك حديث يُريد إخبارها به ، تلاقت عيناهم في نظرة طويله ..، ولأول مرة تري في نظراته لها نظرت لم تفهمها ، ولكنها كانت أبعد عن تلك النظرة التي أعتاد النظر بها إليها ، لم تري البروده والقسوة بل رأت رجلاَ أخر .. رجلاً يُريد الهرب من مشاعره ..، حللت , أنتظرت وداخلها كان ينبض بالترقب ..، ولكن كل شئ تحول داخلها وهي تستمع لأخر ما توقعته
– أنا أسف ياجنه
وأسفه لم يكن ما يُريد إخبارها به وحده هذه الليله ، اشاح عيناه عنها بعدما رأي نظرتها المتلهفة لحديثه ..، وبدون رحمه كان يُسقطها من سحابتها
– إحنا لازم نتطلق ياجنه !
سقطت العبارة علي أوتار قلبها كالصاعقه ، فأخذ صداها يتردد علي مسمعها ، فالتمعت عيناها بالدموع غير مصدقة ..، إنه يُخبرها بضرورة طلاقهم بعدما شعرت ببصيص من الأمل في نجاح علاقتهما
أبتلعت غصتها اللعينة ، تلوم حالها علي حبها لهذا الرجل .، فكيف سمحت لقلبها بأن يُحبه وهي تعلم بفشل حكايتهم ..، انسابت دموعها وقد وقف يرمقها بنظرات احتلها الخواء ..، أرادت الصراخ به ..، ارادت صفعه وضربه بكل قوتها ..، لعلها تُخرج فيه قهرها ..، ولكن رنين هاتفه جعلها تفيق من أفكارها ..، تنتبه علي الحاله التي أصبح عليها وهو يسأل شقيقه صارخاً
– ايوه يافاخر ، بتقول إيه ؟
ارتجفت يده فوق الهاتف ، وهو يسمع ما يُخبره به شقيقه ، فاقتربت منه وقد أحتلي الذعر ملامحها
جنه : إيه اللي حصل ؟
هرول من أمامها دون جواب ..، فركضت خلفه تصرخ باسمه بعدما شعرت بالخوف من حدوث شئ لعائلتها ..، لتجلس فوق الدرج بأنفاس مسلوبه تنظر نحو الفراغ أمامها ، تهمس أسمه هذه المرة بخفوت
……………………………………………………….
أبتسمت صفا بسعاده وهي تضغط علي أخر زر سيجعلها تثبت عضويتها في أحدي المنتديات العربيه
تنهدت براحه ، مع اول خطوه للتسليه بمفردها بعيدا عنه
لتضحك بقوه وهي مسطحه علي بطنها وتتلاعب بساقيها ، فتتخيل مشاهد تلك الروايه التي تقرأها ضاحكه ..فقد كانت عباره عن يوميات زوج وزوجه
تعالت صوت ضحكاتها بقوه وهي تكمل قراءة الروايه ،ومع طرقاته الخافته وعدم استجابتها ، سمح لنفسه بالدلوف .. فتقع عيناه عليها وهي بذلك الوضع الذي أشعل توقه إليها ..، أقترب منها مبتسماً بأنفاس مسلوبه ، يُريد معرفة ما يُضحكها ويُسليها:
– ما تضحكيني معاكي
باغتها بسؤاله ، فانتفضت مفزوعة من فوق الفراش ، تلتقط أنفاسها الهادرة ، تنظر إليه وهي تضع بيدها فوق قلبها
– خضتني يا احمد ، انت دخلت هنا امتي ؟
اتسعت ابتسامته شئ فشئ ، وهو يستمع لاسمه بتلك النبرة التي زادته رغبة وتوقاً ، وجلس جانبها يُطالع ما كانت تقرأه ويضحكها :
– مقولتليش برضوه بتضحكي علي ايه ياصفا
التقطت أنفاسها ببطئ ، وعدلت من وضيعة جلستها ..، تشيح بالهاتف بعيداً عنه :
– عادي بتصفح علي النت ، وبضحك علي مواقف لمتجوزين
حدقها “احمد” بنظرات لعوبه ، وهو يراها تبتعد بالهاتف عنه، وبعبث أخذ يتسأل :
– وإيه هي مواقف المتجوزين اللي بتضحك ، أنا أعرف إن في مواقف تانية أحلي
خفق قلبها من عبارته ، ولكن سرعان ما كانت تتحكم في مشاعرها
– مواقف للمتجوزين مش للصحاب ، فأكيد مش مضطر تعرفها
تجهمت ملامحه ، وهو يستمع لعبارتها التي تصده بها ، ورغم ضيقه إلا إنه تجاوز الأمر وعاد يبتسم إليها ، يُخبرها عن سبب قدومه لغرفتها:
– معزومين النهارده علي العشا
وها هو يثبت لها براعته في تجاوز كل شئ ..
………………………………………………………
تنهد براحه وهو يتأمل وجه والده المبتسم برضي
جاسر: كده تخضينا عليك ياحاج
فاغمض حسن عيناه بتعب
-احنا اللي غصبنا علي بنت عمك كمان ياجاسر في الجوازه ديه ، اوعاك تفتكر ان انت الوحيد اللي ضحية هي كمان أتنازلت يابني عن حقوقها في إنها تقول لاء ليا و لعمتك و لعمك .. انا وعمتك حطينا مقابل قرب عمك مننا تاني “بنته” ومكنش عنده حاجه غير إنه يدهالنا ، متظلمهاش يابني متخدهاش بذنب حد
أظلمت عيناه من سماع حديث والده ، وقبل أن يهتف بشئ ويُخبره إنه سيُطلقها حتي يُحررها من عالمه المظلم ويمنحها حياة تستحقها ، كانت عمته تدلف الغرفة بملامحها البشوشة:
– اخبارك ايه دلوقتي ياحسن ، كده ياخوي تقلقني عليك
– انا قولت لجاسر كل حاجه يامنيره ، لازم يعرف انها كمان اتظلمت وسطينا
طالع عمته ، بنظرات خاليه ، فتسألت منيرة بشك :
– مراتك عايزه تمشي ليه ياجاسر ، عمك صابر تحت وهي مصممه أنها تمشي معاه
تصلبت ملامحه ، وهو يستمع لعبارات عمته ..، فحتي لو أخبارها بطلاقهم ..، فهو من يُقرر متي رحيلها وليست هي ، اندفع لخارج الغرفة ..، تحت نظرات والده وعمته ..، فابتسمت منيرة وهي تُطالع شقيقها
– لسا جوايا أمل إنهم يحبوا بعض يا حسن
……………………………………………………..
تأملها “عامر” بنظرات طويله ، دون أن تحيد عيناه عنها ..، تذكر أمسً وهي بين ذراعيه يسألها عما تُريده ..، وقد ظن إنها ستطلب شيئاً من رفاهيات الحياة ..، ولكنها كل يوم تثبت إليه إنها بالفعل نموذج اخر من النساء ..، تصلبت ملامحه وهو يري قلبه إلي أين يأخذه ..، فاقترب منها بخطوات جامده ..، بعدما ضجر من أنتظارها وعلي ما يبدو إنها تناست إنه أخبرها أن وجودهم هنا لساعة واحده كما أتفقوا ..، ثم يعيدها للمنزل ويعود لأعماله وقد أعطاها حقها في تلبية حاجتها , كما أصبحت تُعطيه حقوقه الزوجيه
تقدم منها ، وقبل أن يُخبرها بوجوب رحيلهم ، تلاقت عيناها به بسعاده وهي تتجه إليه
– عجبتهم الهدايا اووي ، ربنا يوسع من رزقك وتفضل ديما ترسم الفرحه علي وشوش الناس
ألجمته عبارتها ، بل جعلت جموده يتلاشي ..وهو يُعانق عينيها بنظرة طويله ، يتسأل داخله
هل هي بالفعل مختلفة عنهن جميعاً ، عن والدته و فريدة بل وأيضا أميرة ؟
فاق من شروده ، وهو يراها تُحاول جذبه نحو الأطفال
– مش كفاية كده يا حياه ، عندي أجتماع مهم
– اقعد بس معاهم خمس دقايق ونمشي ، أرجوك
وبرجاء كانت تهتف عبارتها ، وقد علقت عيناها بعينيه ..، خفق قلبه بشعوراً لا يعرف مهيته ، واقترب من الأطفال يتأملهم بنظرات حانية بعيداً عن قسوته وجموده
توقفت بعيداً عنه ، و قد أقتربت منها السيدة “فاتن” سعيده بما تراه
– حافظي عليه يا حياة ، الفرصة مبتجيش في حياة الإنسان غير مره واحده
….
