سطور عانقها 3
الفصل السادس عشر
*****
انصدمت ملامح “حسن” من عبارة شقيقته ، وقبل أن يفوق من صد.مته ..ويعترض علي ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر ، أخذت تُقنعه ..،
فالسيده منيرة لم تكن تُفكر إلا بجمع شمل العائله ، لم تُفكر إنها ربما تظلم أبنة شقيقها التي لا تعلم عنها شئ ..، وغفلت عن طباع “جاسر” القوية ..، جاسر ذلك الذي يكره النساء ولا يري فيهم إلا مجرد متعة يتمتع بها الرجل من أجل إرضاء غريزته ،
رجلاً خدعته امرأه ، فقرر أن يجعل جميع النساء تدفع الثمن ..، رجل يحمل الكره لهذا العم لما فعله بوالدته منذ سنوات طويله عندما تركها بين ألسنة الناس يتحدثون عن شرفها ..، ولولا القرار الصارم الذي أتخذه “عارف المنشاوي ” كبير العائله ، بأن يتزوج “حسن المنشاوي” من سميرة أبنة عمه.
أتخذت “منيرة” بحنكتها جميع الطرق لأقناع شقيقها ، ولكنها لم تجد إلا الطريق الوحيد الذي سيقنعه ويجعله يُفكر بجديه
– محدش هيستحمل جاسر غيرها يا حسن ، مهما عمل فيها هتستحمل وتسكت ، هترضي بأي حاجة وطبعا صابر عمره ما هيتكلم
واتبعت حديثها بمراره علي حال ابن شقيقها وما وصلت إليه حياته
– جاسر كل شويه يتجوز واحده لا ليها أصل ولا فصل ، ابنك مبيعديش الشهرين إلا وهو متجوز واحده في القاهره ، أنا صحيح شعري شاب يا حسن بس عارفه كويس ابني في إيه .. ابني لسا مجروح من اللي حصله زمان
ووضعت بيدها فوق قلبها، وقد دمعت عيناها
– ده أبن قلبي ، وأنا اللي مربياه
تفاجأ “حسن” بمعرفة شقيقته ، عن زيجات “جاسر” ، ورغم عدم رضاه عن الأمر إلا إنه فضل الصمت حتي يعود أبنه لرشده
– بنت صابر من دمنا يا حسن ، سبناه يتجوز الغريبة وأه شايف وصلنا لأيه ،
ظهر الاقتناع علي وجه “حسن” ، فالتمعت عينين “منيرة” براحه
– وافرض البنت رفضت يا منيره ، ده أنتي بتقولي صغيرة وصيدلانية ..
تلاشت الراحه من فوق ملامح “منيرة” ، ولكن سرعان ما كانت تنفض أي شعور يقلقها من رفض شقيقها وابنته ، فاستطردت بعباراتها.. حتي تزيد من أقتناعه ويقف معها أمام “جاسر” الذي لن يخضع لهم بسهولة
– أخوك بقي محتاج لينا يا حسن ، ولو رجع وسطنا ، عمره ما هيقدريرفض لينا طلب…
وصمتت قليلاً وقد علقت عيناها بعينين شقيقها
– لا هو ولا بنته
– سبيني افكر في الموضوع واقولك
والموافقة قد أخذتها من شقيقها ، حتي لو لم يُخبرها بجوابه صراحةُ ، ولكنها تعلم ما يدور الأن في عقل شقيقها الأكبر
……..
زفرت “صفا” أنفاسها براحه ، بعدما استمعت لصوت أبنة عمتها وقد أجابت علي مكالماتها أخيراً ، ولأنها تعلم أن عدم إجابة ابنه عمتها عليها , وراءه سببً ما ، فتسألت وهي تنتظر أن تسمع جوابها دون مراوغة
– مش هسأل كتير ، فيكي إيه يا جنه جاوبيني
دمعت عينين “جنه” وقد جلست علي أحد الارائك الخشبيه في الممشي الخاص بالمارة بالقرب من الصيدليه التي اصبحت تعمل بها
– روحتلهم ، وطردوني يا صفا
ودون أن تخبرها عن هوية من تقصدهم ، كانت “صفا” تُدرك تماماً من فعل هذا بأبنة عمتها ذو القلب الهش الذي لم يعتاد علي قسوة القلوب
– وزعلانه ليه ، ما أنتِ عارفه أنهم نسيوكم من حياتهم
هتفت بها “صفا” بقوة وقد أوجعها قلبها عليها ، ابتلعت “جنه” غصتها وهي تُطالع الطريق الذي بدء يخلو من الناس
– كنت فاكره هيخدوني في حضنهم ، ليه الكره ده وعشان إيه ..، عشان أتجوز واحده فقيرة
تنهدت “صفا” حانقة ، وهي تتذكر ذلك اليوم الذي أخبرها والدها عن السبب ..، وقد أخذها الفضول لتعرف أين هم أعمام “جنه” ، بعدما أتت تلك المرأة التي لا تتذكر اسمها , وقد أتت لزيارة بيت أخيها وكانوا لدي عمتها في زيارة قصيرة
– انسيهم يا جنه ، أنسيهم زي ما عمي صابر نسيهم
– وأنتِ فاكرة إن بابا نسيهم في يوم يا صفا ، هو بيتظاهر بكده عشان عمتك
هتفت بغصه ، قد شعرت بها “صفا” …فالعم صابر يحب عمتها لدرجة جعلته يتخلي عن كل شئ من أجلها
– نفسي الاقي حد يحبني زي حب جوز عمتي لعمتي ، طلعتي محظوظه يا صافيه
واحتضنت وسادتها ، غارقة في حلمها ، وقد نسيت تلك التي تسمع عبارتها وتزفر أنفاسها حانقة منها ومن أحلامها بفارس الاحلام المنتظر
– أنا بكلمك في إيه ، وأنتِ بتكلمي في إيه ..
صرخت “جنه” بقوة ، وهي تُسمعها عبارتها المستاءه .. انتفضت “صفا” عندما أنتبهت علي صراخها الحانق ، والقت بالوساده أرضاً تنفض رأسها
– الحلم كان جميل يا جنه ، ده أنا كنت بدأت أتخيل شكله
ازدادت ملامح “جنه” إحتقاناً ،وقد نهضت عن المقعد الخشبي ، وسارت نحو الطريق حتي تعبره
– شوفي حاولتي الحكاية لأيه ، بدل ما تهوني عليا
وبقهر طفولي كانت تُخبرها هذه المرة ، عن ضرب عمتها لها وكأنها فتاة صغيرة ، أنفرجت شفتي “صفا” في ضحكة قوية ، شعرت وكأن من بالقصر جميعهم قد أستمعوا إليها
– عمتي ضربتك ، لا صافيه ديه ديما شريرة كده
وعادت ضحكاتها تعلو ، تستمع لعبارات “جنه” المتذمرة وقد أرتسم الحنق فوق ملامحها ، لتتسع عينين “صفا” صدمة ، وهي تراها قد أغلقت الخط وأنهت المكالمة
– ديه قفلت التليفون ، ماشي يا جنه
هتفت عبارتها ، و القت بهاتفها جوارها ..، ونهضت من فوق الفراش تتماطأ بجسدها وتفرد ذراعيها ..، ولكن سرعان ما كانت تنتبه علي الوقت ..، فقد حان وقت أخذ” السيده ناهد “لأدويتها
اسرعت في هندمت ثيابها ووضعت حجابها فوق خصلاتها ، وركضت مهرولة نحو غرفتها
تعالت شهقتها وقد أصطدمت بجدار صلب ، ولم يكن إلا هو الذي كان يُغادر غرفة والدته للتو ، رمقها متفحصاً لها ، فابتعدت عنه بعدما تخطته ودلفت نحو الداخل وقد شعرت بالأرتباك بسبب تهورها في السير
زفر “عامر” أنفاسه حانقاً منها ، والتف حتي يصرخ عليها ويسألها عن تأخرها لأعطاء والدته علاجها ..، فلما هي هنا ..، هل من أجل الضحك أم الرقص أم المزاح مع الخدم
كانت كل تلك العبارات تدور بعقله ، ولكنه لم ينطق بها ..، فبمجرد أن التف نحوها ..، تذكر هيئتها البريئة وهي تتراقص بين الخدم ..، هيئتها ما زالت تقتحم عقله ليس بتلك الصورة التي رأي بها فريدة ولكن بصورة أخري تجعل قلبه يبتسم
سار بخطوات سريعه ، فرمقته “صفا” مدهوشة ، من حركته بعدما وقف يُطالعها وهي تُعطي الادوية للسيدة ناهد
– كنتي بتضحكي ليه ياصفا ..بصوت عالي
وبلطف كانت تردف
– مش تحكيلي ، و تضحكيني معاكي
– عامر بيبلغك ، تنتبهي علي صوتك
اتسعت حدقتيها ، و سرعان ما توردت ملامحها والسيده ناهد تردف تلك المرة بعبث ، والضحكة أرتسمت فوق ملامحها
وكما توقعت ، قد استمع من بالقصر صوت ضحكاتها ، ولحظها الذي تعرفه تماماً كان هو من سمعها ..، وقد أخذت اليوم أحد تحذيرته التي لا تنقطع
………….
استرخي بجسده وقد رفع ساقيه فوق الطاولة الصغيره ، ينظر إليها مستمتعاً برقصتها له ..، ابتسمت له وهي تقترب منه وتتمايل نحوه ..، تُظهر له مفاتنها بسخاء ..، وهو كان خير من مرحب لكنه لا يتأثر ولا يضعف ..، ف “جاسر المنشاوي” رغم عبثه مع النساء وعلاقته المتعدده إلا أنه لا يمنح أي أمرأة هذا الشعور ..، أسقطها فوق ساقيه بعدما اعتدل في رقدته ، فتعالت ضحكاتها وهي تتعلق بعنقه
– قولي أني جميله في عيونك يا جاسر
تعالت ضحكات “جاسر” وهو يعبث بجسدها
– ما أنتِ جميله فعلا يا سهر ، هو لازم اقولك يعني..
واردف بمكر وهو ينظر في عينيها ويعلم ما تنتظره منه
– لا مبحبش أشوفك معندكيش ثقة في نفسك
زفرت أنفاسها وقد علمت أن هذه الليلة التي اقسمت أن يُخبرها بحبه ، قد ضاعت ..، فمهما حاولت أن تفعل له ..، “جاسر” لا يراها إلا زوجه بعقد رسمي متفقين علي فسخه إذا أراد هو هذا ..، زوجة برتبة عشيقة , يا له من إنجاز حققته وهي التي تركت زوجها من أجله بعدما ظلت لعام كامل تركض خلفه في كل مكان وقد منحها أخيراً فرصة أن تكون من نساءه
لم يمنحها ما أرادت ، بل منح نفسه ما أراده هو ..، نهض من جوارها بعدما انتهت متعتهم وطالعها وهي مسطحه فوق الفراش فتسألت وهي تعلم الاجابه لكنها منحت نفسها أملاً
– مش هنفضل هنا للصبح
وبنظرة منه كانت تعلم الإجابه ولكنه أعاد الجواب عليها ، حتي تسقط من سقف أمالها
– أنتِ عارفه إحنا بنيجي الشقة ديه ليه يا سهر ، بنقضي وقت لطيف وننبسط
ضغط علي عبارته الأخيرة ، واتجه نحو المرحاض تحت نظراتها اليائسة من هذا الرجل
…………
ابتسمت “صفا” بسعاده وهي تُطالع وجه ذلك الرجل الذي افتقدته بكتبه وحديثه الطيب ، فوقفت تتأمله من بعيد وهو يُرتب كتبه فوق الرصيف ..، وبخطوات بطيئة كانت تقترب منه، تتذكر الايام التي كانت تأتي فيها إليه ، كلما كانت تُرسلها والدتها لجلب بعض الأغراض للمنزل ، كانت تذهب متذمره ..، وفي عودتها كانت تمر علي العم محمود تتساير معه قليلاً وتمازحه
وقفت خلفه ، تنتظر أن تري سعادته بقدومها إليه، وهل نساها أم ما زال يتذكرها
– وحشتني ياراجل ياطيب
استمع العم محمود للصوت الذي لم ينساه ، والتف نحوها مصدوماً غير مُصدقاً إنها هي ..، التمعت عيناه بطيبة ، واتسعت ابتسامته وهي يفحصها بعينيها ، هاتفاً باسمها :
– صفا !
التمعت الدموع بعينيها ، فقد أشتاقت لهذا الرجل بالفعل ..، لقد كان دوما كريما وعطوفاً معها ..، يسمع أحلامها مبتسماً ..، يُخبرها إنها ستجد ما تتمني يوماً لانها فتاة طيبه القلب ، وبعتاب كان يُخبرها
– كده تنسي عمك محمود يا بنتي
وعندما أنسابت دموع فوق خديها ، فهي لم تنساه ولكنها أبتعدت عن هنا ..، ابتعدت لتعيش مع عمتها بعد رحيل والديها
– عرفت يابنتي بكل اللي حصلك .. ، روحت أسال عنك ..، بعد ما غيبتك طولت ..،جيرانك قالولي اللي حصل
تمالك دموعه ، فقد بكي هذا اليوم علي حالها وتمني لو عرف لها طريقاً
– وعرفت انك روحتي تعيشي عند عمتك .. ربنا يرحمهم يابنتي
ارتسم الحزن فوق ملامحها ، فانتبه “العم محمود” عليها ، فاسرع في التقاط الكتب التي تحبها هاتفة بنبرة مرحه لعله يُخفف عنها
– موحشتكيش كُتب عمك محمود القديمه ، وكُتب مراد زين
فابتسمت “صفا” ، وهي تراه يُحاول إخراجها من حزنها ، هاتفه بمشاغبة ومرح قد أفتقدهم منها
– أنت اللي وحشتني ياعم محمود .. ، أنا جيت بس عشان اشوفك وادفعلك تمن الكتاب اللي اخدته منك اخر مره لان للاسف ضاع مني
وعادت تبتلع غصتها ، حتي لا تتذكر ذلك اليوم الذي ضاع منها عند عودتها لمنزلها , لتراه وهو حطاماً ، وقد خرجت من تحته أجساد والديها وقد فارقوا الحياه
عم محمود : طب وحبيبك مراد زين مش عايزه تشوفي اخر كتاب ليه .. نزل السوق من أسبوع ..
واردف وهو يُخبرها بما سمعه من البعض عن إعتزاله
– بيقولوا إنه أعتزل الكتابه
فعبست ملامح “صفا” ، فحتي كاتبها المفضل ترك الكتابه ..، واصبح بائس مثلها
– مدام اخر كتاب ليه يبقي خلاص هاخده
……………………………………………………
لامست يديها وجهه الشارد وكأنه في عالم اخر، فانتبه “احمد” علي حركتها التي أفزعته وبلطف كان يزيح كفها عنه
أطرقت “أميرة” رأسها بعدما شعرت بالحرج من ردة فعله
– أنت مش معايا خالص يا احمد ، حاسه إنك عايزنا نمشي من المكان
وبألم كانت تتسأل
– هو أنت زهقت من علاقتنا
تعجب من نطقها نحو علاقتهم بتلك الطريقه ، وكأنهم أحباء وليسوا رفقاء يتشاركون همومهم وحديثهم معاً
– معلش يا اميرة ، في شوية حاجات شغلاني في الشغل
ورغم أن من مهمتها أن تعرف تفاصيل عمله ، وما يؤرق أفكاره مع شركاءه إلا إنها لم تعد تهتم بشئ إلا هو
ابتسم لها باللطف وقد مسح فوق كفها ، معتذراً
بادلته الأبتسامه ، والتمعت عيناها ..، وقلبها يُخبرها أن تفصح له عن مشاعرها
– احمد انا ..
ولكن الحديث توقف علي طرفي شفتيها ، وقد أخذ هاتفه يصدح بنغمته الهادئة ، فطالعها ثم طالع رقم المتصل بسعاده وهو ينهض عن طاولتهم :
– عن اذنك يا اميره ، هرد علي التليفون
ابتعد عنها ، تحت نظراتها العالقه به .. تزفر أنفاسها متنهدا وقد ابتلعت حديثها ..، فلم يأتي اليوم بعد ..، أو ربما إنها أخطأت في قرارها .. ويجب عليها أن تُفكر بمهمتها التي طالت وأصبح مديرها يتذمر منها
ارتشفت من كأس الماء الذي أمامها وقد عادت لثباتها ، ولكن لحماقة قلبها ..، كانت تعود لتتأمل تفاصيله الرجولية
ضحكت داخلها ساخره ، إنها ضعيفة أمام رجال هذه العائله ، وبمشاعر مضطربه كانت تُدلك عنقها تهتف بلوعة وقلة حيله
– أنا اتورطت في حبك يا احمد ، اعمل ايه انا دلوقتي ، مش قادره أذيك ولا ينفع ابعد عنك غير بعد ما أنفذ مهمتي
…………………………………………………………
أفزعها صوته الجامد ، وقد أتت من الخارج سعيدة بما تحمله ، سقط الكتاب من يدها والتفت نحوه، فعلقت عيناها بنظراته وقد وقف يفحص ما تحمله بنظرات ثاقبة :
– افندم ياعامر بيه
تأملها عامر للحظات ، ثم حدق بالكتاب الذي سقط منها ..، يري أسم شقيقه المستعار فوق غلافه، وعلي ما يبدو إنه أخر أعمال شقيقه ، تحرك نحوها ولكنه لم يكن يقصدها .. إنما كان يقصد الكتاب الذي أنحني والتقطه ..، طالعها عندما التقط الكتاب ليري في عينيها اللهفة نحو الكتاب ، فكيف سيكون حالها إذا اصبحت أمام كاتبه ..، محظوظ هو شقيقه ..، يحبه معجبينه وهم لا يعرفون هويته الحقيقية ..، ويحبه من يعرف “احمد السيوفي” المهندس المنضبط الطموح
باغتها بسؤال لم تكن تنتظره منه ، فقد توقعت أن يستخف بها كعادته
– يعني خرجتي تشتري كتب ، وبتحبي تقري لمين كمان يا صفا
ورغم التهكم الذي ظهر في نبرته ، إلا أنها تجاهلت الأمر ..، تُخبره بالأدباء الذين تحب القراءة لهم
أماء برأسه ، وقد ترك لها فرصة الحديث قليلاً ..، حتي إنها استعجبت إنه وقف يسمعها ، ولكن ها هو “عامر السيوفي” يعود بغلاظته
– بقيتي مصدر ازعاج في القصر ، ومارجريت بتشتكي منك كتير ، ده غير خروجك من القصر من غير ما تبلغيني
تهجم وجهها ، وقد استفزتها عبارتها
– أخدت اذن ناهد هانم
أحتدت ملامحه ، وقد اقترب منها ..، وبعجرفة كان يلتف بجسده هاتفاً
– تعالي ورايا علي المكتب .. مش هفضل واقف اكلمك علي السلم كده
أمتقعت ملامحها فقد ضاعت بهجة هذا اليوم ، سارت خلفه تُفكر ما التوبيخ الأخر الذي ستحصل عليه أيضاً ..
وقفت في منتصف الغرفة ، تعقد ساعديها أمامها وتنتظر سماعه ، رمقها بنظرة لا تعرف تفسيراً لها ، نظرة كانت طويله ..، جعلتها تشعر بالقلق
التقطت منه الورقة التي مدّها إليها في صمت ، انتظر أن يري معالم وجهها وتظهر صدمتها ..، لم تمر سوي دقيقة إلا وهو يري صدمتها وشحوبها
تقدمت منه لا تستوعب ما تراه ، فكيف فعل هذا الأمر بها .، وكيف خدعها بهذه الطريقة المقززه ..، هل جعلها توقع علي هذه الورقة ليستغلها ، ودموعً كانت تغرق وجهها وهي تُطالعه بنظرة تحمل الحقد والكره ، تتسأل بصدمه وعيناها عالقة بالورقة
– انا ممضتش علي الورقة ديه ، أنت بتعمل فيا كده ليه
صرخت وتقدمت منه تدفع كل ما فوق سطح مكتبه
– انت شيطان .. انا كنت فكراك طيب .. طلعت شيطان ، صحيح اللي يكون قلبه جافي علي أقرب الناس ليه ..، أكيد شيطان ..، أنت تستحق اللي عملته فيك مرات
والعبارة تتردد في أذنيه بقسوه ، فاغمض عيناه وقد ظن ما تخيله حقيقه ولكنه لم يكن إلا مشهد تخيله ..
طالعته “صفا” بضجر ، من صمته ونظراته المحدقه بها ..، فلماذا ينظر إليها هكذا
– عامر بيه ، أنا تعبت من الواقفة
فاق من شرده علي عبارتها المتهكمه ، فانفض رأسه واعاد الورقة لدرج مكتبه متمتماً بجمود وهيئة جادة
– تقدري تروحي تشوفي ناهد هانم
التوت شفتيها أمتعاضً من عبارته ، فهل يصرفها بتلك الطريقه ..، اتجهت صوبه تلتقط منه الكتاب الذي وضعه فوق سطح مكتبه هاتفه
– ده ملكيه خاصه
ورغماً عنه كان يبتسم ، هذه الفتاه تجعله ينسي غضبه الذي يتصاعد كلما تذكر امر تلك الخائنة ، خاطبه عقله المذهول من فعلة صاحبه ، وقد أخذ بضعة ليالي يُفكر بالأمر وقد حسم قراره الذي تراجع عنه للتو
– مش معقول يكون قلبك رحيم يا عامر ، وطلعت صفا برة لعبتك
……………..
تنهيدة قوية اخرجها صابر وهو يُطالع وجه شقيقته ، يتأمل ملامحها بشوق ، وقد ظهر فوق ملامحها الجميلة العجز ولكنها ما زالت جميله كما هي بطيبتها ، ورغم ما حدث إلا إنها أحبهم لقلبه ، فحاولت لسنوات طويله التواصل معه ومنحه المال ولكنه كان يرفض اخذ شئ منها
– صافيه ديه منيره اختي ياصافيه ..