وها هي تنفذ المطلوب ، تنفذ ما تنصحها به “ناهد” وقد أصبحت قريبة منها ، تطبق ما كانت تسمعه من الحكايات ، فالرجال لا يحبون زوجاتهم إلا بعدما تجمعهم العشرة والمواقف ، ورغم تضارب قلبها وعقلها مع بداية زواجهم وإرغامها علي هذه الزيجة ..، إلا إنها وجدت معه الخلاص من حياتها بجانب زوجة أخيها
أنتبهت علي سماع باب الغرفه يُفتح ، ودلوفه بأرهاق وقد قطب جبينه وهو يراها مستيقظة لهذه الساعه ..، أسرعت إليه تسأله بلهفة صادقة
– أتأخرت ليه يا عامر ؟
اراد أن يُخبرها ، أن لا حق لها بأن تسأله عن شئ ..، ولكن توقف الحديث علي طرفي شفتيه وهو يجدها تقف خلفه وتزيل عنه سترته
– قلقت عليك ، و فضلت مستنيه نتعشا سوا ..، وعلي فكرة أنا جعانه خالص
– أتعشيت بره ، وبعد كده تقدري تاكلي من غيري لما اتأخر
تعجبت من نبرته الجامده ، فالفترة الماضيه كان يُعاملها برفق ، شعرت بالتوتر وهي تراه يبتعد عنه ويتجه نحو المرحاض
نفضت عقلها من أفكارها ومخاوفها ، واتجهت نحو المرآة تنظر لهيئتها ..، ازالت مئزرها برفق ، فتخضبت وجنتيها من شدة الخجل ..اعادت المئزر فوق جسدها ولكن سرعان ما كانت تتذكر حديث “ناهد” ، فرجل كزوجها بمكانته يري الكثير من النساء ، ازالت المئزر مجدداً ووقفت تمشط خصلاتها الطويله ، وقبل أن تتجه نحو الفراش وتستر جسدها بالغطاء ..، كان يخرج من المرحاض يُجفف عنقه وخصلاته
انتبه علي سماع شئ يسقط ، فابعد المنشفه عن وجهه ..، ليراها تقف مرتبكة تنظر إليه وهي تلتقط قرورة العطر التي سقطت منها
اقترب منها ببطئ وهو يري تراجعها عنه ، ورغم إنه قد قرر عدم الاقتراب منها هذه الليله إلا إنه كان يتحرك صوبها بأنفاس لاهثه
– أنتِ جميلة كده ليه يا حياة
تمتم عبارته ، وهو لا يُدرك كيف خرجت الكلمات من شفتيه ..، جذبها إليه فارتطمت بصدره الصلب ، تسأله وهي تشيح عيناها بعيداً عنه
– أنا بجد جميلة يا عامر
والجواب الذي كان يستنكر إنه منحه لها ، كان يُعيده ثانية عليها ، بل أخذ يعيده لمرات عديدة وهي بين ذراعيه يسحبها معه نحو السحاب
……………………………………………………..
وقفت باكية ، تتأمل رحيل والدها بعدما جاء ليطمئن علي اخيه أولاً ثم عليها ، طالعها في صمت ، وقد وقف قريباً منها حتي تلاقت عيناهم ، فحدقته بأعين قاتمه
– مرضتش تمشيني معاه ليه ، مش كنت عايز تطلقني ولا جاسر باشا لسا بيدرس قراره ، بس أنا بقي مش عايزه أعيش معاك خلاص
القت عبارتها بصراخ ، جعل عيناه تحتد ، فمنذ مني واصبح صوتها هكذا أمامه
– مليون مرة أقولك صوتك ميعلاش ، كلامي ليه مبيتسمعش
هتف بها ، وهو يقبض فوق ذراعها بقوه ..، فنفضت ذراعها عنه
– مش عايزه أعيش معاك تاني .. كفايه ذل واهانه لحد كده ، طلقني
حدقها بنظرات مظلمه ، وهو يستمع لعبارتها ..، أقترب منها , فاخذت تتراجع عنه وهي تري نظراته
– طيب يا جنه ، أنسي بقي موضوع الطلاق ..لأني مش ناوي أديكي حريتك دلوقتي
وأنحني صوبها ، فمالت برأسها بعيداً عنه ..، بعدما شعرت بأنفاسه تلفح صفحات وجهها
– إلا لما أخد حقوقي ياجنه ، وأتمتع بأمتيازات الجوازة ..، مش معقول تخرجي من الجوازه لسا بنت ، ده حتي عيبه في حقي
القي عبارته بوقاحه ، وابتعد عنها يتفرس ملامحها ، فصدحت ضجكته عالياً وهو لا يُصدق إن بضعة كلمات ترغبها النساء منه ، تجعلها مذعورة هكذا .
…………………………………………………………
أمتقع وجهها وهي تتأمل بعينيها تلك الفتاه التي يصطحبها صديقه فاقتربت منه :
– هي ديه حبيبت صاحبك اللي ناوي يتجوزها
فابتسم “احمد” وقد أنتبه علي نظراتها نحوهم : مش عجباكي
وبهمس خافت كانت تسأله :
– إزاي موافق تلبس كده
وقبل ان تكمل باقية حديثها ، أقترب منهم “رامي” هاتفاً باعتذار :
– أسفين علي التأخير ، اعرفكم بساره
نهض “احمد” عن مقعده مرحبا بها وعيناه نحو صفا ، وقد ضمها إليه بعدما وقفت هي الأخري مرحبة :
– صفا مراتي
ارتجف قلبها من لمسته ، وتعريفها لهم بأنها زوجته ..، حاولت التخلص من ذراعها ..، فابتسم وهو يُحررها أخيراً ، وعادوا لجلوسهم
أتي النادل ، ولدهشتها إنه قد اختار لها أنواع الطعام التي تُحبها ، طالعته في صمت ..، كما اخذ “رامي” يحدق بهم ..، لا يُصدق أن هذا الزوج ليس إلا صورياً ..، كانت عينين الجالسه أمامهم تُراقبهم ، تنحنحت “سارة” بعدما شعرت بأنتبه “صفا” عليها ، وعلي تحديقها بهم
– مكنتش فاكرة ، نك بالجمال ده يا مدام صفا
توردت ملامح “صفا” ، وقد علقت عيناها بالجالس جوارها ..، فاقتربت منه حتي تخرجه من شروده وحرجها أمامهم من نظراته العالقة بها ، فماذا كان سيفعل إذا كان يُحبها ..، ام هذا دوراً يجيده حتي يثبت إليهم إنهم زوج و زوجة بالفعل
– بتبصلي كده ليه ، ممكن تستعجل النادل لأني جعانه
ضحك “احمد” مرغماً ، بعدما أشاح عيناه بعيداً عنها ، فرمقها “رامي” متعجباً :
– طيب ما تشاركونا معاكم الضحك يا جماعه ، بصراحه يامدام صفا انتي عاملتي أنجاز في شخصيه جوزك المصون ده .. ده كان بارد ورخم بشكل بس دلوقتي حاسس انه بقي لذيذ
تعالت ضحكاتها رغماً عنه ، فاسرعت بوضع يدها فوق شفتيها ..، بعدما حدقها بنظرات متوعده ، فقد اعجبها حديث “رامي” عنه ..