فجلست “منيره” علي المقعد الذي كانت جالسة فوقه “صافية” قبل دلوفها إليهم ، حركت “صافيه” رأسها إليها ، كما فعلت منيرة ، والتقطت كفيه تمسح فوقهما برفق ، تهتف بحنان تحت نظرات صافية التي تحولت للأمتعاض
– متتعبش نفسك بالكلام ياصابر ياخويا ، انت لسا تعبان
واردفت بعدما رأت الدموع قد لمعت بعينيه
– زعلت اووي انا وحسن اخوك ، اننا مدفعناش ليك فلوس العمليه يابن ابويا ، سامحيني أننا أتأخرنا عليك يا اخويا
واردفت تُخبره عما سعت زوجته في إخفاءه عنه
– ياريت بنتك كانت جاتلي أنا ، مرحتش ل عبدالرحمن وابنه ..، كنت هاخدها في حضني ديه من ريحتك يا حبيبي
ارتسمت معالم الصدمه فوق ملامح “صابر” المتعبه ، فابتلعت صافيه لعابها وقد علقت عيناه بها ، يتسأل بصدمه
– جنه راحت ليكم الصعيد
هتف عبارته والتقط أنفاسه بصعوبه، فالأول مرة تخبئ عنه صافية شئ ، فاسرعت صافيه نحوه وارتسم القلق فوق ملامحها
– متتعبش نفسك ياصابر
ازاح ذراعها عنه ، فنظرت نحو منيره بغضب :
ده مبقاش ليه يومين خارج من عمليه كان هيروح مني ومن بنتي ، وأنتي جاية تحكيله كلام ملهوش لازمه
طالعتها “منيرة” بصدمه ، فما الذي جعلها تنفعل هكذا ، فعلي ما يبدو أن شقيقها لم يكن يعلم بذهاب أبنته إليهم
– لولا عامر بيه ، راجل ابن أصول تكفل بالعمليه ، كان زمانه ضاع مني ومن بنتي
ضغطت “صافيه” علي عبارتها الأخيره حتي تُشعرهم بسوءهم ، فالغريب الذي يعملون لديه لم يتأخر عن مساعدتهم ، عندما لجأت إليه أبنة شقيقها وهي مجرد فتاة تعمل عنده مرافقة لوالدته
واردفت بباقية حديثها تتهكم على حنانهم العجيب بعد هذه السنوات ، حانقة منهم :
لسا فاكرين اخوكم ياست منيره
فحاولت “منيرة” رسم ابتسامة على شفتيها ، حتي تتجنب حديثها ، وقد اعطتها الحق في غضبها
– أنا همشي دلوقتي ياصابر وهجيلك تاني
فعاتب صابر زوجته بنظراته ، ولولا عدم قدرته علي الحديث لكان اخرسها
صابر : لاء يامنيره ما تمشيش انتي وحشاني اووي ، خليكي معايا يابنت ابويا واحكيلي عنكم
ونظر إلى صافيه بنظرات لائمة
– اخرجي انتي ياصافيه ، هاتي لمنيره حاجه تشربها
امتقعت ملامح “صافيه” ، وكادت ان تتحدث منيره ، ولكن صابر عاد يحدق بها بنظرة جامده , قد فهمتها …غادرت صافيه الغرفة حانقة وهي تشتعل غضبا :
– ماشي ياصابر، لما تخرج بس من المستشفي !
****
الفصل السابع عشر
*******
طالعت “السيدة كريمة” ابنه شقيقها بصدمه من هيئة ملامحها، التي لا تُبشر إلا بشئ واحداً ، واقتربت منها تُحدق بما تحمله ..فتسألت بعدما تمنت أن لا تكون ما تراه صحيحاً
– حامل يا فريدة
اماءت لها برأسها وقد انسابت دموعها فوق خديها ، و لا تقوي علي النطق ..، فقد اصبحت حاملاً من رجلاً لم يعد يطيق رؤيتها ، رجلاً انهي الشراكة بينه وبين والدها حتي إنه خسر المال من أجل ألا يجمعهما شيئاً ، رجلاً اكتشفت إنها حبتها من مجرد شهرين قضتهم معه ..، وأن مشاعرها لم تكن نحو الشقيق الأصغر إلا إنبهاراً
– طيب بتعيطي ليه يا بنتي
ارادت أن تُشعرها بأنها سعيدة بالخبر، ولكنها من داخلها كانت خائفه ..، فابنة اخيها وعامر السيوفي علاقة وانتهت بأبشع النهايات
– عامر بيكرهني يا عمتو ، بيكرهني أوي ..، لدرجة لما روحتله الشركه من يومين عشان اقوله إني ممكن أطلع حامل قالي ..
حدقت بها عمتها تنتظر سماع باقية عبارتها ، ولكنها صمتت عن حديثها تمسح فوق بطنها , لعلها تطمئن تلك النبته التي وضعها الله في رحمها من ليلة واحده جمعتهما
– قالي لو ده فعلا حصل ، الطفل لازم ينزل لإنه مش هيقبل يكون ليه ابن من واحده زي
عانقتها عمتها بذراعيها ، بعدما شعرت بالوجع من أجلها ، فلم تكن تتمني لصغيرتها حياة كهذه, ولا مصير ضائع وللاسف هي من أختارته وسقطت في شرك شيطانها
– عنده حق يكرهني
وابتعدت عن ذراعي عمتها ، تُخبرها إنها لم تكن تقصد ما فعلته
– مش عارفة أنا إزاي عملت كده
عادت “كريمه” تضمها نحو صدرها ، تمسح فوق ظهرها بحنان
– اللي حصل ، حصل خلاص يا بنتي ..، ياريتني ما كنت شجعتك تقربي منه ..، مكنتيش هتطلعي خسرانه حاجة
وأغمضت عيناها بقهر ، فجميع أقرابهم أخذ يتسأل لما تطلقت منه بهذه السرعه ..، هل كان يستر عليها أم ماذا ..؟ ، وشقيقها “محسن” لم يتهاون في الكلام بل رد الصاع ، صاعين ، واخبر الجميع بتلميحات قد فهمها البعض غير مصدقين ..، ان “عامر السيوفي” لم يُلبي رغبات وحيدته فطلقها منه ، لذلك لما يتزوج إلا مؤخراً ومن أبنته وقد أفتضح عجزه ،
وضاعت أبنة شقيقها بين الأحاديث ، حتي تجنبت الخروج من المنزل وانعزلت بين جدران غرفتها
– أه يا فريدة ، كان مستخبي ليكي ده كله فين يابنتي
سقطت دموعها متحسرة علي حالها ، وهي تستمع لعبارات عمتها ..، أبعدتها “كريمة” عنها برفق ، تمسح دموعها بكفيها
– أبوكي لازم يعرف
فصرخت ، وقد تراجعت للخلف تنظر لعمتها وهي تنفي لها برأسها
– لاا ، بابا مكنش همه من البدايه غير فلوس عامر السيوفي ..، مش هيهمه أي حاجة ممكن تحصلي
واردفت بخوف وهي تحمي جنينها بذراعيها
– عامر هيموتوا ، مش هيشوفه غير نقطه سوده بسبب لحظه ضعف منه
رمقتها عمتها في صمت ، وتركتها تخرج كل ما يعتلي فؤادها
– أهدي يا فريدة
– أنا هسافر ، امسك فرع دبي ..، هبعد عن هنا
– أنتِ بتقولي إيه يا فريده
وبإصرار كانت تُجيبها وقد التمعت عيناها بقوه
– أنا مش هخسر تاني خلاص ..، ولا هخسر الطفل ولا هكون ورقه يلعب بيها محسن باشا عشان يؤش من تاني ويرجع مصالحه مع عامر
وبإصرار أكبر ، كانت تنظر لعمتها وقد أقتربت منها بعدما رأت عم اقتناعها
– أرجوكي يا عمتي أحترمي قراري ، لحد ما انا أقرر أقولهم
ولم تجد “كريمة” إلا الخضوع لقرارها ..، بعدما رأت رجائها
………….
نظرت “جنه” كالبلهاء لصفا الجالسه جوارها على احد مقاعد المشفي، بعدما استمعت للطرئف التي عاشتها أبنة عمتها في هذا القصر ، لم تُصدق ما تُخبرها به عن “عامر السيوفي” من غلاظة وعجرفة يتمتع بهما
– مش عارفة أصدقك يا صفا ، الراجل دفع فلوس العمليه ..، لا وجايه بسواق مخصوص وتقوليلي عنه الحكايات ديه ..، ده طلع راجل جينتل مان ..، ده أنا حبيته
والتمعت عينين “جنه”وقد اسبلت اهدابها ، فدفعتها “صفا” بخفه
– مدفعش الفلوس ، غير بعد ما ناهد هانم طلبت منه ..، بعد ما اكتشف السبب , إنها تفكر تبيع مجوهرات من عندها عشان تساعدني ..
وبحب أصبح يزداد في قلبها نحو هذه المرأة، أردفت
– معروفها عمري ، ما هنساه يا جنه
وبدعابة كانت تهتف “جنه ”
– طيب و معروف عامر بيه
عادت “صفا” تدفعها فوق كتفها ولكن تلك المرة كانت دفعتها أقوي ، بسبب حنقها منها
– ده كان فكرني ، أنا اللي طلبت من ناهد هانم تبيع مجوهراتها ..
واردفت ممتعضه وهي تتذكر نظرته لها ذلك اليوم
– ده كان فكرني طماعه واستغلاليه
ولكنها كما هتفت بسوءه ، كانت تهتف بمحاسنه التي لا تعرق متي تظهر ، فهذا الرجل يُحيرها في شخصيته
– لكن الصراحه ، أول ما عرف ما تأخرش وقالي كنتي قولتيلي
وعاد الحنق يرتسم فوق ملامحها
– ومافيش مشكله ، هيخصم الفلوس من مرتبي كل شهر
انفرجت شفتي جنه في ضحكه قوية ، وسرعان ما كانت تضع بيدها فوق فمها ..، بعدما رأت نظر البعض من الممرضات الواقفين في حديقة المشفي
– بس ياهابله ، احنا في المستشفي .. فضحتينا انا بقول اطلع اطمن علي عمي صابر قبل ما استاذ عامر يبعتلي السواق
فطالعتها “جنه” بوداعه بعدما أستمعت لعبارتها
– متشوفيلي شغل عنده يا صفا
امتعضت ملامح “صفا” وهي تنظر لأبنة عمتها التي قد أصبح عقلها في مكان أخر ، عادت “صفا” لمكانها وقد تذكرت أمراً
– هي ديه عمتك ، اللي اتقبلنا معاها من شوية يا جنه
ارتسم الحزن فوق ملامح “جنه” ، فلم تعد تُحب ذكر أسم هذه العائله
– شكلها طيب ، بس سبحان الله النفوس فعلا غير الوشوش
– صفا ، بلاش نتكلم عنهم .. ماما كان عندها حق لما قالتلي أنهم باعوا أخوهم سنين طويله ..، هيقبلوني أنا في حياتهم
طالعتها “صفا” في صمت ، وسرعان ما كانت تنتبه علي عمتها ، التي اتجهت نحوهم بعدما التقطتهم عيناها ..، اقتربت منهم ..، وقد ظهر فوق ملامحها علامات الأمتعاض
حدقوا بها في صدمه ، بعدما جلست ووقفوا هما ..، ينظرون إليها وهي تلطم فخذيها ..، وقبل أن ينتابهم الذعر والخوف ..، كان يفهمون سبب حنقها و لطم فخذيها ..، فلم تكن إلا حانقة من العم صابر وشقيقته.
……………………………………………………..
أنتهى من سرد حكايته أخيراً، حكاية مؤلمة أردات أن تعرفها بعدما أخبرته عن الرجل الذي أحبته وتزوجته عرفياً ولكنها جعلت أسمه مجهولاً ، وقد احترم رغبتها
وبملامح قاتمة وعينين قد احتلهم الخواء والظلمة ، نطق كلمة النهاية عن الماضي ، شعرت به وهو يُحاول أستعادة ثباته بعدما أغمض عيناه ، يزفر أنفاسه ..، ثم عاد يفتحهما ينظر إليها مبتسماً وهو يلتقط فنجان قهوته ويرتشف منه ، لعلا مرارة القهوة تُغلب مرارة الفراق ومرارة ما عرفه من شقيقه
– انتهت حكاية الحب بالفراق بس فراق من نوع التاني ” الموت ”
ابتسمت إليه” أميرة” وقد ادهشها وفاءه ، طالعته بتردد قبل أن تضع كفها فوق كفه ..، استشعر لمستها هذه المرة بشعور مختلف ولكن سرعان ما كان ينفضه عنه ..، فهو أختار أن يظل أسير الذكريات ، يُحمل نفسه سبب موتها ، يُحمل نفسه إنه هو السبب لتركه لها مع عائلته وقد كان يعلم مدي جشعهم وحبهم للمال ، حتي لو باعوها لرجلاً يُعطيهم المال من أجل نيلها ..، فهذا ما فعلوه معه ولو كانوا وجدوا أفضل منه ..، لأعطوها له
– أميرة ، إحنا أصدقاء
قالها حتي يخرج من تلك المشاعر التي لا يفهمها نحو هذه المرأة ..، ويجعلها تفيق من ذلك الوهم الذي أصبح يراه في عينيها ..، ازاحت كفها عنه وقد شعرت بالحزن من عبارته وكأنه يوضح لها بصراحه ..، مكانتها لديه
طالت نظراته إليها قليلاً ، بعدما رأي الحزن قد ارتسم فوق ملامحها ، شعر بالشفقة نحوها ..، ولكن سرعان ما كان ينتبه علي الوقت
حدق بساعته ، وقد تعجب من أمره ، فكيف ينسي هذا الاجتماع الذي سيضم الشركاء ..، رغم أن اليوم عطله
نهض عن مقعده ، وقد وقف يُخرج المال من جزدانه يُحدق بها ، بعدما نهضت هي الأخري بنظرات متسائله
– عندي أجتماع مهم في المؤسسه ، مش عارف نسيته إزاي
ويا لها من حمقاء ، فقد تناست هي أيضاً سبب أجتماعها معه اليوم ، ولم يكن السبب إلا لتعرف منه معلومات تعطيها للسيد” توفيق” عن سبب أجتماع الشركاء ، فالرجل قد أزداد ضجراً منها ، ولن يصبر عليها طويلاً ..، فهذه مهمتها ، وإما تنجح أو تخسر وظيفتها ..، فلا هي أقامت علاقة معه يستغلها رئيسها في العمل ويفضحه ، فالشركة تهتم بسمعه شركائها ، ولا هي تنال منه معلومات هامه تخص الشركة.
……………………………………………………
نطقت اخيراً بعدما فاقت من صدمتها التي سقطتها على مسمعيها بعدما اخبرتها والدتها بالأمر
جنه : اتجوز مين ، وابن عمي مين
فطالعتها “صافيه” بملامح متهكمه:
– عشان تسافري الصعيد من ورانا تاني ، عمك طلب ايدك لابنه جاسر .. و لا أنتي كنتي فاكرة إن زيارات عمتك لينا من غير سبب
احتقنت ملامح “جنه” وهي تري السخرية فوق ملامح والدتها ، ونهضت من جوارها عازمة أمرها علي الحديث مع والدها ، فقدت ندمت أشد الندم لذهابها إليهم ، ولم تعد تعترف بهذه العائله
– رايحه فين يا بنت بطني
– أنا لازم أتكلم مع بابا ، أنا مش هتجوز حد ولا عايزه أشوف فرد من العيلة ديه تاني
رمقتها “صافيه” بملامح ممتقعه ، ف أين كانت هذه الكرامه قبل أن تذهب إليهم ، وعادت تتحرك ثانية ، ولكن ذراع “صافية” كان الأسبق وهي تقف وتلتقط ذراعها
– ابوكي تعبان ، ومصمم علي الجوازه ديه .. وعمره ما هيرفض لاخوه الكبير حسن طلب ولا لعمتك..، ف أرضى بنصيبك يابنت بطني
رمقتها “جنه” بصدمه ، فعن أي رضي الذي تُحادثها عنه والدتها ، اتسعت حدقتيها ذهولا وهي تستمع لعباراتها التي اردفت بها بملامح حزينه
– أبوكي أستحمل عشاني كتير ، ورضي بالفقر عشان حبه ليا ..
وبعينين دامعتين كانت تهتف
– أنتِ حته مني يا جنه ، لكن ما دام أبوكي أمر وطلب .. ، يبقي هتنفذي كلامه يا بنت بطني ..
وبحرقة كانت تردف
– يمكن تكوني الطريق اللي يرجع بيه وسط اخواته من تاني
فابهتت ملامح “جنه” ، وقد علقت عيناها بعينين والدتها ، لا تستوعب حديث والدتها وهي تردد :
– اتجوز واحد معرفهوش !
…………………..
كانت هائمة مع كل كلمة تنطقها “السيده ناهد” عنه ، فأحيانا الكلمات تكفينا أن نهوى أشخاص لم نراهم إلا مرة واحده ولا نظن أن القدر سيجمعنا بهم يوماً ..، أردات أن تُخبرها أن تكف عن وصفه لها..، فقد رأت هذا الرجل الوسيم من قبل ..، ولكنها فضلت أن تسمعها وتكون جاهلة عن هويته.
توقفت “ناهد” عن الحديث ، بعدما أدركت بأن شوقها إليه قد أزداد .. ، ومدّت كفها تبحث أسفل وسادتها عن صورته ، وكأنها اليوم تُريد تذكيرها بملامح هذا الرجل
– ده أحمد أبني اللي بحكيلك عنه يا صفا، أوصفهولي ياصفا بنظرة عينك أنتي ، عايزه أعرف لسا ملامحه زي ماهي ولا الزمن برضوه غيرها
فانتبهت “صفا” علي عبارتها ، والتقطت منها الصورة ، ودون أن تنظر لملامح هذا الرجل..، كانت تصفه لها وهي تتذكره بكل تفاصيله في ذلك اليوم
وصفته لها ، وناهد تبتسم ، وقد اتسعت أبتسامتها وهي تستمع لنبرتها الهائمة ، الهادئه ,
رمشت بعينيها بإرتباك أصبح جليّ فوق قسمات وجهها ، بعدما أنتبهت علي حالها وابتسامة ” السيدة ناهد”
– ملامحه كلها منك
فابتسمت ناهد ، وقد التقطت منها الصورة بعدما أعطتها لها ، هاربة من تأثير هذا الرجل عليها
– بس أحمد أحلى مني
– شبه أبطال الروايات
و دون وعي كانت تهتف بعبارتها ، وبخبث كانت “ناهد” تتسأل
– انتي بتحبي قراية الروايات ياصفا
فاتسعت ابتسامتها ، وسرعان ما كانت تتلاشى من فوق ملامحها
– كنت بحب قصص الحب اووي ، كنت بشوف الحب في الخيال وبس .. بس حياتي دلوقتي مينفعش لا احلم فيها ولا اعيش فيها الخيال ، للأسف الخيال بيموت مع اول صفعه من الواقع
شعرت “ناهد” بحزنها ، وقد علمت أنها تذكرت والديها وأخذها الحنين إليهم ..، وبحب كانت تفرد لها ذراعيها ، ولكن رنين الهاتف قد صدح بنغمته التي خصصتها لواحداً تنتظر سماع صوته كل ليلة ولكن اليوم يُهاتفه مبكراً عن عادته
وبشوق هتفت
– ده احمد ياصفا
……………………….. ………………………………..
كانت كلمات منيره تسقط على مسمعه وكأنها هواء يتطاير حوله، احتسي فنجان قهوته بتلذذ غير عابئ بحديثها الذي يدخل من أذن ليخرج من الأخري ..، استمرت “منيرة” في حديثها دون أن تري ضجره ، ولكنها توقفت عن الحديث وهي تراه ينهض عن مقعده ووقف بهيبته الجامده ، ينحني ليُلثم كفها
– تسلم أيدك علي القهوة يا غاليه
وتحرك من امامها تحت نظراتها ، والتقط أحد الملفات ، يخطو بخطوات عاجلة نحو الخارج
– مضطر اروح الشركه دلوقتي ياعمتي، عندي أجتماع مهم ..، وللأسف معنديش وقت أسمع كلام أعتبرته مسمعتهوش
بهتت ملامح “منيرة” وتلاشت صدمتها ، تنظر إليه بقوة
– عمك صابر ليه حق في كل الأملاك اللي انت بتديرها ، ويعتبر شريك معانا
توقف مكانه ، وقد التقط للتو مقبض الباب ..، التف إليها بعدما التقطت أذنيه عبارتها ، وعندما رأي نظرات القوة من عينين عمته ..، عاد إليه يرمقها بنظرات فاحصه وقد فهم الأمر
– أنا اللي اعرفه ان جدي مكتبش ليه حاجه ..بسبب اللي عمله زمان ..
وتابع حديثه بحقد دفين أستوطن قلبه منذ أن علم سر رحيل عمه عنهم :
– نسيتي أمي يا عمتي ، سابها عشان حتت واحده من الفلاحين عجبته ..
واردف ساخرًا
– عايزاني اتجوز بنتها ، يعني يوم ما أقرر أتجوز .. اتجوز فلاحه لاء بتهزري
والقي عبارته دون أن يعبأ بمضمونها
– والله أعلم البت ديه بنته ولا لاء ، اللي اعرفه إن عمي خلف بعد سنين طويله من الفلاحه
– جاسر
صرخت به “منيرة” ، ونهض عن مقعدها ..، فتجاوز أبن أخيها في حديثه ..، فكيف يُشكك في نسب أبنتهم ، تلك الفتاة التي تُشبهها ولكن بملامح أجمل .، إنها أبنة شقيقه ، ولن تهدأ حتي تزوجهما
– حكاية أمك وحسن وصابر ، انتهت من زمان يا جاسر ..، مش هنفضل متعلقين بالماضي يا ابن قلبي
وبنبرة جامدة كانت تهتف ، بعدما أقتربت منه
– احنا دلوقتي في الحاضر والماضي خلاص مات ، لو انت متجوزتش جنه , فنصيب عمك صابر هيروح كله لبنته وبنته لسا صغيره وعلى وش جواز واي حد ممكن يطمع فيها يعني مش على اخر الزمن واحد غريب هيدخل في عيلة المنشاوي
جاسر : فلوس مين ده اللي ليهم عندنا ، أنا اشتريت نصيب عمي عبدالرحمن ، عشان محدش يشاركني في حاجه ولا يقولي فلوسي ولا مش فلوسي … ألعبي لعبه تاني ياعمتي بدل لعبة الورث والفلوس لاني متأكد إن جدي مكتبش حاجه لعمي صابر
وكاد ان يكمل حديثه لكن حديث والده أوقفه
حسن : هتتجوز بنت عمك ياجاسر ، ومتنساش ان الفلوس ديه كلها بتاعتي انا وعمتك صحيح انت كبرتهالنا ياولدي بس هتنكر خير ابوك عليك
فتلاشي غضب جاسر ، وارتسم القلق فوق ملامحه وهو يري هيئة والده المتعبه
– ليه قومت من علي سريرك يا حاج ، الدكتور مانعك من الحركة
ونبرة متعبة ، حزينه كان يهتف “حسن”
– تعبي الاكبر بسببك انت يابني ، انت مش شايف بقيت ازاي انت بقيت عامل زي الوحش ..
فارتسم الزهو فوق ملامحه ، واخذ يداعب والده بعدما أجلسه على أحدي الارائك المريحه ، وقد أراد صرف عقلهم عن أمر هذا العم وأبنته ، حتي يخلو بنفسه ويُفكر في الخلاص, دون الأخذ من مالها ، فهو من تعب وكبر هذا المال
– شخصيتي ديه هي اللي بقت مخلياني كبير العيله ومحدش بيقدر يقف قصادي ، وقريب كمان هكون عضو في مجلس الشعب .. مش فخور بأبنك ياحاج
حسن : فخور وفي نفس الوقت خايف عليك من نفسك ،الكبر بيخسر صاحبه يا ولدي
واردف وقد التمع الإصرار في عينيه ، بعدما فهم مراوغته في الحديث معهم
– وعشان كده لو متجوزتش بنت عمك وبما أنك عارف ومتأكد ان عمك مالهوش حاجه في ورث جدك .. فأنا وعمتك هنكتب نصيبنا لعمك صابر وبنته وده اخر كلام يابني
تجمدت ملامحه ، وتطاير الشر من عينيه وهو يُطالع نظرات والده نحو، وعلي ما يبدو أن القرار قد تم اخذه .. ،
أراد أن يتحدث ، ولكن حديث والده قد الجمه :
– عارف بكل جوازاتك السريه في القاهره ، بس انت راجل واعي وأدري بمصلحتك .. ، وفكر في كلامي وكلام عمتك وانا متأكد انك هتفكر كويس في الموضوع ، ولد حسن المنشاوي مش هيضيع جزء من ثروته عشان خاطر جوازه مش هتأثر في حياته حاجه
علاقت عيناه بعينين والده ، فوالده يتلاعب معه بالحديث ، يتلاعب معه في نقاط يعلم إنها ستجعله يظل طيلة يومه يُفكر في كل كلمه أخبره بها.
………………………………………………………..
كان الصمت يحاوطهم … إلى ان رفعت صفا وجهها عن بعض الاوراق تهتف بسعاده :
– خلاص ترجمتهم
طالعها “عامر” متهكماً من نبرتها ، وقد تلاشت حماسها ..، فهذا الرجل يبهرها كل يوم بتغيره السريع ، عاد يُركز في أوراقه ونبرة جامده تمتم
– مدام خلصتي تقدري تطلعي تكملي سهرتك مع صباح وسعاد
رمقته بحنق ، وهي تود قذف تلك المزهرية بوجهه ، ولكنها عادت لثباتها ..تُزكر حالها أن هذا هو “عامر السيوفي” لا يمضي دقائق إلا وتحول ، وبفظاظة هذه المرة كان يهتف
– حطي الورق علي المكتب واتفضلي
حركت رأسها يأسه من طباعه ، وسارت نحوه تضع الأوراق فوق سطح مكتبه، وعندما طالعته وهو منهك فوق الأورق وقد ظهرت علامات الأرق فوق ملامحها
– أنا ممكن اساعدك ، ومن غير مقابل ..، يعني مش هاخد منك فلوس زياده
قالتها بدعابه ، وقد تناست أمرها ..ومن نظرة منه جعلها تتراجع للخلف ، تزدرد لعابها
وبهمس خافت كانت تعيد عرضها ثانية ، ولكن بجديه
– اساعدك يا عامر بيه
رمقها بنظرة هادئه ، هذه المرة ، يعطي لها بضعة أوراق ..، مشيراً نحو أريكه جانبيه تحتل غرفة مكتبه ، اتسعت ابتسامتها وهي تراه يمنحها مساعدته ..، وقد عاد “عامر” الطيب الذي تحب هدوئه مرة أخري وليس ذلك الذي يُطالع كل ما أمامه بأحتقار
انكبت فوق الاوراق التي اعطاها إليها ، وبجفون أصبحت تتثاقل كانت تُنهي أخر ورقة ، وقد ندمت أشد الندم لعرضها أمر مساعدته ..، التقط هيئتها بعينيه
– كفايه عليكي يا صفا
وباعتراض وتذمر كعادتها كانت تهتف بعدما فركت عيناها
– فاضل ورقه واحده ، وأنا لازم اخلص مهمتي كلها
وعادت للورقة التي أوشكت علي إنهاءها ، فاسترخي بجسده ينظر إليها ، يتسأل داخله هل حقاً هناك نساء ك صفا ، أم جميعهم مثل فريدة و والدته
وعندما أتت ذكري “فريدة” علي ذهنه ، تذكر اخر لقاء بها .. ، أتت لتُخبره إنها من المحتمل أن تكون حامل بطفله ..، تجمدت ملامحه وقد أحتلت الظلمة عينيه ..، فاقتربت منه “صفا” تضع الاوراق أمامه تهتف أسمه
– عامر بيه
وبملامح مظلمه ، كان يُطالعها هاتفاً بقوه
– أخرجي يا صفا
ومن نظراته القاتمة، كانت تركض من امامه.. فهو لا يُريد رؤيتها مرة أخري ..كاداة الأنتقام من فريدة
……………. ………………
صراخ وصياح أصبح يعصف بكل من يقابله في طريقه، وصل اخيراً مكتبه ،
فركضت خلفه سكرتيرته بزيها الملتصق القصير ، والتي لولا أصرار عمه عبدالرحمن عليه بأن يوظفها لمجاملة أحد رفقاءه لكان قد طردها منذ اول يوم
تراجعت بخوف ، وهي تري قتامة نظراته وسرعان ما كان يصرخ بها
– أخرجي بره ، ومش عايز ولا ملفات ولا أوراق تتمضي مفهوم … ،وأول ما هاشم يجي تدخليه علطول سامعه
طالعته بخوف، مُحدقة بهيئته التي لا تبشر بالخير ، وانصرفت مسرعة من أمامه ، عائدة بادراجها لمكتبه تُرتب بضعة أوراق ، تهتف لحالها
– شكله راكبه عفريت على الصبح
دلف هاشم بعدما علم برغبته في رؤيته ، لأمر عاجل وقد رأي مكالمات عدة علي هاتفه وقد ظن إنه بسبب أجتماع اليوم ، وعندما رأي ملامحه هتف بتسأل وقلق
– مالك ياجاسر ، إيه اللي حصل ومخليك مش طايق نفسك
جاسر : عمك وعمتك النهارده كلموا المحامي يجيلهم عشان يتنزلوا لعمك صابر اللي طلعلي في البخت عن نصيبهم …. انا بجد مش عارف هما بيفكروا كده ازاي وليه
هاشم : ما تتجوزها ياجاسر وخلاص
ثم تابع حديثه بخبث كما طلبت منه عمته :
– وياسيدي أعتبرها خدامه مخصوص ليك ، واه بدل الستات اللي بتتجوزها وتطلع عقدك فيهم .. طلعه عليها هي .. لحد اما تقول حقي برقبتي زيهم وتمشي
فرمقه جاسرحانقاً من أسلوبه المتهكم
– انا بتجوز الستات ديه بمزاجي ، مش غصب عني ياهاشم
هاشم :مفرقتش ياجاسر ، وكمان البنت قمر بصراحه
والتف هاشم خلفه يتمتم بخوف ودراما ، أزادت من حنق الواقف :
– اوعي تقول لأروي الكلام ده
فلم يتحمل “جاسر” سماع المزيد منه وكأنه متفق معهم
– أطلع بره يا هاشم
طالعه “هاشم” بعدما نهض عن المقعد الذي جلس عليه للتو، متمتماً قبل أن يُغادر
– فكر كويس ياجاسر ، عشان متخسرش .. وما دام عمي وعمتي مصممين علي حاجه عايزين يعملوها , هيعملوها وانت عارف كده كويس ،هتضيع تعبك كله وحد يجي يقولك فلوسي وورثي… وكل ده عشان خاطر جوازه ممكن تخلص منها بسهوله بعدين
*****
الفصل الثامن عشر
******
طالعت هيئتها أمام المرآه ، بعدما وضعت زينتها وتفننت في إظهار مفاتنها ..، حدقت بالثوب للمرة التي لا تعرف عددها ..، فابتسمت ساخرة علي حالها ..، لقد اصبحت عاهرة بجدارة واليوم ستنفذ الامر ، ستجعله يقع في الخطيئة ..، ستجعله يعرف من هي حقاً , فهي ليست إلا أمرأه يستغلها رجلاً ظنت إنه يمنحها فرصة لتبني حالها وتري نجاحها ولكن أكتشفت في النهاية ما هي إلا في دائرة مغلقه وقد تورطت مع هذا الرجل في توقيعات تجعلها تقضي باقية عمرها بالسجن ..، وإما أن تنفذ أوامره أو يطيح بها
“النهاردة المهمه تتنفذ يا أميرة ، و بكرة الصبح عايز أشوف صور لاحمد السيوفي وهو في حضنك ”
وبوقاحة كان يُطالب بالمزيد ..، والمزيد لم يكون إلا مقطع تظهر فيه معه ..
ارتسمت السخرية فوق شفتيها ، وهي تتذكر وعده لها ، بأنه لن يجعلها تظهر بالصورة ، فهو لا يُريد غير فضح هذا الرجل ..
عادت عيناها تتعلق بالمرأه ، تنظر لحالها بحزن ..، فماذا كان سيحدث إذا تزوجها “عامر السيوفي” في العلن ، ماذا لو كان أحبها كما أحبته و وثقت به ..، وعاد شيطانها يوسوس لها يُقنعها ..، أنها ستنتقم منه في أخيه , بل وستبعث إليه الصور لتريه كيف جعلت شقيقه يصل لفراشها ..
وحقد دفين ، ها هو يصحوا ولكن قلبها عاد ليُخبرها أنها أحبت هذا الرجل ..، أحبته واحترمته ، وبين تصارع أفكاره ، وما تُريد ولا تُريد كان رنين جرس شقتها يعلو
ابتسم “احمد” وهو يقدم لها باقة الأزهار قبل دلوفه للشقه ، بادلته أبتسامته وهي ترحب به
– متعرفش أد إيه أنا سعيده ، نك لبيت دعوتي يا أحمد
التف نحوها ومازالت ابتسامته مرتسمه فوق شفتيه وهتف بمزاح ، فهو قد اصبح يفهم مشاعره نحوها ، ف اميرة لا تعد بالنسبه إليه إلا شقيقه قد تمني أن يحظي بها يوماً
– هتأكليني بقي أكل مصري زي ما وعدتيني ، ولا هتكوني ضحكتي عليا وكان مجرد إغراء ومش هلاقي غير هوت دوج
ضحكة بقوة علي عبارته ، وقد وضعت باقة الأزهار جانباً ..، بعد أن أشتمت رائحتها
– لا متخافش يا سيدي ، عملتلك الأكله اللي بتحبها
واردفت وهي تخطو نحو المطبخ
– عشر دقايق ، وكل حاجة تكون جهزه
– اساعدك يا أميرة
توقفت مكانها ، وهي تستمع لمبادرته ، فاماءت برأسها وقد ابتلعت غصتها ..، فقد انتهت رحلتها مع “احمد السيوفي” وهذا أخر لقاء بينهم
اتبعها، بعدما أزال سترته وطوي أكمام قميصه ..، ولوهلة وقفت تُطالع هيئته الرجوليه .المُهلكه.، تستحضر غريزتها وتتلاشي مشاعر قلبها ..
أعدوا الطعام سوياً ، وكلما كانت تقع عيناها عليه .. يتحسر قلبها
طالع نظرتها إليه وهو يقضم أصابع المحشي الذي أعدته إليه مبتسماً
– تسلم أيدك يا أميرة
…………….
طالع المعلومات التي جمعها إليه أحد رجاله ..، متنهداً بضجر ..، فهو لم يجد شئ يُسئ لسمعتها ، حتي يستغل الأمر لصالحه ويرفضها كزوجه تحمل أسمه ..، بعدما وضعه والده وعمتها في طريق مسدود بينهم
القي بالملف داخل أحد الأدراج ، ونهض عن مقعده يدس سيجارته بين شفتيه ، يزفر أنفاسه الحانقه المعبئة بدخانها
– طلعتي يعني شريفه ، والناس بتحلف بأدبك
هتف عبارته وهو يُحرك شفتيه مستاءً ، ولكن سرعان ما كانت تتبدل ملامحه للقسوة
– حظك وحش يا بنت صابر ، عشان تقع في طريقي
شعر بتأنيب الضمير قليلاً ، عندما عادت صورتها تقتحم عقله ..، فلم تكذب عمته في أمر جمالها ..، ولكنها ليست من نساءه أو كما يسميهم جواريه ..، ف “جاسر العامري” لا يري النساء إلا جاريات أسفل قدميه يتمتع باجسدهن كما يُحب
وبقسوة و وعيد كان يهتف
– لو وافقتي علي الجوازه ، يبقي أنتِ اللي أختارتي طريقك بنفسك
…………….
طالعت القهوة التي تحملها بتوتر، واقتربت منه تنظر نحو اللوحه التي وقف يُطالعها
– جميله أوي اللوحه ديه
هتف عبارته ، عندما شعر بوجودها خلفه
– أشتريتها من باريس
التف نحوها مبتسماً ، التقط منها فنجان القهوة وسار نحو أحدي الأرائك يجلس عليها
– مفكرتيش ترجعي مصر يا أميرة
كانت عيناها عالقة نحو فنجان القهوة ، ولكنها أسرعت في تمالك حالها ..، تتذكر أنها أخر ليلة في مهمتها ، وجدته يضع فنجان القهوة فوق الطاوله ينظر إليها منتظراً جوابها ..، ابتلعت لعابها وهي تقترب منه
– القهوة هتبرد
ابتسم علي أهتمامها الشديد بأمر القهوة وتلاشيها الجواب عن سؤاله ، متسائلاً بمزاح
– أفهم من كده إنك بتهربي من الرد
– مبقاش ليا حد في مصر ، أهلي وماتوا وأخواتي أتبروا مني
شعر بالحزن علي حالها ، ونهض مقترباً منه .. ودون شعور منه كان يضمها إليه بدعم ، سقطت دموعها , فمن يأخذها بين ذراعيه يُطمئنها ويحنو عليها ..، سيستيقظ في الصباح ليري طعنتها
– صحيح أنتِ غلطتي في حق نفسك يا أميره قبل حقهم ..، لكن محدش فينا معصوم من الغلط
ابتعدت عنه ، تنظر إليه دون حديث ، وقد أزدادت دموعها هطولاً فوق خديها ..، حاولت أن تهرب من أمامه ولكنه التقط ذراعها
– أنت ليه حنين كده
هتفت عبارتها صارخه ، فقطب جبينه متعجباً أمرها وقبل أن يهتف بشئ ويسألها عما بها , كانت تهتف دون شعور منها
– عارف أنا حطالك إيه في القهوة
تجمدت ملامح “احمد” ينتظر سماعها ، وشيئاً فشئ كانت تزداد صدمته
– حطالك مادة مخدره ، عارف ليه ؟
وبمراره كانت تردف
– عشان أعمل معاك علاقه ، وافضحك في المؤسسه
علقت عيناه بها وبفنجان القهوة وهو لا يستوعب ما هتفت به للتو ، أخبرته ببداية لقاءهم الذي كان مدروساً ..، أخبرتها إنها كانت تعلم ما يحب ويكره ليس بالمصادفة ..، إنما كان لديها الكثير عنه لتستطيع الأقتراب منه
وبنظرة طويله كانت تقع علي هيئتها ، ليتأكد ما كانت بالفعل تسعي إليه ..، لم يكن يظن أن تحررها المبالغ من متطلبات عملها لتسقط الرجال ..، ولكنها اليوم أكتشف أنها ليست إلا عاهرة متقنعة عملها بجدارة
تهوي بجسده فوق الأريكه وقد ارتخت ساقيه من الصدمه ، بعدما قصت عليه كل شئ وما كان سيحدث هذه الليله ..، يتسأل داخله , هل تكون المنافسة بالعمل بتلك الطريقة المُقززه ، وبثقل كان يهتف بعدما أطرق رأسه أرضاً وزفر أنفاسه.
– وانا كنت صيده سهله مش كده
نفت برأسها وانسابت دموعها فوق خديها ، تبتلع مرارة حقلها وهي تستمع لنبرة صوته المحتقرة ، فكيف ستكون نظرته لها إذا تلاقت عيناهم ..، وها هو يتحقق ما خشته ..، ينظر إليها باحتقار لم ينظر به لأمرأة من قبل ، وبصراخ كان يهتف عبارته مجدداً
– كنت صيده سهله ، عرفتي تجذبيني ليكي ..، لا وكمان وصلتيني لبيتك ولأخر مستوي في اللعبه
اطرقت رأسها وهي تستمعه ، فمهما حاولت أن تتكلم ، كان الحديث يقف علي طرفي شفتيها ، تأمل طاولة العشاء وقد ضجر من إنتظار سماعها ، فما الذي ستتحدث عنه بعدما خبرتها باللعبة كامله ..، هل ستخبرها إنها أمرأه رخيصه تبيع جسدها
وبسخرية كان يُتمتم ، بعدما نهض من فوق الأريكه وهو يقترب منها
– كان عنده حق لما مشفكيش غير في صورة رخيصه ، مجرد جسم
بهتت ملامحها وهي تستمع عبارته ، وقد فهمت مقصده ، رمقها ساخراً ينتظر جوابها هذه المرة علي عبارته ، ولكنها تجاوزت الحديث عن هذا الرجل ، الذي إذا عرفه سيعلم إنها لم تكن غير ضحية اخرج بها شقيقه عقده
– انت كنت المنافس الوحيد ليه ، ولما فوزت بفرصة الانضمام لمنظمه المهندسين هنا ، “توفيق” ، مقدرش يستحمل الخساره وكان لازم يعمل اي حاجه عشان يعرف يضربك بيها … وبعد فتره اكتشف انك اول عضو المنظمه توافق عليه من غير ما تشرط عليه انه يكون متجوز وليه أسره
بررت لها دواخل الحكاية ، ولم يزيده الأمر إلا أحتقاراً لها
– وإيه اللي مخلكيش تكملي في اللعبه ياحضرت السكرتيره المحترمه ، مدام عندك ضمير أوي كده
هتف بها وقد أصبح صوته يتخللها المهانة ، فاغمضت عيناها بقوة
– صدقني كان غصب عني أعمل كده ، توفيق مخليني أوقع علي ورق ممكن يدويني السجن
تلاقت عيناه بها ، يستشعر صدقه ولكنه تلاشي مشاعره ، يسألها مستخفاً بحديثها
– ودلوقتي مستعده عادي تروحي السجن
– ههرب قبل ما يوصلي ، ما أنا اتعودت علي الهروب
تمتمت بها بعدما شعرت ، بأن لم يعد يحمل داخله نحوها إلا الكره والغضب
طالعها بنظرة طويله ، قبل أن يتجه نحو سترته ويلتقطها راحلاً من هذا المنزل ، فلم تعد يفرق معه ، ما ستجنيه ، ولكنه تيبث في مكانه
– أنا حبيتك يا احمد ويارتني ما حبيتك .. ، اخوك دمرني زمان وانت برضوه جيت وعملت كده
عادت عيناه تتعلق بها بصدمه أخري ، وهو يستمع لاسم شقيقه
– أيوه عامر هو الراجل اللي دمرني ، وخلاني أهرب من مصر , بعد ما أهلي أتبروا مني ومن عاري
وبألم كان تردف ، بعدما وجدته يرمقها بنظرات لم تعد تفهمها ، ولكنها أرادت اليوم أن تُخرج له كل ما يثقل فؤادها وهي لا تعرف كيف أنتهت هذه الليله هكذا
– عامر هو اللي دمرني ، حولني من انسانه كانت مليانه بمشاعر الحب ..، غنسانه بقت ضايعه مش فاهمه مشاعرها ..، اخد كل حاجة حلوه مني وسابني تايهه ، شوفت اخوك وصلني لأيه
وبغصة كانت تهتف ، رغم صعوبة الكلمه
– خلاني مجرد عاهرة
والحقيقة الأخري التي عملها لقد كانت قاسية ، وقد عرف لما دفع شقيقه الثمن في علاقته مع فريدة ، لقد كان يستحق ما حدث له.
……………………………………………………….
أخذت تدور في حجرتها كالمجنونه ، لا تعلم كيف لزوج عمتها وعمتها أن يوافقوا علي هذه الزيجه ..، هل تناسوا قسوة هذه العائله ، صم بكاء “جنه” اذنيها بل و وترها ، فهتفت بمقت ولم تعد تستطيع التفكير
– اهدي بقي .. وبطلي عياط خلينا نفكر في حل
– اهدي ازاي ياصفا ، بابا قالوهم كلمتهم ، تفتكري هقول لاء ..
فتجمدت ملامح “صفا” وهي تستمع إليها :
– عمي صابر ، إزاي يعمل فيكي كده
وبمرارة كانت تهتف ، ولا تعلم هل تشفق علي حالها ولا علي والدها الذي عاد يسعي لينال حب أخوته
– جوازي من أبن عمي هيرجع قربه من أخواته تاني ، يا صفا ..، تفتكري هيفكر في إيه غير أنه يوافق حتي لو هكون أن الطريق ، لوصالهم من تاني
تعالت شهقاتها ، فاغمضت “صفا” عينيها مقهورة علي حاله أبنة عمتها و وقوعها في إختيار صعب هكذا
– ارفضي ياجنه ، انا مش مرتاحه للجوازه ديه اشمعنا عمتك وعمك افتكروكم دلوقتي ، ده غير إنك بتقولي أبن عمك راجل مطلق ومش ظاهر في الصوره خالص , يعني أكيد رافض زيك
وبخوف من الحكايات التي تسمعها عن زيجتها تحدث هكذا
– ده ممكن يكون راجل معقد ، وتدفعي أنتِ الثمن
استمعت إليها “جنه” في صمت ، وبمرارة كانت تهتف
– لو رفضت يبقي بنهي علي حياة بابا ياصفا ، شكلي هرضي بمصيري، وعلي رأي عمتك يمكن اكون انا الطريق اللي يرجعوا بيه شملهم من جديد
فصرخت بها “صفا” حانقه ، فهي تُخبرها بمخاوفها ، و الحمقاء تستسلم لقرارهم الظالم
– طريق ايه ده ياجنه اللي هتضحي بحياتك عشانه ، هتجوزي واحد متعرفهوش ، واحد أكبر منك ب 15 سنه
………………………… ……………………………
توسدت صدره العاري ، بعد ساعات قضتهم بين ذراعيه ..، تتبادل معه الحب رغم علمها إنه لا يبادلها إلا شهوة ، وإنها مثلها كمثل النساء اللاتي مروا بحياته ، حاولت ألا تصبح مثلما أخبرها أخر مرة أجتمعوا فيها ..، ألا تصبح كالزوجات أمرأة متطلبه ، تبحث عن النكد ..، فهو يجتمع بها لأراحه ذهنه وجسده
– جاسر
أنتبه علي حديثها ، وهي تلتقط منه سيجارته ، وتدسها بين شفتيها ، طالعها وهي تزفر انفاسها المعبئه بالدخان ثم سعالها الخفيف متعجباً ، ولكن سرعان ما تلاشي تعجبه وهو يراها تنظر إليه تُخبره
– بشرب سجاير بقالي مده
حرك رأسه ساخراً ، وهو يستمع لباقية ما أصبحت تفعله ..، ولكن لا شئ كان يُحرك فيه غريزة رجولته ، فهي كغيرها ..، تفعل ما تُريد لا شيئاً واحداً أن تكون لرجلاً اخر ما دام هي معه ، ولكن بعد أن ينتهي العقد بينهم فالتفعل ما يحلو لها
– مش مضايق من اللي بعمله يا جاسر
وببرود كان يُجيبها بعدما نهض من جوارها
– أنتِ عارفه الشرط الوحيد اللي بفرضه علي أي ست بتجوزها ، راجل غير لا ، غير كده الأمر يخصها
لم يترك لها مجال للحديث ، فقد ترك الغرفة ..، تلاعبت بخصلاتها وهي لا تعرف كيف تُحرك غيرته ، كيف تجعله يشعر بها
وابتسمت وهي تراه يعود إليها ، تظن أن ليلتهم ما زالت مستمره ..، ولكن عيناها قد تجمدت وهي تنظر نحو ما يمدّه إليه
– إيه ده يا جاسر
– زي ما أتفاقنا في بداية جوازنا يا سهر ، يوم ما هتشوفي الشيك ده ، يبقي جوازنا انتهي
وبقسوة لا تعرف كيف تتملك قلب هذا الرجل كان ينطقها
– أنتِ طالق .. يا سهر
……………..
اخذ يفرك في عنقه بقوة ، وهو يتذكر حديث شقيقه معه ، يتذكر قسوة كلماته وكم كان هو رجلاً بشعاً يدعي الفضيله ، أغمض عيناه وقد عادت العبارات القاسية تحتل فؤاده
“ذنبها عملتوا فيك فريدة يا عامر ، يبقي متلومش علي فريدة قبل ما تلوم علي نفسك ”
نهض من فوق مقعده ، حائر الخطي ، يشعر بثقل أنفاسه ، التقط هاتفه فقد أتخذ قراره سينقذ “أميرة ” من هذا المصير الذي وضعها به ، ضغط علي رقم شقيقه ينتظر جوابه
– أحمد انا هساعدها تتخلص من الكل القذارة اللي بقيت محوطاها ، بس خليك متأكد أنا مظلمتهاش ، أنا كنت ..