– شكلي النهارده هخليك تدفع عزومة العشا عقابا ليك
تراجع “رامي” بمزاحاته ، بعدما رمق المكان
– وعلي ايه انا بقول السكوت حلو
حاولت كتم صوت ضحكاتها ، فضغط بحذائه فوق قدمها ، لتتأوة بخفوت من فعلته
– نتلم شويه يا مدام مفهوم !
………………………………… ……………………..
وقف يتأمل نظرات عيناها الشغوفة، وهي تتابع سعادة أروي بالورد الذي قد بعثه إليها هاشم في لفته رومانسية منه ..، تجمدت ملامحه ، وهو يري الحسرة قد أرتسمت فوق ملامحها بعدما تلاقت عيناهم معاً
أنتبه علي صوت شقيقه ، بعدما دلف للشرفة الواسعه :
– امتي هترجع لنفسك تاني يابن ابوي ، وتنسي الماضي
التف اليه جاسر بجمود ، رغم مشاعره المضطربه ، يتجاهل حديث شقيقه
– الحاج نام
تفهم “فاخر” هروبه من سؤاله ، فتنهد زافراً أنفاسه
– طبعك ومش هتغيره يا جاسر ، ديما مبتحبش قد يقولك انك غلط ، متقلقش ابوك كويس ، اخد علاجه ونام
……………………………. …………………………..
مع اول خطوه كانت تصعد فيها الدرج مُتجها الي غرفتها ، كانت ذراعيه تجذبها بقوه يصرخ بها ، بعدما فقد كل ذرات تعقله:
– كانت قاعده حلوه صح ، اندمجتي اووي مع رامي
طالعته بذهول ، وهي تشعر بقسوة قبضته فوق ذراعيها ، ولكن تجاهلت ألامها وهي ترسم أبتسامه واسعه فوق شفتيها
– رامي , صاحبك بجد مافيش منه ، شخصيه جميله اوي تخليك تنسي الدنيا وتضحك من قلبك
تجمدت ملامحه ، وهو يسمع عبارتها التي زادته تجهماً وقتامة بل جعلته لا يشعر بقسوة حديثه
– متنسيش وجودك في حياتي كان ليه ، ومُدته قد إيه متتعوديش اووي علي العيشه
وأردف ساخطا :
– متنسيش انك مجرد بنت كنتي بتشتغلي عندنا
دفعها من أمامه بعدما ألقي بحديثه ، وأنصرف وهو يلعن ذلك الشعور الذي اصبح يجتاحه بقوه ، وقفت مكانها مصدومه بأعين متحجرة وسرعان ما كانت تنساب دموعها فوق خديها ..، وقد أخذ حديثه يتردد في أذنيها ..، فهي بالفعل ليست هنا إلا لمدة معينه ، ولكنه كاذب ..، فلم تعد تعلم أين هي في حياته
……………………………………………………..
كان سؤال “ناهد” كفيل بأن يجعل قلبها يخفق بقوه .. الي ان عادت ناهد بتسألها ثانية بمراوغة:
– بدأتي تحبي عامر يا حياة
طالعتها “حياه” بنظرات شاردة ، لا تعرف بما تخبرها .. لأنها بالفعل لم تعد تعرف مشاعرها نحوه ، أغمضت عيناها وهي تضع بيدها علي عنقها تتذكر عنفوانه معها في علاقتهما ، ولكن ذلك العنفوان سرعان ما يتحول لشغف ..، إنها باتت لا تشعر بأنفاسها الهادرة وهي قربه ، حتي قلبها بات يتقافز من موضعه حينا يراه وكأنه يتوق للمساته ، عقلها و قلبها و جسدها ..، أصبحوا خائنين إليها وقد تركت نفسها لهذا الرجل بعد تلك الليلة
– حياة
هتفت “ناهد” اسمها ، بعدما اختفي صوتها ..، وطال جوابها
– مش عارفه ، لكن عامر بقي يعاملني كويس
والمعاملة لم تكن إلا بالفراش ، ولكن ناهد ظنت أن الامور بدأت تنصلح بينهم من جميع الجوانب
– أنا معرفش يعني إيه حب غير من القصص الي بنسمع حكايتها ،مجربتش احساس إن حد يحبك من غير مقابل غير مع امي وابويا الله يرحمهم
توقفت الكلمات علي طرفي شفتيها ، وهي تلتف خلفها علي أثر صوته الجامد
– أخبارك إيه النهارده ، المرافقة معاكي كويسه ولا ابدلها ليكي
ارتسمت السعاده فوق ملامح “ناهد” وهي تستمع لصوته وانتظرت قربه ..، اقترب منها يُجاورها فوق فراشها ..، وقد علقت عيناه بتلك التي غادرت الغرفة ، يتذكر حديثها الذي سمعه مع والدته
– حياة مش شبهي يا عامر ، حياة نضيفه من بره ومن جوه اوعي تخسرها يا ابني ..لانك مش هتلاقي زيها تاني
ألجمه حديث والدته ، وتلك المرة كانت عيناه تتعلق بوالدته
– مش بنفوز غير مرة واحده في الحياة !
……………………………………………………..
جلس علي فراشه بتعب ، يتأملها وهي تعدل من وضع وسادتها فوق الاريكه .. فنهض واقترب منها :
– تعالي نامي علي السرير
صدمتها عبارته ، تتذكر أول ليلة لها معه ..، بعدما دفع الوساده نحو الأريكه ..، يُخبرها إنه مكانها وقد رحمها من نومتها علي الأرض لكرم أخلاقه
وباستهزاء تمتمت
– مش متعوده علي كرم الأخلاق ده يا جاسر باشا ، عموما متشكره علي عرضك السخي
احتقنت ملامحه ، من سماع عبارتها التي لم تعجبه
– كلمه ومش هعيدها تاني .. ، اسمعي الكلام مره في حياتك ياجنه
– طب وانت هتنام فين
تسألت بعدما قررت ، اتأخذ الهدنة معه في الحديث
فظهرت أبتسامته لأول مره
– متخافيش هنام في أوضه تانيه
– ليه موجهتنيش لما ضغطوا عليكي عشان تتجوزيني
باغتها بسؤاله الذي لم تتوقعه منه ، فتلاقت عيناها بعينيه ..، وقد أنتظر سماع جوابها ولكن جوابها قد طال ..