وقبل أن يُخبره ‘ إنه كان سيتزوجها بعقد رسمي ولكنه وجدها قد تركت البلد باكملها ، ولكن “احمد” قطع حديثه يُخبره بصدمه أخري
– أنا محتاج مساعدتك يا عامر
تجمدت ملامح “عامر” فما الذي سيخبره به شقيقه هذه المرة ، سقطت العبارات فوق أذنيه وقد قتمت عيناه ، لا يُصدق ما يسمعه منه ، هل سعت أميرة نحوه لتوقعه في شباكها وتنفذ مخططات الرجل الذي يهدده ، هل لقاءها بشقيقه لم يكن بالصدفه ..، لقد بدأت الصورة تضح إليه ، اللقاء الذي تغافل عن سؤاله عنه ليلة أمس بعدما أخذ شقيقه يخرج عليه غضبه مصدوماً منه يفعل ذلك
– يعني أنت واميرة كنتوا..
وقبل أن يهتف “عامر” بعبارته
– أنا كنت بعتبرها أخت ، صديقه ..، لكن أنا ماليش دعوه بمشاعرها نحوه
أرتسمت السخرية فوق شفتي “عامر” ، فشقيقه جدير بأن يأخذ وسام البرود في حديثه أكثر منه
– عامر هو أنت لسا بتحب أميرة
– أنا محبتش أي ست يا أحمد ، ومظنش هحب في يوم
هتف عبارته ، يقسم داخله إنها لن يحب أمرأه ، وان الزوجه التي سيبحث عنها ستكون من اجل الأنجاب لا أكثر
ورغم ما يشعر به داخله من غضب ومشاعر لا يعرف مهيتها ، بعدما عرف بقرب شقيقه من المرأة التي عاشرها يوماً ، هتف باهتمام حتي يعلم ما يثقل فوق كتفي شقيقه
– إيه المشاكل اللي عندك يا أحمد ، واقدر احلها ليك ازاي
وهو كان أكثر من يعلم أن شقيقه ، سيحل له الأمر مهما كان بينهم
– عايز زوجة
اقتطب جبينه ينتظر سماع باقية حديث شقيقه
– زوجة تكون عارفه ، إنها في مهمه وهتعيش معايا هنا لحد ما اثبت وجودي في المؤسسه هنا
انتهي الحديث بينهم ، وقد ترك له الأمر ، بعدما وضع له الشروط والمواصفات لهذه العروس
……..
وقد ظل ليلتين يُفكر في أمر العروس التي سيبعثها لشقيقه ، أنهي عقب سيجارته التي لا يعرف عددها ، يطرق سطح مكتبه ..، منتظراً قدومها ..، فقد أختار العروس أخيراً ولن تكون إلا “صفا ” ، لعلا شقيقه يجدها في المرأة التي تزيل حب تلك الراحله عن قلبه الذي أصبح أسير الذكريات
قطع شروده ، الطرقات الخفيفه التي حطت فوق باب الغرفه ، ثم دلوفها وتقدمه منه ، تنظر إليه بنظرات متسائله
– تعالي ياصفا
اشار نحو المقعد وهو يتحرك نحوها ، فطالعته وقد بدأت تشعر بالقلق من لطفه
– هو في حاجة حصلت يا عامر بيه
– اقعدي الأول ، وأنتِ هتعرفي السبب يا صفا
نفذت أمره ، وجلست فوق المقعد وقد جلس قبالتها ، يُطالعها بنظرة طويله ، زادتها أرتباكاً
– تتجوزي أحمد أخويا يا صفا…
تجمدت ملامحها ، وقد اتسعت حدقتيها مما سمعته ، ليعيد حديثه ثانية وينتظر جوابها ، ولكن سرعان ما كانت تفيق من حالة جمودها ، تنتفض من فوق مقعدها
– أنت بتقول إيه
احتقنت ملامحه ، وهو يراها تقف قبالته صارخه
– أنت فاكراني إيه ، ولا حضرتك عايز مقابل الفلوس دلوقتي يا عامر بيه ، أنا كنت غلطانه لما فكرت إنك ممكن تعمل معروف من غير مقابل
القت عباراتها عليه ، دون أن تعطيها فرصة للحديث ، وقد أزداد اقتحان ملامحه من اتهماتها اللعينه ، فهو لم يختارها إلا من اجل أن يمنحها فرصه للقاء الكاتب الذي تحبه
– فلوس إيه اللي عايزاها مقابل منك ، أنا عملت كده زي ما بعمل أي معروف مع حد مش لازم يعني أقولك إنها صدقه مني
تناست الحدث الاساسي ، والتقطت اذنيها اخر عباراته
– صدقه
تنهد وهو ماقتاً لحديثها وصغر عقلها
– تحبي تسمع سبب عرضي ولا هتفضلي واقفه قدامي تاخد الكلام علي مزاجك
وهي كالعاده لا تصمت ، تحدثت بأشياء عدة ، وهو قد أتخذ وضع الصامت ..، يسمعها تلك المرة بملامح جامده
– مراد زين .. هو احمد السيوفي ياصفا كاتبك المجهول
القي عبارته ، بعدما ضجر من سماع المزيد ، وتلك المرة كانت تتسع حدقتيها في صدمه ، تنظر إليه بنظرة جعلته يرغب بالضحك علي هيئتها
– مراد زين ده خالي الله يرحمه ، واحمد كان بيستخدم اسمه كمستعار، انا عارف انها صدمه بالنسبه ليكي ، ومدام كشفت ليكي جميع الورق قدامك ، وده مش من طبعي
هتف عبارته وهو يسير بخطواته مبتعداً عنها متسائلا بجمود
– القرار قرارك ، تحبي تكوني مرات الشخص اللي حبتيه من شوية كلام في كُتب
وقطب حاجبيه ، متذكراً شيئاً قد طرء علي عقله للتو
– و أظن إنك شوفتي في المزرعة يا صفا
وبدعابة ، كانت غريبة علي طباعه التي تتغير حسب مزاجه المتقلب
– أظن أي بنت مكانك ، مش هتحتاج تفكر كتير
تجاهلت عبارته ، فهي إلي الأن لا تُصدق أن الرجل الذي اقتحم مخيلتها لأشهر ، الرجل الذي كلما سمعت أسمه من السيده ناهد ، يخفق قلبها وكأن بينهم علاقة حب وليس لقاء واحد وقعت عيناها فيها عليه
وبتعلثم هتفت غير مصدقة ما سمعته ، فلعلا ما تسمعه كذبً
– بس الصوره اللي شوفتها زمان لمراد زين كان راجل عجوز
– ديه كانت صورة فعلا مراد زين ، الصورة اللي حب احمد يظهرها ليكم
وبهدوء أعاد عباراته ، بعدما اتجه نحو مقعده وجلس عليه ، يلتقط بضعه أوراق يصب نظراته فوقهم
– فكري ياصفا والقرار قرارك .. ، انا مش بغصب عليكي ، احمد عايزني ابعتله عروسه ليه في امريكا وانا بصراحه بديكي الفرصه اللي عيشتي تحلمي بيها ،مكنش نفسك حد من ابطالك يبقوا حقيقه ياصفا
وبجمود كان يردف ، بعدما عادت عيناه تتعلق بعينيها ، ومازالت الصدمه تحتلهما
– شايفه سياسة رجال الاعمال الجديده بيقدموا عروض من غير مقابل
****
الفصل التاسع عشر
******
أيام قضتها تفكر في قرارها، لا تستوعب حتي اليوم ما عرضه عليها “عامر السيوفي” ، وما أخبرها به عن شقيقه ..، تنهدت بأرهاق من كثرة تفكيرها ، فعقلها يرفض هذه الزيجة ولكن قلبها ينسج لها الأحلام مع هذا الرجل ..، الذي خفق له قلبها من لقاء واحد جمعهما دون تخطيط
و قد تحركت مشاعرها نحوه ، حلمت به لليالي ، بل كلما جاء طيفه أمام عينيها ترتبك وكأنها تراه بالفعل ..،فهي مشاعر جديدة وغريبه عليها ، لم تجربها يوماً ، فقد قرأت الكثير عن قصص الحب والمشاعر ولكنها لم تعشها يوماً
عادت تزفر أنفاسها ثانية ، تشعر بالضجر من حالها ، فأما أن توافق ، أو ترفض .. فلما تجلس تُفكر بمشاعر قلبها اللعينه وكأنها تُماطل في قرارها الذي أصبح واضحاً ، وفي لحظه كانت تنتفض من فوق فراشها ، تحك رأسها لتُفكر أين وضعت هاتفها ؟
فلا أحد تستطيع الحديث معه ، إلا “جنه” رغم أن حالها لم يكن يختلف عنها ،بل هي أفضل منها فقد جعل “عامر” القرار لها
– هو أنا حطيت التليفون فين ؟
خاطبت حالها وهي تبحث عن هاتفها ، لتتذكر أخيراً ، أين وضعته ..، اتجهت نحو الفراش ثانية ، تلتقط الوساده ..، فتجده أسفلها ، التقطته وهي تتمني أن تُجيب عليها “جنه” من أول رنين ، ولكن الهاتف خذلها ولم تكن أبنة عمتها في نطاق الخدمه
خرجت زفراتها تلك المرة بحنق ، كما أرتسم الأستياء فوق ملامحها ..، القت الهاتف مجدداً ، واخذت تسير بالغرفه ، تُفكر للمرة الأخيره
والقرار ، ها هي تبلغ به “عامر” الذي ترك جريدته ، والتف برأسه إليها يُحدق بها ،يتأكد من سماع عبارتها ، انتظر سماعها ثانية ..، فاطرقت رأسها تُعطيه الجواب بصوت هامس ، جعله لا يُصدق أن التي تقف أمامه ليست مرافقة والدته المتمرده
– موافقه يا عامر بيه ، بس عمي صابر يكون وكيلي
وبالفعل تم كل شئ ، رغم أعتراض العم صابر والسيده صافية وقد ذهبت هي إليهم أولا تُخبرهم ، ثم أتي بعدها “عامر” للبلده ليأخذ موافقتهم بالأصول التي يعرفها وتربي عليها
والزيجة قد تمت ، والعمه وقفت تحتضن أبنة شقيقها ببكاء، وجنه لم يكن حالها إلا كحال والدتها ، تُطالعها وهي تمسح دموعها .، لا تُصدق إنهم افترقوا.
طالعهم العم صابر ، وقد علقت عيناه بأبنته .. فشعر بالندم من اجلها ، ولكنه لا يستطيع رفض طلب شقيقه ، فقد أنتظر أن يعود شمله بعائلته منذ زمن وليس لديه سبيل معهم إلا أبنته ليزوجها لابن أخيه وكبير العائله .
– متقلقش يا عم صابر ، صفا أمانه عندي قبل ما هتكون أمانة أحمد أخويا
فانتبه العم صابر ، علي يد “عامر” ، وقد ربت فوق كتفه
– كلمتك ، وعد شرف يا عامر بيه
اماء له “عامر” برأسه ، متفهماً خوفه عليها ..، ولكنه أعطاه كلمته
……………..
تأملت السحاب حولها علي متن الطائرة المتجه إلى أمريكا ، تغمض عينيها وهي تُفكر في لقاءهم الأول وكيف ستكون شخصيته ، وكيف ستعيش معه وتجعله يتقرب منها ويحبها
فكرت بكل شئ بحالمية ، فهذه هي عادتها , تري كل شئ باحلام وردية ..، بل واخذت ترسم حياتها القادمه معه ..، ولحماقتها بدأت تتخيل حالها بين ذراعيه يسرد لها الحكايات , وهي تخبره إنها أحبته من كلماته منذ أن ابصر قلبها علي كتاباته ، وهو يُطالعها بسعاده ..سبحت في خيالها وتناست ما تعيشه ما هو إلا مشاهد تضعه بعقلها فيتوق لها القلب.
– لا مش لازم تخليه يعرف انك عارفه هويته المستعاره يا صفا ، عامر بيه قالك إنه يوم ما هتكوني قريبه منه وتعرفي مكانتك عنده ..، هتلاقيه بيحكيلك عن كل حاجة مرت في حياته
وبسعاده كانت تبتسم لحالها ، فبالتأكيد سيأتي هذا اليوم قريباً وسريعاً ..، فازداد حماسها باللقاء المنتظر ، ولطيلة الرحلة كانت تغفو مع أحلامها دون شعور.
…………
اخذت تُقلب بصرها في أركان الغرفة المظلمة، وهي جالسة علي نفس وضيعتها ، بعدما دفع الوسادة إليها وغطاءً، مشيراً للأريكة بفظاظه أن تغفو فوقها ، فقد أصبحت فراشها منذ اليوم ..
طالعته بكره وهو يغطي في ثبات عميق فوق الفراش الواسع ، وقد بدأت جفونها تثقل من شدة النعاس ، فلم تجد إلا ان تتمدد فوق الأريكة تغفو عليها مرغمه
أنتفضت مفزوعة ، بعدما شعرت بسقوطها فوق الأرض ، وقد شبكت ساقيها بالغطاء ، وكلما كانت تُحاول النهوض ، كانت تتعرقل وتسقط ثانية
تنهدت بضجر ، عندما تخلصت من الغطاء أخيراً ، وعادت تتسطح مجدداً فوق الأريكة ، شعرت بتقلبه فوق الفراش وقد كان يغفو براحه ..، عقلاً وجسداً ..وكلما كانت تقع عيناها عليه وهو نائم ، كانت دموعها تنساب فوق خديها ..، فقد اصبحت زوجه لذلك القاسي ، المتعجرف
اغمضت عينيها ، لعلها تعود لغفيانها ، ولكن اخدت تتقلب فوق الاريكه ، وذكريات هذا الأسبوع عادت تقتحم عقلها وقلبها
شردت في يوم عقد قرانها حيث كانت أول مره تراه فيه فكل ما علمته عنه ، كان من احاديث عمتها ، وقد تجنب القاء بها ..، وكما أخبرت والديها .. عمتها إنه طرء له العمل لا يستطيع تأجيله ، وإضطر للسفر خارج البلاد ،
وضعت له “السيده منيرة” الحجج والأعذار ، حتي تجمله أمام والديها ، وبالفعل قد حصل علي تقديرهم الذي أدركت تصنعه فيه ، حتي يظهر لهم في افضل صوره
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها وهي وتتذكر لطفه معهم، وقد تجاهلوا حنقهم منه قبل عودته ب ليلة، وقد قرروا الرحيل في الصباح ..، ولكن عمتها تغلبت علي عقل والدها لينتظر قليلاً ، وكأنها كانت تعلم بموعد عودته.
ولم تمر الساعات حتي أتي هو دون أن يهتم لرؤيتها ، وبسهوله كان ينال حب والدها و والدتها التي كانت تدعمها حتي لا تتم تلك الزيجه ، ولكنها اصبحت كحال والدها سعيده بزيجتها
” ما شاء الله عريس يابنتي ولا في الأحلام مال وجمال وهيبه مالي مركزه .. ، ده جابلك فستان الفرح معاه من بلاد بره ، حفظي عليه ياجنه شكل دعوتي ليكي بأبن الحلال ربنا استجابها ليا يابنتي، هو أبن عمك يا بنتي وعمره ما هيأذيكي”
ترددك عبارة والدتها ، داخل عقلها ولولا سكون الليل لكان صوت ضحكاته قد تعالا ، ف اين هو أبن الحلال ، الشهم ذو الطباع الكريمة ، الذي تحلم به جميع الفتيات
فاقت من أفكارها ، وقد بدء صوت أذان الفجر يعلو ، ولدهشتها كانت تجده ينهض من فوق الفراش ، لم يهتم بالنظر نحو مكانها ، وكأنه نسي أمرها ..، وسرعان ما كانت تجده يخرج من المرحاض وهو يتنحنح ، ويتجه نحو الخزانه يلتقط عباءته الصعيديه وينثر عطره ، ولوهلة كانت تستمتع بالنظرإليه اسفل الغطاء ..
شعرت باقترابه نحو الأريكة ، فاغمضت عيناها سريعاً، وحاولت كتم أنفاسها ، ولكن شعرت بالغطاء يطيح من فوقها وهو يرمقها بقوة ، ويهتف بغلظه
– قومي صلي الفجر ، وعايز لما أرجع الاقيكي حضرتي الفطار يا عروسه
……………………………… ……………………….
وقفت تتمايل بين احضانه وهو يراقصها كالاميرة … ، تغمض عينيها وهي تتذوق العسل من عشقه وكلماته وتذوب بين همساته وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها وأخذ قلبها العاشق يدق كالطبول ..، تستمع لصوت همساته بعدما عبثت لمساته بروحها
– بحبك اووي يا صفا
فتترنح “صفا” بين يديه ، فيتابع هو حديثه العاشق الذي حلم به قلبه وظنها حلماً بعيداً:
– انتي هدية الزمن ليا يا صفا … مراد زين الحقيقي اتولد علي ايدك
فترفع تلك العاشقة المتيمه بحبهعينيها لأعلي، فتري نظراته الصادقه ثم عادت تختبئ بين احضانه أكثر :
– أنت كنت حلم بعيد أوي ..، معقوله أتحقق بالسرعة ديه
فتفيق وتفتح عيناها الحالمة بالأوهام، وتتأمل المكان حولها لتجد ان الطائرة تستعد للهبوط .. ، التقطت أنفاسها ، بعدما أرتفعت وتيرتها من هول هذا الحلم على قلبها ، فارتسمت فوق شفتيها ابتسامه عاشقة وكأنها مازالت في حلمها
…………………. …………………………………….
أخذ يُقلب في أوراقه كالتائه ، يمسك احد الاقلام وهو يطالع ساعته من حينا لأخر ،
فموعد وصول تلك الزوجه التي قد اختارها له اخيه ، وقد حاول أن يُذكره بها فقد رأها بالمزرعة، ولكنه تظاهر إنه لا يتذكرها ، توقف عن التحديق في الاوراق التي امامه ، والتقط ورقة وأخذ يحرك قلمه بحركات دائريه فوقها ، لعله يهدء من أفكاره حول من ستكون دخيلة علي حياته برغبته ، ولولا ما حدث معه ..، ما كان فكر بالامر
عاد يلتقط هاتفها ، لينظر إليها مجدداً ولا يُنكر أن ملامحها قد أقتحمت مخيلته ذات ليله ، فكرته بزوجته وحبيبته الراحله ، التي أقسم ألا يتزوج بعدها ..، ولكنه سيفي بوعده الأخر ..، فلا أحد سيشاركها قلبه
– سامحيني يا مها ، غصب عني
……………………………………………………..
اغمضت “جنة” عينيها من هول الزعاريط التي اصمت أذنيها ، وعمتها تأخذها بين احضانها تبارك لها ، ولكن بداخلها تعلم تماما بما تعاني ابنة اخيها ، ولكن ما جعلها تطمئن قليلا هي ابتسامتها المرتسمة فوق ملامحها ، وقد أستطاعت رسمها ببراعه من أجل ألا تشمت أحد بوالديها ، أبعدتها
“العمه منيرة” عن أحضانه تنظر إليها ثم عادت تضمها نحوها بقوة وبهمس كانت تُخبرها
– الست الشاطرة ، هي اللي بتحفظ أسرار بيتها ..، وأنا بنت أخويا متربية وبنت أصول
التقطتها ذراعين “صافيه” المشتاقة لأبنتها ، وقد ضمتها إليها بقوة ..
– قمر يا بنت بطني ، أكيد رفعتي راس أبوكي وراسي
تلقفتها أحضان الأهل ، وهي كانت شاردة .. تستمع لأحاديثهم نحو السعاده الأخري التي سوف تدخل بيت المنشاوي ..، إذا جاء الحفيد
ضحكوا ، وحلموا بالقادم ..، وكلما تحدثوا كانت تبتلع غصتها ، فحديثه لها هذا الصباح لا يُغادر عقلها ، ولم تكون لا عبارات يرفقها بقول لا أو ممنوع
خروجها من منزلهم لمنزل والده ، الطعام هناك معهم ..، لا تتدخل في أموره ولا أمور عائلته ، تكون كالصماء بينهم ، لا تنتظر منه أن يكون زوجً ، لا فعلياً ولا بأي صورة أخري ، لا تسأله إلي أين ..، ولا مع من تكون ..، لا يحب الحديث كثيراً ولا يحب المرأة الثرثرة ، وإذا خرج شئ عن علاقتهما ..، سيدفعها ثمن ذله لسانها وستنال منه أشد العقاب ، غرفتهم هي من ستنظفها ، وفي بيت العائلة ستساعد في الطبخ وتنظيف المنزل مع الخدم ولا تعد نفسها عروساً مدلله
سمعته ، وصمتت ..، ليتها كانت شخصيتها قوية كأبنة خالها ، ليتها كانت “صفا” لاستطاعت نيل حقها منه
أتي لحظه رحيل والديها ، ورغم إصرار عمتها وعمها حسن للبقاء معهم ..، إلا أن والدها فضل الرحيل والعوده لمنزله والبلده التي بها أحبابه وجيرانه ، سقطت دموعها بعدما أحتضنتها والدتها تودعها
– يا بنت بطني ، عمتك هنا بدالي ، انا لازم ارجع بلدنا يابنتي ، حالنا وحياتنا هناك انا وابوكي منقدرش نبعد عن البلد …
والتفت بعينيها تُطالع زوج أبنتها ، الذي ستظل لأشهر تفتخر به لجيرانها وتريهم صورة أبنتها وهي عروس جواره
– وجاسر وعدنا إننا اول ما نشتاقلك وتشتقلنا هيجيبك لينا علطول ، واحنا هنجيلك ديما يابنتي
وأردفت داعية الله ، أن يتم المراد بسرعة
– ربنا يرزقك الذرية الصالحه يا بنتي
تجمدت حواس “جاسر” وهو يستمع لهذه الدعوه ، وتمني داخله أن ينتهي هذا اللقاء السخيف ..، الذي أخذ منه مجهوداً وهو يرسم دوره ببراعه أمام عمه و وزجته
احتضنها “صابر” وقد سقطت دموعه هو الأخر ، فاقتربت منه منيرة تربت فوق كتفه
بنت أمانه عندنا يا صابر متقلقيش، كان نفسي ترجع تعيش وسطينا
والتفت نحو “جاسر” الذي ابتعد عنهم قليلاً حتي يُحادث احد رجاله
– ابن أخوك راجل وهيحافظ عليها يا صابر
اطمئن قلب “صابر” و “صافيه” وقد أخذوا الوعود منهم ..، والدور الذي اتقنه أكمله حتي النهاية ، ولم يرحل عمها وزوجته إلا وهم مطمئنين ..، سعداء بسخاء زوج ابنتهم وفهمهم للأصول
فرغ المنزل منهم أخيراً ، فوقف يزفر أنفاسه ..، وهو يراها تصعد للاعلي
– رايحه فين يا عروسه
هتف عبارته الساخره ، وهو يُحدقها بجمود ، التفت إليه تطالعها ببراءة لا يحبها في أعين النساء
– أنتِ هتفضلي خارسة كده ، مش سامعه بقولك إيه
– افندم
حاولت نطقها بثبات ، ولكن نبرتها خرجت بتعلثم ، فاقترب منها ..مُشيراً نحو المطبخ
– حضرليلي الأكل ، مش عريس أنا برضوه
وبوقاحة كان يهتف عبارته ، فاحتقنت ملامحها
– عمتي جايبه أكل كتير ، في التلاجه ..ممكن تسخنه ..
وقبل أن تُخبره عن كيفية تسخين الطعام ، كانت تصرخ من شده الألم ، بعدما قبض فوق ذراعها
– أسخن إيه يا حلوه ، عشر دقايق والاقي الكل قدامي مفهوم
وبقوة كان يدفعها من أمامه ، فركضت نحو المطبخ تحتمي به ، فوقف ينفض كفيه هاتفا
– حسك لو سمعته تاني ، مش هتعرفي هيحصل ليكي إيه ، مسمعش منك غير حاضر ونعم
وصرخ بعلو صوته
– مفهوم
وبشهقات كانت تكتمها بكفها ، كانت تهتف بخوف
– مفهوم
……………………. …………………………….
اخذت صفا تفرك يديها بقوة وذلك السائق يطالعها بإبتسامته البارده .. شعرت بالصدمه وقد تجهمت ملامحه ، تتسأل داخلها .. كيف لا يأتي هو ويستقبلها بباقة الأزهار التي حلمت بها كثيراً , فهي عروس وتستحق بعض التدليل
خدعتها أحلامها كالعاده ، وقد ضاع حلمها الاخري، ولم تري السعادة التي تخيلت أن تراها في عينين شريك حياتها ، كلما كانت تحلم بهذا اليوم مع أبنه عمتها
سارت السيارة بها ، فتركت لعينيها حرية النظر لجمال البلد التي أنتقلت إليها ، وقد تناست أمره ، رمقها السائق عبر المرآة وهو يراها ملتصقة بنافذه السيارة ، تبتسم وتلوح لكل شئ يُقابلها
توقفت السياره أخيراً عند إحدى البنايات الفاخمه ، فقد كان المنزل عباره عن فيلا صغيره ترفقها حديقة رائعه بحمام سباحة بالخلف ، أسرع السائق بالترجل من السيارة واتجه إليها يفتح لها الباب مرحباً بقدومها ، ولكنها تعجب من تشبثها بالمقعد ، تنظر إليه بقلق وقد أختفت أبتسامته ، وبعربية وقد تناست عدم فهم السائق لها
– هو مش هيجي يستقبلني ، مش كفايه مجاش المطار
هزء الرجل رأسه ، نافياً عدم فهمه لحديثها ، وقبل أن تنتبه علي حماقتها ، كانت الخادمة تخرج إليها ، وعلي وجهها ابتسامة واسعة ، مرحبة بقدومها
والسؤال الذي كانت تُخبربه السائق للتو، اخبرته للخادمة ..، التي طالعت السائق “نيمار” وهي لا تفهم ما تتحدث عنه
تنهدت “صفا” ضجراً من غبائهم ..، ولكن سرعان ما كانت تُدرك أن الغباء به هي وحدها ..، ترجلت من السيارة ولكن من الباب الأخر تهتف مازحه ، بعبارة أنجليزيه قد حفظتها من الأفلام
ولم يكن هو إلا واقف خلف ستار شرفته ، يُطالعها ويرتب أفكاره
…………………………………………………….
وقف يطالعها بسكون تام ، فاطرقت رأسها أرضاً وقد توردت وجنتيها خجلاً ، أنتظرت أن يُخبرها بكلمه لطيفه عن فستانها ، وجمالها ,يخبرها إنه يتذكرها ، ومع غوصها في أخلامها ، كان يقترب منها بخطوات هادئه ، وقد سلب عطره أنفاسها، اصبحت المسافة بينهم منعدمه ، رفعت عيناها إليه ، وعندما تلاقت عيناهم ..، كانت تهرب من نظراته خجلاً، طالت وقفته وشعرت بنظراته تتفرس ملامحها ، وهي صامته ..مرحبة
ظنت إنها سيطبع قبلة فوق جبينها ، وقد أرادت هذا الأمر بشده ، فهذا كان من أحلامها فليحققه لها فهي عروس ، و أغمضت عيناها وهي تغوص في أحلام نسجتها معه ،
ولكن سرعان ما كانت تفيق من غفوتها وقد تجمدت ملامحها وهي تسمعه يهتف ببرود ويمدّ لها كفه حتي يُصافحها :
– اهلا ياصفا
طالعت كفه الممدود في ذهول ، وسرعان ما أنتبهت علي تجمد عيناها نحو كفه ، فصافحته وهي تبتلع مشاعر السلب داخلها ، فلم يتحقق لها حلماً حتي هذه اللحظه
– اتقابلنا قبل كده يا صفا
هتف عبارته ، وقد عاد قلبها يخفق ..، فهو يتذكرها ، وما دام قد تذكرها بالتأكيد قد علقت في عقله ، وبهمس كانت تتمتم
– أتقابلنا في المزرعه ، في مكتب الأستاذ فتحي
اماء برأسه ، وقد الجمود يرتسم فوق ملامحه ، ارتبكت قليلاً وهي لا تعرف إلي متي ستستمر هذه الوقفه
– قبل طبعا ما تطلعي لأاوضتك ، محتاجين نتكلم شويه
طالعته في صمت ، وقد شعرت أن حديثه به شئ ، توترت قليلاً مبتسمه
– أنا فعلا محتاجه السرير
ابتسم علي عبارته ، فكما أخبره شقيقه .. إنها ظريفة الطبع وخفيفة الظل
– كلامنا مش هياخد ، غير عشر دقايق يا صفا
وبابتسامه واسعه ، كانت تنظر إليه .. تنتظر سماعه
– أنتِ طبعا عارفه سبب جوازي منك يا صفا ، أكيد عامر بلغك بالأسباب
تلاشت ابتسامتها ، وقد شحبت ملامحها ..، فعن أي أسباب يتحدث ..، أخبارها أن شقيقه يُريد عروساً تؤنس وحدته في غربته ، ورغم إنها لم تكن يوماً تتمني الزواج هكذا ..، إلا إنها قبلت بالأمر ، فهذا الرجل كان حلماً لها ذات يوم ، وهي تظنه عجوزاً من شخصيته المستعارة
لم يتلقي منها أي عباره ، وقد فهم أن شقيقه لم يخبرها عن أمر الزيجه و دورها ، وكيف ستعيش معه ، وألي متي ؟
– إظاهر إن عامر مالكيش كل حاجة عن جوازنا
وبتعلثم كانت تُجيبه ، عما أخبرها به عامر
– قالي إنك عايز عروسه ، تكون معاك في غربتك
تعالت ضحكاته رغما عنها ، بعدما استمع لعبارتها ..، فحقاً شقيقه متلاعب بالكلمات ، رمقته وهي تنهض من فوق الاريكه ..، وقد أوجعها استخففه ، عاد يُطالعها بعدما ألتقط شئ ما من فوق سطح مكتبه ، ولم يكن إلا عقداً يرفقه صكً
– جوازنا هيكون لمدة سنه ، لحد ما أخلص مشروعي هنا ، ويستقر وضعي في المؤسسه ، بعدها هننفصل ، وتشوفي حياتك ، ومتخافيش مش هتطلعي من الجوازه خسرانه حاجه
ازدادت ملامحها شحوبً ، وقد أستمر في إلقاء عباراته ، يُخبرها ببنود العقد ، وها هو أخر حلم يضيع منها ويسقط بالوحل
– عايزاني احط في حسابك كام ياصفا ، عايزه كام لموافقتك على عرض الجواز
……………..
أخذت عبارات تلك الجالسه ، تسقط علي قلبها كنصل السكين ، فحتي لو لم تُحب هذا الرجل ، لكنها لا تتحمل سماع شئ عن حياته القديمه ، وما كان يُقدمه لزوجته ، التي كان يعشقها ويطير بها جنوناً ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ..، بل جلبت إليها صورة لتريها ملامحها الجميلة الفاتنه ، وانوثتها الطاغية
– اكيد خلقتك هي اللي طفشته ، في عريس يروح شغله بعد يومين جواز ، فين ايامك يامرام ..، مكنش بيقدر يبعد عنك ولا يوم واحد
تذكروا حكايات الزوجه الاولي والغرام الذي لم يكن ينطفئ لليلة ، بل كانت ترافقه بكل مكان يذهب إليه ، تعالت ضحكاتهم ، وهم يرون معالم وجهها كيف أصبحت ، بل أخذت تتهرب من نظراتهم عليها ، تقبض فوق قماش ثوبها في صمت ، تتذكر وعيده لها ، فإذا نطقت بشئ سيريها كيف تكون معاملتها له ، حبست دموعها العالقة تتمني إنتهاء هذه الزيارة حتي تهرول إلي غرفتها وترثي حالها
– قوليلي يا جنه ، هو أنتِ بتجيبي فساتينك منين ، اصلهم عجبيني أوي
هتفت “نيرة” عبارتها ساخره ، فتعالت ضحكات “أروي” و “هدي” مجدداً ، يرمقونها بنظرات فاحصه
– انتِ ازاي وفقتي تتجوزي واحد متعرفيش عنه حاجه ؟
ونهضت “نيرة” عن مقعدها واقتربت منها ، تستطرد عبارتها ، وتنظر نحو أبنة خالتها وشقيقتها
– اكيد عشان الفلوس ، فعلا الفقر وحش
لم تتحمل “جنه” سماع مزيد ، وفي لحظه لم تتوقعها نيرة ، كانت تسكب كأس العصير فوق وجهها ، تحت نظرات أروي و هدي المصدومتين بعدما نهضوا عن مقاعدهم
وبعويل وصراخ كانت تصيح “نيرة” بعبارات حانقه ، متوعدة لها
******
الفصل العشرون
******
جلست شارده فوق فراشها ، ورغم جمال الغرفة التي أصبحت تُقيم فيها ، والسعاده التي أتت بها لهنا ، إلا ان كل شئ أختفي من داخلها ..ضاع حلمها الجميل ، و لم تبقي إلا عباراته القاتله تقتحم عقلها منذ تلك الليلة
– عايزاني احط في حسابك كام ياصفا ، عايزه كام لموافقتك على عرض الجواز
عبارة أحرقت قلبها الحالم ، فاطبقت فوق جفونها بقوة ..، وقد عاد المشهد يتجسد إليه ثانية وهو يُضيف علي حديثه دون أن ينظر إليها
– مليون جنيه كويس ياصفا ، لو عايزه اكتر انا موافق
أرتسم الألم فوق ملامحها ..، تهز رأسها رافضه لعلها تطرد كلماته ، إنه وقف يُسعرها وكأنه يُسعر شئ يشتريه ، سقطت دموعها فلم تكن تظن أن هذا الرجل كحال شقيقه لا يمتلكون إلا المشاعر البارده ..، لقد ظنته رجلاً كابطال الروايات ..، ولما لا يكون مثلهم وهو يجعلها تشعر بمثالية أبطالها وتضحياتهم من أجل الحب ، ولكن “احمد السيوفي” كان مختلفاً تماماً عن هذا الرجل الذي رسمته بخيالها ، وقد ركضت وراء سراب واستمعت لقلبها.
فاقت من شرودها ،وهي تستمع لبضعة طرقات فوق باب غرفتها ..فاعتدلت علي الفور ، وكما توقعت .. كانت الخادمة الجميله تدلف لغرفتها ولكن هذه المرة كانت تُخبرها أن السيد “احمد” يُريدها .
خرجت من غرفتها ، تهبط لأسفل حيث غرفة مكتبه ..، ولكن توقفت مكانها وهي تستمع لصوت نداءه باسمها
– صفا
اطبقت فوق جفنيها بقوة ، فصوته يُذكرها بحديثه القاتل معه ..، وهو يعطيها المال من أجل موافقته علي زيجه لن تكون فيها إلا ضيفه وشريكة سكن لا اكثر ولا تحلم بأن تتطور علاقتهم ، حذرها من الوقوع بحبه ..، كان جباراً ، قاسياً وهو يقف أمامها وعيناه في عينيها يُخبرها أن تحترس
اقترب منها ، بعدما ظنها لم تسمعه ..، فالتفت إليه ..، تُجليّ حنجرتها من مشاعر الخيبة
– أفندم
– هعمل تليفون لمصر ، وعامر وماما عايزين يطمنوا عليكي ..، فأنا شايف أن وجودك جانبي وإحنا بنكلمهم هيطمنهم أكتر خصوصا ماما
وابتسم بلطف وهو يتذكر حديث والدته عنه ، وكيف أخذت توصيه عليها ليلة أمس ، والدته التي لا تُحب الناس بسهوله ..، اصبحت هذه الفتاه لديها مكانه كبيرة في قلبها
اماءت برأسها إليه ، فهذا من بنود العقد الذي وقعته ، حتي تحافظ علي ماء وجهها ولا يظنها إنها تسعي للتقرب منه ، فلن تأخذ أمرأة قلبه بعد زوجته الراحله.
……………………………. ……………………….
احتدت عيناه وهو يقترب منها ، فتراجعت للخلف حتي التصق جسدها بالجدار ، أغمضت عيناها بقوة ، بعدما شعرت بأنفاسه قربها
– أنا مش قولتلك إحترام عيلتي من إحترامي
حركت رأسها بخوف ، فضاقت عيناه وهو يرمقها
– كلامي متنفذش ليه
وبصعوبة ، كان يخرج صوتها من شدة ذعرها من نظراته القوية
– أهانتني في بيتي
التقط ذراعها بقسوه ، وقربها منه ..، فانصدمت بصدره الصلب وخرجت شهقتها بفزع
– وأنتِ فاكرة نفسك هانم في بيتي ، تهيني أهلي وتطرديهم
– أنا مطردتش حد
دفعها نحو الجدار ، فارتصم به جسدها ، لتصرخ متأوها
– وأروي أختي ومرات فاخر أخويا هيكدبوا برضوه ، ونيرة اللي غرقتيها بالعصير ..، هقول إيه عن تربية..
وقبل أن يُكمل عبارته ، كانت تهتف صارخه
– متغلطتش في أهلي ، أهلي شرف مليون مرة من واحد زيك
تعالا صوتها هذه المرة بقوة ، فعاد يلتقط ذراعها بقسوة وقد عاد الوعيد لعينيه
– لو دفنتك دلوقتي ، محدش يقدر يسألني عملت كده ليه
شعرت بالأخنتاق وهو تشعر بكفيه ، تُحاوط عنقها
– بكرة تروحي بيت العيله تخدمي وسط الحريم ، وحسك عينك أسمع ليكي صوت تاني
التقطت أنفاسها بصعوبه بعدما دفعها بقوة عنه ، قد كاد يقتلها هذا الوحش الذي لم تري مثيل في جبروته.
………………………….. …………………………..
ظلت تتأمل ظلام الليل من الشرفة الصغيرة المفتوحه ، وكأنها تنظر إلى ظلمة قلبها الذي فقد الحياه من شدة ظلمته ، سقطت دموعها ، كحال كل ليلة ..،فلم تعد تعرف أي ليلة باتت فيها دون أن تبكي فوق وسادتها حتي تثقل جفونها وتسقط نائمه
كان الظلام يُحاوط الغرفة ، ولم يكن حال قلبها إلا شبيهاً بتلك الغرفة المظلمه ، طالعت أجساد أولاد شقيقه ..، فمنهم من يغفو أرضاً وأخرين فوق الأسِرَّة الصغيرة ذو دورين
أسرعت في مسح دموعها ، عندما التقطت عيناها ابن أخيها ، وهو يستيقظ ويفرك عيناه بقوة يبحث عنها كعادته ، اقترب منها بلهفة , يرتمي فوق جسدها ، ضمته إليها بقوة تلمس فوق خصلاته النعمه تسأله بحنو
– صحيت ليه ياحبيبي
دفن الصغير رأسه في حضنها
– حلمت بالعفريت يا عمتو ، كان عايز ياكلني من رجلي
ابتسمت علي حديثه ، فبالتأكيد قد قصي عليه أحد اخوته .. حكاية من حكايتهم حتي يجعلوه يخاف وينام علي الفور دون أن يزعجهم بحديثه واسئلته الكثيرة
– محمد وعلى بيضحكوا عليك عشان عارفين إنك بتخاف
ابتعد عنها الصغير ونظر لها براءة يسألها عن كذب أخوته
– يعني هما بيكدبوا عليا
اماءت له برأسها ، فهز رأسه هو الأخر
– أنا هفتن عليهم ، لما يروحوا يلعبوا كرة ، ويهربوا من المدرسة
ورغما عنها كانت عيناها تدمع من الضحك ..، بسبب توعد الصغير لأخوته ، شاركها الصغير الضحك وهو يتثاوب وقد دس رأسها في حضنها
– أنتِ أتأخرتي ليه النهارده ياعمتو
– كان عندي شغل يا حبيبي
– هتجبيلي اللعبة اللي قولتيلي عليها
وضعت بقبلة فوق رأسه ، تخبره بالجواب الذي ينتظره
– هجبهالك يا حبيبي
أتسعت أبتسامة الصغير ، وعانقها ..، يُخبرها أنه يُحبها كثيراً وكثيراً
– احكيلي حدودة كل يوم ياعمتو
…………..
وفي ناحية أخري من هذا البيت القديم ، كانت إحداهن تبث السموم في أذنين زوجها
– هنفضل لحد أمتي يارجب نستحملها ، انا تعبت بقي نفسي احس اني ست البيت ده لوحدي
وتابعت حديثها بحنق ، فقد فعلت الكثير حتي تجعلها تفر من البيت دون راجعه ..، لكنها كانت كاللعلقة في حياتهم .. ، مهما أسمعتها من عبارات متهكمة لا يتحملها أحد ، تنظر إليها مبتسمه بل وتشكرها
– انا ذنبي ايه ان اختك المعنسه ديه تفضل عايشه معايا
نفث الراقد دخان سيجارته المحشيه بالحشيش بتمهل ، وقد بدء يشعر بالضجر من حديثها الذي لا ينقطع عن شقيقته ، فماذا سيفعل لها ..، هل يطرد شقيقته من منزل والديها أم يُطلقها ويرتاح من حياته ومن ثرثرتها ؟
عاد يسحب نفساً عميقاً من سيجارته ، لعله يذهب لعالم أخر ويفقده تركيزه ويري الحياة وردية وجميلة
– كفايه بقي وجع دماغ ياسناء هو انتي مبتزهقيش
وبضيق كانت تتمتم ، بعدما سحبت منه سيجارته
– لا مبزهقش يا رجب
التقط منها السيجارة حانقاً ، فامتعضت ملامحها
– هفضل لحد أمتي أقولك إن حياة ليها نصيب زيها زي في البيت ،
وبضيق كان يردف
– ده لولا شغل حياة أختي ومساعدتها لينا في المصاريف كان زمانا بنشحت ، وبتربيلك العيال ، وعمرها ما اتأخرت عنك في حاجه ..، تنسيتي الجذمه اللي لسا جيبهالك الشهر اللي فات
– أتقطعت يا اخويا
هتفت حانقها ، فاشاح رجب عيناه عنها ..، فلو نطق بكلمه أخري سيكون طلاقها
اقتربت منها ، بعدما وجدته يبتعد عنها ، تُداعب صدره بأنامله مستخدمه سلاحها الأخر، وقد أستطاعت جذبها إليها وقد لمعت في عينيه الرغبه
– يا رجب وافق تجوزها لمسعد اخويا
تأوهت في صدمه ، بعدما دفعها عنه ونهض من فوق الفراش
– اجوزها لمين ياختي ، لمسعد اخوكي تاجر المخدرات .. نامي ياسناء بدل ما يطلعش عليكي صبح
……………………………………………………..
تعلقت عيناه بتلك الزواية التي كانت تجلس بها تترجم له بعض الاوراق ، التمعت عيناه وهو يتذكرها مشاغبتها وثرثرتها الدائمه ، حتي إنها لم تكن تهابه مهما صرخ بها وجعلها تري وجهه الصارم ، عاد السكون لقصره ثانية ..، وقد عاد الخواء يحتل قلبه مجدداً
فاق من شرودها ، بعدما تقدمت منه الخادمة بفنجان قهوته وتنحنحت حرجاً وهي تضعها أمامه
– القهوة يا بيه ، حضرتك عايز مني حاجه تانيه
– شكراً يا سعاد
أسرعت في الأنصراف عائدة للمطبخ بعدما أعطاها جوابه ، عاد لشروده ثانية وهو يرتشف من فنجان قهوته .. متذكراً هذه المرة ، المرأتين اللّتين مروا بحياته وكلاهما أحبوا شقيقه ، فريدة التي غادرت البلاد منذ يومين وقبل رحيلهم سعت للقاءه ثانية ولكن هذه المرة لم يسمح لها برؤيته ، وأميرة التي هاتفته اليوم تشكره علي ما فعله معها وإنقاذه لها ، ومنحها فرصة جديده في بلد أخر ، ترددت عبارتها الأخيرة له وكأنها كانت تدعو عليه بالشر
” اتمني يجي اليوم اللي تحب فيه ، وتعرف يعني إيه حب يا عامر”
سرعان ما كان ينفض رأسه من أفكارة ، للمرة التي لا يعرف عددها يهتف لحاله
– أنا والحب طريقنا بقي مستحيل ، ولو فكرت اتجوز هتكون مجرد ست عارفه دورها كويس في حياتي ، للمتعة وبس
وبارهاق كان يُدلك عنقه ، لعله يسترخي قليلا ، ويعود لمطالعة ملفاته وعمله الذي لا ينتهي ولا يُريد له نهاية ، فهولا يجد نفسه إلا في نجاحه وإتساع مشاريعه
ولكن توقف فجأة وهو يتذكر تلك الهدية التي يجب عليه جلبها ..، لعيد ميلاد أبن صديقه أكرم ، حاول تذكر اليوم الذي ابلغه فيه عن موعد حفل الصغير ..، لتتسع عيناه وهو ينهض عن مقعده غير مصدقاً أنه الليلة وعليه الذهاب لأحضار هدية أولاً، فقد أخذ منه أكرم وعداً
……………….
وقفت تُطالع متجر الألعاب الضخم ، الذي يُقابل متجرهم … وقد علقت عيناها باللعبة التي رأها ابن شقيقها ، عندما أتي معها هنا منذ عده أشهر ..، ومنذ ذلك الحين يُخبرها عن هذه اللعبه ..، حتي إنه أدخر المال من مصروفه الصغير لتجلبها له …، ابتسمت بمرارة وهي تتذكر فئة المائة جنيهات وهو يُعطيها لها ..، يُخبرها أن تجلب له اللعبة بها ، والصغير ينتظر اللعبة التي لا يقل ثمنها عن سبعمائة جنيهاً ..، صحيح ليست باهظه الثمن حكال اللعب الاخري ولكنها لا تستطيع تحمل تكلفتها ، خاصة ان سناء لا تضع أمامها فرصة لتدخر شئ أو تجلب حتي شئ لحالها ، غير الهاتف الذي مازالت تدفع قسطه ولم تهنأ به ..، فالهاتف يحتاج للمال حتي تُصلحه
توسعت حدقتيها وهي تحملق في ذلك الرجل الذي تتذكر أن رأته من قبل ..، إنه هو من أسقطها أرضاً بعدما صدمها بسيارته
رأته وهو يُخرج المال بعدما أشتري هدية من المتجر ، فعلقت عيناها بالهدية التي كانت تُجاور اللعبة التي يُريدها أبن شقيقها ..، تدعو الله أن لا يشتريها أحداً ، ولكن عيناها قد لمع بهما الفزع وهي تراه يأخذ اللعبة الأخري ويدفع ثمنها
أسرعت لداخل المتجر ، تخبر صاحبة المتجر ، و تنظر نحو الفتاه التي تعمل بالمتجر ، وقد طالعتها بأسف ، فصاحبة المتجر هنا اليوم ، ولن تستطيع التفوه بشئ وإخبارها أن هذه اللعبة قد حجزتها منذ أشهر حتي يتوفر المال معها وتأتي لأخذها
– اللعبه ديه أنا حجزاها يا مدام سماح
ضاقت عينين الواقف ، وقد تذكرها ..، إنها هي الفتاة التي صدمها بسيارته ، تجاهلتها صاحبة المكان ..، ونظرة نحو العاملة
– إيه الكلام اللي بتقوله ده يا زينة
هتفت الواقفة بتردد ، بعدما رمقت “حياة” بأن تصمت
– حياة من مده طلبت تشتري اللعبه ، وانا قولتلها طول ما اللعبة موجوده ، تقدري تاخديها بعد ما تجمعي تمنها ..