– جنه انتي قبل ما تكوني مراتي ، فأنتي بنت عمي يعني من دمي ولحمي .. اوعدك اني هراعيكي وهحاول مبقاش مُعقد ومتسلط زي ما انتي شيفاني .. بس حاولي تحترمي وجودي وغيابي وبلاش تصرفاتك المجنونه
اتسعت حدقتيها في صدمه وهي تستمع لحديثه ، لا تُصدق أن الذي يقف أمامها ويُحادثها هو “جاسر” زوجها ..وبمرارة تمتمت بعدما ابتلعت غصتها:
– انا بحترمك ، انت اللي مبتحترمنيش
كان يعلم بصدق حديثها ، ولكنه أراد أن يمحو الحزن التي أحتلي قسمات وجهها ، وبمزاح كان جديداً عليها تمتم
– طيب وبخصوص مصايبك السوده اللي بتعمليها انتي واروي
ابتسمت مرغمه ، فابتسم هو الأخر ، يتذكر عندما شاهدها احد رجاله صباحاً ، تجلس مع بعض نساء بلدتهم وتتناول معهم بعض الاطعمه وتمازحهم
واقترب منها بهدوء ، يُخبرها :
– مش هكون معاكي ديكتاتور تاني ، بس اوعاكي تنسي وضعي هنا في البلد
وسرعان ما كان يتحول هدوئه ، لضحكات عاليه ..، وهو يراها تُحدق به بغرابه ، ترفع حاجبيها بطريقة مضحكة ، وبرغبة ملحة كانت تقتحم قلبه ..، أجتذبها نحوه ، يضمها إليه بقوة أفتقدتها صوابها ، بل وجعلته يفقد حصونه للحظات ولولا أبتعادها عنه ..، لكان حدث ما يخشاه ..، أن يجعلها امرأته .
…………………………………………………………
برودة مشاعره أصبحت تعصف به بقوه ، فانتفض من غفوته بعدما غاب سلطان النوم عنه ليتركه لسلطان جنونه بها
نهض عن فراشه ، وقد رحل النوم عنه .، وبخطوات هادئه كان يهبط الدرج متجهاً صوب غرفة مكتبه
عاد الي عالم هروبه ثانية ولكن بمشاعر اخري ، فمشاعره السابقه كانت للماضي الذي أفقده اجمل احلامه ، اما الان فهو يصارع حاضره ومستقبله ، توق ونفور لمشاعر أراد دفنها ..، و كل شئ داخله لم يعد يفهمه.
أغمض عينيه بشرود وهو يتذكر كلماته اللاذعه التي قد دمرها بها مرة أخري ، خرج من مكتبه وقد أتخذ قراره بالذهاب لغرفتها ، فلم يعد يطيق الشعور الذي يثقل فؤاده
وبمشاعر مضطربه ، كان يجول ببصره علي ملامحها الهادئه في ظلام غرفتها ..، أقترب من فراشها ، وأنحني بجسده , يتأمل كل تفاصيل ملامحها .. ، مدّ كفه نحوها بتردد ، فتغلب عليه قلبه ..، واخذت أنامله تتحرك بخفه فوق خديها وعينيها
– سامحيني ياصفا ، سامحيني بس انتي السبب انتي شبهها اووي بجنونها وبرائتها ،بنسي معاكي العالم كله .. نظرتك ليا فيها حاجه مش قادر اقاومها.. انا ليه بظلمك كده وأنتي كل اللي بتقدمي ليا بدافع الحب ، بس صدقيني بُعدك عني راحه ، اوعاكي تفضلي تحبيني ، لازم تكرهيني ياصفا
……………………………………………………….
دلفت بقدميها لأول مره مقر شركته ، فابتسمت أروي وهتفت بسعاده وهي تشتاق لرؤية هاشم ومفاجأتها له :
– جاسر اكيد هيتبسط اووي لما يشوفك
طالعتها “جنه ” باضطراب وخوف ، تخشي ردة فعله عندما يراها ..، فهو لن يكون سعيداً برؤيتها ..، خفق قلبها وهي تتمني أن ترحل حتي لا يكسر قلبها كعادته..، فهي لن تتحمل كسرة أخري أم إذلال منه وخاصه لو حدث ذلك أمأم أروي :
– أنا بقول أرجع استناكي في العربيه احسن يا أروي ، وانتِ روحي صالحي هاشم وتعالي
لم تمهلها “أروي” لتسمع المزيد من الاعتراضات ، وجذبتها إليها
– ياعبيطه هفضل أعلم فيكي لحد أمتي ، لازم تقربي من جاسر اكتر وتهتمي بيه ، اشمعنا نصايحك ديه بتقوليها ليا
أطرقت رأسها بأسي ، فهي تُعطي لأروي النصائح حتي تعيش بسعاده مع رجلاً كهاشم ، يُحبها ويتمني رضاها ، لكن هي و جاسر علاقتهم مختلفه ..، جاسر لا يُحبها ولا يراها ولا يرغبها ، صحيح تحسنت معاملته لها ولكنها لن تخدع حالها وتظن إنه سيُحبها يوماً
ومع خطوات لم تحسب سرعتها بسبب شرودها وجدت “أروي” تضغط علي زر صعود المصعد ، تتسأل بلهفة
– تفتكري الهديه هتعجب هاشم
– هاشم بيحبك يا أروي ، واللي بيحب حد بيسامحه علطول
تعالت السعاده فوق ملامح “أروي” وهي تستمع لعبارة زوجه أخيها وابنة عمها الحبيبة ، ضمتها “جنه” بحنان ، وسرعان ما كان يتوقف المصعد في الدور المنشود
خرجوا من المصعد ، فتحركت “أروي ” نحو الطرقة المؤدية لغرفة هاشم ..، تهتف إليها دون أن تنتظر سماعها
– مكتب جاسر علي أيدك الشمال .. ومتقلقيش مكتب رئيس مجلس الأدرارة هتلاقي مختلف وهتعرفي علطول
وتركتها وذهبت بخطي سريعه ، ومن سوء حظها كانت “نيره” تسير عبر الردهة التي وقفت فيها بتوتر ، لا تعرف أن تقف مكانها تنتظر أروي أم تهبط لأسفل وتنتظر بالسيارة ، انتبهت علي صوت “نيرة” التي فور أن رأتها ..، أقتربت منها بنظرات خبيثه ، ماكرة ترسم فوق ملامحها أبتسامة مصطنعه :
– ياجنه مش معقول ، أكيد جاية لجاسر ، بس جيتي مع مين
وصمتت نيرة للحظات وهي تعبث بخصلات شعرها مفكرة
– أكيد مع أروي
اماءت “جنه” برأسها ، ورغبتها في الفرار تزداد
– نورتي الشركه يا جنه ، جاسر أكيد هيكون مبسوط
هتفت بها “نيرة “، وهي تنظر لملامح “جنه” ، التي التمعت عيناها وقد عاد الامل داخلها .., بأن جاسر سيُسعد لرؤيها ، حتي إنها بدأت تتخيل كيف سيستقبلها ويهتم لأمرها
طالعتها “نيره” بخبث ، تُهنأ نفسها علي تلاعبها بها ، وعلي تصديقها إنها شئ هام بحياة جاسر ، ويبدو عليها إنها أصبحت متيمة با ابن خالته
– هو دلوقتي فاضي ، هدخل اقوله انك بره
أتبعته “جنه” ، حتي أصبحوا في غرفة فسيحة وقد أقتربت نيرة من سطح مكتبها ، تلتقط من فوقه بضعة ملفات متمتمه
– هوديله الملفات ، وابلغه بوجودك ..، أقعدي يا جنه مالك واقفه كده
استعجبت لطفها العجيب ، وجلست منتظرة ..تضم حقيبتها الصغيرة إليها ، خرجت نيرة بعد دقائق من غرفته وقد أغلقت الباب خلفها ، فنهضت علي الفور ولكن أملها قد خاب وهي تسمعها
– 5 دقايق بس ياجنه ، لان للاسف دخلت لقيته مشغول
حدقتها بشماته ، وهي تري نظرات الخذلان مرتسمة فوق ملامحها
– ها تشربي ايه ، ولا هتستني تشربي مع جاسر ..
هتفت “نيرة” عبارتها بخبث ، وهي تخفي نظراتها الشامته وسعادتها ..، وهي تري شحوب ملامحها
مرت الخمس دقائق كما أخبرتها ، أتبعها عشر دقائق ..، حتي طالعت ساعة يدها البسيطه , فوجدت إنه قد مر نصف ساعه وهي تنتظر سماحه لها بالدلوف لغرفته
نهضت عن مقعدها ، بعدما شعرت بالمهانة ، وقد علقت الدموع بأهدابها :
– لو مش فاضي امشي خلاص ..
حدقتها “نيره” بصدمه مصطنعه ، وهي تزيح حاسوبها الشخصي من أمامها ، ثم نهضت مُعلله
– ثواني ياجنه .. تمشي إيه بس ، أكيد جاسر أنشغل شويه ..، مش عارفه أقولك إيه هو علطول كده الشغل بينسي أي حاجة في حياته
واتجهت “نيرة” بالدلوف لغرفته ، ترسم فوق ملامحها أبتسامة واسعه ، فقد أتتها الفرصة علي طبق من ذهب لتقهرها
عادت لجلوسها بأحباط ، تفرك يديها بتوتر ..، فانتبهت علي رائحة عطر قوية ..، ثم تقد إحدي النساء منها ,قبل ان تسأل عن وجود نيرة ..، كانت نيرة تخرج من غرفة جاسر ..وتستقبلها بترحيب
– اهلاً مدام ناريمان نورتي ، حالا هدي خبر لمستر جاسر بوجودك
أتجهت نيرة عائدة لغرفه “جاسر” غير مهتمه هذه المرة بوجودها ، جلست المرأة فوق المقعد منتظرة ، وسرعان ما كانت تخرج نيرة متمتمه
– اتفضلي يا مدام ناريمان
علقت عينين “جنه” بالمرأة التي سارت أمامها بخيلاء ..، فقبضت فوق حزام حقيبتها وقد أرتجفت شفتيها ..، تمنع دموعها من الهبوط
– أعذريني يا جنه ، جاسر بيبلغك إنه مش فاضي ، وخلي السواق يوصلك
لم تنتظر سماع المزيد ، واندفعت خارج الغرفة ..، ودموعها تنساب فوق خديها ..، لقد طعنها في الصميم ..، لقد حرق قلبها وأذلها ، ارتطم جسدها بكتف “فاخر” الذي وقف يُطالعها مصدوماً من هيئتها ، حتي إنها تجاهلت نداءه
الفصل الثامن والعشرون
****
وقفت أمام منزل أخيها بسعاده ،وهي تحمل له ولأطفاله كل مايشتهون له ، فتحت لها سناء الباب بعدما رأتها تهبط من السيارة ..، عندما كانت تقف في الشرفة التي تطل علي الحارة ولم تُصدق إن حياة أصبحت بالفعل من الهوانم :
– لسا فكرانا ياست حياه ، ما احنا بقينا مش قد المقام
تجاهلت “حياه” عبارتها ، ودلفت للمنزل تضع ما تحمله من يدها وخلفها السائق :
– ليه بتقولي كده يا سناء ،هو فين رجب والولاد
رمقتها “سناء” بنظرة حاقدة ، تفحص بعينيها ما تريديه من ثياب ومجوهرات
– رجب في الشغل يا حببتي ، والولاد في مدارسهم ، قومي قومي يلا اعملي بقعدتك انا تعبانه ومش طايقه نفسي عقبال عندك حامل يا أخت جوزي
هتفت بها “سناء” وهي تتجه نحو غرفتها ، ولم تجد إلا حديثها المسموم الذي ستنال به حقها وتثأر لحالها
حياه بصدمه ، فشقيقها لم يعد يتحمل الأنفاق علي صغاره الخمس : حامل !
حدقتها “سناء” بملامح ممتعضه وهي تقف أمام غرفتها :
– هدخل انام ، عايزه لما اصحي الاقي كل حاجه نضيفه ، والاكل معمول .. انتي مش غريبه ياحياه ، و ولاد أخوكي زمانهم جاين من المدرسة
حدقتها “حياه” بنظرات صامته ، لتقف “سناء” مكانها والحقد يتوغل داخلها بل يحرق فؤادها ، وعادت تلتف اليها ثانيه :
– هو صحيح جوزك مزهقش لسا منك ، اصل اتفاقه مع رجب انه شهرين ويطلقك لو محصلش حمل ، هو أنتِ مش حامل يا حياة ..، ألحقي يا حببتي أحملي قبل ما يرميكي ويشوف واحده غيرك تجبله عيل
حدقتها تلك المرة “حياة” بملامح شاحبة ، لا تستوعب ما تسمعه ، وقد وصلت سناء لهدفها وهي تري السعاده أختفت من فوق ملامحها
…………………………………………………..
حدق بها بصدمه ، وقد تصلب جسده ، وهو ينهض بصعوبة من فوق مقعده لا يقوي علي الحركة ،أشار إليها بأن تعيد حديثها مجدداً ، فاقتربت منه تخبره ما جاءت لأجله :
– كنت حامل منك
ابتلع ريقه وهو يرمقها ، يُحاول أستيعاب ما يسمعه متمتماً أخيراً
– كنتي حامل مني أزاي !
ألقي عبارته ، وهو يهوي بجسده مجدداً فوق مقعده ..، بعدما لم يعد يتحمل وقوفه ، ارتجفت شفتيه ..، يعيد عبارة الواقفة علي مسمعه وقد أنفصل عن العالم
– حامل !
علقت عينين الواقفة به ، وهي لا تُصدق صدمته التي لا تعرف تفسيراً له ، حتي إنها باتت تشعر وكأنه تقف أمام رجلاً أخر غير “جاسر المنشاوي” الذي عاشت معه لشهرين يذيقها عنفوانه المحبب لقلبها ثم طلاقهما كما أتفقوا
توقف عقله عن العمل ، يصارع عواصف الماضي الذي قد أخذ منه عمراً كاملاً ، فماضي قد حوله من شخص يعشق لشخص يمقت ، ماضي قد جعل شبابه يتحول الي شيخوخه ، ضاقت أنفاسه ورفع كفيه يُدلك بهما جانبي رأسه.. وقد عادت المشاهد التي حفرها الزمن تعصف داخل ذاكرته بقوه
فلاش باك
– للاسف ياجاسر نتيجة فحوصتنا طلعت ، وانت
وصمتت قليلا قبل ان ترفع بوجهها لتصفعه بدون رحمه قائله :
– العيب فيك ، ونسبة علاجك ضعيفه جدا
فيهوي بعدها فوق فراشهما ، وقد تجمدت عيناه نحو الفحوصات التي وقفت تحملها بين يديها، فهو من ضغط عليها كي يسارعون في أمر الأنجاب .. أمتدت يداه بأرتجاف يلتقط من الفحوصات ..، ينظر نحو النتائج بأعين زائغة وأنفاس مثقلة ..، وهي تعيد علي مسمعه ما أخبرها به الطبيب
أقتربت منه وهي تتأمل تقسيمات وجهه المُكفره من الصدمه ، وأنحنت بجسدها قليلا ، تجثو فوق ركبتيها أمامه، وراحت تمسك وجهه بين راحتي كفيها
– انا هفضل جانبك ياحبيبي ومش هسيبك أبدا ، انا مش عايزه أطفال غير منك انت وما دام ولادي مش هيكونوا منك ياجاسر ، خلاص أنا مش عايزه ..