اماءت السيدة سماح برأسها ، تنظر نحو حياة التي وقفت مرتبكة من نظرات الواقف
– اللعبه أتباعت خلاص
وعادت تصب أهتمامها نحو “عامر” الذي أشاح عيناه عنها
– محتاج حاجة تانية يا فندم
غادرت “حياة” المتجر بحزن ، تتذكر ابن شقيقها وكيف سيحزن لانها لم تبتاع له اللعبة ..، اتجهت نحو المتجر الذي تعمل به فقد أنتهي وقت راحتها وعليها العوده
– أنتِ يا استاذه
هتف بها “عامر” ، وقد اسرع إليها بخطواته ..، يمدّ لها اللعبة منتظراً أخذها منه
– أعتبريها تمن تصليح التليفون
لم تُجيبه بشئ ، فترك حقيبة اللعبة جانبها متمتماً
– لحد ما تفوقي من صمتك ، اللعبة جانبك
وانصرف دون أن يلتف مرة أخري ، ورغما عنها كانت تزيل كبريائها جانباً وتنحني لتلتقط اللعبة ..، فلم يعد بيدها شئ غير القبول
………………
جلس فوق فراشه يًطالع هيئتها في بيجامتها القطنيه ذات اللون الوردي بإستخفاف
، فالتفت بجسدها ناحيته بعدما عدلت من وضع فرشتها علي تلك الاريكه … فعاد هو للعبث في هاتفه
جنه : هو أنا ممكن اروح انام في اي اوضه تانيه ، البيت كبير وفي اوض كتير
وببرود كان يُجيبها ، بعدما رفع عيناه عن هاتفه
– لا
ونهض من فوق الفراش ، مقترباً منها ، فازدردت لعابها من قربه وتلك النظرة التي يرمقها بها وكأنه يتوعد لها
– أحمدي ربنا إني بنيمك علي الكنبة ، ورحمتك من نومة الأرض
اتسعت عيناها غير مصدقه حديثه ، فهل كان سيجعلها تغفو فوق الارض ..، اتجه بعينيه نحو الفراش واشار اسفل مكان رقدته ، فشعرت بالذل وابتلعت غصتها وهي تشيح بعينيها عنه
جلست على اريكتها وقد تجاهلت عبارته ، وتسطحت فوقها تحت نظراته المحملقة بها، فاسرعت في رفع الغطاء عليها وضمته حول جسدها باحكام ، رغم شعورها بحرارة الجو
فضحك ساخرا علي فعلتها: بكره انا مسافر القاهرة ..، مش عايز أرجع واسمع حد بيشتكي منك في حاجة ، تنفذي كلامهم من غير أعتراض ..، ومش عايز أقولك مكانتك إيه هنا
وبنظرات قد بدء الخواء يحتلهما ، أخبرته بمكانتها التي اصبحت تعلمها ، ولا تلومه ..، فقد تركها والدها مع عائلته القاسية دون أن يُفكر في مصيرها
– مقامي خدامه ، يا جاسر باشا
وبابتسامه جامده كان يرمقها ، قبل أن يغفو براحه فوق فراشه
…………….. ……………
اخذ العرق يتصبب فوق جبينه ، فاعتدل بصعوبة ، يلتقط أنفاسه ، يشعر بالسخنه تجتاح جسده ، لقد مرض بسبب وقوفه الدائم في الشرفة دون أن يهتم ببروده الهواء ، نهض من فوق الفراش يلتقط حبة دواء لعلها تُسكن الألم ، ولكن سرعان ما أنتبه أن دورق الماء فارغ وبتعب كانت يسير بخطوات مرهقة ، يهبط الدرج حافي القدمين ويبتلع لعابه بصعوبة .
تيبث مكانه علي أعتاب المطبخ ، يُحملق في ذهول ، فقد كانت منكبة علي الطعام ..، تأكل بشراهة من شدة جوعها
أبتسم بإرهاق .. وسار ناحيتها وقد حاول أن يتجاهلها حتي لا يُحرجها ، ولكنها أنتفضت مفزوعه وقد تركت المعلقه ، واخذت تمضع الطعام بسرعه
– أصل كنت جعانه
هتفت عبارتها وهي تبتلع باقية الطعام العالق في حلقها
وفرت من امامه مهرولة قبل ان يتحدث هو بشئ ، فالتقط كأس الماء الموضوع فوق طاولة المطبخ .. وارتشف منه وهو يتذكر هيئتها الطفولية ويبتسم.
……………………………………………….. ….
كانوا جميعهم يضحكون إلا هي ، تتماسك امامهم حتي لا تبكي من حديث أروى وما يزيده اكثر حديث ابنة خالتها اللاذع ، ف أروي تستطيع ان تتحملها وتلتمس لها العذر فهي وحيدة اخويها ويتيمه فقد فقدت والدتها منذ الصغر .. ولكن تلك الأفعي لماذا تأتي كل يوم إلى بيت العائله ، لتلعن قرار هذا الظالم في أمرها بأن تذهب الي بيت والده كل يوم صباحا …
أنتبهت علي صوت عمتها وهي تُناديها
– تعالي ياجنه انا عايزاكي ياحببتي
فنهضت “جنه” تُلبي طلبها ، وقد خلصتها أخيراً عمتها من جلستهم ،هاربه من نظرات السخريه من زوجة فاخر شقيق زوجها و أروي وعلى رأسهم أفعتهم الكبيره ابنة خالتهم شقيقة هدي زوجة فاخر .. يا الله عيلة مكتمله وهي الوحيده المنبوذة بينهم
كل هذا كانت تتمتم به بين طيات نفسها،
وقفت في منتصف غرفة عمتها ،فاقتربت منها “منيرة” تضمها بحنان ثم أبعدتها لتمسح فوق خديها
شعرت بالامان وهي تراها تعود لضمها مجدداً ، ولن تنكر أن عمتها حنونه معها ، لا يستطيع أحد التفوه بحقها بشئ أمامها
– انا حاسه بيكي ياجنه ، وشايفه معاملة جاسر ليكي يا بنتي.. بس جاسر مينفعش معاه الضعف لازم تبقي أقوي ، اتمردي عليه يابنت اخوي وانا معاكي
لتنظر اليها جنه ، وقد صدمتها عباراتها ، فهل تطلب منها أن تتمرد وهي التي كانت تخبرها أن الزوجه العاقلة لا بد أن تكون صامته ..، تسمع وتنفذ فقط
– بس جاسر بيعاملني كويس ياعمتي ، هو بس طبعه شديد
حافظة علي كبريائها وكبريائه معا ، فحدقت بها منيرة تستعجب عباراتها ، فالذي يظهر أمامها علي عكس ما تسمعه منه
– أنتِ متأكده يابنت اخوي ، ولا بتداري عني ..
اماءت لها برأسها ، تتهرب من نظراتها ، فهي بالفعل كاذبه ..، جاسر ليس إلا قاسي ، متحجر القلب
– بنت اصول ياجنه ، وابن اخوي في يوم من الايام هيحمد ربنا انك بقيتي مراته ومن نصيبه ، الراجل مسيره في يوم بيعرف قيمة النعمه اللي في أيده يا بنتي
وهل سيأتي هذا اليوم ، هتفتها داخلها ساخره ..، ولكن كان هناك سؤال يلح علي ذهنها
جنه : جاسر طلق مراته ليه ياعمتي ، وهي ماتت فعلا ولا لسا عايشه
تلاشس الاسترخاء من فوق ملامح منيرة ، وابتعدت عنها تنظر نحو الشرفة المفتوحه
– سيبي الماضي في حاله يابنت أخويا ، وبكره كل حاجه هتنكشف ليكي .. المهم حربي في معركتك كويس عشان تنتصري ، وبلاش تبقي ضعيفه خليكي ذكيه
واشارت منيره نحو عقلها وهي تضحك ، وتابعت حديثها :
– عايزه اشوف ذكاء الست فيكي
طالعتها “جنه” في صمت ، وقد بدأت تفهم حديثها رويداً ..، منيرة لم تضعها في طريق أبن أخيها إلا لتتغلب علي قسوته ، وتمحي ذكري أمرأة أخري من داخله
– أروي طيبه هتقدري تكسبيها بسهوله ، ومرات فاخر هي بس محموقه عشان جاسر مرضيش يتجوز اختها .. بس هابله ويقدر يضحك عليها . بس خدي بالك من اللي حاطه عينيها على جوزك وعايزه تفوز بيه
استمعت إليه في صمت ، واغمضت عينيها بارهاق من كثرة ما يدور حولها من خبث ووجع ، فيكفي إنها تعيش في بيت واحد مع ذلك المعقد السليط .. وكادت ان تتكلم لتجده يدلف الحجرة دون ان يعيرها اهتماما وكأنها ليست مرئية
جاسر : قالولي انك في اوضتك ، قولت اجي اخد البركه منك ودعواتك ..
وانحني بجسده الرجولي الذي ترتجف منه البدن خوفاً، فهو يحمل قدرا كبيرا من الرجوله والوسامه الصعيديه المهيبة ..
وسرعان ما كان يتجه بعينيه نحوها فيري نظراتها الشارده إليه.. فارتسمت السخرية فوق شفتيه ، فقدت بدأت العروس تهيم به ، وها هي تفتح نحو قلبها طريقاً لدماره قد أختارته لحاله وسيكون أكثر من سعيد وهو يذلها
تعلقت عينين “منيرة” بنظراتهم التي طالت ، فهتفت مازحه:
– مافيش كلمه حلوه هتقولها لمراتك
اسرع جاسر في إشاحه عيناه عنها ، وقد طرقت رأسها أرضاً ، تجاهل حديث عمتها وابتسم وهو يصب نظرات أهتمامه عليها
– النهارده حجزتلك تذاكر العمره انتي وبابا وكمان حجزتلك في فندق قدام الكعبه علطول
فتتهلل اسارير منيرة سعادة، وهي تسمع ما يزفه إليها
– فرحتني يا ابن قلبي ، ربنا ما يحرمني منك يا ابن الغالي
فرتفعت دقات تلك الواقفه خلفهم ، وقد أسعدها فعلته ن وحنانه علي أهل بيته رغم إنه لا تنال منه إلا القسوة ، انتبهت علي صوته بعدما أقترب منها ولطم خدها بخفه ، وهو يُلقي مزحته نحو عمته
– مراتي سرحانه فيا ، شايفه السعد اللي أنا في يا عمتي
والعمه ترفع يداها عاليا تهتف بدعاء
– ربنا يسعدكم يا بني
…………………………………………………..
ارتجفت صفا من رؤيته بهذه الحاله وهي تراه يصعد الدرج بتعب ، فركضت نحوه تسأله بقلق :
– انت تعبان، فيك حاجة بتوجعك
طالعها احمد بألم وهو يحرك ساقه اليمني بصعوبه ، فألم فخذه مازال يؤلمه ..
احمد : ممكن ياصفا تروحي تجبيلي علبة المسكن من فوق
حدقت به بفزع ، وسرعان ما كانت تُهرول لاعلي نحو غرفته ، توقفت في منتصف الغرفة ، وقد وقعت عيناها لاول مره علي تفاصيل حجرته ذو اللون الاسود في متعلقاتها ، ورغم ذلك فكل شئ يلمع بهدوء كصاحبه ، لطمت جبهتها وقد عادت تتذكر لما هي هنا ،
واتجهت نحو علبه الدواء الوحيده التي تتوسط المنضده الصغيره .. واسرعت بخطاها إليه تلهث بانفاسها
وبضجر من حالها ، أخذت تتمتم
– نسيت المية ،هجيبلك المية بسرعة
ورغم تعبه إلا انه ابتسم على ردة فعلها، عادت اليه لاهثه وهي تمد يدها بكأس الماء
طالعها “احمد” ، بنظرة لم تفهمها ..، ولكن سرعان ما كانت تُدرك خطأها ، فهو ينتظر منها أن تعطيه علبة الدواء يدها ، وبدعابة كانت من سماتها هتفت مازحها
– معلش أنا لما بتوتر ، بكون غبية
اتسعت أبتسامته وهو يسمع عبارتها ، ولكن سرعان ما تلاشت وهو يشكرها
– شكرا يا صفا
تجاهلت ملامحه الجامده ، وقد المها قلبها ..، إنه أسرع في إخفاء أبتسامته وكأنها لا تستحق إلا الجمود منه
– خليني أساعدك لحد أوضتك ، متخافش أنا صحتي كويسه،
كانت عفوية في حديثها ، لم تنتظر جوابه علي عرضها ، بل أسرعت في إسناده ، تلتقط يده بعفويه
– هات ايدك عشان اساعدك
ثم داعبته بحديثها مرة أخري :
– ما انا مش هقدر اشيلك
حاول أن لا يتأثر بحديثها ، ويضحك ..، ولكن لم يتحمل رؤيتها وهي تسير بصعوبة جوارها ، وكأنها بالفعل تسنده ، وهو كان يمنحها المهمه دون أن يُحمل عليها
– حابسه نفسك ليه علطول في اوضتك يا صفا ، أنا قولتلك أعتبري البيت بيتك وأننا رفقاء سكن
ابتعدت عنه وقد عاد حديثه هذا اليوم يخترق أذنيه ، من بنود وضعه في عقد ، فهي لم تقبل بالزواج منه إلا لتحقق حلمها فيه , وليس من اجل الحصول على مال منه
– لو أسلوبي كان غليظ معاكي يومها ، متزعليش ..، بس حاولي تتعوضي علي طباعي ياصفا
فتحت فاها كالبلهاء ، وهي تستمع لعباراته ، إنه تعلم طباع هذه العائله ..، ولكن أن يصرح بها بهذا الهدوء ..، كان الأمر صعب علي قلبها البائس
أتسعت أبتسامته ، وهو يري تنظر إليه بتلك النظرة ، وكأنها مصدومه من حديثه معها ، خلع سترته يُلقيها جانبا …، وجلس فوق الفراش يفك أزرار قميصه … وهي مازالت في وقفتها تُطالعه بحدقتي متسعتين ذهولاً ، ولكن فجأة انتفضت من مكانها ، تنتبه علي تحديقها به ، و وقوفه في غرفته وقد أخذ يزيل عنه قميصه ، وظهر جزعه العلوي
وبخطوات سريعه كانت تهرول نحو غرفتها ، تلتقط أنفاسها بصعوبه ، أغلقت باب غرفتها واسندت ظهرها عليه قليلاً ، مبتسمه بحماقة ، وسرعان ما كانت تفيق من شرودها تلطم جبهتها كالعادة ، تسأل حالها
– هو أنا ليه قلبي بيدق كده
والحقيقة هي تعلمها ، إنه تحب هذا الرجل ، ولكنه لا يُريد حبها ..، تلاشت سعادتها واتجهت نحو فراشها ..، تُلقي بجسدها عليه .. غارقه في أحلامها هاربة من أفكارها
*****
الفصل الواحد والعشرون
***********
أنتفض جسدها فزعاً ، وهي تراه يتقدم منها بملامح جامده بعدما صفع باب الغرفة خلفه بقوة ، أنتظرت سماع كلماته اللاذعة ككل ليلة ، ولكنه أخذ يقترب منها في صمت ، فجعلها تزدرد لعابها بذعر، تراجعت للخلف بخطوات مرتجفة حتي التصق جسدها بالجدار
– بتشتكيني لعمتي ياجنه، بتظهري ليها إنك ضحية
نفت برأسها خائفة من ثورته ، فلم تزده حركتها إلا تحجراً وهو يراها ليست إلا مراوغة ..،قبض فوق ذراعها بقوة ..، وأخذ يُحركها بين ذراعيه صارخاً
– بتقوليلها مافيش اي حاجه حصلت بينا واني مبدكيش حقوقك
وبصراخ أكبر ، أصم أذنيها هتف
– عايزه حقوقك يا هانم
أنصدمت من سماع عبارته ، فما الذي يتحدث عنه ، أنسابت دموعها فوق خديها وهي تري عيناه تزداد قتامة
– انا مقولتش حاجة ، أزاي تفكر إن ممكن أقول كده
تفرسها بنظرات جامده ، وببطئ كان يميل فوق أذنيها يهمس برغبة قد أوقدتها داخله
– لو عايزه قولي
ارتجف جسدها من عبارته الوقحة ، وهي تري نظراته تفحصها وكأنه يُعريها من ثيابها ، عاد يدنو منها ، يهمس في اذنيها بكلمات جمدتها في وقفتها وسرعان ما كانت تدفعه عنها بقوة
– انت حيوان ،حيوان
تجهمت ملامحه ، وارتفع كفه لأعلي .. فهبط كفه فوق خدها بصفعة قوية ، انفجرت علي أثرها دماء شفتيها ، رفعت وجهها نحوه وهي تتحامل على نفسها من قوة صفعته وجرح كبريائها
جنه : ومريض ومعقد وظالم ومعندكش رحمه ، انا بكرهك بكرهك .. روح طلع عقدك على اللي خانتك مش عليا انا
القت عباراتها بحرقة ،فتجمدت ملامحه وأخذت تتردد عبارتها الاخيره في أذنيه وقد اعادت له سنوات مضت ، أقترب منها يرمقها بغضب وقد تطاير الشر من عينيه..
وبقسوة كان يجذبها من حجابها ، فسقط عن رأسها ، وانسدل شعرها الغزير ..توقف لبرهة يُحدق بها ، ولكن سرعان ما كان يعود لقسوته ..يقبض فوق خصلاتها بقوة
– عرفتي منين ، انطقي
كلماتها اصابته في مقتل ، اصابة رجولته التي طلما سعي أن يُداريها خلف قناع قسوته ..، فتحت نيران لم تخمد وذكريات لم ينساها عقله يوماً ، قبض فوق عنقها وقد عاد يتسأل بأنفاس متقطعه ، من أين عرفت بخيانة زوجته
– أنطقي ، بدل ما ادفنك مكانك
هزت رأسها نافيه وهي تُشعر بالأختناق من قبضته ، فهي لا تعرف شئ عما تفوهت به ، إنها ارادت وجعه بأي طريقة .. حتي لو نطقت بجهالة عن شئ لا تعرفه ..
– معرفش حاجة ، أبعد عني
هتفت برجاء ، فلم تعد تتحمل قبضته وقد بدأت جفونها تثقل من شده الأعياء، ازدادت قبضته فوق خصلاتها ، فنسابت دموعها بغزارة وخرج صوت نحيبها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة
– أنت قاسي ، و وحش
وبضعف كان يخرج صوتها مهزوزاً قبل أن تسكن بين ذراعيه
– أنا دلوقتي عرفت حقيقه قسوتك
………………………….
كانت تجلس وسط اطفال الدار تلاعبهم بحنو وتبتسم بسعاده علي سعادتهم وركضهم حولها، ركض أحد الصغار نحوها ، فانحنت تضمه إليها ، تمسح فوق خصلاته والصغير يتمتم ببكاء
– أتعورت يا ابلة حياة
وضعته أرضاً ، وجثت فوق ركبتيها ..، تري جرحه الصغير , فأبتسمت وهي تدنو نحو جرحه وتلثمه له بقبلة حانيه
– وكده بتوجعك
أبتسم الصغير وهويومئ لها برأسه ..، فقد طاب جرحه وأنتهي ألمه من قبلتها ..، دار الصغير حول نفسه يُخبرها إنه أصبح بخير ..، فضحكت وهي تراه يركض ويقفز بين رفقاءه ، ولو كانت تمتلك يوماً أخر أجازة لها ..، لقضته بينهم
ورغماً عنها كانت دموعها تنساب ، وهي تتذكر ذكري بعيده
فلاش باك
– و أختك تخرج معانا ليه يا رجب ، مش كفاية صابره وساكته إنها قاعده معايا في البيت ، ومش عارفه أخد راحتي
– وطي صوتك يا سناء ، بدل ما أحلف إن مافيش خروج
– هي ديه خروجه ، ده أحنا بنروح نقعد في جنينة الحيوانات
هتفت عبارتها ممتعضه ، و أخذت تلوي شفتيها إستنكاراً
– أحمدي ربنا أني بخرجك أنتي والعيال ، وكفاية رغي كتير وألبسي يلا خلينا نلحق قبل الزحمه
– مش عايزه أروح خلاص يا أخويا ، ما هو أصل لا أنا لا أختك
وكالعادة كان ينتهي الشجار ، بترك زوجة شقيقها للمنزل
مسحت دموعها ، فقد أراحت زوجة شقيقها من خروجها هذا اليوم معهم ..، تأتي لهنا لتجلس مع الأطفال وتقضي يوم عطلتها بينهم
أنتبهت على صوت مديرة الدار وقد أقتربت منها السيدة “فاتن”
– ربنا يباركلك ياحياه يابنتي ، أنتي متعرفيش الأطفال بيستنوا وجودك أد يه كل أسبوع ..، اليوم بيكون كله فرح وسعاده ليهم
ابتسمت حياه ، واطرقت عيناها خجلاً من كلمات السيدة “فاتن”، والقت بنظرة سريعة نحو الأطفال وركضهم بحديقة الميتم بسعاده
– كان نفسي أقدم ليهم أكتر من كده
هتفت بها بقلة حيلة ، فلو كانت تملك المال لجلبت لهم كل ما أرادوا من ألعاب وثياب ، أنتبهت علي الدعوات التي تحملها السيدة فاتن ، وقد تذكرت للتو الحفله التي ستقام عن قريب في الدار
– هي ديه الدعوات اللي هنبعتها لرجال الاعمال
أماءت لها السيدة “فاتن” ، ومدّت لها يدها بالدعوات .. ، تستبشر الخير بذهابها هي وإعطاء الدعوة لأصحابها
– أنا عارفه إن طلبي صعب عليكي يا بنتي ، بس أنا مستبشرة خير ..، روحي وزعي أنتي الدعوات ديه يا حياة ، مافيش حاجة بتكوني فيها إلا وبيجي خير من بعدها
علقت الدموع بعينيها ، من كلمات السيده “فاتن” والتقطت منها الدعوات تبتسم لها
– أن شاء الله هيقبلوا الدعوات ، عشان يفوزوا بالجنه
وعادت عيناها تُحدق بالدعوات ، تدعو داخلها أن يقبلوا الدعوه ويأتوا للدار ، يُلبون دعوتهم
……………………………….