واردفت بعدما رأت عيناه تتعلق بها ، ولم تكن نظراته إلا خاوية
– أنا أكتفيت بيك يا جاسر
وقف شريط التضحيه ، وقد ارتسمت السخرية فوق شفتيه ..، حتي أن الواقفة أصبحت لا تفهم شئ من تبدل ملامحه وصمته ، عاد لشروده وهي يتذكر
فبعد مرور عام علي تلك التضحيه العظيمة.. ، وتقبل فيه قضاء ربه بقلب راضي ، فكم كان لديه رغبه قويه في ان يتبني طفلا يُراعيه ويتخذه ولدا له ، ويغدق عليه حنانه ..لتحترك المشاهد مجدداً أمام عينيه ..، وكأنها كانت بالأمس
جاءت اليه أحدي الاسطوانات المدمجه كأهداء له ، وصاحب الرساله المجهوله التي كانت مرفقة مع الأسطوانه .. يُخبره أن لا يتجاهلها ، اخذه الفضول ليري ما بها ..، وقد كان يتوقع كل شئ إلا خيانة زوجته ، بل ومع شريكه الجديد ، يتبادلون القبلات بجوع ، يعبث بجسدها ، وهي تتأوه ..، فتزداد يداه جراءة ، إلي ان مال بها فوق الفراش ..، لم يتحمل رؤية المزيد من المقطع المسجل ، فقذف بحاسوبه عرض الحائط وهو يصارع هيجان عقله من الجنون ، ويخرج سريعا من مقر شركته التي يتابعها في فرنسا
وبسرعة قصوى ، كانت ستضيع فيها حياته وصل فيها الي منزله، وخرج من سيارته ، يتحرك بخطوات يدلف المنزل ..، كان يتحرك نحو الأعلي , ولكنه توقف مكانه يستمع لصوت ضحكاتهم ، وعلي ما يبدو إنهم كانوا علي وشك الصعود لأعلي
احتدت عيناه ولم يشعر بحاله إلا وهو يهجم عليه بقوة ..، حتي تمكن الأخر من دفعه صارخاً وهو يزيل الدماء عن أنفه
– : طلقها يا ابن المنشاوي ، والشركه أتنازل عنها … بدل ما انت عارف ممكن اعمل إيه بلي بعتهولك ، وتخيل لما اهل البلد عندك في الصعيد يشوفوك وانت طرطور ، ولا الحاج لما يلاقي اخرة تربيته في كبير العيله راجل خرونج ، بص انا مش هقولك انا ممكن اشوه صورتك ازاي بس انت عارفني
كاد ان يعوض لسحقه ، يستعد لإخراج سلاحه وقتلهم معاً
– كان لازم أخونك ، ازاي أعيش مع راجل عقيم مبيخلفش .. انت عقيم ياجاسر ، وأنا عايزه طفل حتي لو هنسبه ليك وهو مش منك ، طلقني كفايه لحد كده عليك
وجد رجال الشرطه يقتحمون المنزل ، ينظر إلي ما حوله مصدوماً ، يُقيدونه بتهمة اخري وهي تجارة السلاح
فاق من شروده علي صوت زينه التي كانت اول من عشقته ورفض هو حبها من اجل تلك الساقطه
زينه: انت عارف ان جوازنا كان صفقه ، وكل واحد اخد مصلحته .. انا مش جايه اخدعك انا جايه اقولك ازاي مرام اقدرت توهمك سنين طويله انك مبتخلفش ياجاسر ، ازاي صدقتها
ليهوي هو علي أقرب مقعد متأملا اياها بقوه قائلا : زينه ، انتي عارفه انك غير اي ست أتجوزتها
لتجلس هي أمامه بهدوء قائله بأسف : كان نفسي ابنك يعيش ياجاسر بس للأسف ، اتولد ميت.. انا معرفتش بحملي فيه غير لما سافرت لأهلي في المغرب تاني ، هناك عرفت اني حامل ، حاولت اجي علي نفسي وارجعلك تاني بس انت رمتني وطلقتني ياجاسر اول ما صفقة جوازنا انتهت ، انت بيعت حبي ليك كتير …
فرفع بعينيه اليها ليتأمل عشقها الذي مازالت تحمله له ، حتي تمتم بغضب : اه لو كنتوا عايشين لحد دلوقتي ، كنت قدرت انتقم منكم
………………………………………………………
أبتعد عنها بملامح جامده ، وهو يراها كقطعة الجليد بين ذراعيه، نهض عنها ضجراً ..، فما الذي يجعلها باردة هكذا ..، وهو اليوم بعثها لأهلها ، بل
وأصبح يُعاملها برفق ..، يمنحها بعضاً من الأمتيازات ..، هل ستتمرد عليه أم ستظن نفسها شيئاً هاماً بحياته ..، هي لست إلا خانة فارغة في حياته
– والهانم مالها مزاجها النهاردة ، مش عايزه قولي ..، ستات صحيح تسد النفس
صفعها بعباراته ، فارتعست شفتيها ..، لتنفجر باكية ، تكتم صوت شهقاتها المرتفعه بيدها
طالعها فزعاً ، وهو يري هيئتها ..، وقد تأكد أن هناك شيئاً أوصلها لهذه الحاله
– مالك يا حياه ؟
هتف بها قلقاً ، وقد تبدلت كل مشاعره الحانقه..، وقعت عيناه علي جرح كفها الذي لم يُلاحظه ..فكل ما اراده حينا دلف غرفته ..هي وحدها
– إيه اللي جرح أيدك ، هتفضلي تعيطي كده كتير ..حياة صبري بدء ينفذ
تمتم عبارته الأخيره، وهو يتحرك داخل الغرفه ينتظر سماعها ..، وقد تعالت وتيرة غضبه
– ليه .. ليه عايز تعمل فيا كده ، ليه اختارتني أنا ، ليه بعد ما خلتني احس معاك بحاجات حلوة ..، افوق علي كدبه كبيرة .. ، ليه اتجوزتني ؟
تجمدت عيناه عليه ، يربط حديثه ببعضه ..، فمن اعاد إليه أفكارها المضطربه في أمر زيجتهم ..، بعدما اخضعها لسلطانه وجعلها كما أراد
انسابت دموعها بغزارة ، وهي تري الحقيقة في عينيه ..، غايته منها كانت كبيرة ..هي لا تروق له ، إنما أختاره لينال ما يُشعره برجولته وسطوته
نفض كل مما سمعه ، وأقترب منها يأسرها بين ذراعيه ..، ينهال عليها بقبلات عطشه
– قولتلك كل ما كنتي زوجه مطيعة ، كل ما كسبتيني يا حياة
صفعتها عبارته الباردة ، ولا تعلم كيف أتتها القوة ..، لتدفعه عنها هاتفة بانفاس متقطعه
– متلمسنيش انا بكرهك بكرهك ..، أنا صدقتك بغبائي ، أفتكرت فعلا إننا بنحاول نقرب من بعض ..، حتي لو مكنتش علاقتنا غير في …
ابتلعت كلماتها الأخيرة ، التي تُشعرها بدنو وجودها في حياته ، زوجة لأرضاء غريزته لا أكثر، زوجة لتُنجب له طفلاً ..، زوجه لا تعلم أي غرض أخر جعله يختارها من أجله
حدقها بنظرات جامده ، بعدما التقط علبة سجائرة ، يلتقط منها سيجارة يدسها بين شفتيه
– عايزة تعرفي سبب أختياري ليكي يا حاجة
وببساطة كان يُخبرها عن غرضاً واحداً ، أختارها لسببه
– عايزك أمينه يا حياه ، وعايز أكون أنا سي السيد
ألجمته عبارته ، تنظر إليه في صدمه
– أنتوا كلكم شبه بعض ، صنف نمرود وخاين للعشرة
وها هي صفعة أخري يصفعها بها ، لا تعلم كيف أتتها القوة لتُخبره عما سمعته من ثرثرة الخدم
– وأنا مش شبه مراتك ، يا عامر باشا .. لو كان عندك عقده بسببها .. متجيش تطلع عقدك علي ولاد الناس
ألقي سيجارته أرضاً، ثم دهثها بقدمه غضباً ..واقترب منها بعدما هتفت بعبارتها ..، تلاقت عيناهم ..، فطالعته في خوف ..، وقبل أن يرفع كفه ليصفعها , أحاطت وجهها بكفيها واغمضت عينيها ..
شعرت بالصدمه وهي تراه ينسحب من الغرفه ، وصفع بعدها باب الغرفة بقوة ..، جعل جدران القصر تهتز ..، أرتجف كامل جسدها ..، وكادت أن تتحرك نحو خزانه ملابسها ..، إلا إنها وجدت نفسها تسرع نحو غرفة “ناهد” وقد كانت مستيقظه وكأنها تنتظرها
أرتمت بين ذراعيها ، فضمتها ناهد نحوها تُخفف عنها
– هتتعبي مع أبني يا حياه ، بس اللي أستحملت قسوة أقرب الناس ليها ..، هتقدر تصبر وتتحمل تاني ..
وهل أصبح لديها قدرة للتحمل والخضوع ؟
………………………………………………………..
وقف يسمع صوت بكائها وهي جالسة في ظلام حجرتهم تقرء في كتاب الله ، حدق في ساعة يده فوجد ان وقت بزوغ الشمس قد أقترب .. وان ليلته قد قضاها خارجاً ينفث عن غضبه وذكرياته
تحرك من قربها ، وقد تركها في خلوتها .. واتجه نحو فراشه يرمي بثقله عليه ، يُحدق بها من حيناً إلي أخر , يتذكر حديث فاخر معه عنها عندما جاءت الي الشركه وخرجت من غرفة مكتبه باكية ، اتصالات اروي التي أنهالت فوق رأسه وقد كان في ذروة غضبه .. فاغلق هاتفه عن الجميع
تنهد بعمق وهو يعتدل من رقدته ، بعدما وجدها تطوي سجادة الصلاة :
– ليه مادخلتيش ليا لما كنتي في الشركه ، حد هناك زعلك بكلمة
سألها بلطف ، تعجبته ..فهل وصل به البرود بأن يتحدث معها هكذا ..، وكأنه ليس هو من تسبب في بكائها ، تلاقت عيناهم ..، فنهض من فوق الفراش وهو يري شحوب ملامحها شدة البكاء
– مشيتي ليه من الشركة معيطه ، ومدخلتيش ليا ليه ، مش هحاسبك علي خروجك من غير أذني دلوقتي، لكن لازم أفهم سبب عياطك
عادت دموعها تُغرق خديها ، كلما تذكرت ما فعله بها وإهانتها له
– أنت بتكدب عليا ولا علي نفسك
– جنه
صرخ بها ، وقد عاد الحنق يرتسم فوق ملامحه
– أفهمي كلامك قبل ما تنطقيه
– أنا مش هقدر استحمل حياتي معاك اكتر من كده ، انا حاولت ارضي بنصيبي بس لحد كده وخلاص .. وجودي هنا وجنبك بيموتني بالبطئ
كانت في عالم أخر وهي تهذي بحديثها ، الذي لم يعد يفهمه ، اقترب منها يقبض فوق كفيها ..، يسألها بهدوء لعله يفهم سبب بكائها
– اظن من أخر مره اتفقنا فيها هنحترم بعض وأنا علي قد ما بقدر بنفذ وعدي
لم تشعر بحالها ، إلا وهي تضربه بقبضتي يدها بقوة تصرخ به وتدفعه عنها
– اشمعنا انا ، اشمعنا انا اللي مش لاقيه حد يهتم بيا هنا غير عمتي وعمي .. اشمعنا انا اللي كل يوم بحس بالنقص .. ليه خلتني اوصل لمرحله اني احسد غيري علي سعادته .. نظرة هاشم لأروي بتخليني أسال نفسي مليون سؤال ليه حظي كان كده .. ليه بكمل حياتي مع واحد بيكرهني ، أنت وصلتني إني قربت أكون مريضة نفسيه ..، طلقني يا جاسر ، طلقني ومتخافش .. هقول أنا اللي وحشه وبشعة ولو عايز تاخد حقك قبل ما تطلقني عشان رجولتك .. أنا موافقه .. بس طلقني
ألجمته عبارتها ، بل صدمته ..، هل لهذه الدرجة تُريد التخلص من حياتها معه
– إيه اللي حصل لما جيتي الشركه مع أروي يا جنه
أنتظر سماعها ، فاشاحت عيناها عنه ..، تمسح عنها دموع قهرها
– مش مهم هي قالت ايه ، المهم اني فهمت ان وجودي في حياتك مبقاش ينفع
احتدت ملامحه وهو يسمعها ، أتجه صوابه ولكنه كان يعلم أن في قربه سيكون هلاكها ..، غادر الغرفه بخطوات غضبه بعدما هتف عبارته
– ما دام مش عايزه تقوليلي سبب ثورتك ، هعرف أنا بنفسي يا هانم
………………………………………………………
غياب خادمتهم بسبب عطلتها وذهابها إلى أهلها هو من جعل الحديث بينهم يعود مجدداً ، تذوقت طعم الحساء الذي تطهوه بتلذذ ،تتمتم لحالها مشجعة :
– ياسلام عليكي ياصفا ، اه لو صوفيا داقت طبخي هتطلب مني دروس خاصه في الأكل والنكهات ، مش طبخهم اللي كله مسلوق ومفيهوش ملح
– بتكلمي نفسك يامجنونه
أنتفضت مفزوعه علي أثر صوته ، ثم ضحكاته ، لتلتف نحوه بغضب ، تمسك بيدها معلقة الطعام ، تؤرجحها نحوه
– ابقي اطبخ لنفسك بقي ، انا مش فاضيه
سارت من امامه ، بعدما القت كلماتها الحانقة ..عن شئ بسيط تفوه به .. ولكنه كان يعلم إنها تخرج غضبها منه بأي شئ
رايحه فين ، اقفي هنا
أمتقعت ملامحها ، فعاد يبتسم إليه وكأنه لم يجرحها بكلمات لن تنساها يوماً :
– موافق إنك تكملي دراسه هنا يا صفا
حدقته مصدومه من موافقته ، فقد كان أمس معترضاً بشدة ، حتي إنها كادت تبكي أمامه :
– بجد ، موافق أعمل ماجستير
تأمل سعادتها التي أسعدته ، فاقترب منها يأسر جسدها بذراعيه ، يشبع عينيه من رؤية سعادتها :
– مقدرش احرمك من حياتك واحلامك ياصفا ، وما دام انتي حابه تكملي هنا .. وتطوري من نفسك ف مافيش مشكله .. وجودنا ف امريكا شكله هيطول
طالعته بدهشه وهي تحاول ان تستوعب حديثه
– أحنا مش هننزل مصر اخر السنه .. عشان تطلقني وتشوف حياتك
حرك رأسه نافياٍ ، وقد شعر بالضيق من كلماتها ، فابتعد عنها يُشيح بعينيه بعيداً
– لسا مش عارف أمتي شغلي هنا هينتهي ، اما موضوع اننا نفترق فأنسي ياصفا .. قدرنا بقي خلاص مربوط ببعض
لم تُحركها كلماته ، فهي تعلم بأنه يتحدث دون أن يشعر بما تفوه به ..، ثم بعدها يندم علي حديثه
– حد يبقي عنده لعبه حلوه ومجنونه كده ويتخلي عنها
لم تؤثر بها كلماته المازحه ، فتمتمت حتي تقطع الأمل عن قلبها
– بس أنا عايزه ننفصل يا أحمد
تجاهل حديثها وكأنه لم يسمعه ، وأتجه ناحيه الطعام متسائلاً :
– ريحة الاكل تجنن
رمقته بملامح متتعضه ، وهي تراه يتهرب من حديثها عن أمر طلاقهم
– هننفصل أمتي يا أحمد
تذوق الطعام دون ان يطالعها ، أو يهتم بحديثها
– وطعمه تحفه ، ويتاكل اكل
وألتف إليها ، يري معالم الحنق مرتسمه فوق ملامحها ..، وقد ظنته سيُحادثها هذه المرة بجديه ، بعدما طالت نظراته إليها :
– إيه رأيك بعد ما نخلص أكل ، نتصل بعامر ونطمن عليهم ..