جلست تطالعه بإرتباك بعدما دعاها كي تحتسي معه مشروبه الساخن ، شعرت بالضجر من جلوسها في صمت ، وقد أنشغل هو قليلا بحاسوبه الشخصي ، واخذ يرتشف من فنجان مشروبه الدافئ
تعلقت عيناها به ، تتسأل داخلها ..، لما قد دعاها وهو مشغول..، تعالت صوت أنفاسها الحانقة ..، وقد أنتبه للتو إنه أندمج في عمله ونسي أمرها وهو الذي دعاها لتجلس برفقته بدلاً من مكوثها الدائم في غرفتها
– أعذريني يا صفا ، انشغلت عنك
حاولت تلاشي حنقها ، وابتسمت بعدما وضعت كأس المشروب الفارغ فوق الطاولة
– مافيش مشكله ، أنا هروح أوضتي مدام مشغول ..، تتعوض مرة تانية
القت عبارتها وهي تنهض ، ولكن يده كانت أسرع وهو يجذبها لتجلس ، معتذراً مرة أخري بلطف
– هخلي مدام صوفيا ، تعملنا حاجة تانية نشربها ..، ونقعد ندردش سوا
طالعته وهو ينهض ، بعدما منحها أبتسامة سلبت قلبها ، أغمضت عيناها وهي تضع كفها فوق ملمس يده فوق كفها الأخر الذي لمسه ، إنه لطيف جداً معها اليوم ..، وهي لن تتحمل كل هذا اللطف ..، فقد اصبحت تُقاوم حبها له
عاد بعد دقائق ، وما زالت أبتسامته مرتسمة فوق شفتيه ، جلس جوارها وقد التف بجسده نصف التفافه يسألها
– أحكيلي عن حياتك يا صفا
ضاقت عيناها ، وقد تفاجأت من سؤاله، طال صمتها فهي لا تعلم بما ستقوله له ، ولكن سرعان ما دمعت عيناها وقد عادت جراحها تندمل
– مافيش حاجه احكيها
اقترب منها “احمد” وقد تلاصقت ساقيهم وشعرت بانفاسه تلفح صفحات وجهها:
– ليه الدموع في عينك يا صفا
هتف بلطف ، كان صعب عليها أن تتحمله ..، أسرعت في مسح دموعها تتسأل هذه المره هي
– هو انت ليه بتصحي من نومك علي كوابيس
كان فضولها ، يأخذها لمعرفة السبب ، ولكنه راوغها في جوابه ، وبفتور كان ينهض من جوارها
– الماضي بيفضل مستوطن عقولنا يا صفا
لم يستوعب عقلها ما يتفوه به من كلمات مبهمه كحال صاحبها ، وبانفاس مثقلة بألام الماضي كان يردف
– الذكريات ببتحفر جوانا يا صفا
كانت خير من يعلم جوابه ، فقد أصبحت تعيش علي الذكريات
وبصعوبة كانت تتمالك دموعها ، تنظر نحو ساقه وهو يعرج عليها قليلاً ..، رغم إنها من قبل لم تراه هكذا
– هو ليه رجلك بتوجعك ، أنت كنت كويس من يومين
ابتسم وهو يلتف نحوها ،يحدقها بنظرات قوية ، ارتبكت علي ملاحظتها الدقيقة لكل شئ يُخصه ، فاقترب منها يمنحها الجواب تلك المرة دون مراوغة
– ديه اصابه حصلتلي زمان في رجلي ، وفي كل شهر من السنه لازم الألم يرجع ليا ..، مش عارف ليه الموضوع ده مستمر ..، بس ممكن تكون حالة نفسيه
تعلقت عيناها به وهي تسمعه ، تتسأل داخلها ..، ما الحادث الذي حدث له ..، ولكن “احمد” كان يمنحها ما يُريدها أن تعرفه
– بكره في حفله تبع الشركه ، ووجودك مهم معايا ، زي ما أتفقنا في بنود العقد ..، أي دعوة لازم تكوني معايا فيه
ليته لم ينطق عبارته الاخيرة ، وذكرها ببنود عقده ..، عاد الألم ينهش فؤادها ، وبصعوبة كانت تتمالك حالها ، تبتسم إليه ..، تمنحه ما ينتظره ..، فهو المالك وهي المملوك الذي عليه الطاعة
– حاضر
تعجب من نطقها بأقتضاب لكلمتها ، ولكن سرعان ما تلاشي تعجبه وهتفت بمرح أعجبه
– أخيراً هخرج واشوف الشوارع هنا
ورغما عنه كان يضحك ، وهو يراها تضم كفوفها نحو صدرها ممتنه لدعوته
– شكلك مرحه اووي ياصفا
ابتسمت بصعوبة ، فلم يكن مرحها إلا لتُداري خلفه حسرتها
اقترب منها ، فاسبلت أهدابها ..، لتشعر بملمس كفه فوق خدها
– أنتِ مُسلية ولطيفة يا صفا
……………………
لم تكن صفعته لها ليلة امس سوي إلا غباراً قد سقط فوق قلبها أدماه أكثر ، تحسست شفتيها المتورمة من صفعته ، ورغم محاولتها لتُداريها عن عيناهم المتربصة ، كان الفضول يدفعهم ليعرفوا لماذا هيئتها اليوم هكذا ، كانت تري في نظرات البعض الشماته ، والقلق والحزن في نظرات عمتها وعمها حسن
وبنبرة حانية ، أخذ يسألها عمها
– مال وشك يا جنه ، في حاجه حصلتلك يابنتي
وكادتها كانت ترسم أبتسامة هادئه فوق ملامحها ، تناوله كأس الماء وحبوب علاجه
– لا ياعمي مافيش حاجه ، انا بس وقعت امبارح
تناول منها عمها كأس الماء ، يرتشف منه ، وقد تلاقت عيناه بعينين شقيقته “منيرة” التي أتخذت دور الصمت وقلبها يحرقها علي حال أبنة شقيقها ..، تلوم حالها ..، لأنها السبب علي إتمام هذه الزيجة ، ولم تستمر منيرة في صمتها ، وبنظرة حانية أخذت ترمقها ، وتمدّ لها كفها ، لتقترب منها
– مكنتيش جيتي النهارده مدام تعبانه ، كنتي خليتك في بيتك يابنتي ، مش لازم كل يوم تيجي بيت العيلة
أندفعت “جنه” صوبها بعدما دعتها لحضنهم ، فقد أصبح حضن العم منيرة ملاذ غربتها وقسوة ما تعيشه
– انا جيت اودعك انتي وعمي قبل ما تسافروا العمره ، وكمان أستأذنكم اخد أروى معايا البيت عشان متحسش بغيابكم
أندهشت منيرة من عرضها ، كحال حسن ..، ف أروي كالأخرين تُعملها بكبر ، تُهينها بنظراتها وتجاهلها كالباقية
منيره : بس مرات فاخر هنا في البيت وغير الخدم ، انتي لسا عروسه يابنتي ، غير إن أروي طبعها صعب
سقطت كلمة عروسه على مسمعها كالجمر المُلتهب .. فتمتمت تُداري خيبتها
– عروسه مين بقي ياعمتي .. هو انا هدلع اكتر من كده ، وكمان جاسر علطول في الشركه أو في مصر أو مش فاضي ،وانا و أروي هنعرف نسلى بعض وفرصة نقرب من بعض اكتر
تفهمت “منيرة” طلبها ، فأماء لها “حسن” أن تنفذ الأمر ..، لعلا أبنته تتقرب تلك الفترة من أبنة عمها وتعرف معدنها الطيب كما عرفه هو ، اخذت موافقتهم ، واسرعت في خطاها تُغادر الغرفة تهتف بسعاده
– هروح اشوف فين اروي واقولها
شيعتها منيرة بنظرات حانية ، وعادت تُطالع شقيقها الراقد فوق فراشه بوهن ، تُخبره بندم
– تفتكر إني غلطت لما أصريت أجوزها لجاسر يا حسن ، أنا بقيت أحس بالذنب يا حسن
وهذه المرة كان يُطمئنها قبل أن يغمض عيناه ويغفو قليلاً
– بكره يعرف معدنها الطيب يا منيرة ، ويعشقها
…………………………
وقف يتأملها طويلا وهي تهبط درجات الدرج بخفه .. طالعها بتمعن يدرس كل تفاصيل جسدها في فستانها الذي قد اهداه لها صباحاً .. ، اتسعت أبتسامته اكثر ، وقد لمعت عينيه من شدة جمالها
رأت الأنبهار في عينيه ، فتوردت وجنتاها وهي تخفض رأسها أرضاً ..، أقترب منها يلتقط كفها مبتسماً بلطف
– مكنتش أعرف إن ذوقي حلو كده يا صفا
توترت من سماع عبارته ، وقربه المهلك لمشاعرها ..، وما فجأها حقاُ إنه لثم كفها بشفتيه
ابتعدت عنه ، وكأن شئ قد لدغها ، فطالعها بنظرات متسائله عما حدث ..، ولكن اسرعتفي وضع يدها فوق كفها تسأله بتوتر
– طب لفة الحجاب كده كويسه ، ومناسبه للحفله ولا اروح اجرب لفه حجاب تانية
تعالت ضحكات “احمد” وهو يراها لا تلتقط أنفاسها وهي تُحادثه من شدة ربكتها أمامه ، وسرعان ما كان ينتبه علي إمتعاض ملامحها ، وزمها لشفتيها كالأطفال
التقط أنفاسه بعدما توقف أخيراً عن الضحك ، وأشاح عيناه عنها غير مصدقاً إنه بات يضحك هكذا
– كلك على بعض حلو ياصفا ، ويلا عشان هنتأخر
تلاشت حنقها ، واتبعته وهي تحمل طرفي فستانها ، ولكن وقفت تشهق بفزع بعدما التوي كاحلها أسفلها ، حاوط خصرها بقلق وضمها لصدره ، فاغمضت عيناها وهي تتنفس رائحته التي سلبت أنفاسها لقربها منه
– شكلنا كده مش هنروح الحفله ، وهنروح علي المستشفي يا صفا
ابعتدت عنه بعدما تداركت أمرها ، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ، اعتدلت في وقفتها ، تُهندم من نفسها ، فابتسم بخفه وتقدم أمامها نحو الخارج
– يلا عشان أتأخرنا علي الحفله
اتبعته بحزن ، فقد تمنت ان يحدث مشهد اخر ، تمنت لو امسك يدها ، وتبطأت ذراعه , تسير جواره وكأنهم أزوج حقاً ، وليست مجرد زوجة بعقد مشروط
………………………..
ظلت تعبث بحقيبتها إلى ان تهللت اساريرها اخيرا وقد وجدت ضالتها ، تنفست براحه بعدما كانت تظن بأنها قد فقدته ..، فأخذت تحرك المفتاح في باب الشقة ،
ودلفت للداخل، وسارت بخطوات متعبه فأنتبهت على صوت زوجة أخيها في المطبخ وهي تحادث أبنتها
سناء : محدش يقول قدام اللي ما تتسمي اننا طبخنا النهارده ، وبالذات ادم نبهي عليه .. الواد ده انا مش عارفه مين هي امه انا ولا هي
فتهتف ابنتها ، تشعر بالشفقة نحو عمتها ، فوالدتهم تعملها بقسوة رغم تحذير والدهم الدائم وشجارهم الذي لا ينقطع بسبب قسوة معاملتها لها
– ياماما ديه عمتو طيبه اووي، شوفتي أشترت لأدم اللعبة اللي كان نفسه فيها ، وبتحاول تجبلنا كل حاجة عايزينها
وبحزن كانت تردف الصغيره ، تسأل والدتها
– انتي ليه مبترضيش تأكليها من الاكل الحلو اللي , بابا ساعات بيجيبه .. وبتأكليها بتنجان وفول كل يوم وتقوليلها ان ده أكل النهارده مع اننا ساعات بناكل حاجات تانيه حلوه
تجهمت ملامح سناء ، واقتربت منها متوعده ، وقبل أن تقبض فوق ذراعها وتدفعها من أمامها ..، لوقوفها أمامها بهذه الطريقة من اجل عمتها ، ولكن وقفت مكانها تُحدق بحياة التي دلفت للمطبخ وتنظر إليها مبتسمه تخفي خلفها قهرها
– ممكن يا ام رانيا تجهزيلي اكل كل يوم .. ده لو مش هتعبك يعني وياسلام لو جبتيلي الفول بتاع امبارح كان طعمه حلو اوي
وسارت من امامها تحبس دموعها ، فحدقت سناء بأبنتها صارخه بعدما أفتضحت أمر الطعام الذي يتناولوا دونها
– أمشي غوري من وشي
……………………….
كانت المره الأول التي تجمعهم مائدة طعام واحده ، تخلو من باقية أفراد العائله ، بل وتكون في منزلها عزيزة النفس ، تنفست براحه وهي تمضغ طعامها ، فأخيراً ستأكل وتمتلئ معدتها دون الشعور بأن أحداً يرمقها بنظرات ساخره
استمع لتنهيداتها ، فرفع عيناه صوبها يتأملها وهي تمضغ طعامها ببطئ وقد أرتسمت الراحه فوق ملامحها ، طالت نظراته نحوها ، ولكن سرعان ما أشاح عيناه عنها ، وهو يستمع لصوت شقيقتها ، وقد فهم مقصدها من سؤالها
– هو انتوا ليه مروحتوش تقضوا شهر عسل ياجاسر ؟ ، اشمعنا مرام اخدتها شهر لفيتوا فيه اوروبا..
امتقعت ملامحه ، وقد أحتلت الظلمه عيناه ، بعدما أستمع لعبارتها الأخري ، صفع طاولة الطعام بقوة وهو يصرخ بها ، بعدما أشعلت النيران داخل قلبه ..، فلما عادوا يذكرونه بتلك الخائنه
– لو خلصتي أكلك ، تقدري تقومي
ألجمها حديثه ، فنهضت علي الفور تخفي دموعها عنه ، بعدما أحرجها بهذه الطريقة أمام زوجته ، أسرعت “جنه” في التقاط ذراعها تنظر إليها برجاء
– كملي اكلك يا اروي انتي مأكلتيش حاجه
ولكن أروي كان غضبها الأكبر منها ، دفعت ذراعها عنه ، ترمقها بحنق
– شبعت خلاص ، هخرج الجنينه اشم هوا وبكره الصبح هروح
القت عبارتها وانصرفت بخطوات سريعه نحو الخارج ، فتعلقت عيناها به ..، فوجدته ينهض عن مقعده ، وعلامات الوجوم تظهر فوق صفحات وجهه ، امتعضت من أنسحابه بهذه السهوله دون أن يعبأ بمغادرة شقيقته وصراخه عليها
– ابقي صالحها لو سامحت ، مكنش ليه لزوم تزعق فيها هي مكنش قصدها ، ديه دردشه عاديه
سكن في وقفته ، وهو يسمعها ..، والتف نحوها ببطئ يرمقها بنظرات قاتمة ، وسرعان ما كانت تحتله الصدمه ، وهو يجدها تطالعه بكبرياء ، وقوه لأول مره يراها في عينيها منذ ان تزوجها .. ثم انصرفت ..تغادر المكان هي الأخري دون أن ترتجف من نظراته كما أعتاد.
…………………………..
وقفت “جنه” تتأملها من بعيد وهي تتمني قربها كصديقه واخت كما كانت هي وأبنه خالها ولكن اين هي الان فقد رحلت بعيدا ولم تهاتفها منذ ان سافرت ..، تنهدت بحزن أتخذت قرارها في الاقتراب منها .. وسارت نحوها :
– الوقت اتأخر يا أروي مش هتنمي
فالتفت اروي نحوها ، ولكن سرعان ما اشاحت وجهها بعيدا عنها ، وصمتت
فأبتسمت جنه وجلست جانبها :
– طب ممكن اقعد جنبك ونتكلم شويه
لتنهض أروى تهتف بتأفف: لاء انا هسيبلك المكان كله تقعدي براحتك فيه
ولكن سرعان ماأمسكت جنه ذراعها راجيه :
– اروي احنا في سن بعض ليه منقربش من بعض
فترمقها اروي بأستخفاف ، تهتف بكبر
– انا مبقربش غير من الناس اللي نفس مستوايا
تقبلت “جنه” حديثها ، و تجاهلته
– طب انزلي بمستواكي معلش واقعدي معايا ، انا نفسي اتكلم مع حد اووي واضحك وهزر معاه ،وياستي مش هقلل من مستواكي ومش هتخطي حدودي معاكي
فرفعت أروي أحد حاجبيها مدهوشة من تقبلها لأهانتها ، و بغرورها هتفت :
– اتكلمي
جنه : انتي في كلية صيدله صح ، انا لسا متخرجه جديد منها
أرادت أن تخلق معها أي حديث ، فلم تجد إلا الحديث عن دراستهما
فطالعتها أروي بذهول ، ف لأول مرة تعرف أن أبنة عمها خريجة جامعه
– أنتِ كنتي في صيدله
فابتسمت “جنه” وهي تومئ برأسها ، فقد رسموا نحوها صورة الفتاة الجاهلة الفقيرة:
– بس تصدقي ايام الكليه وحشتني مع انها كانت ايام رخمه برضوه بس صحابي وحشوني
فبدأت اروي في الحديث معاها عن مغامراتها هي الأخري بعدما شعرت بلطافتها
– ده انتي مصيبه يا أروي ..، عملتي في الدكتور كده
– انا مالي هو قال عايز يشوف نتيجة التجربه وحظه إنها فرقعت في وشه ، ولولا ان في معرفة بينه وبين جاسر كان زماني مفصوله
فتعلقت عينين جنه بها، وهتفت بأمل أن تكون تقبلتها :
– هو احنا ليه منبقاش صحاب واخوات
اروي بتردد : لاء انتي هتاخدي جاسر في يوم مني وهيبقي ليكي انتي لوحدك .. زي ما مرام اخدته زمان ليها
شعرت بالصدمه من حديثها ، ولكنها أسرعت في أحتوائها بحب وصدق
– عمري ما هعمل كده ..
وداعبتها ضاحكه
– ياختي خدي اخوكي كله ، ده عليه شخطه تخض
وتابعت بحديثها تهتف بمزاح
– قربي كده هقولك حاجه ..
فاقتربت منها اروي ، تنظر إليها بترقب
– بخاف منه عامل زي الغوريلا ، اوعي تقوليله
انفرجت شفتي أروي في ضحكة قويه .. تُشاركها “جنه” في الضحك، وسرعان ما كانت تضع أروي بيدها فوق فمها تكتم ضحكتها ..، خوفاً من شقيقها ، ولكنه بالفعل كان قد خرج يصرخ بهم
– جنه
ورغم إنها لم تكن وحدها من ضحكت ، إلا إنه أصبح كالعاده لا يخرج حنقه إلا بها
……………………….
أخذ يقلب في الملفات الموضوعه امامه بضيق ، فصرخ حانقاً بتلك التي تقف أمامه ، وتنظر إليه بقلق :
– فين ورق الصفقه الجديده ياهاله
لتبتلع ريقها بصعوبه خوفا من بطشه
– صدقني ياعامر بيه انا ادتهولك امبارح
فجلس عامر على مقعده بضيق ، وقد بدء يتذكر إنها بالفعل قد اعطته له أمس ،
فرك عنقه بضيق من حاله ، فالورق بمنزله وقد اخذه معه حتي يُراجعه بتركيز .. وبتنهد وهو يزيل عنه رابطة عنقه
– خلي عم نصر السواق يروح يجبهولي من القصر
فهرولت سريعا من امامه وهي حامدة الله بأنه قد تذكر أين قد وضعه …
ورغما عنه كان حديث أكرم يقتحم عقله
” أنت اللي بتخسر يا عامر ، محدش غيرك عمره بيضيع غيرك أنت ”
حاول طرد عبارة صديقه عن عقله ، وقد لفت نظره احد الاظرف الموضوعه فوق سطح مكتبه ، التقطها فضولاً حتي يراها ، وقعت عيناه علي اسم الجمعيه ، فعاد يُلقيها مجدداً أمامه ، يُذكر حاله إنه سيبعث إليهم مبلغ من المال ، لكن ليس لديه وقت ليُلبي الدعوه
ولكن تلك المرة قد علقت عيناه بالعبارة المكتوبه
(دي دعوه من ربنا ليك ، حاول تفوز بيها )
*****
الفصل الثاني والعشرون
*******
ابتسمت بسعاده وهي تُطالع تفاصيل الحفل من حولها، ورغم انها قضت معظم وقتها تغمض عينيها خجلاً مما تراه من تحرر في المظاهر والتعامل..، فالخمر تُقدم للمدعوين ..،و جميع نساء لا يشبهونها ، علقت عيناها بالبعض وما زادها صدمه أن هناك عرب يحتسون الخمر بل ويتباسطون في تعاملاتهم كالغرب…، كانت شاردة في التفاصيل لعلها تُسلي حالها ، فقد تركها بعدما عرفها علي البعض ..
ففاقت من شرودها بعدما ضجرت من حملقتها في المدعوين ..، فقد فحصت وحللت كل شئ حولها ، خرجت أنفاسها بسأم وأخذت تبحث عنه بعينيها ، متجها بنظراتها نحو المكان الذي أتجه إليه
تقدمت منها احدي النادلات وهي تحملبمشروباتهم الكحوليه المُثلجه ،حدقت “صفا”بالمشروب حانقة ..، تتسأل داخلها .. هل هي عمياء أم ماذا .. فمظهرها وحجابها واضحين فلا تحتاج أن تخبرها بشئ ..
وقفت النادلة تُخبرها إنه ليس كحولاً ..، وانه مشروب من نوع خاص ولكن “صفا” لم تفهمها بسبب ركاكتها في اللغة الأنجليزيه ..، ابتعدت عنها النادله بعدما ضجرت من توضيح الأمر لها ..، فاتسعت عينين صفا وهي تراها تبتعد دون أن تتركها تُكمل حديثها الغير مرتب ..، اقترب منها “احمد” وقد لاحظ الأمر وعندما رأي علامات الأستياء فوق ملامحها ..فهم ما حدث
صفا : أنا عايزه أمشي من الحفله
وقبل أن يهتف بشئ ويسألها عن سبب ضيقها من الحفل ، رغم إنها كانت منذ دقائق تُطالع الحفل باستمتاع ..، كما كان يري من بعيد كلما وقع بنظراته نحوها
– احمد
هتفت بها أحدي النساء ..، واقتربت منه تُعانقه ..، وما أدهشها إنه سمح لها باحتضانه
تجهمت ملامح “صفا” وهي تراها ملتصقة به ، و ما زادها حنقاً إنها تُحادثها بالأنجليزيه رغم انها عربية كما يبدو لها من ملامحها ونطقها لأسمه
خرجت زفراتها بصوت مسموع ، فانتبه عليها وقد أشاحت عيناها عنهم
– بوس وأحضان ، و أنا واقفة .. ده أنا حتي زي مراتك
استمع لهمسها ، فابتسم رغماً عنه ..وكاد أن ينفجر ضاحكاً بسبب عبارتها الأخيرة ولكنه تمالك نفسه وأنهي حواره مع الواقفة معتذراً منها بعدما أخبرها برغبة زوجته بالرحيل
شيعتها المرأة بنظرات مستاءة ، ورحلت تحت نظرات “صفا” المتعجبه من نظرتها إليها
– هي بتبصلي كده ليه؟
وبابتسامه جاهد علي إخفاءها ، تمتم وهو يُشيح عيناه عنها
– أصلها عرفت إنك مراتي
– هي مراتك كلمة عيب ، ولا شكلي ضيعت فرصتها
أنفرجت شفتيه في ضحكه عاليه ، وسرعان ما تمالك حاله وهو يلتقط ذراعها
– أنا بقول كفاية عليكي كده ، ويلا يا مجنونه
التمعت عيناها وهي تراه يسحبها خلفه ، حتي توفف بها أمام السيارة ..التقت عيناهم ..، وقد احاط خصرها بذراعيه .. ارتفعت أنفاسها وهي تري نظراته إليها ..، ولكن سرعان ما كان يفيق من شروده وهو يُذكر حاله ..أن التي أمامه ليست “مها” إنها أخري تشبهها في شخصيتها.