واردف بعدما تذكر عائلتها
– وكمان عمتك وبنتها
جعلها تنسي كل شئ ، وقد أرتسم الحماس في عينيها ..، وهي تتذكر احبابها وتناست أمر طلاقهم
– فكره جميله ، حضر بقي الاكل واعمل عصير .. ماهو دورك بقي مش أحنا متفقين نتعامل بتحضر
طالعها وهي تُغادر المطبخ ، بعدما القت بأوامرها عليه ..، ولو يمكن إلا سعيداً بل أكثر الرجال سعادة
………………………………………………………….
غاص في شروده الذي أصبح يُرافقه ، تذكر لحظة تطلعه على فحوصاته الجديده ،لتصبح الحقيقه امام عينيه ..
لم تكذب “ناريمان” عليه في شئ .. ، فهو بالفعل ليس بعقيم ،ولكنه اصبح بالخاسر ..فقد خسر سنين طويله من عمره وهو بلا امل وبلا روح ، قد خسر نفسه القديمه واصبح شخصا مُعقد
تعالا أصوات الجالسين ، فرفع عينيه عن طبقه الذي لم يمسه ، فوقعت عيناه علي الجميع .. يتأمل نظرات السعاده التي تشع من عيناهم جميعا إلا هي ، تأكل بدون شعور ، يري الكسرة في عينيها ،…. الكل يمزح ويضحك إلا هي .. فقد أطفأ روحها بالفعل ..، دموها وقتل برائتها ..، وقد صدقت عندما أخبرته إنه حولها لبقايا أمرأة
زفر أنفاسه ، بعدما شعر بثقل روحه من كم ما أصبح يعيشه مؤخراً
– ليا طلب عندك ياجاسر ، بس لازم توافق ياابن اخويا عشان خاطر عمتك
هتفت العمه “منيرة” راجيه ، فأماء لها برأسه أن تطلب ما تشاء ، فهو لا يرفض لها طلبً
– عايزين نروح نصيف في الغردقه
وأتجهت بعينيها نحو جنه الساكنة في مكانها ولا تتفاعل معهم وكأنها بعالم أخر:
– وبما إني عارفه انك مش هترضي تيجي معانا ، فهناخد جنه
هتفوا جميعهم برغبتهم في اجازه صيفيه،يرغبون بموافقته
كانت بعيده عن أحاديثهم ، لا تستمع لشئ ..، بل جعلت نفسها داخل قوقعتها ، تنظر نحو طبق طعامها بشرود ، تنحنح وهو يرمقها ولكنها كانت بعيداً عنه تماماً :
– انا موافق ياعمتي ، بس جنه لاء مش هتروح ..
أمتقع وجهه منيره ، فابتسم وهو يراها كيف فاقت من شرودها وانتبهت علي حديثه ، ورمقته بنظرة أصبح يفهمها
جاسر : مش عايز مراتي تسبني ، في إيه ياجماعه ، انا وهي بعد فتره هنسافر تركيا
علقت عيناها به ، فحدقها بنظرة مبتسمه ..، جعلته تشيح عيناها بعيداً عنه
تهللت أسارير “اروي” وهي تطالعهم بسعاده ، غير مصدقه أنهم أخيراً قرروا الحصول علي رحلة زواجهم:
– هنيالك يا ست جنه ..جاسر باشا هياخدك معاه تركيا
واتجهت بعينيها نحو “هاشم ” الذي أنشغل في تناول طعامه , لتتمتم بضيق ولكن بصوت منخفض لعله يسمعه :
– عارف لو مخلتنيش اسافر فرنسا زي ما وعدتني ، هنكد عليك ياهاشم
انحشر الطعام في حلقه ، فاسرع في التقاط كأس الماء يرتشف منه ، يُطالعها بيأس
– مجنونه وتعمليها ، وأسكتي بقي عشان اخوكي مركز معانا وشويه كده وهيقوم يقتلني .. ده أنا ولا كأني مش جوزها يا ناس
طالع فاخر زوجته التي قد أمتقعت ملامحها غيظً ، بعدما أدركت بأن تلك التي تدعي البراءة ، قد حصلت علي ابن خالتها اخيرا وانتهت أحلام اختها للابد
مال فاخر عليها هامساً ، حتي يُخرج من دائرة شقيقتها وأفكارها التي يعلمها :
– إيه رأيك ياهدي في شهر عسل جديد
وشدد علي كلماته الاخري محذرا :
– وبلاش اختك نيره تنط معانا في كل حاجه ، انا مش عارف هي طالعه حقوده كده لمين
فرمقته “هدي” بحزن علي حال شقيقتها ، وهي تتذكر كل ما تفعله اختها منذ زمن لكي تحصل علي جاسر وعمرها قد ضاع في الركض خلفه ،لتُتمتم بخفوت لحالها :
– غبيه يانيره ، هتفضلي طول عمرك غبيه
انسحبت من الجلسة ، تحت نظرات الجميع صاعدة لأعلي ، لتتابعها نظرات “منيره” بحزن ، واتجهت بنظراتها نحو “جاسر” الذي جلس جامد الملامح ، يقبض فوق كفه الموضوع فوق الطاولة بقوة ، ربتت العمه علي كفه ، وكأنها تشعر بوجود خطبً ما يعتلي صدره ، فأبتسم لها بدوره.. ونهض عن مقعده ليتجه هو الاخر الي حجرة والده في الأعلي ..، حيث مكان ذهابها
اقترب من غرفة والدة ، ووقف ساكن في مكانه يستمع لصوت بكائها و رجائها له :
– ارجوك ياعمي خليني امشي من هنا ، لو أروي مكاني كنت هترضي ليها تعيش مع حد بيكرهها ..
طالعها “حسن” بنظرات حزينه ، وكاد ان يتحدث ، ولكن أنتبه علي دلوف “جاسر” الذي أقترب منهم ، يرسم فوق ملامحه أبتسامة واسعه ، يُداري خلفها خيبته وحسرته :
– ممكن اخد مراتي ياحاج
ليبتسم حسن برضي ، ويشير اليهم بالانصراف بعدما علم بأن أبنه سيتكفل بأمر زوجته ولكن بطريقه مُرضيه بعيده عن طباعه القاسيه
أمسك بيدها فجأه ، يجرها خلفه برفق ..، ويهبط دون أن يتوقف أو يعبأ بكلماتها المعترضه
– امسحي دموعك
فحاولت ان تنفض يده عنها ولكن قبضته القويه لم تسمح لها ، فهتف مُعاتباً :
– عايزه تمشي وتسبيني ياجنه ..
هبطت معه لأسفل مرغمه ، وهي لا تعرف كيف ستتخلص من حياتها معه ، فوقف في مكانه ، وقد قربها يضمها نحو صدره يستمع لتساؤل عمته
– رايحين فين ياولاد
وجاسر كان يمنحها الجواب بمشاكسة ، جعلت قلب منيرة يتراقص سعادة
– مروحين بيتنا ياعمتي ، أصل مراتي وحشاني أوي
تجمدت عيناها ، وهي تُحاول الأبتعاد عنه .. فهللت أسارير منيرة سعادة
– تسع شهور يا جاسر وأخد حفيدي في حضني ، سامع يا ابن أخوي
وهو كان خير من مرحب بحديث عمته الذي راقه ..
يتبع…