………………………
كانت السعادة تملئ قلبها ، وهي تتأمل ثيابها البسيطه وتختار من بينهم ما يناسبها من اجل حفل الدار التي ستقام غداً ، وبابتسامه واسعه كانت تتجه نحو المرآة الصغيرة في الغرفة ..، تنظر نحو الثوب الذي سعت جاهدة في تنسيقه علي أمل أن يكون جميلاً عليها ويظهرها بشكل أصغر ، فقد أصبحت تشعر بالحزن كلما نداها أحداً بالسيدة ولم يسبق لها الزواج ،
حدقت بالثوب بأعين لامعة ، فالثوب جميل ومبهج ويُنير ملامحها
تأملتها “سناء” بعدما دلفت للغرفة بملامح حانقه ، وعندما علقت عيناها بهيئتها لم يزيدها الأمر إلا حقداً
– يعني طردتي ولادي من الاوضه عشان حضرتك تعمليلي حفله عرض ازياء بالهلاهيل بتاعتك ديه ياست حياه
التفت نحوها وقد تلاشت سعادتها ، ولكنها كانت تعلم إذا تحدثت بشئ ..، فلن تنتهي الحكاية إلا بشجاراً
– معلش يا سناء استحمليني ، الحفله بكره وعايزه يكون شكلي حلو
التمعت عينين “سناء” بخبث ، فها هي الفرصه قد أتتها حتي تُلقي عليها عباراتها وتشعرها بنقصها ، رمقت ما ترتديه بنظرات متهمكه رغم جمال الثوب وبساطته
– مهما حاولتي تلبسي مش هتكوني زي بنات اليومين ، أنتِ خلاص يا حياة القطر فاتك ومحدش هيبصلك
وبحقد كات يتقطر من كلماتها ، كانت تردف
– ده أنتِ ، لا مال ولاجمال
ومدّت يدها تلتقط بضعة أثواب ملقاه فوق الفراش
– أنتِ فاكرة شوية الهلاهيل ديه تعجب حد
واستطردت متهكمه وقد شعت عيناها سعاده ، وهي تراها تُقاوم ذرف دموعها
– هدوم موضتها انتهت من التمانينات ..، لولا بس ان اخويا عينيه حلوه مكنش بصلك وطلب ايدك وقال ايه بتدلعي وتقولي لاء
انسابت دموعها فوق خديها ، بعدما فقدرة قدرتها علي مقاومتها ..، لقد هزمتها “سناء” كعادتها ، وجعلتها تفقد كل ذرة أمل داخلها .. بأن تجد من يُحبها ويرضي مهما
– أخوكي يستاهل واحده أحسن مني يا سناء ، مش واحده فاتها قطر الجواز
رمقتها “سناء” بزهو وسعاده ملئت قلبها الحاقد ، وهي تراها تُغادر الغرفه بعدما مسحت دموعها
– لازم افضل احسسك علطول ان مافيش حد هيبصلك ، ما انتي ميبقاش فيكي كل الصفات الحلوه وانا لاء ياست حياه
…………………………
نظر إلى ساعته بإرهاق ، بعدما اغلق اخر ملف كان يطالعه .. ليتذكر تلك الدعوة , التي كان قد قرر إرسال المال إليهم عن طريق أحد موظفينه ..، ولكن لا يعلم كيف غير قراره فجأة وقرر الذهاب بنفسه ..
دلك عنقه لعله يسترخي للحظات قبل نهوضه والأستعداد للذهاب ، فبضعة دقائق لن تضيع من وقته شئ
نهض عن مقعده ، واتجه لغرفته ..، يستبدل ملابسه بأخري أكثر أناقة ورسميه ، نثر الكثير من عطره ، والتقط ساعته الباهظه ، وخاتمه ذو الحجر العتيق وأرتداهما ، ثم هندم سترته وقد ألقي بنظرة أخيرة علي هيئته
هبط الدرج بخطوات متعجله ، ولكنه توقف في منتصفه ..، بعدما صدح رنين هاتفه ، طالع رقم صديقه متعجباً من إتصاله وقد كانوا معاً اليوم في الشركة
– من غير اعذار انا عزمك علي العشا النهارده
تعجب من أمر العزيمه التي يعرضها عليه صديقه ، وقبل أن يعترض كان أكرم يُصر عليه
– مافيش إعتراض يا عامر ، أنا وعدت المدام خلاص إني هخرجها ..، ولا أنت عايز صاحبك يطرد من البيت
أكمل خطواته وهو يضحك علي عبارات صديقه ، يرتب خصلاته بيده الأخري متمتماً
– و أنا ميرضنيش إنك تزعل المدام
– عقبال ما أقولك الكلمه ديه يا عامر
هتف بها “أكرم” ، فتصلبت ملامحه وهو يصعد سيارته ..، فلن يسمعها من أحداً , لأنه لن يعطي أي أمرأه مكانه بحياته ..، هو لو تزوج ، و وجد المرأة التي يبحث عنها ..، ضعيفة ، لا تتحدث ، ترضي بأي شئ يقدمه لها
– أنا مضطر أقفل يا أكرم ، عندي مشوار مهم لازم أروحه وابقي أبعتلي مكان المطعم
وبفضول كان يتسأل أكرم
– مشوار إيه المهم يا عامر ، اوعي تقولي إنك لقيت العروسه
تجهمت ملامح عامر من سخافة صديقه اليوم
– مش ملاحظ إنك بقيت سخيف يا أكرم
– خلاص يا باشا ، هقفل بكرامتي
هتف بها أكرم مازحاً ، قبل أن يغلق الخط ، ويتجه نحو دار الأيتام وقد عاد عقله يشرد في أمر العروس التي سينهي بها أمل “محسن الصواف ” في العودة لأبنته ، وسينجب الوريث الذي سيُخبر به الجميع إنه رجلاً بالفعل ، سيوجع تلك التي رأي الندم في عينيها بعد فعلتها الشنيعة به .
………………………..
وقفت حياه توزع بلالين على الاطفال ، وقد لمعت السعادة في عينيهم ، ربطت للبعض البلالين في أقدامهم كما طلبوا منها ، ركضوا سعداء بالحفل ..، فبعد الحفل سيكون لديهم الكثير من الألعاب والثياب والحلوي
أقتربت منها أحدي الصغيرات وقد كانت تحمل بيدها حذائها ، انحنت نحوها تضحك علي كرهها لأرتداء الاحذيه ، تداعب وجنتيها الشهية ، وتمازحها
– أنا مش عارفه ، إيه سبب عدم حبك للجذم يا ليلي
والصغيرة تُخبرها ، إنها لا تُحب الاحذيه وتجرح أقدامها ..، ركضت الصغيرة من أمامها بعدما نداها اصدقائها وأتجهت نحوهم لتأكل الحلوي
طالعتهم “حياه” بابتسامه واسعه .. تدعو الله أن يمنحهم حياة أجمل حينا يكبرون
تقدمت منها السيده “فاتن” تهتف برضي وهي تتأمل حديقة الملجأ
– الجنينه بقي شكلها جميل اووي ، ربنا يسعدك ياحياه يابنتي زي ما بتسعدي غيرك كده .. وتابعت حديثها تردف بطيبه
– بس مكنش ليه لزوم تاخدي اجازه من شغلك النهارده يا بنتي
– عارفه ياماما فاتن نفسي اقدر اساعد الدار بأكتر من كده ، كنت اتمني يبقي مرتبي كبير واقدر اسعد الأطفال
التمعت عينين “فاتن” بحب ، لطيبتها وحنانها وتقديمها لكل ما تستطيع إلي الأطفال
– كفايه علي الاطفال ابتسامتك وحنانك ، الفلوس عمرها ما بتعادل الحنان يابنتي
………………………….
ضحكاتهم أصبحت تتعالا وقربهم بدء يثمر بصداقه رائعه ، وما نفعها من هذا التقارب هو إنشغال تلك الافعي نيره في السفر للفرع الأكبر بالعاصمة
ركضت أروي ضاحكه بعدما سكبت بعض الدقيق على وجهها
– النهارده حرب الدقيق ، وبلاها الكيكه اللي كنا ناوين نعملها
فاتبعتها جنه بكوب من الدقيق ، راكضه خلفها نحو الحديقه الخلفيه في المنزل ، وأخذوا يتمازحون ، وسرعان ما كانت تتعلق عينين “جنه” بشئ ما خلف أروي ، فالتفت أروي بجسدها ، بعدما أخذها الفضول لتري ما تُحدق به ، صدحت صرخة أروي وهي تري الدقيق ينسكب فوق خصلاتها ، وجنه تركض من أمامها ضاحكه ..، تُخبرها إنها نالت حقها
تعالت صوت ضحكاتهم ، وهم ينفضون ملابسهم ..، عائدين للداخل ، ولكن تيبثت أقدامهم فجأة وكلتاهما تُطالع الأخري بعدما أستمعوا لصوته الجامد ، وقد ودع للتو أحد رجاله ، وكالعادة صرخ باسمها وحدها ، وتقدم منها بملامح يتطاير منها الشر
– جنه
وسرعان ما كانت تفر أروي من أمامه ، وقد تركتها تنال بطشه بمفردها ..، ازدردت لعابها وهي تراه يُحدق بها ويقبض فوق كفيه بوعيد
فتسارعت دقات قلبها خوفاً ، والتفت حولها تبحث عن أروي لعلها تأتي وتخلصها من شقيقها ، ولكن أروي كانت اجبن منها ، بل وأكثر معرفة منها بطباع شقيقها
– عملالي البيت مهزله ، ولا كأنكم في ملاهي ..
تتدافقت عليها كلماته اللاذعه التي أعتادتها منه ، ولم تعد تهتم بشئ يُخبرها به ..، التقط ذراعها وهو يري صمتها هاتفاً بقسوة
– أكلت القطه صوتك دلوقتي يا هانم واتخرستي
ضاقت عيناها ، وبحيلة ماكره لا تعلم كيف أتت على عقلها سلطت عينيها على شئ ما خلفه ،فليس أمامها شئ إلا الهرب من أمامه
جنه : غريبه يعني فاخر جاي لينا البيت
ترك ذراعها ، وقد التف خلفه ، ولكن سرعان ما كان يكتشف كذبتها وتلاعبها به ، ركضت من أمامه وقد تعالت ضحكتها تهتف بسعاده
– الهروب في الحالات ديه نص الجدعنه
تطاير الشر من عينيه وهي يسمعها
– هزارك ماسخ ، ومش مقبول ….
عادت ضحكاتها تتعالا ، غير عابئة بحديثه ، مما زاده حنقاً وتوعداً ..، فقد بدأت هذه الفتاه تخرق قوانينه ، تثير غضبه بل أصبحت لا تهابه ..، وشيئاً فشئ ستقف أمامه تُناطحه
رمقها وهي تصعد الدرج بخطوات راكضه ، ولولا عدم رغبته في رؤية شقيقته معاملته لها لكن صعد خلفها وعاد إليها تورم وجهها ..، وعلي ما يبدو إليه إنها قد أشتاقت للأمر.
……………………
اتسعت ابتسامة السيدة “فاتن” ، وهي تحملق بالمبلغ الضخم الذي تبرع به الواقف أمامها ، التمعت السعاده في عينيها ، غير مصدقة قيمة المبلغ الذي سيساعدها في تصليحات الدار وجلب كل ما ينقص الأطفال من إحتياجات
– ربنا يباركلك ياعامر بيه ، وشكرا انك قبلت دعوة الدار النهارده
فحرك عامر رأسه بإيماءة بسيطة وهو يري السعاده في عينين المرأه السمحه
– اوعدك ان زيارتي مش هتكون الأخيرة
– ماما فاتن انا هبدء بفقرة الأراجوز دلوقتي
تصلبت حواسه وهو يستمع للصوت الذي أصبح يعرفه تماماً ، التف ببطئ نحو صاحبة الصوت ، تتعالا الدهشة فوق ملامحه
تعلقت عينين “حياه” به وقد أصابها الذهول ، تتسأل داخلها لما أتي هذا الرجل لهنا ، لكن سرعان ما كانت تنتبه علي حمقتها ..، فالرجل ميسور الحال وبالتأكيد من المدعوين للحفل لتبرع بالمال ، تلاشت صدمتها عندما وجدت يشيح عيناه عنها
فاشارت نحوها فاتن تدعوها للأقتراب
-أعرفك بحياة يا عامر بيه ، من الزوار الدائمين علي الدار ..، والأطفال بيحبوها أوي ..، ده غير الخدمات الكتيره اللي بتقدمها للدار
تعالت الدهشة فوق ملامح “عامر” ، وقد عادت عيناه تتعلق بها ، احتلي التوتر ملامحها ، فمدّ يده يُصافحها وكأنه لأول مره يراها ، فطالعت يده الممدودة ..، وأبتسمت بحبور وهي تُخرج من جيب تنورتها إحدي الحلوي
– أتفضل
فما كان منه غير انه ابتسم ، من مغزي تلك الهديه ، فقد رفضت مصافحته ولكنه تقبل الأمر برحابة صدر متفهماً سبب رفضها
– شكراً يا أنسه الحياة
هذه المرة أصبح يعلم إنها ليست متزوجه ، من خلو يدها من محبس الزواج
طالعتها فاتن بابتسامة محبة
– روحي ابدأي فقرة المهرج ياحياه ، عشان استاذ عامر يحضرها لانه شكله مستعجل
فانصرفت حياه علي الفور من امامهم ، وقد خفق قلبها من رؤية هذا الرجل مجدداً ، قاومت خفقان قلبها وعادت السعادة ترتسم فوق ملامحها وهي تري الصغار يركضون نحوها بالهدايا التي حصلوا عليها
وقف يُحدق بها ، ولم يعد منتبهاً علي حديث السيدة فاتن ، وقد أخذت تخبره عن الدار والمشرفات وما يسعون له من أجل توفير حياة كريمة للاطفال ، علقت عيناه بها مرة أخري وهي تبتسم ..، ولا يعلم لما أقتحمت صورة المرأة التي يرغب بها عقله.
……………………….
حاولت جاهدة بكتم صوت أنفاسها حتي يظنها غافيه ، و يبتعد عنها ..، شعرت بأنفاسه الساخنه فوق صفحات وجهها ، فارتفعت وتيرة أنفاسها رغماً عنها ، ابتسم بخبث وهو يكتشف تظاهرها بالنوم :
– انا عارف انك صاحيه ياجنه ، متحاوليش تهربي مني بالنوم .. بدل ما اعمل حاجه اخليكي تندمي عليها
احتلي الخوف قلبها ، ولكنها حاولت التماسك وتظاهرها بالنوم ، حتي يضجر منها ويتركها
اقترب منها “جاسر” اكثر، وعلامات المكر مرتسمه فوق شفتيه ، انتفضت فزعاً وهي تنهض من فوق الاريكة ..، تشهق بصدمه وهي تضع بيدها فوق شفتيها ، فقد حاول تقبيلها:
– انت قليل الادب
صدحت ضحكاته الساخرة ، وهو يراها بتلك الهيئة ، وقد عاد الذعر يحتل عينيها
طالعها بخبث… ينتظر رؤية صدمتها الأخري ، وقد كان متوقع ما سيحدث ، وها هو يري ردة فعلها التي زادته عبثاً ..،اطبقت فوق جفنيها بقوة ..، لا تُصدق إنه يقف أمامها عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطالا قطنياً ..
– أستر نفسك
عادت ضحكته تتعالا ، لا يستوعب ما تفوهت به ، ولكن سرعان ما عاد لتلاعبه بها
– عشان متحاوليش تلعبي معايا تاني سامعه ..واتجه نحو المنضدة التي تجاور فراشه ، والتقط علبة سجائره ، دس السيجارة بين شفتيه وعاد يرمقها بتمهل ونظرات جامده :
– أنتِ في بلد في الصعيد ، والناس هنا ليها قواعد غير مكانتي وسط الناس بحذرك من اي تصرف يهز صورتي ، لا إلا هوريكي الجزء الوحش من جاسر المنشاوي .. واللي حصل النهارده هعتبره غلطه
أراد أن يري الخوف في عينيها ، ولكنها وجدها تستلقي فوق الاريكه تعبث في هاتفها القديم بطريقه عشوائيه حتي تتجاهله ، أستشاط غضباً من فعلتها واقترب منها يلتقطها من ذراعها ، فانتفضت صارخة :
– طب برود ببرود بقي ياجنه ، قومي هاتي ميه سخنه واغسليلي رجلي .. ما انا النهارده حابب ألعب معاكي لعبة القط والفار
دفعها من أمامه ، وقد ظنها سترفض أمرها ، ولكنها تفاجأ بابتسامتها المصطنعه
– عنيا ليك يا سي جاسر
تطايرت حمم الغضب من عينيه ، وهو يسمع عبارتها قبل أن تفر من أمامه ، ضغط فوق شفتيه بقوه يحادث نفسه :
– ماشي يا جنه
وبعد وقت .. كنت تجلس تحت قدميه تُدلكهما له بتمهل :
– قولتلك اللعب مع جاسر مينفعش
فرفعت وجهها نحوه وبنبرة بارده , كما أصبحت تتعلمه منه :
– هو أنت فاكر أإن أنا بعمل كده عشان خايفه منك ، يبقي للاسف مفهمتنيش يا ابن حسن المنشاوي .. بس انا بطيعك عشان طاعة الزوج
واردفت بخبث ، تنتظر رؤية ردة فعله
– غير لما اطلب منك وانا تعبانه تغسلي رجلي تبقي تغسلها ليا
ألجمته عبارتها ليرفع حاجبه الأيسر يرمقها بمقت ، يهتف حانقاً:
– نعم ياختي
جنه : اه وفيها ايه ، هقدم السبت عشان الاقي باقي الاسبوع ..غير ان اللي أنا أعرفه ان سيادة النائب راجل خدوم واللي بيقدم ليه خدمه بيقدمله عيونه ولا ايه
فانتفض من مكانه يتوعد لها :
– نجوم السما أقربلك ، وشكلي اتهونت معاكي في حاجات كتير
فنهضت قبلته ترفع شفتيها إستنكاراً :
– هتضربني تاني ، بس افتكر ان كل صفعة بتفقد فيها رجولتك
ليصرخ بها بعدما لم يعد يستطيع تحمل ردودها :
– اطلعي بره الاوضه مش عايز اشوف وشك السعادي ،غوري نامي في اي مكان تاني
لتترك له الغرفة ، فأخذ يدور بها كالمجنون وقد فقد صوابه بسبب وقوفها أمامه غير عابئة منه
ارتسم الزهو فوق شفتيها وهي تهبط الدرج… فتلاقت عينيها بعينين أروي وعلي ما يبدو إنها أستمعت لشجارهم، طالعتها أروي بأسف :
– أنا أسفه ياجنه !
…………………..
اغمض عيناه بقوه وهو يطرد أحداث ذلك اليوم من عقله ، فقد اصبح يكره التفكير في اي يوم يمر عليه ولكن اليوم كان مختلفاً تماماً عن باقية الايام .. ، ليتذكر تفاصيل يومه في دار الايتام ويتذكرها هي خصيصاً وكيف شيعها بنظره طويلة قد ألقاها عليها قبل الرحيل ..، وكأنه عقله بدء يتخذ القرار نحوها ،
أتكأ بجسده على جانبه الايمن ، وقد عاد لشروده في تفاصيل ملامحها فلم تكن بارعة الجمال ، ولكنه لن يختارها لجمالها ..، فهو لا يُريد إلا زوجه يضعها في قصره كأثاثه الثمين ، لا تسمع ولا تري ولا تتكلم ..، تعرف تماماً إنه تفضل عليها بالزواج منها ، وانها لا قيمه لها بحياته ..، إنما هي زوجة تمتعه متي يشاء ، لا يسمع منها غير كلمة نعم .
اقتحمت هذه المرة صورة أخري علقه ، تلك التي شاركتهم طاولة العشاء برفقة عائلة صديقه ، وقد دعتها زوجة صديقه ، لعلها تجذبه بملامحها الجميلة الفاتنه وجسدها المتناسق الذي يشبه عارضات الأزياء ، بجانب شهادتها الجامعيه , فهي طبيبة أسنان ، ذو أصل عريق ، مثقفة .. وقد ظن صديقه إنها نالت إعجابه لتحاوره معها في بعض الحديث ، ورغبته في زيارة عيادتها ، ولكنها كانت بعيدة عن الصورة التي يرغبها.
……………………
كان الملل يحتل كل جزء من عقلها فلا شئ يُسليها في هذا المنفي ، رغم انه منفي جميلا وبجانب من تمنته في أحلامها , إلا أن المكان كالجليد مثل صاحبه ..
زفرت أنفاسها بضجر، وهي تُفكر في شئ تفعله إلى ان وقفت امام خزانة ملابسها وقد ملئها لها بكل ما تحتاجه من ثياب عصرية.
التقطت تنوره قصيره ، لا تعرف لما جلبها لها , وهي محجبه وبالتأكيد لن ترتديها في المنزل ..، فهي ليست زوجه حقيقية تتزين لزوجها حتي تغريه بفتنتها وجمالها ، نفضت هذه الأفكار من رأسها متهكمة علي حالها ..، واسرعت في التقاط بلوزه رائعة التصميم تُناسقها في اللون
أرتدتهم بسعاده وخاصة بعدما تأملت هيئتها بالمرآة ورأت جمالها فيهما
اشعلت المسجل وقد أتتها رغبة بالرقص ، و أخذت تدور بالتنورة على غنوة صاخبة بلحنها وشعرها يتطاير نحوها بخفه ..
شردت في لحظات ليست بقديمة ، فتذكرت رقصتها التي أصرت عليها “ناهد” بأن ترقصها وسط صباح وسعاد رفيقاتها بالقصر ..، أقتحمت صورة ناهد عقلها بحنين وشوق عصف بفؤادها ، تتمني مهاتفتها , ولكن اين هاتفها فقد تحطم منها قبل ان تأتي لهنا ..
اطفأت المسجل ، وجلست على فراشها بأسي تلتقط أنفاسها .. وقد ضاع رغبتها في الرقص مع أحزانها
ومع مشاعرها الحزينه المشتاقه ، لم تسمع صوت الطرقات علي باب حجرتها ثم دلوفه الغرفة ، يضع هاتفه على أذنيه يهتف بمن يحادثه :
– ثواني ياماما هخليها تكلمك
رفع بهاتفه نحوها : صفا .. ماما عايزه تكلمك لانك وحشاها
وسرعان ما كانت أحزانها تتلاشي ، تلتقط منه الهاتف وتُحادث ناهد ، تحركت أمامه بخفة ودلال لما تقصده ..، فانتبه علي ما ترتديه أخيراص ، و لأول مرة يراها بهذا التحرر ، أخذت عيناه تتفرسها بتفحص
أنتهت المكالمه لتناوله الهاتف بسعاده :
– كان نفسي أكلمها اووي ، مكنتش عارفه ان ربنا هيحققلي امنيتي بالسرعه ديه
ولكن لا رد كانت تتلقاه منه ، فقد كانت عيناه عالقه بجسدها الذي يظهر إليه بسخاء وبدعوه صريحة .
يتبع…
